قال: فكاد الرشيد يرقص، واستخفّه الطرب حتى ضرب بيديه (١)، ورجليه، وأمر له بعشرة آلاف درهم، فقال له: يا أمير المؤمنين، لهذا الصوت خبر، فإن أذن لي أمير المؤمنين حدثته، قال: حدّث، قال: كنت مملوكا لرجل من آل الزبير، فدفع إليّ درهمين أبتاع له بهما لحما، فخرجت فلقيت جارية على رأسها جرة مملوءة من ماء العقيق، وهي تغنّي بهذا اللحن في شعر غير هذا الشعر في وزنه ورويه، فسألتها ان تعلمنيه، فقالت: لا وحقّ القبر (٢)، إلا بدرهمين، فدفعت إليها الدرهمين فعلمتنيه، فرجعت إلى مولاي بغير لحم، فضربني ضربا مبرحا شغلت بنفسي معه، فأنسيت الصوت، ثم دفع إليّ درهمين آخرين لأبتاع بهما لحما، فلقيت الجارية، فسألتها أن تعيد الصوت، فقالت: لا والله، إلا بدرهمين، فدفعتها إليها، فأعادته مرارا حتى أخذته، فلما رجعت إلى مولاي أيضا بلا لحم معي، قال: ما القصة في هذين الدرهمين؟ فصدقته عن القصة، وأعدت عليه الصوت، فقبّل بين عيني وأعتقني، فرحلت إليك بهذا الصوت، وقد جعلت لك اللحن في هذا الشعر، فضحك، ثم قال: دع الأول وتناسه، وأقم على هذا [ص ٧٥] الشعر بهذا اللحن، وأما مولاك فإني أدفع إليه بكل درهم ألف دينار، ثم أمر بذلك فحمل إليه من وقته.
ومما غنّى به إسماعيل الهربذيّ الوليد بن يزيد بن عبد الملك: (٣) [الهزج]
سليمى تلك في العير … قفي أخبرك أو سيري
إذا ما أنت لم ترثي … لصبّ القلب مغمور
فلمّا أذّن الصّبح … بأصوات العصافير
خرجنا نتبع الشّمس … عيونا كالقوارير
стр. 4202
وفينا شادن أحو … ر من حور اليعافير
٢٥ - أبو دلف العجلي (١)
القاسم بن عيسى بن إدريس بن معقل بن عمير العجلي، أحد قواد المأمون ثم المعتصم من بعده، ضرب الهام بسيوفه حتى زواها، والجيوش بصفوفه حتى سوّاها، وعاطى الأعداء كؤوس الدماء، وعاقر الأمور البعيدة للإدناء، فاستقلّ ملكا مهابا (٢)، وفلكا كم أطلع شهابا، وسحّ سحابه وهطل، وصحّ أنّ اسم من يقدمه بطل، فأصبحت به تضرب المثل (٣)، وتركب السّبل، فدعته ألسنة الآمال، وبايعته نفائس الآجال وملئت ساحته بالركائب، وملأت سماحته بالرغائب، وكان يطعن الطعنة النجلاء، ويرشق السهم بنظر النظرة الكحلاء، ويقتاد الحصان يزل اللّبد عن صهواته، ويشتكي ساقط الرمح بعد مهواته، سكن الجبال، وسكب على الكفار الوبال، وسكت (٤) وكلت عنه النبال، ورعت الخلفاء منه نصيحا، ودعت منه فصيحا، واستنبطت (٥) لأدوائها منه مسيحا، وأعدت لأعدائها منه مشيحا، وكان بسقام الخلافة طبنا (٦) خبيرا، وبالانتقام لها مبيدا مبيرا، وهو مع هذه الصرامة التي تتأكّل منها النار، والشهامة التي يتفتح بها
стр. 4203
شجر الغناء بالجلنار، أرق من النسيم شمائل، وأرق من الغيد بوصف البانة المتمايل، يوفي كل مقام حقه، وكل مقال صدقه، ويضحى به البوس، ويضحك الزمان العبوس، حضر مع مواليه للمنادمة، وقد بذل [ص ٧٦] لهم لبلوغ المنى دمه، وكان يغنّي له بالأصوات، ويعنى في كل شعر له موات. وكان قوي القريحة، فما لا يدرك مهلة، ولا يظن البحار إلا نهله.
قال أبو الفرج: وكان أحمد بن أبي دواد (١)، ينكر أمر الغناء إنكارا شديدا، فأعلمه المعتصم أن صديقه أبا دلف يغني، فقال: ما أراه مع عقله يفعل ذلك، فستر المعتصم أحمد بن أبي دواد [في موضع وأحضر أبا دلف، وأمره أن يغني، ففعل ذلك وأطال، ثم خرج أحمد بن أبي دواد] (٢) عليه من موضعه، والكراهة ظاهرة في وجهه، فلما رآه قال أحمد: سوءة لهذا من فعل، أبعد الستين وهذا المحل تضع نفسك بما أرى؟ فخجل أبو دلف وتشوّر (٣) وقال: إنهم أكرهوني على الغناء، [فقال: هبهم أكرهوك على الغناء] (٤) أفأكرهوك على الإحسان فيه؟
قال أحمد بن عبيد الله: كنّا عند المبرّد يوما، وعنده فتى من ولد أبي البختري وهو ابن أبي وهب بن عمار القاضي له جمال ظاهر، وفتى من ولد أبي دلف العجلي شبيه به في الجمال، فقال المبرّد لابن أبي البختري: أعرف لجدك قصة من
стр. 4204
الكرم حسنة لم يسبق إليها، قال: وما هي؟ قال: دعي رجل من أهل الأدب إلى بعض المواضع، فسقي نبيذا غير الذي يشربونه، فقال فيهم: [المتقارب]
نبيذان في مجلس واحد … لإيثار مثر على مقتر
فلو كان فعلك ذا في الطّعام … لزمت قياسك في المسكر (١)
ولو كنت تطلب شأو الكرام … فعلت كفعل أبي البختري
تتبّع إخوانه في البلاد … فأغنى المقلّ عن المكثر
فبلغت الأبيات أبا البختري، فبعث إليه ثلاث مئة دينار، قال ابن عمار:
فقلت له: قد فعل جدّ هذا الفتى في هذا المعنى أحسن من هذا، قال: وما فعل؟
قال: بلغه أن رجلا افتقر بعد ثروة، فقالت له امرأته: افترض في الجند، فقال: (٢) [البسيط]
إليك عنّي فقد كلفّتني شططا … حمل السّلاح وقيل الدار عين قف
تمشي المنايا إلى قوم فأكرهها … فكيف أمشي إليها عاري الكتف
حسبت أنّ نفاد المال غيّرني … وأنّ روحي في جنبي أبي دلف
فبلغت الأبيات أبا دلف، فأحضره وقال: كم أملت أن تعيش؟ [قال:] عشرون سنة، قال: [ص ٧٧] فأمر بإعطائه ألف دينار، قال: فرأيت وجه ابن أبي دلف يتهلل، وانكسر ابن أبي البختري انكسارا شديدا.
في شعر أبي دلف (٣) وله فيه صنعة قوله: (٤) [الوافر]
стр. 4205
بنفسي يا جنان وأنت منّي … مكان الروح في جسد الجبان (١)
ولو أنّي أقول مكان نفسي … خشيت عليك بادرة الزّمان
لإقدامي إذا ما الخيل خامت (٢) … وهاب كماتها حرّ الطّعان
حدّث المبرّد قال: دخل عليّ بن جبلة الشاعر على أبي دلف فأنشده
قصيدته التي يقول فيها: (٣) [المديد]
إنّما الدّنيا أبو دلف … بين باديه ومحتضره
فإذا ولّى أبو دلف … ولّت الدّنيا على أثره
يا دواء الأرض إن فسدت … ومجير اليسر من عسره (٤)
لست أدري ما أقول له … غير أن الأرض في خفره
كلّ من في الأرض من عرب … بين باديه إلى حضره
مستعير منك مكرمة … يكتسيها يوم مفتخره
فاستحسنها القوم وقالوا: أيها الأمير ما هذه من قبله، وما هي إلا من نجر (٥) رقيق الطبع، فقال له أبو دلف: ألا تسمع ما يقولون؟ قال: بلى أصلح الله الأمير، قال: والذي يصدقك، قال: أن أعطى صدورا فأردفها بأعجاز، فضحك أبو دلف
стр. 4206
وقال: أنصفت وبالغت، ثم تناول أبو دلف القلم والبياض وكتب: (١) [الرجز]
ريعت لمنشور على مفرقه … ذمّ لها عهد الصّبا حين انتسب
أهدام شيب جدد في رأسه … مكروهة الجدّة أنضاد العقب
ثم تناوله ذلك وقال: ابن لي عليه أبياتا، وقد أجّلتك فيه حولا، فقال: أيها الأمير، تأمر فيفرغ لي بيت حتى يكون أجلى للشك، فأمر أبو دلف أن يخلى له بيت، ثم ركب أبو دلف إلى المأمون وخرج معه متصيدا، فرجع آخر النهار، فلما نزل، لم ينزع سواده قال: ليت شعري ما خبر عليّ بن جبلة الشاعر؟ قال: أيها الأمير، إنه زعم أنه فرغ من عمل القصيدة، فقال: [ص ٧٨] ويحكم أخرجوه إليّ، فأخرج.
فقال أبو دلف: هيه يا عليّ، ما عملت؟ قال: قد فرغت، قال: هات ويحك، بيّض وجهي عند من زعم أنك لست بشاعر، فأنشأ يقول: (٢) [الرجز]
أشرقن في أسود أزرين به … كان دجاه لهوى البيض سبب (٣)
فاعتقن أيام الغواني والصّبا … عن ميّت مطلبه حبّ الأدب (٤)
لم يرتدع مرعويا حين ارعوى … لكن يد لم تتّسع لمطّلب
لم أر كالشّيب وقارا يجتوى … أو كالشباب الغض ظلا يستلب (٥)
كان الشباب لمة ازهى بها … وصاحبا غمرا عزيز المصطحب
إذ أنا أجري ددنا في غيّه … لا أعتب الدّهر إذا الدهر عتب (٦)
стр. 4207
أبعد شأو اللّهو عن أخذنا … وأقصد الخود وراء المحتجب (١)
وأذعر الرّبرب عن أبطاله … بأعوجيّ دلفيّ المنتسب (٢)
مطّردا يرتجّ في أقطاره … كالماء جالت فيه ريح فاضطرب
تحسبه أقعد في استقباله … حتى إذا استدبرته قلت أكب (٣)
فهو على إرهافه وضمره … يقصر عنه المحزمان واللّبب (٤)
تقول فيه جنب إذا استوى … وهو كمتن القدح ما فيه جنب (٥)
إذا تمنّينا به صدّقه … وإن تمنّى فوته العير كذب (٦)
لم يبلغ الجهد به راكبه … ويبلغ الرمح به حيث طلب
ثم اقتضى ذاك كأن لم يعنه … وكلّ بقيا فإلى يوم العطب (٧)
فحمّل الدّهر ابن عيسى قاسما … ينهض به أبلج فرّاج الكرب
كرونق السّيف انبلاجا بالنّدى … أو كغراريه على أهل الرّيب (٨)
لا وسنت عين رأت رؤيته … فأيقظته نوبة من النّوب (٩)
لولا ندى القاسم كنّا هملا … لم يعتقد مجد ولم يرع حسب
стр. 4208
ولم يقم بيوم بأس وندى … ولا تلاقى حسب إلى حسب [ص ٧٩]
تكاد تبدي الأرض ما تضمره … إذا تنادى خيله هلا وهب (١)
وتستهلّ أملا وخيفة … إذا استهلّ وجهه وإن قطب
وهو وإن كان ابن فرعي وائل … فبمساعيه ترقّى في الحسب
يا واحد الدّنيا ويا باب النّدى … ويا مجيب الرّعب في يوم رهب
لولاك ما كان سدى ولا ندى … ولا قريش عرفت ولا عرب (٢)
خذها امتحانا من مليء بالثّنا … لكنّه غير مليء بالنّشب (٣)
وقرّ بالأرض أو استنفر بها … أنت عليها الرأس والنّاس ذنب
فتهلل وجه أبي دلف سرورا به، وقال له: أحسنت لله أنت، ومثلك فليمدح الملوك، ثم أمر له بمائة ألف درهم، وخلعه سنية وفرس من مراكبه الخاصة، واعتذر إليه من التقصير.
وقدم أبو الشمقمق (٤) على أبي دلف، فلما دخل عليه سلم، فرد ﵇، ثم قال: ليس يمنعني منك أبا الشمقمق ملوك هذه الدنيا، قال: وما ألزمتهم؟ قال:
تزعم أن كفّك عن الهجاء يقوم مقام المدح، وليس والله تأخذ مني صلة أو تمدحني، قال: قد مدحتك أيها الأمير، قال: هات، فأنشأ يقول: (٥) [السريع]
стр. 4209
من ملك الموت إلى قاسم … رسالة في بطن قرطاس
فقال أبو دلف ويلك، ما في بطن القرطاس؟ قال:
يا فارس الهيجاء يوم الوغى … مرني بمن شئت من النّاس
فقال أبو دلف: أحسنت والله، فأسألك الآن بالله، هل هجوتني؟ فقال: أيها الأمير، سألتني بعظيم، نعم قد هجوتك، قال: فأنشدني، قال: على أن تؤمنني، قال: أنت في أمان (الله) تعالى، فأنشده يقول: (١) [مجزوء الرمل]
قد بلوناك بالحرو … ب فلم تأت طائلا
وسألناك نائلا … فوجدناك سائلا
فقال أبو دلف: هجوتني قبل أن أستوجب الهجاء، فقال: أصلح الله الأمير، صيرته عدة، وهو ثوب نسجته ووضعته في تخت، فإن احتجت إليه نشرته وإلا كان مطويا [ص ٨٠] فضحك أبو دلف وأمر له بعشرة آلاف درهم، وقال: دعه يكون مطويا.
وقال القاسم بن عيسى المعروف بأبي دلف: [الطويل]
وقالوا بلاد الشام أرض تقدست … فما بالنا في أرضنا لا نقدس
فلا شوقنا فان ولا الهم منقض … ولا هدأة تغشى العيون فتنعس
وقال أيضا: [الخفيف]
عاقني عن وداعك الأشغال … وأمور جرت عليّ ثقال
في بلاد يذل فيها عزيز الن … فس حتى تهينه الأنذال
حيث لا مدفع بسيف من الضي … م ولا للجياد فيها مجال
стр. 4210
ومما ذكر أبو الفرج (١): أن الأفشين (٢) كان عرض لأبي دلف واعتل له باطنه، ذوى بدائه، وملئ بالعمل على إرادته، ولم يزل يغري به المعتصم ويرمي جانبه السليم منه بما يصم، حتى أسرّ إليه قتل أبي دلف، وأمر فيه بأمر يفضي به إلى التلف، فأخذه إليه وعفى على آثاره، وعمّى بصراء أخباره، فأتى الخبر ابن أبي دواد، وقد خيم الليل وطنب، وأسكت من أنب، ولم يبق باب إلا وقد أوثق بالرتاج، ولا أحد إلا وجفنه قد طعم النوم أو احتاج، فخاف إن أخّر إلى بكرة غده أن تفوت فيه الحيلة، وأن يودعه سر تلك الليلة الثقيلة، فدعا بجماعة من عدول الشهود، ونهض بهم إلى باب الأفشين حتى طرقه واستفتح غلقه، ثم دخل عليه هجما، وانقضّ شيطانه المريد في تلك الليلة رجما، وقال له: هؤلاء شهود أمير المؤمنين، وأنا قاضيه ورسوله إليك في أمر هو من وراء تقاضيه، وهو يأمرك بالإمهال في أمر (٣) أبي دلف، وأنك لا تعجل عليه، ولا تمد يدك ببطش إليه، وها هو لديك حي يرزق وسالم الأعضاء، قادر على المضاء، وها أنا قد أبلغتك رسالة أمير المؤمنين، وهؤلاء يشهدون وفي بكرة غد لشهادتهم عند أمير المؤمنين يؤدون، وكان قد أحضر أبا دلف ليقتله في تلك الساعة والسيف مصلت قد أظمأه له وأجاعه ثم كرّ ابن أبي دواد راجعا، وترك الأفشين فاجعا، وكان ابن أبي دواد قد فعل هذه الأعجوبة، وأتى لإبقاء نفس ذلك (٤) المسلم [ص ٨١] بهذه الأكذوبة، والمعتصم لم يخاطبه فيه ببنت شفة، ولا أراه من جنى نخلته له تمرة
стр. 4211
ولا حشفة، فلم يكن له همّ إلا أن أنتظر آخر الليل، حتى طار غرابه، وجرد عن سيف النهار قرابه، وشرع الفجر ينفجر، والأفق بملاءة الصباح يعتجر، وبكر إلى دار الخلافة، والمعتصم قد انفتل عن المحراب، ولمح ابن أبي دواد فما استراب، فتقدم إليه، وقصّ عليه القصة، والمعتصم يسمع، وحدثه بما كادت له مقلته تدمع، وقال له: يا أمير المؤمنين، إني لم أجئك بتهمة في عمري سواها، ولا أتيت بمثلها ونفس وما سواها، ولو لم تكن إنقاذ وليّ من أوليائك وينجي بقاءه من حلوق أعدائك، لما فعلتها، ولا اجترأت على أمير المؤمنين وقلتها، فضحك أمير المؤمنين ضحك معجب بجميل صنعه، فعجل إلى عدم منعه، وقال له: قد أجزت ما قلت أيها القاضي وما فعلت، ثم بثّ رسله إلى الأفشين يأمره بإحضار أبي دلف، فما نشب أن أحضره، وسنّى إطلاقه، ثم لم يبرح ابن أبي دواد حتى أعاده إلى منزلته (١)، وعاد الأفشين وأماته بعلته.
قال ابن خلكان: (٢) كان أبو دلف كريما سريا جوادا ممدحا شجاعا مقداما، ذا وقائع مشهورة، وصنائع مأثورة، أخذ عنه الأدباء الفضلاء، وله صنعة في الغناء، وصنّف عدة كتب في (البزاة والصيد) و (السلاح) و (النزه) و (سياسة الملوك) وغير ذلك، ومدحه أبو تمام الطائي بأحسن المدائح، وفيه يقول بكر بن النطاح: (٣) [الكامل]
يا طالبا للكيمياء وعلمه … مدح ابن عيسى الكيمياء الأعظم
стр. 4212
لو لم يكن في الأرض إلا درهم … ومدحته لأتاك ذاك الدرهم
ويحكى أنه أعطاه على هذين البيتين سبعين (١) ألف درهم، فأغفله قليلا، ثم دخل عليه وقد [اشترى] بتلك الدراهم قرية في نهر الأبلّة، فأنشده: (٢)
[الطويل]
بك ابتّعت في نهر الأبلة قرية … عليها قصير بالرّخام مشيد
إلى جنبها أخت لها يعرضونها … وعندك مال للهبات عتيد
فقال له: وكم ثمن هذه الأخت؟ فقال: عشرة آلاف درهم، فدفعها له، ثم قال [ص ٨٢] تعلم أن نهر الأبلّة عظيم وفيه قرى كثيرة، وكل أخت إلى جانبها أخرى، وإن فتحت هذا الباب اتسع الخرق، فاقنع بهذه ونصطلح عليها، فدعا له وانصرف.
وقد ألمّ أبو بكر محمد بن هاشم (٣) أحد الخالديين بمعنى قول بكر بن النطاح (٤) المذكور في البيتين الأولين، فقال: (٥) [الكامل]
وتيقّن الشعراء أنّ رجاءهم … في مأمن بك من وقوع الياس
ما صحّ علم الكيمياء لغيرهم … فيمن عرفنا من جميع النّاس
стр. 4213
تعطيهم الأموال في بدر إذا … حملوا الكلام إليك في قرطاس
وكان أبو دلف قد لحق أكرادا قطعوا الطريق في عمله، فطعن فارسا فأنفذت الطعنة إلى فارس آخر وراءه رديفه، فنفذ فيه السنان، فقتلهما، فقال في ذلك ابن النطاح: (١) [الكامل]
قالوا وينظم فارسين بطعنة … يوم الهياج ولا نراه كليلا
لا تعجبوا فلو أنّ طول قناته … ميل إذا نظم الفوارس ميلا (٢)
وكان أبو عبد الله أحمد بن أبي فنن صالح مولى بني هاشم، أسود مشوه الخلق قصيرا، فقالت له امرأته: يا هذا، إن الأدب أراه قد سقط نجمه، وطاش سهمه، فاعمد إلى سيفك ورمحك وقوسك، وادخل مع الناس في غزواتهم، عسى الله أن ينفعك من الغنيمة بشيء، فأنشد يقول: (٣) [البسيط]
مالي ومالك [قد] كلفتني شططا … حمل السلاح وقول الدّار عين قف
أمن رجال المنايا خلتني رجلا … أمسى وأصبح مشتاقا إلى التّلف
تمشي المنايا إلى غيري فأكرهها … فكيف أمشي إليها بارز الكتف
ظننت أنّ نزال القرن من خلقي … أو أنّ قلبي في جنبي أبي دلف (٤)
فبلغ خبره أبا دلف فوجّه إليه ألف دينار. وكان أبو دلف لكثرة عطائه قد ركبته الديون، واشتهر ذلك عنه، فدخل عليه بعضهم، وأنشده: (٥)
أيا ربّ المنائح والعطايا … ويا طلق المحيّا واليدين
стр. 4214
[ص ٨٣] لقد خبّرت أنّ عليك دينا … فزد في رقم دينك واقض ديني
فوصله وقضى دينه.
ودخل عليه بعض الشعراء وأنشده: (١) [البسيط]
اللّه أجرى من الأرزاق أكثرها … على يديك تعلّم يا أبا دلف
ما خطّ (لا) كاتباه في صحيفته … كما تخطط (لا) في سائر الصّحف
بارى الرياح فأعطى وهي جارية … حتّى إذا وقفت أعطى ولم يقف
وكان أبوه قد شرع في عمارة مدينة الكرج (٢) وأتمها هو، وكان بها أهله وعشيرته وأولاده، وكان قد مدحه بها بعض الشعراء فلم يحصل له منه ما في نفسه، فانفصل عنه وهو يقول: (٣) [الطويل]
دعيني أجوب الأرض في فلواتها … فما الكرج الدنيا ولا الناس قاسم
وهذا مثل قول بعضهم: (٤) [البسيط]
فإن رجعتم إلى الإحسان فهو لكم … عبد كما كان مطواع ومذعان
وإن أبيتم فأرض الله واسعة … لا النّاس أنتم ولا الدنيا خراسان
стр. 4215
ولما قدم أبو دلف من الكرج صنع الأمير علي بن عيسى بن ماهان مائدة، ودعاه إليها وكان قد احتفل بها غاية الاحتفال، فجاء بعض الشعراء ليدخل دار علي بن عيسى، فمنعه البواب، فتعرّض الشاعر لأبي دلف، وقد قصد دار علي بن عيسى، وبيده جزازة، فناوله إياها، فإذا فيها: (١) [مجزوء الخفيف]
قل له إنّ لقيته … متأن بلا وهج
جئت في ألف فارس … لغداء من الكرج
ما على النّاس بعدها … في الدناءات من حرج
فرجع أبو دلف، وحلف أنه لا يدخل الدار ولا يأكل منها شيئا. وقيل إن الشاعر هو عباد بن الحريش.
وقيل إن أبا دلف لما مرض مرض موته، حجب الناس عن الدخول إليه لثقل مرضه، فاتفق أنه أفاق في بعض الأيام فقال لحاجبه [ص ٨٤] من بالباب من المحاويج؟ فقال: عشرة من الأشراف قد وصلوا من خراسان، ولهم بالباب عدة أيام لم يجدوا طريقا، فقعد على فراشه واستدعاهم، فلما دخلوا رحّب بهم وسألهم عن أحوالهم وبلادهم وسبب قدومهم، فقالوا: ضاقت بنا الأحوال وسمعنا بكرمك فقصدناك، فأمر خازنه بإحضار بعض الصناديق وأخرج منه عشرين كيسا في كل كيس ألف دينار، ودفع إلى كل واحد منهم كيسين، ثم أعطى كل واحد منهم مؤونة طريقه، وقال لهم: لا تمسوا الأكياس حتى تصلوا بها سالمة إلى بلادكم، واصرفوا هذا في مصالح الطريق، ثم قال: ليكتب كل واحد منهم خطه أنّه فلان بن فلان حتى ينتهي إلى علي بن أبي طالب ﵁، ويذكر جدته فاطمة بنت رسول الله ﷺ ورضي عنها، ثم يكتب: يا
стр. 4216
رسول الله، إني وجدت إضاقة وسوء حال في بلدي، فقصدت أبا دلف العجلي، فأعطاني ألفي دينار، كرامة لك، وطلبا لمرشاتك، ورجاء لشفاعتك، فكتب كل واحد منهم ذلك، وتسلّم الأوراق، وأوصى من يتولى تجهيزه إذا مات أن يضع تلك الأوراق في كفنه، حتى يلقى بها رسول الله ﷺ ، ويعرضها عليه.
وحكي عنه أنه قال: من لم يكن مغاليا في التشيع فهو ولد زناء، فقال ولده دلف له: يا أبتي لست على مذهبك، فقال له أبوه: لما وطئت أمك وعلقت بك ما كنت قد استبرأتها، فهذا من ذلك، والله أعلم.
ومع هذا فقد حكى جماعة من أرباب التاريخ، أن دلف بن أبي دلف قال: رأيت في المنام آتيا أتاني، فقال: أجب الأمير، فقمت معه فأدخلني دارا وحشة وعرة سوداء الحيطان مغلقة (١) السقوف والأبواب، وأصعدني على درج منها، ثم أدخلني غرفة منها، في حيطانها أثر النيران، وإذا في أرضها أثر الرماد، وإذا بأبي وهو عريان واضع رأسه بين ركبتيه، فقال كالمستفهم: دلف؟ فقلت: دلف، فأنشأ يقول: (٢) [الخفيف]
أبلغن أهلنا ولا تخف عنهم … ما لقينا في البرزخ الخنّاق
قد سئلنا عن كلّ ما [قد] فعلنا … فارحموا وحشتي وما قد ألاقي
ثم قال: أفهمت؟ قلت: نعم، فأنشد: (٣) [ص ٨٥] [الوافر]
فلو كنّا إذا متنا تركنا … لكان الموت راحة كلّ حيّ
ولكنّا إذا متنا بعثنا … ونسأل بعده عن كلّ شيّ
стр. 4217
ثم قال: أفهمت؟ قلت: نعم، وانتبهت.
توفي ببغداد سنة ست وعشرين ومئتين.
٢٦ - البردان (١)
فقيه نزّل الغناء منزلة حسن الإنشاد، وبنى منزله على بيوته وشاد، حكم في القضاء، وحتم فيه بالإمضاء، ولم ينكر أنه يعرف الغناء، ويقطف منه اجتناء، لم ير بأسا بتصحيح الأصوات، وتنقيح أناشيد الأبيات، تكميلا لما حصل ذكره من فنون، وحصّن صدره من مكنون، حتى تجلت به أولى الليالي الغوابر، وأقالت الأيام الغوابر، وكان كأنما التطم به بحران، وانقاد الفضل كله بالجران، وأعاد دجى الليل وقد طلع بدره الطالع وهو بدران.
قال إسحاق: قدّم إليه رجل خصما له يدّعي عليه حقا، فوجب الحكم (٢) عليه، فأمر به إلى الحبس، فقال [له الرجل]: أنت بغير هذا أعلم منك بهذا، فقال:
ردوه، فردوه، فقال: لعلك تعني الغناء، أي والله، إني لعارف به، ومهما جهلت فإني موجب الحق عليك عالم، اذهبوا به إلى الحبس ليخرج إلى غريمه من حقه.
قال سياط (٣): رأيت البردان بالمدينة يتولّى سوقها، وقد أسنّ، فقلت: يا عم، إني قد رويت لك صوتا صنعته، فأردت أن تصححه لي، فقال لعله: [الوافر]
كم أتى دون عهد أمّ جميل (٤)
стр. 4218
قلت: نعم، فقال: قم بنا، ومال إلى دار في السوق، ثم قال: غنّه، فقلت:
بل تتمّ يا عمّ إحسانك وتغنيني أنت به، فإن سمعته كما أقوله غنيته وإن [كان] فيه مستصلح (١) استعدته، فضحك وقال: أنت لست تريد تصحيح غناء، إنما تريد أن تقول إنك سمعتني وأنا شيخ وقد انقطعت [ص ٨٦] وأنت شاب، فقلت للجماعة: إن رأيتم أن تسألوه أن يشفّعني (٢) فيما طلبت منه فسألوه فاندفع فغنّاه وأعاده ثلاث مرات، فما رأيت أحسن من غنائه، على (٣) كبر سنه ونقصان صوته، ثم قال: غنّه، فغنيته فطرب الشيخ حتى بكى وقال: اذهب يا بني، فأنت أحسن الناس غناء، وإن عشت ليكونن لك شأن.
٢٧ - سائب خاثر (٤)
مطرب حرّك بغنائه معاوية الحكيم، وحرّض على (٥) الإنفاق عبد الله بن جعفر الكريم، وأحدث للعرب ما لم تكن تعهد ونفث، فلم يكن يخلو (٦) من
стр. 4219
نفثاته بيت ولا معهد، اقترح في الغناء وفتح فيه للبناء، تقيّل عن الفرس غرائب الضروب، وغزائر الفكر التي ترنّح كلّ طروب، وحظي لدى أشراف المدينة لغناء كان يحلّ حباهم (١) ويحل مثله رباهم، إلا أنه جرى جري الجواد، وترك الكل للجواد، كان قدم إلى المدينة رجل فارسي يعرف ببسيط يغني بها، فأعجب عبد الله بن جعفر، فقال له سائب خاثر: أنا أصنع لك مثل غناء هذا الفارسي بالعربي، ثم غدا على عبد الله بن جعفر، وقد صنع: (٢) [الكامل]
لمن الديار رسومها قفر
وهذا أوّل صوت غنّي به في الإسلام من الغناء المتقن في الصنعة.
قال: ثم اشترى عبد الله بن جعفر بسيطا بعد ذلك، فأخذ عن سائب خاثر الغناء العربي، وأخذ عن سائب أيضا ابن سريج وجميلة ومعبد وعزّة الميلاء وغيرهم.
قال: وفد عبد الله بن جعفر على معاوية، ومعه سائب خاثر، فوقّع له في حوائجه (٣)، ثم عرض عليه حاجة لسائب خاثر، فقال معاوية: من هذا؟
فقال: رجل من أهل المدينة ليثي، ويروي الشعر، قال: أو كلّ من روى الشعر ازداد فضله؟ قال: إنه يحسّنه، قال: وإن حسّنه، قال: أفأدخله إليك يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم، فلما دخل قام على الباب فرفع صوته، ثم غنّى: (٤) [الكامل]
стр. 4220
لمن الدّيار رسومها قفر … لعبت بها الأرواح والقطر
فالتفت معاوية إلى عبد الله وقال: أشهد لقد حسّنه، وقضى حوائجه.
قال: [ص ٨٧] أشرف معاوية ليلا على منزل يزيد ابنه، فسمع صوتا أعجبه، واستخفّه السماع، فاستمع قائما حتى ملّ، ثم دعا بكرسي فجلس عليه، واستمع بقية ليلته، فلما أصبح غدا عليه يزيد فقال له: يا بني، من كان جليسك البارحة؟ قال: أي جليس يا أمير المؤمنين؟ وتجاهل عليه، فقال: عرفني، فإنه لم يخف عليّ شيء من أمرك، قال: سائب خاثر، قال: فاخثر (١) له يا بني من برك، فما [رأيت] بمجالسته بأسا.
قال ابن الكلبي: وفد معاوية المدينة في بعض ما كان يفد، فأمر حاجبه بالإذن للناس، فخرج الحاجب، ثم رجع فقال: ما بالباب من أحد، قال: وأين الناس؟ قال: عند عبد الله بن جعفر، فدعا معاوية ببغلته فركبها، ثم توجه إليهم، فلما جلس قام سائب خاثر، ومشى بين السماطين (٢) وتغنّى: (٣) [الطويل]
لنا الجفنات الغرّ يلمعن بالضّحى … وأسيافنا يقطرن من نجدة دما
فطرب معاوية وأصغى إليه حتى سكت، وهو مستحسن لذلك، ثم قام وانصرف.
قال: وقتل سائب خاثر يوم الحرّة، فلما عرضت أسماء من قتل على يزيد بن معاوية، مرّ به اسمه، فقال: إنا لله، وبلغ القتل إلى سائب خاثر إلى طبقته، ما
стр. 4221
أظن أنه بقي بالمدينة من أحد، ثم قال: قبّحكم الله يا أهل الشام، تجدهم صادفوه في حديقة أو حائط مستترا فقتلوه.
وحدّث مويلك عن أبيه (١) قال: قال لي سائب خاثر يوم الحرّة:
هل أسمعك شيئا صنعته؟ فغنّاني: (٢) [الطويل]
لمن طلل بين الكراع إلى القصر … يغيّر عنالونه سبل القطر (٣)
قال: فسمعت عجبا معجبا من ذكر أهله وولده، فقلت: فما يمنعك من الرجوع إليهم؟ فقال: أما بعد شيء سمعته، ورأيته من يزيد بن معاوية فلا، ثم تقدم فقاتل حتى قتل.
وتمام الصوت: (٤)
سوى خامدات ما يرمن وهامد … وأشعث ترميه الوليدة بالفهر
٢٨ - عبد اللّه بن جدعان (٥) [ص ٨٨]
سيد تيم في الجاهلية، ومشيد المفاخر الجليّة، شرّفه رسول الله ﷺ بدخول داره، وطرفه مطارف فخاره، وكان قد أتى كسرى ملك آل
стр. 4222
ساسان، وسمع عنه غناء الحسان، وشدا جانبا مما سمع، واحتذى منه مالو علم جمع، وإنما كان هو وسادات العرب يتغنى غناء الركبان، ويتأتى به خلا [ل] الفضلاء ورؤوس الكثبان، وقد ذكر أبو الفرج في أنباء صوت ذكر، وصوب من بارقه الجنوبي مبتكر.
قالت عائشة ﵂: قلت لرسول الله ﷺ ، ابن جدعان في الجاهلية كان يصل الرحم، ويطعم المساكين، فهل تلك نافعة له؟ قال: (لا، لأنه لم يقل اللهم اغفر لي خطيئتي يوم الدين).
قال: قدم أمية بن أبي الصلت (١) على عبد الله بن جدعان، فقال عبد الله: أمر ما أتى بك؟ فقال أمية: كلاب وغرماء (٢) قد نبحتني ونهشتني، فقال له عبد الله:
قدمت عليّ وأنا عليل من حقوق لزمتني، فأنظرني قليلا يحم (٣) ما في يدي، وقد ضمنت قضاء دينك، ولا أسألك مبلغه، فأقام اميّة ايّاما ثم قال: (٤) [الوافر]
أأذكر حاجتي أم قد كفاني … حياؤك إن شيمتك الحياء
وعلمك بالأمور وأنت قرم … لك الحسب المهذّب والسّناء
стр. 4223
كريم لا يغيّره صباح … عن الخلق السّني ولا مساء
تباري الريح مكرمة وجودا … إذا ما الكلب احجره الشتاء
إذا أثنى عليك المرء يوما … كفاه من تعرّضه الثّناء
فلما أنشده أمية هذا الشعر كانت عنده قينتان، فقال لأمية: خذ إحداهما، فأخذ إحداهما وانصرف، فمر بمجلس من مجالس قريش، فلاموه على أخذها، وقالوا: لقد لقيته عائلا، ولو رددتها، فإن الشيخ محتاج إلى خدمتها، كان ذلك أقرب لك عنده، فوقع الكلام في أمية موقعا، وندم فرجع لردها إليه، فلما أتاه بها قال ابن جدعان: لعلك إنما رددتها لأن قريشا لاموك على أخذها، ووصف لأمية ما قال القوم له، فقال له أمية، والله ما أخطأت يا أبا زهير، فقال عبد الله: فما الذي قلت في ذلك؟ فقال [ص ٨٩] أمية: (١) [الطويل]
وليس بشين لا مرئ بذل وجهه … اليك كما بعض السؤال يشين
فقال عبد الله لأمية: خذها، يعني الأخرى، فأخذهما جميعا وانصرف.
قال الحسن المروزي: سألت سفيان بن عيينة فقلت: يا [أبا] محمد، ما تفسير قول رسول الله ﷺ (كان دعاء أكثر الأنبياء قبلي بعرفة لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير) وإنما هو ذكر وليس فيها من الرجاء شيء (٢)، فقال لي أعرفت حديث مالك بن الحويرث، يقول الله جل ذكره: «إذا شغل عبدي ثناؤه عليّ عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطى السائلين»، قال: قلت: نعم، أنت حدثتنيه عن منصور عن مالك ابن الحويرث، قال: فهذا تفسير ذلك، ثم قال: أعلمت ما قال أمية بن أبي الصّلت
стр. 4224
حين خرج إلى ابن جدعان يطلب نائله؟ قلت: لا أدري، قال: قال فيه:
(١) [الوافر]
أأذكر حاجتي أم قد كفاني … حياؤك إنّ شيمتك الحياء
إذا أثنى عليك المرء يوما … كفاه من تعرّضه الثناء
ثم قال سفيان: فهذا مخلوق بسبب الجود قيل له: يكفينا من مسألتك أن نثني عليك ونسكت حتى تأتي حاجتنا، فكيف بالحق ؟
وكان ابن جدعان ممّن حرّم على نفسه الخمر في الجاهلية، وذلك أن أمية شرب معه، فلما أصبح رأى بعين أمية أثرا، فقال: ما هذا، فعرفه أنه فعله به، فأعطاه عشرة آلاف درهم دية عينه، وقال: الخمر عليّ حرام.
٢٩ - متيّم الهشاميّة (٢)
وكانت مقيم سرور، ومديم غرور، ولو مرت بأم خشف سانح، سلبت منها ما في الجوانح، كانت لبني هاشم سرّة البطحاء، ومسرّة أهل الرّوحاء، نشأت في تلك البيوت تمتع بحلولها، وتحدّ لحاظها في غلولها، إذا غنّت تجدد صبوة الهرم، وتشب صفحة الماء فيضطرم لا تخلو أيادي سراة لها من ذكر لا ينصرف سراه، ولا
стр. 4225
يتفرق مجمع إلا ولها فضل عليه يجمع ودامت (١).
قال أبو الفرج: كلّم عليّ بن هشام (٢) [ص ٩٠] متيّما (٣) بشيء فأجابته جوابا لم يرضه فدفع [يده] في صدرها فغضبت ونهضت، وتثاقلت عن الخروج إليه، فكتب إليها: (٤) [الطويل]
فليت يدي باتت غداة مددتها … إليك فلم ترجع بكفّ وساعد
فإن يرجع الرحمن ما كان بيننا … فلست إلى يوم التنادي بعائد
قال: فتمادى غضبها وترضاها فلم ترض، فكتب إليها: الإدلال يدعو إلى الإملال (٥)، ورب هجر دعا إلى صبر، وإنما سمي القلب قلبا لتقلّبه ولقد صدق العباس بن الأحنف حيث يقول: (٦) [الخفيف]
ما أراني الا سأهجر من لي … س يراني أقوى على الهجران
مّلني واثقا بحسن وفائي … ما أضرّ الوفاء بالإنسان (٧)
قال: مرت متيم في نسوة وهي متخفية بقصر على بن هشام بعد أن قتل، فلما رأت بابه مغلقا لا أنيس به، وقد علاه التراب، وقد طرحت في أفنيته المزابل،
стр. 4226
وقفت عليه وتمثلت: (١) [السريع]
يا منزلا لم تبل أطلاله … حاشا لأطلالك أن تبلى
لم أبك أطلالك لكنّني … بكيت عيشي فيك إذ ولّى
قد كان لي فيك هوى مرّة … غيّبه التّرب وما ملا
فصرت أبكي بعده جاهدا … عند ادّكاري حيثما حلا
والعيش أولى ما بكاه الفتى … لا بدّ للمحزون أن يسلى
قال: ثم بكت حتى سقطت من قامتها، وجعل النسوة يقلن لها: نفسك فإنك تؤخذين الآن، فبعد لأي احتملت بين امرأتين، حتى جاوزت الموضع.
٣٠ - سلاّمة القسّ (٢)
وكانت شمس كواكب وأنس لاعب، لو قابلت البدر لاستتر، أو هابّت النسيم لفتر، قد طالت منى، وطابت جنى، وعرفت بالقس لأن بها لا يقاس، ولأن كل قلب لها دير أو كناس، أوقفت الغوادي، وبدت كالقمر البادي، إلى غناء تخالس الجليس ويحتبس الظعائن [ص ٩١] وقد شدّت العيس، يغنى عن منّة الأوتار، ورنّة الإعلان عند بلوغ الأوطار (٣).
стр. 4227
قال أبو الفرج: إنما سمّيت سلامة القس، لأن رجلا يعرف بعبد الرحمن بن عمار الجشمي من قرّاء أهل مكة، كان يلقب القس لعبادته وأنه مرّ بمنزل أستاذ سلامة، فسمع غناءها فهويها (١) وهويته، وشغف بها واشتهر، حتى غلب عليها لقبه، وفيها يقول: (٢) [الوافر]
أهابك أن أقول بذلت نفسي … ولو أنّي أطيع القلب قالا (٣)
حياء منك حتّى سلّ جسمي … وشقّ عليّ كتماني وطالا
قال إسحاق: كانت حبابة وسلامة من قيان أهل المدينة، وكانتا حاذقتين ضاربتين ظريفتين، وكانت سلامة أحسنهما وجها، وكانت سلامة تقول الشعر، وكانت حبابة تتعاطاه فلا تحسنه.
قال أيوب بن عباية: كانت سلامة أحسنهما غناء، وهي المقدمة فلما صارتا إلى يزيد بن عبد الملك، ورأت حبّابة إيثار يزيد لها، ومحبته إياها، استخفت بسلامة (٤)، فقالت لها: يا أخيّة، نسيت فضيلتي عليك، ويلك، أين تأديب الغناء؟ وأين خلق التعليم؟ أنسيت قول جميلة وهي تطارحنا وتقول: خذي اتقان ما أطارحك من أختك سلامة ولن تزالي بخير ما بقيت لك، وكان أمركما مؤتلفا، قالت: صدقت يا أخت والله لا عدت إلى شيء تكرهينه، فما عادت إلى مكروه، وماتت حبّابة، وعاشت سلامة بعدها زمانا طويلا.
قال: لما قدم عثمان بن حيان المري المدينة واليا عليها، قال له قوم من وجوه الناس: إنك وليت المدينة على كثرة من الفساد، فإن كنت تريد أن تصلح،
стр. 4228
فطهرها من الغناء والزنا، فصاح في ذلك وأجلّ أهلها (١) ثلاثا يخرجون فيها من المدينة، وكان ابن أبي عتيق غائبا، فلما كان آخر ليلة من الأجل قدم، قال: لا أدخل على منزلي حتى أدخل على سلامة القس، فدخل عليها فقال: ما دخلت منزلي حتى جئتكم أسلم عليكم، قالوا: ما أغفلك عن أمرنا؟ وأخبروه الخبر، فقال: [ص ٩٢] اصبروا الليلة، فقالوا: نخاف ألا يمكنك شيء، قال: إن خفتم شيئا فاخرجوا في السّحر، ثم خرج فاستأذن على عثمان بن حيان، فأذن له وذكر غيبته وأنه جاء لقضاء حقه، ثم جزاه خيرا على ما فعل من إخراج أهل الغناء والزنا، وقال: [أرجو أن] (٢) لا تكون عملت عملا هو خير لك من ذلك، قال عثمان: قد فعلت وأشار به عليّ أصحابك، قال: قد أصبت، ولكن ما تقول - أكرمك الله - في امرأة كأنت هذه صناعتها، وكانت تكره على ذلك، ثم تركته وأقبلت على الصوم والصلاة والخير، وإني رسولها إليك، تقول: أتوجه اليك وأعوذ (٣) بك أن يخرجني من جوار رسول الله ﷺ ومسجده، قال فإني أدعها لك ولكلامك، قال ابن أبي عتيق: لا يدعك الناس، ولكن تأتيك وتسمع كلامها وتنظر إليها، فإن رأيت أن مثلها ينبغي أن يترك تركتها، قال: نعم، فجاء بها وقال: احملي معك سبحة وتخشعي، ففعلت، فلما دخلت عليه حدثته، فإذا هي أعلم الناس بالأخبار والأحاديث، فأعجب بها، وحدثته عن آبائه وأمورهم ففكه (٤) لذلك، فقال لها ابن أبي عتيق: اقرئي على الأمير، فقرأت له، فقال: احدي (٥) للأمير، ففعلت، فكبر عجبه بها، فقال: كيف لو سمعتها في صناعتها، فلم يزل يزين لها شيئا بعد شيء حتى أمرها بالغناء، فقال لها ابن أبي
стр. 4229
عتيق عند ذلك غني: (١) [الطويل]
سددن خصاص الخيم لمّا دخلنه … بكلّ لبان واضح وجبين (٢)
فغنّته، فقام عثمان من مجلسه فقعد بين يديها، ثم قال: لا والله ما مثل هذا من يخرج، فقال له ابن أبي عتيق: لا يدعك الناس، يقولون: أقرّ سلامة واخرج غيرها، قال: فدعوهم جميعا، فتركوا وأصبح الناس يتحدثون بذلك، يقولون:
كلّم ابن أبي عتيق في سلامة فتركوا جميعا.
قال ابن أبي أويس: كان يزيد بن عبد الملك [يقول]: ما يقرّ بعيني ما أتيت من أمر الخلافة، حتى أشتري (٣) سلامة وحبّابة، فأرسل فاشتريتا، فلما اجتمعتا عنده قال أنا والله كما قال الشاعر (٤): [الطويل]
فألقت عصاها فاستقرّ بها النّوى … كما قرّ عينا بالإياب المسافر
[ص ٩٣] فلما توفي يزيد رثته سلامة وهي تنوح على قبره (٥): [مجزوء الرمل]
لا تلمنا إن خشعنا … أو هممنا بخشوع
إذ فقدنا سيّدا كا … ن لنا غير مضيع
قد لعمري بتّ ليلي … كأخي الداء الوجيع
كلّما أبصرت ربعا … خاليا فاضت دموعي (٦)
стр. 4230
٣١ - عبيد اللّه بن عبد اللّه بن طاهر (١)
توشّح بالأدب، وترشّح للطلب، واقتنى الجواري وأخذهنّ بالإحسان، وألقى عليهن الأصوات، وأبقى لهن حياة في الأموات، ولم يكن يذكر بالغناء إلا جواريه، ولا يظهر، ولو فعل لم يكن أحد يباريه، وإنما كان كلفا بالشعر والإحسان [في] قريضه، ومحاسن تصريحه وتعريضه، وهو فرع من تلك الغضراء، وبقية من تلك الدولة الغراء.
قال أبو الفرج، قال جحظة: كان المعتضد [يغنّى] بصوت لشاجي، فأرسل إلى عبيد الله يقسم بأن يأمرها بزيارته، ففعل، قال جحظة: فحدثني من حضر من المغنيات ذلك المجلس يخدمون المعتضد، قلن: دخلت علينا، وما منّا إلا من يرفل في الحليّ والحلل، وهي في أثواب ليست كأثوابنا، فاحتقرناها، فلما غنّت احتقرنا أنفسنا، ولم يزل كذلك حالنا إلى أن صارت في أعيننا كالجبل، وصرنا كلا شيء، قال: ولما انصرفت أمر لها المعتضد بمال وكسوة، ودخلت على مولاها، فجعل يسألها عن خبرها وما استطرفت مما رأت، وما استغربت مما سمعت، فقالت: ما استحسنت هناك ولا استغربته من غناء ولا غيره، إلا عودا محفورا من عود، فإني استظرفته، قال جحظة: فما قولك فيمن دخل إلى دار الخلافة فلم تمتد عينه إلى شيء استحسنه إلا عودا.
قال بعضهم: كنت عند عبيد الله بن عبد الله بن طاهر، وعنده أخوه محمد
стр. 4231
يأمره بإحضاري وتقليدي القضاء، وقد بلغت هذه (١) السن وأتولى القضاء بعدها، وبعد ما قد رويت: من ولي القضاء فقد ذبح بغير سكين [ص ٩٤] فقال محمد: فتلحق أمير المؤمنين (بسرّمن رأى) وتسأله إعفاءك، قال: أفعل، فأمر له بمال ينفقه وبظهر يحمله ويحمل ثقله، ثم قال: إن رأيت يا أبا عبد الله أن تفيدنا منك شيئا قبل أن نفترق، قال: نعم، انصرفت من عمرة المحرّم، فبينما أنا بالعرج إذ أنا بجماعة مجتمعة، فأقبلت إليهم، فإذا أنا برجل كان يتقنّص الظّباء، وقد وقع ظبي في حبائله، فذبحه فانتفض في يده فضرب بقرنه صدره فمات، وأقبلت فتاة كأنها المهاة، فلما رأت زوجها ميتا شهقت وقالت: (٢) [البسيط]
يا حص جمّع أحشائي وقلقلها … رداك يا حصن لولا غرّة جلل
أضحت فتاة بني نهد علانية … وبعلها فوق أيدي القوم محتمل
قال: ثم شهقت فماتت، فما رأيت أعجب من الثلاثة؛ الظبي مذبوح، والرجل ميت جريح، والفتاة ميتة حرّى، قال: فأمر له عبيد الله بمال آخر، ثم أقبل على أخيه محمد فقال له: أما إن الذي أخذنا من الفائدة في خبر حسن وفي قولها:
أضحت فتاة بني نهد علانية
- تريد ظاهرة - أكثر مما أعطيناه من الصلة.
ومن شعر عبيد الله بن طاهر: (٣) [الطويل]
فأنفق إذا أيسرت غير مقصّر … وأنفق إذا خيّلت أنك معسر
فلا الجود يغني المال والجدّ مقبل … ولا البخل يبقي المال والجدّ مدبر
стр. 4232
٣٢ - محمّد بن الحارث بن بسخنّر (١)
رئيس طرب يشجي صوته الورقاء إذا ناحت، وذات اللفاء (؟) إذا باحت، طالما صبّ الدموع دما، وصدّ الثاكل أن يتذكّر عدما، لو باكى السيل لاستوقفه إذ جرى، أو شاكى المسهد لأشغله عن الكرى، راق الخلفاء كأس عناية، واتخذوه لذماء (٢) الروح أجل غذائه، فكانوا لا يرون سرورا بغيره يتمّ، ولا حبورا بسواه يلمّ.
قال أبو الفرج: كان قديما يغنّي بالمعزفة (٣) [ص ٩٥] وكانت تحمل معه إلى دار الخلافة، فمر غلامه بها يوما، فقال قوم كانوا جلوسا على الطريق: مع هذا الغلام مصيدة الفأر، قال بعضهم: لا، هذه معزفة محمد بن الحارث، فحلف يومئذ بالطلاق والعتاق لا يغنّي بمعزفة أبدا، أنفة [من] أن تشبه التي يغني بها بمصيدة الفار، فصار يغني مرتجلا، وكان أحسن الناس أخذا للغناء وأحسنهم أداة.
قال أبو عبد الله الهاشمي، سمعت إسحاق المصعبي يقول للواثق، قال لي إسحاق بن إبراهيم الموصلي: ما قدر أحد أن يأخذ شيئا مستويا إلا محمد بن الحارث، فقال له الواثق: حدثني إسحاق عن إسحاق الموصلي بكذا وكذا، قال: قد قال لي إسحاق مرارا، قال له الواثق: فأي شيء أحدث من صنعته أحسن عندك؟ فقال: هو يزعم أنه لم يأخذ منه أحد قط هذا الصوت كما أخذته، وهو هذا: (٤) [الطويل]
стр. 4233
إذا المرء قاسى الدهر وأبيضّ رأسه … وثلّم تثليم الإناء جوانبه
فليس له في العيش خير وإن بكى … على العيش أو رجّى الذي هو كاذبه
فأمره الواثق أن يغنيه إياه، فأحسن واستعاده الواثق منه، فاستحسنه، وأمر برده مرارا حتى أخذه الواثق، وأخذه جواريه والمغنون.
وذكر يحيى المنجم أن إسحاق غنّى بحضرة الواثق: (١) [الطويل]
ذكرتك إذ مرت بنا أمّ شادن … أمام المطايا تشرئبّ وتسنح (٢)
من المؤلفات الرّمل أدماء حرّة … شعاع الضحى من متنها يتوضّح (٣)
فأمره الواثق أن يعيده على الجواري، وأحلفه بحياته أن ينصح فيه، فقال: لا يستطعن (٤) الجواري أن يأخذنه مني، ولكن يحضر محمد بن الحارث فيأخذه مني، وتأخذه الجواري منه، فأحضره وألقاه عليه، فأخذه منه، وألقاه على الجواري.
قال أحمد بن الحسن بن هشام: جاءني محمد بن الحارث بن بسخنّر يوما، فقال لي: قم حتى أطفّل بك على صديق لي حر، وله جارية احسن خلق الله تعالى وجها وغناء، فقلت: أنت طفيليّ وتطفل بي؟ هذا والله [ص ٩٦] أخس حال، وقمت معه فقصد بي دار رجل من فتيان (سرّ من رأى) كان لي صديقا، ويكنى أبا صالح، وقد غيّرت كنيته على سبيل اللقب (٥)، فلقّب أبا الصالحات، وكان
стр. 4234
ظريفا حسن المروءة، ويضرب بالعود على مذهب الفرس ضربا حسنا، ولم يكن منزله يخلو من طعام وشراب، لكثرة من يقصده من إخوانه، فلما طرق بابه، قلت: فرجت عني [هذا] (١) صديقي، فدخلنا، وقدم لنا طعاما نظيفا فأكلنا، وأحضر النبيذ وأحضر جاريته، فغنت غناء حسنا، ثم غنت صوتا كانت أخذته من محمد بن الحارث، من صنعته، والشعر لابن أبي عيينة: (٢) [الكامل]
ضيّعت عهد فتى لعهدك حافظ … في حفظه عجب وفي تضييعك
إن تقتليه وتذهبي بفؤاده … فبحسن وجهك لا بحسن صنيعك
فطرب محمد بن الحارث، ونقطها بدنانير مسيّفة (٣) كانت في خريطته، ووجه بغلامه فجاءها ببرنية (٤) فيها غالية فغلفها (٥) منها، ووهبها الباقي، وكان معنا أخ لمحمد بن الحارث يكنّى أبا هارون ظريف طيب، فطرب ونعر ونخر (٦)، وقال لأخيه: والله إني أريد أن أقول لك شيئا في السر، وأسألك أن تخبرني هل فيه حرج، قال: قله علانية، قال: لا يصلح، قال: والله ما بيني وبينك شيء أبالي أن أقوله جهرا، فقله، قال: أشتهي أن تسأل أبا الصالحات أن ينيكني، فعسى صوتي أن ينصلح ويطيب غنائي، فضحك أبو الصالحات، وخجلت الجارية وغطت وجهها.
стр. 4235
قال أبو العباس: حدثني محمد بن الحارث بن بسخنّر عن ابنه، قال لي الرشيد:
أنا عليّ أن أتغدّى عندك في غد، قال: فضاق عليّ من الأرض العريض، فجئت إلى عبد الملك بن صالح وقلت له: قد وقعت في بلية، قال: وما هي؟
قلت: زعم الرشيد انه يتغدّى عندي غدا، فقال: اذهب ففرّغ جهودك للقلايا والمعلكة ولا يخفك بسوى ذلك، قال: ففعلت، فلما جاءني قال: دعني من تخليطك وهلم إليّ بقلايا (١) ومعلكة، قال: فجئت بها، فقال: ضع يدك على رأسي، واحلف لتصدقني، قال: فوضعت يدي على رأسه وحلفت [ص ٩٧]، قال: من أشار عليك بهذا؟ قلت: عبد الملك بن صالح، قال: أما والله لو كان طولب بالعشرة آلاف التي عليه، لما تفرغ لفضول الرأي.
قال محمد بن الحارث: كنت مع المأمون وهو يريد بلاد الروم، ومعه عدة من المغنين، فجلس يوما والمعتصم والعباس، فبعث المأمون بأصل شاهسفوص (٢) وقد لفّ على رأسه حرير، فجاءني الغلام وقال: أعد الصوت، فأخذته وشممته، ووثبت فغنيته قائما، ووضعت الأصل بين يديّ وقلت للمغنين: حكم لي أمير المؤمنين عليكم بالحذق (٣) بالغناء، قالوا: وكيف: [قال] قد دفع إليّ لواء الغناء من بينكم، قالوا: ليس كما ذكرت، ولكن حيّاك إذ أطربته، والرسول قائم، فانصرف بالخبر، فما لبث أن رجع فقال: كما قلت.
стр. 4236
قال: صنع محمد بن الحارث لحنا في: (١) [مجزوء الكامل]
أصبحت عبدا مسترقّا … أبكي الألى سكنوا دمشقا
أعطيتهم قلبي فمن … يبقى بلا قلب فأبقى
وطرحه على المسدود الطنبوري، فوقع له موقعا حسنا، واستحسنه محمد بن الحارث منه، فقال له: أتحبّ أن أهبه لك؟ قال: نعم، قال: قد فعلت، وكان يغنيه ويدعيه، إنما هو لمحمد بن الحارث.
قال: دعا إسحاق بن إبراهيم المصعبي المأمون، فصار إليه معه المعتصم وعبد الله ابن طاهر وسائر جلسائه ومغنيه، فلما جلس المأمون على شرابه، كان ممن حضر المجلس من المغنين محمد بن الحارث، وقد شاع في المأمون الطرب، فغناه: (٢) [المنسرح]
لو كان حولي بنو أميّة لم … تنطق رجال أراهم نطقوا
قال: فغضب المأمون، ودارت عينه في رأسه، وكان لا يكاد يغضب، فإذا غضب بلغ غاية الغضب، ثم التفت إليه فقال: تغنّيني في وقت سروري (٣)، وساعة طربي في شعر تمدح فيه أعدائي، وأنت مولاي، وربيب نعمتي؟ ادعوا أحمد [ص ٩٨] بن هشام، وكان على حرسه، وكان المأمون لا يمضي إلى موضع، إلا ومعه صاحب شرطته وحرسه، وكان احمد قاعدا في حراقة (٤) على باب إسحاق في دجلة، فجاء أحمد حتى مثل بين يديه، وكان عبد الله بن طاهر قد قام ليجدد وضوءا، فقال أحمد: خذه إليك فاضرب عنقه وانتسفه من الأرض، ومرّ به مبادرا
стр. 4237
لينفذ أمره فيه، ولم يتهيأ لإسحاق كلام المأمون فيه، وعدل إلى عبد الله بن طاهر فأخبره الخبر وقال: إن تهيأ هذا في منزلي يوم فخري وسروري كانت سبّة عليّ وعلى أهلي، فهدأ أحمد، فسأله أن يتوقف ويبادر إلى أمير المؤمنين يسأله العفو عنه، فقال عبد الله بن طاهر لأحمد في التوقف عنه، وجاء حتى أقام بين يدي المأمون وهو على غضب، فأمره بالجلوس، فأبى، فقال: لم؟ قال: يا أمير المؤمنين، نعمك عليّ جلية، ومننك لديّ نفيسة، وفي نفسي وأهلي عظيمة، وهذا يوم شرّفت فيه ابن عمي إسحاق بزيارته، ورفعت بذلك من قدره، وأعليت من ذكره، وقد كان من هذا الجاهل ما كان، فإن (١) في سعة خلق أمير المؤمنين، وكرم عفوه، أن يعود عليه بفضله، والطول بصفحه، ولا يخرجه إلا إلى ما خرج من الأمر بقتله، كان هذا شيئا إن تهيأ في منزل خادمه كان سبة عليه وعلينا إلى آخر الدهر، هذا إلى حرمة محمد وخدمته، وإن الذي تمّ عليه كان بسوء الاتفاق لا العمد، فإن رأى أمير المؤمنين أن يعود بحلمه ويراجع ما عوّد الله خدمه من العفو والإقالة، قال: قد فعلت، وأمر برده إلى مجلسه، فجاء فوقف بين يديه فقال: إياك ومعاودة مثل ما كان منك، وأخذ في لهو ولعب وسرور.
٣٣ - عبد اللّه بن طاهر (٢)
ملك علا علو النجوم، وجاد جود (٣) الغيوم، وأجاد في كل ضرب من
стр. 4238
الإحسان، وكانت أيامه أيام الورد في نيسان، محلا النجاد بأدب حل منه النجاد، ووقار رأى الطود إليه الافتقار، وهو من أبناء الشيعة العباسية في رأس فرقها، ومجمع طرفها، صعدت فيها جدوده الذروة، وسعدت لتمسكها بالعروة، وكان عبد الله يتكلم الغناء وهو معبده وغريضه، ويده فيه لا تقصر به ولا نهوضه [ص ٩٩] إنما كان يخاف به الإزراء، وتعدّ أصواته المنسوبة إليه الأرزاء.
قال أبو الفرج: أعطي عبد الله بن طاهر مال مصر لسنة، خراجها وضياعها، فوهبه كله وفرقه على الناس، ورجع صفرا من ذلك، فغاظ المأمون فعله، فدخل إليه يوما بعد مقدمه فأنشده (١): [البسيط]
نفسي فداؤك والأعناق خاضعة … للنائبات أبيّا غير مهتضم
إليك أقبلت من أرض أقمت بها … حولين بعدك في شوق وفي ألم
أقفو مساعيك اللاتي خصصت بها … حذو الشّراك على مثل من الأدم
فكان فضلي منها أنّني تبع … لما سننت من الإحسان والكرم
فضحك المأمون وقال: والله ما نفست عليك مكرمة نلتها (٢)، ولا أحدوثة حسن عنك ذكرها، ولكن هذا شيء إذا عودته نفسك افتقرت ولم تقدر على لمّ شعثك ولا إصلاح حالك، وزال ما كان في نفسه.
وقال غيره: لما افتتح عبد الله بن طاهر مصر، سوغه المأمون خراجها، فصعد المنبر، فلم يزل حتى أجاز بها ثلاثة آلاف ألف دينار ونحوها، فأتاه معلّى الطائي وقال: اعلموه ما صنع، وكان واجدا عليه، فوقف بين يديه تحت المنبر وقال:
أصلح الله الأمير، أنا معلّى الطائي، وقد بلغ منّي ما كان منك من جفاء وغلظة،
стр. 4239
فلا يغلظن علي قلبك، ولا يستخفنك الذي بلغك، أنا الذي أقول (١):
[البسيط]
يا أعظم الناس عفوا عند مقدرة … وأعظم النّاس عند الجود للمال
لو أصبح النيل يجري ماؤه ذهبا … لما أشرت إلى خزن بمثقال
وهي عدة أبيات، فضحك عبد الله بن طاهر وقال: يا أبا السمراء، أقرضني عشرة آلاف دينار، فما أمسيت أملكها، فأقرضه فدفعها إلى معلّى الطائي.
قال محمد بن الفضل الخراساني أحد قواد عبد الله بن طاهر، لما قال عبد الله بن طاهر قصيدته التي يفخر فيها بمآثر أبيه وأهله، ويفخر بفضلهم وقتلهم المخلوع، عارضه محمد بن زياد الأموي الحصني من ولد مسلمة بن عبد الملك، فأفرط في السب وتجاوز قبح الرد، وتوسط بين القوم وبين بني هاشم [ص ١٠٠] فأربى في التوسط، وكان فيما قال فيه: (٢) [المديد]
يا بن بيت النار يوقدها … ما لحاذيه سراويل (٣)
من حسين من أبوك ومن … مصعب غالتكم غول
نسب في الفخر مؤتشب … وأبوّات أراذيل
وهي قصيدة طويلة، فلما ولي عبد الله بن طاهر، وردّ إليه أمر الشام علم الحصني أنه لا يفلت منه إن هرب، ولا ينجو من يده، فثبت في موضعه، وأحرز حرمه، وترك أمواله ودوابه، وكل ما يملك في موضعه، وفتح باب حصنه وجلس عليه يتوقع من عبد الله بن طاهر أن يوقع به، فلما شارفنا بلده وكنا على أن
стр. 4240
نصبحه، دعاني عبد الله في الليل فقال: أنت (١) عندي الليلة، ولتكن فرسك عندك لا تردّ، فلما كان في السحر أمر غلمانه وأصحابه أن لا يرحلوا حتى تطلع الشمس، وركب في السحر وأنا وخمسة من خواص غلمانه [معه]، وسار حتى صبّح (٢) الحصني، فرأى بابه مفتوحا، ورآه جالسا مسترسلا، فقصده وسلم عليه، ونزل عنده، وقال: ما أحلّك هاهنا وحملك على ان فتحت بابك ولم تتحصن من هذا الجيش المقبل، ولم تتنحّ عن عبد الله بن طاهر، مع ما في نفسه عليك، وما بلغه عنك؟ فقال: إن الذي قلت لم يذهب عليّ، وإنما تأملت أمري وعلمت أني قد أخطأت خطيئة حملني عليها نزق الشباب وغرة الحداثة، وإني إن هربت لم آمنه، فباعدت البنات والحرم، واستسلمت بنفسي وكل ما أملك، فإني [من] أهل بيت قد أسرع القتل فينا، ولي فيمن مضى أسوة، فإن الرجل إذا قتلني وأخذ مالي وشفى غيظه، لم يجاوز ذلك إلى الحرم، ولا له فيهن أرب، ولا يوجب جرمي إليه أكثر مما بذلته، قال: فو الله، ما اتقاه عبد الله إلا بدموعه تجري على لحيته، ثم قال: أتعرفني؟ قال: لا والله، قال: أنا عبد الله بن طاهر، وقد أمّن الله خوفك وحقن دمك، وصان حريمك، وحرس نعمتك، وعفا عن ذنبك، وما تعجلت إليك وحدي إلا لتأمن (٣) وأن لا يخالط عفوي عنك روعة، فبكى الحصني وقام فقبل رأسه، وضمّه إليه عبد الله وأدناه، ثم قال: أما الآن فلا بد من عتاب، يا أخي جعلت فداك، قلت شعرا في قومي أفخر بهم [ص ١٠١] لم أطعن فيه على حسبك، ولا ادعيت فضلا عليك، وفخرت بقتل رجل، هو وإن كان من قومك، فهم القوم الذين ثأرك عندهم، وكان يسعك السكوت. وإن لم