حضر يوم الفراق لطاب، لو غنّى للجواد الممتدّ في طلقه لصفن (١)، او للميت - استغفر الله - لقام ينفض الكفن (٢)، لا يلذ إلا به الغزل، ولا يعد أحد من طبقته إلا إذا نزل.
قال أبو الفرج، قال [ص ٣٢] إسحاق: كان جميل الوجه حسن الغناء، جيد الصنعة، طيب الصوت، حسن الرأي، فقيها قارئا للقرآن، وكان يغني مرتجلا، وأدرك دولة بني العباس، وبقي إلى ايام الرشيد، وكان معدّل الشهادة بالمدينة.
قال إسحاق: ولي مسلمة بن عباّد القضاء بالبصرة، فقصد ابنه عباد بن مسلمة عطردا وهو بها مقيم، قد قصد آل سليمان بن علي وأقام معهم، فأتى بابه ليلا فدقّ عليه، ومعه جماعة من أصحابه أصحاب القلانس، فخرج عطرّد إليه، فلما رآه ومن معه ارتاع، فقال لا ترع (٣): [الكامل]
إنّي قصدت إليك من أهلي … في حاجة يأتي بها مثلي (٤)
قال: وما هي أصلحك الله؟ فقال:
لا طالبا شيئا إليك سوى … «حيّ الحمول بجانب العزل» (٥)
قال عطردّ: [انزلوا] على بركة الله، ولم يزل يغنيهم هذا وغيره حتى أصبحوا.
стр. 4132
قال: ولي زيد الهاشمي المدينة، فأمر بأصحاب الملاهي فحبسوا، وحبس عطرّد فيهم، وحضر لعرضهم، وشفع في عطرّد رجال من المدينة وأخبروه أنه من أهل الدين والمروءة، فخلّى سبيله، وخرج فإذا هو بالمغنّين قد أحضروا ليعرضوا، فرجع إليه عطرّد فقال: أصلح الله الأمير، أعلى الغناء حبست هؤلاء؟ قال نعم، قال: فلا تظلمهم فو الله ما أحسنوا شيئا منه قط، فضحك وأطلقهم جميعا.
١٠ - الأبجر (١)
وكان ذا طرب يفرط في لجاجته، ويلهي العجول عن حاجته، ينهب حبّات (٢) القلوب نهبا، ويأخذ حباء الملوك غصبا، لو تغنّى ساعة عرفة لألهى الحجيج، أو ثبّى يوم منى لأكثر الضجيج، لو قدمت الخمس الظوامي وهو يترنم إلى الماء، لطوت جوانحها على الغلل الظماء (٣)، وكان لا يرى إلا في هيئة تسرّ المبصر، وتسوّل للغويّ (٤) أنه لا يقصر.
قال أبو الفرج، قال إسحاق: لم يكن أحد أظرف منه، ولا أحسن هيئة منه، كانت حلته بمائة دينار، وكان يقف بين المأزمين (٥) ويرفع صوته، فيقف الناس له ويركب بعضهم بعضا.
стр. 4133
قال إسحاق: جلس الأبجر في ليلة اليوم السابع من أيام الحج على قرب من التنعيم (١)، فإذا عسكر جرّار قد أقبل في آخر الليل، وفيه دواب تجنب وفيها [ص ٣٣] فرس أدهم [سرج] حليته ذهب، فاندفع يغنّي: (٢) [الطويل]
عرفت ديار الحيّ خالية قفرا … كأنّ بها لما توهمتها سطرا
فلما سمعه من في القباب والمحامل أمسكوا، وصاح صائح: ويحك أعد الصوت، فقال: لا والله، إلا بالفرس الأدهم، بسرجه ولجامه وأربعمائة دينار، وإذا الوليد بن يزيد صاحب العسكر، فنودي أين منزلك؟ ومن أين أنت؟ قال: أنا الأبجر، ومنزلي على رأس زقاق الخرازين، فغدا إليه رسول الوليد بذلك الفرس وأربعمائة دينار وتخت من ثياب وشي وغير ذلك، ثم أتى به الوليد فأقام عنده وقام مع أصحابه عشية التروية (٣)، وهو أحسنهم هيئة وخرج معه إلى الشام.
قال عمر بن حفص بن كلاب: كان الأبجر مولانا، وكان إذا قدم المدينة نزل علينا، فقال لنا يوما: أسمعوني غناء ابن عائشتكم هذا، فأرسلنا إليه فجمعنا بينهما في بيت ابن هفان (٤)، فغنّى ابن عائشة، فقال الأبجر: كل مملوك لي حر إن غنّيت معك إلا بنصف صوتي (٥)، ثم أدخل إصبعه في شدقه، ثم غنّى، فسمع صوته من في السوق فحشر النّاس علينا، فلم يفترقا حتى تشاتما، قال:
وكان ابن عائشة حديدا (٦) جاهلا.
стр. 4134
قال إبراهيم بن المهدي: حدثني ابن أشعب عن أبيه قال: دعا الوليد بن يزيد ذات يوم المغنين، وكنت نازلا معهم، فقلت للرسول: خذني معهم، قال: لم أؤمر بذلك، وإنما أمرت بإحضار المغنّين، وأنت بطّال (١) لا تدخل فيهم، فقلت له:
والله أنا أحسن غناء منهم، ثم اندفعت فغنيت، فقال: لقد سمعت حسنا، ولكني أخاف، فقلت: لا خوف عليك ولك مع هذا شرط، قال: وما هو؟ قلت:
كل ما أصبته فلك شطره، فقال للجماعة: اشهدوا عليه، فشهدوا، ومضينا فدخلنا على الوليد وهو خاثر (٢) النفس، فغناه المغنون في كل فن من ثقيل وخفيف، فلم يتحرك ولا نشط، فقام الأبجر إلى الخلاء، وكان خبيثا داهيا، فسأل الخادم عن خبره وبأي شيء هو خاثر النفس، فقال: بينه وبين امرأته كلام، لأنه عشق اختها فغضبت عليه، وهو إلى أختها أميل، وقد عزم على طلاقها، وحلف لها لا يذكرها بمراسلة ولا بمخاطبة، وخرج على هذا الحال من عندها، وعاد الأبجر إلينا [ص ٣٤] فما استقر به مجلسه حتى اندفع يغني: (٣) [الطويل]
فبيني فإني لا أبالي وأيقني … تصاعد باقي حبّكم أم تصوبا
ألم تعلمي أني عزوف عن الهوى … إذا صاحبي من غير شيء تغضّبا
فطرب الوليد وارتاح، وقال: أصبت والله يا عبيد [الله] ما في نفسي، وأمر له بعشرة آلاف درهم، وشرب حتى سكر، ولم يحظ أحد بشيء سوى الأبجر، فلما أيقنت بانقضاء المجلس، وثبت وقلت: يا أمير المؤمنين إن أمرت من يضربني مئة الساعة، فضحك ثم قال: قبحك الله، وما السبب في ذلك؟ فأخبرته بقصتي مع الرسول، فأريد أن أضرب مئة ويضرب بعدي مئة، فقال: لقد ألطفت، بل
стр. 4135
أعطوه مئة دينار، وأعطوا الرسول خمسين دينارا من مالنا، عوض الخمسين التي (١) أراد أن يأخذها ابن اشعب، فقبضها وقمنا، فما حظي أحد بشيء غيري وغير الرسول (٢).
قال إسحاق: حدّثت أن الأبجر أخذ صوتا من الغريض ليلا، ثم دخل الطواف، فلقي عطاء بن أبي رباح يطوف، فقال له: يا أبا محمد اسمع صوتا أخذته في هذه الليلة من الغريض، فقال له: ويحك، في هذا الموضع، فقال: كفرت برب هذه البنيّة لئن لم تسمعه مني سرّا إن لم أجهر به، فقال: هاته، فغناه: (٣) [السريع]
عوجي علينا ربّة الهودج … إنك إن لم تفعلي تحرجي
في الحجّ إن حجّت وما ذا منى … وأهله إن هي لم تحجج
فقال له عطاء: الخير كله في منى وأهله، حجّت أو لم تحجّ فاذهب الآن.
قال: وختن عطاء بنيه أو بني أخيه، فكان الأبجر يختلف إليهم ثلاثة أيام يغني [لهم].
١١ - فريدة (٤)
وكانت فريدة جمال، ووحيدة كمال، وبديعة حسن وإحسان، وفصيحة عود ولسان، ربيبة خدر، وشبيهة بدر، ومتقنة لطرب، ومحسنة لا يقاس بها من
стр. 4136
إذا أحسن كان قد ضرب، توقع الضرب فلا تبين أناملها اللمس، وتضرب بالدّفّ فلا يظنّ إلا أن البدر في يد الشمس، ولع بها الواثق أشد الولوع، وكان يضنّ بها على من بعده، ويجري (١) الدموع.
قال أبو الفرج، قال علي بن يحيى المنجم: حدثني محمد بن الحارث بن بسخنّر قال: كانت لي في خدمة الواثق في كل جمعة نوبة، إذا حضرت، ركبت إلى الدار، فإن نشط للشرب [ص ٣٥] أقمت عنده، وإن لم ينشط انصرفت، وكان رسمنا ألا يحضر أحد منا إلا في يوم نوبته، فإني لفي منزلي في غير يوم نوبتي، إذا رسل الواثق قد هجموا عليّ وقالوا لي: احضر، قلت: لخير؟ قالوا:
خيرا إن شاء الله، فقلت: إن هذا يوم لم يحضرني فيه أمير المؤمنين قط، ولعلكم غلطتم، قالوا: الله المستعان، لا تطل وبادر، فقد أمرنا أمير المؤمنين أن لا ندعك تستقر على الأرض، فداخلني فزع عظيم، وخفت أن يكون ساع سعى عليّ، أو بلية قد حدثت في رأي الخليفة فيّ، فتقدمت لما أردت حتى وافيت الدار [فذهبت] لأدخل (٢) من حيث كنت أدخل، فمنعت، وأخذ بيدي الخادم، فعدلوا بي إلى ممرات لا أعرفها، فزاد ذلك من جزعي، ثم لم يزل [الخدم] يسلموني من خدم إلى خدم حتى أفضيت إلى دار مفروشة الصحن (٣)، ملبسة الحيطان بالوشي المنسوج بالذهب، ثم أفضيت إلى رواق أرضه وحيطانه ملبسة
стр. 4137
كذلك، ثم نظرت فإذا الواثق في صدره على سرير مرصع بالجوهر، وعليه ثياب منسوجة بالذهب، وإلى جانبه فريدة جاريته عليها مثل ثيابه وفي حجرها عود، فلما رآني قال: جودت (١) والله يا محمد إلينا (٢)، فقبلت الأرض، وقلت:
خيرا يا أمير المؤمنين، قال: خيرا، أما ترانا: طلبت والله ثالثا يؤنسنا، فلم أر أحق بذلك منك، بحياتي بادر وكل شيئا وعجّل إلينا، فقلت: قد والله يا سيدي أكلت وشربت آنفا، قال: فاجلس، فجلست، وقال: هاتوا لمحمد رطلا في قدح [فأحضرت]، فاندفعت فريدة تغني: (٣) [الطويل]
أهابك إجلالا وما بك قدرة … عليّ ولكن ملء عين حبيبها
وما هجرتك النّفس أنّك (٤) عندها … قليل ولكن قلّ منك نصيبها
فجاءت والله بالسحر، ثم إن الواثق جعل يحادثها في خلال ذلك وتغني الصوت بعد الصوت، وأغني أنا أيضا في خلال غنائها، فمّر لنا يوم حسن، ما مرّ لأحد مثله، فإنا لكذلك إذ رفع رجله فضرب بها صدر فريدة ضربة فدحرجها من السرير إلى الأرض، وتفتت عودها ومرت تصيح، وبقيت كالمنزوع الروح، لم أشك في أن عينه وقعت عليّ، وقد نظرت إلى الأرض، وأطرقت أتوقع ضرب العنق، فأنا كذلك إذ قال: يا محمد، فوثبت قائما، فقال: ويحك، أرأيت ما اتفق، علينا؟ قلت: يا سيدي، الساعة تخرج روحي، فقل لي، من أصابنا بالعين [ص ٣٦] لعنه الله، وما كان السبب؟ قال: لا والله، ولكني فكرت أن جعفرا كان يقعد هذا المقعد، وتقعد معه كما هي قاعدة معي، فلم أطق الصبر، وخامرني ما
стр. 4138
أخرجني إلى ما رأيت، فسرّي عني، وقلت: بل يقتل جعفر ويحيا أمير المؤمنين أبدا وقبّلت الأرض وقلت: الله الله يا أمير المؤمنين ارحمها فأمر بردّها، فقال لبعض الخدم الوقوف من يجيء بها، فلم يكن بأسرع من أن أقبلت وفي يدها عودها، وعليها غير الثياب التي كانت عليها، فلما رآها جذبها إليه وعانقها، فبكت وجعل يبكي، واندفعت أنا في البكاء، وقالت: ما ذنبي يا مولاي، وبأي شيء استوجبت هذا، فأعاد عليها ما قاله لي وهو يبكي، فقالت: سألتك الله يا أمير المؤمنين إلا ضربت عنقي السّاعة وأرحتني من الفكر في هذا، وأرحت نفسك من الهم، وجعلت تبكي ويبكي، ثم مسحا أعينهما، ورجعت إلى الغناء، وأومأ إلى خدم فمضوا وأحضروا أكياسا فيها عين وورق (١)، ورزما فيها ثياب كثيرة، وجاء خادم بدرج ففتحه فأخرج منه عقدا ما رأيت مثله قط فألبسها إيّاه، وأحضرت بدرة (٢) فيها عشرة آلاف درهم فوضعت بين يديّ، وخمسة تخوت (٣) ثياب، وعدنا إلى أمرنا، وإلى أحسن ما كنا فيه، فلم نزل كذلك إلى الليل، ثم تفرقنا.
وضرب الدهر من ضربه، وتقلد المتوكل الخلافة، فو الله إني لفي منزلي في غير يوم نوبتي، إذ هجم عليّ رسل الخليفة، فما أمهلوني حتى ركبت وصرت إلى الدار، فأدخلت والله الحجرة بعينها، وإذا المتوكل في الموضع الذي كان فيه الواثق بعينه، وعلى ذلك السرير، وإلى جانبه فريدة، فلما رآني قال: ويحك ما ترى ما نحن فيه من هذه! أنا من غدوة أطلبها أن تغني فتأبى ذلك، فقلت: سبحان الله، تخالفين سيدك وسيد البشر، بحياته غني، فضربت والله العظيم واندفعت
стр. 4139
تغنّي: (١) [الوافر]
مقيم في ضريح لا يرجّى … إياب منه إلا في المعاد
فلا تبعد فكلّ فتى سيأتي … عليه الموت يطرق أو يغادي
ثم رمت بالعود إلى الأرض، ورمت نفسها عن السرير، وقامت تعدو وهي تصرخ: وا سيّداه، فقال [لي]: ويحك ما هذا؟ فقلت: ما أدري، قال: ويحك ما ترى؟ فقلت: أرى والله يا سيدي [ص ٣٧] أن أنصرف أنا وتحضر هذه ومعها عودها، وتحضر غيرها من الجواري، فإن الأمر يؤول إلى ما يحب أمير المؤمنين، قال: فانصرف في حفظ الله، فانصرفت، ولم أدر ما كانت القصة بعد ذلك.
١٢ - الدّلال (٢)
ألأم لئيم، وأخبث زنيم، وأقبح مؤنث مذكر، وساع بين اثنين في منكر، سواء لديه شهوات الرجال والنساء، وبياض الصباح وظلمة المساء، قد انغمس في القبيح، وارتكز في الغش ذي النصيح (٣)، كان يسلك المنهجين، ويهتك الفرجين، ويهلك في الزوجين مع الوقوع، فذهب مفتونا، وخلد في النار ملعونا.
قال أبو الفرج: لم يكن في المخنثين أحسن وجها، ولا أنظف ثوبا ولا أظرف
стр. 4140
من الدلال، وهو أحد من خصاه ابن حزم، فلما فعل ذلك به قال: الآن تمّ الخنث. قال: وإذا تكلّم أضحك الثكلى، وكان مبتلى بمخاطبة النساء (١)، فكان كل من أراد خطبة من امرأة جليلة سأله عنها وعن غيرها، ولا يزال يصف له واحدة واحدة حتى ينتهي إلى ما يعجبه منهن.
قال مصعب الزبيري: أنا أعلم خلق الله بالسبب الذي من أجله خصي الدّلال، وذلك أنّه [كان] القادم يقدم المدينة فيسأل عن امرأة يتزوجها، فيدلّ على الدلال، فإذا جاء فقال صف لي من تعرف من النساء للتزويج، فلا يزال يصف واحدة واحدة حتى يوافق قوله، فيقول: كيف لي بذلك، فيقول: امهرها كذا وكذا، فإذا رضي بذلك، أتاها الدلال فقال لها: إني قد أصبت لك زوجا وهو هيئته ويساره، ولا عهد له بالنساء، وإنما قدم [بلدنا] آنفا، ولا يزال بذلك يشوّقها ويحرّكها حتى تطيعه، فيأتي الرجل فيعلمه أنّه قد أحكم ما أراد، فإذا سوّي الأمر تزوجته الامرأة وقال لها: قد آن لهذا الرجل أن يدخل بك، والليلة موعده، وأنت مغتلمة (٢) شبقة جامّة، فساعة يجامعك [يراك] قد دفعت عليه مثل سيل العرم، فيقذرك ولا يعاودك، وتكونين (٣) من أشأم الناس على نفسك وعلى غيرك، فتقول: ما أصنع؟ فيقول لها: أنت أعلم بدواء فرجك ودائه، وما يسكن عليه، فتقول له، ما أعرف شيئا أشفى من الجماع، فيقول لها: إن لم تخافي من الفضيحة فابعثي إلى بعض الزنوج حتى يقضي بعض وطرك، ويكفّ عادية فرجك، فتقول له: ويلك، ولا كل هذا، فلا تزال المحاورة بينهما حتى
стр. 4141
يقول: فكما جاء عليّ فأنا أقوم أخففك وإني إلى التخفيف أحوج، فتقول المرأة:
هذا الأمر مستور [ص ٣٨]. فيجامعها، حتى إذا قضى لذته منها، قال لها: أما أنت فقد استرحت وأمنت العيب، وبقيت أنا. ثم يجيء إلى الزوج فيقول له (١): قد وعدتها أن تدخل إليك الليلة، وأنت رجل غريب عزب، ونساء أهل المدينة يريدون المطاولة، وكأني بك لما تقربها تفرغ وتقوم، فتبغضك وتمقتك، ولو أعطيتها الدنيا، ولا تنظر في وجهك بعدها، ولا يزال في مثل هذا القول حتى يعلم أنه قد هاجت شهوته، فيقول: تطلب زنجية تجامعها مرتين أو ثلاثة حتى يسكن عليك، فإذا دخلت الليلة بأهلك لم تجد أمرك إلا جميلا، فيقول له:
أعوذ بالله من هذا الحال، زنا وزنجية؟ لا والله ما أفعل، فإذا أكثر محاورته فيقول له: قم فافعل بي أنا حتى تسكن عليك غلمتك وشبقك، فيفرح، ويفعل ذلك مرة أو مرتين، فيقول له: قد استوى أمرك وطابت نفسك، فتدخل على زوجتك فتجامعها مجامعة تملأها سرورا ولذة، فيقرب المرأة قبل زوجها، والرجل قبل امرأته، فكان ذلك دأبه، فبلغ ذلك سليمان بن عبد الملك، وكان غيورا، فأمر بأن يخصى هو وسائر المخنثين، وقال: إن هؤلاء يدخلون على نساء قريش ويفسدونهن، فورد الكتاب على ابن حزم [فخصاهم]. وقد قيل إن الذي هيج سليمان بن عبد الملك على ما فعله بمن كان بالمدينة من المخنثين أنه كان مستلقيا على فراشه في الليل، وجارية إلى جانبه، وعليها غلالة ورداء معصفران، وعليها وشاحان من ذهب، وفي عنقها فضلات من حب لؤلؤ وزبرجد وياقوت، وكان سليمان بها مشغوفا، وفي عسكره رجل يقال له سمير الأيلي يغنّي، فلم يفكر سليمان في غنائه شغلا بها، وإقبالا عليها وهي لاهية عنه لا تجيبه مصغية إلى الرجل، حتى طال ذلك على سليمان، فحول وجهه مغضبا، وعاد إلى ما كان من
стр. 4142
همه بها، فسمع سميرا يغني بأحسن صوت وأطيب نغمة: (١) [البسيط]
محجوبة سمعت صوتي فأرّقها … من آخر الليل لما طلّها السّحر
تدني على جيدها ردني معصفرة … والحلي فيها على لبّاتها خصر
في ليلة النّصف ما يدري مضاجعها … أوجهها عنده أبهى أم القمر
لو خلّيت لمشت نحوي على قدم … تكاد من رقّة للمشي تنفطر
قال: فلم يشكّ سليمان أن الذي بها مما سمعت، وأنها تهوى سميرا، فوجه من وقته بمن أحضره ودعا [ص ٣٩] لها بالسيف والنطع، وقال لها: والله لتصدقنّي، أو لأضربن عنقك، قالت: سلني عما تريد، قال: أخبريني عما بينك وبني هذا الرجل، قالت: والله ما أعرفه ولا رأيته قط، وأنا جارية منشئي الحجاز، ومن هنالك حملت إليك، والله ما أعرف بهذه البلاد أحدا سواك، فرقّ لها، وأحضر الرجل فسأله عن مثل ذلك وتلطف في المسألة، فلم يجد بينه وبينها شائبة، ولم تطب نفسه بتخليته سويا فخصاه، وكتب إلى جميع عمّاله بذلك.
قال: لما أخصى المخنثين مرّ بابن أبي عتيق فقال: أخصيتم الدّلال، والله لقد كان يجيد: (٢) [مجزوء الوافر]
لمن ربع بذات الجي … ش أمسى دارسا خلقا (٣)
ثم رجع فقال: إنما أعني خفيفه، لست أعني ثقيله.
قال حمزة النوفلي: صلّى الدّلال المخنث إلى جانبي فضرط ضرطة هائلة سمعها من في المسجد فرفعنا رؤوسنا وهو ساجد يقول في سجوده رافعا صوته:
стр. 4143
سبح لك أعلاي وأسفلي، فلم يبق أحد في المسجد إلا فتن وقطع صلاته بالضحك.
قال المدائني: اختصم شيعيّ ومرجئيّ (١)، فجعل (٢) بينهما أول من يقطع (٣) حكما، فقطع الدلال فقال: يا أبا زيد، أيهما خير الشيعيّ أم المرجئيّ؟
قال: لا أدري، إلا أن أعلاي شيعي وأسفلي مرجئ.
قال: قدم مخنث من مكة، فجاء الدلال فقال له: يا أبا زيد، دلّني (٤) على بعض مخنثي المدينة أكايده وأمازحه وأحادثه، قال: قد وجدته لك، وكان خثيم بن غزال صاحب شرطة زياد بن عبيد الله جاره، وقد خرج في ذلك الوقت ليصلي في المسجد، فقال: الحقه في المسجد، فإنه يقوم فيه ليصلي ليرائي الناس، فإنك ستظفر بما تريد منه، فدخل المسجد وجلس إلى جانب ابن غزال، فقال: عجلي صلاتك لا صلى الله عليك، قال خثيم: سبحان الله، فقال المخنث:
سبحت في جامعة (٥) فرّاجة، انصرفي حتى أتحدث معك، فانصرف خثيم من صلاته، وعاد بالشرط، فقال: خذوه، فأخذوه [فضربوه] مئة سوط وحبسوه.
قال إسحاق: صلى الدّلال يوما خلف الإمام بمكة فقال: ﴿وَما لِيَ لا أَعْبُدُ اَلَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٦)، قال الدّلال: لا أدري والله، فضحك أكثر الناس، وقطعوا الصلاة.
стр. 4144
قال: سأل رجل الدّلال أن يزوجه امرأة فزوجه، فلما أعطاه صداقها وجاء بها إليه ودخل بها، فلما قام يواقعها ضرطت قبل أن يطأها، فكسل عنها ومقتها، وأمر بها فأخرجت، وبعث إلى [ص ٤٠] الدّلال فعرفه ما جرى عليه، فقال له الدلال:
فديتك هذا من عزة (١) نفسها.
فقال: دعني منك، فإني قد أبغضتها، فاردد إليّ دراهمي، فردّ بعضها فقال:
لم رددت بعضها، وقد خرجت كما دخلت؟ قال: للروعة التي أدخلتها على استها، فضحك وقال: أنت أقضى الناس وأفقههم.
قال: خرج الدّلال يوما إلى نزهة مع فتية، وكان معهم غلام جميل الوجه، وجلس يشرب، وسألوه أن يغنيهم فغناهم: (٢) [الطويل]
زبيرّية بالعرج منها منازل … وبالخيف من أدنى منازلهم رسم (٣)
أسائل عنها كلّ ركب لقيته … ومالي بها من بعد مكّتها علم
أيا صاحب الجامات من بطن أرثد … إلى النخل من ودّان ما فعلت نعم (٤)
فإن تك حرب بين قومي وقومها … فإني لها في كل نائرة سلم (٥)
قال: فطرب القوم وصاحوا، فنذر بهم السلطان وتعادت (٦) الشّرط، فأحسوا
стр. 4145
بالطلب، فهربوا وبقي الغلام والدّلال ما يطيقان براحا من فرط السكر، فأخذا وأتي بهما أمير المدينة، فقال للدّلال: يا فاسق، قال: من فمك إلى السماء، فقال: يا عدو الله، وما وسعك بيتك حتى خرجت بهذا الغلام إلى الصحراء تفسق به؟ قال: لو علمت أنك تغار علينا وتشتهي أن نفسق به سرا ما خرجت به من بيتي. قال: جردوه واضربوه حدّا، قال: وأي شيء ينفعك هذا، وأنا والله أضرب في كل يوم حدودا، قال: ومن يتولى ذلك؟ قال: أيور المسلمين، قال:
ابطحوه واجلسوا على ظهره، قال: أحسب الأمير قد اشتهى أن يراني كيف أناك، قال: أقيموه لعنه الله وأشهروه في المدينة مع الغلام، فأخرجا يدار بهما في السّكك، فقيل له: ما هذا يا دلال، قال: اشتهى الامير أن يجمع بين الرأسين، فجمع بيني وبين هذا، ونادى علينا، ولو قيل له الآن إنّك قوّاد غضب، فبلغ خبره الوالي، فقال: خلّوا سبيلهما لعنة الله عليهما.
قال: كان سليمان بن عبد الملك يبلغه نوادر الدّلال وطيبه وحديثه، فوجه مولى له وقال: جئني به سرّا، فنفذ المولى إليه وأعلمه ما أمر به، فخرج معه إلى الشام، فدخل على سليمان ليلا، فقال: ويلك ما خبرك؟ قال: جببت من القبل مرة يا أمير المؤمنين، فهل تريد أن تجبني الكرة من الدّبر؟ فضحك [ص ٤١].
وقال: اغرب أخزاك [الله]، ثم قال له: غنّ، فغنّاه في شعر العرجي: (١)
[الطويل]
أفي رسم دار دمعك المتحدّر … سفاها وما استنطاق ما ليس يخبر
تغيّر ذاك الرّبع من بعد جدّة … وكلّ جديد مرّة يتغيّر
стр. 4146
فقال له سليمان: حق لك يا دلال أن يقال لك أحسنت وأجملت، فو الله ما أدري أيّ أمريك أعجب، سرعة جوابك أم حسن غنائك وجودة فهمك، بل جميعا عجب، وأمر له بصلة سنيّة، وأقام عنده شهرا يشرب على غنائه، ثم سرحه إلى الحجاز.
قال: كان الدّلال لا يشرب النبيذ، فخرج مع قوم إلى متنزّه لهم، ومعهم نبيذ، فشربوا وسقوه عسلا مجدوحا (١)، فكان كلما تغافل صبوا عليه نبيذا، فلا ينكر حتى كثر ذلك وسكر وطرب، فقال: اسقوني من شرابكم، فسقوه حتى ثمل ونام عريانا، فغطاه القوم بثيابهم وحملوه إلى منزله ليلا فنوّموه وانصرفوا عنه، فأصبح وقد تلوثت ثيابه، فأنكر نفسه، فحلف أن لا يغنّي أبدا ولا يعاشر من يشرب نبيذا، فوفى بذلك إلى أن مات، وكان يجالس المشيخة والأشراف فيفيض معهم في اخبار الناس وأيامهم حتى قضى نحبه.
١٣ - أبو سعيد مولى فائد (٢)
رجل حق وباطل، ودينه محلّى وعاطل، لم يحبط بمروءته الغناء، ولا أثّر في مروءته الغناء، وكان على اشتهاره بالغناء ومداومته وإقامة شوقه ومقاومته من
стр. 4147
رجال أهل المدينة، عرضا مصونا وجنابا حصينا، لا ينظر بعين نقيصة، ولا يرى إلا والمسامع على أصواته حريصة، فكان لا يرى مسئولا، ولا يبرح يداوي بريئا ومتبولا.
قال أبو الفرج الاصبهاني: ذكر أن أبا سعيد مولى فائد حضر مجلس محمد بن عمران التميمي قاضي المدينة لأبي جعفر المنصور، وكان مقدما لأبي سعيد، فقال له: يا أبا سعيد، أنت القائل: (١) [الطويل]
لقد طفت سبعا قلت لما قضيتها … ألا ليت هذا لا عليّ ولا ليا
يسائلني صحبي فما أعقل الذي … يقولون من ذكر لليلى اعترانيا
قال: لعمر أبيك إنّي لقائله، وإني لأدمجه إدماجا من لؤلؤ، فرد محمد بن عمران شهادته في ذلك المجلس، وقام أبو سعيد من مجلسه مغضبا وحلف أن لا يشهد عنده [ص ٤٢] أبدا، فأنكر أهل المدينة ردّ شهادته، وقالوا لابن عمران: عرّضت حقوقنا للبوار وأموالنا للتّلف، لأنا كنا نستشهد هذا الرجل لعلمنا ما كنت عليه، والقضاة من قبلك من الثقة به وتقديمه وتعديله، فندم ابن عمران على ردّ شهادته ووجّه إليه فسأله حضور مجلسه والشهادة عنده ليمضي شهادته، فامتنع وذكر أنه لا يقدر على حضور مجلسه ليمين لزمته، إن حضر حنث (٢)، قال:
فكان ابن عمران إذا ادعى أحد عنده شهادة أبي سعيد، صار إلى منزله وإلى مكانه من المسجد حتى يسمع ويسأله عما يشهد به فيخبره، وكان محمد بن عمران كثير اللحم كبير العجز صغير القدمين دقيق الساقين، يشتد عليه المشي، وكان كثيرا ما يقول: لقد أتعبني هذا الصوت «لقد طفت سبعا» وأتعبني (٣)
стр. 4148
وأضرّ بي إضرارا طويلا، وأنا رجل ثقال بترددي (١) إلى أبي سعيد لأسمع شهادته.
وتمام الأبيات:
إذا جئت باب الشّعب شعب ابن عامر … فأقرئ غزال الشّعب منّي سلاميا (٢)
وقل لغزال الشّعب هل أنت تارك … لشعبك أم هل يصبح القلب ثاويا (٣)
لقد زادني الحجّاج شوقا إليكم … وإن كنت قبل اليوم للحجّ قاليا
وما نظرت عيني إلى وجه قادم … من الحجّ إلا بلّ دمعي ردائيا
قال إسحاق: حججت مع الرشيد، فلما قربت من مكة استأذنته في التقدم، فأذن لي، فدخلت مكة، فسألت عن أبي سعيد مولى فائد، فقيل لي هو بالمسجد الحرام، فأتيت المسجد فدللت عليه، فإذا هو قائم يصلي، فجلست قريبا منه، فلما فرغ قال: يا فتى ألك حاجة؟ قلت: نعم، تغنيني «لقد طفت سبعا»، فقال لي أو أغنيك أحسن منه؟ قلت: أنت وذاك، فاندفع يغني شعره: (٤) [الخفيف]
إنّ هذا الطويل من آل حفص … نشر المجد بعد ما كان ماتا
وبناه على أساس وثيق … وعماد قد أثبتا إثباتا (٥)
مثل ما قد بنى له أوّلوه … وكذا يشبه النبات النباتا (٦)
فأحسن فيه، فقلت يا أبا سعيد: «فغنني لقد طفت سبعا»، قال: أو أغنيك
стр. 4149
ما هو أحسن منه؟ [ص ٤٣]، فقلت: أنت وذاك فغنّى (١) فاندفع وقال: (٢)
[الكامل]
قدم الطويل فأشرقت واستبشرت … أرض الحجاز وبان في الأشجار (٣)
إنّ الطويل من ال حفص فاعلموا … ساد الحضور وساد في الأسفار
فأحسن فيه، فقلت: أحسنت يا أبا سعيد، فغنّني «قد طفت سبعا»، فقال:
أو أغنيك ما هو أحسن منه: (٤) [قال: فغنّني؛ فغناه] (٥) [الخفيف]
أيّها السائل الذي يخبط الأر … ض دع النّاس أجمعين وراكا
وأت هذا الطويل من آل حفص … إن تخوّفت غفلة او هلاكا (٦)
فأحسن فيه، فقلت: غنني «قد طفت سبعا» فقد أحسنت فيما غنّيت، ولكني أحب أن تغنّيني ما سألتك فيه، فقال: لا سبيل إلى ذلك، لأني رأيت النبي ﷺ في منامي وفي يده شيء لا أدري ما هو، وقد رفعه ليضربني به وهو يقول: يا أبا سعيد، لقد طفت سبعا، ما صنعت بأمتي [في] هذا الصوت؟ فقلت: بأبي أنت وأمي اغفر لي، فو الذي بعثك بالحق نبيا لا غنّيت هذا الصوت أبدا، فردّ يده عني وقال: عفا الله عنك إذا، ثم انتبهت. وما كنت لأعطي رسول الله ﷺ شيئا في منامي، فأرجع فيه في يقظتي.
стр. 4150
قال إسحاق: فبكيت (١) وقلت: لا تعد يا أبا سعيد في غنائه، فقال: إذا أردت أن تسمعه فاسمعه من منّة جارية البرامكة، فودعته وانصرفت.
قال إبراهيم بن المهدي: كنت بمكة في المسجد الحرام، فإذا شيخ قد طلع، وقد قلب إحدى نعليه على الأخرى، فسألت عنه فقلت: من هذا، فقيل هو أبو سعيد مولى فائد، فقلت لبعض الغلمان: احصبوه، فحصبوه، فأقبل عليّ وقال:
ما يظن أحدكم إذا دخل المسجد إلا أنه له، فقلت للغلام؛ ما يقول لك أبلغني، فقال له أبو سعيد: ومن مولاك حفظك الله؟ فقال: مولاي إبراهيم بن المهدي، فقام فجلس بين يديّ، فقال: لا والله بأبي أنت وأمي ما عرفتك، فقلت: لا عليك، أخبرني [عن] هذا الصوت: (٢) [المتقارب]
أفاض المدامع قبلي الكرى … وقتلى بكثوة لم ترمس (٣)
فقال: هو لي ورب هذا البيت، لا تبرح حتى تسمعه، ثم قلب إحدى نعليه وأخذ [ص ٤٤] بعقب الأخرى وجعل يقرع بحرفيها على الأخرى ويغنّيه حتى أتى عليه، فأخذته منه، وهذا البيت من قصيدة يرثي بها (٤) أبو سعيد بني أمية الذين قتلهم عبد الله وداود ابنا عليّ بن عبد الله بن عباس: (٥) [المتقارب]
أولئك قومي أناخت بهم … نوائب من زمن متعس
стр. 4151
إذا ركبوا زيّنوا الموكبين … وإن جلسوا زينة المجلس
هم أضرعوني لريب الزّمان … وهم ألصقوا الرّغم بالمعطس (١)
قال: لما وضع رأس مروان (٢) بين يدي أبي عباس، خرّ لّله ساجدا، وقال: الحمد لله الذي أظفرني بك، وأظهرني عليك ولم يبق ثاري قبلك وقبل رهطك أعداء الدين، ثم تمثل قول ذي الإصبع العدواني: (٣) [البسيط]
لو يشربون دمي لم يرو شاربهم … ولا دماؤهم للغيظ ترويني
قال: نظر عبد الله بن علي في القتال إلى فتى عليه أبهة الشرف وهو يقاتل مستقبلا، فناداه: يا فتى، لك الأمان ولو كنت مروان بن محمد الأكبر، قال: إلا أكنه (٤) فلست بدونه، قال: فلك الأمان من كنت، فأطرق ثم قال: (٥) [المتقارب]
أذلّ الحياة وكره الممات … وكلا أراه طعاما وبيلا (٦)
فإن لم يكن غير إحداهما … فسيرا إلى الموت سيرا جميلا
ثم قاتل حتى قتل، فإذا هو [ابن] (٧) مسلمة بن عبد الملك.
قال الزبير: سبب قتل السّفاح بني أمية بحضرته، أن السّفاح مدح بقصيدة، فأقبل على بعضهم فقال: أين هذا مما مدحتم به، فقال: هيهات لا يقول والله
стр. 4152
أحد فيكم مثل ما قال ابن قيس الرقيات فينا: (١) [المنسرح]
ما نقموا من بني أميّة إلا … أنهم يحلمون إن غضبوا
وأنّهم معدن الملوك ولا … تصلح إلا عليهم العرب
فقال: يا ماصّ كذا وكذا، إن الخلافة لفي شكّ (٢) بعد! خذوهم، فأخذوا وقتلوا، ثم أمر ببساط فبسط عليهم، ودعا بالغداء، فجلس فوقه يأكل وهم يضطربون تحته، فلما فرغ [من الأكل] قال: ما أعلم أني أكلت أكلة قط كانت أطيب ولا أهنأ من هذه في نفسي [ص ٤٥] فلما رفع الطعام قال: جرّوا بأرجلهم فالقوهم في الطريق ليلعنوهم (٣) أمواتا كما لعنوهم أحياء. قال:
فرأيت الكلاب تجر بأرجلهم وعليهم سراويلات الوشي، حتى أنتنوا، وحفرت لهم بئر فألقوا فيها، وقال ابن هرمة في ذلك: (٤) [البسيط]
فلا عفا اللّه عن مروان مظلمة … ولا أميّة بئس المجلس النّادى
كانوا كعاد فأمسي اللّه أهلكهم … بمثل ما أهلك الماضين من عاد
١٤ - فليح بن أبي العوراء (٥)
رجل طالما ندّم نديما، وعادت صباه عقيما، تمرّ به الرياح مرورها
стр. 4153
بالخيف (١)، ويقوم به السرور فيميل بالحيف، فكان يثقل على محاضره، وينغص على جليسه وناظره، لكنه كان من الجلّة السوابق، وأهل التقدم المأخوذة عنهم الطّرائق، ما غنّى إلا أطرب، ولا قال إلا أعرب.
قال أبو الفرج الأصفهاني، قال محبوب بن الهفتي: دعاني محمد بن سليمان فقال: قدم فليح بن أبي العوراء من الحجاز وقد نزل عند مسجد ابن رغبان (٢)، فسر إليه وأعلمه إن جاءني قبل أن يدخل إلى الرشيد خلعت عليه خلعة من ثيابي، ووهبت له خمسة آلاف درهم، فمضيت فأخبرته بذلك، فأجابني إليه إجابة مسرور به، نشيط له، وخرج معي فعدل إلى حمام كان بقربه، فدعا القيّم فأعطاه درهمين، وسأله أن يجيئه بشيء يأكله ونبيذ يشربه، فجاءه بشراب ورأس عجل ودوشابي (٣) غليظ مسحوري (٤) رديء، فقلت: لا تفعل وجهدت به أن لا يأكل ولا يشرب إلا عند محمد بن سليمان فلم يلتفت إليّ، وأكل من ذلك الرأس وشرب من ذلك النبيذ حتى طابت نفسه، [وغنى] وغنى القيّم معه مليّا، ثم خاطب القيّم بما أغضبه، وتلاحيا (٥) وتواثبا، فأخذ القيّم شيئا [فضربه به على] رأسه فشجه حتى جرى دمه، فلما رأى الدم سائلا على وجهه، اضطرب وجزع، ثم قام فغسل وجهه، وعاجله بصوفة محروقة وزيت
стр. 4154
وعصابة، وتعمّم وقام معي، فلما دخلنا دار محمد بن سليمان، ورأى الفرش والآلة وحضر الطعام ورأى سروره وطيبه، وحضر النبيذ وآلته، ومدّت الستائر، وغنّى الجواري، أقبل عليّ وقال: يا مجنون، سألتك بالله، أيما أحق بالعربدة واولى، منزل القيم أو مجلس الأمير؟ فقلت: وكأنه لا بد من [ص ٤٦] عربدة، قال: لا والله مالي منها بدّ، فأخرجتها من رأسي هناك، فقلت: أما على هذه الشريطة فالذي فعلت أجود، فسألني محمد بن سليمان عما كان منه، فأخبرته، فضحك ضحكا كثيرا وقال: هذا الحديث والله أظرف وأطيب من كل غناء، وخلع عليه وأعطاه خمسة آلاف درهم.
قال فليح بن أبي العوراء: كان في المدينة فتى يعشق ابنة عم [له]، فوعدته أن تزوره، وشكا إليّ أنها تأتيه ولا شيء عنده، فأعطيته كسر دينار للنفقة، فلما زارته قالت له: من يلهينا؟ قال: صديق لي ووصفني لها، ودعاني فأتيته، وكان اول ما غنيت: (١) [الوافر]
من الخفرات لم تفضح أخاها … ولم ترفع لوالدها شنارا (٢)
فقامت إلى ثوبها لتلبسه وتنصرف، فعلق بها، وجهد أن تقيم، فلم تقم، وانصرفت، وأقبل علي يلومني في أن غنيت ذلك الصوت، فقلت: لا والله ما هو شيء اعتمد فيه مساءتك، ولكنه شيء اتفق، قال: فلم نبرح إذ عاد رسولها بعدها ومعه صرة [فيها ألف دينار] دفعها إلى الفتى وقال له: تقول لك ابنة عمك، هذا مهري ادفعه إلى أبي واخطبني، ففعل ذلك وتزوجها. والبيت
стр. 4155
للسليك بن السلكة، وبعده:
كأنّ مجامع الأرداف منها … نقا درجت عليه الرّيح هارا (١)
يعاف وصال ذات البذل قلبي … ويتبع الممنّعة النّوارا (٢)
ومنهم:
١٥ - الهذلي (٣)
كان من القدماء المشاهير من أهل الغناء في المجاهير، لم يذكر معه أحد زاد في حسن الصنعة إلا انتقص، ولا أمال إليه أحد نجوى سمعه إلا رقص، لو سمعه صاحبه أبو ذؤيب (٤) لأنساه ثكل بنيه وسلاه، إذ كان غناؤه في التسلي يغنيه، ولما عرف أنه بين الشعراء يتفجع، ولما رئي إلا مسرورا لا يقول: «أمن المنون وريبها تتوجع» (٥).
стр. 4156
قال أبو الفرج: وكان فتيان قريش يغدون إليه وقد عمل عمله بالليل، ومعهم الطعام والشراب والدراهم، فيقولون: قد جئنا، فيقول: الوظيفة الأخرى، أنزلوا أحجاري، فيلقون ثيابهم ويأتزرون بأزرهم وينقلون الحجارة وينزلونها، ثم ينزل على شنخوب (١) [ص ٤٧] من شناخيب الجبل، ويجلسون تحته في السهل، يشربون وهو يغنيهم حتى المساء وكانوا كذلك مدة.
قال إسحاق: زوج ابن سريج لما حضرته الوفاة الهذلي بابنته، فأخذ عنها أكثر غنائه وادّعاه، فغلب عليه، وولدت ابنا، فلمّا يفع جاز يوما بأشعب (٢) وهو جالس في فتية من قريش، فوثب فحمله على كتفه، وجعل يرقصه، ويقول: هذا ابن مزامير داود، فقيل له: ويلك ما تقول، ومن هذا الصبي؟ قال: أو ما تعرفونه، هذا ابن الهذلي من ابنة ابن سريج، ولد على عود، واستهل على غناء (٣)، وحنك (٤) بملوى (٥)، وشدت سرته بوتر، وختن بمضراب.
١٦ - مالك بن [أبي] السّمح (٦)
مطرب لو لم يضمه معبد إليه لكان نظيره أو يزيد عليه، طرح عليه أصواته
стр. 4157
فحفظها، وشجا حسّاده وأحفظها، وأخذ جوائز الأمراء، وحصل جزيل الثراء، وكان يرمى بحمق ربما أدّاه إلى صواب الرأي، وهواه، وسبب حياته ومدّ مداه، وأحياه ليميت به عداه.
قال أبو الفرج الأصفهاني رحمه الله تعالى، قال الورد (١): كان مالك بن أبي السمح من طيء، فأصابتهم حطمة (٢) في بلادهم بالجبلين (٣)، فقدمت به أمه وأخوه، وأخوات أيتام لا شيء لهم، وكان يسأل الناس عن باب حمزة بن عبد الله ابن الزبير، وكان معبد منقطعا إلى حمزة، يكون عنده ويغنيه، فسمع مالك بن أبي السمح غناءه فأعجبه واشتهاه، وكان لا يفارق باب حمزة، يسمع غناء معبد إلى الليل، ولا يطوف بالمدينة، ولا يطلب من أحد شيئا (٤) ولا يريم (٥) [موضعه] فينصرف إلى أمه ولم يكسب شيئا فتضربه وهو مع ذلك يترنم بألحان معبد ويؤديها دورا دورا، نغما بغير لفظ، ولا روى شيئا من الشعر، وجعل كلما غدا وراح رآه ملازما لبابه، فقال لغلامه: أدخل هذا الغلام الأعرابي إليّ، فأدخله إليه، فقال له حمزة: من أنت يا غلام؟ قال: أنا غلام من طيء أصابتنا حطمة بالجبلين فحطّتنا إليكم، ومعي أم لي وإخوة، وإني لزمت بابك، فسمعت من دارك صوتا أعجبني فلزمت بابك من أجله، فقال: هل أنت تعرف منه شيئا؟ قال: أعرف لحنه كله ولا أعرف الشعر [ص ٤٨]، قال: إن كنت صادقا إنك لفهم،
стр. 4158
ودعا بمعبد فأمره أن يغني صوتا، فغناه، ثم قال لمالك: هل تستطيع أن تقوله؟ قال:
نعم، قال: هاته، فاندفع فغناه وأدى نغمته بغير شعر يؤدي مدّاته وليّاته وعطفاته ونبراته وتعليقاته، ولا يخرم حرفا، فقال لمعبد: خذ هذا الغلام وخرجه فليكونن له شأن، قال معبد: ولم أفعل ذلك؟ قال: لتكون محاسنه منسوبة إليك، وإلا عدل إلى غيرك وكانت محاسنه منسوبة إليه، فقال: صدق الأمير، وأنا أفعل ما أمرني به، ثم قال حمزة لمالك: كيف وجدت ملازمتك لبابنا؟ قال: والله ثم والله، ما شبعت على بابك شبعة قط، ولا انقلبت إلى أهلي منه بخير، فأمر له ولإخوته وأمه بمنزل، وأجرى لهم رزقا وكسوة، وأمر لهم بخادم يخدمهم وعبد يسقيهم الماء، وأجلس مالكا معه في مجلسه، وأمر معبدا أن يطارحه، فلم يلبث أن مهر وحذق، وكان ذلك بعقب مقتل هدبة بن خشرم (١)، فخرج مالك يوما فسمع امرأة تنوح على زيادة الذي قتله هدبة بشعر أخي زيادة: (٢) [الطويل]
أبعد الذي بالنّعف نعف كويكب … رهينة رمس ذي تراب وجندل (٣)
أذكّر بالبقيا على ما أصابني … وبقياي أنّي جاهد غير مؤتلي
فلا يدعني قومي كريما لحرّة … لئن لم أعجّل ضربة أو أعجّل (٤)
فغنّى في هذا الشعر لحنين (٥)، أحدهما نحا فيه نحو المرأة في زوجها ورققه وأصلحه وزاد [فيه]، والآخر نحا فيه نحو معبد في غنائه، ثم دخل على حمزة
стр. 4159
فقال: أيها الأمير إني صنعت غناء [في شعر] سمعته من بعض أهل المدينة ينشده فأعجبني، فإن أذن الأمير غنيته فيه، فقال: هات، فغناه اللحن الذي نحا فيه نحو معبد، فطرب حمزة، وقال: أحسنت يا غلام، هذا الغناء غناء معبد وطريقته، فقال: لا تعجل أيها الأمير واسمع مني شيئا آخر ليس من غناء معبد ولا من طريقته، فقال: هات، فغناه باللحن الذي يشير فيه بنوح المرأة، فطرب حمزة حتى ألقى [عليه] (١) حلّة كانت عليه، قيمتها مئة دينار، ودخل معبد فرأى حلّة حمزة عليه فأنكرها وعلم حمزة بذلك، فأخبر معبدا بالسبب، فأمر مالكا فغناه [ص ٤٩] الصوت (٢)، فقال: قد كرهت أخذها فيعتمد غنائي ويدعيه لنفسه، فقال له حمزة: لا تعجل واسمع غناء صنعه (٣)، ليس من شأنك ولا من طريقتك، وأمره أن يغني اللحن الآخر، فغناه، فأطرق معبد، فقال حمزة: والله لو تفرد بهذا لضاهاك، ثم يتزايد على الأيام، وكلما كبر هو زاد، وكلما شخت أنت نقصت ولأن (٤) يكون منسوبا إليك، اجمل، فقال معبد وهو منكسر: صدق الأمير فأمر حمزة له بخلعة من ثيابه وجائزة، حتى طابت نفسه، وسكن، فقام مالك على رجله فقبل رأس معبد، وقال له: يا أبا عباد [أساءك] ما سمعت من غنائي، بالله العظيم لا أغني لنفسي شيئا أبدا ما دمت حيا، فإن غلبتني نفسي فغنيت شعرا استحسنته لأنسبنّه إليك، فطب نفسا وارض عنّي، فقال له معبد: أو تفعل هذا وتفي به؟ قال: إي والله وأزيد، وكان مالك بعد ذلك إذا غنّى صوتا فسئل عنه، قال: هذا لمعبد، ما غنيت لنفسي شيئا قط، وإنما
стр. 4160
آخذ غناء معبد فأنقله إلى الأشعار وأحسّنه وأزيد فيه وأنقص منه.
قال ابن عائشة: حضرت الوليد بن يزيد يوم قتل، وكان مالك بن أبي السمح معنا، وكان أحمق الخلق، فلما قتل الوليد قال: اهرب بنا، فقلت: وما يريدون منا؟ فقال: وما يؤمنك أن يأخذوا رأسينا فيجعلوا رأسه بينهما ليخفوا أمرهم بذلك، قال ابن عائشة: فما رأيت منه عقلا قط قبل ذاك اليوم.
وفي مالك بن أبي السمح يقول الحسين بن عبد الله بن العباس: (١) [المنسرح]
أبيض كالبدر أو كما يلمع ال … بارق في حالك من الظّلم
من ليس يعصيك إن رشدت ولا … يهتك حقّ الإسلام والحرم (٢)
فيقال إن مالكا قال له: والله ولا إن غويت أيضا أغضبك
١٧ - دحمان الأشقر (٣)
نفق على الخلائف، ونفذ من برّهم باللطائف حتى سمت به نفسه إلى رتب الصعود، وطلب مالم ينله إلا ولاة العهود، وكان له على المهدي نفاق، وبكرمه المجدي أرزاق (٤)، وكان أطرب من سمع، وأطيب من عليه جمع، كان إذا غنّى
стр. 4161
كأنما يستلّ الأكباد [ص ٥٠] ويستلب في كل لحن قطعة من الفؤاد.
قال أبو الفرج: كان يقول: ما رأيت باطلا أشبه بحق من الغناء. ويقال: إن دحمان شهد عند عبد العزيز بن حنظلة (١) وهو يلي القضاء، لرجل من أهل المدينة على رجل من أهل العراق شهادة فأجازها وعدله (٢)، فقال العراقي: إنه دحمان، قال: أعرفه ولو لم أعرفه لسألت عنه، فقال: إنه يغني، ويعلم الجواري الغناء، قال: غفر الله لنا ولك، وأيّنا لا يتغنّى، اخرج إلى الرجل من حقه.
قال عمر (٣) بن شبّة: بلغني أن المهدي أعطى دحمان في ليلة خمسين ألف دينار، وذلك أنه غناه من شعر الأحوص: (٤) [مجزوء الوافر]
قطوف المشي إذ تمشي … ترى في مشيها خرقا (٥)
فطرب واستخفه السرور حتى قال لدحمان: سلني ما شئت، قال: ضيعتان بالمدينة يقال لهما: ريان وغالب (٦)، فأقطعه إياهما، فلما خرج التوقيع إلى أبي عبد الله وعمر بن بزيع، راجعا المهدي فيه وقالا: إن هاتين الضيعتين لم يملكهما
стр. 4162
قط إلا خليفة، وقد استقطعهما ولاة العهود في أيام بني أمية فلم يعطوها، فقال:
والله لا أرجع عنهما إلا بعد أن يرضى، فصولح على خمسين ألف دينار.
قال إسحاق: مرّ دحمان الأشقر المغني وعليه رداء جيد، فقال له بعض من حضر: بكم اشتريت هذا يا أبا عمرو؟ فقال: [المنسرح]
[ما] ضرّ جيراننا إذ انتجعوا (١)
١٨ - سياط (٢)
كان سرورا للسامع، وشجا لابن جامع، لا يزال يغيظه ويزهق باقي ذمائه (٣) من ليس، ويفيظه (٤) ولم تكثر عدد أصواته التي صنفها، وأبياته في الأنغام التي ألفها، إلا أنه يكثر فيها الصناعة، ويظهر فيها البراعة، ويطرب بها ما لا يطرب اليراعة (٥)، وكانت أخباره قلائل، وآثاره عليه دلائل.
قال أبو الفرج، قال إسحاق: ولقب هذا اللقب لأنه كان كثيرا ما يغني: (٦)
стр. 4163
[الوافر]
كأنّ مزاحف الحيّات فيها … قبيل الصّبح آثار السّياط
قال المهدي يوما وهو يشرب لسلامة الأبرش: جئني بسياط وعقال (١) وحبال، فارتاع كل من حضر، وظن جميعهم أنه يريد الإيقاع بهم، فجاء بسياط المغني [ص ٥١] وعقال المدائني الذي كان يوقع عليه، وحبال الزامر، فجعل الندماء يشتمونهم، والمهدي يضحك.
قال: دخل ابن جامع على سياط وقد نزل به الموت، فقال له: ألك حاجة؟ قال: نعم، قال: لا تزد (٢) في غنائي شيئا ليس منه، دعه رأسا برأس، فإنما هو ثمانية عشر صوتا.
١٩ - ابن جامع (٣)
مطرب جليل، ومطر ما عنده قليل، لم يقصر عن إسحاق فيما جمع، ولا تأخر فيما لم يعلق به طمع، وكان لا يرى إلا أن يكون ظيره، وأن يعدّ نظيره (٤)، وله في كل حديث إذا شاء نصيب، وكلام مصيب، إلا أن الغناء كان عليه العلم الذي به عرف، والسبب الذي لولاه لما كان عكف.
стр. 4164
قال أبو الفرج: كان حسن السمت (١)، كثير الصلاة، قد أخذ السجود في جبهته (٢)، وكان يعتم بعمامة سوداء، على قلنسوة، ويلبس لباس الفقهاء، ويركب حمارا مرّيسيّا (٣) في زي أهل الحجاز، فبينما هو واقف على باب يحيى بن خالد يلتمس الاذن عليه، إذ أقبل أبو يوسف القاضي بأصحابه أهل القلانس (٤)، فوقف ابن جامع إلى جانبه فالتفت اليه أبو يوسف، فرأى سمته وحلاوة هيئته، فقال له: امتع الله بك، توسمت فيك الحجازية، قال: أصبت، قال: فمن أي قريش؟ قال: من بني سهم، قال: فأي الحرمين منزلك؟ قال: مكة، قال: فمن لقيت من فقهائهم؟ قال: [سل] عمّن شئت، ففاتحه في الحديث فوجد عنده ما أحبّ، فأعجب به، ونظر الناس إليهما فقالوا: هذا القاضي قد أقبل على المغني، وأبو يوسف لا يدري أنه ابن جامع، فقال أصحابه: لو أخبرناه عنه، ثم قالوا: لعله لا يعود إلى مرافقته بعد اليوم، فلم نغمّه، فلما كان في الإذن الثاني ليحيى، غدا عليه الناس، وغدا عليه أبو يوسف، فنظر ابن جامع، فلما رآه ذهب فوقف إلى جانبه، فحادثه كما فعل [في المرة الاولى] فلما انصرف قال له بعض أصحابه: أيها القاضي، أتعرف هذا الذي ترافقه وتحادثه؟ قال: نعم، رجل من قريش من أهل مكة من الفقهاء، قالوا: هذا ابن جامع المغني، قال: إنّا لله، قالوا: إن الناس قد شهدوا مرافقته (٥) فأنكروا ذلك من فعلك. فلما كان الإذن الثالث، جاء أبو يوسف ونظر إليه فتنكّبه، وعرف ابن جامع أنّه قد [ص ٥٢]
стр. 4165
أنذر، فجاء حتى وقف وسلم عليه، فرد أبو يوسف بغير ذلك الوجه الذي كان يلقاه [به]، ثم انحرف عنه، فدنا منه ابن جامع، وعرف الناس القصة، وكان ابن جامع جهيرا، فرفع صوته ثم قال: يا أبا يوسف، مالك تعرض عنّي؟ أي شيء أنكرت؟ قالوا لك إني ابن جامع المغني فكرهت مرافقتي (١)، اسألك عن مسألة فاصنع (٢) ما شئت، وأقبل الناس نحوهما مستمعين، فقال: يا أبا يوسف، لو أن أعرابيا جلفا وقف بين يديك، فأنشدك بجفاء وغلظ من لسانه، فقال وحكى الأعرابي: (٣) [البسيط].
يا دار ميّة بالعلياء فالسّند … أقوت وطال عليها سالف الأبد
أكنت ترى بذلك بأسا؟ قال: لا، وقد روي عن رسول الله ﷺ في سماع الشعر، وقد روي عنه الحديث. قال ابن جامع: فإن قلت [أنا] هكذا، ثم اندفع يغني فيه حتى أتى عليه، ثم قال: يا أبا يوسف، رأيتني زدت فيه أم نقصت؟ قال: عافاك الله، اعفنا من هذا، قال: يا أبا يوسف، أنت صاحب فتيا، هل زدته أم حسّنته بألفاظي فحسن في السمع، ووصل إلى القلب. ثم تنحّى عنه ابن جامع.
قال: دعا الرشيد يوما جعفر بن يحيى، وابن جامع عنده، فلم يزل يغنّيهم يومهما، ثم انصرفا، فلما كان من الغد، دخل إبراهيم الموصلي على جعفر بن يحيى، فسأله عن يومه فقال له: إنّه لم يزل ابن جامع يغنّينا إلا أنه كان يخرج عن الإيقاع - وهو في قوله هذا يريد أن يطيب نفس إبراهيم - قال، فقال إبراهيم:
أنت تريد أن تطيب نفسي بما لا تطيب، ألا بالله ما ضرط ابن جامع منذ ثلاثين سنة إلا بإيقاع، فكيف يخرج عن الإيقاع في الغناء؟
стр. 4166
كان ابن جامع برّا بوالدته، وكانت مقيمة بمكة، فدعاه إبراهيم بن المهدي فأظهر له كتابا إلى أمير المؤمنين في نعي والدته، فجزع لذلك جزعا شديدا، وجعل يعزيه جميع من حضر، وجاؤوا بالطعام فلم يتركوه حتى أكل وشرب، وسألوه الغناء فامتنع، فقال له إبراهيم: إنك ستبذل هذا لأمير المؤمنين، فابذله لإخوانك، فاندفع يغنّي: (١) [البسيط]
كم بالدّروب وأرض الشام من قدم … ومن مصارع قوم ما هم قبروا
بقندهار ومن تقدر منيّته … بقندهار يرجّم دونه الخبر (٢)
[ص ٥٣] وجعل إبراهيم يسترده حتى صلح له، ثم قال: لا والله، ما كان مما أخبرناك شيء (٣)، فإنما مزحنا معك، فطابت نفسه، ثم قال له إبراهيم: ردّ عليه الصوت، فغنّاه، فلم يكن من الغناء الأول في شيء، فقال إبراهيم: خذه الآن عليّ، فأدّاه إبراهيم على السماع [الأول]، فقال له ابن جامع: أحب أن تطرحه أنت عليّ كذلك.
قال ابن جامع: ضمني الدهر (٤) ضما شديدا بمكة، فانتقلت عنها بعيالي إلى المدينة، فأصبحت يوما ولا أملك إلا ثلاثة دراهم، فهي في كمي، إذا أنا بجارية حميراء، على رقبتها جرة تريد الرّكي (٥) تستقي، وهي ترنم بصوت شجي: (٦) [الطويل].
شكونا إلى أحبابنا طول ليلنا … فقالوا لنا ما أقصر الليل عندنا
стр. 4167
وذاك بأنّ النّوم يغشى عيونهم … سراعا ولا يغشى لنا النّوم أعينا (١)
إذا ما دنا اللّيل المضرّ بذي الهوى … جزعنا وهم يستبشرون إذا دنا
فلو [أنّهم] كانوا يلاقون مثل ما … نلاقي لكانوا في المضاجع مثلنا
قال: فأخذ الغناء بقلبي، ولم يدر لي منه حرف، فقلت: يا جارية ما أدري أوجهك أحسن أم غناؤك؟ فلو شئت أعدت، قالت: حبا وكرامة، ثم اندفعت فغنّته، فو الله ما دار لي منه حرف، فقلت: أحسنت فلو تفضلت فأعدته مرة أخرى، فقطّبت وكلحت (٢) وقالت: ما أعجب أحدكم! لا يزال يجيء إلى الجارية عليها الضريبة فيشغلها، فضربت يدي إلى ثلاثة الدراهم فدفعتها إليها، وقلت لها: أقيمي بها وجهك اليوم إلى أن نلتقي، فأخذتها كالكارهة وقالت:
أنت الآن تريد أن تأخذ مني صوتا، أحسبك ستأخذ عليه ألف دينار وألف دينار، قال:: واندفعت تغني، فأعملت فكري في غنائها حتى بان لي الصوت وانصرفت مسرورا إلى منزلي أردّده حتى خفّ على لساني، ثم إني لما خرجت أريد بغداد، دخلتها فنزل بي المكاري على باب المحوّل (٣)، ولا أدري أين أتوجه، ولا من أقصد، فمازلت أمشي مع الناس حتى أتيت الجسر، فعبرت ثم انتهيت إلى الشارع بالميدان، فرأيت مسجدا بالقرب من دار الفضل بن الربيع مرتفعا، فقلت: مسجد قوم سراة، فدخلته وحضرت صلاة المغرب فصلّيت، وأقمت مكاني حتى صليت [ص ٥٣] العشاء الآخرة على جوع وتعب، وانصرف أهل المسجد، وبقي رجل يصلي خلفه جماعة من الخدم وخول (٤)
стр. 4168
ينتظرون فراغه، فصلّى ملّيا، ثم التفت فقال لي: أحسبك غريبا، فقلت: أجل، فقال:
متى كنت في هذه المدينة، فقلت: آنفا، وليس لي بها منزل ولا معرفة، وليست صناعتي من الصنائع المذكورة لأهل الخير، قال: وما صناعتك؟ قلت: الغناء، فوثب مبادرا، فدخل ووكل بي بعض من معه، فسألت الموكّل بي فقال: هذا سلام الأبرش (١)، قال: فانتهى إلى قصر من قصور الخليفة وجاوز بي من مقصورة إلى مقصورة، حتى أدخلني إلى مقصورة في آخر الدهليز، ودعا بطعام، فأتيت بمائدة عليها طعام من طعام الملوك، فأكلت حتى امتلأت، فإني كذلك إذ سمعت ركضا من الدهليز وقائلا يقول: أين الرجل؟ قال: ها هو ذا، قال: ادعوا له بغسول وخلعة وطيب، ففعل بذلك بي، وحملت على دابة إلى دار الخليفة، فعرفتها بالتكبير والحرس والنيران، فجاوزت مقاصير (٢) عدة، حتى صرت إلى دار قوراء (٣) فيها أسرة في وسطها قد أضيف بعضها إلى بعض، قال: فأمرني الرجل بالصعود، فصعدت، وإذا رجل جالس عن يمينه ثلاث جوار في حجورهن العيدان، وفي حجر الرجل عود، فرحّب الرجل بي، وإذا مجالس خالية، كان فيها قوم قد قاموا عنها، فلم ألبث أن خرج خادم من وراء الستر، فقال للرجل: تغنّ، فانبعث يغنّي بصوت فيه لي وهو: (٤) [البسيط]
لم تمش ميلا ولم تركب على قتب … ولم تر الشّمس إلا دونها الكلل
تمشي الهوينى كأنّ الشمس توحشها … مشي اليعافير في جيآته الوهل (٥)
стр. 4169
فغنّى بغير إصابة وأوتار مختلفة ودساتين (١) مختلفة، ثم عاد الخادم إلى الجارية التي تليه فقال: تغنّي، فغنت بصوت لي كانت فيه أحسن حالا من الرجل، وهو: (٢) [البسيط]
يا دار أضحت خلاء لا أنيس بها … إلا الظّباء وإلا الناشط الفرد (٣)
أين الذين إذا ما زرتهم جذلوا … وطار عن قلبي التّشواق والكمد
ثم عاد الخادم إلى الجارية الثانية فاندفعت تغني بصوت لحكم الوادي وهو: (٤) [الطويل]
فو اللّه ما أدري أيغلبني الهوى … إذا جدّ جدّ البين أم أنا غالبه
فإن أستطع أغلب وإن يغلب الهوى … فمثل الذي لا قيت يغلب صاحبه
[ص ٥٥] ثم عاد الخادم إلى الجارية الثالثة فغنّت بصوت لحنين وهو قوله: (٥)
[الطويل]
مررنا على قيسيّة عامريّة … لها بشر صافي الأديم هجان (٦)
فقالت وألقت جانب السّتر دونها … من ايّة أرض أم من الرّجلان
فقلت لها أما تميم فأسرتي … هديت وأمّا صاحبي فيمان
رفيقان ضمّ السّفر بيني وبينه … وقد يلتقي الشّتى فيأتلفان
стр. 4170
قال: ثم خرج الخادم فقال: تغنّ عافاك الله، فغنّيت بصوت الرجل على غير غنائه، فإذا الخادم قد خرج فقال لي ويحك لمن هذا الغناء؟ فقلت: لي، فانصرف عنّي ثم عاد فقال: كذبت، هذا الغناء لابن جامع، ودار الدّور، فلما انتهى إليّ غنيته بصوت الجارية الثانية، فخرج الخادم فقال: ويحك لمن هذا الغناء؟ فقلت:
لي، فرجع وخرج فقال: كذبت، هذا لابن جامع، ودار الدّور فلمّا انتهى إليّ الغناء تغنيت بصوت لي [لا] يعرف إلا بي، وهو: (١) [الكامل]
عوجي عليّ وسلّمى جبر … فيم الصّدود وأنتم سفر
ما نلتقي إلا ثلاث منى … حتّى يفرق بيننا النّفر (٢)
قال: فزلزلت والله الدار عليهم، وخرج الخادم فقال: ويحك، لمن هذا الغناء؟ فقلت: لي، فرجع ثم خرج فقال: كذبت، هذا الغناء لابن جامع، فقلت: أنا إسماعيل بن جامع، قال: فما أشعر إلا وأمير المؤمنين وجعفر بن يحيى قد أقبلا من وراء الستر الذي كان يخرج منه الخادم، فقال له الفضل بن الربيع: هذا أمير المؤمنين قد أقبل إليك، فلما صعد السرير وثبت قائما، فقال لي: ابن جامع؟ فقلت: ابن جامع جعلت فداك يا أمير المؤمنين، فقال لي: ويحك متى كنت في هذه المدينة؟ فقلت: آنفا دخلتها في الوقت الذي علم بي أمير المؤمنين.
قال: اجلس ويحك يا بن جامع، ومضى هو وجعفر بن يحيى فجلسا في بعض تلك المجالس، وقال لي: أبشر يا بن جامع وابسط أملك، فدعوت له، ثم قال:
غنّني يا ابن جامع غنّني، فخطر ببالي صوت الجارية، فاندفعت أغنّيه، فنظر