← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11790

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط المجمع الثقافي

ابن فضل الله العمري

Полный текст (8 839 стр.). Показаны 4166–4205 · переход к 4171.

стр. 4166

كان ابن جامع برّا بوالدته، وكانت مقيمة بمكة، فدعاه إبراهيم بن المهدي فأظهر له كتابا إلى أمير المؤمنين في نعي والدته، فجزع لذلك جزعا شديدا، وجعل يعزيه جميع من حضر، وجاؤوا بالطعام فلم يتركوه حتى أكل وشرب، وسألوه الغناء فامتنع، فقال له إبراهيم: إنك ستبذل هذا لأمير المؤمنين، فابذله لإخوانك، فاندفع يغنّي: (١) [البسيط] كم بالدّروب وأرض الشام من قدم … ومن مصارع قوم ما هم قبروا بقندهار ومن تقدر منيّته … بقندهار يرجّم دونه الخبر (٢) [ص ٥٣] وجعل إبراهيم يسترده حتى صلح له، ثم قال: لا والله، ما كان مما أخبرناك شيء (٣)، فإنما مزحنا معك، فطابت نفسه، ثم قال له إبراهيم: ردّ عليه الصوت، فغنّاه، فلم يكن من الغناء الأول في شيء، فقال إبراهيم: خذه الآن عليّ، فأدّاه إبراهيم على السماع [الأول]، فقال له ابن جامع: أحب أن تطرحه أنت عليّ كذلك. قال ابن جامع: ضمني الدهر (٤) ضما شديدا بمكة، فانتقلت عنها بعيالي إلى المدينة، فأصبحت يوما ولا أملك إلا ثلاثة دراهم، فهي في كمي، إذا أنا بجارية حميراء، على رقبتها جرة تريد الرّكي (٥) تستقي، وهي ترنم بصوت شجي: (٦) [الطويل]. شكونا إلى أحبابنا طول ليلنا … فقالوا لنا ما أقصر الليل عندنا

стр. 4167

وذاك بأنّ النّوم يغشى عيونهم … سراعا ولا يغشى لنا النّوم أعينا (١) إذا ما دنا اللّيل المضرّ بذي الهوى … جزعنا وهم يستبشرون إذا دنا فلو [أنّهم] كانوا يلاقون مثل ما … نلاقي لكانوا في المضاجع مثلنا قال: فأخذ الغناء بقلبي، ولم يدر لي منه حرف، فقلت: يا جارية ما أدري أوجهك أحسن أم غناؤك؟ فلو شئت أعدت، قالت: حبا وكرامة، ثم اندفعت فغنّته، فو الله ما دار لي منه حرف، فقلت: أحسنت فلو تفضلت فأعدته مرة أخرى، فقطّبت وكلحت (٢) وقالت: ما أعجب أحدكم! لا يزال يجيء إلى الجارية عليها الضريبة فيشغلها، فضربت يدي إلى ثلاثة الدراهم فدفعتها إليها، وقلت لها: أقيمي بها وجهك اليوم إلى أن نلتقي، فأخذتها كالكارهة وقالت: أنت الآن تريد أن تأخذ مني صوتا، أحسبك ستأخذ عليه ألف دينار وألف دينار، قال:: واندفعت تغني، فأعملت فكري في غنائها حتى بان لي الصوت وانصرفت مسرورا إلى منزلي أردّده حتى خفّ على لساني، ثم إني لما خرجت أريد بغداد، دخلتها فنزل بي المكاري على باب المحوّل (٣)، ولا أدري أين أتوجه، ولا من أقصد، فمازلت أمشي مع الناس حتى أتيت الجسر، فعبرت ثم انتهيت إلى الشارع بالميدان، فرأيت مسجدا بالقرب من دار الفضل بن الربيع مرتفعا، فقلت: مسجد قوم سراة، فدخلته وحضرت صلاة المغرب فصلّيت، وأقمت مكاني حتى صليت [ص ٥٣] العشاء الآخرة على جوع وتعب، وانصرف أهل المسجد، وبقي رجل يصلي خلفه جماعة من الخدم وخول (٤)

стр. 4168

ينتظرون فراغه، فصلّى ملّيا، ثم التفت فقال لي: أحسبك غريبا، فقلت: أجل، فقال: متى كنت في هذه المدينة، فقلت: آنفا، وليس لي بها منزل ولا معرفة، وليست صناعتي من الصنائع المذكورة لأهل الخير، قال: وما صناعتك؟ قلت: الغناء، فوثب مبادرا، فدخل ووكل بي بعض من معه، فسألت الموكّل بي فقال: هذا سلام الأبرش (١)، قال: فانتهى إلى قصر من قصور الخليفة وجاوز بي من مقصورة إلى مقصورة، حتى أدخلني إلى مقصورة في آخر الدهليز، ودعا بطعام، فأتيت بمائدة عليها طعام من طعام الملوك، فأكلت حتى امتلأت، فإني كذلك إذ سمعت ركضا من الدهليز وقائلا يقول: أين الرجل؟ قال: ها هو ذا، قال: ادعوا له بغسول وخلعة وطيب، ففعل بذلك بي، وحملت على دابة إلى دار الخليفة، فعرفتها بالتكبير والحرس والنيران، فجاوزت مقاصير (٢) عدة، حتى صرت إلى دار قوراء (٣) فيها أسرة في وسطها قد أضيف بعضها إلى بعض، قال: فأمرني الرجل بالصعود، فصعدت، وإذا رجل جالس عن يمينه ثلاث جوار في حجورهن العيدان، وفي حجر الرجل عود، فرحّب الرجل بي، وإذا مجالس خالية، كان فيها قوم قد قاموا عنها، فلم ألبث أن خرج خادم من وراء الستر، فقال للرجل: تغنّ، فانبعث يغنّي بصوت فيه لي وهو: (٤) [البسيط] لم تمش ميلا ولم تركب على قتب … ولم تر الشّمس إلا دونها الكلل تمشي الهوينى كأنّ الشمس توحشها … مشي اليعافير في جيآته الوهل (٥)

стр. 4169

فغنّى بغير إصابة وأوتار مختلفة ودساتين (١) مختلفة، ثم عاد الخادم إلى الجارية التي تليه فقال: تغنّي، فغنت بصوت لي كانت فيه أحسن حالا من الرجل، وهو: (٢) [البسيط] يا دار أضحت خلاء لا أنيس بها … إلا الظّباء وإلا الناشط الفرد (٣) أين الذين إذا ما زرتهم جذلوا … وطار عن قلبي التّشواق والكمد ثم عاد الخادم إلى الجارية الثانية فاندفعت تغني بصوت لحكم الوادي وهو: (٤) [الطويل] فو اللّه ما أدري أيغلبني الهوى … إذا جدّ جدّ البين أم أنا غالبه فإن أستطع أغلب وإن يغلب الهوى … فمثل الذي لا قيت يغلب صاحبه [ص ٥٥] ثم عاد الخادم إلى الجارية الثالثة فغنّت بصوت لحنين وهو قوله: (٥) [الطويل] مررنا على قيسيّة عامريّة … لها بشر صافي الأديم هجان (٦) فقالت وألقت جانب السّتر دونها … من ايّة أرض أم من الرّجلان فقلت لها أما تميم فأسرتي … هديت وأمّا صاحبي فيمان رفيقان ضمّ السّفر بيني وبينه … وقد يلتقي الشّتى فيأتلفان

стр. 4170

قال: ثم خرج الخادم فقال: تغنّ عافاك الله، فغنّيت بصوت الرجل على غير غنائه، فإذا الخادم قد خرج فقال لي ويحك لمن هذا الغناء؟ فقلت: لي، فانصرف عنّي ثم عاد فقال: كذبت، هذا الغناء لابن جامع، ودار الدّور، فلما انتهى إليّ غنيته بصوت الجارية الثانية، فخرج الخادم فقال: ويحك لمن هذا الغناء؟ فقلت: لي، فرجع وخرج فقال: كذبت، هذا لابن جامع، ودار الدّور فلمّا انتهى إليّ الغناء تغنيت بصوت لي [لا] يعرف إلا بي، وهو: (١) [الكامل] عوجي عليّ وسلّمى جبر … فيم الصّدود وأنتم سفر ما نلتقي إلا ثلاث منى … حتّى يفرق بيننا النّفر (٢) قال: فزلزلت والله الدار عليهم، وخرج الخادم فقال: ويحك، لمن هذا الغناء؟ فقلت: لي، فرجع ثم خرج فقال: كذبت، هذا الغناء لابن جامع، فقلت: أنا إسماعيل بن جامع، قال: فما أشعر إلا وأمير المؤمنين وجعفر بن يحيى قد أقبلا من وراء الستر الذي كان يخرج منه الخادم، فقال له الفضل بن الربيع: هذا أمير المؤمنين قد أقبل إليك، فلما صعد السرير وثبت قائما، فقال لي: ابن جامع؟ فقلت: ابن جامع جعلت فداك يا أمير المؤمنين، فقال لي: ويحك متى كنت في هذه المدينة؟ فقلت: آنفا دخلتها في الوقت الذي علم بي أمير المؤمنين. قال: اجلس ويحك يا بن جامع، ومضى هو وجعفر بن يحيى فجلسا في بعض تلك المجالس، وقال لي: أبشر يا بن جامع وابسط أملك، فدعوت له، ثم قال: غنّني يا ابن جامع غنّني، فخطر ببالي صوت الجارية، فاندفعت أغنّيه، فنظر

стр. 4171

الرشيد إلى جعفر وقال: سمعت كذا قط؟ قال جعفر: لا والله ما خرق مسامعي قط مثله، فرفع الرشيد رأسه إلى خادم له بالقرب منه، فدعا [ص ٥٦] بكيس فيه ألف دينار فرمى به إليّ، فصيرته تحت فخذي ودعوت لأمير المؤمنين، فقال جعفر: يا بن جامع، ردّ على أمير المؤمنين الصوت، فرددته وتزيدت في غنائي، فقال له جعفر: يا سيدي، ما تراه كيف يتزيّد في الغناء؟ هذا خلاف ما سمعنا أولا، وإن كان الأمر في اللحن واحدا، ثم دعا بكيس آخر فيه ألف دينار، فجاءني به، فصيرته تحت فخذي، وقال: تغنّ (١) يا إسماعيل ما حضرك، فجعلت أقصد الصوت بعد الصوت مما كان يبلغني أنه يشتري عليه الجواري، فأغنيه فلم أزل أفعل ذلك إلى أن عسعس (٢) الليل، فقال: أتعبناك يا إسماعيل هذه الليلة بغنائك، فأعد على أمير المؤمنين الصوت، يعني صوت الجارية، فغنّيت به، فدعا بكيس ثالث فيه الف دينار، قال: فذكرت ما كان من قول الجارية فتبسمت، فقال: يا بن الفاعلة ممّ تتبسّم؟ فجثوت على ركبتي وقلت: يا أمير المؤمنين، الصدق منجاة فقال بانتهار: قل، فقصصت عليه خبر الجارية، فقال: صدقت قد يكون هذا، وقام فنزل عن السرير، وبقيت لا أدري أين أقصد، فابتدرني فرّاشان، فصارا بي إلى دار قد أمر لي بها أمير المؤمنين، ففرشت وجعل فيها جميع ما يكون في مثلها من آلة جلساء الملوك وندمائهم، فدخلت بغداد فقيرا وأصبحت من جلّة أهلها ومياسيرهم. قال: كان ابن جامع يعدّ [صيحة الصوت] (٣) قبل أن يصنع عمود اللحن. قال ابن جامع: لولا أن القمار وحبّ الكلاب قد شغلاني ما تركت أحدا من المغنّين يأكل خبزا.

стр. 4172

قال: أهدى رجل إلى ابن جامع كلبا، فقال: ما اسمه؟ قال: لا أدري، فأخرج دفترا فيه أسماء الكلاب فجعل يدعوه باسم اسم حتى أجابه. ٢٠ - جميلة (١) مغنية المدينة ومغنية أهلها عن كل زينة، وكان بيتها منتدى الظرفاء ومنتأى الشرفاء، وفتنة لأهل القريتين، ومظنة لسكان الحرّتين (٢)، لا يفتأ فتيان الحي تبغي ائتلافها وتولي الودّ ورّادها وألافها، ونوت نية صالحة في ترك الغناء فما تركت، وكثر عليها فلو لم تكفّ (٣) لأصبحت المدينة وكم فيها مهجة سفكت [ص ٥٧]. قال أبو الفرج، قال إسحاق: بلغني أن جميلة قعدت يوما على فرش لها وقالت لآذنتها: لا تحجبي اليوم عنّا أحدا، واقعدي على الباب، وكلّ من مرّ فاعرضي عليه مجلسي، ففعلت ذلك حتى غصّت الدار بالناس، فقالت جميلة: اصعدوا إلى العلالي، فصعدت جماعة حتى امتلأت (٤) السطوح، وتعالى النهار، واشتد الحر، فاستسقى الناس الماء، فدعي لهم بالسويق (٥)، فشرب من أراد، وقام على رؤؤسهم الجواري بالمناديل والمراوح الكبار، ثم قالت: إني رأيت في

стр. 4173

منامي شيئا فأفزعني (١)، وقد خفت أن يكون قد قرب أجلي، وليس ينفعني إلا صالح عملي، وقد رأيت أن أترك الغناء كراهة أن يلحقني منه شيء عند ربي، فقال قوم منهم: نفعك الله وثبت عزمك، وقال آخرون: لا حرج عليك، وقال الشيخ منهم: قد تكلمت الجماعة، وكل حزب بما لديهم فرحون، فاسمعوا قولي وأنصتوا، ثم حمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي ﷺ ، ثم قال: يا معشر أهل الحجاز، إنكم متى تخاذلتم فشلتم، ووثب عليكم عدوكم وظفر بكم، فلا تفلحوا بعدها أبدا، قد انقلبتم على أعقابكم لأهل العراق وغيرهم، ممن لم يزل ينكر عليكم ما هو وراثة فيكم، لا ينكره عالمكم، ولا يدفعه عابدكم، وأكثر ما يكون الجلوس عنه لا للتحريم له، لكن الزهد في الدنيا (٢)، لأن الغناء من أكبر اللذات وأسرّ للنفوس من سائر الشهوات، يحيي القلب ويزيد في العقل ويسر النفوس، ويفسح في الرأى، وتسر به العين، وتفتح به الحصون، وتذلل به الجبابرة، حتى يمتهنوا أنفسهم عند استماعه، ويبرئ المرض، ومن مات عقله وقلت شهوته، يزيد أهل الثروة غنى، وأهل الفقر قناعة ورضا، ومن تمسك به كان عالما، ومن فارقه كان جاهلا، وكيف يستحسن تركه ولا يستعان على النشاط في عبادة ربنا إلا به. فما رد أحد عليه حرفا، ولا أنكر ذلك عليه، وعاد كل بالخطإ على نفسه، وأقر له بالفضل، ثم قال لجميلة: أوعيت ما قلت، ووقع في نفسك ما ذكرت؟ قالت: أجل، وأنا أستغفر الله، قال: فاختمي مجلسنا وفرقي جمعنا بصوت واحد، فغنت هذا البيت: (٣) [الطويل] أفي رسم دار دمعك المترقرق … سفاها وما استنطاق ما ليس ينطق

стр. 4174

[ص ٥٨] فقال الشيخ: حسن والله، أمثل هذا يترك؟ فيم يتشاهد الرجال؟ لا والله ولا كرامة للشيطان، ثم قام [وقام] الناس معه، وقال: الحمد لله الذي [لم] يفرق جماعتنا على إنكار حسن، ولا جحود فضيلة، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته يا جميلة. ومن مشهور غناء جميلة صنعتها في بيتين لامرئ القيس وهما: (١) [الطويل] ولمّا رأت أنّ الهجير يضرّها … وأنّ البياض في فرائصها دامي (٢) تيمّمت العين التي عند ضارج … يفيء عليها الظّلّ عرمضها طامي (٣) ٢١ - معبد (٤) رأس الجماعة، وأساس الطرب، الذي لا يملّ أحد سماعه، وهو الذي ينشي السامع، وينسي حديث سواه خروق المسامع ويأتي بالبدائع، التي تضرب دونها أعناق الرجال المطامع، ويتفرد بالصنائع التي لم تقع على مثلها عين وما طهرتها بالمدامع، سمعت منه الأصوات وقرعت به اللهوات، وجاء بكل المراد، فلم يدع

стр. 4175

غرضا (١) للغريض، ولا شهوة لشهوات أكرم به من معبد لم ير مثله من يمشي بنظره في الجامع كتاب أبي الفرج وطلب الزيادة وصعد الدرج، بل ولو زاد في شدّة الأسر وحلّق، حتى حام على النسر. وما قصبات السبق إلا لمعبد (٢) قال أبو الفرج الاصفهاني، قال إسحاق: كان معبد يقول: لقد صنعت ألحانا لا يقدر أن يغنيها شبعان، ولا يقدر سقّاء يحمل القربة على الترنّم بها حتى يقعد مستوفزا (٣)، ولا القاعد حتى يقوم. قال إسحاق: قيل لمعبد كيف تصنع إذا أردت أن تصوغ الغناء؟ قال: أرتحل قعودي (٤)، وأوقّع بالقضيب على رحلي، وأترنّم عليه بالشعر حتى يتبين لي الصوت، فقال له: ما أبين هذا في غنائك! قال ابن الكلبي: قدم ابن سريج والغريض المدينة يتعرضان لمعروف أهلها، فلما شارفاها تقدّما ثقلهما ليرتادا منزلا حتى إذا كانا بالمغسلة، وهي جبّانة على طرف المدينة يغسل فيها الثياب، إذا هما بغلام ملتحف بإزار، وطرفه على رأسه، وبيده حبالة يتصيّد بها الطير، وهو يغني هذا الصوت: (٥) [البسيط]

стр. 4176

القصر فالنّخل فالجمّاء بينهما … أشهى إلى القلب من أبواب جيرون [ص ٥٩] فإذا الغلام معبد، فلما سمعاه مالا إليه فاستعاداه منه، فسمعا شيئا لم يسمعا مثله قط، فأقبل أحدهما على الآخر فقال: هل سمعت مثل هذا قط؟ قال: لا والله، قال: فما رأيك؟ قال ابن سريج: هذا غناء غلام يتصيد الطير، فكيف بمن في الحومة؟ - يعني المدينة - أما أنا فثكلته والدته إن لم يرجع، فكرّا راجعين. قال إسحاق: أخبرت عن معبد أنه قال (١): بعث إليّ بعض أمراء مكة بالشخوص إليه، فشخصت، قال: فتقدمت غلامي في بعض الطريق واشتد عليّ الحر والعطش فانتهيت إلى خباء فيه غلام أسود، وإذا حباب (٢) ماء قد بردت، فملت إليه، وقلت: يا هذا، اسقني من هذا الماء شربة، قال: لا، قلت: تأذن لي في أن أكنّ (٣) ساعة؟ فأنخت ناقتي ولجأت إلى ظلها واستترت به، وقلت: لو أحدثت (٤) لهذا الأمير شيئا أقدم [به] عليه، ولعلي أيضا إن حرّكت لساني أن يبتلّ حلقي بريقي فيخف عني بعض ما أجده من العطش، فترنمت بصوتي: (٥) [البسيط] القصر فالنّخل فالجمّاء بينهما … أشهى إلى القلب من أبواب جيرون فلما سمعه الأسود، ما أشعر إلا وهو قد حملني حتى أدخلني خباءه، وقال: بأبي أنت وأمي، هل لك في سويق السّلت (٦) بهذا الماء البارد؟ قلت: قد

стр. 4177

منعتني أقلّ من ذلك شربة ماء تجزئني (١). قال: فسقاني حتى رويت وأقمت عنده إلى وقت الرواح، فلما رأيت الرحلة قال: بأبي أنت وأمي، الحر شديد ولا آمن عليك مثل هذا الذي أصابك، فتأذن لي في أن أحمل قربة من ماء على عاتقي وأسعى بها معك، فكلما عطشت سقيتك صحنا (٢) وغنّيتني صوتا. قال: قلت ذلك [لك]، قال: فأخذ قربة فملأها ماء باردا من ذلك الماء، وحملها على عاتقه، وركبت أنا راحلتي، فأقبل يسقيني شربة وأغنّيه صوتا حتى بلغت المنزل الذي أردت ولحقت بغلامي وثقلي (٣). قال إسحاق: حدّثني سياط عن يونس الكاتب قال: كان معبد قد علّم جارية من جواري الحجاز الغناء تسمى (ظبية الوادي) وعني بتخريجها، فاشتراها رجل من أهل العراق، فأخرجها إلى البصرة، وباعها هناك، فاشتراها رجل من أهل الأهواز فأعجب بها، وذهبت به كل مذهب، وغلبت عليه، ثم مات، بعد أن أقامت عنده زمانا، فأخذ جواريه أكثر غنائها [عنها] وكان لمحبته [إيّاها] وأسفه عليها، لا يزال يسأل عن معبد وأين [ص ٦٠] مستقره، ويظهر التعصب له والميل إليه، والتقديم لغنائه على سائر أغاني أهل عصره، إلى أن عرف ذلك منه، وبلغ معبدا خبره، فخرج إليه، فلما قدم البصرة، صادف الرجل قد خرج منها في ذلك اليوم إلى الأهواز، فلم يجد إلا سفينة الرجل، وليس يعرف أحدهما صاحبه، فأمر الرجل الملاح فأجلسه معه في مؤخرة السفينة، ففعل ذلك وانحدر، فلما صاروا في نهر الأبلّة (٤) تغدوا وشربوا، وأمر جواريه فغنّين ومعبد ساكت، وهو [في]

стр. 4178

ثياب السفر، وعليه فرو وخفّان غليظان، إلى أن غنّت إحدى جواريه صوت معبد في شعر النابغة: (١) [البسيط] بانت سعاد وأمسى حبلها انصرما … واحتلّت الغور فالأجزاع من إضما (٢) ولم تجد أداءه، فصاح معبد: يا جارية، هذا ليس بمستقيم، فقال مولاها وقد غضب: وأنت ما يدريك الغناء ما هو؟ ألا تمسك وتلزم شأنك، فأمسك ثم غنّت صوتا من غناء غيره وهو ساكت لا يتكلم، حتى غنت صوتا اخر لمعبد في شعر عبد الرحمن بن أبي بكر: (٣) [المديد] يا بنة الجوديّ قلبي كئيب … مستهام عندها ما يثيب فأخلّت ببعضه، فقال معبد: يا جارية، قد أخللت بهذا الصوت إخلالا بينا، فغضب الرجل وقال: ويلك ما أنت والغناء؟ ألا تكفّ عن الفضول؟ فأمسك، فغنّت إحداهن في شعر كثيّر، وقالت: (٤) [الطويل] خليلّي عوجا فابكيا ساعة معي … على الرّبع نقض حاجة ونودّع فلم تصنع شيئا، فقال معبد: يا هذه ما تقومين (٥) على أداء صوت واحد، فغضب الرجل وقال: أقسم بالله لئن عاودت لأخرجنّك من السفينة، فلما سكن

стр. 4179

الجواري، اندفع معبد يغني الصوت الأول، فصاح الجواري: أحسنت والله يا رجل، فأعده، فقال: لا والله ولا كرامة، ثم غنّى الثاني فقلن لسيّدهنّ: هذا والله أحسن الناس غناء، فاسأله أن يعيد علينا ولو مرة واحدة، لعلنا نأخذ منه، فو الله إن فاتنا لم نجد مثله أبدا، فقال الرجل: قد أسلفناه مكروها، فاصبرن حتى نداويه، ثم غنّى الثالثة، فزلزلت عليهم الأرض، فوثب الرجل فقبل رأسه وقال: يا سيدي أخطأنا عليك، ولم نعرف موضعك، وسأله أن يختلط معه، وسأل: من أين أخذ جواريه الغناء، فأعلمه، فقال معبد: وإنك [ص ٦١] لأنت هو، فتعرفني؟ قال: لا والله، قال: أنا معبد، وإليك قدمت من الحجاز، والله لا قصرت في جواريك، فأكبّ (١) على يديه ورجليه، ثم خلع الرجل عليه عدة خلع، وأعطاه من وقته ثلاث مئة دينار وطيبا وهدايا، وانحدر معه إلى الأهواز، فأقام عنده حتى رضي حذق جواريه، وما أخذنه عنه، ثم ودّعه وانصرف إلى الحجاز. قال: قال الوليد بن يزيد يوما: لقد اشتقت إلى معبد، فوجّه إليه البريد إلى المدينة، فأتي بمعبد وأمر به فجلس، والبركة بينهما مملوءة بالخمر والماء وستر مرخى، فقال: غنّني يا معبد، فقال: (٢) [البسيط] لهفي على فتية دان الزّمان بهم (٣) … فما أصابهم إلا بما شاؤوا ما زال يعدو عليهم ريب دهرهم … حتّى تفانوا وريب الدّهر عدّاء أبكي فراقهم عيني فأرّقها … إنّ التّفرّق للأحباب بكّاء فغنّاه إياها، فرفع الوليد السّتر، ونزع ملاءة مطيّبة كانت عليه، وقذف بنفسه

стр. 4180

في البركة، فنهل فيها نهلة، ثم أتي بأثواب غيرها، وتلقوه بالمجامر والطيب، ثم قال: يا معبد، غنّني، فقال: (١) [مجزوء الكامل] ولو انّ دون لقائها جبلا بمزلقة هضابه لأتيتها إنّ المحبّ إذا نأى طال اكتئابه ولو أنّ دون لقائها ضرغامة كالزّجّ نابه لأتيتها بالسيف لا أخاف ولا أهابه فغنّاه إياها، فرمى نفسه بالبركة، فنهل منها نهلة كان فيها النقصان، ثم أتي بأثواب غيرها، وتلقوه بالمجامر والطيب، ثم قال: غنّني يا معبد، فقلت: (٢) [الكامل] يا ربع مالك لا تجيب متيّما … قد عاج نحوك زائرا ومسلّما جادتك كلّ سحابة هطّالة … حتّى ترى عن زهرة متبسّما قال فدعا له بخمسة عشر ألف دينار، فصبّها بين يديه، ثم قال: انصرف إلى أهلك واكتم ما رأيت. قال، قال يزيد بن عبد الملك يوما لمعبد: يا عباد، أريد أن أخبرك عن نفسي وعنك، فإن قلت فيه خلاف ما تعلم فلا تحاش أن تردّ عليّ، فقد [ص ٦٢] أذنت لك، فقال: يا أمير المؤمنين، لقد وضعك ربك بموضع لا يعصيك إلا ضال ولا يرد عليك إلا مخطئ، فقال: إنّ الذي أجده في غنائك لا أجده في غناء ابن سريج، أجد في غنائك متانة وفي غنائه انخناثا (٣) ولينا، فقال: والذي أكرم

стр. 4181

أمير المؤمنين بخلافته وأرضاه لعباده، وجعله أمينا على أمة نبيه محمد ﷺ ، ما عدا صفتي وصفة ابن سريج، وكذا يقول ابن سريج وأقول، ولكن إن رأى أمير المؤمنين أن يعلمني هل وضعني ذلك عنده فليفعل. قال: لا والله، ولكني أوثر الطّرب على كلّ شيء، قال: يا سيدي كلما كان ابن سريج يذهب إلى الخفيف من الغناء، أذهب أنا إلى الكامل التام، فأغرب أنا، ويشرق هو، فمتى نلتقي؟ قال: أفتقدر أن تحكي رقيق ابن سريج؟ قال: نعم، فصنع لحنا في الخفيف: (١) [الهزج] ألا للّه أمّ و … لدت أخت بني سهم هشام وأبو عبد … مناف مدره الخصم وذو الرّمحين أشباك (٢) … على القوّة والحزم فهذان يذودان … وذا عن كثب يرمي وغنّاه، فردّ عليه أولا، فأعاد ثم قال: أعد، فأعاد فاستخفّه، ثم قال لجواريه: افعلن كما أفعل، وجعل يدور في الدار ويقول: (٣) [مجزوء الرجز] يا دار دوّريني … يا قوم أمسكوني (٤) آليت منذ حين … حقّا لتصرميني إن لم تواصلوني (٥) … بالله فارحميني لم تذكري يميني

стр. 4182

قال: فلم يزل يدور كما يدور الصبيان ويدرن (١) معه، حتى خرّ مغشيّا عليه ما يعقل ولا يعقلن، فابتدره الخدم فأقاموا من كان على ظهره من الجواري، وحملوه حتى ادخلوه. قال إسحاق، أخبرت عن حكم الوادي قال: كنت أنا وجماعة من المغنين نختلف إلى معبد، نأخذ عنه ونتعلم، فغنّانا يوما ما صنعه وأعجب به هو: (٢) [البسيط] القصر فالنّخل فالجمّاء بينهما … أشهى إلى القلب من أبواب جيرون فاستحسنّاه، وكنت أوّل من أخذه عنه ذلك اليوم فاستحسنه مني، وأعجبته نفسه، فلما انصرفت عملت فيه لحنا آخر، وبكرت إلى معبد مع أصحابي وأنا معجب بلحني، فلما تغنينا أصواتا قلت له: إنّي قد عملت بعدك لحنا في الشعر الذي غنيت فيه، واندفعت فغنيته [ص ٦٣] لحني فوجم معبد ساعة يتعجب منه، ثم قال: قد كنت أمس أرجى منّي اليوم لك، وأنت اليوم أبعد من الفلاح، قال حكم الوادي: فأنسيت علم الله صوتي منذ تلك الساعة، فما ذكرته إلى وقتي هذا. ٢٢ - ابن سريج (٣) مطرب كان في أصحابه من أهل الانتهاء، نظير موافقه ابن سريج في الفقهاء (٤)، لم يكن إلا من يذعن بتقدمه، ويهابه فلا يكلمه إلا [عند] (٥)

стр. 4183

تبسمه ويفتح وما سمعه، ويلتقط ويتشطط بأمانيه ويشترط، ويصلح خلله الكثير منه باليسير، ويتخذ منه ما يلقيه في أصواته كالإكسير، وكان لأهل مكة البطحاء به ضنانة، وبسببه يهتك نسبه صيانة، تتقيّل بضلاله، وتقيل في ظلاله، وعلى هذا مضى عبّاد الحجاز، كانوا لا يرون بالغناء باسا، ولا يرون أوقات (١) أنسهم بغيره (٢) مقياسا. قال أبو الفرج، قال إسحاق: أصل الغناء أربعة نفر: مكّيان ومدنيّان، فالمكيّان: ابن سريج وابن محرز، والمدنيّان: معبد ومالك (٣). قال إبراهيم: أدركت يونس الكاتب فحدثني عن الأربعة: ابن سريج وابن محرز ومعبد والغريض، فقلت له: من أحسن الناس غناء؟ قال: أبو يحيى، قلت: عبيد ابن سريج؟ قال: نعم، قلت: وكيف ذلك؟ قال: إن شئت فسّرت وان شئت أجملت، قلت: أجمل، قال: كأنه خلق من كل قلب فهو يغنّي لكل إنسان ما يشتهي. قال إسحاق: وسألت هشام بن مرّيّة، وكان عمّر، وكان حاذقا بالغناء، فقلت له: من أحذق الناس بالغناء؟ فقال لي: تحب الإطالة أو الاختصار؟ فقلت: أحبّ اختصارا يأتي على سؤالي (٤)، فقال: ما خلق بعد النبي داود ﵇ أحسن صوتا من ابن سريج، ولا صاغ المغنى أحذق (٥) منه، ويدل على ذلك أن معبدا كان إذا أعجبه غناؤه قال: أنا اليوم سريجي.

стр. 4184

قال: وكان ابن أبي عتيق يسوق في كل عام بدنة (١) ينحرها عنه، ويقول: هذا بأقل حقه علينا. قال أبو نافع الأسود، وكان آخر من بقي من غلمان ابن سريج: إذا أعجزك القرشي أن تطرب فغنّه غناء ابن سريج في شعر ابن أبي ربيعة، فإنك ترقصه. قال جحظة، حدثني عليّ بن يحيى، قال: أرسلني محمد بن الحسن بن مصعب إلى إسحاق أسأله عن لحنه ولحن ابن سريج [ص ٦٤] في: (٢) [الطويل] تشكّى الكميت الجري لمّا جهدته أيّهما أحسن؟ فصرت إليه فسألته عن ذلك، قال لي: يا أبا الحسن، والله قد أخذت بخطام (٣) راحلته فزعزعتها (٤) وأنختها، وقمت بها فما بلغته (٥)، فرجعت إلى محمد بن الحسن فأخبرته، فقال: والله إنه ليعلم أن لحنه أحسن من لحن ابن سريج، ولقد تحامل لابن سريج على نفسه ففضل القدماء. قال إبراهيم بن المهدي، حدّثني إبراهيم الموصلي، قال: حدّثني الزبير بن دحمان عن أبيه أن معبدا تغنّى في شعر عبد الرحمن بن حسان: (٦) [الرمل] ربّ قلبي بهموم وفكر … من حبيب هاج حزني والسّهر

стр. 4185

يوم أبصرت غرابا واقعا … شرّما طار على شرّ شجر (١) فعارضه مالك فغنّى في أبيات من هذا الشعر: (٢) [الرمل] وجرت لي ظبية يتبعها … ليّن الأظلاف من حوّ البقر (٣) كلّما كفكفت منها عبرة … فاضت العين بمنهلّ درر قال: فتلاحيا (٤) جميعا فيما صنعاه من هذين الصوتين، قال كل واحد منهما لصاحبه: أنا أجود صنعة منك، قال: فتنافرا (٥) إلى ابن سريج إلى مكة، فلما قدماها، سألا عنه فأخبرا أنه خرج يتطرّف (٦) بالحناّء في بعض بساتينها، فاقتصا (٧) أثره حتى وقفا عليه وفي يده الحناء، فقالا له: إنا خرجنا إليك من المدينة لتحكم بيننا في صوتين صنعناهما، فقال لهما: ليغنّ كلّ واحد منكما صوته (٨)، فابتدأ معبد فغنّى لحنه، فقال له: أحسنت والله على سوء اختيارك للشعر، ويحك ما حملك على ما صنعت هذه الصنعة الحسنة في حزن وسهر وهموم وفكر!؟ أربعة ألوان من الحزن في بيت واحد، وفي البيت الثاني شران في مصراع واحد، وهو: (٩) شرّ ما طار على شرّ الشّجر

стр. 4186

ثم قال لمالك: هات صوتك، فغناه مالك، فقال: أحسنت والله ما شئت، فقال له مالك: وإنما هو ابن شهر (١)، فكيف تراه يا أبا يحيى إذا حال عليه الحول؟ قال دحمان: فحدثني [ص ٦٥] معبد أن ابن سريج غضب عند ذلك غضبا شديدا، ثم رمى بالحناء من يده وأصابعه، ثم قال: يا مالك، لي تقول هذا هو ابن شهر (١)؟ اسمع ابن ساعته، ثم قال: يا أبا عباد، أنشدني القصيدة التي تغنيتما فيها (٢)، فأنشدته القصيدة حتى انتهيت إلى قوله: (٣) [الرمل] تنكر الإثمد ما تعرفه … غير أن تسمع منه بخبر فصاح بأعلى صوته: هذا خليلي، وهذا صاحبي، ثم تغنّى فيه، فانصرفا مغلوبين مفضوحين، من غير أن يقيما بمكة ساعة واحدة. قال: لما ضادّ ابن سريج الغريض وتلاحيا، جعل ابن سريج لا يغنّي صوتا إلا عارضه الغريض يغني فيه لحنا غيره، وكانت في بعض أطراف مكة دار يأتيانها (٤) كل جمعة، ويجتمع إليهما ناس كثير، فيوضع لكل واحد منهما كرسيّ يجلس عليه، ثم يتقاضيان الغناء ويترادّانه، فلما رأى ابن سريج موقع الغريض وغنائه من الناس لقربه من النوح وشبهه به، مال إلى الأرمال والأهزاج (٥)، فاستخفها الناس، وقال له الغريض: يا أبا يحيى، قصرت الغناء وحذفته وأفسدته، قال: نعم يا مخنث، جعلت (٦) تنوح على أبيك وأمك ألي أن تقول هذا، والله لأغنّينّ

стр. 4187

غناء ما غنّى أحد أثقل منه ولا أجود، ثم غنّى: (١) [الطويل] تشكّى الكميت الجري لما جهدته قال إسحاق: حدثني شيخ من موالي المنصور قال: قدم علينا المدينة فتيان بني أمية يريدون مكة، فسمعوا معبدا ومالكا فأعجبوا بهما، ثم قدموا مكة فسألوا عن ابن سريج فوجد مريضا، فأتوا صديقا له فسألوه أن يسمعهم غناءه، فخرج معهم حتى دخلوا عليه فقالوا: نحن فتيان من قريش أتيناك مسلمين عليك وأحببنا أن نسمع غناءك (٢) فقال: أنا مريض كما ترون، قالوا: إن الذي نكتفي به منك يسير - وكان ابن سريج أديبا طاهر الخلق عارفا بأقدار الناس - فقال: يا جارية، هاتي جلبابي وعودي، فأتته جارية بخامة فشدها على وجهه، وكان يفعل ذلك إذا تغنى لقبح وجهه، ثم أخذ العود فغناهم حتى اكتفوا، ثم ألقى العود وقال: معذرة، قالوا: قد قبل الله عذرك وأحسن إليك، ومسح على ما بك من الضّرّ، ثم انصرفوا يتعجبون مما سمعوا، فمروا بالمدينة منصرفين [ص ٦٦] فسمعوا من معبد ومالك فجعلوا لا يطربون، فقال (٣) أهل المدينة: نقسم بالله لقد سمعتم ابن سريج بعدنا، قالوا: أجل لقد سمعناه، فسمعنا ما لم نسمع مثله قط ولقد نقص إلينا ما بعده (٤). قال إسحاق، حدثني إسحاق بن يحيى بن طلحة قال: قدم جرير المدينة ونحن يومئذ شبّان نطلب الشعر، فاحتشدنا له ومعنا الشعراء، فبينا نحن عنده إذ قام

стр. 4188

لحاجته، فأقمنا لم نبرح، وجاءنا الأحوص الشاعر من قبا (١) على حمار، فقال: أين هذا؟ قلنا: قام لحاجته، فما حاجتك إليه؟ قال: إني أريد أن أعلمه أن الفرزدق أشرف منه وأشعر، قلنا: ويحك لا تعرض له، فانصرف وخرج جرير، فلم يكن بأسرع من أن أقبل الأحوص فوقف عليه فقال: السلام عليك، فقال: وعليك السلام، فقال: يا بن الخطفى، الفرزدق أشرف منك وأشعر، قال جرير: من هذا؟ قلنا: الأحوص بن محمد، قال: نعم هذا الخبيث ابن الطيب، أنت القائل: (٢) [الطويل] يقرّ بعيني ما يقرّ بعينها … وأحسن شيء ما به العين قرّت (٣) قال: نعم، قال: إنه يقر عينها أن يدخل فيها مثل ذراع البكر، فيقر ذلك بعينك؟ قال: وكان الأحوص يرمى بالأبنة (٤)، فانصرف فبعث إليهم بتمر وفاكهة، وأقبلنا على جرير نسأله، وألح عليه أشعب فقال له: والله إني لأراك أقبحهم وجها، وأظنّك الأمهم حسبا، وقد أبرمتني منذ اليوم، فقال: إني والله أنفعهم لك، قال: ويحك وكيف ذلك؟ قال: إني أملّح شعرك وأجيد مقاطعه ومبادئه، قال: قل ويحك، فاندفع فنادى بلحن ابن سريج: (٥) [الكامل] يا أخت ناجية السّلام عليكم … قبل الرّحيل وقبل لوم العذّل

стр. 4189

لو كنت أعلم أنّ آخر عهدكم … يوم الرّحيل فعلت ما لم أفعل فطرب جرير وجعل يزحف نحوه حتى مست ركبته ركبته، وقال: لعمري لقد صدقت إنك لأنفعهم لي، ولقد حسنته وأجدته، وأحسنت والله، ووصله وكساه، فلما رأينا إعجاب جرير بذلك الصوت، قلنا له: كيف لو سمعت واضع هذا، قال: وإن له [ص ٦٧] لواضعا غير هذا؟ قلنا: نعم، قال: وأين هو؟ قلنا: بمكة، قال: فلست بعازم حجا حتى أبلغه (١)، فمضى ومضى معه جماعة ممن يرغب في طلب الشعر في صحابته، وكنت فيهم، فقدمنا مكة فأتيناه جميعا، فإذا هو في فتية من قريش كأنهم المها مع ظرف كثير، فرحبوا به وأدنوا مجلسه، وسألوه عن الحاجة، فأخبرناهم الخبر، فرحبوا بجرير وأدنوه وسروا بمكانه، وعظم ابن سريج موضع جرير، وقال: سل ما تريد، جعلت فداك، [قال أريد] أن تغنيني لحنا سمعته بالمدينة أزعجني إليك (٢)، قال: وما هو؟ قال: يا أخت ناجية السّلام عليكم فغنّاه ابن سريج، وبيده قضيب يوقع به وينكت، فو الله ما سمعت شيئا أحسن من ذلك، فقال جرير: لله دركم يا أهل مكة، ما أعطيتم: والله لو أن نازعا نزع إليكم ليقيم بين أظهركم يسمع هذا صباحا ومساء، كان أعظم الناس حظا ونصيبا، وكيف ومع هذا بيت الله الحرام، ووجوهكم الحسان، ورقة ألسنتكم، وحسن شارتكم (٣)، وكثرة فوائدكم. قال إسحاق: كان ابن سريج جالسا فمر به عطاء وابن جريج، فحلف عليهما

стр. 4190

بالطلاق أن يغنيهما، على أنهما إن نهياه عن الغناء بعد أن يسمعا منه تركه أبدا، فوقفا له وغناهما: (١) [المديد] إخوتي لا تبعدوا أبدا … وبلى واللّه قد بعدوا فغشي على ابن جريج، وقام عطاء فوقف. قال إسحاق: كان ابن سريج عند بستان ابن عامر، فغنّى بلحنه في هذا الشعر: (٢) [مجزوء الوافر] لمن نار بأعلى الخب … ت دون البئر ما تخبو أرقت لذكر موقعها … فحنّ لذكرها القلب فجعل الحجاج يركب بعضهم بعضا، حتى جاء إنسان من آخر القصرات فقال: يا هذا، قد قطعت على الحجاج وحبستهم، والوقت قد ضاق، فاتق الله وقم عنهم، فقام وسار الحجاج. قال إسحاق، قال ابن مقمّة: دخلت على ابن سريج في مرضه الذي مات فيه، فقلت: كيف أصبحت يا أبا يحيى؟ [ص ٦٨] قال: أصبحت والله كما قال الشاعر (٣) [الوافر] كأنّي من تذكّر ما ألاقي … إذا ما أظلم الليل البهيم سقيم ملّ منه أقربوه … وأسلمه المداوي والحميم (٤) ثم مات.

стр. 4191

قال إسحاق، قال ابن مقمّة: لما احتضر ابن سريج نظر إلى ابنته تبكي، فبكى وقال: إن من أكبر همي أنت، واخشى ان تضيعي بعدي، قالت: لا تخف، فما غنيّت شيئا إلا وأنا أغنّيه، فقال: هاتي، فاندفعت تغنّي أصواتا وهو مصغ إليها، فقال: قد أصبت ما في نفسي، وهونت علي أمرك، ثم دعا سعيد بن مسعود الهذلي (١) فزوجه إياها، فأخذ عنها أكثر غناء أبيها وانتحله، فهو الآن ينسب إليه. قال إسحاق: وأخبرني هشام بن المرية، أن قادما قدم المدينة فسارّ معبدا بشيء، فقال معبد: أصبحت أحسن الناس غناء، فقلنا: أو لم تكن كذلك؟ قال: لا، ثم قال: أتدرون ما خبرني به هذا؟ قالوا: لا، قال: أعلمني أن عبيد بن سريج مات، ولم أكن [أحسن] الناس غناء وهو حي. قال إسحاق: قال كثير بن كثير السهمي يرثيه: (٢) [البسيط] ما اللّهو عند عبيد حين يخبره … من كان يلهو به منه بمطّلب (٣) للّه قبر عبيد ما تضمّنه … من لذّة العيش والإحسان والطّرب (٤) لولا الغريض ففيه من شمائله … مشابه لم أكن فيه بذي أرب قال مصعب الزبيري: حدثني شيخ من المكييّن قال: كان ابن سريج قد أصابه الريح الجنبية (٥)، فآلى يمينا أن لا يغني، ونسك ولزم المسجد حتى عوفي، ثم

стр. 4192

خرج وبه بقية من العلة، فأتى قبر النبي ﷺ ، وموضع مصلاه، فلما قدم المدينة نزل على بعض إخوانه من أهل النّسك والقراءة، وكان أهل الغناء يأتونه فيسلمون عليه فلا يأذن لهم في الجلوس بالمحادثة له (١)، فأقام بالمدينة حولا: حتى لم يحس في علته بشيء، وأراد الشخوص فبلغ سكينة بنت الحسين (٢)، فاغتمت اغتماما شديدا وضاق صدرها [ص ٦٩] وكان أشعب يخدمها، وكانت تأنس به وتضاحكه، فقالت: ويلك، إن ابن سريج شاخص، وقد دخل المدينة منذ حول، ولم أسمع من غنائه لا قليلا ولا كثيرا وتعذّر ذلك عليّ فكيف الحيلة في الاستماع منه ولو صوتا واحدا؟ فقال لها أشعب: جعلني الله فداك، أنّى لك بهذا والرجل زاهد ولا حيلة لك فيه؟ فارفعي طمعك والحسي بوزك (٣) [تنفعك] (٤) حلاوة فمك، فأمرت بعض جواريها فوطئت بطنه حتى كادت تخرج أمعاؤه، وخنقته حتى [كادت] تزهق روحه، ثم أمرت فسحب على وجهه حتى أخرج من الدار إخراجا عنيفا، فخرج واغتمّ غما شديدا، وندم على ممازحتها في وقت لم ينبغ له ذلك فيه، فأتى منزل ابن سريج ليلا فطرقه، فقيل له: من هذا؟ قال: أشعب، ففتحوا له، فرأى على وجهه ولحيته التراب، والدم سائل من أنفه وجبهته على لحيته، وثيابه ممزقة، وبطنه وصدره قد عصرهما الدوس والخنق.

стр. 4193

ومات الدم فيها، فنظر ابن سريج إلى منظر فظيع (١) هاله وراعه، فقال: ما هذا ويحك، فقص عليه قصته، فقال ابن سريج: إنا لله وإنا إليه راجعون، ما ذا نزل بك، والحمد لله الذي سلم نفسك، لا تعودن إلى هذا أبدا، قال أشعب: فديتك، هي مولاتي، ولا بد لي منها، ولكن هل لك حيلة في أن تصير إليها وتغنّيها، ويكون ذلك سببا إلى أن ترضى عني؟ قال ابن سريج: لا يكون ذلك أبدا بعد أن تركته، قال أشعب: فديتك، قد قطعت أملي ورفعت رزقي، وتركتني حيران في المدينة لا يقبلني أحد، وهي ساخطة عليّ، فالله الله، وأنا أنشدك الله إلا (٢) تحملت هذا الأمر وإن كان إثما، فقال ابن سريج: والله لا يكون هذا أبدا، فلما رأى أشعب أنّ ابن سريج قد تمّ على الامتناع، قال في نفسه، لا حيلة لي وهذا خارج، وإن خرج هلكت، فصرخ صرخة آذن أهل المدينة لها، ونبّه الجيران من رقادهم، وأقام الناس من فرشهم، ثم سكت، فلم يدر الناس ما القضية عند خفوت الصوت بعد أن قد راعهم، فقال ابن سريج: ويلك، ما هذا؟ قال: والله لئن لم تصر معي إليها، لأصرخنّ صرخة ثانية لا يبقى بالمدينة أحد إلا صار بالباب، ثم لأفتحنّه ولأرينّهم ما بي، ثم أعلمنّهم أنك أردت أن تفعل كذا وكذا بفلان، يعني غلاما كان لابن سريج شهر به [ص ٧٠] ومنعتك وخلّصت الغلام من يدك حتّى فتح الباب ومضى، ففعلت بي هذا غيظا وتأسفا، وإنك إنما أظهرت النسك والقراءة لتظفر بحاجتك منه، وأهل مكة والمدينة يعلمون بحاله، فقال ابن سريج: اغرب أخزاك الله، فقال أشعب: والله الذي لا اله إلا هو، وإلا فما أملك صدقه، وامرأته طالق ثلاثا، إن أنت لم تنهض معي في هذه الليلة لأفعلنّ، فلما رأى ابن سريج الجدّ منه، قال لصاحبه: ويحك، أما ترى ما وقعنا فيه؟ وكان صاحبه الذي نزل عليه ناسكا، فقال: ما أدري ما أقول فيما وقع بنا

стр. 4194

من هذا الخبيث، وتذمّم ابن سريج من الرجل صاحب المنزل، وقال لأشعب: اخرج من منزل الرجل، فقال: رجلي مع رجلك، فخرجنا، فلما صار ببعض الطريق، قال ابن سريج لأشعب: امض عني، قال: والله لئن لم تفعل ما قلت لأصيحنّ الساعة حتى يجتمع الناس، ولأقولنّ إنك أخذت مني سوارا من ذهب لسكينة، على ان تجيئها فتغنيها سرا، وإنك كابرتني عليه وجحدتني وفعلت بي هذا الفعل، فوقع ابن سريج فيما لا حيلة [له] فيه، فقال: امض لا بارك الله فيك، فمضى معه، فلما صار إلى باب سكينة، قرع الباب، فقيل: من هذا؟ فقال: أشعب قد جاء بابن سريج، ففتح الباب ودخلا إلى حجرة من دار سكينة، فجلسا ساعة، ثم أذن لهما فدخلا إلى سكينة، فقالت: يا عبيد، ما هذا الجفاء؟ فقال: قد علمت بأبي أنت وأمي ما كان مني، قالت: أجل، فتحدّثا ساعة وقصّ عليها ما صنع [به] أشعب، فضحكت وقالت: لقد أذهب ما كان مني عليه، وأمرت لأشعب بعشرة (١) دنانير وكسوة، ثم قال لها ابن سريج: أتأذنين بأبي أنت وأمي؟ قالت: وأين تريد؟ قال: المنزل، قالت: برئت من جدّي إن برحت من داري ثلاثة أيام، وبرئت من جدّي إن [أنت] لم تغنّ إن خرجت من داري شهرا، وبرئت من جدي إن أقمت في داري شهرا لم أضربك كل يوم عشرا، وبرئت من جدّي إن حنثت في يميني إن شفعت فيك أحدا، قال عبيد: واسخنة عيناه! واذهاب دنياه! وا فضيحتاه! ثم اندفع يغنّي: (٢) [الخفيف] أستعين الذي بكفّيه نفعي … ورجائي على التي قتلتني قالت سكينة: هل عندك من صبر؟ ثم أخرجت دملجا (٣) من ذهب كان في

стр. 4195

عضدها وزنه أربعون مثقالا، فرمت به إليه، فقالت: أقسمت عليك لما أدخلته في يدك، ففعل، ثم قالت لأشعب: [ص ٧١] اذهب إلى عزّة الميلاء (١) فاقرئها مني السلام، واعلمها أن عبيدا عندنا، فلتأتنا متفضلة بالزيارة، فأتاها أشعب فأسرعت المجيء، فتحدثوا باقي ليلتهم، ثم أمرت عبيدا وأشعب فناما في حجرة مع مواليها، فلما أصبحت هيّئ لهم غداؤهم، وأذن لابن سريج فدخل فقعد بالقرب منها مع أشعب في مواليها، وقعدت هي مع عزّة وخواصّ جواريها، فلما فرغوا من الغداء قالت يا عزّة، أن رأيت ان تغنّينا، قالت: إي وعيشك، فغنّت لحنها في شعر عنترة العبسي: (٢) [الكامل] حيّيت من طلل تقادم عهده … أقوى وأقفر بعد أمّ الهيثم إن كنت أزمعت الفراق فإنما … زمّت ركابكم بليل مظلم فقال ابن سريج: أحسنت واللّه يا عزّة، وأخرجت سكينة الدّملج الآخر من يدها فرمت به إلى عزّة وقالت: صيّري هذا في يدك، ففعلت ثم قالت لعبيد: هات غننا، (٣) فقال: حسبك ما سمعت البارحة، فقالت: لا بد أن تغنينا في كل يوم لحنا، فلما رأى ابن سريج أنه لا يقدر على الامتناع، غنّى: (٤) [البسيط] قالت من انت على ذكر فقلت لها … أنا الذي ساقه للحين مقدار (٥)

стр. 4196

قد حان منك - فلا تبعد بك الدّار - … بين وفي البين للمتبول إضرار (١) ثم قالت لعّزة في اليوم الثاني: غنّي، فغنّت لحنها في شعر الحارث بن خالد المخزومي: (٢) [الطويل] وقرّت بها عيني وقد كنت قبلها … كثيرا بكائي مشفقا من صدودها وبشرة خود مثل تمثال بيعة … تظلّ النّصارى حوله يوم عيدها (٣) فقال ابن سريج: والله ما سمعت مثل هذا حسنا قط و [لا] طيبا، ثم قالت لابن سريج: هات، فغنّى بشعر عمر بن أبي ربيعة: (٤) [مجزوء الوافر] أرقت فلم أنم طربا … وبتّ مسهّدا نصبا لطيف أحبّ خلق ال … له إنسانا وإن غضبا فلم أردد مقالتها … ولم أك عاتبا عتبا فقالت سكينة: قد علمت ما أردت بهذا، قالت: وقد شفعناك، وإنما كانت يميني على ثلاثة [ص ٧٢] أيام، فاذهب في حفظ الله وكلاءته، ثم قالت لعزّة: إذا شئت، وأمرت لها بحلّة حسنة، ولابن سريج بمثلها، وانصرفت عزّة: وأقام ابن سريج حتى انقضت ليلته، وانصرف ذاهبا إلى مكة. قال أبو يوسف بن إبراهيم: حضرت أبا إسحاق ابراهيم بن المهدي وعنده إسحاق الموصلي، فقال إسحاق: غنّى ابن سريج ثمانية وستين صوتا، فقال له ابن

стр. 4197

المهدي: ما تجاوز قط ثلاثة وستين صوتا، ثم جعلا يتناشدان الصحيح حتى بلغا ثلاثة وستين صوتا، وهما متفقان في ذلك، ثم أنشد إسحاق بعد ذلك خمسة أصوات، فقال له ابن المهدي: صدقت، هذا من غنائه، ولكن لحن هذا الصوت نقله من لحنه في الشعر الفلاني، ولحنه الثاني من لحنه الفلاني، حتى عدّ له خمسة الأصوات، فقال له إسحاق: صدقت، ثم قال له إبراهيم: [إن] ابن سريج كان رجلا عاقلا أديبا، وكان يعاشر الناس بما يشتهون، فلا يغنيهم صوتا يمدح به أعداءهم، ولا صوتا عليهم فيه عار أو غضاضة، ولكنه يعدل (١) بتلك الألحان إلى أشعار في أوزانها، والصوتان واحد لا ينبغي أن يعتدّ بهما في صوتين عند التحصيل، ثم اتفقا على ان قدما من غنائه ثمانية أصوات. فالأول: (٢) [الرمل] فإذا ما عثرت في مرطها … نهضت باسمي وقالت يا عمر والثاني: (٣) [مجزوء الخفيف] حيّيا أمّ يعمرا … قبل شحط من النّوى والثالث: (٤) [الكامل] فتركته جزر السّباع ينشنه … ما بين قلّة رأسه والمعصم والرابع: (٥) [الطويل] فلم أر كالتّجمير منظر ناظر … ولا كليالي الحجّ أفتنّ ذا هوى

стр. 4198

والخامس: (١) [السريع] عوجي علينا ربّة الهودج … إنك إن لم تفعلي تحرجي والسادس: [ص ٧٣] (٢) [مجزوء الوافر] ألا هل هاجك الأظعا … ن إذ جاوزن مطّلحا والسابع: (٣) [الرمل] تنكر الإثمد لا تسمعه … غير أن تسمع منه بخبر والثامن: (٤) [الطويل] ومن حبّ ذات الخال أعملت ناقتي … أكلّفها سير الكلال مع الظّلع ٢٣ - أبو كامل (٥) من أجلّ من ذكره أبو الفرج، وحدّث عن بحره ولا حرج، طلع بدره في الدولة الأموية مشرقا، ولمع بارق سحبه الروّية مبرقا، وخرج بالحباء، وأدلج والحظّ يسوق إبله بغير الحداء، وذخر من فواضل تلك الأيام ما كان يجد فيه ريحها، ويجيد به مديحها، ويأسف إذ لا يجد من مميح، ولا يلقى من نازح ولا سنيح،

стр. 4199

ولا يرى من يشتري الحمد بالثمن البخس ولا الربيح. قيل إنه غنّى الوليد ذات يوم: (١) [الخفيف] جنّباني أذاة كلّ لئيم … إنّه ما علمت شرّ نديم فطرب الوليد حتى خلع عليه ثيابه كلّها حتى قلنسية (٢) وشي كأنت عليه، وكان أبو كامل (٣) يصونها ولا يلبسها إلا من عيد إلى عيد، ثم يمسحها بكمه ويرفعها ويبكي ويقول: إنما أرفعها لأني أجد فيها ريح سيدي الوليد، وللوليد بن يزيد أشعار كثيرة، فمنها ما يغنّى به: (٤) [مجزوء المتقارب] سقيت أبا كامل … من الأصفر البابلي وسقيتها معبدا … وكلّ فتى فاضل (٥) لي المحض من ودّهم … ويغمرهم نائلي وما لا مني فيكم … سوى حاسد جاهل قال: وكان المعتضد إذا غنّي هذا الصوت يقول للجلساء: أما ترون شمائل الملوك في هذا الشعر ما أبينها، يعني قوله: لي المحض من ودّهم … ويغمرهم نائلي

стр. 4200

٢٤ - إسماعيل بن الهربذ (١) ملتقط فوائد، ومحصّل فرائد، تتعب ألف رائد، يبدر إلى محاسن المقال، وينظر [ص ٤٧] إليه لا إلى من قال، يأخذ الغناء من الأمة الوكعاء (٢)، وينوي الغنا عن الأمة الخلعاء، وكان من أفراد أهل الطرب، وورّاد ما منع منه من موارد الطلب، وذكر ابن عساكر من أخباره ما ليس هذا موضعه، ولا الذي يحبّ مرقله ولا موضعه. قيل إنه قدم مكة على الرشيد وعنده ابن جامع وإبراهيم وابنه إسحاق وفليح وغيرهم، والرشيد يومئذ خاثر (٣)، به خمار (٤) شديد، فغنّى ابن جامع ثم فليح وإبراهيم، فما حرّكه أحد منهم ولا أطربه، فاندفع [ابن] الهربذ يغني، فعجبوا من إقدامه في تلك الحال على الرشيد، فغنّى: (٥) [مجزوء الكامل] يا راكب العيس التي … وخدت إلى البيت الحرام (٦) قل للإمام أخي الإما … م ابن الإمام أبي الإمام زين البرية إذ بدا … فيكم كمصباح الظّلام جعل الإله الهربذ … يّ فداك من بين الأنام

стр. 4201

قال: فكاد الرشيد يرقص، واستخفّه الطرب حتى ضرب بيديه (١)، ورجليه، وأمر له بعشرة آلاف درهم، فقال له: يا أمير المؤمنين، لهذا الصوت خبر، فإن أذن لي أمير المؤمنين حدثته، قال: حدّث، قال: كنت مملوكا لرجل من آل الزبير، فدفع إليّ درهمين أبتاع له بهما لحما، فخرجت فلقيت جارية على رأسها جرة مملوءة من ماء العقيق، وهي تغنّي بهذا اللحن في شعر غير هذا الشعر في وزنه ورويه، فسألتها ان تعلمنيه، فقالت: لا وحقّ القبر (٢)، إلا بدرهمين، فدفعت إليها الدرهمين فعلمتنيه، فرجعت إلى مولاي بغير لحم، فضربني ضربا مبرحا شغلت بنفسي معه، فأنسيت الصوت، ثم دفع إليّ درهمين آخرين لأبتاع بهما لحما، فلقيت الجارية، فسألتها أن تعيد الصوت، فقالت: لا والله، إلا بدرهمين، فدفعتها إليها، فأعادته مرارا حتى أخذته، فلما رجعت إلى مولاي أيضا بلا لحم معي، قال: ما القصة في هذين الدرهمين؟ فصدقته عن القصة، وأعدت عليه الصوت، فقبّل بين عيني وأعتقني، فرحلت إليك بهذا الصوت، وقد جعلت لك اللحن في هذا الشعر، فضحك، ثم قال: دع الأول وتناسه، وأقم على هذا [ص ٧٥] الشعر بهذا اللحن، وأما مولاك فإني أدفع إليه بكل درهم ألف دينار، ثم أمر بذلك فحمل إليه من وقته. ومما غنّى به إسماعيل الهربذيّ الوليد بن يزيد بن عبد الملك: (٣) [الهزج] سليمى تلك في العير … قفي أخبرك أو سيري إذا ما أنت لم ترثي … لصبّ القلب مغمور فلمّا أذّن الصّبح … بأصوات العصافير خرجنا نتبع الشّمس … عيونا كالقوارير

стр. 4202

وفينا شادن أحو … ر من حور اليعافير ٢٥ - أبو دلف العجلي (١) القاسم بن عيسى بن إدريس بن معقل بن عمير العجلي، أحد قواد المأمون ثم المعتصم من بعده، ضرب الهام بسيوفه حتى زواها، والجيوش بصفوفه حتى سوّاها، وعاطى الأعداء كؤوس الدماء، وعاقر الأمور البعيدة للإدناء، فاستقلّ ملكا مهابا (٢)، وفلكا كم أطلع شهابا، وسحّ سحابه وهطل، وصحّ أنّ اسم من يقدمه بطل، فأصبحت به تضرب المثل (٣)، وتركب السّبل، فدعته ألسنة الآمال، وبايعته نفائس الآجال وملئت ساحته بالركائب، وملأت سماحته بالرغائب، وكان يطعن الطعنة النجلاء، ويرشق السهم بنظر النظرة الكحلاء، ويقتاد الحصان يزل اللّبد عن صهواته، ويشتكي ساقط الرمح بعد مهواته، سكن الجبال، وسكب على الكفار الوبال، وسكت (٤) وكلت عنه النبال، ورعت الخلفاء منه نصيحا، ودعت منه فصيحا، واستنبطت (٥) لأدوائها منه مسيحا، وأعدت لأعدائها منه مشيحا، وكان بسقام الخلافة طبنا (٦) خبيرا، وبالانتقام لها مبيدا مبيرا، وهو مع هذه الصرامة التي تتأكّل منها النار، والشهامة التي يتفتح بها

стр. 4203

شجر الغناء بالجلنار، أرق من النسيم شمائل، وأرق من الغيد بوصف البانة المتمايل، يوفي كل مقام حقه، وكل مقال صدقه، ويضحى به البوس، ويضحك الزمان العبوس، حضر مع مواليه للمنادمة، وقد بذل [ص ٧٦] لهم لبلوغ المنى دمه، وكان يغنّي له بالأصوات، ويعنى في كل شعر له موات. وكان قوي القريحة، فما لا يدرك مهلة، ولا يظن البحار إلا نهله. قال أبو الفرج: وكان أحمد بن أبي دواد (١)، ينكر أمر الغناء إنكارا شديدا، فأعلمه المعتصم أن صديقه أبا دلف يغني، فقال: ما أراه مع عقله يفعل ذلك، فستر المعتصم أحمد بن أبي دواد [في موضع وأحضر أبا دلف، وأمره أن يغني، ففعل ذلك وأطال، ثم خرج أحمد بن أبي دواد] (٢) عليه من موضعه، والكراهة ظاهرة في وجهه، فلما رآه قال أحمد: سوءة لهذا من فعل، أبعد الستين وهذا المحل تضع نفسك بما أرى؟ فخجل أبو دلف وتشوّر (٣) وقال: إنهم أكرهوني على الغناء، [فقال: هبهم أكرهوك على الغناء] (٤) أفأكرهوك على الإحسان فيه؟ قال أحمد بن عبيد الله: كنّا عند المبرّد يوما، وعنده فتى من ولد أبي البختري وهو ابن أبي وهب بن عمار القاضي له جمال ظاهر، وفتى من ولد أبي دلف العجلي شبيه به في الجمال، فقال المبرّد لابن أبي البختري: أعرف لجدك قصة من

стр. 4204

الكرم حسنة لم يسبق إليها، قال: وما هي؟ قال: دعي رجل من أهل الأدب إلى بعض المواضع، فسقي نبيذا غير الذي يشربونه، فقال فيهم: [المتقارب] نبيذان في مجلس واحد … لإيثار مثر على مقتر فلو كان فعلك ذا في الطّعام … لزمت قياسك في المسكر (١) ولو كنت تطلب شأو الكرام … فعلت كفعل أبي البختري تتبّع إخوانه في البلاد … فأغنى المقلّ عن المكثر فبلغت الأبيات أبا البختري، فبعث إليه ثلاث مئة دينار، قال ابن عمار: فقلت له: قد فعل جدّ هذا الفتى في هذا المعنى أحسن من هذا، قال: وما فعل؟ قال: بلغه أن رجلا افتقر بعد ثروة، فقالت له امرأته: افترض في الجند، فقال: (٢) [البسيط] إليك عنّي فقد كلفّتني شططا … حمل السّلاح وقيل الدار عين قف تمشي المنايا إلى قوم فأكرهها … فكيف أمشي إليها عاري الكتف حسبت أنّ نفاد المال غيّرني … وأنّ روحي في جنبي أبي دلف فبلغت الأبيات أبا دلف، فأحضره وقال: كم أملت أن تعيش؟ [قال:] عشرون سنة، قال: [ص ٧٧] فأمر بإعطائه ألف دينار، قال: فرأيت وجه ابن أبي دلف يتهلل، وانكسر ابن أبي البختري انكسارا شديدا. في شعر أبي دلف (٣) وله فيه صنعة قوله: (٤) [الوافر]

стр. 4205

بنفسي يا جنان وأنت منّي … مكان الروح في جسد الجبان (١) ولو أنّي أقول مكان نفسي … خشيت عليك بادرة الزّمان لإقدامي إذا ما الخيل خامت (٢) … وهاب كماتها حرّ الطّعان حدّث المبرّد قال: دخل عليّ بن جبلة الشاعر على أبي دلف فأنشده قصيدته التي يقول فيها: (٣) [المديد] إنّما الدّنيا أبو دلف … بين باديه ومحتضره فإذا ولّى أبو دلف … ولّت الدّنيا على أثره يا دواء الأرض إن فسدت … ومجير اليسر من عسره (٤) لست أدري ما أقول له … غير أن الأرض في خفره كلّ من في الأرض من عرب … بين باديه إلى حضره مستعير منك مكرمة … يكتسيها يوم مفتخره فاستحسنها القوم وقالوا: أيها الأمير ما هذه من قبله، وما هي إلا من نجر (٥) رقيق الطبع، فقال له أبو دلف: ألا تسمع ما يقولون؟ قال: بلى أصلح الله الأمير، قال: والذي يصدقك، قال: أن أعطى صدورا فأردفها بأعجاز، فضحك أبو دلف
следующие страницы →