قد أسرج الغمام بالهلال … مطهّما في صبغة الليالي
يفرق شطري وجهه بغرّه … كآبة في وسطها مسرّه
أدهم منه في السّباق قد بدر … ليل ولكن فوق عطفيه قمر
مبلبل الصّدغ رخيم الدّلّ … أريد منه للهوى معلّي
له من العجب جفون مطبقه … وآفتي من العيون الضّيّقه
لم أر مثل ثغره إذ ضحكا … لقد حكاه البرق لكن ما حكى
بدر ولا تفصح لي أسماؤه … ذو ترف يكاد يجري ماؤه
مالي وما للراح أو للأكؤس … إذ حلّ لي بند القباء الأطلس!
وبان من ثيابه المجرّد … كأنّه من فضّة تنقّد
[٢٧٦] فيا أخيّ إن قضيت نحبا … دعني أموت في هواه حبّا!
أهون بدمع مقلتيّ الصّبّ … فقد تعشّقت صبيا يصبي!
ما الموت في هواه إلا محيا … لو متّ عشقا فيه كنت أحيا!
لما أتاني من بعيد ووقف … قمت له للثم أقدام وكف
وكان قد حان غروب الشمس … وطلع البدر كمثل التّرس
وظلت ألهيه بأشغال السّمر … لعلّ للّذي فعلته ثمر
وقلت هذا منزل نزيه … ليس له فيما هنا شبيه
يا مرحبا شرّفت هذا الموضعا … وجئتنا والبدر في وقت معا!
فلو نزلته هناك أو هنا … عمّ بقربك السّرور والهنا
فأنزل بنا واقعد قريرا ساعه … ولا تخف من فاضح الشّناعه
فلان لي جانبه ثمّ ابتسم … وفاح لي طيب رضاه ونسم
وقال لي أقم حوالينا الحرس … وانحطّ لي كالسّهم عن ظهر الفرس
стр. 457
فقلت: ما تقول في ذا إن مسك … هذا لنا وجاب من هذا السّمك؟
ونوقد النار له ليقلى … ومن أتى مزاحما في المقلى
ونأكل السّلّور والشّبّوطا … والفرخ والمسلوخ والمسموطا
هذا وما تضمّ أكناف السّفر … وما تكون منه ألطاف السّفر
فقال لي: دونك ما تريد … فكان عندي باللّقاء عيد
هذا وكنّا قد أمرنا الطّاهي … بأخذ تلك الجلّة الزّواهي
فأتقن الجميع بالتنظيف … وزانها في الوضع والتصفيف
[٢٧٧] وحطّ عن أجسامها الجواشنا … وأظهر الجمال والمحاسنا
واقتدح النار من الزّناد … مثل اصطكاك البرق في العهاد
يطير من جانبها شرار … هل منه للرّمّانة انتشار
يؤرث الموقد جلّ نار … كأنّها شبّت بجلّنار
وبعد هذا صفّف المقالي … وكلّنا نحبّ ذاك القالي
وسكب الدّهان في الطّنجير … كمثل بسط الظّلّ في الغدير
ثمّ قلى في الطاجن الأسماكا … لولا قليل، لقلى السّماكا
ونضّد الصّحون ثمّ صفّفا … سبائكا من النّضار قد صفا
أعادها بعد اللّجين عسجدا … صفّر ألوانا لها ووردا
وجاء بالملح وبالأبزار … سكارجا تروق للأبصار
مصفوفة لنا على مقدار … كدرهم صفّ إلى دينار
وصبّ من أطايب الأصلاص (١) … حقائبا مسدودة العفاص
من حامض مطيّب ومزّ … وغير ذا من كلّ حمض يجزي
ونضّد البقول في الأطباق … مثل الحرير لفّ في الأوراق
стр. 458
ووضع الكماج والرّقاقا … حتّى استدار حولها نطاقا
وجاء بالفقّاع والمشروب … يهمّ في الكيزان بالوثوب
ومنه في إنائه مسكوب … كأنّه من ذهب مصبوب
وقرّبوا الحلواء ملء الجام … كمثل قرص الشمس بالتّمام
فقام لي وزن سروري وقسط … لأنّ من أحببته قد انبسط
[٢٧٨] ومدّ عندي يده ثمّ أكل … ثمّ تنقّلنا بمنهوب القبل
فكم أصبنا منه ما أردنا … ولو نشاء بعد هذا زدنا!
ثم أدمنا حمدنا والشكرا … وهو بما جساد علينا أدرى
ثم أتانا الطّست والغسول … كأنّه بعنبر مجبول
ثم تلاه الطّيب والمنديل … يا حبّذا ما حبّه الرسول
حتّى إذا ما نزل السلطان … واشتغل الغوغاء والغلمان (١)
ونام كلّ مستكنّا في الخيم … ونكّر الآفاق جلباب الظّلم
وأمن الراهب والقسّيس … وانشقّ عن موتاهم الناووس
وأوقدوا في البيعة القنديلا … ورجّعوا المزمار والإنجيلا
وزيّنوا الهيكل بالقربان … وصفّفوا الشّموع والقناني
وسكبوا الصهباء في الإبريق … صفراء أو حمراء كالعقيق
وصبّها في الكأس مثل اللّهب … ممتدّة مثل شريط الذهب
يسعى بها مقرطق مزنّر … شبه الغزال الخشف أحوى أحور
من فتية داموا على الإنجيل … من لي بهم لو أنّهم من جيلي
وبعضهم دّبّ له عذار … كأنّه من صدّه اعتذار
стр. 459
وفيهم ذاك الغزال النافر … خليفة الملاح وهو الظافر
لما بدا منه الصّباح السافر … تستّر الليل فقيل الكافر
أو بنت قسّيس عليها مسح … كالليل قد أقبل فيه الصّبح
بمعصم فيه دلال وترف … كأنّه من ماء خدّيها اغترف
[٢٧٩] فاتنة من الظّباء العين … قد ناصبت بدينها لديني
ماذا أقول في بديع صنعها … والبدر في الظلماء حشو درعها؟
غصن رطيب دبّ فيه الراح … ومن جنى خدودها التّفّاح
آفة كلّ مسلم وكافر … وفتنة في أوّل وآخر
يا ما جرى منها ويا ما يجري … منّا ومنها من بكا وهجر!
فمذ هدت عنّا عيون الناس … ثرت به في غفلة الحرّاس
وقلت، قم حتّى نروح في الغلس … في خلسة، فأطيب العيش الخلس!
فالدّير قد آن له أن يفتحا … وكان قد أغلق عمدا من ضحى
قمنا إليه تحت ستر الليل … نوازعا نرمي على سهيل
وقد علا هيكله القنديل … كأنّه لرأسه إكليل
وثمّ في الدير لنا صديق … منهمك في السّكر لا يفيق
لكنّه لخوفه قد كانا … ما شرب الصّهباء حتّى الآنا
وعنده جميع ما نطلبه … وصوت أوتار له تطربه
وهو إذا تبطّن السّلافه … لم تستطع مليحة خلافه
لأنه عرّف كلّ راهبه … بمكره أنّ الحياة ذاهبه
وكلّ ما تريد منه يحصل … وفق المنى مسارعا يستعجل
فانهض وقم وطب ولا تونّي … واقتل بما شئت سوى التجنّي!
стр. 460
فقم بنا انهض ودع العذالا! … كم ذا القعود هكذا كسالى!
لنغنم الصّحّة والفراغا … ونشرب العمر لنا ما انساغا
[٢٨٠] ولم أزل به به حتى نزل … شاباش لي! صدت الغزال بالغزل!
خدعته فانطاع لي الغلام … وكان ما قد كان والسّلام!
وبتّ مسرورا بذاك الخشف … وفوق ما وصفت منه المخفي
وكان لي غليم ظريف … حلو الكلام فكه خفيف
جميع ما يقوله مجون … ما كان مثله ولا يكون
حديثه ليس عليه من حرج … لنا به الفال وقد سمّي فرج
قلت له: كأنّني ممن ندم … لأجل ذاك الظبي لمّا أن طعم
ويحك لم أطعمت هذا ذا السمك! … فقال: لولاه لما كان انمسك!
جعلته لصيده كالفخ … لأجل ذا أبصرته مسترخي
يا شاطر البلاد أنت القيّم … فعلت ما لا تستطيع الأسهم!
لا شكّ قد أتقنت علم السّحر … وصدت صيد البرّ بعد البحر
ومما قلته فيه: [الطويل]
وبالدير يوم أبيض لي كاسمه … وقد طلعت من جانب الدير أقمار
وقد جليت في الكأس صهباء مزّة … تكشّف منها في الدّجنّة أستار
وبالدير ديرانيّة برزت لنا … فتمّ لنا فيها حديث وأسمار
جلتها كأنّ الطّور جانب كأسها … وإلا ربى دارين من دونها دار
وقلت: [المتقارب]
ولم أنس بالدير يوما لنا … وعيش السّرور به ينتهب
ففضّض أبكاره باللّجين … وموّه آصاله بالذهب
стр. 461
[٢٨١] وكأس المدام علينا تطوف … بحمراء صافية كالّلهب
يطوف بها من بنات القسو … س باخلة الكفّ ليست تهب
مبتّلة بين رهبانها … لألحاظها في حشانا رهب
مسيحيّة طلعت في المسوح … كصبح أطلّ وليل ذهب
وقد غاب عنّا عيان الرقيب … وجاد الزمان بما قد وهب
فرشف اللّمى خلس بيننا … وعضّ الخدود لدينا نهب
دير ريفة (١): وهو بصعيد مصر، فوق سيوط، لا ببعيد. على الجبل الغربي المطلّ على ريفة.
وهناك عدّة ديارات. المشهور أكبرها. والبقية كالقلاليّ.
وهو من الأبنية القديمة المحكمة. ولأهله رزق من أطيان تزرع وتستغلّ.
جارية بتواقيع السلاطين، ثابتة في حساب الدواوين. وهو دير مذكور. وله أخبار، وفيه حكايات وأشعار.
يحكى أن شاعرا مغربيا، يعرف بابن الحدّاد (٢)، مرّ به وهو مصعد إلى قوص، ليحجّ من جهة عيذاب، في البحر. فرأى ديرانيّة اسمها نويرة. كأنما أذكاها في
стр. 462
قلبه نظرها، وشبّها في جوانحه من خدودها المحمّرة نضرها. فألقى عندها عصا سفره، ولقي عندها منتهى ما يؤمّل من ظفره. وترك الحجّ كأنّه ما تعني [إلا] له من أقصى بلاده، ولا نوى [إلا] إليه السفر في رحلته وزاده. وقال فيها (١): [الكامل]
ورأت جفوني (٢) من نويرة كاسمها … نارا تضلّ، وكلّ نار ترشد!
والماء أنت، ولا يصحّ لقابض! … والنار أنت، وفي الحشا تتوقّد!
ولما طال مقامه، وقفت عليه وسألت عن سبب إقامته فقصّ عليها الخبر، ونصّ العبر. وأعلمها (٣) أنه، إنّما أتى ليحجّ، فلما رآها أقام، وتطلّب ما يعالج به السّقام. فقامت غير متباطية، [٢٨٢] ووثبت كالظبية العاطيه. وظنّت أنه لم يصب، وأنه مدّ لها شركه ونصب. فلما رأى ماراب من شفورها (٤)، وإعراض ظبيتها الأدماء وسرعة نفورها، أسال عبرته، ووالى حسرته. ثم قال (٥): [الطويل]
حديثك ما أحلى! فزيدي وحدّثي … عن الرشإ الفرد الجمال المثلّث (٦)!
ولا تسأمي ذكراه، فالذّكر مؤنسي … وإن بعث الأشواق من كل مبعث
أحقّا وقد صرّحت مابي أنه … تبسّم كاللاهي بنا المتعبّث؟
وأقسم بالإنجيل إنّي لكاذب (٧) … وناهيك دمعي من محقّ ومحنث!
стр. 463
ورآها يوما بين صواحبها، كما أطلعت ليلة القمر بين كواكبها. فلما دنا منهنّ للحديث تنحّت، وبخلت عليه بكلامها وشحّت، فقال: (١) [الطويل]
وبين المسيحيّات لي سامريّة (٢) … بعيد على الصّبّ الحنيفيّ أن تدنو
مثلّثة قد وحّد الله حسنها … فثنّي من قلبي (٣) بها الوجد والحزن!
فطيّ الخمار الجون حسن كأنّما … تجمّع فيه البدر والليل والدّجن
وفي معقد الزّنّار عقد صبابتي … فمن تحته دعص ومن فوقه غصن
ثم إنه صارت لا تراه إلا احتجبت، وهيهات للشّموس أن حجبت. فزاد بها بلباله، وعظم اختباله. فلما كان يوم عيد من أعياد النصارى، طلعت تلك الدّمى، كأنجم السما، وبرزت تلك الدّيرانيّة في أترابها، وخرجت كالصّباح المسفر من وراء حجابها. فوقف عليهنّ وقال (٤): [مجزوء الوافر]
عساك بحقّ عيساك … مريحة قلبي الشاكي
فإنّ الحسن قد ولا … ك إحيائي وإهلاكي
وأولعني بصلبان … ورهبان ونسّاك
[٢٨٣] ولم آت الكنائس عن … هوى فيهنّ، لولاك
فهل تدرين ما تقضي (٥) … على عينيّ عيناك؟
стр. 464
وما يذكيه من نار … بقلبي نورّك الذاكي؟
حجبت سناك عن بصري … وفوق الشمس سيماك
وفي الغصن الرطيب وفي النّ … قا المرتج عطفاك
وعند الروض خدّاك … وفي ريّاه ريّاك
стр. 465
الحانات
وكانت سوى هذه الديارات حانات بمواضع شتى. لها أخبار، وفيها أشعار.
وأشهرها ما نذكره هنا ونلحقه من الديارة بأمثاله، ونضيفه منها إلى أشكاله.
وهي:
حانة الطائف (١):
كانت في الجاهلية. وكان خمّارها يسمّى ابن بجرة. وكانت قريش وسائر العرب تقصده، فتشرب في حانته. وتمتار منه وتحمل إلى أوطانها، وتورد أحباءها مواقر إبله لتضرب بأعطانها. وفي ابن بجرة يقول أبو ذؤيب (٢): [الطويل]
فلو أنّ ما عند ابن بجرة عندها … من الخمر لم تبلل لهاتي بناطل! (٣)
فتلك التي لا يذهب الدهر حبّها … ولا ذكرها ما أرزمت أمّ حائل (٤)
стр. 466
وإنّ حديثا منك لو تبذلينه … جنى النّحل في ألبان عوذ (١) مطافل! (٢)
مطافيل أبكار حديث نتاجها … يشاب بماء مثل ماء المفاصل! (٣)
لعمري! لأنت (٤) البيت أكرم أهله … وأجلس في أفيائه بالأصائل! (٥)
حانة بني قريظة: وكان خمّارها في جوار سلام (٦) بن مشكم. وكان عزيزا منيعا. ولما انصرف أبو سفيان بن حرب من غزوة السّويق (٧)، نزل على ابن مشكم. فأكرمه واحتبسه عنده ثلاثة أيام. وبعث إلى جاره الخمّار، فابتاع كلّ
стр. 467
ما في حانوته، وسقاه أبا سفيان ومن معه من قريش. فقال أبو سفيان: (١) [الطويل]
سقاني ورواني كميتا مدامة … على ظمإ (٢) منّي، سلام بن مشكم!
تخيرته (٣) أهل المدينة واحدا … لحلف (٤) فلم أغبن ولم أتندّم!
حانة هجر (٥): وتعرف بحانة ريمان. وهي مذكورة. وقال فيها الراعي النّميري (٦): [الطويل]
وصهباء من حانوت ريمان (٧) قد غدا … علي ولم ينظر بها الشّرق صابح (٨)
تبصّر (٩) عنها اليوم كأس رويّه … وبرد العشايا (١٠) والقيان الصّوادح
وبتنا على الأنماط، والبيض كالدّمى … تضئ لنا لبّاتهنّ المصابح
إذا نحن أنزفنا الخوابي، علّنا … مع الليل ملثوم من القار طافح (١١)
حانات الحيرة: وهي أربع حانات:
стр. 468
حانة عون (١): وكان عون ظريفا، طيّب الشراب، نظيف الثياب. وكان فتيان الكوفة يشربون في حانته (٢)، ولا يختارون عليه أحدا. وشرب عنده ليلة أبو الهنديّ الشاعر (٣)، حتّى طلع الفجر وصاحت الديوك، على أنه يصبح يوم شك. فقيل إنه من رمضان. فقال: [الوافر]
شربت الخمر في رمضان حتّى … رأيت البدر للشعرى شريكا!
فقال أخي: الديوك مناديات! … فقلت له: وما يدري الدّيوكا؟
حانة دومة (٤): وعن أبي عبيدة قال: مر الأقيشر (٥) بخمّارة في الحيرة، يقال لها دومة، فنزل عندها واشترى منها شرابا. ثم قال: لها جوّدي لي الشراب حتّى أجود لك المديح. ففعلت. فأنشأ يقول: [الوافر]
стр. 469
ألا يادوم، دام لك النعيم! … وأسمر ملء كفك مستقيم
شديد الأسر ينبض جانباه … يحمّ كأنه رجل سقيم،
يروّيه الشراب فيزدهيه … وينفخ فيه شيطان رجيم!
[٢٨٥] قال: فظنّت الخمارة أن هذا مدح. فسرّت به وزادته في الشرب.
وقالت: ما قال في أحد أحسن من هذا.
حانة جابر (١): قال [محمد بن الضو] (٢) بن الصّلصال: كان أبو نواس يأتي الكوفة، يزورني. وكان يأتي بيت خمّار بالحيرة، يقال له جابر: لطيف الخلقة، نظيف الثياب، نظيف الآلة، يعتّق الشراب سنين. فقدم علينا مرّة، وقد نهاه الأمين عن الشراب. فسأل عني، فقيل: هو بالحيرة. فوافاني، وفي يدي شيء من شراب جابر، عجيب الحسن والرائحة.
فقال لي: يا أبا جعفر، لا يجتمع هذا والهمّ في صدر واحد! قال: وكان شديد العجب بضرب الطّنبور (٣). وكان إذا جاءني جمعت له ضرّاب الطنابير.
وكانت الكوفة معدنهم. وكان يسكر في الليلة الواحدة سكرات. فوجهت فجمعت له منهم جماعة، وأحضرته شيئا من ذلك الشراب. فقال لي: ألم تعلم ما حدث علي؟ قلت: وما هو؟ قال: نهاني أمير المؤمنين عن الشراب وتوعّدني عليه!
ثم أنشدني قصيدته التي فيها: [الخفيف]
стр. 470
أيّها الرائحان باللّوم، لوما … لا أذوق المدام إلا شميما!
إلى أن انتهى إلى قوله:
فكأنّي وما أحسّن منها … قعدي يحسّن التّحكيما (١)
كلّ عن حمله السّلاح إلى الحر … ب فأوصى المطيق أن لا يقيما
فقلت له: أقم معنا كما حكيت من نقل (٢) القعديّة. قال: أفعل. وصرنا إلى حانة جابر. فقلت شعرا ذكرت فيه ما قاله لي وأنشدته إياه، وهو قولي: [الكامل المرفل]
عتبت عليك محاسن الخمر … أم غيّرتك نوائب الدّهر؟
فصرفت وجهك عن معتّقة … تفترّ عن درّ وعن شذر
يسعى بها ذو غنّة غنج … مستكحل اللّحظات بالسّحر
[٢٨٦] ونسيت قولك حين تمزجها … فتريك مثل كواكب النّسر (٣)
لا تحسبنّ عقار خابية … والهمّ يجتمعان في صدر!
فقال: هاتها في كذا وكذا من أمّ الأمين! ومدّ يده، فأخذ القدح وشرب معنا. ثم شخص إلى الأمين. فقال له: أين كنت؟ قال: عند صديقي الكوفي.
وحدّثه الحديث. قال: فما صنعت، حين أنشدك الشعر؟ قال: شربت، والله! يا أمير المؤمنين. قال: أحسنت وأجملت. فاشخص حتّى تحمل إلى صديقك
стр. 471
هذا. فقدم إلى فحملني إليه. فلم أزل معه حتّى قتل.
حانة شهلاء (١): وكانت يهودية من أهل الحيرة. وحكي أنّ الأقيشر كان يألفها، وكان يشرب في دارها. فجاءه شرطي فدقّ الباب، فقال: أسقني وأنت آمن. فقال: والله ما آمنك. وهذا النقب في الباب، فأنا أسقيك منه. فوضع له أنبوب قصب في النقب، فصب فيه النبيذ من داخل، والشرطيّ يشرب من خارج. فقال الأقيشر: [الرمل]
سأل الشرطيّ أن نسقيه … فسقيناه بأنبوب القصب
إنما لقحتنا خابية … فإذا ما مزجت كان العجب
لبن أصفر صاف طعمه … ينزع الباسور من عجب الذنب
إنّما نشرب من أموالنا … فاسألوا الشّرطىّ: ما هذا الغضب؟
حانات العراق: وهنّ أربع حانات:
حانة طيزناباذ (٢): وكان خمّارها سرجس. وحكى سليمان بن نوبخت قال:
حججت واستصحبت أبا نواس، بعد امتناع منه ونفار. وشرط علي أن أتقدّم معه الحاجّ إلى القادسية، فنقيم نشرب بطيزناباذ. فنزل على خمّار كان يألفه.
стр. 472
فشرب يومه وليلته. ثم أنتبه يقول: [الوافر]
وخمار أنخت إليه ليلا … قلائص قد ونين من السفار
[٢٨٧] فترجم، والكرى في مقلتيه … كمخمور شكا ألم الخمّار:
"ابن لي كيف صرت إلى حريمي … ولون الليل ملتبس بقار؟ "
فقام إلى العقار فسد فاها … فعاد الليل مسود الإزار
ثم جلس يشرب. فلم يزل كذلك حتّى ورد علينا أوائل الحاج. وحجّوا.
ثم عادوا. فرحلنا معهم إلى بغداد، على أننا كنا حجّاجا معهم.
حانة قطربل (١): وكان خمارها ابن أذين (٢).
حكى أبو الشبل البرجمي قال: اجتمعت بأبي نواس في النوبختية. فسلّمت عليه، وسألته عن خبره، وتحدّثنا طويلا. ثم قال: أتساعدني حتّى نمضي إلى موضع طيّب؟ قلت: أين هو؟ قال: بقطر بّل. فقلت: ضاقت الدنيا حتّى نسافر؟ فقال لي: إن هناك خمّارا ظريفا، لبقا، مساعدا، عنده شراب عتيق وغلمان صباح. فامض بنا فمضيت حتّى أتى حانة خمار. فقال لي: أتعرفه؟ قلت: لا. قال: هذا ابن أذين الذي أقول فيه: (٣) [مجزوء الرمل]
اسقني يا ابن أذين … من شراب الزّرجون! (٤)
стр. 473
اسقنى حتّى ترى بي … جنة غير جنون!
عتقت في الدن حتى … هي في رقة ديني!
ولنا ساق عليه … جبّة من ياسمين (١)
قال: فأقمنا عنده ثلاثة أيام، في أنزه موضع ومع أكيس خادم. ثم انصرفنا.
حانة الشّطّ (٢): قال أحمد بن حمدون (٣): كان الواثق يحب المواخير، وما قيل فيها، وما غنّي به في ذكرها. فعقد حانتين: إحداهما في دار الحرم، والأخرى على الشطّ. وأمر بأن يختار له خمّار نظيف، جميل المنظر، حاذق بأمر الشراب، ولا يكون إلا نصرانيا من أهل قطربل. فأتي بنصراني، له ابنان نظيفان مليحان وابنتان بهذه الصفة. فجعلهم الواثق في الحانتين. وضم إليهم خدما وغلمانا وجواري روميّة. وأخدم النّساء حانة الحرم، والرجال حانة الشطّ. ونقل إليهما طرائف الشرب، وفرشهما من فرش الخلافة، وعلق عليهما الستور، وجعل فيهما الأواني المذهبة [٢٨٨] والدنان المدهونة. فكانتا أحسن منظر وأبهاه.
فلما فرغ منهما، أمر بإحضار المغنّين والجلساء. ولم يدع أحدا يصلح من ضرّاب الطنابير إلا أحضره. وحضرنا، وخرج الخمّار، هو وأولاده معه، عليهم الأقبية المسهّمة، وفي أوساطهم الزنانير الملحلاة، ومعهم غلمان يحملون المكاييل والكيزان والمبازل (٤) في الصّواني. وأخرجت تلك الدنان المذهبة، وقد طيّنت
стр. 474
رؤوسها تطيينا نظيفا، يعبق منه الطيب، فأقيمت بإزاء المجلس الذي كان فيه جالسا، فبزلت، كما يفعل في الحانات وجعل يؤتى بالأنموذجات، فيذوقها ويعرض ذلك على الجلساء. فيختار كلّ منهم ما يشتهيه. فيأخذ دنّا. ويجئ إلى الخمّار ويكتال منه بمكيال في إنائه، كما يفعل في المواخير، ويعود إلى موضعه فيجلس. ويوضع على رأس الحضور أكاليل الآس وما أشبهه من الرياحين. فكان أحسن يوم رأيته.
فشرب الواثق شربا كثيرا وأمر للخمار بألف دينار، ولزوجته بألف دينار، ولكل واحد من أولاده بخمسمائة دينار. ولم يبرح أحد منّا إلا بجائزة سنيّة.
وحكى الحسين بن الضحاك في حكاية له أن الواثق قال له: هل لك في حانة الشّطّ؟ قال: فقلت إي والله! يا أمير المؤمنين. فقام إليها فشرب هناك وطرب. وما ترك أحدا من الجلساء والمغنيّين والحشم، إلا أمر له بصلة. وكان من الأيّام التي سارت أخبارها، وذكرت في الآفاق.
فلما كان من الغد، غدوت عليه فقال: أنشدني يا حسين شيئا، إن كنت قلته في يومنا هذا الماضي. فأنشدته: [البسيط] (١)
يا حانة الشّطّ قد أكرمت مثوانا … عودي بيوم سرور كالذي كانا!
стр. 475
[لا تفقدينا دعابات الإمام ولا … طيب البطالة إسرارا وإعلانا (١)]
ولا تخالعنا (٢) في غير فاحشة … إذا تطرّبنا الطّنبور أحيانا
وسلسل الرّطل عمرو ثم عمّ بنا السّ … قيا فألحق أخرانا بأولانا
سقيا لعيشك من عيش خصصت به … دون الدّسا كر من لذّات دنيانا!
قال: فأمر لي الواثق بصلة سنيّة مجدّدة، واستحسن الشعر، وأمر أن يغنّى فيه.
حانة جويث (٣): وتعرف بحانة بزيع، وهو خادم المتوكل.
وكانت عزيزة لا يعرض لها أصحاب المعاون (٤). وكانت حسنة البناء، مؤزّرة مسقّفة بالساج. وإلى جانبها بستان نزه حسن لبزيع. وكان يتّخذ فيها آلة الشراب. وكان فيها خمّار يهودي، لا يبيع إلا شرابا مختارا سريّا، لا يبيعه أحدا من العامة والوضعاء. وكانت حانته لنزه الخاصّة والسّراة من الناس. وكانت موصوفة بالحسن والنظافة [٢٨٩].
وفيها يقول عبد الله بن محمد بن عبد الملك بن الزيّات (وكان قد دعاه بزيع إليها، ومعهما جنّيّ الخادم، وكان نهاية في الحسن، وحسن الغناء): [الطويل]
سقانا بزيع والسّماك مشرّق … ونجم الثّريّا في السماء محلّق
كميتا كأنّ المسك حشو كؤوسها … بها الشّمل مجموع فما يتفرّق
стр. 476
سلافة كرم أخلص الدّهر لونها … يضئ لها الليل البهيم ويشرق
وقلت لجنّي: هلمّ فغنّنى! … أرقت، وما هذا السّهاد المؤرّق؟ (١)
فغنّى غناء حرك القلب حسنه … ولما يحرّكه الشراب المصفّق!
حانة سجستان (٢): حكي أن أبا الهندي، لما ضرب عليه البعث إلى سجستان، كان يلزمها ويشرب عندها مع نديم له. فشربا يوما حتّى سكرا وناما.
فلمّا هبّ هواء السّحر، انتبه أبو الهندي، والزقّ مطروح، قد بقي فيه شطر الشراب. فأقامه وصبّ منه في كأس. وجاء إلى نديمه فحرّكه وقال: [الطويل]
تصبّح بوجه الراح والطائر السّعد … كمّيتا وبعد المزج في صفة الورد!
تضمّنها زقّ أزبّ كأنّه … صريع من السّودان ذو شعر جعد
ولمّا حللنا رأسه من رباطه … وفاض دما كالمسك أو عنبر الهند
وجدناه في بعض الزّوايا كأنّه … أخو قرّة يهتزّ من شدّة البرد
أخو قرّة يبدي لنا وجه صفحة … كلون رقيق الجلد من ولد السّند
حانات الشام: وهي اثنتان:
حانة عزاز (٣): وكانت بتلّ عزاز (٤)
стр. 477
حكى إسحق، قال: كنت مع الرشيد، حين خرج إلى الرّقّة. فدخل يوما يشرب مع النساء. فخرجت ومضيت إليه. فنزلت عند خمارة هناك، لها زوج قسّ. ولها منه بنت. لم أر مثلها قطّ جمالا، ولا مثل بنتها. وأخرجت إلى شرابا لم أر مثل حسنه وطيب ريحه وطعمه [٢٩٠] فأجلستني في بيت مرشوش فيه ريحان غضّ. وأخرجت بنتها تخدمنى كأنها خوط بان، أو جدل عنان: لم أر أحسن منها قدّا ولا أسهل خدّا، ولا أشرق وجها، ولا أبدع طرفا، ولا أحسن كلاما، ولا أتمّ تماما. فأقمت عندها ثلاثا، والرشيد يطلبني، فلا يقدر عليّ. ثم انصرفت. فذهبت بي رسله إليه. فدخلت عليه، وهو غضبان فلما رأيته، خطرت في مشيتي ورقصت (وكانت في رأسي فضلة قويّة من السكر) وغنّيت في شعر قلته في بيت الخمّارة صنعت فيه. وهو: [الخفيف] (١)
إنّ قلبي بالتّلّ، تلّ عزّاز … عند ظبي من الظّباء الجوازي
شادن يسكن الشّآم وفيه … مع شكل العراق ظرف الحجاز
يا لقومي (٢) لبنت قسّ أصابت … منك صفو الهوى ولست تجازي!
حلفت بالمسيح أن تنجز الوع … د، وليست تهتّم بالإنجاز!
قال: واللحن في هذا الشعر خفيف رمل بالوسطى. قال إسحق: فسكن غضبه. ثم قال لي: ويحك! أين كنت؟ فأخبرته فضحك وقال: عذر، والله! وإنّ مثل هذا لطيّب، إذا اتّفق. أعد غناءك! فأعدته. فأعجب به، وأمرني أن أغنّيه ليلتي كلها، أعيده أبدا، ولا أغني أنا ولا غيري سواه. وأمر المغنّين بأخذه. فما زلت أغنّيه ويشرب عليه إلى الغداة. ثم انصرفنا. فصلّيت ونمت. فما
стр. 478
استقررت جنبا حتّى وافاني رسول الرشيد، يأمرني بالحضور. فركبت ومضيت فلما دخلت إذا أنا بابن جامع يتمرّغ على دكّان في الدار، لغلبة النبيذ والسكر عليه. فقال لي: أتدري لم دعينا؟ قلت: لا. قال: نصرانيّتك الزانية، عليك وعليها لعنة الله! فضحكت. فلما خرج إلينا الرشيد، أخبرته بالقصة. فضحك وقال: صدق. أعيدوه جميعا، ولا تغنوا غيره. فإني اشتقت إلى ما كنّا فيه لما فارقتموني. فغنيّناه جميعا يومنا كلّه، حتّى نام في موضعه، سكرا. ثم انصرفنا.
حانة هشيمة (١): وكانت بدمشق. وكانت تخدم الوليد بن يزيد في شرابه وتتولى اتّخاذه له. وكان يقال إنه لم ير أعرف منها به، ولا أنظف آلة وصنعة، ولا ألبق في الخدمة.
وقد ذكرها [الوليد بن] (٢) يزيد في شعره إذ قال (٣): [الخفيف]
قد شربنا وحنّت الزّماره … فاسقني يا بديح بالقرقاره! (٤)
من شراب كأنّه دم خشف … عتّقته هشيمة الخمّاره
اسقني! اسقني! فإنّ ذنوبي … قد أحاطت فما لها كفّاره!
стр. 479
وعمّرت حتى أدركت الرشيد وماتت في أيامه. ماتت يوم مات الكسائي [النحوي] والعبا [س بن الأحنف الشاعر. فصلى] المأمون عليهم.
[٢٩١] وها قد ذكرنا ما اتّصل بنا علمه، ووقع إلينا خبره، وبه تم الفصل السادس وهو آخر فصول الباب الأوّل من القسم الأوّل.
ولله الحمد وبه التوفيق!
стр. 480
الباب الثاني في ذكر الأقاليم السبعة وفيه ثلاثة فصول
وهذه صورة لوح الرسم يشتمل على مجموع الكرة برا وبحرا وعامرا وخرابا، ووضع الأقاليم في موضعها، ووقوع جمليات البلاد حيث وقعت شرقا وغربا، أتينا بها على سبيل الجملة لا على التفصيل لضيق الدائرة هنا، وسيأتي بمشيئة الله تعالى كل شيء على ما يجب في مكانه. ومن الله نستمد التوفيق، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 481
الفصل الأول في تقسيمها
[٢٩٥] ونحن نبدأ بحمد الله هذا الفصل بما قيل في تقسيم معمور الأرض، من خط الاستواء إلى نهاية العمارة في الشمال على الأقاليم السبعة على ما قيل في ذلك. وقد ذهب بعضهم (١) إلى أن الإقليم الأول سعته سبع درجات وثلثا درجة وثمن درجة بالتقريب، يعني بسعته عروض ما وقع فيه من البلاد، وأن الإقليم الثاني سعته سبع درجات وثلاث دقائق بالتقريب، وأن الإقليم الثالث سعته ست درجات وثمن درجة بالتقريب، وأن الإقليم الرابع سعته خمس درجات وسبع عشرة دقيقة بالتقريب، وأن الإقليم الخامس سعته أربع درجات وربع وثمن وعشر درجة بالتقريب، وأن الإقليم السادس سعته ثلاث درجات ونصف وثمن [وخمس] (٢) درجة بالتقريب، وأن الإقليم السابع سعته ثلاث درجات وثمان دقائق بالتقريب.
وزعم هؤلاء أن نهاية المسكون إلى خمس وخمسين درجة لا يتجاوز مداها، وما الأمر كذلك، ولوح الرسم على خلاف هذه المقالة كلها، فإنه رسم عرض كل إقليم عشر درجات، فزيادة ما في اللوح على ما زعم هؤلاء خمس عشرة درجة. ونحن رسمنا هذا الكتاب على ما في لوح الرسم على تجزئة عشر درجات عرض كل إقليم تقريبا [٢٩٦] ويزداد على هذا ما يزداد على الأقاليم السبعة جنوبا وشمالا، وقد تقدم مما استخرجناه من لوح الرسم. ولم أكن وقفت على ذكره في تأليف، ثم رأيت الملك المؤيد عماد الدين أبا الفداء إسماعيل (٣)
стр. 482
صاحب حماة، رحمه الله تعالى، قد ذكر ذلك في كتابه المسمى ب "تقويم البلدان " قال: (١) وأعلم أن ثم بلادا كثيرة ليست من الأقاليم السبعة وهي البلاد التي وراء الإقليم الأول من الجهة الجنوبية، وكذلك البلاد التي خلف آخر الإقليم السابع من جهة الشمال وإلى نهاية العمارة في الشمال.
وقد ذكر في جداول هذا الكتاب (٢) مما وقع من وراء خط الاستواء في الجنوب مما هو بالبحر الشرقي بالهند والصين (٣): جزائر الزابج وجزيرة سرنديب، وجزيرة لامري، وجزيرة كله، وجزيرة المهراج، وهي مربعة، وجزيرة مسلة (٤)، وجزيرة سقطرة، وجمكوت (٥)، وجبال قامرون (٦). ومما وقع وراء
стр. 483
الإقليم السابع في الشمال: صوداق (١)، وجزيرة برطانية (٢). وقد رسم لكل واحدة عرضا لم يبلغ به ما يقتضيه مكانه من لوح الرسم وقد ذكر سعة الأقاليم على نحو ما ذكرناه في أول هذا الفصل، ثم قال (٣): "وقد رأينا غالب واضعي الكتب المؤلفة في الأطوال والعروض من الزيجات وغيرها لا يحافظون فيها على إثبات الأماكن في مواضعها من الأقاليم، بل يثبتون بعض أماكن الإقليم في الإقليم الآخر، ومن تأمل ذلك وكشفه تحقق من صحة ما ذكرناه". انتهى كلامه.
وقد ذكر شارح رسالة حي بن يقظان ما يؤيد ما ذكرنا من عمران ما وراء خط الاستواء بالجانب الشرقي وقال (٤): "إنه أعدل من الإقليم الرابع، وزعم أنه يتولد هناك الإنسان [٢٩٧] من غير أم ولا أب، وعلّل ذلك باعتدال طينتها وصحة هوائها"، ولم نذكر هذا القول وإن كان باطلا إلا للاحتجاج بوجود معمور وراء خط الاستواء في الجانب الشرقي، لأن هذا الحكيم إنما قدّر إمكان هذا بجزيرة من جزائر الهند. وهو مؤكد لما استخرجنا من لوح الرسم مما هو مقدر في العرض بإقليم ونصف من الإقليمين المرسومين في لوح الرسم وراء خط الاستواء بعروض رسمها لهما، وعلى مثل هذا قول الملك المؤيد أبي الفداء إسماعيل
стр. 484
صاحب حماة، رحمه الله تعالى، مما تقدم ذكره، وقد ذكر عند رسم عرض كل مكان منه أنه عرض جنوبي، يعني مما أخذ من خط الاستواء إلى الجنوب، وقد قال إن غانة في الجانب الغربي خارجة عن خط الاستواء في الجنوب (١)، ولعل هذا لا يصح. فمن تأمل بعد ما بين سجلماسة وما هو على سمتها من غانة، وما هو على سمتها، ظهر له ذلك؛ لأن سجلماسة وما سامتها في الإقليم الثالث بلا شك، ومدى ما بينها وبين غانة وما سامتها لا يتجاوز به غاية الإقليم الأول، بل غاية ما يكون على أول الإقليم الأول. وقال شارح رسالة حي بن يقظان (٢): "وأما من منع التولد في ما يلي خط الاستواء من جهة الجنوب لشدة الحرارة فقوله مردود بأدلة ظاهرة، منها: أن الحرارة لا تكون إلا للحركة، أو لملاقاة جسم حار، أو لشدة الضوء، والشمس في طبعها ليست بحارة ولا لها شيء من الكيفيات المزاجية لبساطتها، ولا يقبل الضوء إلا الأجسام الصقيلة والغير [شفافة] (٣) والأجسام [٢٩٨] الكثيفة بعدهما، وأما الأجسام الشفافة فلا تقبله، فتبين من ذلك أن الشمس لا تسخن الأرض كما تسخن الأجسام الحارة أجساما أخرى تماسها؛ لأنها لا تماس الأرض وليست حارة (الطبع، ولا) (٤) الأرض أيضا تسخن بالحركة؛ لأنها ساكنة بطبعها، ولا الشمس أيضا تسخن الهواء فيسخن الأرض؛ لأن في وقت الظهيرة تجد الهواء القريب من الأرض أبرد من الهواء البعيد عنها في السطوح العالية، فتبين أن تسخين الشمس بالإضاءة المنكوسة لانعكاس الشعاع، وقد قام الدليل على أن البقاع التي تحت خط الاستواء لا تسامت الشمس رؤوس أهلها سوى مرتين في العام في
стр. 485
رأس الحمل والميزان، ويكون جنوبهم ستة أشهر وشمالهم ستة [أشهر] (١) ويزول عنهم بسرعة فلا يستمر تأثيرها فتسخنهم، وليست كذلك في الآفاق المائلة"، انتهى كلام شارح رسالة حي بن يقظان.
ونحن قد أوردناه بمعناه إن لم يكن بلفظه، لما فيه من إقامة الدليل على إمكان العمارة هناك (والذي يظهر أن ما وراء خط الاستواء إلى جهة الجنوب يكون مزاج ما ورائه إلى جهة الشمال، وإنما وقع الاختلاف بينهما في تباين المزاج بأسباب، منها أرضية وسماوية، فمن السماوية: اختلاف ممر الكواكب على سمت الرأس السيارة والثوابت، واختلاف القطبين، ومن الأرضية: اختلاف البقاع بالكيفيات في قبول الحرارة من الشمس والرطوبة من القمر، وغير ذلك مما تستفيده الكيفيات باختلاف أمزجتها، فإننا نرى بلدين عرضهما لا يكاد يختلف كبغداد ودمشق، وبغداد أشد حرارة من دمشق، وإنما ذلك لأسباب أرضيه كما قلنا. وقد يكون في جهات أخرى أسباب سماوية، وقد يجتمعان) (٢).
وأما ما هو من وراء الإقليم السابع فمرئي مشهود وحدّث به كثير من التجار والمتجولين في البلاد، وسكانه يسكنون الحمامات أو ما هو شبيه بالحمامات مما يتخذ فيه مواقد النار، ولا يكاد ترى به الشمس لتوالي الأنواء وكدر الجو بما يركبه من الغمائم والضباب المتراكم المتراكب كالظلمات.
وأما كلامنا الآن فهو على الأقاليم السبعة المقسومة، وقد قيل في معنى قوله تعالى: ﴿وَمِنَ اَلْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢] إن المراد من قوله: ومن الأرض مثلهن، هو الأقاليم السبعة، ثم اختلف، هل الأقاليم [٢٩٩] السبعة هي
стр. 486
المقسومة على هذا التقسيم الجغرافي، أو ناحية ناحية لا على التقسيم الجغرافي؟! ونحن نبدأ بذكر ما ذهب إليه من قال إنها ناحية ناحية، وإن لم يكن المرجح، لنفرغ منه ونفرغ البال للراجح المعمول عليه.
فأما من قال إنها ناحية ناحية، فقال: الصين وصين الصين وخراسان أرض، الهند والسند أرض، وفارس والجبال والعراق وجزيرة العرب أرض، والشام وأرمينية وما والاها أرض، ومصر وإفريقية والمغرب أرض، والحبشة وما والاه أرض، والأندلس وما جاورها من بلاد الجلالقة والأنكبرد أرض، وليس هذا.
بشيء، ويرد على هذا بلاد كثيرة في الجنوب والشمال وما بين ذلك، اللهم إلا أن يجعل مجاورة كل أرض محسوب منها.
وقال بعضهم: بل هي أرض فوق أرض متلاصقة كطبقات البصلة، طبقة راكبة على طبقة، مقعر أحدها على محدب الآخر بتلاصق ملتزم لا خلاء بينه.
ولا دليل على ذلك، وإذا كانت الطبقة راكبة (على أخرى من جنسها من غير خلاء لم تتميز طبقة من طبقة. والصحيح ما ذهب إليه) (١) من قال إنها أرض فوق أرض متباينة بخلاء كالسماوات سماء فوق سماء، ويدل [على ذلك ما رواه البيهقي بسند الثقات عن أبي هريرة ﵁ قال (٢): (قال رسول الله ﷺ : تدرون ما هذه فوقكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال:
فإنها الرقيع سقف محفوظ وموج مكفوف بينكم وبينها مسيرة خمس مائة عام،
стр. 487
وبينها وبين الأخرى مثل ذلك حتى عد سبع سماوات، وغلظ كل سماء مسيرة خمس مائة عام، ثم قال: هل تدرون ما هذه التي تحتكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: فإنها الأرض بينها وبين التي تليها خمس مائة عام حتى عد سبع أرضين، وغلظ كل أرض مسيرة خمس مائة عام). وروى البيهقي عن الحاكم بسنده عن أبي ذر ﵁ قال (١): (قال رسول الله ﷺ ما بين كل سماء إلى التي تليها مسيرة خمس مائة عام وللأرض مثل ذلك).
وروى الحاكم بإسناد حسن عن ابن عباس قال (٢): ﴿وَمِنَ اَلْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ قال:
"سبع أرضين، في كل أرض نبي كنبيكم، وآدم كآدمكم، ونوح كنوح، وإبراهيم كإبراهيم وعيسى كعيسى".
وروى الحاكم أيضا - له شاهد بسند على شرط البخاري ومسلم عن ابن عباس - في قوله تعالى: ﴿خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ اَلْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾، قال (٣): "في كل أرض نحو إبراهيم". وعن أبي الدرداء قال: (قال رسول الله ﷺ : كتف الأرض مسيرة خمسمائة عام، وكتف الثانية مثل ذلك). وروى الأزرقي في كتاب أخبار مكة عن مجاهد، قال (٤): "لقد خلق الله موضع هذا البيت قبل أن يخلق الأرض بألفي سنة وإن قواعده لفي الأرض السابعة السفلى". وقال مجاهد: "إن هذا البيت أحد أربعة عشر بيتا في كل سماء بيت وفي كل أرض بيت بعضهن مقابل بعض". ذكره النووي في منسكه،
стр. 488
وقال كعب الأحبار: "إن الله خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن، ثم جعل بين كل سمائين كما بين السماء والأرض، وجعل كتفها مثل ذلك، ثم رفع العرش فاستوى عليه" إسناده صالح] (١)
وهذه الأحاديث التي ذكرناها صريحة في ذلك، غير قابلة للتأويل، ولا سبيل إلى ردها، وقد قال الله تعالى: ﴿اَلَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً﴾ [نوح: ١٥].
وقال تعالى: ﴿خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ اَلْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢]، وقال النبي ﷺ (٢): (من غصب شبرا من أرض طوّقه الله من سبع أرضين). وقال رسول الله ﷺ لعائشة (٣): (يا حميراء أما علمت أن العبد إذا سجد لله طهر الله له موضع سجوده إلى سبع أرضين). وقال ﷺ (٤): (من سرق من الأرض شبرا جاء يحمله يوم القيامة على عنقه إلى أسفل الأرض).
فثبت بذلك كله بالقول الجزم الذي لا يردّ وفيه: أنها أرض فوق أرض لا إنها قسمة الأقاليم، لا على قول من قال إنها ناحية ناحية - كما ذكرنا - ولا على قول من يقول إنها إقليم إقليم على ما في التقسيم الجغرافي كما نذكره، فتأكد بما ذكرناه من الأحاديث بطلان ذينك القولين وأن هذه الأرض المدحوة لمشينا عليها، الباطشة أقدامنا فوقها بأسرها من المشرق إلى المغرب أرض [٣٠٠] واحدة
стр. 489
من السبع أرضين المشار إليها في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ اَلْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾، وحينئذ تكون الأقاليم كلها أجزاء مقسمة من أرض واحدة، والله أعلم.
وقد قدمنا القول إن المعمور أقل من الثلث وأكثر من الربع، ورأى الشريف أنه الربع، قال (١): "وهذا الربع المسكون قسّمه العلماء سبعة أقاليم، كل إقليم منها مار من المغرب إلى المشرق موازيا لخط الاستواء، وليست هذه الأقاليم بخطوط طبيعية، لكنها خطوط وهمية موجودة بالعلم النجومي، وهو مبتدئ في ابتدائه من الغرب عرفيا". وعليه نعمل في التقسيم، لأنها في فلك حركته من الغرب إلى الشرق، وقد نبهنا عليه. قال البيهقي، وقد ذكر هذه الأقاليم السبعة: " وصدورها بالمشرق خير من أعجازها، وأذنابها بالمغرب مقسومة من لدن امتداد خط الاستواء إلى خط ما يقارب الأم المستديرة بالأرض في نهاية العمارة حيث تسمى الأم هناك جبل قاقونا، قسمت سبعة أقاليم بأربعة عشر جزءا، كل إقليم على جزأين، كل إقليم جزء بنصف إقليم، أحد عروضها لتمام ارتفاع الحمل والميزان، كل جزء بخمس درجات، لكل إقليم عشر درجات، هي عرض البلاد الواقعة منه، ثم تتفاوت في الزيادة والنقص على مقدار مواقعها منه، تأخذ من قبة أرين متشاملة، يبدأ الجزء الأول خمس درجات ثم يزيد خمسا خمسا إلى أن يكمل في آخر السابع سبعين درجة، وقد ضرب صاحب جغرافيا في لوح الرسم خطا لعروض الأقاليم بدأه من قبة أرين، ومدّه من قبة أرين في الجنوب وراء خط الاستواء [٣٠١] مقدار إقليمين بأربعة أجزاء، ثم قطعه هناك ولم يتجاوزه، وحدّه من قبة أرين في الشمال على العمران والخراب متغلغلا إلى البحر المحيط، فأما ما وراء خط الاستواء إلى الجنوب من الأجزاء الأربعة المعدودة بإقليمين المشار إليها هنا وفيما تقدم من هذا الكتاب، فإنه وقعت عمارة
стр. 490
بالنصف الشرقي تقريبا في ثلاثة أجزاء منها مقدرة العرض بإقليم، ونصف إقليم لو بسط في النصفين على خط واحد يمر من المشرق إلى المغرب لكان بنصف ذلك، فيكون نصف وربع إقليم، وقد علّم صاحب الجغرافيا على الأجزاء الأربعة في ذلك الخط لتمام ارتفاع الحمل والميزان فيها ما يذكر:
الجزء الأول المار مع الإقليم الأول في جنوبه (هـ) هي خمس درجات، والجزء الثاني الذي يليه في جنوبه (ي -) هي عشر درجات، والجزء الثالث الذي يليه في جنوبه (يه -) وهي خمس عشرة درجة، والجزء الرابع الذي يليه في جنوبه (ك -) وهي عشرون درجة، وذلك المقدّر بإقليمين من وراء خط الاستواء، وقطع من هناك الخط، وأما ما رسمه في الأجزاء من قبة أرين متشاملا إلى البحر المحيط فهو الواقع فيه مجموع الأقاليم السبعة المقسومة، وبه جل المعمور، بل كل المعمور. وسنبين عروضه التي رسمها صاحب الجغرافيا على خط العروض في لوح الرسم وعدتها من لدن قبة أرين قاطعا الجبل الأم إلى البحر المحيط ثمانية عشر جزءا، مقدارها تسعة أقاليم، كل جزئين بإقليم فمن ذلك الأقاليم السبعة، وهي التي رسم مقدار العرض على أجزائها من (هـ -) إلى (ع -)، وهو من خمس درجات إلى سبعين درجة على ما ذكرناه ومن ذلك جزء مقدر بنصف إقليم معمور [٣٠٢] يمر مع الأقاليم السبعة من المشرق إلى المغرب حسبما علّم عليه في خط العروض (عه -) بخمس وسبعين درجة، ونهاية هذا الجزء جبل الأم المسمى هناك بجبل قاقونا، ومن ذلك وراء خط الجبل في الخراب ثلاثة أجزاء مقدرة بإقليم ونصف، كلها خراب منقطعة لا عمارة فيها، وقد علّم على أولها الملاصقة للجزء (١) والمعمور وراء الإقليم السابع (ف -) وهي ثمانون درجة، وعلم على ثانيها (فه -) وهي خمس وثمانون درجة، وعلّم على ثالثها
стр. 491
(ص -) وهي تسعون درجة، وبه تم خط العروض.
وإذ أنهينا الكلام في ذلك على الجملة نذكر ما علم عليه في عروض أجزاء الأقاليم السبعة المقسومة على أربعة عشر جزءا على ما هو بجزء جزء إلى نهايتها، (على أنني غير مسلّم أن العمارة تبلغ ذلك، وإنما كلامنا على ما صوّر في لوح الرسم) (١) فنقول وبالله التوفيق: إنه من أول ما قسم الأقاليم السبعة وجزّأ أجزاءها كل جزء بخمس درجات، علم عليها في خط العروض ما نبينه: فأولها وهو المارّ مع خط الاستواء من شماليه علّم عليه (هـ -) بخمس درجات، وثانيها الذي يليه من شماليه (ي) بعشر درجات. وثالثها الذي يليه من شماليه (يه) بخمس عشرة درجة، ورابعها الذي يليه من شماليه (ك) بعشرين درجة، وخامسها (كه) بخمس وعشرين درجة، وسادسها (ل) بثلاثين درجة، وسابعها (له) خمس وثلاثين درجة، وثامنها (م) بأربعين درجة، وتاسعها (مه -) بخمس وأربعين درجة، وعاشرها (ن) بخمسين درجة، وحادي عشرها (نه) بخمس وخمسين درجة، وثاني عشرها (ص) بستين درجة، وثالث عشرها (سه) بخمس وستين درجة [٣٠٣] ورابع عشرها (ع -) بسبعين درجة. وبه تمت الأجزاء الأربعة عشر وهو تمام الأقاليم السبعة المقسومة (وعلى تقدير التقسيم في بلوغ المعمور إلى ذلك في آخر الإقليم السابع فيكون من المفروض الذي لا حقيقة له، إذ لا يمكن بلوغ المعمور الممكن سكنه إلى هذا الحد) (٢).
وأما الطول فقد ضرب صاحب الجغرافيا له خطا وهو المسمى خط الاستواء
بدأ به من البحر المحيط في أول المغرب إلى البحر المحيط في آخر المشرق، بدأ به آخذا على قبة أرين، وبقيت قبة أرين وسط خط الطول ووسط خط العرض،
стр. 492
وقسّم هذا الطول بأجزاء، كل جزء بخمس درجات هي أول هذا الخط على البحر المحيط في المغرب إلى أن ينتهي في آخر هذا الخط على البحر المحيط بالمشرق إلى مائة وثمانين درجة، علّم عليها صاحب الجغرافيا في لوح الرسم (قف -)، وذلك بنصف ثلاثمائة وستين درجة التي هي مجموع درج الفلك، تمر الأجزاء المرسومة في خط العروض عليها برا وبحرا من أول ما رسم من غاية الجزئين المقدرين وراء خط الاستواء بأنقص لما تخطفه الدائرة شرقا وغربا حتى يقع خط الاستواء على أطولها خطا من المغرب إلى المشرق، لم تخطفه الدائرة بتضايقها كما خطفت في أطوال الأقاليم شرقا وغربا مع ما تخطفه خرجات البحر المحيط في الربع الغربي الآخذ إلى الشمال، فيكون هناك أقصر مدى الخطوط، وليس هذا موضع تحرير مقداره، والله أعلم بغيبه.
الإقليم الأول: يأخذ في الغرب من جزيرة بكلوطة المجزّرة في المحيط على مجالات الحبشة على مجالات النوبة شاقّا للبحر الهندي، إلى مدينة الفضة من الصين في الشرق، إلى جزيرة الموق المجزّرة في البحر المحيط.
والإقليم الثاني: يأخذ في الغرب من جزيرة غرطوبا المجزرة في البحر المحيط على زبيد، شاقّا البحر [٣٠٤] الهندي على مدينة ضينيا العليا من الصين في الشرق إلى جزيرة قلعة الفضة المجزّرة في البحر المحيط.
والإقليم الثالث: يأخذ في الغرب يأخذ من جزيرة قوموس المجزرة في البحر المحيط على بر العدوة على إفريقية، على برقة، على مصر، على أطراف الحجاز والشام شاقا القلزم على سجستان وبلاد الهند، على الصين إلى جبال النشادر من الصين في الشرق إلى جزيرة العلوية المجزّرة في البحر المحيط.
والإقليم الرابع: يأخذ في الغرب من أول جزائر الخالدات المجزّرة في البحر المحيط، يشق البحر الشامي ويدخل في جنوبي الأندلس، على صقلية، على
стр. 493
حلب وبلاد الجبل، آخذا على بخارا في ما وراء النهر على السند، على قراقرم إلى صين الصين في الشرق، إلى البحر المحيط.
والإقليم الخامس: يأخذ في الغرب من بقايا جزائر الخالدات المجزرة في البحر المحيط، على معظم الأندلس، على القسطنطينية الكبرى ومدائن الروم على فرغانة وطبرستان، على صنم الخطا المحجوج إليه في الشرق، إلى البحر المحيط.
والإقليم السادس: يأخذ في الغرب على جزيرة الحجر المجزّرة في البحر المحيط على قرم البلغان على صحاري القبجاق في الشرق على بلاد يأجوج ومأجوج.
والإقليم السابع: يأخذ في الغرب من جزيرة الغنم وجزيرة النساء وجزيرة الرجال وجزيرة مرطليا المجزرات في البحر المحيط على بلاد اللان والأص والجركس والبلّار والماجار على بلاد أسحرت على بحيرة الشياطين في الشرق إلى طرف سد يأجوج ومأجوج. وبه تمام الأقاليم السبعة.
وجميع مدن الأرض داخلها إلا ما شذ مما هو خارج عنها مما هو وراء خط الاستواء في الجنوب. وما خرج [٣٠٥] وراء الأقاليم السبعة من الشمال، وإنما المدن مقسمة في هذه الأقاليم على ما وقعت فيه. وقد ذكرنا هذه الأقاليم آخذة من الغرب إلى الشرق على ما رسمه صاحب الجغرافيا في لوح الرسم وعلى كل هذا قسم الشريف (١) "كتاب أجار" وإن لم يكن شرط كتابنا في وضعه، ولله غيب السماوات والأرض، علم الإنسان ما لم يعلم، وهو أعلم، أحاط بكل شيء علما، وأحصى كل شيء عددا، لا إله إلا هو، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 494
الفصل الثاني (١) فيما وقع في الأقاليم من المدن والجزائر العامرة برا وبحرا وتصويرها بأشكالها
ونحن نشرع في رسم الأقاليم السبعة إقليما إقليما، نبدأ بالأول إلى أن نختم بالسابع، فما شق منه بحرا صورنا من البحر مقدار ما أخذ الإقليم منه، فإن اعترضت به جزيرة (٢) … من الإقليم المصور وبعضها مما وقع قبله أو ثاني بعده صورنا في كل إقليم مقدار ما وقع منها فيه، ولم نسم اسمها إلا حيث وقع معظمها، ولا نذكر من المدن إلا أشهرها أو ما لا بد لهذا التأليف من ذكره، والله يهدي، عليه توكلت وإليه أنيب.
الإقليم الأول
وهذه صورة الإقليم الأول، وهو الآخذ مع خط الاستواء على شماله من البحر المحيط بأقصى الغرب على البحر المحيط بأقصى الشرق، وعرضه من خمس درجات إلى عشر درجات على ما شرحنا بتفاوت ما بين ذلك عروض الأراضي به على مقدار وقوعها منه.
стр. 495
[٣٠٩] والذي وقع في هذا الإقليم الأول من البلاد والجزائر العامرة مما اشتهر اسمه مما وقع بالبحر الهندي وفروعه الخارجة منه وما اتصل به من البحر المحيط في الشرق والغرب نذكره: وأول ما نبدأ به من الغرب على حكم خط الأقاليم بلاد مغزازة (١) الذهب، ومن مدنها مدينة أو ليل، وبها الملاحة التي تمد جميع بلاد السودان، قال الشريف (٢): ولا نعلم ببلاد السودان ملاحة سواها، ومدينة مالي، ومدينة بريس، وينبت على شاطئ النيل بها الأبنوس. وبلاد لملم، ومن مدنها مدينة ملل. وبلاد غانة، من مدنها مدينة غانة وهي كبيرة مقصودة، ولما صنف الشريف كتابه (أجار) ذكر أن ملكها من ذرية صالح بن عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵁، وإسلامها قديم، وهي متصلة ببلاد ونفازة (٣) الذهب. قال الشريف (٤): "فما كان على عهده والذي يعلمه أهل المغرب الأقصى علما يقينا أن له (يعني ملكها) في قصره لبنة ذهب وزنها يكون ثلاثين رطلا تبرة واحدة خلقها الله تعالى تامة من غير أن تسبك بنار ولا تطرق بآلة، وقد نفذ فيها ثقبا، وهي مربط لفرس الملك". قال: "وهي من الأشياء الغريبة التي ليست عند غيره ولا صحت إلا له وهو يفخر بها". ومن مدن غانة:
غربيل وبيرقى (٥) وهي مدينة كبيرة، ومراسة (٦) وسمغارة (٧)، وجزيرة ونفازة، يحيط بها النيل، وطولها ثلاثمائة ميل وعرضها مائة وخمسون ميلا، يركبها