شرف الدين هارون ابن الوزير شمس الدين الجويني، والكتاب الآخر يسمى الأدوار (١)، وله النظم الرائق والخط الفائق، وكان مليح الشكل (٢) عذب الأخلاق، ذا مروءة وقوة وكرم نفس، ظريفا لطيفا، وكتب عليه ياقوت المستعصمي وابن السهروردي، واشتغل عليه في الموسيقا في جماعة من الأعيان، قال: ومن كتابته السطر الطومار الذي على بركة جامع الكوفة التي عمرها الصاحب علاء الدين الجويني، وكتب درجا للسلطان هولاكو فأعجبه، ثم وقع ذلك الدّرج في يد من عرضه للبيع فاشتراه بمائة دينار عوال، وفوض إليه هولاكو نظر الأوقاف بجميع العراق وصدورها، وعظم عند الناس بمنزلة هولاكو، ثم توصل خواجا نصير الطوسي بالجوينيين، وابتاع منه صدورية الوقف بسبعين الف دينار رائجا، وبان على الأئمة وأهل الأوقاف فقده، لأنه كان محسنا إليهم، بخلاف من ولي بعده، ومن شعره: [الطويل]
لحسنك من كلّ العيون نصيب … وأنت إلى كلّ القلوب حبيب
ومن شعره أيضا: [الوافر]
ألاقي في سهادي ما ألاقي … وأنتم في الكرى ملء المآقي
ومن شعره أيضا: [الخفيف]
يا حياة النّفوس يا مشتهاها … أنت للعاشقين أقصى مناها
قال الدهلي: وصنف عليه قولا في العشاق طويلا.
ومن شعره أيضا: [الكامل]
стр. 4552
هل للمعنّى الهائم المضنى الصّدىّ … من راحم أو مسعد أو منجد
عرف الهوى وتلطّفت أسراره … فسرى ورقّ توجّعا للمكمد
يصبو لبثّ جوى يكاد زفيره … لولا الرجاء لدقّ صمّ الجلمد
ليس الودود فتى يودك يومه … حتى إذا استغنى يملّك في غد
[ص ٣١١]
بل إنّما الخلّ الودود فتى إذا … قعد الزمان بصاحب لم يقعد (١)
قال الدهلي: وسمع من نظمه جماعة، منهم الإمام علي بن سعيد المغربي قديما ببغداد، وتوفي في يوم الأربعاء ثامن عشر من صفر سنة ثلاث وتسعين وست مئة.
وحدثني الجمال المشرقي عنه، وذكر عدة أصوات له، فمنها في شعر المتنبي: (٢) [الكامل]
اليوم موعدكم فأين الموعد … هيهات ليس ليوم وعدكم غد
والغناء فيه في الروكند، وفي هذا البيت: [الطويل]
لحسنك من كلّ القلوب نصيب … وأنت إلى كلّ القلوب حبيب
والغناء فيه في المجيّر من النيروز، وفي هذا البيت: [الكامل]
اصنع جميلا ما استطعت لأنّه … لا بدّ أن يتحدّث السّمّار
قال الجمال المشرقي: ولي في هذا المعنى: [الكامل]
اعدل إلى فعل المكارم والعلى … إنّ المكارم للعلى أنصار
стр. 4553
وذكر العز حسن الأربلي في تاريخه قال: جلست مع عبد المؤمن بالمدرسة المستنصرية، وجرى ذكر واقعة بغداد، فأخبرني أن هولاكو طلب رؤساء البلد وعرفاءه، وطلب منهم أن يقسموا دروب بغداد ومحالها وبيوت ذوي يسارها على أمراء دولته، فقسموها وجعلوا كل محلة أو محلتين أو سوقين باسم أمير كبير، فوقع الدرب الذي كنت أسكنه في حصة أمير مقدم عشرة آلاف فارس اسمه بانوابوين، وكان هولاكو قد رسم لبعض الأمراء أن يقتل ويأسر وينهب مدة ثلاثة أيام، ولبعضهم يومين، ولبعضهم يوم واحد، على حسب طبقاتهم، فلما دخل الأمراء إلى بغداد، أول درب جاء إليه الدرب الذي أنا ساكنه، وكان قد اجتمع إليه خلق كثير من ذوي اليسار، واجتمع عندي نحو خمسين جوقة من أعيان المغاني من ذوي المال والجمال فوقف بانوابوين على باب الدرب وهو مدبس (١) [ص ٣١٢] بالأخشاب والتراب، فطرقوا الباب وقالوا: افتحوا لنا الباب وادخلوا في الطاعة، ولكم الأمان، وإلا أحرقنا الباب وقتلناكم، ومعه الزراقون (٢) والنجارون وأصحابه بالسلاح، قال عبد المؤمن: السمع والطاعة، أنا أخرج إليه، ففتحت الباب وخرجت إليه وحدي وعليّ ثياب وسخة، وأنا أنتظر الموت، فقبلت الأرض بين يديه، فقال للترجمان: قل له من أنت، كبير هذا القوم الذي في الدرب؟ قلت: نعم، فقال: إذا أردتم السلامة من الموت، فاحملوا لنا كذا وكذا وطلب شيئا كثيرا، فقبلت الأرض مرة ثانية وقلت: كل ما طلب الأمير يحضر، وقد صار كل ما في هذا الدرب بحكمك، فمر جيوشك ينهبون باقي الدروب المعنية، وانزل حتى أضيفك ومن تريد من خواصك، فأجمع لك كل ما طلبت، فشاور أصحابه، ونزل في نحو ثلاثين رجلا، فأتيت به داري،
стр. 4554
وفرشت له الفرش الخليفية الفاخرة، والستور المطرزة بالزركش، وأحضرت له في الحال أطعمة قلايا وشوايا وحلو، وأكلت بين يديه شسني (١)، فلما فرغ من الأكل، عملت له مجلسا ملوكيا وأحضرت له الأواني المذهبة من الزجاج الحلبي وأواني فضة فيها شراب مروق، فلما دارت الاقداح وسكر قليلا، أحضرت عشر جوق (٢) مغاني كلهم نساء، كل جوقة تغني بملهاة غير ملهاة الأخرى، وأمرتهم فغنوا كلهم على سار واحد فارتجّ المجلس وطرب وانبسطت نفسه، وضم واحدة من المغنيات أعجبته فواقعها في المجلس، ونحن نشاهده، وتم يومه في غاية الطيبة، فلما كان وقت العصر، حضر أصحابه بالنهب والسبايا، قدمت له ولأصحابه الذين كانوا معه تحفا جليلة من أواني الذهب والفضة، ومن النقد والذهب، ومن الأقمشة الفاخرة شيئا كثيرا، سوى العليق وهبات العوانية (٣) الذين كانوا بين يديه، واعتذرت من التقصير وقلت: جاء الأمير على غفلة، لكن غدا إن شاء اللّه أعمل للأمير دعوة أحسن من هذه، فركب وقبّلت ركابه، ورجعت فجمعت أهل الدرب من اليسارة (٤)، وقلت لهم: انظروا لأنفسكم [ص ٣١٣]، هذا الرجل غدا عندي، وكذا بعد غد وكل يوم، وأريد أضعاف اليوم المتقدم، فجمعوا لي من بينهم ما يساوي خمسين ألف دينار من أنواع الذهب والأقمشة الفاخرة والسلاح، فما طلعت الشمس إلا وقد وافاني، فرأى ما أذهله، وجاء في هذا اليوم ومعه نساء، فقدمت إليه ولنسائه من الذخائر والذهب والنقد ما قيمته عشرون ألف دينار، وقدمت له في اليوم الثالث لآلئ نفيسة، وجواهر ثمينة،
стр. 4555
وبغلة جليلة بآلات خليفية، فقلت: هذه مراكب الخليفة، وقدمت لجميع من معه وقلت: هذا الدرب قد صار بحكمك، فإن تصدقت على أهله بأرواحهم، فيكون لك وجه أبيض عند اللّه وعند الناس، فما بقي عندهم سوى أرواحهم، فقال: قد عرفت ذلك ومن أول يوم، وهبتهم أرواحهم، وما حدثتني نفسي بقتلهم ولا سبيهم، ولكن أنت تجهز معي قبل كل شيء إلى حضرة القان، فقد ذكرتك له وقدمت له شيئا من المستظرفات التي قدمتها لي فأعجبته، ورسم بحضورك، فخفت على نفسي، وعلى أهل الدرب، وقلت: هذا يخرجني إلى خارج بغداد ويقتلني وينهب الدرب، فظهر عليّ الخوف، وقلت: يا خوند، هولاكو ملك كبير وأنا رجل حقير مغنّ أخشى منه ومن هيبته، فقال: لا تخف ما يصيبك إلا الخير، فإنه رجل يحب أهل الفضائل، فقلت: أنا في ضمانك أنه لا يصيبني مكروه، قال: نعم، فقلت: لأهل الدرب: هاتوا ما عندكم من النفائس، فأتوني بكل ما يقدرون عليه من المغيبات الجليلة ومن النقد الكثير من الذهب والفضة، وهيأت من عندي مآكل كثيرة طيبة وشرابا كثيرا عتيقا فائقا وأواني فاخرة كلها من الذهب والفضة المنقوشة، وأخذت معي ثلاثة جوق مغاني من أجمل من كان عندي وأتقنهن للضرب، ولبست بدلة من القماش الخليفي، وركبت بغلة جليلة كنت أركبها إذا رحت (١) إلى الخليفة، فلما رآني بانوابوين بهذه الحالة قال لي: أنت وزير، قلت: بل أنا مغني الخليفة ونديمه، ولكن لما خفت منك لبست هذه الثياب المقطعة الوسخة (٢)، ولما صرت من رعيتك أظهرت نعمتي وأمنت، وهذا الملك هولاكو ملك عظيم، وهو أعظم من الخليفة، فما ينبغي أدخل عليه [ص ٣١٤] إلا بالحشمة والوقار، فأعجبه مني هذا
стр. 4556
وخرجت معه إلى مخيم هولاكو، فدخل عليه وأدخلني معه، وقال لهولاكو:
هذا الرجل الذي ذكرته، وأشار إليّ، فلما وقعت عين هولاكو عليّ قبلت الأرض، وجلست على ركبتي كما هو من عادة التتار، فقال له بانوابوين: هذا كان مغني الخليفة وقد فعل معي كذا وكذا، وقد أتاك بهدية، فقال: أقيموه، فأقاموني فقبلت الأرض مرة ثانية ودعوت له، وقدمت له ولخواصه الهدايا التي كانت معي، فكلما قدمت شيئا سأل عنه، ثم يفرقه، ثم فعل بالمأكول كذلك، ثم قال لي: أنت كنت مغني الخليفة؟ فقلت: نعم، فقال: إيش أجود ما تعرف في علم الطرب؟ فقلت: أحسن أغني غناء إذا سمعه الإنسان ينام، فقال: فغن لي الساعة حتى أنام، فندمت وقلت: إن غنيت له ولم ينم قال: هذا كذاب وربما قتلني، ولا بد لي من الخلاص منها بحيلة، فقلت: يا خوند، الطرب بأوتار العود لا يطيب إلا على شرب الخمر، ولا بأس أن يشرب الملك قد حين ثلاثة حتى يقع الطرب في موقعه، فقال: أنا مالي في الخمر رغبة لأنه يشغلني عن مصالح ملكي، ولقد أعجبني من نبيكم تحريمه، ثم شرب ثلاثة أقداح كبار، فلما أحمرّ وجهه أخذت منه دستورا (١) وغنيته، وكان معي مغنية اسمها صبا، لم يكن في بغداد أحسن منها صورة، ولا أطيب صوتا، فأصلحت أنغام العود على أنغام ضربة جالبة للنوم مع زم رخيم الصوت، وغنيت فلم أتمّ النوبة حتى رأيته قد نعس، فقطعت الغناء بغتة، وقويت ضرب الأوتار فانتبه، فقبلت الأرض وقلت:
نام الملك، فقال: صدقت، تمنّ عليّ، فقلت: أتمنى على الملك أن يطلق لي (السّميلة) قال: وأي السميلة شيء هي، قلت: بستان كان للخليفة، فتبسم وقال لأصحابه: هذا مسكين مغني قصير الهمة، وقال للترجمان: لم لا تمنيت
стр. 4557
قلعة أو مدينة، إيش هو بستان، فقبلت الأرض وقلت: يا ملك هذا البستان يكفي وأنا ما يجيء مني صاحب قلعة ولا مدينة، فرسم لي بالبستان وبجميع ما كان لي من المرتب أيام الخلافة، وزادني علوفة تشتمل على خبز ولحم وعليق دواب يساوي دينارين، وكتب لي بذلك [ص ٣١٥] فرمانا مكمل العلائم، وخرجت من بين يديه، وأخذ لي بانوابوين منه أميرا بخمسين فارسا ومعهم علم أسود هو كان علم هولاكو الخاص به يرسم حماية دربي، فجلس الأمير على باب الدرب ونصب العلم الأسود على أعلى باب الدرب، فبقي الأمر كذلك إلى أن رحل هولاكو عن بغداد.
قال الأربلي: فكم نابك في الثانية من المغارم؟ قال: أكثر من ستين ألف دينار ذهب، وأكثرها ممن كان انزوى إلى دربي من ذوي اليسار، والباقي من نعم موفرة كانت عندي من صدقات الخليفة، فسألته عن المرتب والبستان فقال أخذه مني أولاد الخليفة وقالوا: هذه إرثنا من أبينا، والعلوفة أقطعها عني الصاحب شمس الدين الجويني، وعوضني عنها وعن البستان ستين ألف درهم.
١٣٧ - ومنهم - لحاظ المغنّية
سحرت فقيل لحاظ، وملأت نفس كل عاشق مغاظ، طالما تجلّت فجلت الهموم، وغنّت فاقتادت القلوب المزموم، وبرزت فتنة للأنام، ومحنة للمستهام، إلا أنها لو تقدمت زمانا كما لو تقدمت افتنانا، لأرخصت دنانير وصرفت عنانا (١)، وأعربت بما لم تدع لعريب (٢) امتنانا، كانت تلازم مجلس الغناء عند الخليفة المستعصم، وكان يعجبه غناؤها.
стр. 4558
قال صفي الدين عبد العزيز، حدثتني لحاظ قالت: داعبني الخليفة، يعني المستعصم، يوما ونحن في خلوة مداعبة ظننت أنه يريد مني بعض الأمر، فظهر له مني ما يدل على الإجابة، فتوقر وغضب، وقال: ويلك أظننت أني جاد، وهل ترين إلا المزاح، نعوذ بالله من المعصية.
قال عبد المؤمن: كان ببغداد رجل يقال له ابن معمر، وكان ناظر ديوان المكوس، وكان يسكن الكرخ، وكان يحمل إليها في كل شيء خمس مئة دينار، وانطوى ذلك عن الخليفة، ففي بعض الأيام حضرت لحاظ على عادتها بين يدي الخليفة مع جماعة من المغنين فغنت: [ص ٣١٦] [الخفيف]
ذكر الكرخ نازح الأوطان … فاستهلّت مدامع الأجفان
فقال بعض الحاضرين من المغنين: كيف لا يذكر الكرخ من يصل إليه في كل شهر خمس مئة دينار، فسأل الخليفة عن القصة، فأخبروه بالحال، فأمر بنفي المغنية، وعزل ابن معمر عن ولايته، وما زالت تستصفى أمواله.
١٣٨ - ومنهم - الثّوني
صاحب الأرمال واسمه، ومن أصواته قوله والشعر له، والغناء في السيكاه (١): [الطويل]
أيجمل (٢) من بعد الوصال صدود … وتنسى مواثيق لنا وعهود
وتجحد ما بيني وبينك في الهوى … ولي من ضنى جسمي عليك شهود
شهودي عظامي ناحلات من الضّنى … وأجفان عيني بالدماء تجود
وروحي نأت يوم نأيتم وأقسمت … يمينا بكم إن عدتم ستعود (٣)
стр. 4559
ومنها أيضا له والشعر والغناء في السيكاه: [الوافر]
عليل الشّوق فيك متى يصحّ … وسكران بحبّك كيف يصحو
وأعجب أن يكون له شفاء … فؤاد من لحاظك فيه جرح
وبين القلب والسلوان حرب … وبين الجفن والعبرات صلح
مزحت بحبّكم يا صاح جهلا … وكم جلب السّقام عليّ مزح
١٣٩ - ومنهم - الخروف
من ندماء الملك المنصور صاحب جماعة ومغانيه، واهل الحظوة الذي لم يكن فيها أحد يدانيه، والنجب الذي أدناه من صاحب البخت لبلوغ أمانيه، وكان من نجوم مجلسه الطالعة، وغصون حضرته اليانعة، وجلساء مدامه وأخصاء ندامه، وكان سري الخلائق يدمث عطف النسيم، ويبعث النشوة في شمائل النديم، أصله من مدينة درع (١)، وقدم دمشق وبرع، وعدّى المنتهين في الغناء من أول شرع، وكان جلاء البصر، وسراج هم الخاطر إذا انحصر، خدم البيت الأيوبي واقتاد بهم الخط الأبي، ومن أصواته: [ص ٣١٧] [الكامل]
إن غاض دمعك والركاب تساق … مع ما بقلبك فهو منك نفاق
لا تحبسن ماء الجفون فإنّه … لك يا لديغ هواهم درياق
واحذر مصاحبة العذول فإنّه … مغر وظاهر عذله (٢) إشفاق
لا يبعدن زمن مضت أيّامه … وعلى متون غصونها أوراق
أيام نرجسنا العيون ووردنا … غضّ الخدود وخمرنا الأرياق (٣)
стр. 4560
فلئن بكت عيني دما شوقا إلى … ذاك الزمان فمثله يشتاق
والشعر للشريف البياضي.
وحكى لي أبو جعفر بن غانم أنه حضر مجلس صاحب حماة، وهو مخيم ببارين (١) في زمن الربيع وقد أطلع بدائع النور وتجلى بسوابغ الأنهار، والروض قد فك عنه حجز الغمام، والنسيم قد مشى في جوانبه مسبل الأكمام، وأمر بالمغاني فأحضروا وفيهم الخروف ووجهه باسر يلوح يكلح، ولبه ذاهب كأنه ما جاء ليغني وإنما قد قدم ليذبح، فقال له: ما هذا الذي أراه بك؟ أهذا لمفارقة حماة أم لشيء لدينا تتحاماه؟ أما تنظر إلى فسيح هذا الفضاء، وإلى هذا الجو وقد موّه بالفضة البيضاء؟ والخروف مطرق كأنه يرى السكين في يد الذابح، والنار تشب في زناد القادح، لهوى كان عقده بحماة (٢) جديدا، وفارقه وإن لم تكن النوى رمت به مكانا بعيدا، ثم لم يطل به السكوت، ولم (٣) يتمادى لسانه في اعتقاد الصموت، حتى اندفع يغني صوتا عمله لوقته، ونطق به وخرج من عهدة صمته، وهو: [الكامل]
قسما بأيام التداني ولذة ال … وصال وإني في يميني صادق (٤)
ما سرّ قلبي مذ نأيت ولاحلا … لي العيش واللذات منّي طالق
وأنّي أرى هنا الفضاء الذي أرى … فسيحا علينا بعدكم متضايق
وما سرّ قلبي الروض يزهر حسنه … وأني كفيتم عاشق ومفارق
فطرب صاحب حماة حتى مال، وسأله أن يطلعه على حقيقة ما قال، فقص عليه [ص ٣١٨] خبره مع شجنة وما جلبه فراقها عليه من حزن، وسأله: لمن
стр. 4561
الشعر؟ فقال: واللّه لا أعرف، ولكنه شيء أحفظه، فلما عاينت من ذكرك الموت جاء على خاطري، فصنعت فيه هذا الصوت، فقال: واللّه حسن جميل ما صنعت وإن مساعدتك لتعين، ثم أصبح فقوض خيامه عائدا، ثم دام له على هواه مساعدا، ثم أمر له بصلة سنية وزاد في راتبه.
وحكي أن صاحب حماة جلس ليلة على نهر العاصي (١)، والقمر مبدر، والليل قد أصحر أسده المخدر، والمجرة قد كاثرت المجلس بأكوابها، والظلماء قد لعبت أشعة البدر بأثوابها، والصهباء قد ذهّبت شبح الظلام، والأبارق قد شبت شعل ذلك الضرام، فاستدعى في ذلك المجلس الأسنى، واقترح عليه صوتا فيه: (٢) [البسيط]
قم فانتصف من صروف الدهر والنّوب … واجمع بكأسك [شمل] اللهو والطّرب
أما ترى الليل قد قامت عساكره … في الشرق ينشر أعلاما من الذهب
والجوّ يختال في حجب ممسّكة … كأنما البرق فيها قلب ذي رعب
فاخلع عذارك واشرب قهوة مزجت … بقهوة الرفقة المعسولة الشّنب
والشعر للسري الرفاء.
ومن أصواته المشهورة: [الطويل]
ترى علمت وجدي بها ربّة الخال … ومن قلبها من شغل قلبي بها خالي
ومن أنا صبّ في هواها متيّم … وما كنت منها قطّ يوما على بال
تنوّرتها كالبدر أدنى مزارها … فؤادي وما أدناه لي المنظر العالي (٣)
والشعر لشيخنا أبي الثناء محمود الحلبي:
стр. 4562
ومن أصواته: (١) [الطويل]
أقول وقد ناحت بقربي حمامة … أيا جارتا هل بات حالك حالي
معاذ الهوى ما ذقت طارقة النوى … ولا خطرت منك الهموم ببالي
أتحمل محزون الفؤاد قوادم … على غصن نائي المسافة عال (٢)
أيا جارتا ما أنصف الدهر بيننا … تعالي أقاسمك الهموم تعالي
تعالي ترى روحا لديّ ضعيفة … تردّد في جسم يعذّب بالي
لقد كنت أولى منك بالدمع مقلة … ولكنّ دمعي في الشدائد غال
[ص ٣١٩]
والشعر لأبي فراس بن حمدان.
وحكي أنه كان يوما بين يديه في خاصة من ندمائه، إذ أقبل غلام كالبدر في سمائه، قد شد وسطه ببند (٣) قطع بين خصره وردفه، ومنع بين الواصف ووصفه، وطرفه قد سجى، وغرته تحت طرته صبح في دجى، وعذاره في خده قد شق في الورد بنفسجا، فجاء حتى وقف بإزائه، والوجد به قد أضرم الجوانح، وهاج الولع بالظباء السوانح، فلم يبق إلا من أنشد شعرا نظمه واستشهد به، وذكر حسن ذلك الغزال السانح من سربه [و] (٤) الخروف مطرق في فكر، يسبح في لججه (٥) وذكر، لما ينطق به لسان حججه، حتى صاغ لحنا، واندفع فيه يغني: [الكامل]
قسما بطرّته وحسن عذاره … وبما حواه الخصر من زنّاره
стр. 4563
وبحسن وجنته وضوء جبينه … وببدر تمّ لاح من أزراره
وبوعده وبصدّه وبغدره … وبقرب جفوته وبعد مزاره
لأخالفنّ عواذلي في حبّه … مهما استطعت ولو صليت بناره
والشعر مجهول.
ومن أصواته التي اقترح عليه الغناء فيها: [الكامل]
أنصفته من مهجتي لو أنصفا … ووددت لو راعى ودادي أو وفى
وطمعت مغترّا بجوهر ثغره … فصفا وكدّر من حياتي ما صفا
خادعته بحديث لين قوامه … فسطا وهزّ عليّ منه مثقفا
فذهبت من يده إلى أجفانه … فرقا وسلّ عليّ منها مرهفا
والشعر للجلال ابن الصفّار المارديني، ومن هذه القطعة تلو الصوت:
[الكامل]
كالبدر أعيت حسنه وهيبته … لي وجنتيه أن يكون مشنّفا (١)
وكفته خمرة ريقه ورضابه … فكفته أن يرد العقار القرقفا
أرأيت خدا لا يزيد تلهّبا … فيزيدني إلا عليه تلهّفا
أم هل سمعت بمن شكا حرق الهوى … مثلي فداو النار بالنار اشتفى
رشأ رشيقا ظلّ يحذف خصره … ردفا عتا فقضى له أن يضعفا (٢)
يا نسمة ضمنت تعطّف قدّه … هلا مررت بقدّه فتعطّفا
أحببته متجنبا ووددته … متجنّيا وعشقته متعفّفا
стр. 4564
[ص ٣٢٠]
فاخترت للجسم الضّنى وجعلت لل … قلب الفنا ورضيت منه بالجفا
ومن أصواته المعروفة له: [البسيط]
من منصفي من هلال يخضع القمر الس … اري له وغزال يصرع الأسدا
لم لا يخاف العدا أسياف ناظره … وقد رأوا سالفيه ألبسا زردا
وكيف لا في الهوى ينحلّ عزمهم … وبنده فوق ذاك الخصر قد عقدا
يا من حكى الصّعدة السّمراء قامته … كم قد تنفّس فيك العاشق الصّعدا
والشعر لابن الدجاجية الدمشقي.
ومن أصواته: [الكامل]
أشذاكم عند الصباح يفوح … أم نشر ليلى قد طوته الرّيح؟
ملنا فكلّ من تأرّج عرفه … نشوان فوق مطيّة مطروح؟
فكأنّما دارت علينا في السّرى … كأس على نغم الحداة طفوح
أنسيم ليلى هل مررت على الحمى … ليلا وليلى في الديار يروح؟
والشعر لبعض نصارى ماردين (١)
ومن أصواته: (٢) [الكامل]
طللّ لعلوة دون سفح محجّر … روّته ديمة كلّ غيث ممطر
وسرت عليه نسيمة معتلّة … عن غير طيّب نشره لم ينشر
حتّى تسهّم برده بمقضّب … ومخضّب ومدرهم ومدنّر
стр. 4565
ربع علقت به وغصن شبيبتي … نضر وفودي ليله لم يقمر (١)
والشعر للشهاب التلعفري.
ومن قطعة ألزم فيها عدم الإلف وتمامها: [الكامل]
للّه عصر شبيبة قضيته … في جوّه برحيق صرف مسكر
مع كلّ معتدل بريح صعدة … من قدّه ويدير مقلة جؤذر
ورشيقة ممشوقة لو نصبت (٢) … للبدر ليلة تمّه لم يسفر
خود تريك سقيم جفن لم يكن … عن قتل صبّ مغرم مثلي بري
تحمي مقبّله بطرف سهمه … يصمي به عن غير قوس مؤثر
يفترّ عن ثغر نضيد نوره … حفّت حقيقته بسمطي جوهر
وانظر إلى هذه القطعة التي كأنها من قطع الروض [ص ٣٢١] المرقع في عنفوان زمن الربيع، وكيف جاءت مع هذا الالتزام خفيفة الموقع، قريبة من الخاطر، لا ترى الكلفة (٣) عليها ولا تتطرق للاستهجان.
وكذلك من أصواته في شعر ابن الحجاج، وحكي أن الملك المنصور صاحب حماة استصحبه معه إلى مصر في بعض سفراته إليها، فحضر يوما يغنيه، وقد حضر عنده أبو الحسين الجزار الشاعر، واندفع الخروف يغني صوتا أوله: [الوافر]
مريق دمي وسالب نوم عيني
وطفق (٤) يردده ويكرره، فقال له الجزار: لك الأمان يا شيخ أحمد، فضحك
стр. 4566
صاحب حماة ومن حضر.
قلت: ولم يقع إليّ من هذا الصوت غير ما ذكرت.
حكي أنه كان مع صاحب حماة على مجلس الشراب وهم ببلاد بارين (١)، والربيع قد سحب بردائه على الثرى، والسحاب قد أودع في ثغور الأقاح جوهرا، والنسيم قد هب من تحت أعكان (٢) الليل معنبرا (٣)، والروض قد أخذ زخرفه، والنور قد نظم أحرفه، والبدر قد طرح تاجه، وألبس الشمس شرفه، والراح قد راقت كأنها وجه حبيب، وطابت كأنها غفلة رقيب، والمدام قد أديرت في عسجدية، والكؤوس قد رقت في تلك الصفحة الندية، والسقاة كأنها أقمار توشحت الجوزاء مناديل، والأصداغ كأنها محاريب اشتعلت فيها الخدود قناديل، فاقترح عليه الغناء في شعر خمري يناسب ذلك المقام، ويحث به سوابق كبنت تلك المدام، فاندفع يغني: [البسيط]
والكأس تسلبني عقلي وأهون ما … لهوت عن ذكره عقلي إذا سلبا
خمرا تمشّي بناني وهي فوق يدي … منها بمثل شعاع الشمس مختضبا
شربتها غير مخمور ولو طلب ال … خمّار روحي بها أعطيت ما طلبا
وأربح الناس عندي في تجارته … محصّل يشتري بالفضّة الذّهبا
ومن أصوات الخروف: [الطويل]
إذا لم تكن تنهي إلى غيرك الشكوى … فما ثمّ إلا الصّبر فيك على البلوى
[ص ٣٢٢]
стр. 4567
وإنّي وإن أتلفت بالهجر مهجتي … لأرضى الذي ترضى وأهوى الذي تهوى
عرضت على روحي تلافي فما أبت … وعرّضت روحي للسّلوّ فما السّلوى
ومن لم يجد بالروح في الحبّ لم تكن … محبّته إلا إذا حقّقت دعوى
والشعر لابن إسرائيل.
١٤٠ - ومنهم - محمّد بن غرّة
من مغاني صاحب حماة، وممن يؤتى في مغاني حماه، ثم لما هدمت الأيام ذلك البيت المعمور، وهدت تلك الجبال الشم حوادث الأمور، أتى دمشق ولزم بعض كبرائها، وقطع باقي أيامه البيض في خضرائها، وقضى فيها ما كان بقي من أجل سروره، وعجل غروره، وكان ممن يقر له أهل صناعته، ويقدر له الذي لا يقدر على إضاعته، ومن أصواته: [البسيط]
من منصفي من عيون كلّما نظرت … إلى خليّ فؤاد بات في شغل
إذا رنت فسيوف من بني أسد … وإن رمت فسهام من بنى ثعل
أنا القتيل بها والمستجير بها … منها فياليتها تقضي عليّ ولي
وبي أغن غضيض الطرف قامته … تزري إذا مال بالعسالة الذبل (١)
زها على البدر في حسن وفي شرف … وأخجل الغصن في لين وفي ميل
إذا بدا قال بدر التّمّ واكلفي … أو انثنى قال غصن البان واخجلي (٢)
والشعر للجماز، وكذلك صوته في شعره أيضا: [مجزوء الرجز]
كحّل جفني بالأرق … ساجي الجفون والحدق
стр. 4568
مهفهف كالغصن قد … دا والعبير (١) منتشق
حلو اللّمى والمجتنى … والمجتلى والمعتنق
قد سحرت أجفانه … ألبابنا والسّحر حق
وكلّ طرفي بالبكا … وكلّ قلبي بالقلق
فمقلتي ومهجتي … بين دموع وحرق
وصوته في شعر الباخرزي: [ص ٣٢٣] [البسيط]
أبقيت منّي روحا مالها بدن … لذاك زوّرت من روحي لها بدنا (٢)
يا فالق الصّبح من لألاء غّرته … وجاعل الليل من أصداغه سكنا
بصورة الوثن استعبدتني ولها … فتنتني وقديما هجت لي فتنا
لا غرو إن أحرقت نار الهوى كبدي … فالنار حق على من يعبد الوثنا
وهذا الصوت أوله من قطعة: [البسيط]
أنت الذي نقض الميثاق لست أنا … فدع جفاءك إن كان الوفاء أنى (٣)
ومن أصواته: (٤) [مجزوء الرمل]
أيّها الصّبّ المعنّى … يتبع الرّئم الأغنّا
كيف يحنو من هوى … من كلّ يوم يتجنّى
أودع النّفس ملاء … معرض أعرض عنّا
جاد بالهجران منه … وبوصل الصّبّ ضنّا
كلّ يوم أنا منه … نادم أقرع سنّا
стр. 4569
ليس في كفّي منه … غير أن كان وكنّا
والشعر لأبي نواس.
وكذلك صوته: [البسيط]
حاشا لوجهك يا من لا أسمّيه … من أن يقاس إلى مثل وتشبيه
أنّى وكيف ولو كانت محاسنه … للشمس ما طلعت من شدّة التّيه
انظر إلى كل شيء طيب حسن … وانظر إليه تجد أمثاله فيه
أستغفر اللّه ممّا قلته عبثا … أنّ القضيب وإنّ البدر يحكيه (١)
والشعر مجهول
وكذلك صوته: [البسيط]
أحبابنا لا بليتم بالبعاد ولا … خلت ربوع لكم منكم وأوطان
قطعتم سبل المعروف فابتدئوا … في حسنكم فكمال الحسن إحسان
أقسمت لارمت منهم سلوة أبدا … ولا مللت وإن خانوا وإن مانوا (٢)
ما ضّرهم لو وفوا أو أنصفوا كرما … هيهات هيهات ما هم لي كما كانوا
[ص ٣٢٤] والشعر للزكي النابلسي.
وكذلك من أصواته في شعر العفيف التلمساني: [الطويل]
رعى اللّه مرأى حاجر ورباها … وحيّا الحيا أطلالها وسقاها
وراعت إليها الريح مثلي عليلة … لينقل أقوال الغصون شفاها (٣)
وشقّت بها ثوب الشقيق يد الندى … وبدّدت الأرواح عرف شذاها (٤)
стр. 4570
إلى أن سرى سرّ الوشائع شائعا … وتصبح رهوا أرضها كسماها
فكم ليلة بتنا نرى البدر أخته … بها ويرينا في السماء أخاها
وكذلك صوته: [المديد]
ما هوى إلا له سبب … منه يبدو ثم ينشعب
وكذلك صوته: [مخلع البسيط]
أبعدتني عنك بعد قربي … يا ليت شعري ما كان ذنبي
لهفي لعيش قد كنت فيه … أدعوك يا منيتي بلبّي
وقال الجمال المشرقي: والشعر لابن الكرخي، والغناء فيه في الراست ونفق به ابن غرّة برهة من العمر وحصل به جدى كثيرا.
١٤١ - ومنهم - القاضي محمّد العوّاد
ويعرف بابن القاضي أيضا، وكان من مغاني صاحب حماة الذين شرّفوا إليه بالانتساب، وعرفوا لديه بالاكتساب، وكان ممن يحضر في يده العود، ويبيض به وجوه الليالي التي لا تعود، وكان في لسانه ثقال، حتى إذا غنّى لم ير مثله في طلاقة اللسان، والطاقة التي ما لأحد في هذا الباب نظيرها من الإحسان، وأتى دمشق بعد انهدام ذلك المغنى (١) المشيد، وانقضاض ذلك الركن السديد، فأقام به مسترزقا، ولباقي أيام عمره فيها منفقا.
ومن أصواته: [ص ٣٢٥] [مجزوء الكامل]
جنح الحبيب إلى الصّدود … وافى وما وفّى وعودي
стр. 4571
وإذا العوارض بالبنف … سج جاورت ورد الخدود
وتموّجت كثب الرّوا … دف تحت أغصان القدود
شاهدت في أيدي الظّبا (١) … ء قياد أعناق الأسود
والشعر مجهول.
وكذلك صوته: [الكامل]
يا مسكري وجدا بكأس جفونه … قل لي أتلك لواحظ أم قرقف؟
يا من حكى الغصن الرّطيب رشاقة … هلا عطفت فمثل قدّك يعطف
بادر جمالك بالجميل فربّما … ذوت الملاحة أو أبلّ المدنف (٢)
واسبق عذارك (٣) قبل أن … يأتي بعزل هواك منه ملطف
وكذلك صوته: [مجزوء الرجز]
هل بعد جيران النّقا … يلذّ للصّب البقا (٤)
أو ترتضي أجفانه … إلا البكا والأرقا
وهل يلوم قلبه … إذا قضى تشوّقا
أهكذا حكم الهوى … ليت الهوى لا خلقا
أصمى القلوب بالأسى … وبالسّهاد الحدقا
أقضي نهاري أسفا … وعمر ليلي قلقا
والشعر للمجاور، وهو من قصيدة تخف على السامع منها: [مجزوء الرجز]
مولى سما بأصله … على البرايا وسمق
стр. 4572
جواد فضل ما جرى … لغاية إلا سبق
لم يخلق اللّه تعا … لى ندّه وما خلق
ويح الكماة إن سطا … والفصحاء إن نطق
وفارس الخيل إذا … جدّ الصدام والحنق
فرّقها في البيد بالض … رب وبالعطن فرق (١)
[ص ٣٢٦]
بأبيض برق المنا … يا في غراريه ائتلق
وأدهم كالليل يب … دو بين عينيه القلق
١٤٢ - ومنهم - الدّهمان محمّد بن عليّ بن عمر المازني
أبو الفضل شمس الدين ذو يد في الأدب غير قصيرة، وذهن لا يتمثل شيئا إلا أحسن تصويره، لو صور نفسه لم يزدها، ولو بدّلت بالكواكب صنعته لم يردها، أجاد في صنعته، وواسى بفهمه أباريده (؟)، وأتى بكل بديع الصنعة لا يدني تدبيجها للغمام، بعيد السمعة والذي صوره أقرب شيء إلى الأفهام، صنائع فكر ويد جاء فيها بألوان ما يسر الناظر، ويسير الديوان فما أبقى من محاسن أدب ودهان، وأمسك منها قلم الشعر، والشعر لأنه حاز قصب الرهان، وغادر من أثريه خط ناظر امرئ وسمعيه، نشر منها قطع الرياض، ونطف الغدر (٢) الا أن ذهب الأصيل، طفح على إنائها الفضي من جوانبه وفاض، وعلى ما كان يعاني من عبء هاتين الصنعتين، فعززهما بثالث، بصوت مثان ومثالث، له
стр. 4573
في كل واحدة من هذه الثلاثة معان لا تتناهى، وصور قبل إبرازها إلى الخارج لا يتصوّرها أحد ولا يعرف معناها، في أي صورة ما شاء ركّبها، وفي أي مذهب أراد أذهبها، وكان فريدا في توقيع الألحان، وتنوع الشكر بما يعقّ من تمام الفدام (١) عن بنت ألحان، وكان له بالربوة من وادي دمشق دار نقشها زمانا، وأخرج فيها جهد صناعة الثلث فكتب عليها شعره وذهّبها، ثم كان يغنيها ألحانا، وكان يؤخذ عنه علم الطرب، وكان علما فيه واحدا، ومحركا لا يدع في السماع القائم قاعدا.
ومن شعره الذي صاغه شعرا وألحانا، وجمع فيه محاسن الدهر زمانا زمانا، وأتقن تراكيبه كأنما أضرمه إذهابا وأتقنه دهانا، قوله: [الخفيف]
إنّ فصل الرّبيع أطيب فصل … طالع وجهه بكلّ سعاده
[ص ٣٢٧]
طاب في فصل صحة فلهذا … كلّ يوم جماله في زياده
تبرز الأرض منه في سندس … الوشي حاكت سحابه أبراده
لم يزل ورده يغازل للمن … ثور حتّى شقّ الشّقيق فؤاده
وقوله: [البسيط]
يهيج شوقي إليه كلّما صدحت … تدعو هديلا مع الأصباح في فنن
حمامة وجدت وجدي فلي ولها … قلبان شدّا مع الأشواق في قرن
قامت تنوح على ساق وقمت على … ساق أنوح فأشجتني ولم تعن
والشعر له، وكذلك الغناء له، وله صوت مشهور لم يبق في زمانه من لم يقر له فيه إحسانه، وهو [الرّجز]
هل حيها على الغوير واجد … أم أقفرت من زينب المعاهد (٢)
стр. 4574
خفيت حتّى من سقامي والضّنى … لولا أنيني ما رآني العائد
حتى رثت لي رحمة حواسدي … يا ويح من ترثي له الحواسد
يا كعبة الحسن التي أجّجها … فؤاد مضناك عليك واقد
كم سقت في الهوى إليكم مقلتي … والحرّ من يحفظ من يعاهد
والشعر لغيره، والغناء فيه له.
وبتنا ليلة في داره بالربوة وواديها يصفح، وناديها بنشر البنفسج ينفح، والليل قد رق جلبابه، وعلق في جوه ربابه، وهو تارة يحيينا من أناشيده، وتارة يطوينا طائره المترنم بتغريده، حتى حان الصباح ونحن لا نظن أن الليل قد نصّف، ولا أن فرع الجوزاء (١) قد تهدل أو تقصف، ثم التفت فإذا الصباح قد أشرق، وجمر الفجر قد شب إلا أنه ما أحرق، وتلفت يرى بكاء الطلّ في عيون النرجس ما رقا، والبرق بإزاء الليل الكافر مارقا (٢)، وجبين الصبح يرشح ماؤه، وجبين الفجر سقطا ينضح الشفق دماءه، فاندفع يغني: [الطويل]
ألا حبّذا الوادي وروض البنفسج … وطيب شذا من عرفه المتأرّج
[ص ٣٢٨]
وأغصان بان في حفافيه ميّد … بكلّ قديم القدّ غير معوّج (٣)
وأنهار ماء في صفاء ورقّة … يسيل به ما بين روض مدبّج
كذوب لجين (٤) او كمتن مهنّد … يمرّ مرور الزئبق المترجرج
стр. 4575
إذا قابلته الشمس أبصرت مذهبا … من الوشي يبدو ببريق وزبرج (١)
وإن جعّدته خطرة من نسيمة … فيا حسن مرأى متنه المتموّج
جنان إذا ريح الصّبا نفحت بها … فبعدا لأطلال الرّبا بمنعج (٢)
وكان له مملوك أفرط في حبه، وأخذ بمجامع قلبه، فغاله منه حادث الموت، فحزن عليه حزنا ذبّ عن جفنه الغرار (٣)، وأحرم قلبه الفرار، فأتى صاحبنا الخطيب الصوفي وكان بينهما صداقة أكيدة، ومزاح فكه، ثم أنشد لنفسه كأنه يعزيه، وإنما قصده أنه يخزيه (٤): [الطويل]
لئن مات يا دهّان مملوكك الذي … بلغت به في النّفس ما كنت ترتجي
فمثّله بالأصباغ شكلا وصورة … وقدّا وردفا واترك الحزن واصلج (٥)
فقام الدهان بأقبح خزية وأضرها، وأعظم كآبة وأشهرها، ثم قاطعه مدة فلم يكلمه.
١٤٣ - ومنهم - الكمال التّوريزي
سقطت لنا أخباره سقوط الندى، وبدت لنا بدو البدور على بعد المدى، كان إذا غنى تزلزل زلزل (٦)، ونسي جميل جميل وما يتغزل، ونزل صوت في بيت عاتكة الذي يتعزل، ولم يرض له معبدا عبدا، ولا ابن جامع الذي تضوّع ندّه
стр. 4576
ندّا، (١) ولا إسحاق إلا الذبيح، ولا ابن المهدي إلا المخلوع الطريح (٢)، وكان فرد زمانه في كرم السجايا وحسن الأخلاق، وسعة النفس، قالوا: [كان] طيب المجالسة لا يملّ حديثه، مكثرا من الأخبار والحكايات والنوادر، عارفا بأخبار ملوك بيت جنكيز خان (٣)، وخصوصا أولاد هولاكو بن تولي، وأحوال الوزراء والخواجكية، وله مشاركة جيدة في العلوم العقلية، ودربة بمخاطبة الملوك والأمراء والوزراء، والخواتين والخواجكية والكبراء متقنا للموسيقا علما وعملا [ص ٣٢٩] مجيدا في صناعة الغناء، لا يجارى ولا يبارى، ولا يطمع في مضاهاته ولا مداناته، اتصل بالسلطان أبي سعيد، وكان محبا للغناء والمغاني، فلما اتصل به الكمال، اقتصر عليه، واختص به، وجعل كل أهل هذه الصناعة، وسائر الجلساء والندماء دونه، وكان يشاربه ويحضر معه في أخص خلواته، ولا يكاد يصبر عنه ساعة في سائر أوقاته.
وحكى لي خواجا إسماعيل السامي: أن أبا سعيد كان مغرى (٤) بطول المكث في الحمام والشرب فيه، وجعل له حماما جعل جدره من الزاج (٥)، وكان يدخل إليه ومعه أمراؤه (٦) ببغداد ومشافر وكان كلفا به والكمال التوريزي، ويجلس الجلساء والندماء خارج الحمام، والسقاة تسقي، فإذا وصل الدور إلى الجالسين خارج الحمام أخرج إليهم من كوى بينهم، والمغاني تغني بالنوبة خارج الحمام، فإذا انتهت النوبة إلى الكمال غنى داخل الحمام وربما غنى
стр. 4577
أبو سعيد والكمال لا يغني، وربما غنيا معا، وذكر أنه استفاد بأبي وبالأمراء والوزراء وأرباب الدولة وسائر الناس لأجله أموالا جمة جليلة، لا تكاد تحصر، وسأله السلطان أبو سعيد أن يعلمه الموسيقا، فعلمه قدر ما احتمله فهمه، ثم ازداد نهمته (١) من هذا العلم، وأكثر ملازمة الكمال حتى برع وصار غاية في ذلك، ورأسا من رؤوسه، وصار يصنع الأصوات ويعرضها على الكمال، فتارة يصوب رأيه، وتارة يصلح له الصوت ندر وأجاد، وزاد وأحسن، وكانت أكثر أصوات الكمال في الأشعار المنظومة باللغة الفارسية، وهكذا كانت غالب أصوات أبي سعيد، وهو الذي استنبط هذا الغناء الذي يغنى به اليوم، ويسمى (البيشرون) (٢) وهو أنغام تطول على مقدار بيت الشعر ويقبض على وسع عبارة فيسدّ بأنواع من الكلام الملفق الذي لا يحصر بوزن ولا قافية، قلت: ولقد حرصت على تخريجه أو مقابلته بتفاعيل يوازن بها فلم أستطع، وسألت عنه الإمام حجة العرب أبا عبد اللّه بن الصائغ الأموي المروي فقال لي: هذا لا يتخرج ولا يوزن إلا بالنغم مثل الموشحات إذا كانت غير شعرية (٣)، فإنها لا تنضبط ولا يعرف صحيحها من مكسورها إلا إذا غنيت، قلت:
وهذا الغناء يستلذ في المشارب وحانات [ص ٣٣٠] القصف (٤)، ولأهل مصر به ولوع وعليه وقوع، ولا يليق الغناء به في مجالس الملوك والكبراء، ولم يقع إليّ من أصواته في الشعر العربي إلا أربعة أصوات، فمنها في شعر التلعفري: [الكامل]
стр. 4578
ما صدّ جفن العين عن إغماضه … إلا بريق لاح في إيماضه
خفق الفؤاد بخفقة فغدا كما … حكم الهوى وقفا على إمراضه
ما زال يغري مغرما لمعانه … بالمنحنى وغياضه ورياضه
واها له من عارض تعريضه … لي بالأحبّة كان في إعراضه
ومنها في شعر محمد ابن التلمساني هذا: [الوافر]
صدودك هل له أمد قريب … ووصلك هل يكون ولا رقيب
ملوك الحسن ما صنعي بطرف … تمنى مثله الرشأ الربيب
رمى فأصاب قلبي باجتهاد … صدقتم كلّ مجتهد مصيب
وفي تلك الهوادج ظاعنات … سرين وكلّ ذي وله حبيب
ومنها في شعره أيضا (١): [الطويل]
تحكّم إذا جاز الجمال تحكّما … فما لمحبّ منك أن يتظلّما
حبيبي إن حرمت سهما في الكرى … فقد حللت عيناك في القلب اسهما
فداك صبّ فيك أسكنه الهوى … وإن كان من سيف الصدود تكلّما
وما كان يدري حفظ عهد لغادر … فما زال يهوى الحسن حتّى تعلّما
ومنها في شعر مجهول: [الخفيف]
برح السّقم بي فليس صحيحا … من رأت عينه عيونا مراضا
إنّ للأعين المراض سهاما … صيّرت أنفس الورى أغراضا
قلت: وقد كان سلطاننا حرص على إشخاصه إليه، وطلبه طلب متهافت عليه، فعزم على قصده، وقدمت مسيره للسير، فصده عنها قرارة لحده.
стр. 4579
١٤٤ - ومنهم - محمّد بن الكسب
الذي يوقد المصابيح، ويجيء بأسلس من دهنه وأطيب في الريح، أول ما تخرج مع أبيه، ثم [ص ٣٣١] تزيّد تزيّد الهلال، وتفرد تفرد العذب الزلال، وحصل العجب لما رأى بالكسب من الكسب، وبما سمع من طرب له في الأعضاء ذهب إلا أنه ماله سبب (١)، وكان لا يزال المنصت يتتبع أصواته لا يمله إكثارها، والمسامع تقول عجبا للبصر وسم سمة تشكر آثارها، اشتغل بصناعة الغناء، حتى بلغ فيها المراتب، وأصبح بها يحسد ابن الكسب ابن السمسماني الكاتب، فأبرّ في تفرده يمين كل مقسم، وأودى كيد حاسده وحبسه في أقماع السمسم (٢)، بدهن أصفى من دهن السليط، وأكثر من تلعبه بالفتيلة في التسليط، وأملى الأصوات وأمن من القالي، وحمّص قلوب الأعداء كما يقال على المقالي، فسلم إلا أنه برع في لطافة الشمائل، وشبت الضرم في المعاطف (٣)، كما ترى فعل السليط في القنديل باللهب المتمايل، وجميع أهل صناعته تصفه بالإحسان، وتقر له بالتقدم في آخر الزمان، وله من أصواته إجادة فيها وأتقنها كل الإتقان، وجمع فيها بين الشعر والألحان، فمن أصواته، والشعر للخطيب جمال الدين يوسف الصوفي: [الكامل]
يا مقلتي أين المدامع هاتي … لا تبخلي بلآلئ العبرات
هذا الفراق عليه قد حسن البكا … وتردّد الحسرات واللهفات
بالله يا حاد حدا بأحبّتي … وقضى على تأليفنا بشتات
مهلا عليّ فإن يوم وداعهم … مر ولكن فيه حلو ممات
стр. 4580
ورثاه الخطيب جمال الدين الصوفي النابلسي بقوله: [الطويل]
تعالوا بنا نذري الدموع الجواريا … ونستوقف الحادي ونبكي المغانيا
ونذكر عيشا مرّ حين حلا لنا … بأيّام أنس قد خلت ولياليا
ونسأل عن روح الحياة وطيبها … ملاعب ربّاب الحجاب الغوانيا
فإنا ذممنا العيش بعد محمّد … وذكّر بالأحزان من كان ناسيا
١٤٥ - ومنهم - الكتيلة
بدر الدين محمد الجتكي المارديني، خطبته الملوك لمجالستها، وحطته مواضع [ص ٣٣٢] القرناء لمنافستها، ونضرته لنعيمها (١)، وسرته من العوارف بعميمها، وكان بصيرا بأخلاق العظماء، خبيرا باستدرار أخلاف الكرماء، ولم يزل جوّاب أسفار، وجوال بدر في غروب وأسفار، قليلا على ظهر المطية ظله (٢)، خفيفا مكانه من الخواطر ومحله، يزاحم في سحابه الوارد، ويتشوق إليه تشوق الظمآن إلى الماء البارد، واليقظان المسهد إلى المنام (٣) الشارد، أتى قلعة الجبل وحل هالات دورها، وحظي بأيام سرورها، هذا وسلطانها يقبل المتاب، ويقبل على المنتاب، ويتلقى القادم بطلاقته، ويفك الرهن من عاقته، ووجد الزمان ما بسر (٤)، والبغاث (٥) ما استنسر، والراعي لا يخاف الذئب على غنمه، والدم لا
стр. 4581
يستباح منه إلا ما على الطرف المخضب من عنمه، والقلعة مسرح ظباء، ولا عقرب إلا بصدغ مليحة، ولا سيف يسل إلا بكرة صبيحة فقطع تلك المدد والدهر غافل، والبر سحابه حافل، والبدر في تلك الآفاق طالع غير آفل، ودخان الند يعقد سماء، وخدود الملاح يشرب ماء، ثم مات حيث تلاشى ذماء (١) الجود، ومص الثرى بقية الماء من الفرد.
أصله من أبناء الكتّاب، وكتب خطا حسنا، وقرأ طرفا من النحو والعربية، واتقن علم الموسيقا، وحفظ كثيرا من الشعر للقدماء والمحدثين، ونقل الأصوات المشهورة، وحفظ كثيرا من نوب عبد المؤمن وانخرط في سلك الندماء، وأهل المحاضرات، وملح وندر، وحكى الحكاية والخبر، وخدم ملوك ماردين (٢) واتصل بهم، وحكي أنه حظي عند الملك الصالح شمس الدين وراج لديه، وسمع به السلطان الناصر فاستدعاه، وأقبل عليه غاية الإقبال، وكان له مكانة لم يبلغها أحد من أمثاله، وأمره بملازمة الجواري وتعليمهن ويلقي عليهن الأصوات، حتى تخرج غالب الجواري المحسنات، وكان يتردد إلى باب الستارة في كل يوم، وتخرج إليه الجواري، وكان مجيدا في الغناء، متقنا في سائر الخفيف والثقيل منه، غاية في ضرب الجنك (٣) العجمي وتأليف الأنغام عليه، ولا يكاد يثبت سامعه لشدة الطرب، وكان يقيم بمصر المدد الطويلة، ثم يسأل في العود إلى ماردين فيؤذن له، فلا يكاد يصل [ص ٣٣٣] ماردين ويستقر بها إلا وجهز السلطان في طلبه وبحث في سرعة عوده، فإذا وصل ضاعف الإكرام وعومل
стр. 4582
بأكثر مما يعهد، وحصّل بهذا أموالا جزيلة، ونعما كثيرة والأنزال التي تزيد على عادة مثله، وحضرت مجلس السلطان مرة وعنده موسى بن مهنا، وكلاهما يضرب بالجنك بين يديه، فرأيت موسى بن مهنّا على سكونه العظيم ووقاره يميل يمنة ويسرة، وكان كتيلة ذلك اليوم كله يردد صوتا صنعه، والصوت: [البسيط]
يا دار عّزة من للواله الباكي … بنظرة يتملّى من محيّاك
ما هبّ من أيمن الوادي نسيم صبا … إلا وكان الهوى العذريّ يمناك
تحمّلي واحملي يا نوق واصطبري … على المسير فهذا من سجاياك
ولم يبق أحد من غلمان الدار وأعيان الأمراء، حتى هزه الطرب، ولولا مهابة السلطان لرقصوا، فلما فرغ مما هو فيه، أثنى السلطان عليه، وقال لموسى بن مهنا: كيف رأيت؟ فقال والله ظننت أنه يجذبني إليه، ولو لم أملك نفسي لوقعت عليه، وأمر له السلطان بألف دينار يتّجر بها، وكتب له توقيع مسامحة بما يجب عليه فيها من الموجبات الديوانية في السفر دائما صادرا وواردا، ومضى يوم عجيب لم ير مثله، ودخلت على السلطان يوما آخر وهو عنده، وقد أخذ في صوت صنعه، والصوت: [الطويل]
سلام على ليلى وليلى بعيدة … ولكنّها طيف إليّ قريب
بديعة حسن مالها من مماثل … إذا طلعت شمس النهار تغيب
كما أنّ قلبي في البلاد متيّم … كذا حسن ليلى في الحسان غريب
وكان الكتيلة يجيء إليّ في حوائجه التي تكون له عند السلطان، وكان كامل الأدب وافر المروءة، حسن الخلق، جميل العشرة، يرجع إلى كرم وطيب أعراق، وكان بينه وبين الكمال التوريزي ما يكون بين أرباب كل فن من المنافسة والحسد، وكان السلطان قد سمع بالكمال، وجاءته الأخبار بأنه فرد من أفراد
стр. 4583
الدهر في فنه، فبعث إليه من يشخصه اليه، وتطلع إلى مقدمه عليه، وفخاف كتيلة من بواره به، فلم تمتد الأيام حتى جاءت الأخبار بأن الكمال مات فجاءة، فشاع ذكر بأن كتيلة إنما دبر عليه من قتله، ولعل هذا إنما من تشنيع العوام [ص ٣٣٤] وأقوال الحسدة الطغام، ثم لم يلبث كتيلة بعده إلى أن عاد إلى ماردين فمات ﵀.
قلت: ولما انتهيت في ترجمتي هذه إلى هنا، وقعت على أصوات له صنع فيها ألحانا مشهورة، مما حدثني به خواجا محمد المارديني.
وكان من خلطائه وأهل صحبته، فمنها شعر الحلاوي وهو: [الكامل].
ألف الملام ولام عن ميثاقه … رشأ فراق النفس دون فراقه
عذب اللّمى حلو الخلال كأنّما … خلقت مراشف فيه من أخلاقه
دقّت معاني حسنه ولقدّه … عبث الأنام من القنا بدقاقه
يهوى الوصال ولو بأيسر موعد … ويصد حتّى الطيف عن مشتاقه
يا محرقا قلبا أقام بربعه … ألا كففت جفاك عن إحراقه (١)
ومنها في شعر الحلاوي أيضا: [الكامل]
أحيا بموعده قتيل وعيده … رشأ يشوب وصاله بصدوده
قمر يفوق على الغزالة وجهه … وعلى الغزال بمقلتيه وجيده
ياليته بعد الملام فإنّه … ما زال ذا لهج بخلف وعوده
يفترّ عن عذب الرضاب حياتنا … في ورده والموت دون وروده
قمر أطاع الحسن منه وجهه … حتّى كأنّ الحسن بعض عبيده
أنا في الغرام شهيده ما ضرّه … لو أنّ جنّة وصله لشهيده
وهذه الأبيات من قصيدة فائقة منها مدح الملك الناصر داود: [الكامل]
стр. 4584
يا يوسف الحسن الذي أنا في الهوى … يعقوبه نبّئ إلى داوده
أشكو إليه من الزمان فإنّه … ملك يشيب شظاه رأس وليده
ملك إذا اللأواء لاح لواؤها … هزمت كتائبها طوالع جوده (١)
غمرت مواهبه العفاة فأصبحت … ترجى المواهب من وفود وفوده
وإذا العدوّ نحته لدن رماحه … فتكت ثعالبها بغلب أسوده
من كلّ أسمر في الملاحم طالما … عاد الردى مهج الكماة بعوده
غصبت عواملها الظلام نجومها … والبان قد سلبته لين قدوده
[ص ٣٣٥]
سمر إذا الجبّار سام دفاعها … وردت أسنّتها نجيع وروده
عذباتها صفر كوجه عدوّه … بالنصر تخفق مثل قلب حسوده (٢)
ملك ألان لنا الزمان وإنّما … داود معجزة للين حديده
ومن أصوات كتيلة مما ذكر لي صاحبه خواجا محمد المارديني، أنّ كتيلة غناه بين يدي سلطاننا فأجزل عطاياه، ورفع على كاهل الجوزاء مطاياه: [الكامل]
ملك الملوك محمد أنت الذي … ذلّت ملوك الأرض بين يديه
شرف الملوك بأن يكون عبيده … أو أن يكونوا واقفين لديه
جهدوا وما دانوك في أدنى العلا … هيهات إن وصل الملوك إليه (٣)
وإذا هم بلغوا السماء مكانه … لما تراموا في السماح عليه
والشعر لرجل من أهل ماردين.
ومنها صوته في شعر القاضي أبي الحسن: [الطويل]
стр. 4585
أأيامنا بين الكثيبين في الحمى … وطيب ليالينا الحميدة فيهما
صحبنا بها شرخ الشّباب فدلّنا … على أعين كانت عن البين نوّما
فمن قائل لا آمن الدّهر حاسدا … وقائلة لا روّع البين مغرما
بدت صفرة في وجنتيه فلم تزل … مدامعه حتّى شربنا بها دما
ومنها صوته في شعر ابن زريق الكاتب: [البسيط]
بالله يا منزل القفص الذي درست … آثاره وعفت مدنية أربعه (١)
هل الزمان معيد فيك لذّتنا … أم الليالي التي أمضته ترجعه
في ذمة الله من أصبحت منزله … وجاد غيث على مغناك يمرعه
من عنده لي عهد لا يضيّعه … كما له عهد صدق لا أضيّعه
وقصيدة ابن زريق التي منها الصوت معروفة مشهورة لها في كل ناد نداء، ولها في كل واد حداء، وحمله مختارها سواه: [البسيط]
لا تعذليه فإن العذل ينفعه … قد قلت قولا ولكن لست أسمعه (٢)
[ص ٣٣٦]
جاوزت في لومه حدّ المضرّبه … من حيث قدّرت أنّ اللوم ينفعه
فاستعملي الرّفق في تأنيبه بدلا … من عنفه فهو مضنى القلب موجعه
يكفيه من روعة التفنيد أنّ له … من الهوى كلّ يوم ما يروّعه
ما آب من سفر إلا وأزعجه … رأي إلى سفر بالعزم يجمعه
كأنما هو من حلّ ومرتحل … موكّل بفضاء الأرض يذرعه
واللّه قسّم بين النّاس رزقهم … لم يخلق اللّه من خلق يضيّعه
стр. 4586
أستودع اللّه في بغداد لي قمرا … بالكرخ من فلك الأزرار مطلعه
ودّعته وبودّي لو يعاجلني … ورد الحمام وأني لا أودّعه
لا أكذب اللّه ثوب الصبر منخرق … عنّي بفرقته لكن أرقّعه
إنّي لأقطع أيامي وأنفذها … لحسرة منه في قلبي تقطّعه
لأصبرنّ لدهر لا يمتّعني … به ولا بي في حال تمتّعه
علما بأنّ اصطباري معقب فرجا … فأضيق الأمر إن فكّرت أوسعه
عسى الليالي التي أضنت بفرقتنا … سمحا ستجمعني يوما وتجمعه
وإن تغل أحدا منّا منيّته … فما الذي في قضاء اللّه يصنعه
وموضع الصوت يكون أوله تلو: (إني لأقطع أيامي وانفذها) البيت.
ومن أصوات كتيلة في شعر البارع: [البسيط]
بالله يا ريح إن مكّنت ثانية … من صدغه فأقيمي فيه واستتري
وراقبي غفلة منه لتنتهزي … لي فرصة وتعودي منه بالظّفر
وإن قدرت على تشويش طرّته … فشوّشيها ولا تبقي ولا تذري
ولا تمسّي عذاريه فيفضحني … بنفحة المسك بين الورد والصّدر
وتتمة هذه القطعة:
وباكري عذب ورد من مقبّله … معلّل الطّعم بين الطّيب والخصر (١)
ثمّ اسلكي بين برديه على عجل … واستبضعي الطّيب وأتيني على قدر
[ص ٣٣٧]
ونبّهيني دوين القوم وانتفضي … عليّ واللّيل في شكّ من السّحر
لعلّ نفحة طيب منك ثانية … تقضي لبانة قلب العاقر الوطر
стр. 4587
ومن أصواته في شعر الجلال ابن الصفار المارديني: [الكامل]
يسعى بأبرق ذا من ثغره … يحيي وذا من مقلتيه قاتل (١)
عنيت إنسانا هما من لحظه … ذا سايف وبهديه ذا نابل (٢)
فمتى تقوم قيامتي بوصاله … ويضمّ شملينا معاد شامل
وأكون من أهل الخطايا خدّه … ثاري وصدغاه عليّ سلاسل
وأولها:
أين السلو وما يروم العاذل … ممن له بهواك شغل شاغل
أنا ما سلوت وبرق فيه خلب … أسلو وعارضه أمامي سائل
ومن أصواته في شعره أيضا: [الطويل]
وفي خزرم لما حللنا فناءها … سكرى حيارى تحت ظل الغياهب (٣)
تبدت لنا عند الصباح طليعة … من الترك مرد فوق جود السلاهب (٤)
بأيديهم سمر طوال كأنما … أسنتها تبغي التقاط الكواكب
تثنوا غصونا في السروج وأطلقوا … سهام لحاظ من قسي الحواجب (٥)
стр. 4588
ولو كشفوا بيض العوارض في الوغى … لأغنتهم عن مثل بيض القواضب
ومن أصواته في شعره أيضا: [الكامل]
برق بدا من ثغرك المنعوت … أم لؤلؤ قد ضمّه ياقوت؟
يا للنصارى برقعوا شمّاسكم … قبل الضلال فإنّه طاغوت (١)
ما قام أقنوم الجمال بوجهه … إلا وفي ناسوته اللاهوت (٢)
يشتاقه قلب إليه طائر … صبّ وطرف حائر مبهوت
فاحسن فإنّ الحسن وصف زائل … واصنع جميلا فالجمال يفوت
[ص ٣٣٨]
واستبق من أهل الغرام ولا تجر … فيقلدوك دماءهم وتموت
أخبرني الجمال المشرقي ما معناه: أن أبا كتيلة كان يعزف، وزجاجته ما أبرزت، وكانت له معه نوادر تستحسن، ووقائع لا يعرف أنها أحسن، قال:
ومنها أنه لما اشتدّ يافعا، وأصبح لا يراد منه نافعا، سلك سبيل العتب في الإدلال، وفرط وأفرط في الاحتمال، حتى أتى إلى بركة كان قد صنعها النجم يحيى ملونة بالزجاج، ومشفقة كالقصور والجام، قد أقيمت حروفها وأحكم تأليفها، فأخذ حجرا بيده ورماها به، فثلمها وحطّ رتبة حسنها وحطّمها، فقال فيه: [السريع]
قل للذي ثلّم [في] بركة … ما يأخذ الثأر ولو هدّها
стр. 4589
فتحت في أسفلها ثغرة … لو عاش ذو القرنين ما سدّها (١)
قال: ثم تعدى شوط عداته وتعالى قدره في بلاد ماردين، فخدم في أعمالها، وختم بتصرفه على مآلها، وولي نظر دنيسر، وهمى عليه صوب الرزق فأيسر، ونشأ ابناه مسعود ومحمد كتيلة وتعلما، وكبرا وتقدما، إلا أنّ الحمام أتى على مسعود أولا وشبابه شارخ، وغناؤه لم يصرخ باسمه صارخ، فبقي الذكر لأخيه مفردا، كأن لم يكن سواه من أبيه. فقال: وكان مسعود متعلقا بحبائل (٢) ابن الملك المنصور صاحب ماردين، لا يخاف منه الخبر، ولا يسأل دونه السفر، وكان الملك المنصور قد أخذ ابنة الجنك البغدادية المغنية بغتة من بغداد، وأتى بها إلى ماردين وتركها بها مقيمة، وأهلها لا تعرف أرضا ابتلعتها، أو سماء اقتلعتها، وكان سبب هذا أن الملك المنصور كان رجلا جسيما وكان قد نقص عيار الدراهم بماردين حتى حول الدرهم مقدار الثلثين، فلما نزل الأرد ببغداد سافر للقاء القان، فلما كان يوم دخوله إلى بغداد، خرج أهلها ليروه، وكانت ابنة الجنك ممن خرجت، فلما مرّ عليها، قالت لبعض من كان عندها: من هو صاحب ماردين في هؤلاء؟ فقيل لها: هذا، وأشاروا إليه، فنظرت إليه وقالت: كل هذا بثلثين الا مارديني هو، فدخلت كلمتها [ص ٣٣٩] في صماخ اذنه، وأذكت عليه نار إحنه، فطلب بعض خاصة قومه، وأمره أن يتعرف أمرها، حتى عرفها ثم عدا (٣) عليها حتى أحضرها إليه ليلا لتغنيه فاختطفها وأركبها الخيل، وسيق بها
стр. 4590
النهار والليل حتى أتى بها ماردين، وقبرها في بعض دورها، وتركها لا يحفل بأمورها، ثم أحضرها ليسمع غناءها، فما رآها حتى رابه أمره، وخامر لبه خمره، وتلف بها جوى في الجوانح، وهوى صاد شركه الجوارح، ثم طال عليها الاغتراب والحبس المضيق في عش الغراب، وكانت قد أنست إلى مسعود بن غدايفال لطول اجتماعها به في مجلس الملك المنصور، وعلقت قلبه فلم يجد سبيلا إليها إلا بأن حسّن لابن الملك المنصور حبّها وهون عليه قربها، واستغفل الملك المنصور حتى سافر إلى الموصل، واتى مع ابنه إليها، وباتا يحثان كؤوس الراح عليها، فلما عاد الملك المنصور أتته عينه الناظرة بما رأت، وحدثته ثقات خبره بالليلة التي جرت، فأحل بمسعود المنحوس الحمام، وأورده مورد الموت الحمام، وقد خافت بنت الجنك فأمسكت خفيها على يديها وتدلت من الساتون (١) حتى ثبتت على الأرض قدميها ولقت هناك خدمها، وكانت قد اتعدت مع ثقات لها منهم إلى هناك بالخيل، وسارت تقطع وتسابق السحاب الركام، حتى وافت مدينة سنجار (٢)، وبها الأمير يحيى بن الجلال، فاستجارت به فأجارها، ووسع تحت نقاط يده وجارها (٣)، وأتى الخبر الملك المنصور، فقتل صبرا، ولام أهل مشورته للتدبير، وبعث رسله إلى ابن الجلال يعتب، فضم ظهور المطي، وخصم ألسنة الملي البدري وأعلمه بما يجد لفرقتها، ويكوى به من نار حرقتها، فبعث بها إليه فتلقاها وأقرها لديه على أتم الأحوال وأبقاها، وذهب دم ابن غدا يفال هدرا، وكان حمه لها قدرا.