← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11790

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط المجمع الثقافي

ابن فضل الله العمري

Полный текст (8 839 стр.). Показаны 4236–4275 · переход к 4241.

стр. 4236

قال: صنع محمد بن الحارث لحنا في: (١) [مجزوء الكامل] أصبحت عبدا مسترقّا … أبكي الألى سكنوا دمشقا أعطيتهم قلبي فمن … يبقى بلا قلب فأبقى وطرحه على المسدود الطنبوري، فوقع له موقعا حسنا، واستحسنه محمد بن الحارث منه، فقال له: أتحبّ أن أهبه لك؟ قال: نعم، قال: قد فعلت، وكان يغنيه ويدعيه، إنما هو لمحمد بن الحارث. قال: دعا إسحاق بن إبراهيم المصعبي المأمون، فصار إليه معه المعتصم وعبد الله ابن طاهر وسائر جلسائه ومغنيه، فلما جلس المأمون على شرابه، كان ممن حضر المجلس من المغنين محمد بن الحارث، وقد شاع في المأمون الطرب، فغناه: (٢) [المنسرح] لو كان حولي بنو أميّة لم … تنطق رجال أراهم نطقوا قال: فغضب المأمون، ودارت عينه في رأسه، وكان لا يكاد يغضب، فإذا غضب بلغ غاية الغضب، ثم التفت إليه فقال: تغنّيني في وقت سروري (٣)، وساعة طربي في شعر تمدح فيه أعدائي، وأنت مولاي، وربيب نعمتي؟ ادعوا أحمد [ص ٩٨] بن هشام، وكان على حرسه، وكان المأمون لا يمضي إلى موضع، إلا ومعه صاحب شرطته وحرسه، وكان احمد قاعدا في حراقة (٤) على باب إسحاق في دجلة، فجاء أحمد حتى مثل بين يديه، وكان عبد الله بن طاهر قد قام ليجدد وضوءا، فقال أحمد: خذه إليك فاضرب عنقه وانتسفه من الأرض، ومرّ به مبادرا

стр. 4237

لينفذ أمره فيه، ولم يتهيأ لإسحاق كلام المأمون فيه، وعدل إلى عبد الله بن طاهر فأخبره الخبر وقال: إن تهيأ هذا في منزلي يوم فخري وسروري كانت سبّة عليّ وعلى أهلي، فهدأ أحمد، فسأله أن يتوقف ويبادر إلى أمير المؤمنين يسأله العفو عنه، فقال عبد الله بن طاهر لأحمد في التوقف عنه، وجاء حتى أقام بين يدي المأمون وهو على غضب، فأمره بالجلوس، فأبى، فقال: لم؟ قال: يا أمير المؤمنين، نعمك عليّ جلية، ومننك لديّ نفيسة، وفي نفسي وأهلي عظيمة، وهذا يوم شرّفت فيه ابن عمي إسحاق بزيارته، ورفعت بذلك من قدره، وأعليت من ذكره، وقد كان من هذا الجاهل ما كان، فإن (١) في سعة خلق أمير المؤمنين، وكرم عفوه، أن يعود عليه بفضله، والطول بصفحه، ولا يخرجه إلا إلى ما خرج من الأمر بقتله، كان هذا شيئا إن تهيأ في منزل خادمه كان سبة عليه وعلينا إلى آخر الدهر، هذا إلى حرمة محمد وخدمته، وإن الذي تمّ عليه كان بسوء الاتفاق لا العمد، فإن رأى أمير المؤمنين أن يعود بحلمه ويراجع ما عوّد الله خدمه من العفو والإقالة، قال: قد فعلت، وأمر برده إلى مجلسه، فجاء فوقف بين يديه فقال: إياك ومعاودة مثل ما كان منك، وأخذ في لهو ولعب وسرور. ٣٣ - عبد اللّه بن طاهر (٢) ملك علا علو النجوم، وجاد جود (٣) الغيوم، وأجاد في كل ضرب من

стр. 4238

الإحسان، وكانت أيامه أيام الورد في نيسان، محلا النجاد بأدب حل منه النجاد، ووقار رأى الطود إليه الافتقار، وهو من أبناء الشيعة العباسية في رأس فرقها، ومجمع طرفها، صعدت فيها جدوده الذروة، وسعدت لتمسكها بالعروة، وكان عبد الله يتكلم الغناء وهو معبده وغريضه، ويده فيه لا تقصر به ولا نهوضه [ص ٩٩] إنما كان يخاف به الإزراء، وتعدّ أصواته المنسوبة إليه الأرزاء. قال أبو الفرج: أعطي عبد الله بن طاهر مال مصر لسنة، خراجها وضياعها، فوهبه كله وفرقه على الناس، ورجع صفرا من ذلك، فغاظ المأمون فعله، فدخل إليه يوما بعد مقدمه فأنشده (١): [البسيط] نفسي فداؤك والأعناق خاضعة … للنائبات أبيّا غير مهتضم إليك أقبلت من أرض أقمت بها … حولين بعدك في شوق وفي ألم أقفو مساعيك اللاتي خصصت بها … حذو الشّراك على مثل من الأدم فكان فضلي منها أنّني تبع … لما سننت من الإحسان والكرم فضحك المأمون وقال: والله ما نفست عليك مكرمة نلتها (٢)، ولا أحدوثة حسن عنك ذكرها، ولكن هذا شيء إذا عودته نفسك افتقرت ولم تقدر على لمّ شعثك ولا إصلاح حالك، وزال ما كان في نفسه. وقال غيره: لما افتتح عبد الله بن طاهر مصر، سوغه المأمون خراجها، فصعد المنبر، فلم يزل حتى أجاز بها ثلاثة آلاف ألف دينار ونحوها، فأتاه معلّى الطائي وقال: اعلموه ما صنع، وكان واجدا عليه، فوقف بين يديه تحت المنبر وقال: أصلح الله الأمير، أنا معلّى الطائي، وقد بلغ منّي ما كان منك من جفاء وغلظة،

стр. 4239

فلا يغلظن علي قلبك، ولا يستخفنك الذي بلغك، أنا الذي أقول (١): [البسيط] يا أعظم الناس عفوا عند مقدرة … وأعظم النّاس عند الجود للمال لو أصبح النيل يجري ماؤه ذهبا … لما أشرت إلى خزن بمثقال وهي عدة أبيات، فضحك عبد الله بن طاهر وقال: يا أبا السمراء، أقرضني عشرة آلاف دينار، فما أمسيت أملكها، فأقرضه فدفعها إلى معلّى الطائي. قال محمد بن الفضل الخراساني أحد قواد عبد الله بن طاهر، لما قال عبد الله بن طاهر قصيدته التي يفخر فيها بمآثر أبيه وأهله، ويفخر بفضلهم وقتلهم المخلوع، عارضه محمد بن زياد الأموي الحصني من ولد مسلمة بن عبد الملك، فأفرط في السب وتجاوز قبح الرد، وتوسط بين القوم وبين بني هاشم [ص ١٠٠] فأربى في التوسط، وكان فيما قال فيه: (٢) [المديد] يا بن بيت النار يوقدها … ما لحاذيه سراويل (٣) من حسين من أبوك ومن … مصعب غالتكم غول نسب في الفخر مؤتشب … وأبوّات أراذيل وهي قصيدة طويلة، فلما ولي عبد الله بن طاهر، وردّ إليه أمر الشام علم الحصني أنه لا يفلت منه إن هرب، ولا ينجو من يده، فثبت في موضعه، وأحرز حرمه، وترك أمواله ودوابه، وكل ما يملك في موضعه، وفتح باب حصنه وجلس عليه يتوقع من عبد الله بن طاهر أن يوقع به، فلما شارفنا بلده وكنا على أن

стр. 4240

نصبحه، دعاني عبد الله في الليل فقال: أنت (١) عندي الليلة، ولتكن فرسك عندك لا تردّ، فلما كان في السحر أمر غلمانه وأصحابه أن لا يرحلوا حتى تطلع الشمس، وركب في السحر وأنا وخمسة من خواص غلمانه [معه]، وسار حتى صبّح (٢) الحصني، فرأى بابه مفتوحا، ورآه جالسا مسترسلا، فقصده وسلم عليه، ونزل عنده، وقال: ما أحلّك هاهنا وحملك على ان فتحت بابك ولم تتحصن من هذا الجيش المقبل، ولم تتنحّ عن عبد الله بن طاهر، مع ما في نفسه عليك، وما بلغه عنك؟ فقال: إن الذي قلت لم يذهب عليّ، وإنما تأملت أمري وعلمت أني قد أخطأت خطيئة حملني عليها نزق الشباب وغرة الحداثة، وإني إن هربت لم آمنه، فباعدت البنات والحرم، واستسلمت بنفسي وكل ما أملك، فإني [من] أهل بيت قد أسرع القتل فينا، ولي فيمن مضى أسوة، فإن الرجل إذا قتلني وأخذ مالي وشفى غيظه، لم يجاوز ذلك إلى الحرم، ولا له فيهن أرب، ولا يوجب جرمي إليه أكثر مما بذلته، قال: فو الله، ما اتقاه عبد الله إلا بدموعه تجري على لحيته، ثم قال: أتعرفني؟ قال: لا والله، قال: أنا عبد الله بن طاهر، وقد أمّن الله خوفك وحقن دمك، وصان حريمك، وحرس نعمتك، وعفا عن ذنبك، وما تعجلت إليك وحدي إلا لتأمن (٣) وأن لا يخالط عفوي عنك روعة، فبكى الحصني وقام فقبل رأسه، وضمّه إليه عبد الله وأدناه، ثم قال: أما الآن فلا بد من عتاب، يا أخي جعلت فداك، قلت شعرا في قومي أفخر بهم [ص ١٠١] لم أطعن فيه على حسبك، ولا ادعيت فضلا عليك، وفخرت بقتل رجل، هو وإن كان من قومك، فهم القوم الذين ثأرك عندهم، وكان يسعك السكوت. وإن لم

стр. 4241

تقترف لم تسرف، فقال: أيها الأمير، فإن عفوت، فاجعله العفو الذي لا يخالطه تثريب، ولا يكدر صفوه تأنيب، قال قد فعلت، فقم بنا ندخل منزلك حتى نوجب عليك حقا بالضيافة، فقام مسرورا، فدخلنا منزله، ودعا بالطعام الذي كان أعده (١) لنفسه، فأكلنا وجلسنا نشرب في مستشرف له، واقبل الجيش، وأمرني عبد الله أن أتلقاهم فأرحّلهم، ولا يترك أحد منهم في البلدة، ثم دعا بدواة، فكتب له يسوغه خراجه سبع سنين، وقال: إن نشطت لنا فالحق بنا، وإلا فأقم مكانك، فقال: أنا أتجهز وألحق الأمير، ففعل ولحق بمصر، ولم يزل مع عبد الله ابن طاهر لا يفارقه حتى دخل العراق، فودعه وأقام ببلده. قال ابن خرداذبة: كان موسى بن خاقان مع عبد الله بن طاهر، وكان نديمه، وجليسه، وكان له مؤثرا مقدما، فأصاب معه معروفا كثيرا، وأجازه جوائز سنية، ثم إنه وجد عليه في بعض الأمر فجفاه، فرجع موسى إلى بغداد، فكتب إليه: (٢) إن كان عبد الله خلانا … لا مبديا عرفا وإحسانا فحسبنا اللّه رضينا به … ثم بعبد الله مولانا يعني بعبد الله الثاني المأمون، وغنّت فيه جاريته لحنا من الثقيل الأول، وسمعه المأمون منها، فاستحسنها، ووصله وإيّاها، فبلغ ذلك عبد الله بن طاهر، فغاظه، وقال: أجل، صنعنا المعروف إلى غير أهله فضاع.

стр. 4242

٣٤ - معبد اليقطيني (١) مطرب كم أخذ عنه صوت، ومجيدكم استدرك به لمعبد الأول فوت، وإن قيل «وما قصبات السبق إلا لمعبد»، وعنى الأول أنه أعرب قيل ذلك له وللثاني منه ما أطرب، ثم ختل لبيبا وقتل كئيبا وفعل بالغناء ما يفعل بالناي، كان أطيب من العود أنفاسا، وأقرب إيناسا، يختلب الألباب، ويستلب العقول للأحباب، ويجتلب [ص ١٠٢] الهوى لذكر زينب اجتلاب الرباب. قال أبو الفرج، قال عبد الله بن أبي سعيد، حدثني معبد غلام ابن يقطين قال: كنت منقطعا إلى البرامكة، آخذ منهم وألازمهم ولا أفارقهم، فبينا أنا ذات يوم في منزلي إذا بابي يدق، فخرج غلامي ثم رجع فقال: على الباب فتى ظاهر المروءة يستأذن عليك، فأذنت له، فدخل علي شاب ما رأيت أحسن وجها، ولا أنظف ثوبا، ولا أجمل زيا منه، عليه آثار السقم ظاهرة، فقال: إني اخاف (٢) لقاءك مذ مدّة، فلا أجد إليه سبيلا، إنّ لي حاجة، قلت: ما هي؟ فأخرج ثلاث مئة دينار فوضعها بين يدي، ثم قال: أسألك أن تقبلها وتصنع في بيتين قلتهما لحنا تغنيني به، قلت: هاتها، فأنشدني: (٣) [البسيط] والله يا طرفي الجاني على بدني … لتطفئنّ بدمعي لوعة الحزن

стр. 4243

أو لأبوحنّ حتى يحجبوا سكني (١) … فلا أراه ولو أدرجت في كفني قال: فصنعت فيهما لحنا ثم غنيته إياه، (٢) فأغمي عليه، حتى ظننته قد مات، ثم أفاق فقال: أعد فديتك، فناشدته الله في نفسه، وقلت: أخشى أن تموت، فقال: هيهات، أنا أشقى من ذلك، وما زال يخضع ويتضرع (٣) حتى أعدته، فصعق صعقة أشد من الأولى، حتى ظننت أن نفسه قد فاضت (٤)، فلما أفاق رددت عليه الدنانير ووضعتها بين يديه، وقلت له: يا هذا خذ دنانيرك وانصرف عني، فقد قضيت حاجتك وبلغت طرفا مما أردته، ولست أحب أن أشرك في دمك، فقال: يا هذا، لا حاجة لي في الدنانير، وهذه مثلها لك، وأخرج مثلها ثلاث مئة دينار أخرى فوضعهما بين يدي وقال: أعد الصّوت عليّ مرة أخرى وخلاك ذم، فشرهت نفسي إلى الدنانير، فقلت: لا والله ولا بعشرة أمثالها، إلا على ثلاث شرائط، قال: وما هن؟ قلت: أولهن أن تقيم عندي، وتتحرّم بطعامي، والثانية أن تشرب أقداحا من النبيذ تشد قلبك ويسكن مما بك، والثالثة أن تحدثني بقضيتك، قال: أفعل ما تريد، فأخذت الدنانير ودعوت بالطعام فأصاب منه إصابة معذر (٥)، ثم دعوت بالنبيذ فشرب أقداحا، وغنيّته بشعر غيره في نحو من معناه، فجعل يبكي أحر بكاء

стр. 4244

وينشج (١) [ص ١٠٣] أشد نشيج، فلما رأيت النبيذ قد شد قلبه، كررت عليه صوته مرارا ثم قلت: حدثني حديثك، قال: أنا رجل من أهل المدينة، وخرجت متنزها في ظاهرها، وقد سال العقيق في فتية من أترابي، فبصرنا بفتيات قد خرجن لمثل ما خرجنا له، فجلسن حجزة (٢) منا، وبصرت بفتاة كأنها قضيب قد طله الندى، فأطلنا وأطلن حتى تفرق الناس، وانصرفت وقد أثبتت في قلبي جرحا بطيئا اندماله، فعدت إلى منزلي وأنا وقيذ (٣)، وخرجت من الغد إلى العقيق وليس به أحد، فلم أر لها أثرا، فجعلت أتبعها في طرق المدينة وأسواقها، فلم أحسّ لها بعين ولا أثر، وسقمت حتى أيس مني أهلي، وخلت بي ظئر لي (٤) واستعلمتني وضمنت لي كتمانها والسعي فيما أحبه، فأخبرتها بقضيتي، فقالت: لا بأس عليك، هذه أيام الربيع، وهي سنة خصب وأنواء، وليس يبعد عنك المطر، فأخرج أنا وأنت إلى العقيق، فإن النسوة سيجئن، فإذا فعلن فرأيتها عرفتها حتى أتبعها فأعرف موضعها فأتبعها وأصل بينك وبينها، وأسعى لك في تزويجها، فكأن نفسي اطمأنت إلى ذلك، ووثقت به، وسكنت إليه، فقويت نفسي وتراجعت، وجاء مطر بعقب ذلك، فسال العقيق، وخرج الناس وخرجت مع إخواني، فجلسنا مجلسنا الأول بعينه كما كنا والنسوة أقبلن، فأومأت إلى ظئري فجلست حجزة منا ومنهن وأقبلت إلى إخواني فقلت: لقد أحسن القائل: (٥) [الطويل] رمتني بسهم أقصد القلب وانثنت … وقد غادرت جرحا به وندوبا فأقبلت على صويحباتها وقالت: أحسن والله القائل حيث يقول: [الطويل]

стр. 4245

بنا مثل ما تشكو فصبرا لعلّنا … نرى فرجا يشفي السّقام قريبا فأمسكت عن الجواب خوفا أن يظهر ما يفضحني وإياها، وعرفت ما أرادت، ثم تفرق الناس وانصرفنا، فتبعتها ظئري حتى عرفت منزلها، وصارت إلي فأخذت بيدي ومضينا إليها، فلم تزل تتلطف حتى وصلت إليها فتلاقينا على حال مجالسة، فشاع حديثنا، فحجبها أهلها، فسألت أبي أن يخطبها، فمضى أبي ومشيخة أهلي إلى أبيها، فخطبوها، فقال: لو كان فعل هذا قبل أن يفضحها لأسعفته بما التمس، فأما الآن وقد عرّها (١) فما [ص ١٠٣] كنت لأحقق ظن الناس بتزويجها إيّاه، فانصرفت على يأس منها ومن نفسي. قال معبد: فسألته أن ينزل فحبرني (٢)، وصارت بيننا عشرة، ثم جلس جعفر بن يحيى للشرب، فأتيته وكان أول صوت غنيته في شعر الفتى، فطرب عليه طربا شديدا، فقال: ويحك، ما سمعت هذا منك قط، فقلت: إن لهذا الصوت حديثا، قال: فما هو؟ فحدثته، فأمر بإحضاره، فأحضر الفتى بين يديه، فاستعاده الحديث، فأعاده عليه، فقال: هي في ذمتي حتى أزوجك أيّاها، فطابت نفسه، فأقام معنا حتى أصبح وغدا جعفر إلى الرشيد، فحدثه الحديث العجيب، فأعجب منه، وأمر بإحضارنا جميعا، فأحضرنا وأمر أن أغنيه الصوت، فغنيته فشرب وطرب، وأمر من وقته بكتاب إلى عامل المدينة بإشخاص الرجل وابنته وجميع أهله إلى حضرته، فلم يمض إلا مسافة الطريق، فأحضروا، وأمر الرشيد بإيصاله إليه، فأوصل وخطب الجارية للفتى، وأقسم لا يخالف أمره، فأجابه أبوها، وحمل إليه الرشيد ألف دينار لنفقة الطريق، وألف دينار لجهازها وأمر للفتى بألفي دينار، ولي بألف دينار، وأمر لنا جعفر بألفي دينار لي وله، وكان الفتى بعد ذلك من ندماء جعفر بن يحيى.

стр. 4246

٣٥ - محمد الزّف (١) سابق لا يكر معه في جولة، ولا يقر معه لصولة، ولا يذكر مع بوارقه برقة ثهمد ولا خولة (٢). ما أبو كامل عنده إلا ناقص، ولا الكميت المذكور في صوت ابن سريج عنه إلا ناكص، ولا ابن محرز معه ممن تحرّز ولا ابن ميمون الموصلي إلا ممن تغنى (٣) وما نسج مثل نسجه ولا طرّز. قال أبو الفرج الأصفهاني: كان أسرع خلق الله أخذا للغناء من جميع خلقه وأصحه أداء له، وكان يتعصب على ابن جامع، ويميل إلى إبراهيم وابنه، فكانا يرفعان منه ويقدمانه، ويجلبان له الصلات من الخلفاء، وكان في ابن جامع بخل شديد لا يقتدر معه أن يسعفه ببر، وقد كان ابن جامع إذا غنى صوتا أصغى إليه حتى يحكيه ويلقيه على جماعة المغنين، فغنى ابن جامع يوما بحضرة الرشيد: (٤) [الخفيف] أرسلت تقرئ السلام الرّباب [ص ١٠٥] … في كتاب وقد أتانا الكتاب فيه لو زرتنا لزرناك ليلا … بمنى حيث تستقلّ الرّكاب قال إسحاق: ونظرت إلى الزّفّ فغمزته، وقمت إلى الخلاء، فإذا هو قد جاءني، فقلت: أي شيء قد عملت؟ قال: قد فرغت لك منه، فقلت: هاته، فرده علي

стр. 4247

ثلاث مرات حتى عرفت مقاطعه وفهمته وصح لي، فأخذته وعدت إلى مجلسي وأنا مسرور (١)، وغمزت عقيدا ومخارقا فقاما وتبعهما، فألقاه عليهما، وابن جامع لا يعرف الخبر، فلما عاد إلى المجلس، أومأت إليهما أسألهما عنه، فعرفاني أنهما أخذاه، فلما بلغ الدور إلي كان الصوت أول ما غنيته، فحدد الرشيد نظره إليّ، ومات ابن جامع وأسقط في يده (٢)، فقال لي الرشيد: من أين لك هذا؟ قلت: أنا أرويه قديما، وقد أخذه عني مخارق وعقيد، فقال: غنياه، فغنياه، فوثب ابن جامع، فجلس بين يديه، وحلف بالطلاق ثلاثا أنه صنعه في ليلته الماضية، ما سبقه إليه أحد من الناس، فنظر إليّ الرشيد فغمزته بعيني أنه صدق، وجدّ الرشيد في العبث به بقية يومه، ثم سألني بعد ذلك في الخبر فصدقته، فجعل يضحك ويقول: لكل شيء آفة، وآفة ابن جامع الزف. ومن مشهور صنعته في طريقة الرمل: (٣) [البسيط] بان الحبيب فلاح الشيب في راسي … وبتّ منفردا وحدي بوسواس ما ذا لقيت فدتك النفس بعدكم … من التّبرّم بالدنيا وبالناس لو كان شيء يسلّي النّفس عن شجن … سلّت فؤادي عنكم لذّة الكاس ما دارت الكأس إلا كان ذكركم … مجاز كأسي وأنسي بين جلاسي

стр. 4248

٣٦ - عثعث (١) برز في تصاريف العقلاء، وتبرأ من تكاليف الثقلاء، واطّرحت الخلفاء معه الاحتشام، وجعل بوارق السرور متى لاح تشام، وكان قمر تلك المجالس وقمري تلك الرحاب الأوانس، لا ترقل ركائب المدام إلا على حدائه، ولا تطل حدود الكؤوس إلا بإدنائه، تترنح به المعاطف، ترنح الاغصان بالنسيم، وتهتز القلوب اهتزاز المفارق للمعهد القديم. قال أبو الفرج، قال ابن حمدون [ص ١٠٦] قال لي عثعث: دخلت يوما على المتوكل، وهو مصطبح وابن المارقي يغنيه شعره: (٢) [الطويل] أقاتلتي بالجيد والخدّ والقد … وباللون في وجه أرقّ من الورد وهو على البركة جالس، وقد طرب فاستعاد الصوت مرارا، وأقبل عليه، فجلست ساعة، ثم قمت لأبول فصنعت هزجا في شعر البحتري يصف البركة: (٣) [البسيط] إذا النجوم تراءت في جوانبها … ليلا حسبت سماء ركّبت فيها وإن علتها الصّبا أبدت لها حبكا … مثل الجواشن مصقولا حواشيها قد زانها زينة من بعد زينتها … إن اسمه حين يدعى من أساميها فلما سكت ابن المارقي مستوفيا، اندفعت أغني هذا الصوت، فأقبل علي

стр. 4249

وقال: أحسنت، وحياتي أعد، فأعدت فشرب ولم يزل يستعيده ويشرب حتى اتكأ ثم قال للفتح بن خاقان: بحياتي ادفع إليه السّاعة ألف دينار وخلعة تامة، واحمله على شهري (١) فاره بسرجه ولجامه، فانصرفت بذلك أجمع. قال ابن جامع: كنا مجتمعين في منزل أبي عيسى ابن المتوكل، وقد عزمنا على الصبوح، ومعنا جعفر بن المأمون، وسليمان بن وهب، وإبراهيم بن المدبر، وحضرت عريب وشارية وجواريها، ونحن في أتم سرور، وكان أهل الظرف والمتعانون في ذلك الوقت ضربين، عريبيّة وشرويّة (٢) فمال كل حزب إلى من يتعصب له منهما في الاستحسان والظرف والأفراح، وعريب وشارية ساكتتان لا تنطقان، وكل واحدة من جواريهما تغني صنعة ستها (٣) لا تجاوزها، حتى غنت عرفان: (٤) [المديد] بأبي من زارني في منامي … فدنا منّي وفيه نفار فأحسنت ما شاءت، وشربنا جميعا، فلما أمسكت، قالت عريب لشارية: يا أختي، لمن هذا اللحن؟ قالت: لي كنت صنعته في حياة سيدي، تعني إبراهيم المهدي فاستحسنه وعرضه على إسحاق وغيره فاستحسنوه، وامسكت عريب، ثم قالت لأبي عيسى: أحب [ص ١٠٧] يا بنيّ فديتك أن تبعث الساعة إلى عثعث الأسود من يجيء به، فوجه إليه فحضر، وجلس، فلما اطمأن وشرب وغنى، قالت له عريب: يا أبا دليجة، أتذكر صوتا غناه زبير [بن] دحمان عندي وأنت حاضر، فسألته أن يطرحه عليك؟ فقال: وهل الغواني لها عذرها (٥)، نعم والله، إني لذاكره، حتى كأننا أمس افترقنا عنه، قالت: غنّه، فاندفع يغني

стр. 4250

الصوت الذي ادّعته شارية حتى استوفاه، وتضاحكت الأخرى عريب، ثم قالت لجواريها: خذوا في الحق ودعوا الباطل، وغنوا الغناء القديم، فغنت بدعة وسائر جواريها، وخجلت شارية وأطرقت وظهر الانكسار فيها، ولم تنتفع هي يومئذ ولا أحد من جواريها، ولا متعصبيها بأنفسهم. ٣٧ - بصبص جارية ابن نفيس (١) جارية سمراء تهزأ بالأسمر، وترسل في طرفها الأسود الموت الأحمر، انغمست في ماء الدلال، وطبعت على صورة الهلال، بحمرة دبت في وجناتها، وأمكنت بواكير الورد من جناتها، وذبلت نرجس العيون وأقاح المقل من جناتها، وروّقت في رضابها الرحيق، وأشعلت فيما تحت نقابها الحريق، وجلتها كالبدر يعلوه تحت الشفوف غيم رقيق، كلف بها المهدي على عفاف مضاجعه، وكف مطامعه وصارت إلى ملك حيث الملوك إلى أبوابه وافدة، والأقدار له على عدوه مرافدة، واختصها بأنسه، واستخلصها لنفسه، وأولدها عليّة بنت المهدي، ولهذا نزعت إلى أمها، واغترفت الغناء من يمّها، وكانت قد أدّبها ابن نفيس فمهرت، وحجبها مدة مقصورة على التعليم حتى ظهرت. قال أبو الفرج: كان يحيى بن نفيس مولاها صاحب قيان يغشاه الأشراف، ويسمعون غناء جواريه، وكان فيمن [يغشاه] عبد الله بن مصعب بن ثابت بن

стр. 4251

عبد الله بن الزبير، فحج أبو جعفر أبو جعفر في بعض السنين، ومر بالمدينة، فقال عبد الله ابن مصعب، تذكر: (١) [السريع] أراحل أنت أبا جعفر … من قبل أن تسمع من بصبصا لو أنّها تدعو إلى بيعة … بايعتها ثم شققت العصا [ص ١٠٨] فبلغت أبا جعفر، فدعا به فقال: أما أنكم يا آل الزبير قديما قادتكم النساء، وشققتم العصا، حتى صرت أنت آخر الحمقى تبايع النساء المغنيات، فدونكم يا آل الزبير هذا المرتع الوخيم، قال: ثم بلغ المنصور بعد ذلك أن عبد الله بن مصعب قد اصطلح (٢) مع بصبص وهي تغنيه: (٣) [السريع] إذا تمزّزت صراحيّة … كمثل ريح المسك أو أطيب (٤) ثم تغنّى لي بأهزاجه … زيد أخو الأنصار أو أشعب حسبت أني مالك جالس … حفّت به الأملاك أو موكب وما أبالي وإله الورى … أشرّق العالم أم غرّبوا قال أبو جعفر: لكن العالم لا يبالون كيف أصبحت، ولا كيف أمسيت، ثم قال أبو جعفر: لكن الذي يعجبني الليلة أن يحدوني الحادي بشعر طريف العنبري فهو ألذ في سمعي من غناء بصبص، ثم دعا الحادي (٥)، وكان إذا حدا أصغت الإبل إلى صوته وانقادت انقيادا عجيبا، فسأله المنصور: ما بلغ من حسن حدائه؟

стр. 4252

[قال]: تعطش الإبل خمسا وتدنى من الماء، وأحدو أنا، فتتبع كلّها صوتي ولا تقرب الماء، فحفظ الشعر، وهو (١): [الكامل] إنّي وإن كان ابن عمّي كاشحا … لمزاحم من دونه وورائه وممدّه نصري وإن كان امرأ … متزحزحا في أرضه وسمائه (٢) وأكون مأوى سرّه وأصونه … حتّى يحقّ عليّ يوم أدائه وإذا أتى من غيبة بطريفة … لم أطّلع ما ذا وراء خبائه وإذا تحيّفت الحوادث ماله … قرنت صحيحتنا إلى جربائه وإذا تريّش في غناه وفرته … وإذا تصعلك كنت من قرنائه وإذا غدا يوما ليركب مركبا … صعبا قعدت له على سيسائه (٣) قال: فلما كان الليل حدا به الحادي بهذه الأبيات، فقال: هذا والله أحثّ [ص ١٠٩] على المروءة، وأشبه لأهل الأدب من غناء بصبص، قال: فحدا به ليله أجمع، فلما أصبح قال: يا ربيع، أعطه درهما، قال: يا أمير المؤمنين، حدوت لهشام بن عبد الملك فأمر لي بعشرين ألفا، وتأمر لي أنت بدرهم! قال: إنا لله، ذكرت مالم نحب أن تذكره، وصفت رجلا ظالما أخذ مال الله من غير حله، وأنفقه في غير حقه، يا ربيع، اشدد يديك به حتى يرد المال، فبكى الحادي وقال: يا أمير المؤمنين، قد مضت به السنون، وقضيت به الديون، ولا والذي أكرمك بالخلافة ما بقي منه شيء، فلم يزل به أهله وخاصته يسألونه في أمره حتى كف عنه، وشرط عليه أن يحدو به ذاهبا وراجعا، ولا يأخذ منه شيئا.

стр. 4253

قال: هوي محمد بن عيسى الجعفري بصبصا جارية ابن نفيس، فهام بها، وطال عليه ذلك، فقال لصديق له: لقد شغلتني هذه عن ضيعتي وكل أمري، وقد وجدت مسّ السّلوّ عنها، فاذهب بنا حتى أكاشفها بذلك وأستريح، فأتيتها، فلما غنت لهما، قال محمد بن عيسى: أتغنين: (١) [الوافر] وكنت أحبّكم فسلوت عنكم … عليكم في دياركم السّلام قالت لا، ولكني أغني: [الوافر] تحمّل أهلها عنّا فبانوا … على آثار من ذهب العفاء قال: فاستحسنها، ثم زاد بها كلفا، فأطرق ساعة، ثم قال لها: أتغنيني: (٢) [الطويل] وأخضع بالعتبى إذا كنت مذنبا … وإن أذنبت كنت الذي أتنصّل قالت نعم، وأغني: [الطويل] فإن تقبلوا بالودّ نقبل بمثله … وننزلكم منّا بأقرب منزل قال: فتقاطعا في بيتين، وتواصلا في بيتين. وفي بصبص هذه يقول ابن أبي الزوائد: (٣) [السريع] بصبص أنت الشمس مزدانة … فإن تبذّلت فأنت الهلال سبحانك اللهمّ ما هكذا … فيما مضى كان يكون الجمال [ص ١١٠] إذا دعت بالعود في مشهد … وعاودت يمنى يديها الشمال غنّت غناء يستفده الفتى … حذقا وزان الحذق منها الدلال

стр. 4254

٣٨ - الزّرقاء جارية ابن رامين (١) أنست ذكر زرقاء اليمامة، وغنت فأغنت عن الورقاء والحمامة، لم يبق معها لليمامية ولو أنها أفضل عين ولا أثر، ولا للزّرقاء (٢) أم بني أمية خبر يقع عليه الطرف إذا عثر، أبدعت في تكميل الغناء وتحصيل ما لا ينصرف عنه للاستغناء، ثم أصبحت والحجب تضرب عنها دونها، والستر يسبل عنها مصونها، والنجوم لا ترمقها، والشموس تشهد منها مشرقها (٣). قال أبو الفرج، قال إسحاق، كان روح بن حاتم المهلبي كثير الغشيان لمنزل ابن رامين، وكان يختلف إلى الزرقاء، وكان محمد بن جميل يهواها وتهواه، فقال لها روح بن حاتم: قد ثقل علينا (٤)، قالت: فما أصنع، قد غمر مولاي ببره، قال: احتالي له، فبات عندهم روح ليلة، فأخذت سراويله وهو نائم فغسلته، فلما أصبح سأل عنه، فقالت: غسلناه، ففطن أنه أحدث فيه فاحتيج إلى غسله، فاستحيا من ذلك وانقطع عنها، وخلا وجهها لابن جميل. قال: واشترى جعفر بن سليمان الزرقاء بثمانين ألف درهم، فلما مضت لها مدة عنده، قال لها يوما: هل ظفر أحد منك ممن كان يهواك بخلوة أو قبلة، فخشيت أن يبلغه شيء كانت فعلته بحضرة جماعة، أو يكون قد بلغه، فقالت: لا والله، إلا يزيد بن عون العبادي قبلني قبلة وقذف في فمي لؤلؤة بعتها بثلاثين ألف درهم،

стр. 4255

فلم يزل جعفر يطلبه ويحتال له حتى وقع في يده، فضربه بالسياط حتى مات. قال إسحاق: شربت الزرقاء دواء فأهدى لها ابن المقفع ألف درّاجة على جمل قراسيّ. (١) قال محمد بن سلام: اجتمع عند ابن رامين معن بن زائدة وروح بن حاتم وابن المقفع، فلما غنت بعث معن إليها بدرة، (٢) فصبها بين يديها، وبعث روح إليها أخرى فصبها بين يديها، ولم يكن عند ابن المقفع دراهم، فجاء بصك ضيعته وقال: هذه عهدة ضيعتي خذيها، فأما الدراهم [ص ١١١] فما عندي منها شيء. قال إسماعيل بن عمار: كنت أختلف إلى منزل ابن رامين فأسمع جاريته الزرقاء وسعدة، وكانت سعدة أظرف من الزرقاء، فأعجبت بها، وعلمت ذلك مني، وكانت كاتبة، فكتبت إليها أشكو ما ألقى بها، فوعدتني فكتبت إليها رقعة مع بعض خدمهم فيها: (٣) [البسيط] يا ربّ إنّ ابن رامين له بقر … عين وليس لنا غير البراذين لو شئت أعطيته مالا على قدر … يرضى به منك غير الخرّد العين (٤) فإن تجودي بذاك الشيء أحي به … وإن بخلت به عنّي فزنّيني (٥) قال: فجاءني الخادم فقال: ما زالت تقرأ رقعتك وتضحك، وكتبت إلي: حاشاك

стр. 4256

من أن أزنيّك، ولكني أصير إليك وأغنيك وألهيك، وأرضيك، وصارت إلي فأرضتني بعد ذلك. قال ابن عمار: (١) [الخفيف] لابن رامين خرد كمها الوح … ش حسان وليس لي غير بغل رب فضلته علي ولو شئ … ت لفضلتني عليه بفضل وقال محمد بن الأشعث بن نجوة الكاتب الكوفي: (٢) [البسيط] أمسى لسلامة الزرقاء في كبدي … صدع مقيم طوال الدهر والأبد لا يستطيع صناع القوم يشعبه … وكيف يشعب صدع الحب في الكبد ٣٩ - حبّابة جارية يزيد بن عبد الملك (٣) أمة غلبت على الحرائر، وفتنت بإطرابها، وحسنت بين أترابها، وسفرت فراب البدور سفورها، وملأ الصدور سرورها، ووصلت إلى حجب يزيد، وكان حب (٤) شغفه لها يزيد، فكان لو خيّر بينها وبين الخلافة لاختارها، أو سمّيت (٥) هي

стр. 4257

والشهد لترك الشهد واشتارها (١)، وكانت هي سبب الطعن عليه حتى أنفذته الرماح ونبذته لقى في مهبات الرياح، صارت إليه هي وسلامة القس، ونعم بهما طوال مدته مثل ليلة العرس، إنّ هوى حبابة سكن حبه وقلبه، وأشعله حتى ذهب بلبه، ثم وهبها سلامة ورضي بها، ولم يسخطه ملامة. [ص ١١٢] قال أبو الفرج: أول ما ارتفعت منزلة حبابة عند يزيد أنه أقبل يوما إلى البيت الذي هي فيه، فقام من وراء الستر، فسمعها تترنم وتغني: (٢) [الخفيف] كان لي يا يزيد حبّك حينا … كاد يقضي عليّ لما التقينا والشعر كان يا سفين (٣)، فرفع الستر، فوجدها مضطجعة مقبلة على الجدار، فعلم أنها لم تعلم به، فألقى بنفسه عليها وخزلت (٤) منه. قال ابن شبه: لما ألح يزيد على الشرب وسماع الغناء، أقبل مسلمة عليه يلومه ويقول له: إنك وليت بعقب عمر بن عبد العزيز وعدله، وقد تشاغلت بهذه الأمة عن النظر في أمور المسلمين، والوفود ببابك وأصحاب الولايات والظلامات يصيحون، وأنت غافل عنهم، قال: صدقت والله، وأعتبه وهمّ بترك الشراب أيّاما، ولم يدخل على حبابة مدة، فدست حبابة إلى الأحوص أن يقول بيتا في ذلك، وقالت: إن رددته عن رأيه فلك ألف دينار، فدخل الأحوص على يزيد، فاستأذنه، فأذن له فقال: (٥) [الطويل]

стр. 4258

ألا لا تلمه اليوم أن يتبلّدا … فقد غلب المحزون أن يتجلّدا بكيت الصّبا جهدي فمن شاء لامني … ومن شاء آسى في البكاء فأسعدا وإنّي وإن فنّدت (١) في طلب الصبا … لأعلم أنّي لست في الحبّ أوحدا إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى … فكن حجرا من يابس الصّخر جلمدا فما العشق إلا ما تلذّ وتشتهي … وإن لام فيه ذو الشّنار وفنّدا وحفظت حبابة الأبيات، وعملت فيها لحنا، وكان يزيد قد أقام جمعة لا يدخل إليها، فلما كان يوم الجمعة، قالت لبعض جواريها: إذا خرج أمير المؤمنين إلى الصلاة فأعلميني، فلما أراد الخروج أعلمتها، فتلقته بالعود في يدها، فغنت البيت الأول، فغطى وجهه وقال: مه، لا تفعلي، ثم غنّت الأبيات، فلما بلغت إلى: وما العيش إلا ما تلذ وتشتهي (٢) عدل إليها وقال: صدقت، قبّح الله من لامني فيك، يا غلام مر مسلمة [ص ١١٣] فليصل بالناس، وأقام معها وعاد إلى حاله. وذكر ابن عياش (٣) أن سلامة وحبابة اختلفتا في صوت معبد: (٤) [الوافر] ألا حيّ الديار بسعد إنّي … أحبّ لحبّ فاطمة الديارا (٥) إذا ما حلّ أهلك يا سليمى … بدارة صلصل شحطوا المزارا (٦)

стр. 4259

فبعث يزيد إلى معبد فأتى، فسأل: لم بعث إليه؟ فأخبر، فقال: لأيتهما المنزلة عند أمير المؤمنين؟ قالوا: لحبابة، فلما عرضتا عليه الصوت، حكم لحبابة، فقالت سلامة: والله يا بن الزانية إنك لتعلم وتتحقق أن الحق والصواب ما قلت، ولكنك سألت: أيتهما آثر عند أمير المؤمنين، فقيل لك حبابة، فاتبعت هواه ورضاه، فضحك يزيد وطرب، وقالت سلامة: أتأذن لي يا أمير المؤمنين في صلة معبد، فإن له علي حقا، قال: قد أذنت، فوصلته بما لم تصله به حبابة. وقال الزبير بن بكار: حدثتني طيبة، أن حبابة أنشدت يوما يزيد بن عبد الملك: (١) [الوافر] لعمرك إنني لأحبّ سلعا … لرؤيتها ومن بجنوب سلع (٢) ثم تنفست شديدا فقال لها: مالك؟ أنت في ذمة أبي لئن شئت لأقلعنه إليك حجرا حجرا، فقالت: وما أصنع به، ليس إياه أردت، إنما أردت ساكنه. قال الزبير: وحدثتني ظبية، أنّ يزيد قال لحبابة وسلامة، أيّتكما غنتني ما في نفسي، فلها حكمها، فغنت سلامة [فلم تصب ما في نفسه، وغنت حبابة فأصابت ما في نفسه، فقال احتكمي، فقالت: سلامة، تهبها لي] (١٣) ومالها، قال: اطلبي غير هذا، فأبت، فقال لها: قد وهبتها لك، فلقيت سلامة من ذلك أمرا عظيما، فقالت لها حبابة: اطمئني فإنك لا ترين إلا خيرا، فجاءها يزيد يوما فسألها أن تبيعه إياها بحكمها، قالت: أشهد أنها حرة، فاخطبها حتى أزوجك مولاتي. قال المدائني: كانت حبابة إذا غنت وطرب يزيد قال: أطير؟

стр. 4260

فتقول: إلى من تدع أمور المسلمين؟ فيقول: إليك. قال الزبير وحدثتني ظبية أن حبابة غنت يوما فطرب يزيد ثم قال لها: هل رأيت أطرب [ص ١١٤] مني؟ قالت: نعم، مولاي الذي باعني (١)، فغاظه ذلك، فكتب في حمله مقيدا، فلما قدم أمر بإدخاله إليه، فأدخل يرسف في قيده، وأمرها بالغناء، فغنت: (٢) [المتقارب] تشطّ غدا دار جيراننا … وللدّار بعد غد أبعد فوثب فألقى نفسه على الشمعة، فأحرقت لحيته، وجعل يصيح: الحريق يا أولاد الزنا! فضحك يزيد وقال: لعمري إن هذا لأطرب مني، وأمر بحل قيوده ووصله بألف دينار، ووصلته حبابة بمثلها، وزودته إلى المدينة. قال: نزل يزيد بيت ديرانية بالشام، ومعه حبابة فقال: زعموا أنه لا يصفو لأحد عيشه إلى الليل إلا (٣) يكدّره شيء، وسأجرب ذلك، ثم قال لمن معه، إذا كان غدا فلا تخبروني بشيء، ولا تأتوني بكتاب، وخلا بحبابة، فأتيا بما يأكلان، فأكلت رمانة فشرقت بحبة فماتت، فأقام لا يدفنها ثلاثا حتى نتنت، وامتنع من الأكل والشرب وخطاب الناس، وجعل يشمها ويترشفها، فعاتبه أقرباؤه وقالوا: قد صارت جيفة بين يديك، ولم يزالوا به حتى أذن لهم في دفنها، وأمر فأخرجت في نطع (٤)، وخرج لا يتكلم حتى جلس على قبرها، قال: أصبحت والله كما قال كثير: (٥) [الطويل] فإن تسل عنك النّفس أو تدع الصّبا … فباليأس يسلو عنك لا بالتّجلّد

стр. 4261

وكلّ خليل زارني فهو قائل … من أجلك هذا هامة اليوم أو غد قال: فما أقام إلا خمسة عشر يوما حتى مات، ودفن إلى جانبها. وروى المدائني: أنه اشتاق إليها بعد ثلاثة أيام من دفنها، فأمر بنبشها فنبشت، فكشف عن وجهها وقد تغير تغيرا قبيحا فقيل له: اتق اللّه ألا ترى كيف صارت، فقال: ما رأيتها قط أحسن من هذا اليوم، أخرجوها فجاء مسلمة ووجوه قومه وأهله، فلم يزالوا به حتى أزالوه عن ذلك، ودفنوها. ٤٠ - بديح مولى عبد اللّه بن جعفر (١) [ص ١١٥] صاحب فكاهة تحلو مذاقها، ومحاسن تعرو بها البدور محاقها، وكان لا يعاصيه احتيال ولا يلاويه اختيال، لو رقى الجندل لاستخرج ماءه، أو لاطف الدجى لجلّى ظلماءه، وأعرق في شرف الولاء، وأجزل له طرف الآلاء، ولم تنقص له عطيه، ولا قصّرت به رتبة عليّه. قال أبو الفرج: روى الحديث عن عبد الله بن جعفر، وقيل إنّ عبد الله بن جعفر دخل على عبد الملك بن مروان، وهو يتأوّه من عرق النّسا، فقال: يا أمير المؤمنين، مالك؟ قال: قد هاج بي عرق النّسا في ليلتي هذه فبلغ مني، فقال: إن بديحا مولاي يرقي منه، فوجه إليه عبد الملك بن مروان، فلما مضى الرسول، قال عبد الله في نفسه: كذبة قبيحة عند خليفة، وأسقط في يده، فما كان بأسرع من أن طلع بديح، فقال له: كيف رقيتك من عرق النّسا؟ قال: أرقى الخلق يا أمير المؤمنين،

стр. 4262

قال: فسرّي عن عبد الله بن جعفر، لأن بديحا كان صاحب فصاحة وفكاهة يعرف بها، فمد رجله فتفل عليها ورقاها مرارا، فقال عبد الملك: الله أكبر، وجدت والله خفّا، يا غلام، ادع فلانة حتى تكتب الرقية، فإنا لانأ من هيجانها بالليل، فلا نذعر بديحا، فلما جاءت الجارية، قال بديح: يا أمير المؤمنين، امرأته طالق إن كتبتها حتى تعجل حبائي، فأمر له بأربعة آلاف درهم، فلما صارت بين يديه قال: امرأته طالق إن كتبتها أو يصير المال في منزله، فأمر فحمل، فلما أحرزه قال: يا أمير المؤمنين امرأتي طالق إن كنت قرأت عليك وعلى رجلك إلا أبيات نصيب: (١) [الطويل] ألا إنّ ليلى العامرية أصبحت … على النأي عني ذنب غيري تنقم وما ذاك عن ذنب أكون اجترمته … إليها لتجزيني بها حيث أعلم ولكنّ إنسأنا إذا ملّ صاحبا … وحاول صرما لم يزل يتجرّم قال: ويلك ما تقول، قال: امرأته طالق إن كان قال إلا بما قال، قال: [ص ١١٦] فاكتمها، قال: وكيف ذاك وقد سارت بها البرد إلى أخيك بمصر، فطفق عبد الملك ضاحكا. ٤١ - هاشم بن سليمان (٢) محصل ثروة، ومحصن ذروة، بفطانة تقطع على ما في النفوس، وتدرك منه ما لا يدرك بالمحسوس، بحدس كأنما كان به يتكهن، ويقوى لديه ولا يتوهن، وله في صناعة الغناء يد لا تطيش، وسهم له في القلوب بسويدائها تريش (٣)، يجني السامع تمرا، ويخيل للسامع أنه ازداد عمرا.

стр. 4263

قال أبو الفرج، قال هاشم بن سليمان: أصبح موسى الهادي يوما وعنده جماعة منا، فقال: غنّنا: (١) [الكامل] أبهار قد هيّجت لي أوجاعا … وتركتني عبدا لكم مطواعا فإن أصبت حاجتي فلك حاجة مقضية، فغنّيته فقال: أصبت وأحسنت، سل تعط حاجتك، فقال: يا أمير المؤمنين، تأمر بأن يملأ هذا المكان دراهم، وكان بين يديه كانون عظيم، فأمر به فملئ، فلما حصلها قال: يا قصير الهمة، والله لو سألت أن أملأها دنانير لفعلت، فقلت: أقلني يا أمير المؤمنين، قال: لا سبيل إلى ذلك، ولم يسعدك الجد به، وتمام الصوت الذي اقترحه موسى الهادي على هاشم بن سليمان: (٢) [الكامل] بحديثك الحسن الذي لو حلفت … وحش الفلاة به لجئن سراعا وإذا مررت على البهار منضدا … في السوق هيج [لي] إليك نزاعا والله لو علم البهار بأنّها … أضحت سميته لطال ذراعا ٤٢ - عمرو بانة (٣) مفيد طرب، ومجيد إذا ضرب، طالما غنّى فخرق كلّ حجاب، واستنفق العبرة بغير حساب، كم له في الطرب دقة داخلة، ويد غير باخلة، بكل إشارة وافية،

стр. 4264

وعبارة للعود الأعجم بما يتخير من معاني العرب كافية، كم حضر في مجلس فقال السرور ما غبت، وانجح فقال الاستحقاق (١) ما خبت، [ص ١١٧] وكان مهما حضر دار الخلافة، استقله معروفها، ودبت إليه قطوفها، فكان أنّى أمر الدهر ائتمر، ومهما غرس الطرب في سمع اجتنى الثمر. قال أبو الفرج: كان تائها معجبا، وكان ينادم الخلفاء على ما فيه من الوضح، وفيه يقول الشاعر: (٢) [المتقارب] أقول لعمرو وقد مرّ بي … فسلّم تسليمة جافيه لئن فضّلوك بحسن الغناء … لقد فضّل الله بالعافية قال أبو معاوية الباهلي: سمعت عمرو بن بانة يقول لإسحاق في كلام جرى بينهما: ليس كمثلي (٣) يقاس بمثلك، لأنك تعلمت الغناء تكسبا، وتعلمته تطربا، وكنت أضرب لئلا أتعلمه، وأنت تضرب لأن تتعلمه. قال: اجتمع عمرو بن بانة والحسين بن الضحاك (٤) في منزل ابن شعوف، وكان له خادم يقال له مفحم، وكان عمرو يتهم به، فلما أخذ منهم الشراب، سأل عمرو بن بانه الحسين بن الضحاك أن يقول شعرا يغني فيه، فقال: (٥) [المنسرح] وا بأبي مفحم بغرّته … قلت له إذ خلوت مكتتما

стр. 4265

تحبّ بالله من يخصّك بال … حبّ فما قال لا ولا نعما فغنى فيه عمرو بن بانة، ولم يزل هذا الشعر غناءهم، وفيه طربهم، فأتاهم في عشيتهم إسحاق بن إبراهيم الموصلي، فسألوا ابن شعوف (١) أن لا يأذن له، فحجبه، وانصرف إسحاق إلى منزله، فلما تفرقوا، مر به الحسين بن الضحاك، فأخبره بجميع ما دار في مجلسهم، فكتب في ذلك إسحاق إلى ابن شعوف: (٢) [المنسرح] يا بن شعوف أما علمت بما … قد صار في النّاس كلّهم علما أتاك عمرو فبات ليلته … في كلّ ما يشتهي كما زعما حتى إذا ما الظلام خالطه … سرى دبيبا يجامع الخدما ثمّت لم يرض أن يفوز بذا … سرّا ولكن أبدى الذي كتما حتّى تغنى لفرط صبوته … صوتا شفى من فؤاده سقما [ص ١١٨] وا بأبي مفحم بغرّته … قلت له إذ خلوت مكتتما تحب بالله [من] يخصك بال … حب فما قال لا ولا نعما قال: فهجر ابن شعوف ابن بانة وقطع عشرته. قال: جمع عبد الله بن طاهر بين المغنين، وأراد أن يمتحنهم، وأخرج بدرة دراهم سبقا (٣) لمن تقدم منهم وأحسن، فحضر مخارق وعلوية وعمرو بن بانة ومحمد ابن الحارث، فغنى علوية، فلم يصنع شيئا، وتبعه محمد بن الحارث، فكانت

стр. 4266

هذه سبيله، وامتدت الأعين إلى مخارق، فبدأ مخارق فغنى: (١) [مجزوء الكامل] إنّي امرؤ من جرهم … عمّي وخالي من جذام فما نهنه عمرو بن بانة من انقطاع نفسه حتى غنّى (٢) [السريع] يا ربع سلامة بالمنحنى … بخيف سلع جادك الوابل (٣) وكان إبراهيم بن المهدي حاضرا، فبكى طربا، وقال: أحسنت والله واستحققت (٤) السبق، فإن أعطيته وإلا فخذه من مالي، يا حبيبي عني أخذت هذا الصوت، وقد والله زدت عليّ فيه وأحسنت غاية الإحسان، ولا يزال صوتي عليك أبدا، فقال عبد الله بن طاهر: من حكمت له بالسبق فقد حصل له، وأومأ بالبدرة فحملت إلى عمرو. قال: فلقي إسحاق [عمرو] بن راشد الخناق فقال له: بلغني خبر المجلس الذي جمع فيه عبد الله بن طاهر المغنين ليمتحنهم، ولو شاء كفيته، قال: أما مخارق فأحسن الناس غناء إذا اتفق له أن يحسن، وقلما يتفق له ذلك، وأما محمد بن الحارث فأحسنهم شمائل وأملحهم إشارة بأطرافه ووجهه في الغناء، وليس عنده غير ذلك، وأما عمرو بن بانة، فإنه أعلم القوم وأوفاهم، وأما علويه فمن أدخله مع هؤلاء؟

стр. 4267

٤٣ - وجه القرعة (١) وجه كله أسارير، وصباح كله تباشير، ورسيل قيان يقال له رفقا سيرك بالقوارير، جار على قديم، وسار على طريق قويم، وسبق وما تخلف، وجدّ وما تكلفّ، وقال كلّ قول يشق المسامع ويلجها، ويقع على الخواطر ويبلجها. [ص ١١٩] قال أبو الفرج الأصفهاني، قال محمد بن حية (٢): دخلنا على إسحاق الموصلي نعوده في علة كان وجدها، فصادف عنده مخارقا وعلويه وأحمد بن [يحيي المكّي ومحمد بن] (٣) حمزة وجه القرعة، فعرض عليهم إسحاق أن يقيموا عنده ليفرح بهم ويخرج إليهم ستارة يغنون من ورائها، ووضع النبيذ، فغنّى مخارق صوتا من الغناء القديم، فخالفه محمد بن حمزة في صناعته [وطال] مراؤهما (٤) في ذلك، وإسحاق ساكت، ثم تحاكما إليه، فحكم لمحمد، فراجعه مخارق فقال له إسحاق: حسبك، فو الله ما فيكم أدرى بما يخرج من رأسه منه، فقال: ثم غنّى أحمد بن يحيى المكي: (٥) [البسيط] قل للحمامة لا تعجل بإسراج فقال محمد: هذا اللحن لمعبد، ولا يعرف له هزج غيره، فقال أحمد: أما على ما شرط أبو محمد آنفا من أنه ليس في الجماعة أدرى بما يخرج من رأسه منك،

стр. 4268

فلا معارض لك، فقال له إسحاق: يا أبا جعفر، ما غنيتك والله فيما قلت، ولكن قد قال إنه لا يعرف لمعبد هزج (١) غيره، فاكذبه أنت بهزج آخر له مما لا يشك فيه، فقال أحمد: لا اعرف، تمام الصوت: [البسيط] قل للحمامة لا تعجل بإسراج … ليس الجواد بذاك السابح النّاجي لما دعا دعوة أخرى فأسمعني … أخذت قولي واستعجلت إدلاجي (٢) ٤٤ - شارية (٣) جارية بيضاء مذكورة، هيفاء ممكورة، باهت بالغناء، وتاهت تيه الحسناء، وأربت على كل مجيد، وأبرّت على كل ذات سالفة وجيد، يقال إنها ريحانة من رياحين مخزوم، وممن حار بحبها اللزوم، فكانت درة تقلدها ملك فخر بأجداده، وجمع النقيضين ببياضها وسواده (٤)، وكانت تفوق كل جارية، وتفوت الكواكب وهي سارية. قال أبو الفرج، قال عيسى بن هارون المنصوري: إنّ مولاة شارية (٥) قدمتها ببغداد لتبيعها، فعرضتها على إسحاق بن إبراهيم [ص ١٢٠] الموصلي، فأعطى بها ثلاث مئة دينار ثم استعادها بذلك ولم يردّها، فجيء بها إلى إبراهيم بن المهدي، فعرضت عليه، فساوم بها، فقالت مولاتها: قد بذلتها لإسحاق بثلاثة

стр. 4269

مئة دينار، والأمير أعزه الله أحق بها، فقال: زنوا لها ما قالت، ثم دعا بقيّمته فقال لها: خذي هذه الجارية ولا ترينيها سنة، وقولي للجواري يطرحن عليها، فلما كان بعد سنة، أخرجت إليه وسمعها، فأرسل إلى إسحاق وأراه إيّاها، وأسمعه غناءها، قال: هذه جارية تباع فبكم تأخذها لنفسك؟ فقال إسحاق: آخذها بثلاثة آلاف دينار (١) وهي رخيصة، فقال إبراهيم، أتعرفها قال: لا، قال: هذه الجارية التي عرضتها عليك الهاشمية بثلاث مئة دينار فلم تقبلها، فبقي إسحاق متعجبا من حالها وما انقلبت إليه. قال ابن المعتز، ذكر أبو يوسف بن إبراهيم المصري صاحب إبراهيم بن المهدي، أن إبراهيم وجه إلى عبد الوهاب بن عليّ في حاجة كانت له، قال: فلقيته وانصرفت من عنده، فلم أخرج من دهليزه حتى استقبلتني امرأة، فلما بصرت [بي] (٢) سترت وجهها عني، فأخبرني بعض الشاكرية أن الامرأة أم شارية جارية إبراهيم، فبادرت إلى إبراهيم، وقلت: أدرك أم شارية في دار عبد الوهاب، وهي من تعلم، فقال لي في جواب ذلك: أشهدتك ان جاريتي شارية صدقة مني على ميمونة بنت إبراهيم بن المهدي، ثم أشهد ابنه على مثل ذلك، وأمرني بالركوب إلى دار ابن أبي دواد (٣) وإحضار من قدرت عليه من الشهود، فأحضرتهم وكانوا أكثر من عشرين شاهدا، وأمر بإخراج شارية، فأخرجت، فقال: اسفري، فجزعت من ذلك، فأعلمها أنما أمرها بذلك لخير يريده لها، ففعلت، فقال: تسمي، فقالت: أنا شارية أمتك، فقال لهم: تأملوا وجهها، ففعلوا، فقال: أشهدكم أنها حرة لوجه الله تعالى، وأني قد تزوجتها وأصدقتها

стр. 4270

عشرة آلاف درهم، يا شارية مولاة إبراهيم بن المهدي أرضيت؟ قالت نعم، رضيت، والحمد لله على ما أنعم عليّ، وأمرها بالدخول [ص ١٢١]، وأطعم الشهود وطيبهم وانصرفوا، فما أحسبهم بلغوا دار ابن أبي دواد، حتى دخل علينا عبد الوهاب بن علي فأقرأه السلام من المعتصم، ثم قال له: يقول لك أمير المؤمنين المفترض عليّ طاعتك، وصيانتك من كل ما يعودك، إذ كنت عمي وصنو أبي، وقد رفعت إليّ امرأة في قريش قصة ذكرت فيها أنها من بني زهرة صليبة (١)، وأنها أم شارية أمتك، وكيف تكون امرأة من قريش أمة، فإن كانت هذه المرأة صادقة في أن شارية ابنتها، وأنها من بني زهرة، فمن المحال أن تكون شارية أمة، والأصلح بك والأشبه اخراج شارية من دارك، وتصيرها عند من تثق به من أهلك، حتى نكشف ما قالته المرأة، وكان في ذلك الحظ الأوفر لك في دينك وحقك، وإن لم يصح لك، أعيدت الجارية إلى منزلك، وقد زال عن نفسك القول الذي لا يليق بك ولا يحسن. فقال له إبراهيم: فديتك، هب شارية بنت زهرة بن كلاب، أتنكر على ابن العباس بن عبد المطلب أن يكون بعلا لها؟ قال: لا، فقال إبراهيم فأبلغ أمير المؤمنين أطال الله بقاءه، أن شارية حرة، وقد تزوجتها بشهادة جماعة من العدول، وقد كان الشهود بعد منصرفهم من عند إبراهيم، صاروا إلى ابن أبي دواد، فشم رائحة الطيب منهم، فأنكره، فسألهم عنه فأعلموه أنهم حضروا عتق شارية جارية إبراهيم بن المهدي وتزوجه إياها، فركب إلى المعتصم فحدثه الحديث، فقال: ضلّ سعي عبد الوهاب، فلما رآه يمشي في صحن الدار سد المعتصم أنف نفسه، فقال: يا عبد الوهاب إني أشمّ رائحة صوف محرق، وأحسب عمي لم يقنعه ردك [إلا و] (٢) على أذنك صوفة حتى أحرقها، فشممت رائحتها منك، فقال: الأمر على ما ظن أمير المؤمنين

стр. 4271

وأسمج، ولما انصرف عبد الوهاب من عند إبراهيم، ابتاع إبراهيم من ميمونة شارية بعشرة آلاف درهم وستر ذلك عنها، وكان عتقه إياها وهي في ملك غيره، ثم ابتاعها من ميمونة فحل له فرجها، فكان يطؤها على أنها أمة، وهي تتوهم على أنه يطؤها على أنها زوجته حرة، فلما توفي طلبت مشاركة أم محمد [ص ١٢٢] بنت خالد زوجته في المهر، فأظهرت خبرها، وسألت ميمونة وهبة الله عن الخبر، فأخبرتا به، فأمر المعتصم بابتياعها، فابتيعت من ميمونة [بخمسة آلاف و] خمس مئة دينار، فحولت إلى داره، فكانت في ملكه إلى أن توفي. قال ابن المعتز: وحدث حمدون بن إسماعيل أنه دخل على إبراهيم يوما فقال له: أتحب أن أسمعك شيئا لم تسمع قط مثله، فقلت: نعم، فقال: هاتوا شارية، فخرجت فأمرها أن تغني لحن إسحاق (١) [البسيط] هل بالدّيار التي أحببتها أحد قال حمدون: فغنّي شيء لم أسمع قط مثله، فقلت: لا والله يا سيدي ما سمعت هكذا قط، قلت: أتحب أن تسمعه أحسن من هذا؟ قلت: لا يكون، قال: بلى والله، تقر بذلك، فقلت: على اسم الله، فغناه هو، فرأيت فضلا عجيبا، فقلت: ما ظننت أن هذا يفضل ذلك هو الفضل، قال: أفتحب أن تسمعه أحسن من هذا وذاك؟ قلت: هذا الذي لا يكون أبدا، فقال: بلى والله، فقلت: هات، قال: بحياتي يا شارية قوليه وأحيلي (٢) حلقك [فيه]، قال: فغنّت، فسمعت والله فضلا بيّنا، فأكثرت التعجب، فقال لي: والله يا أبا جعفر ما أهون هذا على السمع! تدري كم رددت عليها موضعا في هذا الصوت؟

стр. 4272

قلت: لا، قال: قل وأكثر، قلت: مئة مرة؟ قال: أضعف ما بدا لك، قلت: ثلاث مئة مرة؟ قال: أكثر والله من ألف مرة، حتى قالته كذا. كانت ريّق تقول: إن شارية إذا اضطربت في صوت فغاية ما يكون عنده من عقوبتها أن يقيمها تغنيه على رجلها، فإن لم تبلغ الذي أراد، ضربت ريّق بين يديها (١). قال محمد بن سهل بن عبد الكريم: ثم أعطى المعتصم بشارية سبعين ألف دينار. قال عبد الله بن طاهر: أمرني المعتز ذات يوم بالقيام عنده، فأقمت وأمر فمدّت الستارة، وغنت شارية [ص ١٢٣] ولم أكن سمعتها قبل، فاستحسنت ما سمعت، فقال لي المعتز: يا عبد الله، كيف تسمع منها عندك؟ فقلت: حظ العجب من هذا الغناء أكثر من حظ الطرب فاستحسن ذلك، فأخبرها فاستحسنته. ٤٥ - خليدة المكيّة (٢) خلّدت لها ذكرا، وخلّت حديثها يستحسن وإن كان نكرا، خلقت من طينة العنبر الورد وطابت أنفاسا وإن اسود كأنما نفضت عليها صبغتها الحدق ممّا حدقت ناظرة إليها، إلا أنها كانت ذات ملح ما اشتملت عليها احناء ظلام، ولا مجاجة أقلام، فلهذا عشقت وما ضاعت الأعمار التي أنفقت. قال أبو الفرج، قال الفضل بن الربيع: ما رأيت ابن جامع يطرب كما يطرب لغناء خليدة المكية. قال عمر بن شبة: بلغني أن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان، أرسل إلى خليدة المكية مولاه أبا عمرو يخطبها عليه، فاستأذنها عليه فأذنت له،

стр. 4273

وعليها ثياب رقاق لا تسترها، فوثبت وقالت: إنما ظننتك بعض سفهائنا، ولكني ألبس لك لباس مثلك ثم أخرج اليك ففعلت، ثم قالت: قل، قلت: أرسلني إليك مولاي، وهو من تعلمين ابن رسول الله وابن علي وعثمان، وهو ابن عم أمير المؤمنين، يخطبك، قالت: قد نسبته فأبلغت، فاسمع نسبي، أنا - بأبي أنت - إن أبي بيع على غير عقد الإسلام ولا عهده، فعاش عبدا ومات وفي رجليه قيد، وفي عنقه سلسلة على الإباق (١) والسرقة، وولدتني أمّي منه على غير رشدة، وماتت وهي آبقة، وأنا من تعلم، فإن أراد صاحبك نكاحا مباحا، أو زنا صراحا، فليهمّ (٢) إلينا فنحن له، فقلت: إنه لا يدخل في الحرام، فقالت: ولا ينبغي أن يستحي من الحلال، فأما نكاح السر فلا والله ما فعلته، ولا كنت عارا على القيان أبدا، فأتيت محمدا فقال: ويلك، أتزوجها معلنا وعندي بنت طلحة بن عبيد الله (٣)، لا، ولكن ارجع إليها فقل لها تختلف إليّ أردد بصري فيها [ص ١٢٤] لعلي أن أسلو، فرجعت إليها فأبلغتها الرسالة فضحكت وقالت: أما هذا فنعم. ٤٦ - عمرو الميداني (٤) مطرب مجالس، ومطري مجالس، وزند سرور قادح، وعهد حبور سلم من فادح (٥)، اقتصر على الضرب بالطنبور، فيبست العيدان، ويئست أن تحوز صنعة

стр. 4274

الميدان، ووضع لها في الأصوات ما يناسب، وقنع منها بما تيسر من المكاسب، ثم ما ضمّ مصرورا، ولا مضى مسرورا. قال أبو الفرج، قال علي بن أمية: دخلت على عمرو الميداني، وكان له بقّال على باب داره ينادمه ويقترض منه إذا أعسر، فوجدته عنده، فقال: يا أبا عمرو، معي أربعة دراهم اشتروا بها ما أحببتم، وعندي نبيذ، وأنا أغنيكم، والبقال يحضركم من الأبقال اليابسة مما في حانوته، فوجهنا بالبقال، فاشترى لنا لحما وخبزا وفاكهة، وجاءنا من دكانه بحوائج سكباج (١) ونقل، فبينا نحن نتوقع فراغ القدر، إذا بفرانق (٢) يدق الباب، وقال: أجب إسحاق بن إبراهيم، فحلف علينا ألا نبرح، ومضى هو وأكلنا وشربنا، وانصرفت عشاء، وبكر إليّ رسوله فصرت إليه، فقلت له أعطني خبرك، قال: أدخلت فوضعت بين يدي مائدة، كأنها جزعة (٣) يمانية، قد فرشت في عراصها أنواع الأطعمة، فأكلت وسقيت رطلين، فدفع إلي الطنبور، فدخلت إلى إسحاق فوجدته جالسا وخلفه ستارة وعنده مخارق وعلوية، فقال: أنت عمرو الميداني؟ فقلت: نعم، قال: أكلت؟ قلت: نعم، [قال] هاهنا أو في منزلك؟ قلت: بل هاهنا، قال: أحسنت، تغنّ بصوتك: (٤) [مجزوء الخفيف] يا شبيه الهلال كلّل في الأفق أنجما فغنيته، فضرب الستارة، وقال: قولوه (٥) أنتم [فقالوه]، فقال لمخارق وعلوية: كيف تسمعان؟ قالا: هذا والله ذاك، وذاك هذا [فردّدنه]، وشرب عليه مرارا، ثم قال لي: أنا اليوم على خلوة ولك إليّ عودات، فانصرف اليوم بسلامة، فخرجت

стр. 4275

ودفع إليّ الغلام خمسة [ص ١٢٥] آلاف درهم، هذه والله لا استأثرت عليكم منها بدرهم، فلم نزل عنده نقصف بها حتى نفدت كلها. ٤٧ - أشعب الطّامع (١) رجل من أهل المدينة، كان يعد الوهم حقيقة، ويظن وادي العقيق عقيقة، ولو رأى البرق المقتدح لحسبه طابخا، أو الفجر الطالع في الليل لظنه لإهاب شاة ملحاء سالخا، ما خيّم الضباب إلا قال هذه دخان رفعت لنا القرى، وما بانت له الآكام إلا قال سأستضيف بعض هذه القرى، لو قدر من طمعه لتعلق بحبال الشمس، واسترد اليوم ما فات في أمس، لو حضر امرؤ القيس للزمه وتبتل، ووقف يندب عقائره التي تقتل، ولخاطف العذارى منها على لحم وشحم كهدّاب الدّمقس المفتل، لا يسلك في غير الخدع المطمعة الجدد، ولا يعرف من قدماء العرب إلا طابخة بن أدد، لو سئل عن فواتر الأجفان لقال لا أعرف إلا فوائر الجفان، يعجله النهم عن التسمية والحمد، ولا يحمله الشره على ملاحظة أطراف الأكيل على عمد، لو نظر إلى خيال النجوم في الغدير، لقال دعوني بلقط هذه الدنانير، أو فاته تحصيل ذرّ الهباء (٢) لعض على الأباهم، وكان على هذه الخصال التي تسود الصحف، وتخزي ما تحت اللحف، من أقيال الغناء وأهل أقوال الطرب المعروفة لابن اللخناء، إلى نوادر له في الطمع، ونكت له كالنظافة في الطبع، وعلى هذا أصبحت الناس، وأصبح واحدا والخلق في أجناس.
следующие страницы →