أستودع اللّه في بغداد لي قمرا … بالكرخ من فلك الأزرار مطلعه
ودّعته وبودّي لو يعاجلني … ورد الحمام وأني لا أودّعه
لا أكذب اللّه ثوب الصبر منخرق … عنّي بفرقته لكن أرقّعه
إنّي لأقطع أيامي وأنفذها … لحسرة منه في قلبي تقطّعه
لأصبرنّ لدهر لا يمتّعني … به ولا بي في حال تمتّعه
علما بأنّ اصطباري معقب فرجا … فأضيق الأمر إن فكّرت أوسعه
عسى الليالي التي أضنت بفرقتنا … سمحا ستجمعني يوما وتجمعه
وإن تغل أحدا منّا منيّته … فما الذي في قضاء اللّه يصنعه
وموضع الصوت يكون أوله تلو: (إني لأقطع أيامي وانفذها) البيت.
ومن أصوات كتيلة في شعر البارع: [البسيط]
بالله يا ريح إن مكّنت ثانية … من صدغه فأقيمي فيه واستتري
وراقبي غفلة منه لتنتهزي … لي فرصة وتعودي منه بالظّفر
وإن قدرت على تشويش طرّته … فشوّشيها ولا تبقي ولا تذري
ولا تمسّي عذاريه فيفضحني … بنفحة المسك بين الورد والصّدر
وتتمة هذه القطعة:
وباكري عذب ورد من مقبّله … معلّل الطّعم بين الطّيب والخصر (١)
ثمّ اسلكي بين برديه على عجل … واستبضعي الطّيب وأتيني على قدر
[ص ٣٣٧]
ونبّهيني دوين القوم وانتفضي … عليّ واللّيل في شكّ من السّحر
لعلّ نفحة طيب منك ثانية … تقضي لبانة قلب العاقر الوطر
стр. 4587
ومن أصواته في شعر الجلال ابن الصفار المارديني: [الكامل]
يسعى بأبرق ذا من ثغره … يحيي وذا من مقلتيه قاتل (١)
عنيت إنسانا هما من لحظه … ذا سايف وبهديه ذا نابل (٢)
فمتى تقوم قيامتي بوصاله … ويضمّ شملينا معاد شامل
وأكون من أهل الخطايا خدّه … ثاري وصدغاه عليّ سلاسل
وأولها:
أين السلو وما يروم العاذل … ممن له بهواك شغل شاغل
أنا ما سلوت وبرق فيه خلب … أسلو وعارضه أمامي سائل
ومن أصواته في شعره أيضا: [الطويل]
وفي خزرم لما حللنا فناءها … سكرى حيارى تحت ظل الغياهب (٣)
تبدت لنا عند الصباح طليعة … من الترك مرد فوق جود السلاهب (٤)
بأيديهم سمر طوال كأنما … أسنتها تبغي التقاط الكواكب
تثنوا غصونا في السروج وأطلقوا … سهام لحاظ من قسي الحواجب (٥)
стр. 4588
ولو كشفوا بيض العوارض في الوغى … لأغنتهم عن مثل بيض القواضب
ومن أصواته في شعره أيضا: [الكامل]
برق بدا من ثغرك المنعوت … أم لؤلؤ قد ضمّه ياقوت؟
يا للنصارى برقعوا شمّاسكم … قبل الضلال فإنّه طاغوت (١)
ما قام أقنوم الجمال بوجهه … إلا وفي ناسوته اللاهوت (٢)
يشتاقه قلب إليه طائر … صبّ وطرف حائر مبهوت
فاحسن فإنّ الحسن وصف زائل … واصنع جميلا فالجمال يفوت
[ص ٣٣٨]
واستبق من أهل الغرام ولا تجر … فيقلدوك دماءهم وتموت
أخبرني الجمال المشرقي ما معناه: أن أبا كتيلة كان يعزف، وزجاجته ما أبرزت، وكانت له معه نوادر تستحسن، ووقائع لا يعرف أنها أحسن، قال:
ومنها أنه لما اشتدّ يافعا، وأصبح لا يراد منه نافعا، سلك سبيل العتب في الإدلال، وفرط وأفرط في الاحتمال، حتى أتى إلى بركة كان قد صنعها النجم يحيى ملونة بالزجاج، ومشفقة كالقصور والجام، قد أقيمت حروفها وأحكم تأليفها، فأخذ حجرا بيده ورماها به، فثلمها وحطّ رتبة حسنها وحطّمها، فقال فيه: [السريع]
قل للذي ثلّم [في] بركة … ما يأخذ الثأر ولو هدّها
стр. 4589
فتحت في أسفلها ثغرة … لو عاش ذو القرنين ما سدّها (١)
قال: ثم تعدى شوط عداته وتعالى قدره في بلاد ماردين، فخدم في أعمالها، وختم بتصرفه على مآلها، وولي نظر دنيسر، وهمى عليه صوب الرزق فأيسر، ونشأ ابناه مسعود ومحمد كتيلة وتعلما، وكبرا وتقدما، إلا أنّ الحمام أتى على مسعود أولا وشبابه شارخ، وغناؤه لم يصرخ باسمه صارخ، فبقي الذكر لأخيه مفردا، كأن لم يكن سواه من أبيه. فقال: وكان مسعود متعلقا بحبائل (٢) ابن الملك المنصور صاحب ماردين، لا يخاف منه الخبر، ولا يسأل دونه السفر، وكان الملك المنصور قد أخذ ابنة الجنك البغدادية المغنية بغتة من بغداد، وأتى بها إلى ماردين وتركها بها مقيمة، وأهلها لا تعرف أرضا ابتلعتها، أو سماء اقتلعتها، وكان سبب هذا أن الملك المنصور كان رجلا جسيما وكان قد نقص عيار الدراهم بماردين حتى حول الدرهم مقدار الثلثين، فلما نزل الأرد ببغداد سافر للقاء القان، فلما كان يوم دخوله إلى بغداد، خرج أهلها ليروه، وكانت ابنة الجنك ممن خرجت، فلما مرّ عليها، قالت لبعض من كان عندها: من هو صاحب ماردين في هؤلاء؟ فقيل لها: هذا، وأشاروا إليه، فنظرت إليه وقالت: كل هذا بثلثين الا مارديني هو، فدخلت كلمتها [ص ٣٣٩] في صماخ اذنه، وأذكت عليه نار إحنه، فطلب بعض خاصة قومه، وأمره أن يتعرف أمرها، حتى عرفها ثم عدا (٣) عليها حتى أحضرها إليه ليلا لتغنيه فاختطفها وأركبها الخيل، وسيق بها
стр. 4590
النهار والليل حتى أتى بها ماردين، وقبرها في بعض دورها، وتركها لا يحفل بأمورها، ثم أحضرها ليسمع غناءها، فما رآها حتى رابه أمره، وخامر لبه خمره، وتلف بها جوى في الجوانح، وهوى صاد شركه الجوارح، ثم طال عليها الاغتراب والحبس المضيق في عش الغراب، وكانت قد أنست إلى مسعود بن غدايفال لطول اجتماعها به في مجلس الملك المنصور، وعلقت قلبه فلم يجد سبيلا إليها إلا بأن حسّن لابن الملك المنصور حبّها وهون عليه قربها، واستغفل الملك المنصور حتى سافر إلى الموصل، واتى مع ابنه إليها، وباتا يحثان كؤوس الراح عليها، فلما عاد الملك المنصور أتته عينه الناظرة بما رأت، وحدثته ثقات خبره بالليلة التي جرت، فأحل بمسعود المنحوس الحمام، وأورده مورد الموت الحمام، وقد خافت بنت الجنك فأمسكت خفيها على يديها وتدلت من الساتون (١) حتى ثبتت على الأرض قدميها ولقت هناك خدمها، وكانت قد اتعدت مع ثقات لها منهم إلى هناك بالخيل، وسارت تقطع وتسابق السحاب الركام، حتى وافت مدينة سنجار (٢)، وبها الأمير يحيى بن الجلال، فاستجارت به فأجارها، ووسع تحت نقاط يده وجارها (٣)، وأتى الخبر الملك المنصور، فقتل صبرا، ولام أهل مشورته للتدبير، وبعث رسله إلى ابن الجلال يعتب، فضم ظهور المطي، وخصم ألسنة الملي البدري وأعلمه بما يجد لفرقتها، ويكوى به من نار حرقتها، فبعث بها إليه فتلقاها وأقرها لديه على أتم الأحوال وأبقاها، وذهب دم ابن غدا يفال هدرا، وكان حمه لها قدرا.
стр. 4591
١٤٦ - ومنهم - خالد
لو أدركه عبد المؤمن لأخذ عنه النوب، أو السهروردي لعلم أنه سهوردي، وما حصل من العلم معه إلا على اسم الطرب، لو حضر مجلس ابن المهدي لتيقن أنه ما اهتدى، أو ماثل ابن بانة لما مال غصنه متأودا، أو لو طارح الأمير ابن طاهر لود أن يكون من عدته [ص ٣٤٠] أو الهذلي لأقرانه لأقصر عن مداه، إلا أن طائفة تغض منه غض الحاسد، وتريد أن يكون لها مثل سيفه الخالدي، وهيهات إنما يضرب في حديد بارد، وتظن أنها من أقرانه ولكن من هو من أقران خالد، لو كان في زمانه سميّه خالد بن عبد اللّه القسري (١) لبادر العيش وانتهب، أو عاصر سميّه الآخر خالد بن يزيد الأموي (٢) لعلم أن صنعة الطرب والغناء أجدى عليه من صنعة الكيمياء والذهب، فقد خلّد له ذكرا، وخلف له ما يحتاج سامعه معه شكرا، وأبقى له ما إذا ذكرته به لا أزيد عليه شكرا، ومن أصواته: [البسيط]
ردّوا على مقلتي النوم الذي ذهبا … وخبّروني بقلبي أيّة ذهبا
علمت لّما رضيت العيش منزلة … أنّ المنام على عينيّ قد غضبا
إني له عن دمي المسفوك معتذر … أقول جملته من سفكه تعبا
هل تشتفي منك عين أنت ناظرها … قد نال منها سهاد الليل ما طلبا
ما ذا ترى في محب ما ذكرت له … إلا بكى أو شكا أو جنّ أو طربا
ترى خيالك في الماء الزلال إذا … رام الشراب فروّى منه ما شربا
стр. 4592
والشعر للأرجّاني والغناء فيه رمل
وكذلك صوته في شعره أيضا، والغناء فيه دوكاه وهو: [الكامل]
إن كنت عن نظر المحب تغيب … فهواك من كل القلوب قريب
لك في سويدا القلب أشرف منزل … ما حل فيه سواك قط حبيب
يا من تحجب عزة عن ناظري … أنت المنى والسؤل والمطلوب
وحياة وجهك إن جيش تضرري … ولى وجيش عزيمتي مغلوب
وله صوت في شعر ابن نباتة المصري، والغناء فيه من عراق، وهو: [البسيط]
نادى وقامته تهتزّ بالتّيه … فكادت الشّمس قيد الرّمح تحكيه
[ص ٣٤١]
وقمت أذكره بالظبي ملتفتا … فقال لي طرفه من غير تشبيه
ما للذي فتنت طرفي محاسنه … أضحى يعذب روحي وهي تفديه
وما لعاذل قلبي في محبته … تعبان يدخل فيما ليس يعنيه
القلب قد أسكن الله الحبيب به … فما الملام على حال بمخليه
لا يختشي بيت قلبي غزو لائمه … فإن للبيت ربا سوف يحميه (١)
وله صوت شعر مجهول، والغناء فيه راست معشّق الدقات وهو: [المديد]
زار والواشون قد غفلوا … رشأ من ريقه ثمل
كل مخلوق له أجل … وهواه ماله أجل
صرت في حبي له مثلا … وحلالي ذلك المثل
قلت قد أتلفتني مللا … قال كم قد أتلف الملل
стр. 4593
وله صوت في شعر ابن عربي والغناء فيه دوكاه: [البسيط]
نعم لقلبي ببانات الحمى أرب … ولي دموع لذكراهن ينتسب
هبت له نسمة من نحو كاظمة … فاعتاده لهبوب النسمة الطرب (١)
يا ساكني الجزع [لي]؟ في حيكم قمر … طرفي على البعد يرعاه ويرتقب
بدر به يهتدي الساري فواعجبا … يجلو الدجى قمر بالشمس محتجب
وله صوت في شعره أيضا، والغناء فيه رمل: [الرمل]
من لقلب بالعيون النجل مضنى … حسنها أورثه سقما وحزنا
وفؤاد ما أتاه خبر … عن أهيل المنحنى إلا وحنا
ورشيق القد ألمى أسمر … هزمن قامته أسمر لدنا
خلته لما تبدى غصنا … فتجلى قلت بدر قد ثنى
وكذلك له صوت في شعره، والغناء فيه كوشتا، وهو: [الخفيف]
كل يوم يزيد وجهك حسنا … وفؤادي يزيد وجدا وحزنا
[ص ٣٤٢]
أنت والله أحسن الناس شكلا … ما للفظ الجمال غيرك معنى
لي قلب يحن نحوك شوقا … وضلوع على الصبابة تحنى
من يكن رام عن هواه سلوا … فأنا المدنف الكئيب المعنى
وله صوت أظنه في شعره أيضا، والغناء فيه عراق وهو: [البسيط]
لو بلغ الشوق هذا البارق الساري … أو بعض وجدي الذي أخفي وتذكاري
стр. 4594
ما بتّ أرعى الدجى شوقا إلى قمر … ولا معنى بطيف طارق طاري (١)
جيراننا كنتم بالرقمتين فمذ … بعدتم صار دمعي بعدكم جاري (٢)
فكم أواري عزما من جوى وأسى … زناده تحت أثناء الحشا وار
وله صوت في شعر مجهول، والغناء فيه ماه يوسليك وهو: [الكامل]
شوقي إليك أجلّه أن يذكرا … وهوى يرق لطافة أن تنشرا
بيني وبينكم إذا حكم الهوى … فرق كما بين الثريا والثرى
ريم رمى قلبي فأصبح ساكنا … فيه ومسكنه أصاب وما درى
ساومته روحي وكانت ملكه … فأبى وقال الوقف ما يشترى (٣)
وله صوت في شعر محاسن الشوا، والغناء فيه مبرقع وهو: [البسيط]
أشكو إلى الله لا أشكو إلى أحد … حزنا يكابده من بعدكم كبدي
أحبابنا كيف أسلو عن محبتكم … وعقد ودكم ديني ومعتقدي
وبين حبكم والروح معرفة … تأكدت قبل خلق الروح والجسد
لا تأخذوا بدمي أجفان طيبكم … فالروح روحي وقد أتلفتها بيدي
وكذلك أيضا: [الوافر]
بعادك علم النوم البعادا … وكحّل مقلتي فيك السّهادا
[ص ٣٤٣]
стр. 4595
أو يأسه (؟) اخيالا منك يسري … فلو أرسلت طيفا ما أرادا
وألهبت القلوب بنار شوق … أبت يوم النوى إلا البعادا
ولم تترك لذي طرف مناما … يلم ولا لذي جلد فؤادا
والشعر للمجاور والصوت فيه طرف.
وكذلك صوته في شعر شيخنا أبي الثناء الحلبي، والغناء فيه محير الحسيني:
[الخفيف]
أيها المنزل الذي كان فيه … ليجلي شموسهم إشراق
والذي كان فيه بدر المسرا … ت تماما لا يعتريه محاق
أوحشوني مذ فارقوني فهل … أصبحت مثلي إليهم تشتاق
فابك لي مسعدا عليهم فلا … بأس إذا ما تساعد العشاق
وكذلك صوته في شعر ابن نباتة المصري: (١) [مجزوء الكامل]
يا قلب أنت ومقلتي … متحاربان كما ترى
هاتيك تمنعك الهدوء … وأنت تمنعها الكرى
وأنا الذي قاسيت بي … نكما العذاب الأكبرا
وكذلك صوته في شعره أيضا، والغناء فيه زنكلا (٢): [الوافر]
غني الحسن خالي الوجنتين … متى يقضي وعود الهجر ديني
متى بالثغر والخدّين تجلو … بوارق رامة والرقم شين
أبثك إن عاد لي المعنى … رآك بعين حبّ مثل عيني
стр. 4596
فحاكى قلبه قلبي خفوقا … وحكّمك الهوى في الخافقين
وله صوت في شعر مجهول، والغناء فيه راست، وهو: [البسيط]
بي من جفاك صبابات وتسهيد … فهل ليوم وصال منك موعود
سلي نجوم الدجى تنبيك عن سهري … لتعلمي أن يومي فيك مفقود
أو فانظري سقمي إن كنت منكرة … فالعين تشهد والأخبار تقليد
يا ضرة الشمس عودي غير هاجرة … عسى بوصلك أن يخضر لي عود
وكذلك له صوت في شعر مجهول، والغناء فيه عراق: [الكامل]
[ص ٣٤٤]
حسب المحب فقد تمزق صبره … وبدا لعاذله المعنف عذره
في حب أغيد لم تزل أجفانه … مكسورة فيها تأكد نصره
ظبي وغصن مقلتاه وقده … بدر وليل وجنتاه وشعره
أقسى من الصخر الأصم فؤاده … وأرق من شكوى المتيم خصره
وله صوت في شعر مجهول، والغناء فيه حسيني وهو: [السريع]
من علم الغصن الرطيب الدلال … حتى سطا جورا علينا ومال
ومن أحل القتل في مذهب ال … حب وأفتى أن هذا حلال
يا فتنة العاشق من واضح … يشرق في جنح الدجى كالهلال
أحور كالحور ولكنه … ينفر من عاشقه كالغزال
وكذلك له صوت في شعر مجهول، والغناء فيه عراق: [مجزوء الكامل]
ومهفهف كالغصن مائل … مرّ الجفا حلو الشمائل
من مقلتيه صوارم … ومن الجفون له حمائل
стр. 4597
ترف الدّلال يكاد يد … ميه من التّرف الغلائل
كم عنفت فيه الوشا … ة وأطنبت فيه العواذل
وكذلك له صوت في شعر مجهول، والغناء فيه نكاري: [البسيط]
ناولتها شبه خديها مشعشة … مثل الصباح تحاكي ضوء مقباس
فقبّلتها وقالت وهي ضاحكة … فكيف تسقي خدود الناس للناس
قلت اشربي إنها دمعي وعاصرها … دمي وطابخها في الكأس أنفاسي
قالت إذا كنت من أجلي بكيت دما … فسقّنيها على العينين والرأس
وكذلك له صوت في شعر مجهول، والغناء فيه زوالي: [الطويل]
أمن أرض ليلى للنسيم هبوب … فمن نشرها فيه تضوع طيب
تهب قبولا والقبول أمامه … وتسري جنوبا والغراب جنيب (١)
صبا للصّبا قلبي وكل متيم … يحن إذا هبت صبا وجنوب
[ص ٣٤٥]
وأرتاح منها للرياح إذا سرت … مراضا كأني للنسيم نسيب
وله صوت في شعر الخطيب يوسف الصوفي، والغناء فيه زنكلا وهو:
[الكامل]
أبدى دلالك للغرام دلائلا … فعصيت لوّاما ولمت عواذلا
وإذا رأيت القلب يشكو في الهوى … فقرا إليك جعلت دمعي سائلا
ينهيك أن الشوق أمسى نازلا … في مهجتي والصبر أصبح راحلا
وتركت عزمي مثل جفنك فاترا … وجعلت جسمي مثل خصرك ناحلا
стр. 4598
وله صوت في شعر شيخنا أبي الثناء، والغناء فيه رمل، وهو: [الطويل]
أشوق وهم في ربع قلبك سكان … ووجد وما شطّ المزار ولا بانوا
نعم هي روح أحرقتها صبابة … فسالت دموعا والجوانح أجفان
تمر بها الأنفاس وهي رطيبة … وترجع عنها وهي بالوجد نيران
فلو كان هذا الدمع ماء لأعشبت … ربا الحيّ منه وامتلت منه غدران
وله صوت في شيخنا الصائغ بن سباع، والغناء فيه رمل، وهو: [الكامل]
حبس الهوى نومي وأطلق أدمعي … ضنا بطيفك أن يلم بمضجعي
يا ساكن الجفن القريح أما ترى … حقا لجارك في هواك مضيّع
وأنا الفداء لنازح سكن الغضا … من مهجتي والمنحنى من أضلعي
أبدا يلوح خياله في ناظري … ويجول طيب حديثه في مسمعي
ولقد شكوت إلى الفراق صبابتي … يوم النوى وولوع قلبي الموجع
فأبى وعيشك أن يرق لحالتي … أو أن يجيب هناك سائل أدمعي
وله صوت في شعر أبي تمام حبيب ابن أوس، والغناء فيه زاولي وهو: (١)
[الخفيف]
حسنت عبرتي وطاب نحيبي … فيك يا كنز كل حسن وطيب
لك قدّ أرق من أن يحاكى … بقضيب في النعت أو بكثيب (٢)
حار حكمي في قلبه وهواه … بعد ما جار حكمه في القلوب
كاد أن يكتب الهوى بين عيني … هـ كتابا هذا حبيب حبيب
[ص ٣٤٦]
стр. 4599
وكذلك صوت في شعره، والغناء فيه زاولي، وهو: [مجزوء الخفيف]
لا وورد بخدّه … واعتدال بقدّه
لا تعشّقت غيره … لو براني بصدّه
إن يكن أقسم الهوى … بعد تصحيح ورده
فعساه بعد التمن … نع يرثي لعبده
وله صوت في شعر مجهول والغناء فيه حسيني، وهو: [مجزوء الخفيف]
ربّ ليل سهرته … فيك لولاك نمته
بحنين ولوعة … وبكاء قطعته
فلق العين مفكرا … في وصال حرمته
بأبي وجهك الجمي … ل الذي لا عدمته
وله صوت في شعر ابن مطروح، والغناء فيه راست، وهو:
[الكامل]
أوثقتني من ناظريك جراحا … وتركتني لا أستطيع براحا
أحسبت أنّي ساليا لا والذي … أبدى بليل الشّعر منك صباحا
ما بحت بالسّر المصون وإن سلا … غيري وخان عهوده وأباحا
لكنّني حرّمت عنك تصبّري … ورضيت قتلي في هواك مباحا
وله صوت في شعر البهاء زهير، والغناء فيه أصفهان راست، وهو: (١)
[مجزوء الكامل]
يا معرضا متغضّنا … حاشاك يا عيني وروحي
стр. 4600
لم تدر ما فعل البكا … ء عليك بالجفن القريح
لك من ضميري ما علمت … به من الود الصحيح
فمتى أفوز بنظرة … من وجهك الحسن المليح
وكذلك له صوت في شعره، والغناء فيه حسيني: [مجزوء الكامل]
يا غادرين ألم يكن … بيني وبينكم عهود
ظهرت وبانت لي قضي … تكم فما هذا الجحود
[ص ٣٤٧]
وحلفتم ما خنتم … وعلى خيانتكم شهود
يا من تبدل في الهوى … يهنيك صاحبك الجديد
وله صوت في شعر الأمجد، والغناء فيه جاركاه: [الطويل]
ترى تسمح الأيام لي فأراكم … وأشكو إليكم منذ يوم نواكم
فياليت أني لم أكن بنت عنكم … ويا ليت أني لا عرفت هواكم
وأعظم ما ألقاه أني لواجد … سلوا لقلبي عنكم بسواكم
وإني لأرضى أن أموت صبابة … إذا كان موتي في الهوى من رضاكم
وله صوت في شعر مجهول، والغناء فيه جاركاه: [الكامل]
لما بدا مرخى الذوائب مسفرا … عاينت فوق الغصن ليلا مقمرا
وجننت لما هز غصن قوامه … سكر الدلال صبابة وتذكرا
لما دجت أصداغه وتضرمت … وجناته لبس الجمال مشهرا
وكأنّ بحر الحسن لما ماج في … خديه ألبس ساحليه العنبرا
стр. 4601
وله صوت في شعر الوأواء، والغناء فيه سيكاه: (١) [البسيط]
ما حكّم البين إلا جار محتكما … ولا انتضى سيفه إلا أراق دما
اللّه يعلم أنّي يوم بينهم … ندمت إذ لم أمت في إثرهم ندما
قد سرّني أنّهم قد سّرهم سقمي … فازددت كيما يسرّوا بالضّنى سقما
ديارهم خبّرينا بالذي فعلوا … فربّما جهل المشتاق ما علما (٢)
١٤٧ - ومنهم - السّهروردي شمس الدّين
كتب مثل ياقوت الدّر، وزاد عليه ففضل الرفيق الحرّ، وباهى الروض وقال بيدي ما بيدي ولا حى النرجس، وقال كيف تدرك الغاية وطرفك قد نعس، وسهر وردي وكيف يقاس بي وقد تطاولت ولم يبلغ الشجر أو يشبه بي عزيز غال، وإن قيل ياقوت، فهل هو إلا حجر وهبه، أجاد الخط أتى بأحسن مما أتيت، أو أنه سابق فهل خط معي إذ خط الرهان فأبيت، أو قيل إنه قد أجاد حتى من علم الطرب فيما ادعيت وسبق، وإن كنت أنت بعده قد طرف وما سعيت فهل شهد إلا بالخط الذي عليه [ص ٣٤٨] أقصر، وإلى الخط ما طمح على أنه اقتصر، ولا ملأ إلا البصر، وحده بحسن خطه وقد ملأت السمع والبصر (٣)، مولده ببغداد في المحرم سنة أربع وخمسين وست مئة ببغداد، حفظ القرآن، وتفقه على مذهب الشافعي، وقرأ العربية ونظر في اللغة والمعقول، وحفظ المقامات الحريرية، وفاق الناس في الخط بعد ياقوت المستعصمي، وقيل: إنه كتب قلم النسخ أحسن من
стр. 4602
ياقوت، وكتب على الشيخ زكي الدين عبد اللّه، وفاق عليه في الكتابة.
قال العلامة تاج الدين بن البشاك: كنت أكتب على ياقوت وأجود قلم النسخ، فكان يغير عليّ ويوقفني على الأصول، وكنت أستزيده فيوقفني إلى أن بلغت طبقة لم يغير عليّ فيها شيئا، فاستزدته فلم يزدني، وألححت عليه فقال:
ما عليّ مزيد، أتظن أنك تبلغ طبقة شمس الدين السهروردي، فإن نسخه خير من نسخي، قال أبو الخير الذهلي: وأجمع الناس على أنه لم يدرك أحد غايته في كتابات المينا على الآجر وغيره، وكتاباته مشهورة بالروم والعراق وخراسان وفارس وغير ذلك من البلاد، وسمع الحديث على جماعة منهم: رشيد الدين أبو عبد الله المقري، وعماد الدين أبو البركات ابن الطبال، وأجاز له جماعة، وكان حسن الأخلاق كثير الحياء، شديد المقال، ذا مروءة وفتوة، وشرف نفسي وتواضع، كثير البشاشة ظريفا لطيفا، معمور الأوقات بالاشتغال والأشغال، صاحب رأى وحزم وعزم وتؤدة وفصاحة، وبلغ في الموسيقا، وعلمه بالغاية القصوى، واعترف الفضلاء بإحرازه فيه قصب السبق، أخذ علمه وعمله عن صفي الدين عبد المؤمن، وأجمع الناس على أنه لم يأت بعده مثله، ومنه استفاد المينا وبرز عليه فيه، ووصلت تصانيفه في الموسيقى شرقا وغربا، وكتب بخطه ثمانية وسبعين مصحفا، منه خمس ربعات، كل ربعة وقر بعير، وكتب إحياء علوم الدين للغزالي، وكتاب المصابيح للبغوي ثلاث نسخ، وعوارف المعارف للجدابية ثلاث نسخ، ومشارق الأنوار للصنعاني ثلاث نسخ، وكتاب الشفاء لابن سينا في مجلد، والكتاب في نفسه في كثير من النسخ المتوسطة ستة عشر مجلدا [ص ٣٤٩] والمقامات ثلاث نسخ، ومفصّل الزمخشري نسختين ونهج البلاغة أربع نسخ، وكتب من الأحاديث والأدعية والدواوين والدروج شيئا كثيرا، وكان حظيا عند السلطان، وكاتبه سلطان الهند واليمن غير مرة وجماعة
стр. 4603
من الكبراء على أن يمضي إليهم فلم يفعل، وكتب عليهم خلق كبير، منهم السلطان أبو سعيد، والسلطان أبابك، وسلطان السّلم (١)، والوزير غياث الدين محمد بن الرشيد، ونظام الدين الطياري، وأولاد الأئمة والقضاة، والفضلاء والرؤساء والوزراء، وقصد من البلاد لأجل الخط والموسيقا: [الرمل]
قد قنعنا بخمول عن غنى … وبعزّ اليأس عن ذلّ التّمنّي
فكريم القوم لا أسأله … فلمإذا يعرض الباخل عنّي
وقوله: [السريع]
يا من بنور العلم … (٢) … متعك الله بما خوّلك
ولا برحت الدهر في نعمة … صافية المشرب والأمر لك
ما هينمت ريح الصبا سحرة … وغنت الورق ودار الفلك
ومن شعره أيضا: [الوافر]
بدا نجم السعادة في الصعود … وبشر بالميامن والسعود
وحقّق فيك آمال البرايا … بما أولاك من كرم وجود
فلاح لنا الفلاح وحل فينا … محل الروح من جسد العميد
وأبقيت النفوس بظل أمن … يعم الخلق في مدن وبيد
بعدل شامل في كل أرض … لسلطان الزمان أبو سعيد
ومن أصواته: [الكامل]
стр. 4604
ذكر العذيب ومائلات قبابه … وقف الفؤاد على أليم عذابه
ومهب أنفاس الصبا من جوه … فيه شفاء الصب من أوجابه (١)
فدع النسيم يبث من أنبائه … وعلى دموع العين رد جوابه
[ص ٣٥٠]
ويشوقني أن المحب يسوقه … لقيا القريب العهد من أحبابه
ويروى الشعر لابن قيس، ويروى لغيره، ومن أصواته [الوافر]
أعاتبه فيطرب من حياء … وفي الخدين من خجل دليل
كأن الجلنار بوجنتيه … وماء الياسمين به تجول
ويزعم أنني ما رمت هذا … ويطرق ثم ينكر ما أقول
وكم لام العذول عليه جهلا … وآخر ما جرى عشق العذول
والشعر مجهول، وله صوت في شعر ابن قرطابا: [الطويل]
لذي السالف المسكي والمقلة الكحلي … رسيس هوى في الحب يبلى ولا يبلى
عزيز عرفت الدل من كلفي به … وكم من عزيز في الهوى عرف الدلا
كثير التجني ليس لي عنه سلوة … وأعجب شيء جائر الحكم لا يسلا (٢)
ومعتدل كالغصن لا عدل عنده … ولولا سقامي في الهوى عرف العدلا
فلا تعذلوني في هواه فإنني … حلفت بذاك الوجه لا أقبل العذلا
دعوني وشكوى الحب بيني وبينه … فما أعذب الشكوى إليه وما أحلا
стр. 4605
وكذلك له صوت صنعه في شعر الملك الأمجد صاحب بعلبك: [الطويل]
أحبة قلبي بعد ما بان أنسكم … وبنتم عن الجرعاء كيف أكون
قضى الوجد لي أن لا أزال مسهدا … إذا رقدت تحت الظلام عيون
أأحبابنا لي بالإياب مواعد … فحتّام تلوى والعداة ديون
وحتام أشكو الهجر منكم شكاية … تعلم صلد الصخر كيف يكون
وله شعر في صوت آخر وهو: [البسيط]
ما ضر أهل الحمى لو أنهم رجعوا … بانوا فأقفر مصطاف ومرتبع
نأوا فبان على آثار بينهم … عصر الشباب فمن أبكي ومن أدع
مناي إصلاح ما بيني وبينكم … وكل شيء من الدنيا له تبع
أبعد ذاك التداني من دياركم … أبيت والقلب عن لقياكم يزع
[ص ٣٥١]
وله صوت في شعر ابن الساعاتي: [الكامل]
هذا الذي قتل المحب ومادرى … فحذار منه ولم يفد أن تحذرا
ما كنت أحسب قبل لؤلؤ ثغره … أن الثمين يكون منه الأصغرا
قاسمته قسم الجفون فليته … يوما يقاسم ناظري سنة الكرى
يهتز غصن نقا ويعقب زهره … ويصول قسورة ويرنو جؤذرا (١)
غنى فناح الورق من حسد له … وانقد قد الغصن حين تبخترا
في خدّه المبيض أسود عارض … من خوف جمرته انثنى فتحيرا
وكان في آخر عمره يأنف من علم الموسيقا، ولم يكن في لحيته من البياض
стр. 4606
إلا شعرات يسيرة إلى أن مات، ولم يحصن (١) قط رحمه الله تعالى، وتوفي في آخر شهر ربيع الأول سنة إحدى وأربعين وسبع مئة، وصلى عليه جماعة من الخلفاء، ودفن عند (٢) جده، ولم يخلف بعده في سائر البلاد (٣) بعده مثله في حسن الخط وعلم الموسيقا.
١٤٨ - ومنهم - الشّمس الكرمي
محتسب صفد يحكى عنه العجب، ويحدّث بما يهز العذب، ويخبر بما لا هو في قوة العجم والعرب، وكان ابنه المعروف ببدر الدين محمد كاتبا من كتاب صفد في الجهات الديوانية، وربما كتب الدرج لبعض المشدين، وكان هذا الشمس ينادم الأمير علاي الدين أيدغدي الألذكزي النائب بها، وكان من كبار الأمراء الظاهرية القدماء، وحكى لي الشيخ الإمام أبو الصفاء الصفدي عن علاي الدين علي دوادار الألذكزي أنه كان يأخذ الدف بيده ويحلق به في الهواء ثم يتلقاه على خمس أنامل، وينقر بكل أنملة منها على نغم، وكان الألذكزي يقول له: إن نادمتني ليلتي كلها أعطيتك مئة درهم، وكان يكثر منادمته لذلك، وكان يلعب له بالجغانة (٤) وكان الدوادار الجاكي ينقل عنه كثيرا من أصواته، ويلعب بالجغانة، وربما تخرّج عليه، لأنه كان كثير النقل عنه. قلت: وحدثني بأمر إلقائه الدف وتلقيه بأنامله ونقره بكل أنملة منها في نغم، القاضي أبو العباس أحمد بن قاضي نابلس: [ص ٣٥٢] [السريع]
стр. 4607
إلى متى أطلب منك الوصال … مضى زماني وانقضى بالمطال
يا قلب لا تطمع في وصلهم … تحصيل مالم يتحصل محال (١)
١٤٩ - ومنهم - يحيى الغريب الواسطيّ المشيب
ابن زادة الديسني جمال الدين أبو سعيد المشرقي رجل من الأبناء حسن الأنباء أضرّ بسهم أصابه، وأطال بفقد عينيه مصابه، وأبوه كردي، وأمه من البيت المودودي مات أبوه بالالموت (٢)، وقد قدر له أن يحيى به ويموت، قال لي ابنه هذا أنه أجزم جزمة غيّرت عليه هولاكو، وكان هو الذي اصطنعه ويسر له من الأمل ممتنعه، فلما ارتكب عنق الجريمة ومنى نفسه العظيمة، أودعه المجلس وأقيم وودعه المجلس، ثم غامت له سماؤه، وغاضت في خلج السيوف دماؤه، ثم أمر به فصلب، وبما ملكت يداه فسلب، وأتبع حريمه وبنوه أشتاتا، وتعاصى عليه الزمان كما واتى. قال واشتراني الصاحب شرف الدين هارون بن الجويني، فصرت إليه وبصرت فتقربت إليه بما كان ينفق عليه، وكان ينفق عليه الغناء، ومجلسه مأهول برب كل فضيلة، وبكل من يأوي منه إلى فضيلة، وكان يغشاه من أهل الغناء الأوحدين كسبا، وزير البر واناه وعبد المؤمن فاخر الأرموي، والزين ابن الدهان الموصلي، وحسن النائي، وسعد الدين السليكو، والبدر الأربلي، وأبو بكر التوريزي، وكانوا كلهم أئمة في هذا الشأن، وكان الصاحب ابن الجويني رحب الندى كريما إليه، وبيته للطارق والمشاب (٣)، وكرمه ما بعده على الزمان غياب، وكان قد أخذ عن هؤلاء، وعرف جيد الغناء من رديئه بدليل وعن نظر (٤) فاجتهدت في الطلب، واجتهدت نفسي حتى فقت في الطرب، ثم
стр. 4608
قدمت هذه البلاد، ووفدت على حضرة السلطان بمصر، واستخدمت على خبز في الخدمة، وفي جملة الخدام والقصاد بالخدمة، حتى أصبت في عيني في بعض الوقائع، فرتّب لي مرتّب أنا منه أقتات، وقنعت بعد الخبز [ص ٣٥٣] بالفتات.
وأخبرني أن مولده ليلة الجمعة المسفرة عن الخامس والعشرين من شهر رمضان سنة إحدى وستين وست مئة، وأنه صنف كتابا في هذا العلم سماه الكنز المطلوب في علم الدواير والضروب وأرانيه، وحدثني بكثير مما فيه.
قلت: وكان الأمير الكافل بنكر قد قربه واستخدمه ليعلم جواريه وكان يتردد إليه ويجتمع به، وكان قد قيل إنه هدى له انقطاع إلى ملوك ماردين ثم ملوك حماه، وله معهم أخبار لا حاجة إلى الإطالة فيها.
ومن أصواته هذه الأبيات الثلاثة، كل بيت منها في صوت: [الطويل]
أيا طفلة إحدى الكبائر عشقها … ويا جنّة قد أوقفت في جهنّم
بحقّك ردّي الطّيف عنّي فإنه … يقول بقتل المستهام المتيّم
ولا تودعي الأسرار عنّي فإنّما … تصبّين ماء في إناء مثلّم
والغناء فيه في الأول في الزوالي (١) يهبط على النيروز، وفي الثاني في الزروكند، وفي الثالث في العراق، وفي هذا البيت وهو: [الطويل]
عسى من كسا جسمي السّقام يعود … وينجز من بعد المطال وعود
والغناء فيه من أصبهان، وفي هذين البيتين: [الطويل]
يمينا لقد أسرفت يا بدر في الصّدّ … على مغرم ما حال يوما عن العهد
وجاوزت حدّ الهجر والبعد والقلى … فهل أمد للوصل يقضى من البعد
стр. 4609
والغناء فيه في الراست، وفي شعر الشمس الدهان: [الكامل]
فضح الغصون بقدره لما انثنى … وسبا القلوب بلحظه لما رنا
وبدا وبدر التم في ظلماته … بادي الجمال وكان منه أحسنا (١)
والغناء فيه في الراست، وفي هذين البيتين: [السريع]
أصل تلافيكم من تلافيكم … يا حبذا إن كان يرضيكم
عذبتم قلبي وما خلته … يشقى وقد أصبح يؤويكم
والغناء فيه في الدوكاه، وأحضر له من أماليه عدة أصوات [٣٥٤] منها صوت: [الطويل]
وكنت إذا جئت الحمى متنكرا … أزور به ليلى سعيت على خدي
قال: وتعلمته من ابن كسبا الأستاذ، من بحر الطويل، ضربه من الثقيل الخراساني، دائرته ثمانية عشر دورا، لكل دور (أحد عشر (١٣) دقة)، وربع وثمن دقة، منها ثقال وخفاف، الخفاف ونغمه الراست، صوت من شعر أبي تمام: (٢) [الطويل]
وأحسن من نور تفتّحه الصّبا … بياض العطايا في سواد المطالب (٣)
قال: وهذا قول صنعته أنا في الاثني عشر نغما، وستّ الأوزان وهو من بحر الطويل أيضا، ضربه من الثقيل الخراساني، دائرته اثنان وأربعون، كل دور (اثنا عشر دقة (١٤))، صوت (٤): [الوافر]
стр. 4610
فتى جبلت يداه على العطايا … كما جبل اللّسان على الكلام (١)
قال: وهو قول صنعته أيضا في الاثني عشر بردا من غير أواز وهو من الوافر ودائرته ستة وثلاثون دورا، كل دور (اثنا عشر (١٣) دقة)، وهو من الضرب الثقيل الخراساني، والشعر للتهامي. صوت: [الطويل]
فؤاد بنار الشّوق والوجد محرق … وجفن بأمواج المدامع تغرق
وقال: وهذا القول استفدته من الأستاذ صفي الدين عبد المؤمن، عروضه في الطويل، وضربه من الثقيل الخراساني، دائرته أحد وعشرون دورا، كل دور إحدى عشرة دقة (٢) وربع دقة، وثمن دقة.
صوت: [الكامل]
مرّ النّسيم على ربوع ديارهم … فكأنّما كانوا على ميعاد
قال: وهذا قول صنفته أيضا في نغمة الراست، مظافر في أربع برداوات (٣) أوازين، ومعنى كونه مظافرا أنه يظفر من الراست، وهو أول الأنغام إلى العشاق وهو آخرها، ثم يعود ويظفر من العشاق وهو آخرها إلى العراق، وهو ثانيها، ثم يظفر من العراق وهو الثاني إلى النوى، وهو الحادي عشر، ومن المعلوم أن بين الراست والعراق أوارهو النيروزي، وبين النوى والعشاق أواز [ص ٣٥٥] هو الكواشت، دائرته أربع وعشرون دورا، كل دور إحدى عشرة دقة وربع وثمن
стр. 4611
بالشرح، وضربه الثقيل الخراساني، فليعلم.
صوت: [الطويل]
ولا توعدي الأسرار عيني وإنما (١) … تصبّين ماء من إناء مثلّم
قال: هذا قول صنفته من نغمة العراق، عروضه من الطويل وضربه من خفيف الخراساني، دايرته ستة وثلاثون دورا، كل دور اثنا عشر. صوت: [الطويل]
رنا فانتضى من جفنه كلّ لهذم … وماس فأزرى بالوشيج المقوّم
قال: هذا قول صنفته في برد الأصفهاني، وهو من الطويل، وضربه من الثقيل الخراساني، دائرته أربعة وعشرون دورا، كل دور (اثنا عشر (١٣) دقة) بالشرح.
صوت: [الكامل]
اليوم موعدكم فأين الموعد … هيهات ليس لوعدكم غد
قال: وهذا قول افاد نيه صفي الدين عبد المؤمن، وهو من نغم الزيلفكند، وضربه من الثقيل الخرساني، دائرته اربعة وعشرون دورا، كل دور اثنا عشر (١٣) دقة بالشرح.
صوت: [المديد]
عبث الشّوق بالركائب والرّك … ب فلم ندر أيّنا المسهام
قال: هذا قول أخذته من الأستاذ صفي الدين بن الباصوان النحوي، وهو من بحر المديد، وضربه خفيف المخمس، دائرته سبع وعشرون، كل دور (اثنا عشر (١٣) دقة)، نغمته الزنكلا (٢). صوت: [الطويل]
стр. 4612
تملّكتم قلبي فصار لحبّكم … حمى فرعى اللّه الحمى ورعاكم
قال: [وهو] قول من بحر الطويل صنعته في نغم البزرك الكبير (١)، وضربه مختلف، وهو من (أربع (١٣) ضروب)، دائرته سبعة وعشرون دورا، كل دور اثنتا عشرة دقة (٢) بالشرح.
صوت: [المنسرح]
تبلّ خدّيّ كلّما ابتسمت … من مطر برقه ثناياها
[ص ٣٥٦]
قال: وهذا قول عملته من نغم الرهاوي، يهبط فكند نيروز (٣) وهو من بحر الوافر (٤)، وضربه الثقيل الخراساني، دائرته إحدى وعشرون كل دور اثنتا عشرة دقة بالشرح.
صوت: [الطويل]
يقول وقد قبّلته ورشفته … أراك تحبّ الخمر والخمر في فمي
قال: وهو قول من بحر الطويل، صنعه في نغم الحسيني من ضرب الثقيل الخراساني، دائرته ثمانية عشر، كل دور اثنتا عشرة دقة بالشرح.
стр. 4613
صوت: [الطويل]
عليك اعتمادي في جميع أموري … وأنت منى قلبي وأنت سروري
قال: [وهو] قول من بحر الطويل، صنعته في نغم الحسيني من ضرب الثقيل الخراساني، دائرته ثمانية عشر، كل دور اثنتا عشرة دقة بالشرح.
صوت: [الطويل]
عليك اعتمادي في جميع أموري … وأنت منى قلبي وأنت سروري
قال: [هو] قول من بحر الطويل، صنعته في نغم الماء آه، وضربه الثقيل الخراساني، دائرته خمسة عشر دورا، كل دور اثنتا عشرة دقة، بالشرح.
صوت آخر: [الوافر]
لحاظك أيّها القمر … لقلب الصّبّ قد أسروا (١)
وقدّك من معاطفه … غصون البان تستتر
قال: وهذا جارخانا، من بحر الوافر، صنعته في ماءآه، محلض وضربه تركي رخم، دائرته تسعة أدوار، كل دور اثنتا عشرة دقة بالشرح.
صوت: [الطويل]
صحا كلّ سكران من العشق قلبه … ومن هو سكران يحبّك لا يصحو
قال: وهذا قول استفدته من الأستاذ عجيب الزمان، وهو من بحر الطويل، ونغمه الأبوسليك، وضربه الثقيل الخراساني، دائرته اثنا عشر دورا، كل دور اثنتا عشرة دقة بالشرح.
صوت: [الطويل]
стр. 4614
إذا ما اشتهى الخلخال أخبار قرطها … فيا طيب ما تملي عليه الضفائر (١)
قال: وهذا قول من الطويل، صنعته في نغم النوى، وضربه الثقيل الخراساني، دائرته أربعة وعشرون دورا، كل دور اثنتا [ص ٣٥٧] [عشرة] دقة بالشرح.
صوت: [الخفيف]
طاب ذلّي ولذّلي فيك عذلي … وحلالي بسيف حبّك قتلي
وهذا قول أخذته من الأستاذ المعروف بالنقشواني، وهو من بحر الكامل (٢)، ونغمه في النيروز، وضربه الثقيل الخراساني، دائرته أحد عشر دورا، كل دور اثنتا عشرة دقة بالشرح.
صوت: [الوافر]
هل لك في إغاثة مستهام … يقاد إلى الغرام بلا زمام
قال: وهذا القول من الكامل (٣)، ونغمه الشنهاز، وضربه التركي رخم، دائرته واحد وعشرون دورا، كل دور اثنتا عشرة دقة بالشرح.
صوت: [الطويل]
ترى تسمح الأيّام لي بلقاكم … ويفرح قلبي بعد طول جفاكم
قال: هذا قول من الطويل، صنعته في نغم الزركشي، وضربه الثقيل الخراساني، دائرته ثمانية عشر دورا، كل دور اثنتا عشرة دقة، بالشرح.
صوت: [الطويل]
ولّما تلاقينا جرت من عيوننا … عيونا كففناها بروس الأصابع
стр. 4615
قال: هذا القول من الطويل، أخذته من الأستاذ سراج الدين الخراساني، ونغمه حجاز، وضربه الثقيل الخراساني، دائرته ثمانية عشر دورا، كل دور اثنتا عشرة دقة بالشرح.
صوت: [المنسرح]
كلّ جريح ترجى سلامته … إلا فؤادا دهته عيناها
وهذا القول من بحر الوافر (١)، صنعته في نغم الكواشت، ويضرب [ص ٣٥٨] في أربعة ضروب الأصول، دائرته أربع عشرة دائرة، وأدواره مختلفة بحسب الضروب المتقدمة.
صوت: [الطويل]
فؤاد بنار الشّوق والوجد محرق … وجفن بأمواج المدامع مغرق
قال: وهذا قول أفادنيه أستاذ صفي الدين عبد المؤمن، وهو من بحر الطويل، ونغمه اليكاه، دائرته إحدى وعشرون دائرة، كل دور إحدى عشرة دقة وربع وثمن [دقة] بالشرح، وضربه الثقيل الخراساني.
صوت: [الكامل]
إنّ الملوك إذا حللن ببلدة … كانوا كواكبها وأنت هلال
قال: وهذا القول أفادنيه الأستاذ ابن كسبا، وهو من بحر الرجز (٢)، ونغمه الدوكاه، ويخالط أنغاما كثيرة، وضربه الثقيل الخراساني، دائرته سبعة وعشرون دورا، كل دور اثنتا عشرة دقة، بالشرح.
стр. 4616
صوت: [الطويل]
تكلّفتم من بعدكم شوق واحد … وحمّلتموني شوقكم كلّكم وحدي
وهذا القول صنعته في نغم السيكاه، وهو من بحر الطويل، وضربه الثقيل الخراساني، ودائرته خمسة عشر دورا، كل دور إحدى عشرة دقة وربع وثمن دقة بالشرح.
صوت: [الكامل]
ليس الودود فتى يودّك يومه … حتّى إذا استغنى يملّك في غد
قال: وهذا قول أفادنيه عبد المؤمن صفي الدين، وهو من بحر الرجز (١)، وضربه الثقيل الخراساني، دائرته خمسة عشر دورا، كل دور اثنتا عشرة [دقة] بالشرح.
صوت: [الخفيف]
كيف يخفي سرّ الهوى المستهام … هي جروى وما الخيام خيام
ولئن كانت الخيام فما النّا … س به الناس وما الغرام الغرام
هذا قول مسدود من نغمة النوى على حركات الغناء المعلى الموافق للشبابة [ص ٣٥٩] المعروفة بالصبرغي، وهي معروفة عندهم، ضربه من الثقيل بالدقة المفردة، دائرته اثنا عشر دورا، كل دور ستة مفرد.
صوت: [الطويل]
تجلّى أمير الحسن والليل قد هدى … فأيقنت أنّ الصّبح من وجهه بدا
ولاح محيّاه الكريم وقد دجا … ضلالا فجار الرّكب واتّضح الهدى
стр. 4617
وهذا قول سرح الأرغل الذي يغني فيه الإفرنج وهو من نغم الماآه وأبو سليك، ضربه من الثقيل، دائرته أربع وعشرون مفردة، آخر أماليه، وقد روى عن جماعة.
١٥٠ - ومنهم - حسن التاي
وروى عنه: [المتقارب]
إن استحسنت مقلتي غيركم … أمرت السّهاد بتعذيبها
والغناء فيه من المحير، وفاخر به عبد المؤمن، فأخذه هارون بن الجويني وقيده وحبسه لكونه فخر عليه، فقال: ما أنا أضجر من حبسك، ولكن ابعث إلى عبد المؤمن لتحكمه، فحفظه خواجا زيتون، وركبه البريدي حتى أتى عبد المؤمن، فلما دخل عليه غناه، فسأله: لمن هو؟ فحكى له، فقطع على نفسه، وبعث له معه خلعة وبغلة، فقال: حسن ولدي وأنا علمته.
١٥١ - ومنهم - السّيلكو
وروي عنه: [البسيط]
جودوا عليّ بوصل منكم جودوا … عدمت صبري وعندي الوجد موجود
والغناء فيه من العزال من الشواذ.
وروي عنه: [الكامل]
كم من دم يوم الفراق سفكتم … لما حدت بكم الحداة وبنتم
والغناء فيه في الرهو.
стр. 4618
١٥٢ - ومنهم - البدر الأربلي
سيد الجنكيين (١)، وكان عند المظفر بماردين، وقتله مجير الدين بن ضبرت، أستاذ أرسلان الدوادار، ولم يكن مثله.
١٥٣ - ومنهم - التّاج بن الكنديّ
وروي عنه: [مجزوء الكامل]
بالخيف مخطفة الحشا … تهوى الغصون له القدودا (٢)
أخذ الغزال نفارها … وأعارها طرفا وجيدا
[ص ٣٦٠] والغناء فيه من العشاق (٣).
١٥٤ - ومنهم - خواجا أبو بكر النّوروزي
وروي عنه: [السريع]
يا ملك الأرض ووالي الزّمان … اشرب كؤوسا غيّبت في الدّنان
والغناء فيه ضرب الفاختية في بوسليك.
١٥٥ - ومنهم - علاء الدّين دهن الحصا
وأخوه الكمال يوسف، وكلاهما فريد ومصنف مجيد، كان يوسف أمير المطربين، وكان أخوه علّي نديم الحضرة، وكانا عند لؤلؤ صاحب الموصل إلى قوم آخرين، وهم تقي الدين بن بياع الدقيق، وكمال الدين بن الدويك، وخواجا صدر الدين الفتشواني.
стр. 4619
فلعلاء الدين: [الطويل]
أكتّم وجدي خيفة من عواذلي … وأظهر للواشي النّموم بشاشتي
والغناء فيه في الجاركاه.
ولأخيه يوسف: [الكامل]
إن كنتم بصبابتي لا تعلموا … اللّه يعلم ما بقلبي منكم (١)
والغناء فيه في الرهوي.
ولابن بياع الدقيق، وهو مصنف ضرب الفاخية: [الطويل]
صبا ما صبا حتّى علا الشّيب رأسه … فلمّا علاه قال للباطل ابعد
والغناء فيه زرو كند.
ولا بن الدويك: [الطويل]
عليك اعتمادي في جميع أموري … وأنت منى قلبي وأنت سروري
والغناء فيه للعراق
وللقشواني: [الطويل]
ظفرنا بكم والليل مقدار هجعة … وغابوا كأنّا في المنام رأيناهم
[ص ٣٦١] والغناء فيه في الحجاز، وهو من المخرج له.
стр. 4620
١٥٦ - ومنهم - نظام الدّين يحيى بن الحكيم
الجعفري الطيّاري البغدادي الدار، المقيم الآن بدمشق حيث تشوق ربوتها، وتسوق الصبابة إلى النفوس صبوتها، قد تم بمن وراءه إلى هذه البلاد آمنين، وقام مشكورا هذه السنين وعكف على الحديث النبوي يسمعه ويكتب أجزاءه وطباقه، ويجد إليه تبكره وسباقه، وله حديث لا يمل، وأنس على القلوب لا يذل، وفضل أصبح له خلفا، وكرم لو وصف به غيره لكان خرفا، وله مشاركة في الأدب، ومحاسنه تأتي منه بآيات لا يتقاصر بناؤها، وفقرات ظاهر غناؤها، فأما صناعة الغناء، فهو محرز قصباتها ومستمع مضروباتها، لو عرض الموصلي عليه أصواته لجودها، أو زلزل لثبت قدمه ووطدها، أو ابن جامع (١) لأقر له في المجامع، أو معبد لاعترف له بأنه المفرط وهو الجامع، وهو من صدور بغداد، وممن يدخل مع خلة أهلها في الأعداد، وله جملة محاسن تغني معرفتها عن التعداد، كان الحكيم نور الدين (٢) من الحكماء الفضلاء، والأعيان المتميزين في صناعة الكحل، واتصل بالأردو وخدم البيت الهولاكي، والقان والخواتين والأمراء والخواجكية (٣)، واتصل بالوزراء واختلط في صحبتهم، وعدّ في جملتهم، وحصل الأمور الجمّة. والملك والعقار، واقتنى ببلاد بغداد والحلة (٤) من ذلك ما يتحصل منه الريع الكثير، والمبلغ الجزيل، واشتغل نظام الدين ولده، وكتب وتأدب وأخذ تعليم المنسوب والموسيقا عن السهروردي، وكتب خطا حسنا
стр. 4621
مليحا، وتفرد بعمل المشجّرات، حتى شجر في العلوم على اختلاف أنواعها، وأجاد في الموسيقا وبرز فيها، وسمعت من صناعته المطربة، ورأيت من تشجيره الفائق ملء العين والأذن، وسر البصر والسمع، ودنا من السلطان أبي سعيد بهادر قان ﵀ دنوا زائدا، وكان ممن شملته لديه عناية الوزير ملك الوزراء محمد خواجا رشيد، وتقدم به، كان لا يزال يحضر مجلسه ويكون [ص ٣٦٢] من المقربين إليه وأهل الحظوة لديه، واستكتبه عن القان أبو سعيد، وعنه [تصدر] الكتب العربية التي كانت تكتب إلى سلطاننا، وإلى السلطان محمد بن طغلقشاه بالهند، وكانت له جملة كبيرة على ذلك، مع ما له من المقدرات والأقدارات والرواتب، وكان لا يتلقى المراسم إلا عن الوزير، ولم يكن كاتبا مستقرا للإنشاء، إذ لا عادة للقوم بذلك، ولكنه كان في هذا المعنى، ولقد كانت تجيء بخطه الكتب المليحة البليغة بالخط المليح، والألفاظ الفصيحة السهلة التناول، القريبة المأخذ، على خاطري منها في كتاب كبير عن أبي سعيد إلى سلطاننا في معنى الحاج العراقي، وأنّ توجّهه من العراق إلى الحجاز، أقرب عليه من توجّهه على الشام إلى الحجاز.
قال فيه: «والقلوب بالإحسان تملك، وأقرب الطرق إلى الله أولى بأن تسلك»، وهاتان كلمتان تقوم في المعنى المقصود مقام كتاب مطول، مع خفة موقعهما، وتمكينهما في موضعهما، ولقد كان يقع في كتبه في هذه النسبة كل حسن، وكان يجري على الطلق (١) ممتد الرسن، وقد جهز مرات أميرا على المركب العراقي، تارة مستقلا، وتارة شريكا، وكانت تجيء أخباره بتوجهه، ولما آل الملك إلى موسى قان الملك القائم من ولد بيدو، ضاعف علي باشا بن حنجل - القائم بدولته - إكرامه، ووفّر احترامه، وكان هو والأمير الوزير نجم الدين محمود
стр. 4622
بن شرويز (١)، وقاضي القضاة حسام الدين الغوري من خاصة أهل الاصطفاء، فلما دارت على موسى قان وعلي باشا الدائرة، وطلّت دماؤهما في ثورة تلك الثائرة، تسحّب الوزير محمود، والقاضي الغوري، وابن الحكيم منهزمين إلى أبواب سلطاننا، فتلقاهم بنعمة، وتولاهم برحمة، ورتّب لابن الحكيم بدمشق راتب، وعينت له الربوة وأقام بها، واستطاب وطنها، وطلب الحديث واجتهد فيه، ودأب عليه وكتب الأجزاء والطباق والأثبات (٢) بخطه، ثم سافر إلى العراق لاستغلال ملكه، فلم يحصل له، لاستيلاء الخراب والأيدي العادية عليه إلا ما قل، فعاد كالخائب، ثم توجه إلى مصر [ص ٣٦٣] لحديث يستفيده ورزق يستزيده، وأقام بها مدة ثم عاد إلى العراق: [المتقارب]
ألا ليت شعري متى نلتقي … ومن مدة الهجر كم قد بقي
لقد طال عهد النوى بيننا … كأن التواصل لم يخلق
ومن شعره ومن أصواته: [الطويل]
لكم منّي الود الذي ليس يبرح … ولي فيكم الشوق الشديد المبرح
وكم لي من كتب ورسل إليكم … ولكنها عن لوعتي ليس تفصح
وفي القلب ما لا أستطيع أبثه … ولست به للكتب والرسل أفصح
زعمتم بأني قد سلوت هواكم … لقد كذب الواشي الذي يتنصح
١٥٧ - ومنهم - كمال الدّين محمّد بن البرهان الصّوفي
موصلي الأصل، بغدادي الدار، من أهل الأقدار، ذكره النظام بالإعظام، وأشار إليه في علم الموسيقا وقال: إن له يدا طولى في معرفته، وأبلغ منه مبلغا
стр. 4623
يقصر عن وصفه، وذكر أنه يصحب أقضى القضاة ابن السباك، وله به اعتلاق أكيد، واعتلاء ما عليه لمثله مزيد.
١٥٨ - ومنهم - حسين بن عليّ المطريّ العزاويّ
متقن لفضيلة، ومتيقن لخير فضيلة، ومجيد في صناعة يد وخاطر، وسرور سمع وناظر، قرأ كتب الحكمة ودرسها، وصور المشجرات بيده كأنه غرسها، وعرف من الموسيقا ما أخذه بدليل، واطّلع منه على علم جليل، وضرب بآلاته كلها لتكميل الأودات (١)، لا للتكسب والمعيشة، وترجية زمان يؤمل أن يعيشه، وزيّن هذا كله بنزاهة نفس تعتاف حتى الجليل، ويعف حتى عن الخليل، إلى صفاء باطن ما تكدّر، وصدق وداد ما استحال مثل البكاء وتغير، صحبني بمصر وقدم على دمشق، وصوّر صور هذا الكتاب، وجاء فيه بعجائب التصور والاكتساب، وهو - أعانه الله - ممن قدّر عليه رزقه، إلا أن عفافه يقنعه، وحكمته عن المطالب تمنعه، ورياضته تشغله بحسن ما [ص ٣٦٤] يقرره، وإحسان يده فيما يصنعه، وله أصوات جليلة، منها في قولي: [البسيط]
سعى بكأسيه كي أصلى بناريه … بالخد والكأس يا سكري بخمريه
ظبي أغنّ أخذت المسك من فمه … والعنبر الرطب من خطّي عذاريه
يا سيف مقلته الوسنى غررت بنا … لما استبحت فؤادي في غراريه
لم يرض قلبي ولا عيني لمسكنه … وا شوقتى منه لم يلمم بداريه
والغناء فيه زنكلا، ومنها قولي: [الخفيف]
حدثاني عن الهوى العذريّ … واطنبا في عذاره العنبريّ
واستعيرا لمقلتيّ هجوعا … واسألا للشجي صبر الخلي
стр. 4624
وهبا لي من السلو قليلا … أو دعاني مع كل صب غوي
قد أخذتم صبري فهلا أخذتم … لي فؤادي من طرفه البابلي
والغناء فيه عراق.
ومنها في قولي أيضا في عراق: [الرجز]
غن لها برامة ولعلع … واذكر لها ما بالحمى والأجرع
وانزل بسكان الكثيب سحرة … واقبس لهيب نارهم من أضلعي
واحمل إلى أهل الحمى تحية … من عاشق في حبهم لا يدعي
ولا تسل سقيا الحمى صوب الحيا … يكفيه ما أسقيته من أدمعي
ومنها في قول لي وهو في عراق أيضا: [مجزوء الوافر]
هواكم ماله سبب … سوى قلبي كما طلبوا
ألا يا عاذلي فيهم … دع العشاق ينتحبوا
أتعجب من ضنى جسدي … وحالي كله عجب
وقالوا إنني مضنى … وحق الله ما كذبوا
ومنها في قول أيضا [الطويل]
تجلت فلاح البدر تحت نقابها … وما ست ففاح الطيب طيّ ثيابها
[ص ٣٦٥]
قضيب وما غصن النقا مثل قدها … ولا لينه في الروض مثل شبابها
طلا الظبي لا يشرق لحاظ عيونها … كفى عينك الكحلاء صبغ خضابها
أأهلك فيها هكذا بصبابتي … وأخشى أسود الغيل حول قبابها
نأيت إذا عن حب سمراء في الهوى … إذا لم أخض بيض السيوف ببابها
стр. 4625
يلذّ إليّ القتل صبرا بأرضها … إذا دفنوني بعد ذا في ترابها
والغناء فيه محير.
ومنها في قولي: [مجزوء الخفيف]
يا حبيبي وعيني … خل هجري وبيني
أنت أوفى البرايا … لا تماطل بديني
ما أتى منك عندي … فوق رأسي وعيني
فاسقني خمر ريق … من جنى الجنتين
ومنها في قولي: [مجزوء الخفيف]
في الحشا منك نار … وأسى وادكار (١)
طار قلبي اشتياقا … ما لقلبي قرار
أنت غصن رطيب … أين منك الثمار
عيروني بحبي … ليس في الحب عار
والغناء فيهما محير.
ومنها في قولي: [الكامل]
لاموا عليك وما قلوبهم معي … كلا ولا عبراتهم في مدمعي
يا من تلفت كالغزال بلحظه … حسبي التفاتك يا غزال ومطمعي (٢)
هب أن شخصك لا يزال بناظري … من ذا الذي أغرى بذكرك مسمعي (٣)