تعالي يكن للكتب بيني وبينكم … ملاحظة نومي بها ونشير
فعندي من الكتب المشومة خيرة … وعندي من شؤم الرسول أمور
فقالت: (١) [الطويل]
جعلت كتابي عبرة مستهلة … وفي الخد من ماء الجفون سطور
وهي القائلة: (٢) [السريع]
يا منزلا لم تبل أطلاله … حاشا لأطلالك أن تبلى
الأبيات، وفيه صنعة رمل على طريق النوح، وقد ذكر في أخبار المعتصم.
١١٥ - سمراء وهيلانة (٣)
شاعرتان فاخرتان، ومولّدتان للقلوب مفسدتان، من مولّدات الحجاز، ومجددات الهوى الذي ماله حجاز، وكان يجمع لمعارضة الشعراء لهما أهل الآداب ووجوه الكتاب.
قال أبو الشبل البرجمي (٤) الشاعر: دخلت إلى سمراء فتحدثنا ساعة، ثم
стр. 4517
أنشدتها بيتا لأبي المستهل (١) في المعتصم: (٢) [المتقارب]
أقام الإمام منار الهدى … وأخرس ناقوس عموريه
ثم قلت لها اجيزي، فقالت: (٣) [ص ٢٩٠] [المتقارب]
كساني المليك جلابيبه … ثيابا علاها بسموريه (٤)
فأعلى افتخاري بها رتبتي … وأذكى ببهجتها نوريه
ثم أكلنا عندها، وخرجت من عندها، فأتيت هيلانة فقالت: من أين يا أبا الشبل؟ فقلت: من عند سمراء، فقالت: قد علمت أنك تبتدئ بها، وكانت سمراء أجملهما، فقالت: وأعلم أنها لم تدعك حتى أكلت عندها، قلت:
أجل، قالت: فهل لك في الشرب، قلت: نعم، فأحضرت شرابا، فشربت منه، ثم قالت: أخبرني بما جرى بينكما، فأخبرتها، قالت: هذه المسكينة كانت تجد البرد، واحتاجت إلى سمورية، فهلا قالت: (٥) [المتقارب]
أضحى به الدين مستبشرا … وأضحت زناد الهدى (٦) موريه
فقلت لها: أنت في كلامك أشعر منها في شعرها، وشعرك فوق شعراء أهل عصرك.
стр. 4518
١١٦ - ومنهم - ظلوم جارية محمّد بن مسلم
وكانت شاعرة ماهرة، وناشرة باهرة، وكاتبة قادرة، ومغنية محسنة، سريعة البادرة، كانت لأبي صالح محمد بن مسلم الكاتب، ثم باعها لبعض الكتاب، فاستفادت عنده طرائق الكتاب، واستزادت فوق ما يحتاج إليه في هذا الباب.
قال جعفر بن قدامة، حدثني احمد بن أبي طاهر: كان محمد بن مسلم لي صديقا، وكان يقال له أبو الصالحات، فرأيت جاريته يوما إلى جانبه وعلى رأسها كور منسوج بالذهب مكتوب عليه بخط أحسن من كتب: (١) [الطويل]
وإني على الود الذي قد عرفتم … مقيم عليه لا أحول على العهد
وذلك أدني طاعتي لمحبتي … كأيسر ما أطفي به علة الوجد
فقلت لها: ما أملح هذا الشعر الذي على كورك، قالت: هو شعري أفتحب أن أغنيك به؟ قلت: أجل، فغنته أملح غناء، ثم اشتراها بعد ذلك فتى من الكتّاب.
١١٧ - ومنهم - عاذل (٢) جارية زينب بنت إبراهيم الهاشميّة
من أحسن الناس شعرا وغناء، وسنا وسناء، إلى محيا وسيم، وقوام كما [ص ٢٩١] عبث بغصن البان النسيم، ورقة معاطف كأنما تصبّب من قطراتها المدام، ولين بشرة (٣) كأنما تصوّب من خطراتها الغمام، وكان إبراهيم بن العباس الصولي بها سكران لا يفيق، ونشازا لا يأنس إلى رفيق.
стр. 4519
قال ابن السخي: وكانت مولاتها زينب بنت إبراهيم أخت عبد الوهاب بن إبراهيم تقيّن (١) عليها وتخرجها إلى الوجوه بسرّمن رأى، وكانت كاملة في الظرف، وكان إبراهيم بن العباس (٢) ممن اخرجتها عليه، فمالت إليه وأصفته هواها، فلم يكدر له جوّه، ولا تنكر له دوّه (٣) وامتنعت من جماعة كانوا يهوونها واحتجبت منهم حتى كأنهم ما كانوا يرونها، ثم إن إبراهيم علق غيرها جارية كانت للواثق أهداها إليه بعض ملوك الأتراك، فخرجت بعد وفاة الواثق حرة، وكانت ولدت منه بنتا، فلما واصلها جفا ظلوم (٤) وظلمها في الوفاء، وأضرمها بنار لا تعاجل بالانطفاء، فلما رأت تكدره، وتبيّنت تغيره لها وتنكره، كتبت إليه (٥): [المنسرح]
[بالله] يا ناقض العهود بمن … بعدك من أهل صبوتي أثق
وأسوأتا ما استحيت لي أبدا … إن ذكر العاشقون من عشقوا
لا غرني كاتب له أدب … ولا ظريف مهذب لبق
قال إبراهيم ابن الصولي: فلما قرأت الأبيات، أخذني مثل الجنون عليها، ثم هجرت الواثقية وأقبلت عليها، ولم نزل على مصافاة ومواصلة حتى قطع الموت بيننا، وقرب حيننا حيننا.
стр. 4520
١١٨ - ومنهم - ريّا وظمياء
مولّدتان يماميتان، هما الشمس وأختها، والخطيّة وتحتها غصن بانة، ومعطفا ريحانة، وغزالا سرب، وقسيما شرب وقمرها له ومقلتها، ظبي أفلت من حباله.
حكى أحمد بن خلف قال: حدثني أحمد بن سهل وكان أحد كتاب صاعد، قال: سمعت الحسن بن مخلد يحدث، أن رجلا نخّاسا من اليمامة قدم بجاريتين شاعرتين على المتوكل، فنظر إلى إحداهما فقال: ما اسمك؟ قالت:
ريا، قال: أنت شاعرة؟ قالت: كذا زعم مالكي، قال: فقولي في مجلسنا شعرا ترتجلينه، وتذكرينني وتذكرين الفتح، فوقفت هنيهة ثم قالت: (١) [الطويل]
أقول وقد أبصرت صورة جعفر … إمام الهدى والفتح ذا العز والفخر
أشمس الضحى أم شبهها وجه جعفر … وبدر السماء الفتح أم شبهه البدر
[ص ٢٩٢]
فالتفت إلى الأخرى، ثم قال: وقولي أنت، فقالت (٢): [الطويل]
أقول وقد أبصرت طلعة جعفر … تعالى الذي أعلاك يا سيد البشر
وأكمل نعماه بفتح نصيحة … فأنت لنا شمس وفتح هو القمر
فأمر أن تشترى الأولى وتردّ الأخرى، فقالت المردودة: ولم رددتني يا مولاي؟ قال: لأن بوجهك نمشا، فقالت:
لم يسلم الظبي على حسنه … يوما ولا البدر الذي يوصف
الظبي فيه خنس ظاهر … والبدر فيه نكت تعرف
стр. 4521
فاشتراهما معا، ولم يفرق لهما مجمعا، إلى أن فرق بينهما الدهر المشتت، وبت (١) اجتماعهما صرف الزّمان المبتّت.
١١٩ - ومنهم - بنان جارية المتوكّل
وكانت تخجل القمر بصفحتها، والغزال بلمحتها، والقضيب المتأود بقدها، والتفاح الجنّي بخدّها، وتغير القلائد بنظمها الذي لا يحلّيه (٢) إلا مبسمها، ولا يضاهية إلا الثريا لمن يتوسمها، لا تجيء عريب لها بأصبع من بنان، ولا دنانير إلا مما لا يدّخر للامتنان، ولا سابقة لا تلحق إلا وهي معها في طيّ عنان.
قال الفضل بن العباس الهاشمي، حدثتني بنان الشاعرة المتوكلية قالت:
خرج المتوكل يوما يمشي في صحن القصر وهو يتوكأ على يدي ويد فضل الشاعرة فأنشد: (٣) [الطويل]
تعلّمت أسباب الرّضا خوف هجرها … وعلّمها حبّي لها كيف تغضب
ثم قال لنا: أجيزا هذا البيت، فقالت فضل: (٤) [الطويل]
تصدّ وأبدي بالمودّة جاهدا … وتبعد عنّي بالوصال وأقرب
وقلت أنا: (٥) [الطويل]
стр. 4522
وعندي له العتبى على كلّ حالة … فما عنه لي بد ولا عنه مذهب
١٢٠ - ومنهم - ريّا جارية إسحاق [الموصلي]
وكانت مولدة ربيت باليمامة، وتربت على غناء أشجى من تغريد اليمامة، وكانت صفراء كأنما [ص ٢٩٣] تجر معصفرات الجلابيب، أو تكسى مصفرات الذهب الصبيب (١)، هذا إلى حلاوة تؤكل بالعيون، وحسن لا يقضى منه عدات الديون، وكانت شاعرة لو فاوضت النساء أو أوجبت عليهن الفخر (٢)، أو باكت الخنساء لما كانت لها عينان تجري على صخر، وطالما تمناها متيم لو أن الأيام ساعدت، وظل لا يزيد على ان يقول: (٣) [الطويل]
حننت إلى ريّا ونفسك باعدت
حكى حماد بن إسحاق الموصلي قال: اشتراها أبي لما حج، وكان يحبها ويستحليها وهي التي تقول فيه: (٤) [مجزوء الخفيف]
يا لذيذ المعانقه … يا كثير المفارقة
جزت يا منتهى المنى … فيّ حدّ الموافقه
وأنا دون من ترى … لك واللّه عاشقه
قال حماد: وفيه لحن من الرمل لبعض جوارينا، إما صيد وإما دمن وكانت قد أخذت عنهما الغناء وسرقته من إسحاق.
стр. 4523
١٢١ - ومنهم - محبوبة جارية المتوكّل (١)
وكانت ضرة الشمس، ومسرة النفس، قيد كل ناظر، وأمنية كل خاطر، لو حدرت في الليل قناعها لابيضت غرابيبه، (٢) واتّقدت بطلائع الصباح جلابيبه، أحسن من الريم سالفة وحدقا، وأكثر من الأغصان أعطافا ومعتنقا، هذا إلى صفاء فيه لا تناول (٣)، وصفاء لا يقاس به الشمول، وإجادة في الشعر لا يعرف لذات خمار، ولا يعد للأخيلية (٤) معها إلا ما يحكى في أكاذيب الأسمار، تنحطّ عنها رتبة عليّة (٥) أخت إبراهيم، وترد عنان وقد أصبحت حدائقها كالصريم.
قال أبو الفرج في كتاب الإماء (٦): كانت مولدة شاعرة مغنية متقدمة في الحالين على طبقتها، وكانت حسنة الوجه والغناء، أهداها عبد الله بن طاهر للمتوكل في جملة أربع مئة فيهن قيان وسواذج (٧)، فتقدمتهن جميعا عنده،
стр. 4524
ولما قتل صارت إلى وصيف (١)، فلزمت النسك حزنا ووفاء للمتوكل، حتى أراد وصيف قتلها، فاستوهبها منه بغا (٢)، فأعطاه إيّاها فأعتقها [ص ٢٩٤]، وقال:
أقيمي حيث شئت، فانحدرت عن سر من رأى إلى بغداد وأخملت نفسها إلى أن ماتت.
قال: وحدثني جعفر بن قدامة عن عليّ بن الجهم قال: كنت يوما بحضرة المتوكل وهو يشرب ونحن بين يديه، إذ دفع إلى محبوبة تفاحة مغلفة بغالية (٣)، فقبلتها وانصرفت عن حضرته إلى مجلسها، ثم خرجت جارية لها ومعها رقعة، فدفعتها إلى المتوكل، فقرأها وضحك ضحكا شديدا، ثم رمى بالرقعة إلينا، فإذا فيها: (٤) [المنسرح]
يا طيب تفّاحة خلوت بها … تشعل نار الهوى على كبدي
أبكي إليها وأشتكي دنفي … وما ألاقي من شدّة الكمد
لو أنّ تفاحة بكت لبكت … من رحمة هذه التي بيدي
إن كنت لا تعلمين ما لقيت … نفسي فمصداق ذاك في جسدي
وان تأمّلته علمت بأن … ليس لخلق عليه من جلد
قال: فما [بقي] أحد والله إلا استظرفها واستملح الأبيات، وتقدم المتوكل إلى عريب وشارية (٥) أن يصنعا في الأبيات لحنا، فصنعتا لحنين وغنتا بهما.
стр. 4525
وحدثني جعفر بن قدامة قال، حدثني علي بن يحيى المنجم قال، قال المتوكل لابن الجهم وكان يأنس به ولا يكتمه شيئا: يا عليّ إني دخلت على قبيحة الساعة فوجدتها قد كتبت اسمي على بياض ذلك الخد، فقل في هذا شيئا، وكانت محبوبة جالسة من وراء الستارة تسمع فسبقت علينا على البديهة، وقالت: (١) [الطويل]
وكاتبة بالمسك في الخدّ جعفرا … بنفسي مخطّ المسك من حيث أثرا
لئن كتبت في الخدّ سطرا بكفّها … لقد كتبت بالقلب في الحبّ أسطرا (٢)
فيا من لمملوك لملك يمينه … مطيع له فيما أسرّ وأظهرا
ويا من مناها في المنيّة جعفر … سقى اللّه عهدا من ثناياك جعفرا (٣)
أنشدتها للمتوكل، فبقي علي بن الجهم واجمالا ينطق بحرف، وغنت عريب بهذه الأبيات.
وحدثني جعفر قال، حدثني علي بن يحيى [المنجم]: أن جواري المتوكل تفرقن بعد قتله، فصار لوصيف عدة فيهن محبوبة، فاصطبح وأمر بإحضار الجارية والجواري [ص ٢٩٥] فأحضرن وعليهن أصناف الثياب والحلي متزينات متعطرات، سوى محبوبة، فإنها جاءت شعثاء متسلبة (٤)، عليها ثياب بيض (٥)، فغنين وطربن وشرب وصيف وطرب، ثم قال لمحبوبة: غني، فغنت على العود: (٦)
стр. 4526
[مجزوء الخفيف]
أيّ عيش يطيب لي … لا أرى فيه جعفرا
ملكا قد رأته عي … ني صريعا معفّرا
كلّ من كان ذا سقا … م وحزن فقد برا
غير محبوبة التي … لو ترى الموت يشترى
لاشترته بما حوت … هـ جميعا لتقبرا
فاشتد ذلك على وصيف وهم بقتلها، فاستوهبها منه بغا، فأعتقها وأطلقها حيث أحبت، فلم تزل متسلبة حتى ماتت.
وحدثني جعفر قال: قال علي بن يحيى بن الجهم قال: غاضب المتوكل محبوبة فاشتد عليه بعدها، ثم جئته يوما فحدثني أنه رأى في النوم أنها صالحته، ودعا له بخادم فقال له: اذهب فاعرف لي خبرها، فمضى وعاد فأعلمه أنها جالسة تغني، فقال: ما ترى إلى هذه؟ أنا غضبان عليها وهي تغني، ثم قال: قم معي حتى نسمع ما تغني به، فقمنا حتى انتهينا إلى حجرتها، فإذا هي تغني: (١) [مخلّع البسيط]
أدور في القصر لا أرى أحدا … أشكو إليه ما يكلّمني
حتّى كأنّي أتيت معصية … ليست لها توبة تخلّصني
فهل لنا شافع إلى ملك … قد زارني في الكرى فصالحني
حتى إذا ما الصباح لاح لنا … عاد إلى الهجر فصارمني
قال: وطرب المتوكل فأحسّت به، فخرجت إليه وخرجنا نتبادر، فأعلمته أنها رأته في النوم قد صالحها، وأنها صالحته في النوم، وقد صنعت تلك الأبيات وغنت
стр. 4527
فيها، وحدّثها بما رأى، فتعجبا جميعا، واصطلحا، وأقاما يشربان يومهما.
١٢٢ - ومنهم - أمل جارية قرين النّخّاس
أخذت من الأقمار غرتها ولزّت (١) بالشمس فكانت ضرتها، جاءت في غرة الشباب [ص ٢٩٦] وجالت من الحسن [في] (٢) جلباب، وأصبحت تترشقها النظرات، وتتشوقها في أوراقها النضرات، لو بدت للأيام لجلت بكرها الوضاح، أو للبدر لتستر بالغمام خشية الافتضاح.
وحكى أبو حفص الشطرنجي قال؛ قال لي صالح بن الرشيد (٣): إن لقرين النخاس جارية شاعرة، فاعترضها وعرفني خبرها، فدخلت إلى قرين فأخرج إليّ جارية حسنة طريفة حلوة المنطق، فقلت: ما اسمك؟ قالت: شيء إذا بلغته نلت المنتهى، قلت: إذا أمل، فضحكت، فقلت: يقول لك الأمين: (٤) [مجزوء الكامل]
أسل المهيمن خالق ال … خلق الكثير ورازقه
أن لا أموت بغصّتي … يوما وأنت مفارقه
فأخذت درجا وكتبت: (٥) [مجزوء الكامل]
لا بل أراك وأنت لي … مملوكة ومعانقة
стр. 4528
لدنوت منك ولو علو … ت إلى الجبال الشاهقه
ولهان عندي قول سا … ع ناطق أو ناطقه
هل [غير] قولهم جمي … عا فاسق أو فاسقة
وكذاك نحن فكان ما … ذا عاشق مع عاشقه
وقالت: ادفع هذا الجواب إلى الأمين، فأتيته بخبرها وجوابها فسرّ به وأمر بابتياعها.
١٢٣ - ومنهم - رابعة جارية إسحاق بن إبراهيم الموصليّ (١)
غراء تستنير الأيام بصنعها، فرعاء تستديم الليالي بفرعها، جيداء لا تلتفت إلى الغزال، غيداء لا تصلح إلا للأغزال، أجلب للعلّة من السّقم، وأجلى من النعم المجلية لآثار النقم، مع سهم ضارب في الشعر والغناء، وخلائق تسام فيها بالعلاء.
قال الأصفهاني: كان يقال إنها أخت مخارق (٢)، ويقال: كانت صاحبته نشئا (٣) في موضع واحد، شاعرة مولدة.
стр. 4529
وقال: أخبرني جعفر بن قدامة، قال: أنشدني عبد الله بن طاهر لرابعة: (١) [ص ٢٩٧] [مجزوء الكامل]
قل للأمير المصعبيّ … أخي المكارم والمنن
والمشتري الحمد الرفي … ع بما يجلّ من الثمن
[أدر] المدامة بكرة … واشرب على الوجه الحسن (٢)
واغنم سرورك عاجلا … من قبل أحداث الزّمن
إن لم تكن فطنا لما … قد قلت من هذا فمن؟
عيش الفتى شرب المدا … م وترك ذاك من الغبن
وكتب بها إلى إسحاق، فقال: لعمري إن ترك ما أشارت يغبن، واصطبح به أياما معها وغنت.
١٢٤ - ومنهم - قاسم جارية ابن طرخان
ربيبة حجر وحبيبة قلب لا تروع بالهجر، لو أشارت إلى القمر المخسوف لانجلى، أو الشمس في الكسوف لأبرزتها تجتلى، ما خطرت والمسك مكتّم إلا فاح، ولاسفرت إلا رأيت صفحات الصفاح، ولا نظرت إلا ذكت اللواعج، وأذكرت بالحنين إلى أوطانها النواعج.
قال الأصفهاني، حكى يزيد بن محمد المهلبي عن إسحاق قال:
دخل العباس بن الأحنف على قاسم جارية ابن طرخان، وكانت شاعرة
стр. 4530
مغنية، فقال لها: أجيزي هذا البيت: (١) [الكامل]
أهدى له أحبابه أترجّة … فبكى وأشفق من عيافة زاجر
فقالت بديها: (٢) [الكامل]
متطيّرا لما أتته لأنّها … لونان باطنها مخالف ظاهر
١٢٥ - ومنهم - مها جارية عريب
وكانت جارية تسفر كالقمر الطالع، وتظهر كالنجم ما فيه أمل لطالع، تحلي العقد الرائع، وتحكي الظبي الراتع، تربية مثل عريب وهل تلك، ومن جواريها الحسان ردة في سلك، وكانت تجيد الشعر وتغني، وتزيد أمنية المتمني.
قال أبو الفرج الأصفهاني، قال سراج المالكي: كنت أهوى جارية لعريب يقال لها مها، فكانت في غنائها أديبة شاعرة، فكان سبب عشقي لها أدبها وغناءها، وتعرضتها وقتا [ص ٢٩٨] وكتبت لها بيتا قلته: (٣) [البسيط]
كيف احتيالي بنفسي أنت يا أملي … في زورة منك قبل الموت تحييني (٤)
فوقعت في ظهرها: (٥) [البسيط]
أنفد صحاحك إنّ الشّعر مفسدة … بضاعة الشّعر من نقد المجانين
فبعت ضيعة لي بثلاثين ألف درهم، وأنفقتها عليها
стр. 4531
١٢٦ - ومنهم - بدعة (١) الكبرى جارية عريب
وكانت بديعة في الجمال، ونبعة للآمال، إلى صنعة غريبة، ولفتات للظنون مريبة، وحركات من حركات عريب قريبة، حتى لأصبحت بها تشبه المحسنات، وتنبه اللواحظ الوسنات، قام بها الحسن أتم القيام، وجلاها في صفة التمام.
قال الأصفهاني: كانت أحسن أهل دهرها وجها وغناء، وقد ذكرت من أخبارها في كتاب القيان، وكانت تقول شعرا ليس هو بمستحسن من مثلها (٢)، وكان إسحاق التغلبي (٣) يهواها، وخبره معها مشهور، فلم تفكر فيه حتى التقيا بحضرة المعتصم، ثم عرفت مقداره وواصلته وزارته، فحدثني عرفة وكيلها قال:
لما رأى إسحاق بن أيوب بدعة، وسمع غناءها زاد عشقه بها ومالت إليه، بعد انحراف ونفار وبغض له، وكانت تبعث (٤) بالشعر فكتبت إليه: (٥) [الخفيف]
كيف أصبحت سيدي وأميري … عشت في [ظل] نعمة وحبور (٦)
علم اللّه كيف كان اغتباطي … ونعيمي وبهجتي وسروري
بلقاء الأمير لاعدمت نف … سي وعيني لقاءه من أمير
стр. 4532
فلما أوصلتها [إليه] سرّ بها سرورا [شديدا]، وخلع عليّ خلعة نفيسة من ثيابه، ووصلني بثلاث مئة دينار، وبعث معي بهدايا إليها فيها ألف دينار مسّيفة (١) قد أطبقت دينارين دينارين على غالية (٢) ودرج كبير من ذهب مملوء مسكا وعنبرا وندّا (٣)، ومئة ثوب من ألوان الثياب وفاخرها وكتب إليها: (٤)
[الخفيف]
أنا في نعمة بقربك تفدي … ك حياتي من مفظعات الأمور
بلغت مهجتي بقربك منّي … أملي كلّه وتمّ سروري
[ص ٢٩٩] وصل اللّه ذاك ما عش … نا وأبقاك لي بقاء الدّهور (٥)
وحدثني عرفة قال: لما قدم المعتضد من حرب وصيف (٦) دخلت عليه بدعة فقالت: يا مولاي شيّبتك واللّه هذه السفرة، فقال: دون ما كنت فيه يشيب، فقالت: (٧) [الخفيف]
إن تك شبت يا مليك البرايا … لأمور عانيتها وخطوب
فلقد زادك المشيب جمالا … فالمشيب البادي كمال الأديب
فابق أضعاف ما مضى لك في عز … ز وملك وخفض عيش رطيب
فطرب المعتضد لها وخلع عليها، وقال لها يوما: يا بدعة أما ترين الشيب
стр. 4533
كيف اشتعل في لحيتي ورأسي؟ فقالت: يا سيدي عمرك الله حتى ترى أولادك وقد شابوا، فأنت والله في الشيب أحسن من القمر، وفكرت طويلا ثم قالت هذه الأبيات، وغنت بها: (١) [مجزوء المجتث]
ما ضرّك الشّيب شيئا … بل زدت فيه جمالا
قد هذّبتك الليالي … وزدت فيه كمالا
فعش لنا في سرور … وأنعم بعيشك بالا
تزيد في كلّ يوم … وليلة إقبالا
في نعمة وسرور … ودولة تتعالى
فوصلها بصلة سنية، من ثياب ومال وطيب كثير
١٢٧ - ومنهم - مثل جارية إبراهيم بن المدبّر
جارية طالما غنت فأطربت، وسميت مثلا وما ضربت، طلبت الشعر وخاضت لجج البحور، وأضاءت منه بالدرر في النحور، فاقت في الجواري، وفاتت المجاري، وشغفت سيدها، وشغلت بضرب العود يدها، حتى عدت الأضراب، وعدّت في التراب الأتراب.
ذكرها صاحب كتاب الإماء وقال الأصفهاني، حدثني جعفر بن قدامة، قال، حدثني إبراهيم بن المدبر، قال: اشتريت جارية شاعرة مدنية يقال لها مثل، وقد تعالت سني وكبرت، فلما كان الليل خلوت بها، فأردتها فلم تنهضني الشهوة، فخجلت منها فقلت لها: [ص ٣٠٠] (٢) [البسيط]
стр. 4534
قد يدرك المتأنّي بعض حاجته … وقد يكون مع المستعجل الزّلل
فقالت مجيبة غير متوقفة بديها: (١)
وربّما فات بعض القوم آمرهم … مع التأنّي وكلّ الحزم لو عجلوا
فازداد والله خجلي، ثم علمت أن فيها ما في المدنيات من الشبق وأنا عاجز (٢) عن بلوغ رجائها، فبعتها كارها غير راض.
١٢٨ - ومنهم -[نبت جارية مخفرانة] (٣)
جارية يجور قدها المعتدل، ويجوز الوهم به على المعتقل، يستنطق ألحاظها الجمود، ويشق نظرها القلوب قبل الجلود، يقل قضيبا في نقا، وتقل صبر أهل التقى، البدر تحت خمارها إلا أنه غير جانح، واللهب في وجناتها إلا أنه بين الجوانح علقت المستوفز لسماعها، وحطت رجال الركائب للإقامة بعد إزماعها، بحسن غناء ما أوتيته جارية، ولا وعته أذن إلا وأنهلت الدموع جارية.
قال الأصفهاني: كانت مغنية محسنة، وأخبرني جعفر بن قدامة قال، حدثني أحمد بن أبي طاهر قال: دخلت على نبت يوما، وكانت حسنة الوجه والغناء،
стр. 4535
فقلت: (١) [البسيط]
يا نبت حسنك يغني بهجة القمر
فقالت:
قد كاد (٢) حسنك أن يبتزّني بصري
ووقفت أنا فسبقتني هي فقالت: (٣) [البسيط]
وطيب نشرك مثل المسك قد نسمت … ريّا الرّياض عليه في دجى السّحر
فثبط طبعي فقالت: [البسيط]
فهل لنا منك حظّ في مواصلة … أو لا فإني راض منك بالنّظر
فقمت من عندها محتشما من انقطاعي عن مساجلتها، ثم عرضت ذلك على المعتمد فاشتراها فامتحنها في الكتابة والغناء فأرضته، وكان أول صوت غنته شعر عريب وصنعتها لعريب في المعتمد وهو: (٤) [الكامل]
سنة وشهر قابل بسعود
وقد مضت الأبيات في أخبار عريب فأغنت عن إعادتها، فطرب المعتمد، وتبرك بما استفتحت [ص ٣٠١] به، ثم قال لابن حمدون (٥): قارضها بشعر،
стр. 4536
فقال: (١) [مجزوء الرجز]
وهبت نفسي للهوى
فقالت:
فجار لّما أن ملك
فقال:
فصرت عبدا خاضعا
فقالت:
يسلك بي حيث سلك
[فأمر بابتياعها، فابتيعت بثلاثين ألفا] (٢)
١٢٩ - ومنهم - صاحب جارية ابن طرخان النخاس (٣)
وكانت شاعرة مغنية، تنظم الشعر وتصنف مذهبه، وتفوق مذهبه بما يسوغ الطرب، ويسول للنفس الأدب، هذا إلى جمال فتان، وكمال تم فيه الحسن والإحسان، وكان ابن أبي أمية (٤) يهواها هوى يخالط صميمه ويخالل صبابته القديمة، فكتب إليها: (٥) [الكامل]
стр. 4537
إني رأيتك في المنام كأنّما … عاطيتني من ريق فيك البارد
وكأنّ كفّك في يدي وكأنّما … بتنا جميعا في فراش واحد
ثم انتبهت ومعضداك كلاهما … بيدي اليمين وفي يمينك ساعدي
قال فأجابته: (١) [الكامل]
خيرا رأيت وكلّ ما عاينته … ستناله منّي برغم الحاسد
إنّي لأرجو أن تبيت معانقي … وتظلّ منّي فوق ثدي ناهد
ونبيت أنعم عاشقين تفاوضا … طرف الحديث بلا مخافة واحد
١٣٠ - [ومنهم جلّنار جارية أخت راشد بن إسحاق الكوفي الكاتب] (٢)
جل نار منها في الخدود، وجلنار ثمرة رمان النهود، من مولدات الكوفة، وموليات العيون على القلوب المخوفة، شاعرة تأتي بالعجب، ومغنية ترى استقطاع هوى العشاق من بعض ما وجب، قال عيسى بن القاشي الكاتب:
كانت لأخت راشد جارية يقال لها جلنار، وكانت مليحة حسنة الغناء حسنة الشعر، فحدثني راشد أخو مولاتها قال: عشقتها وهمت شغفا بها، وعلمت أختي بذلك فحجبتني عنها (٣) أشد حجاب، إلا بأن أبتاعها بحصتي من ضيعة
стр. 4538
ورثتها أنا وهي عن أبينا، وحلفت أن لا تبيعها إلا بذلك، فشاورت ثقات إخواني، فعابوا هذا عليّ، ونهوني عن إتيان ذلك، وضننت أنا بالضيعة أن تخرج من يدي، ثم غلبني ما أجده، فقلت: (١) [المتقارب]
أيعذل صبّ على وجده … وقد لجّ مولاه في صدّه (٢)
[ص ٣٠٢]
وكيف أرى الصّبر عمّن أرى … دنوّ المنيّة في بعده
غزال ينسّيك قدّ القضي … ب بحسن الرشاقة في قدّه
إذا عدم الورد في روضه … فلم يعدم الورد من خدّه
قال: وبلغني أن الجارية تتعجب من صبري عنها، ومن إيثاري الضيعة على نفسي في حبها، وتقول غدر بي واختار ملكه علي، فأجبت أختي إلى ذلك مع الحصة، وتقرر الأمر بيننا، فكتبت إلى الجارية: (٣) [الكامل]
نزل الوصال بساحة الهجر … ومحا الوفاء معالم الغدر
وغدا اللقاء عليهما بلوائه … وعليه تخفق راية النّصر
فكتبت إليّ: (٤) [الكامل]
ما كان أخوفني من الهجر … حتى كتبت إليّ بالعذر (٥)
فسكنت منك إلى مراجعة … قوي الوصال بها على الهجر
стр. 4539
أرجو وفاءك لي ويؤنسني … أشياء تعرض منك في صدري
لاشتّت الرحمن شمل هوى … متآلف منّا على الدّهر
ثم اشتريتها وصارت في ملكي، فما آثرت عليها أحدا طول مقامها عندي، حتى ماتت.
١٣١ - ومنهم - خنساء البرمكيّة (١)
وكانت لبعض آل يحيى بن خالد، تزهى بها الأساور والقلائد، تفتك بلحظها، وتفتن بلفظها، مغنية تهز الجماد، وشاعرة لا تغترف من ثماد (٢)، لو قيست ببنت عمرو بن الشريد (٣) لعرف من أي البحرين يلتقط الفريد (٤).
قال عمرو بن بانة: كان من جيراني رجل من البرامكة، وكانت له جارية أديبة مغنية يقال لها خنساء، يدخل إليها الشعراء فيقارضونها ويسألونها عن المغاني فتأتي بكل غريبة وبديعة، فدخل إليها يوما سعيد بن وهب فحدثها طويلا ثم قال: (٥) [الهزج]
أبيني لي يا خنسا … ء عن جنس من الشّعر
стр. 4540
وما ذا طوله شبر … وقد يوفي على الشّبر [ص ٣٠٣]
له في رأسه شق … نطوف بالنّدى يجري
إذا ما جفّ لم ينفع … ك في برّ ولا بحر
وإن بلّ أتى بالع … جب المعجب والسّحر
وإنّي لم أرد فحشا … وربّ الشّفع والوتر
ولكن صغت أبياتا … حوت معنى من السّرّ
قال: فغضب مولاها وتغير لونه، وقال لسعيد: أتخاطب جاريتي بالفحش والخنا؟ فقالت الجارية: خفض عليك، فما ذهب إلى ما ظننت، وإنما يعني القلم، فسري عنه وضحك سعيد وقال: هي أعلم منك بما سمعت، فاحتبسه مولاها عنده يومه، فجعلت تغنيهم تارة وتقارضهم تارة إلى أن سكروا.
قال عمرو [بن بانة] ثم لقيني مولاها فسألته عن القصة فحدثني بها، وأخرج إليّ ابتداء سعيد وجوابها تحته، وهو: [الهزج]
أبا عثمان حاجيت … بما قلت من الشعر
فتاة ذلّل الشعر … لها صافية الفكر
وفي ظاهره فحش … وليس الفحش في السّرّ
أردت المخطف المرهف … إذ يبريه من يبري
وكتبت البرمكية على عصابتها: [الطويل]
ولا خير في شكوى إلى غير مشتكي … ولا بدّ من شكوى إذا لم يكن صبر
وكانت جارية ماهرة، أديبة شاعرة، تأتي بكل غريب، وتبلغ مالا يجرجر فيه بعنان ولا تحدث عن عريب، صفراء من مولدات البصرة نشأت حيث يرف النخيل، ويرق السلسبيل، وكانت فضل الشاعرة تهاجيها ولا تهيجها، ولا يلفى
стр. 4541
في الحسن ما تنشره بهجتها، وكان لكل واحدة منهما عصبة من شعراء الوقت يتعصبون لها وهي لا تتقنع، ويعيبون لديها الأخرى وما فيهم إلا من يتصنع.
حكى أحمد بن أبي طاهر قال: كانت فضل تهاجي خنساء جارية هشام المكفوف، وكان أبو الشبل عاصم بن وهب البرجمي يعاون فضلا الشاعرة على خنساء ويهجوها [ص ٣٠٤] على لسانها، وكان الحفصي والصعيدي يعاونان خنساء، فقال أبو الشبل فيها على لسان فضل: (١) [السريع]
خنساء طيري بجناحين … أصبحت معشوقة نذلين (٢)
من كان يهوى صاحبا واحدا … فأنت رهن بهوى اثنين
هذا الصعيدي وهذا الفتى ال … حفصي زاراك كقردين
وكنت من هذا وهذا كما … ينعم خنزير بحشّين (٣)
فقالت خنساء: (٤) [لسريع]
ما ذا مقال لك يا فضل بل … مقال خنزيرين فردين
يكنى أبا الشّبل ولكنّه … دعوه بالكلب بن كلبين (٥)
فقالت خنساء في فضل: (٦) [الطويل]
стр. 4542
تقول له فضل إذا ما تخوّفت … ركوب قبيح الذّلّ في طلب الوصل
حر أمّ فتى لم يلق في الحب ذلّة … فقلت لها لا بل حر أمّ أبي الشّبل
ولها أيضا فيها أبيات: (١) [الكامل]
لعب الفحول بسفلها وعجانها … فتمرّدت كتمرّد الفحل (٢)
لّما كنيت بما كنيت به … وتسمّت النقصان بالفضل (٣)
كادت بنا الدنيا تميد ضحى … وترى السماء تذوب كالمهل (٤)
فغضب أبو الشبل وهجا مولاها فقال: (٥) [الخفيف]
نعم مأوى الغراب بيت هشام … مسعف بالحرام أهل الحرام
من أراد المبيت يبغي سفاحا … وينال المراد تحت الظلام
فهشام يبيحه في دجى اللي … ل فتاة تدعى فتاة هشام
ذاك حرّ دواته لا تعرّى … أبدا من تردّد الأقلام (٦)
وذكر أحمد بن الطيب أن أبا الشبل (٧) كان يهوى خنساء ثم هجاها فهجرته، فعدل عنها إلى فضل الشاعرة، ووعد أبو الشبل يوما خنساء أن تزوره،
стр. 4543
وجاء [ص ٣٠٥] مطر شديد منعها من زيارته، فقال يذم المطر: (١) [البسيط]
دع المواعيد لا تعرض لوجهتها … إنّ المواعيد مقرون بها المطر
إنّ المواعيد للأحباب قد منيت … به بأنكد ما يمنى به البشر
كذا الثياب فلا يغررك إن غسلت … صحو شديد ولا شمس ولا قمر
وإن هممت بأن تلقاك زائرة … فالغيث لا شك مقرون به السّحر
وكان سبب القطيعة بينهما أنه سكر عندها، فخاطبها مغلظا لها في شيء فقالت: بم تدل على الناس؟ بأكثر من شعرك؟ وإنه لغير طيب، ووالله لئن شئت لأهجونك بما يبقى عليك عاره، فغضب وقال فيها: (٢) [مخلع البسيط]
خنساء قد أفرطت علينا … تزعم أن ليس لي مجير
تاهت بأشعارها وصالت … كأنّما ناكها جرير
فخجلت ولم تجبه، وتقاطعا، وقيل: بل قالت فيه مبتدئة: [مخلع البسيط]
قل لأبي الشّبل إن أتاه … مقذع سبّ له مجير
هيهات ما إن له مجير … ولا نصير ولا ظهير
١٣٢ - [ومنهم خزامى جارية الضبط المغني] (٣)
الملقب بالطيط (الضبط)، كانت حسنة الوجه والغناء، شاعرة بيوتها وثيقة
стр. 4544
البناء، وكان ابن المعتز يقدمها ويثقف قناتها ويقومها، ولا يبخل باستدعائها واستئمانها على خفايا السر واسترعائها.
قال ابن المعتز: كانت خزامى جارية الطيط (الضبط) تألفني وتنادمني وأنا حدث، ثم تابت من النبيذ، وكانت مغنية حسنة الغناء، شاعرة ظريفة نظيفة، فراسلتها مرارا أستدعيها فتأخرت، فكتبت إليها وأهديت لها وردا: (١)
[الطويل]
رأيتك قد أظهرت زهدا وتوبة … فقد سمجت من بعد توبتك الخمر
فأهديت وردا كي يذكّر ريحه … لمن لم يمتعنا ببهجتها الدّهر
فأجابتني تقول: (٢) [ص ٣٠٦]
أتاني قريض يا أميري محبّر … حكى لي نظم الدّر فصّل بالشّذر
أأنكرت يا بن الأكرمين بأنّني … وقد أفصحت لي ألسن الدّهر بالزّجر
وآذنني شرخ الشّباب ببينه … فياليت شعري بعد ذلك ما عذري
قال ومن شعرها: [مجزوء الرمل]
قل لمن تاه علينا … وجفانا وتعاطى
نلت والرّحمن من قل … بي بالحسن اختصاصا
فتوقّ اليوم في قل … بي أن تلقى قصاصا
стр. 4545
١٣٣ - ومنهم - صدقة بن محمّد
من أغنياء أهل الغناء، وأذكياء أصحاب الاعتناء، ذكره ابن المستوفي في ترجمة البحراني النحوي، قال حدثني صدقة بن محمد الملحن، قال: حضرت القاضي أبا حامد السهروردي وقد صنعت لحنا في أبيات البحراني: [الرمل]
أيّها البارق من وادي سلم … أبسلمى لك علم قل نعم
أنت لو لم تقتبس من وجهها … هذه الأنوار لم تجل الظّلم
فارقتنا بقلوب لم يفق … من هواها وجفون لم تنم
وتولّت ويدي في كبد … أوقد الوجه عليها فاضطرم
قال: فجعل يهزه الطرب والارتياح، فيميل مثل النشوان مالت به الراح، ويقول:
لمن هذا الشعر الذي دونه السحر؟ فقلت: لأبي عبد الله البحراني، فما زال يستعيده ويكرره ويوفيه في الإحسان حقه، إلى أن تقوض المجلس عليه، وقمنا وبه ما يعلم الله من الشوق إليه، وهذا اللفظ لابن المستوفي.
١٣٤ - ومنهم - الحسين بن الحسن
ابن أبي نصر بن منصور الدهان زين الدين أبو عبد الله الموصلي، سابق يوم الرهان، وفاتق عرف بكل وردة من الدهان، تنسب إليه محاسن من الأمور، ويقسم من زخرف بنانه بالسقف المرفوع والبيت المعمور، وتجني من إنعامه كل ذات كمام كأنها زهرة في دهانه، وثمرة غريبة من بدائع ألوانه، أتى بالبديع وأجاد [ص ٣٠٧] في نغمه ودهائه، فجاء في كل منهما بالصنيع، وأبدع فيهما، فقيل هذه البلابل غنت وهذه المصبغات ألوان فصل الربيع، وكان عالما فاضلا أديبا حسن الأخلاق، لا يمل جليسه محادثته، فريد عصره في صناعة الطرب
стр. 4546
وعلم الموسيقا، وله فيه مصنف، وسمع منه الكمال ابن الفوطي وغيره، ومن شعره:
[الطويل]
وحلو اللّمى مذ عاين النمل قد بدت … له زمر تبغي بفيه جنى النّحل
غدا جاحدا قتلي بسيف لحاظه … ومن حمرة الخدّين لي شاهدا عدل
ومنه: [الطويل]
رأيت حبيبي بكرة وهو معرض … فسمّيته فازوّر يرنو إلى الشرق
فيا عاذلي كن عاذري فيه رحمة … فقد أظلمت من فرط هجرانه طرقي
ومنه: [الوافر]
ألا يا سادة ما زال قلبي … لطول فراقهم في ضيق سجن
وحقّ جميل ما أوليتموني … من الإحسان لم تتبع بمنّ
إليه صادق أني إذا ما … ذكرتكم شرقت بماء جفني
فعيني ما رأت حسنا سواكم … وغير حديثكم ما راق أذني
فقدت لطول غيبتكم سروري … ومذ فارقتكم واصلت حزني
ندمت ندامة الكسعيّ لكن … على أوقاتكم وقرعت سنّي
كفى حزني فراقكم وحسبي … بشوقي أنّه ما انفكّ عنّي
ومنه ما يكتب على مقلمة: [الكامل]
كلّ السّيوف لها جفون تنتضى … منها وإني جفن كلّ يراع
واعلم بأنّ السّعي للقلم الذي … لولاه خابت للسيوف مساع
ومنه: [الرجز]
يا خالقي من نطفة مهينة … وموجدي من عدم مقدرتي
يا عدّتي في وحدتي يا مؤنسي … في وحدتي إذا نزلت حفرتي
стр. 4547
اغفر ذنوبي وتجاوز كرما … عنّي بعفو منك واكشف كربتي
[ص ٣٠٨]
ولا تؤاخذ بذنوب سلفت … لشقوتي فأنت أهل الرحمة
وعافني من مرض تصدّقا … وجد على ضعفي واردد غربتي
ومن أصواته ما رواه لي عنه الجمال المشرقي في الراست: [مجزوء المجتث]
يا نار أسود قلبي … ونور أسود عيني
كن راحما لمحبّ … أباحك الأسودين
توفي يوم الجمعة سابع عشر رمضان سنة سبع وثمانين وست مئة ودفن بالودية شرقي دار السلام، وكان له اختصاص بالسلطان بدر الدين لؤلؤ (١) صاحب الموصل.
١٣٥ - ومنهم -[ياقوت المستعصميّ] (٢)
وهو الياقوت الذي لا يغلو به سعر، ولا يعرف الدر إن لم ينشد له شعر، بل هو الذي دونه ياقوت الخدود، ودر العقود، ووسائط القلائد، ولا أعني إلا قواعد النهود، كتب فسلب، وشعر فخلب، وغنى فقيل من أين جاء إلى العراق وادي
стр. 4548
سرنديب (١) هذا الجلب، وكان في الكنف المستعصمي يرد طرف كل مبهوت، ويوفي حق كل خدمة لا تفوت، وتفرد بكل خاصة، يقول القني في لظى فإن أحرقني فتيقن أني لست بالياقوت.
ما تقدم لمناهلته إلا من تأخر، ولا لمباهاته إلا من قيل له هيهات يا عرض أغلى أفخر الجوهر يتكبر، ولا لمضاهاته إلا من صفى جمره وتكشف عنه الرماد، وتوقد وخمد والياقوت ياقوت ما نقص ولا زاد (٢).
مجيد في الشعر والموسيقا والخط، وله الأدب الكامل والنحو المتقن، أخذ الأدب والنحو عن نجم الدين بن كبوش البصري، ومن شعره: [مجزوء الرجز]
بدا بوجه مخجل … الشمس المنير المشرقه
في أذنه لؤلؤة … كأنّها والحلقه
قدّاحة في وردة … بالياسمين ملحقه
وله: [مجزوء الهزج]
وحمّام دخلنا و … فيه مقيم حامي (٣)
بأنواع من الخدم … ة لا ألوى ولا واني (٤)
فتمريخ بمعروف … وتسريح بإحسان
стр. 4549
وله: (١) [الخفيف]
وعدت أن تزور ليلا فألوت … وأتت بالنّهار تسحب ذيلا
قلت هلا صدقت في الوعد قالت … كيف صدّقت أن ترى الشمس ليلا
[ص ٣٠٩] وكان هو وظهير الدين بن محاسن في زيارة كمال الدين ابن عم ظهير المذكور، وانتبها وقد برد، فقال: [البسيط]
جاء الشتاء ببرد لا مردّ له … ولم يطق حجر قاس يقاسيه
لا الكأس عندي ولا الكانون متّقدا … كفى ظلامي وكيس قلّ ما فيه
دع الكباب وخلّ الكس وا أسفا … على كساء أتغطّى في دياجيه (٢)
فأعطاه ظهير الدين فروة سمور (٣) كانت لابن عمّه الكمال هناك، فلما سمع الكمال بالأبيات، أعطاه عمامة دمياطية ومئة دينار.
١٣٦ - عبد المؤمن بن يوسف (٤)
ابن فاخر الأرموي، صفي الدين أبو الفضائل، مؤلف ضروب أشتات، ومصنف نوب يجمع عليها شتات، خدم الخلافة زمنا، وأخذ الدنيا لأنفاسه
стр. 4550
ثمنا، وبلغ من علم الموسيقا مبلغا ضم له ضمن لحده سائب، وحاق به لإسحاق أن يظهر المعايب، لو سمعته الوحوش الشوارد لأنست، وأوعته لما نبست، وأغنى في واقعة هولاكو بما منح من حسن التدبير، ويمن اللفظ في المقادير بالتلطف مع من أبيحت له لأيدي النهب محلته، وتعتعت (١) له بسنابك الركض حلته، لكنما القدرة أذهبت الحفيظة، وبردت حرق الصدر المغيظة، ثم كان هذا سببا له إلى هولاكو فأوجب (٢) به صلته، وأوجز منه صلته.
ذكر الشيخ أبو الخير سعيد الدهلي ومخلص (٣) ما قال: ورد بغداد في زمن المستعصمي أبي أحمد ونزل في رباط ابن البيار وكتب له مصحفا بخط منسوب، ووصل إلى المستعصم فتعرف إليه به وجعل من الملازمين الباب يكتب المصاحف ويعلم أولاد المستعصم، ثم بلغ عنده مالم ينله عنده أحد من المقربين، وكان ابن سيدانا اليهودي كاتبه، وكان مقصوده منه أن يغنيه في علم الحساب لتقسيم أجزاء الموسيقا (٤)، ولم يلزم بيده دينارا ولا درهما، وكان خرجه في سنة واحدة كما ذكر ابن سيدانا ثلاث مئة ألف دينار عوالا (٥)، وكانت له معرفة بسائر العلوم، تغلب عليه الحكميات والرياضيات، وبلغ من الموسيقا مالم يبلغه أحد من المتأخرين، وصف [ص ٣١٠] وصنف في عملياته كثيرا، حفظ له الناس ثلاثين ومئة نوبة، ولم يكن نكتة عويصة إلا وصنف فيها نوبة مذكورة متداولة بين الناس، وصنف كتابين في علم الموسيقا، أحدهما الشرقية باسم
стр. 4551
شرف الدين هارون ابن الوزير شمس الدين الجويني، والكتاب الآخر يسمى الأدوار (١)، وله النظم الرائق والخط الفائق، وكان مليح الشكل (٢) عذب الأخلاق، ذا مروءة وقوة وكرم نفس، ظريفا لطيفا، وكتب عليه ياقوت المستعصمي وابن السهروردي، واشتغل عليه في الموسيقا في جماعة من الأعيان، قال: ومن كتابته السطر الطومار الذي على بركة جامع الكوفة التي عمرها الصاحب علاء الدين الجويني، وكتب درجا للسلطان هولاكو فأعجبه، ثم وقع ذلك الدّرج في يد من عرضه للبيع فاشتراه بمائة دينار عوال، وفوض إليه هولاكو نظر الأوقاف بجميع العراق وصدورها، وعظم عند الناس بمنزلة هولاكو، ثم توصل خواجا نصير الطوسي بالجوينيين، وابتاع منه صدورية الوقف بسبعين الف دينار رائجا، وبان على الأئمة وأهل الأوقاف فقده، لأنه كان محسنا إليهم، بخلاف من ولي بعده، ومن شعره: [الطويل]
لحسنك من كلّ العيون نصيب … وأنت إلى كلّ القلوب حبيب
ومن شعره أيضا: [الوافر]
ألاقي في سهادي ما ألاقي … وأنتم في الكرى ملء المآقي
ومن شعره أيضا: [الخفيف]
يا حياة النّفوس يا مشتهاها … أنت للعاشقين أقصى مناها
قال الدهلي: وصنف عليه قولا في العشاق طويلا.
ومن شعره أيضا: [الكامل]
стр. 4552
هل للمعنّى الهائم المضنى الصّدىّ … من راحم أو مسعد أو منجد
عرف الهوى وتلطّفت أسراره … فسرى ورقّ توجّعا للمكمد
يصبو لبثّ جوى يكاد زفيره … لولا الرجاء لدقّ صمّ الجلمد
ليس الودود فتى يودك يومه … حتى إذا استغنى يملّك في غد
[ص ٣١١]
بل إنّما الخلّ الودود فتى إذا … قعد الزمان بصاحب لم يقعد (١)
قال الدهلي: وسمع من نظمه جماعة، منهم الإمام علي بن سعيد المغربي قديما ببغداد، وتوفي في يوم الأربعاء ثامن عشر من صفر سنة ثلاث وتسعين وست مئة.
وحدثني الجمال المشرقي عنه، وذكر عدة أصوات له، فمنها في شعر المتنبي: (٢) [الكامل]
اليوم موعدكم فأين الموعد … هيهات ليس ليوم وعدكم غد
والغناء فيه في الروكند، وفي هذا البيت: [الطويل]
لحسنك من كلّ القلوب نصيب … وأنت إلى كلّ القلوب حبيب
والغناء فيه في المجيّر من النيروز، وفي هذا البيت: [الكامل]
اصنع جميلا ما استطعت لأنّه … لا بدّ أن يتحدّث السّمّار
قال الجمال المشرقي: ولي في هذا المعنى: [الكامل]
اعدل إلى فعل المكارم والعلى … إنّ المكارم للعلى أنصار
стр. 4553
وذكر العز حسن الأربلي في تاريخه قال: جلست مع عبد المؤمن بالمدرسة المستنصرية، وجرى ذكر واقعة بغداد، فأخبرني أن هولاكو طلب رؤساء البلد وعرفاءه، وطلب منهم أن يقسموا دروب بغداد ومحالها وبيوت ذوي يسارها على أمراء دولته، فقسموها وجعلوا كل محلة أو محلتين أو سوقين باسم أمير كبير، فوقع الدرب الذي كنت أسكنه في حصة أمير مقدم عشرة آلاف فارس اسمه بانوابوين، وكان هولاكو قد رسم لبعض الأمراء أن يقتل ويأسر وينهب مدة ثلاثة أيام، ولبعضهم يومين، ولبعضهم يوم واحد، على حسب طبقاتهم، فلما دخل الأمراء إلى بغداد، أول درب جاء إليه الدرب الذي أنا ساكنه، وكان قد اجتمع إليه خلق كثير من ذوي اليسار، واجتمع عندي نحو خمسين جوقة من أعيان المغاني من ذوي المال والجمال فوقف بانوابوين على باب الدرب وهو مدبس (١) [ص ٣١٢] بالأخشاب والتراب، فطرقوا الباب وقالوا: افتحوا لنا الباب وادخلوا في الطاعة، ولكم الأمان، وإلا أحرقنا الباب وقتلناكم، ومعه الزراقون (٢) والنجارون وأصحابه بالسلاح، قال عبد المؤمن: السمع والطاعة، أنا أخرج إليه، ففتحت الباب وخرجت إليه وحدي وعليّ ثياب وسخة، وأنا أنتظر الموت، فقبلت الأرض بين يديه، فقال للترجمان: قل له من أنت، كبير هذا القوم الذي في الدرب؟ قلت: نعم، فقال: إذا أردتم السلامة من الموت، فاحملوا لنا كذا وكذا وطلب شيئا كثيرا، فقبلت الأرض مرة ثانية وقلت: كل ما طلب الأمير يحضر، وقد صار كل ما في هذا الدرب بحكمك، فمر جيوشك ينهبون باقي الدروب المعنية، وانزل حتى أضيفك ومن تريد من خواصك، فأجمع لك كل ما طلبت، فشاور أصحابه، ونزل في نحو ثلاثين رجلا، فأتيت به داري،
стр. 4554
وفرشت له الفرش الخليفية الفاخرة، والستور المطرزة بالزركش، وأحضرت له في الحال أطعمة قلايا وشوايا وحلو، وأكلت بين يديه شسني (١)، فلما فرغ من الأكل، عملت له مجلسا ملوكيا وأحضرت له الأواني المذهبة من الزجاج الحلبي وأواني فضة فيها شراب مروق، فلما دارت الاقداح وسكر قليلا، أحضرت عشر جوق (٢) مغاني كلهم نساء، كل جوقة تغني بملهاة غير ملهاة الأخرى، وأمرتهم فغنوا كلهم على سار واحد فارتجّ المجلس وطرب وانبسطت نفسه، وضم واحدة من المغنيات أعجبته فواقعها في المجلس، ونحن نشاهده، وتم يومه في غاية الطيبة، فلما كان وقت العصر، حضر أصحابه بالنهب والسبايا، قدمت له ولأصحابه الذين كانوا معه تحفا جليلة من أواني الذهب والفضة، ومن النقد والذهب، ومن الأقمشة الفاخرة شيئا كثيرا، سوى العليق وهبات العوانية (٣) الذين كانوا بين يديه، واعتذرت من التقصير وقلت: جاء الأمير على غفلة، لكن غدا إن شاء اللّه أعمل للأمير دعوة أحسن من هذه، فركب وقبّلت ركابه، ورجعت فجمعت أهل الدرب من اليسارة (٤)، وقلت لهم: انظروا لأنفسكم [ص ٣١٣]، هذا الرجل غدا عندي، وكذا بعد غد وكل يوم، وأريد أضعاف اليوم المتقدم، فجمعوا لي من بينهم ما يساوي خمسين ألف دينار من أنواع الذهب والأقمشة الفاخرة والسلاح، فما طلعت الشمس إلا وقد وافاني، فرأى ما أذهله، وجاء في هذا اليوم ومعه نساء، فقدمت إليه ولنسائه من الذخائر والذهب والنقد ما قيمته عشرون ألف دينار، وقدمت له في اليوم الثالث لآلئ نفيسة، وجواهر ثمينة،
стр. 4555
وبغلة جليلة بآلات خليفية، فقلت: هذه مراكب الخليفة، وقدمت لجميع من معه وقلت: هذا الدرب قد صار بحكمك، فإن تصدقت على أهله بأرواحهم، فيكون لك وجه أبيض عند اللّه وعند الناس، فما بقي عندهم سوى أرواحهم، فقال: قد عرفت ذلك ومن أول يوم، وهبتهم أرواحهم، وما حدثتني نفسي بقتلهم ولا سبيهم، ولكن أنت تجهز معي قبل كل شيء إلى حضرة القان، فقد ذكرتك له وقدمت له شيئا من المستظرفات التي قدمتها لي فأعجبته، ورسم بحضورك، فخفت على نفسي، وعلى أهل الدرب، وقلت: هذا يخرجني إلى خارج بغداد ويقتلني وينهب الدرب، فظهر عليّ الخوف، وقلت: يا خوند، هولاكو ملك كبير وأنا رجل حقير مغنّ أخشى منه ومن هيبته، فقال: لا تخف ما يصيبك إلا الخير، فإنه رجل يحب أهل الفضائل، فقلت: أنا في ضمانك أنه لا يصيبني مكروه، قال: نعم، فقلت: لأهل الدرب: هاتوا ما عندكم من النفائس، فأتوني بكل ما يقدرون عليه من المغيبات الجليلة ومن النقد الكثير من الذهب والفضة، وهيأت من عندي مآكل كثيرة طيبة وشرابا كثيرا عتيقا فائقا وأواني فاخرة كلها من الذهب والفضة المنقوشة، وأخذت معي ثلاثة جوق مغاني من أجمل من كان عندي وأتقنهن للضرب، ولبست بدلة من القماش الخليفي، وركبت بغلة جليلة كنت أركبها إذا رحت (١) إلى الخليفة، فلما رآني بانوابوين بهذه الحالة قال لي: أنت وزير، قلت: بل أنا مغني الخليفة ونديمه، ولكن لما خفت منك لبست هذه الثياب المقطعة الوسخة (٢)، ولما صرت من رعيتك أظهرت نعمتي وأمنت، وهذا الملك هولاكو ملك عظيم، وهو أعظم من الخليفة، فما ينبغي أدخل عليه [ص ٣١٤] إلا بالحشمة والوقار، فأعجبه مني هذا