← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11790

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط المجمع الثقافي

ابن فضل الله العمري

Полный текст (8 839 стр.). Показаны 4621–4660 · переход к 4626.

стр. 4621

مليحا، وتفرد بعمل المشجّرات، حتى شجر في العلوم على اختلاف أنواعها، وأجاد في الموسيقا وبرز فيها، وسمعت من صناعته المطربة، ورأيت من تشجيره الفائق ملء العين والأذن، وسر البصر والسمع، ودنا من السلطان أبي سعيد بهادر قان ﵀ دنوا زائدا، وكان ممن شملته لديه عناية الوزير ملك الوزراء محمد خواجا رشيد، وتقدم به، كان لا يزال يحضر مجلسه ويكون [ص ٣٦٢] من المقربين إليه وأهل الحظوة لديه، واستكتبه عن القان أبو سعيد، وعنه [تصدر] الكتب العربية التي كانت تكتب إلى سلطاننا، وإلى السلطان محمد بن طغلقشاه بالهند، وكانت له جملة كبيرة على ذلك، مع ما له من المقدرات والأقدارات والرواتب، وكان لا يتلقى المراسم إلا عن الوزير، ولم يكن كاتبا مستقرا للإنشاء، إذ لا عادة للقوم بذلك، ولكنه كان في هذا المعنى، ولقد كانت تجيء بخطه الكتب المليحة البليغة بالخط المليح، والألفاظ الفصيحة السهلة التناول، القريبة المأخذ، على خاطري منها في كتاب كبير عن أبي سعيد إلى سلطاننا في معنى الحاج العراقي، وأنّ توجّهه من العراق إلى الحجاز، أقرب عليه من توجّهه على الشام إلى الحجاز. قال فيه: «والقلوب بالإحسان تملك، وأقرب الطرق إلى الله أولى بأن تسلك»، وهاتان كلمتان تقوم في المعنى المقصود مقام كتاب مطول، مع خفة موقعهما، وتمكينهما في موضعهما، ولقد كان يقع في كتبه في هذه النسبة كل حسن، وكان يجري على الطلق (١) ممتد الرسن، وقد جهز مرات أميرا على المركب العراقي، تارة مستقلا، وتارة شريكا، وكانت تجيء أخباره بتوجهه، ولما آل الملك إلى موسى قان الملك القائم من ولد بيدو، ضاعف علي باشا بن حنجل - القائم بدولته - إكرامه، ووفّر احترامه، وكان هو والأمير الوزير نجم الدين محمود

стр. 4622

بن شرويز (١)، وقاضي القضاة حسام الدين الغوري من خاصة أهل الاصطفاء، فلما دارت على موسى قان وعلي باشا الدائرة، وطلّت دماؤهما في ثورة تلك الثائرة، تسحّب الوزير محمود، والقاضي الغوري، وابن الحكيم منهزمين إلى أبواب سلطاننا، فتلقاهم بنعمة، وتولاهم برحمة، ورتّب لابن الحكيم بدمشق راتب، وعينت له الربوة وأقام بها، واستطاب وطنها، وطلب الحديث واجتهد فيه، ودأب عليه وكتب الأجزاء والطباق والأثبات (٢) بخطه، ثم سافر إلى العراق لاستغلال ملكه، فلم يحصل له، لاستيلاء الخراب والأيدي العادية عليه إلا ما قل، فعاد كالخائب، ثم توجه إلى مصر [ص ٣٦٣] لحديث يستفيده ورزق يستزيده، وأقام بها مدة ثم عاد إلى العراق: [المتقارب] ألا ليت شعري متى نلتقي … ومن مدة الهجر كم قد بقي لقد طال عهد النوى بيننا … كأن التواصل لم يخلق ومن شعره ومن أصواته: [الطويل] لكم منّي الود الذي ليس يبرح … ولي فيكم الشوق الشديد المبرح وكم لي من كتب ورسل إليكم … ولكنها عن لوعتي ليس تفصح وفي القلب ما لا أستطيع أبثه … ولست به للكتب والرسل أفصح زعمتم بأني قد سلوت هواكم … لقد كذب الواشي الذي يتنصح ١٥٧ - ومنهم - كمال الدّين محمّد بن البرهان الصّوفي موصلي الأصل، بغدادي الدار، من أهل الأقدار، ذكره النظام بالإعظام، وأشار إليه في علم الموسيقا وقال: إن له يدا طولى في معرفته، وأبلغ منه مبلغا

стр. 4623

يقصر عن وصفه، وذكر أنه يصحب أقضى القضاة ابن السباك، وله به اعتلاق أكيد، واعتلاء ما عليه لمثله مزيد. ١٥٨ - ومنهم - حسين بن عليّ المطريّ العزاويّ متقن لفضيلة، ومتيقن لخير فضيلة، ومجيد في صناعة يد وخاطر، وسرور سمع وناظر، قرأ كتب الحكمة ودرسها، وصور المشجرات بيده كأنه غرسها، وعرف من الموسيقا ما أخذه بدليل، واطّلع منه على علم جليل، وضرب بآلاته كلها لتكميل الأودات (١)، لا للتكسب والمعيشة، وترجية زمان يؤمل أن يعيشه، وزيّن هذا كله بنزاهة نفس تعتاف حتى الجليل، ويعف حتى عن الخليل، إلى صفاء باطن ما تكدّر، وصدق وداد ما استحال مثل البكاء وتغير، صحبني بمصر وقدم على دمشق، وصوّر صور هذا الكتاب، وجاء فيه بعجائب التصور والاكتساب، وهو - أعانه الله - ممن قدّر عليه رزقه، إلا أن عفافه يقنعه، وحكمته عن المطالب تمنعه، ورياضته تشغله بحسن ما [ص ٣٦٤] يقرره، وإحسان يده فيما يصنعه، وله أصوات جليلة، منها في قولي: [البسيط] سعى بكأسيه كي أصلى بناريه … بالخد والكأس يا سكري بخمريه ظبي أغنّ أخذت المسك من فمه … والعنبر الرطب من خطّي عذاريه يا سيف مقلته الوسنى غررت بنا … لما استبحت فؤادي في غراريه لم يرض قلبي ولا عيني لمسكنه … وا شوقتى منه لم يلمم بداريه والغناء فيه زنكلا، ومنها قولي: [الخفيف] حدثاني عن الهوى العذريّ … واطنبا في عذاره العنبريّ واستعيرا لمقلتيّ هجوعا … واسألا للشجي صبر الخلي

стр. 4624

وهبا لي من السلو قليلا … أو دعاني مع كل صب غوي قد أخذتم صبري فهلا أخذتم … لي فؤادي من طرفه البابلي والغناء فيه عراق. ومنها في قولي أيضا في عراق: [الرجز] غن لها برامة ولعلع … واذكر لها ما بالحمى والأجرع وانزل بسكان الكثيب سحرة … واقبس لهيب نارهم من أضلعي واحمل إلى أهل الحمى تحية … من عاشق في حبهم لا يدعي ولا تسل سقيا الحمى صوب الحيا … يكفيه ما أسقيته من أدمعي ومنها في قول لي وهو في عراق أيضا: [مجزوء الوافر] هواكم ماله سبب … سوى قلبي كما طلبوا ألا يا عاذلي فيهم … دع العشاق ينتحبوا أتعجب من ضنى جسدي … وحالي كله عجب وقالوا إنني مضنى … وحق الله ما كذبوا ومنها في قول أيضا [الطويل] تجلت فلاح البدر تحت نقابها … وما ست ففاح الطيب طيّ ثيابها [ص ٣٦٥] قضيب وما غصن النقا مثل قدها … ولا لينه في الروض مثل شبابها طلا الظبي لا يشرق لحاظ عيونها … كفى عينك الكحلاء صبغ خضابها أأهلك فيها هكذا بصبابتي … وأخشى أسود الغيل حول قبابها نأيت إذا عن حب سمراء في الهوى … إذا لم أخض بيض السيوف ببابها

стр. 4625

يلذّ إليّ القتل صبرا بأرضها … إذا دفنوني بعد ذا في ترابها والغناء فيه محير. ومنها في قولي: [مجزوء الخفيف] يا حبيبي وعيني … خل هجري وبيني أنت أوفى البرايا … لا تماطل بديني ما أتى منك عندي … فوق رأسي وعيني فاسقني خمر ريق … من جنى الجنتين ومنها في قولي: [مجزوء الخفيف] في الحشا منك نار … وأسى وادكار (١) طار قلبي اشتياقا … ما لقلبي قرار أنت غصن رطيب … أين منك الثمار عيروني بحبي … ليس في الحب عار والغناء فيهما محير. ومنها في قولي: [الكامل] لاموا عليك وما قلوبهم معي … كلا ولا عبراتهم في مدمعي يا من تلفت كالغزال بلحظه … حسبي التفاتك يا غزال ومطمعي (٢) هب أن شخصك لا يزال بناظري … من ذا الذي أغرى بذكرك مسمعي (٣)

стр. 4626

يا هاجري كن كيف شئت فإنّني … وحياة عينك لست أملك أدمعي والغناء فيه في الرمل ومنها في قولي: ص ٣٦٦] (١) أحبابنا ما هكذا كنتم لنا … ما بيننا لا تشمتوا حاسدا بنا وما في وفاكم من ضنى أو … حضوركم لقد لذّلي في حبّكم ملبس الفنا وأنتم بقيتم لا عدمنا وصالكم … أو فى البرّية على هجركم عندنا وقلتم بأنّا في غنى عن وصالكم … على كّل حال مالنا عنكم غنى والغناء فيه سيكا. ومنها في قولي: [الرجز] متيم فيك على نار الجوى … تشب نيران حشاه بالهوى بالله خفف عنه بعض ما به … لو أنه من جبل كان هوى وخله إذا غوى في حاله … فهل رأيت عاشقا وما غوى إيه وردد طيب ذكراك له … وغن للعشاق إلا في النوى والغناء فيه عشاق (٢). وحدثني ما معناه: أنّه كان قد صنع قانونا اقتناه، وكان ربما غنّى عليه وأخوه

стр. 4627

الأديب أبو علي حاضر يسمعه، ويجني له من عوده ثمر السرور أجمعه، ثم فقد أخوه ذلك القانون، وطوى منه طرب المسامع والعيون، فأفكر فيه أيّة ذهب، وما الذي اختطف أوقاته به وانتهب، ثم وقع على الخبر في ذهابه وفجيعة أترابه بإطرابه، فإذا كان قد رأى صبيا فتنه بحسنه، واستماله بميل غصنه، جعل ذلك القانون صداقه وخلا معه، وعقد عليه عناقه، وبات معه مستبدلا من نظر الخلوة بجهر الخلوة، فساء ذلك أخاه، وثوّره ونحاه، وقال ما أحوجك إلى بلد يصونك، وإخراج العزيز الغالي من مكنونك، وهبك رأيت ظبيا سانحا أعجزك، وأنت أنت عن صيده وقد سنح، وإمساكه وقد جنح، وهل خلقنا لغير هذا، أو عرفت سهامنا إلى غيره نفاذا، ونحن نصل من الصيد إلى ما لا يصل إليه الطير ولا النشاب، ولا غيرهما من مثل هذه الأسباب، ثم حصره في أرجائه، وقسره في هجائه، فقال: [الكامل] لي في دمشق أخ قليل عقله … لا بل سليب الذّهن كالمجنون [ص ٣٦٧] أفعاله أبدا خراف كلّها … لكن ينيك العلق بالقانون (١) ١٥٩ - ومنهم - عزيز جارية الحكم بن هشام (٢)

стр. 4628

جارية لو أماطت نقابها للبدر لتلثم، ولو عاطت رضا بها البريء لتأثم، لو ألمت بحبها عزة الميلاء لما مالت، أو دعت لبنى للبثّ ما قالت، أو أسفرت لابن الرقيات لما رابه من ليلى أذى، أو جليت على بقية العشاق لعذر جميل إذ قال: (رمى الله في عيني بثينة بالقذى) (١)، مع سرعة بوادرر، وطرف نوادر، وحسن غناء يجر الافئدة بأشطان (٢)، وينفذ إلى القلوب بسلطان، وينفث السحر، فلا غرو إذا قيل إن الغناء مزمار الشيطان. ومن أصواتها: (٣) [الطويل] وإني لأستحيي القنوع ومذهبي … فسيح وآبى الشح إلا على عرضي وما كان مثلي يعتريك رجاؤه … ولكن أساءت سيمة من فتى محض وإني وأشواقي إليك بهمتي … لكالمستقي من زبدة الماء بالمخض والشعر لمسلم بن الوليد، والغناء فيه من أول الثقيل، وكذلك صوتها: (٤) [الخفيف] يا شبابي وأين مني شبابي … آذنتني أيامه بانقضاب ومعز عن الشباب مواس … بمشيب اللدات والأصحاب قلت لما انتحى يعد أساه … من مصاب شبابه فمصاب ليس تأسو كلوم غيري كلومي … ما به ما به وما بي وما بي والشعر لابن الرومي، والغناء فيه في الهزج.

стр. 4629

وكذلك صوتها: (١) [المجتث] تأمل العيب عيب … وليس في الحق ريب فكل خير وشر … دون العواقب غيب وإنما كل شيء … شبيبة ثم شيب لا تحقرن سبيبا … كم جر نفعا سبيب والشعر لابن الرومي، والغناء فيه .... وحكي أن الحكم [ص ٣٦٨] كان يهوى جارية من جواريه اسمها حين، فخرج مرة إلى الصحراء متنزها، والربيع قد وشى الجلابيب، ووشح مجر أذيال الكثيب، فنزل والأصل قد اعتلت كأنها تشكو فراق حبيب، والشمس قد جعلت نصب عينها المغيب، وكان قد خلف حينا (٢) وراءه فبات لا تطعم النوم جفونه، ولا تلمس الرقاد عيونه، فاستدعى ملهياته ليشغلنه ليلته بطربهن، وكانت عزيز شاعرة مغنية لبيبة أديبة فطينة، كثيرة الرواية، ففطنت لحال مولاها وما وجده لفراق حنين، ووجهه من القلق لوشيك البين، فصنعت لحنا في شعر بعض الأزد، وهو أبو عدي عامر بن سعيد أحد بني النمر بن عثمان: (٣) [الطويل] ألا من لنفس [لا] تؤدى حقوقها … إليها ولا ينفك غلا وثيقها عصت كل ناه مرشد عن غواته … فإن لها في الغي نحبا يسوقها إذا استدبرت من غيها عطف الهوى … عليها أمورا عصبة ما تطيقها وقد دهديت بالحي دار مشتة … وصرف النوى اشتاتها وصفوقها

стр. 4630

ألا طرقتنا أم سلم وأرقت … فيا حبذا إلمامها وطروقها فيا ليتني حمت لنفسي منيتي … ولم تتعلقني لحين علوقها وردّدته حتى أجادته، فلما استدعى الحكم جواريه، دخلت عزيز من باب المضرب وهي تغنّي هذا الصوت، فاهتز الحكم حتى خرج عن فرشه وقال: لله أنت يا عزيز، ما أبصرك بمواقع البلوى، وأعرفك بمواضع الشكوى، لمن الشعر؟ فقالت: إنه لرجل من بني النمر بن عثمان، فقال: والله أنت أحق منه، إذ أتيت به كأنه صيغ لما نحن فيه، ثم أمرها بإعادته، وبعث لوقته من أحضر حينا، وأقام في منتزهه أياما كأنما كانت أحلاما، وأمر لعزيز بعشرة آلاف، وأمرت لها حين بمثلها، ثم كانت تصفيها الودّ مدة حياة الحكم. وحكي أنه استدعى بها في غرة يوم طلعت شمسا في صباحها وكأسا لا صطباحه، وكان [ص ٣٦٩] الحكم لا ينال اللذات إلا سرا، ولا يلم بالشراب حتى يلقي عليها سترا، ولا يجالس إلا من داخل ستارة، ولا ينافس في القمر إلا من دائرة دائرة، خوفا من فضيحة الاشتهار، وفرارا من علن الإظهار، وظل يقترح يومه عليها وعلى سائر جواريه الأصوات، ويحث المدام بها في الخلوات، إلى أن صدع الليل زجاج النهار، وبان في جفن عين الشمس الانكسار، وشرعت تنكر الجواد، وتقبل شيعة الليل من الشرف بشعار السواد. قال الحكم: هل فيكن من ينظم في هذا الشعر؟ فبدرت عزيز فقالت: [الخفيف] قد تقضي النهار إلا بقايا … من شعاع مخلّف للأصيل (١) وأتانا الظلام من جهة الشر … ق فأهلا منه بخير نزيل

стр. 4631

دام هذا وذا بطول بقاء ال … حكم السيد الفتى المأمول فوقع شعرها منه موقع الاستحسان، ووصلها بما غمرها به من الإحسان، ثم أمرها فصاغت فيه لحنا، وغنت فيه ليلتها كلها وهو يوالي عليه الكؤوس ويحثها حتى أحرقت فحمة الليل جمرة الشموس، فلما أصبح يريد البكور إلى الرواق للجلوس على سريره ويكمله بتصريف الأوامر تمام شكوره، أمر لعزيز بعشرة آلاف درهم، وكارة (١) جليلة من القماش، وزاد في قدر جاريتها، ثم نقلها إلى خواص حظاياه وامهات اولاده، وبقيت على هذا حتى ماتت وهي ضجيعته وعلى وساده. ١٦٠ - ومنهم - عزيز جارية الحكم بن هشام (٢) جارية تفتن البصر، وتعقل اللسان بالحصر، وتفوت رام رامه، وتتهم بشبهها خادر تهامة، وتصمي الأحشاء من حدقها بقسيّ ماله وتر (٣)، وتشب جمر القلوب من جفنها بما فتر، وتغني والحمام قد أخذت بأهزاجها، والبروق قد علنت بماء السحاب مزاجها، فتهز القدود أكثر من هز الأغصان، وتكلف اللّحز الشحيح بذل ما صان، ولهذا كان هواها حكما على الحكم، ومستنطقا لعبراته وقد أبكم، فكان لا يصبر على نأيها، ولا يصبر [ص ٣٧٠] عن ماءتها، يظن أنفاسها أنفاسه التي هي مدد الحياة وسبب وجوده في الدنيا وبقياه، ولها صناعة في أصوات منها: (٤) [المنسرح]

стр. 4632

كان رحيلي من أرضكم عجبا … وحادثا من حوادث الزّمن من قبل أن أعرض الفراق على … قلبي وأن أستعدّ للحزن والشعر للعباس بن الأحنف، والغناء من الثقيل الأول. وحكي أنّ الحكم كان يهوى جارية له لا يرى القمر إلا طالعا في لبتها (١) ولا الرأي إلا محبتها، ثم تنكر لها فتجنت عليه وتثنت، إلا أنها ما ألوت إليه، فعز لديه هجرانها، وأعرض عنها وفي أحشائه نيرانها، ثم لم يجد إلا أن أغلظ في عتباها، وظنه سببا لمتابها، فزادت عليه تأتيا كدّر عيشه ونكد عليه نكدا ضعضع جيشه، وكان لا يتسلى ولا يهنأ بعيش ولا يتملّى، ولم يجسر أحد على خطابه، وكف جامح عتابه، حتى أمر جواريه أن تغنيه، فغنين حتى فرغن وما أغنين، فلما انتهت النوبة إلى عزيز اندفعت تغني هذا: (٢) [الطويل] بزينب ألمم قبل أن يرحل الركب … وقل إن تملينا فما ملّك القلب وقل إن أنل بالحب منها مودة … فما فوق ما لا قيت من حبكم حب وقل في تجنيها لك الذنب إنما … عتابك أن عاتبت فيما له عتب فمن شاء رام الهجر أو قال ظالما … لذي وده ذنب وليس له ذنب والشعر لنصيب، والغناء فيه ثاني الرمل، فقام لوقته وصالحها، ووهب عزيزا وأوصلها، وقال: هلا منكن واحدة فعلت فعلها، وهذا الصوت من قصيدة طايلة (٣) وهي: خليلي من كعب ألما هديتما … بزينب لا يفقد كما أبدا كعب ومل يوم زوراها فإن مطينا … غداة غد عنها وعن أرضها نكب

стр. 4633

فقولا لها لم يبق حبا ولم يدم … على الحال إلا أن يكون له عتب [ص ٣٧١] وقولا لها ما في البعاد لذي الهوى … رواح وما فيها لصدع الهوى شعب وقولا لها يا أم بكر أحلّة … مساعفة في وصلنا أنت أم حرب وقولا لها إن أجز بالنصب منكم … سلاما ففيما قد كلفت بكم نصب فقد كنت أعصي فيك أهل قرابتي … وأشغب بالأقصى الذي قوله شغب وأغضي كثيرا عن نواحي مقالة … أمضّ لها جلدي كما يؤلم الضرب وقد أنكرتني الأرض بعد اغتباطها … بمعرفتي والأرض طيبة خصب وقد قال ناس حسبه من طلابها … فقلت كذبتم ليس لي دونها حسب ومن قبل ما قالوا صبا فرددتهم … بقولي ألم يلقوا امرأ فيكم يصبو وعلقتها غرا حديثا ولم ترد … شبابا على أيام كان له إتب (١) إلى اليوم حتى عاد في رأسي الخلى … سريعا وأقراني مفارقهم شهب (٢) ١٦١ - ومنهم - بهجة جارية الحكم (٣) جارية تخجل الشمس فتتبرقع بالشفق، وتفضح النسيم فلا غرو بسعيه إذا خفق، كانت إذا اندفعت للغناء فتقت ما على المسامع من الغشاء، وطفقت تزيد حياء، جارية تنقص، وصفقت الجداول والأغصان ترقص، وانقطعت سلامة القس في ديرها، وقلّت فضل بالنسبة إليها فكيف حال غيرها، وكانت تذكر البقية المروانية سالف الأيام، وطائف خيال زمانهم، وفي طاعتهم الأنام فيذكر

стр. 4634

باقيهم أباه الأملاك، ويقول كما قال جده عبد الملك نحن كذلك، فسعى مدامعه البشام، وأسف لطيب أيام، لو تكون له بالشام وهي الأيام لا تذر، ولا تصفح عمن أضر واعتذر، سلبتهم جلباب ذاك الأوان، وفعلت بهم فعلها بصاحب الإيوان، إلا أنهم عمرو الأندلس بالملاذ، وغنوا بها عن دمشق وبغداد، وداموا بها، إلا أن كل نعيم إلى نفاد. ولها أصوات فمن مشهورها قولها: (١) [مجزوء الرمل] يا شبية البدر في الحس … ن وفي بعد المنال [ص ٣٧٢] جد فقد تنفجر الصّخ … رة بالماء الزّلال والشعر لابن الرومي، والغناء فيه في الهزج. وحكي أن الحكم جلس في مجلس له يمتد فيه طلق النظر في فسيح الفضاء، وقد خلا بلذاته، وأقبل على أنسه، وجمع جواريه واقترح عليهن الأصوات، وجعل بينهن الخيار، فلم تبق واحدة منهن حتى بلغت جهدها فيما أتت به، فلما تصرم المجلس أو كاد، وبرز جنح العصر في مجسد من جساد ورق ليصدع زجاجته، وبرق نهر النهار لأنفته من محاجّته، أقبل عليهن وقال لهن: أيّتكنّ تضع لحنا في شعر من أشعار عشاق العرب يحسن لديّ موقعه، ويزلف له في قلبي موضعه، حكمت لها على صاحباتها، وأجبتها إلى ما تمنّت، فلم يبق منهنّ إلا من صنع لحنا، وأبدع فيه حسنا، وهو لا يقبل عليه ولا يلتفت إليه، حتى اندفعت بهجة تغني هذا: (٢) [الطويل]

стр. 4635

وإني لتعروني لذكراك هزة … لها بين جلدي والعظام دبيب وما هو إلا أن أراها فجاءة … فأبهت حتى ما أكاد أجيب وأصرف عن رأي الذي كنت أرتئي … وأنسى الذي أعددت حين يغيب ويظهر قلبي عذرها ويعينها … علي فما لي في الفؤاد نصيب وقد عدمت نفسي مكان شفائها … قريبا وهل ما لا ينال قريب لئن كان برد الماء أبيض صافيا … إلي حبيبا إنها لحبيب والشعر لعروة بن حزام العذري، والغناء فيه ثاني الرمل، فطرب الحكم ومال وقال: والله كأني لهذا كنت أحاول، وله أتطلب، ثم حكم لها على كل من تغنت، وأنجز لها ما تمنت. من أصواتها هذا: (١) [الطويل] وإني لمحزون عشية جئتها … وكنت إذا ما جئتها لا أعرّج فلما التقينا لجلجت في حديثها … ومن آية الهجر الحديث الملجلج [ص ٣٧٣] والشعر لأبي دهبل الجمجي، والغناء فيه في ثاني الرمل مزموم. وحكي أن الحكم جلس في مجلس، وحكي أنها حضرت يوما لديه وكان قد وجد لفراق جارية له كانت استأذنته في الخروج للتنزه في بعض القصور، وشعرت لما في نفسه، فغنت: (٢) [الطويل] أحبابنا قد أنجز البين وعده … وشيكا ولم ينجز لنا منكم وعد

стр. 4636

أأطلال دار العامرية باللوى … - سقت ربعك الأنواء - ما فعلت هند بنفسي من عذبت نفسي محبة … وإن لم يكن [منه] وصال ولا ودّ حبيب من الأحباب شطت به النوى … وأي حبيب ما أتى دونه البعد والشعر للبحتري، والغناء فيه في الثقيل الأول، فقال لها: لكأنك كنت في صدري، ثم أمر لها بمائتي دينار وقطعا من الجوهر. وكذلك من أصواتها: (١) [البسيط] بانوا فكانت حياتي في اجتماعهم … وفي تفرّقهم قلبي وإقصادي وفي الخدور غمامات برزن لنا … حتى تصيّد منا كل مصطاد وهن ينبذن من قول يصبن به … مواقع الماء من ذي الغلة الصادي يقتلننا بحديث ليس يعلمه … من يتقين ولا مكنونه باد والشعر للقطامي، والغناء فيه مزموم (٢). ومن محاسن القصيد التي منها هذا الصوت: (٣) [البسيط] حلّوا بأخضر قد مالت شرارته … من ذي غناء على الأعراض أنضاد مالي أرى الناس مزورا فحولهم … غنى إذا سمعوا صوتي وإنشادي فطالما ذب عني سيّر جرد … يصبحن فوق لسان الرائح الغادي

стр. 4637

فلا يطيقون حملي إن هجوتهم … وإن مدحتهم لم يبلغوا آدي (١) من مبلغ زفر القيسي مدحته … من القطامي قولا غير أفنادي إني وإن كان قومي ليس بينهم … وبين قومك إلا ضربة الهادي (٢) [ص ٣٧٤] مثن عليك بما استبقيت معرفتي … وقد تعرض مني مثقل بادي فلن أثيبك بالنعماء مشتمة … ولن أبدل إحسانا بإفساد وما نسيت مقام الورد تحبسه … بيني وبين خفيف الغابة الغادي لولا كتائب من عمرو تصول بها … أرديت يا خير من يندو له النادي (٣) إذا الفوارس من قيس [بشكّتهم] … حولي شهود وما قومي بشهاد إذ يعتريك رجال يسألون دمي … ولو أطعتهم أبكيت عوادي والصيد آل نفيل خير قومهم … عند الشتاء إذا ماضن بالزاد يا قوم قومي مكاني منصب لهم … ولا يظنون إلا أنني راد (٤) ولا كردك مالي بعد ما كربت … تبدي الشناءة أعدائي وحسادي لا يبعد الله قوما من عشيرتنا … لم يخذلونا على الجلى ولا العادي (٥) محمية وحفاظا إنهم شيم … كانت لقومي عادات من العاد لم تر قوما هم شر لإخوتهم … منا عشية يجري بالدم الوادي

стр. 4638

مستلبثين وما كانت أناتهم … إلا كما لبث الضاحي عن الغادي حتى إذا ذكت النيران بينهم … للحرب يوقدن لا يوقدن للزاد نقريهم لهذميات يقدّ بها … ما كان خاط عليهم كلّ زراد (١) أبلغ ربيعة أعلاها وأسفلها … إنا وقيسا تواعدنا لميعاد فكان قومي ولم تغدر لهم ذمم … كصاحب الدين مستوف ومزداد ١٦٢ - ومنهم - مهجة جارية الحكم جارية تجلو القمر إذا غاب، ويحل ظبيها الكانس في غاب، تدني الرغاب، وتلهي بأشجان طربها السّغاب (٢)، هوى المتمني ورضى المختلي، لا يعدوها الاقتراح، ولا يعد لها حبيب وقت راح، إلى ذكاء وفطنة لا تقتدحها خواطر النساء، ولا يقترحها الفحول على الخنساء، لو مرّ بها ذو الرمّة لما كان سواها عليه ينفق، ولا وصف غيرها هانئ ينفق. ولها أصوات منقولة مشهورة: (٣) [ص ٣٧٥] [الطويل] سأعرض عما أعرض الدهر دونه … وأشربها صرفا وإن لام لوّم فإني رأيت الكأس يا سلم خلة … وفت لي ورأسي بالمشيب معمم وصلت فلم تبخل علي بوصلها … وقد بخلت بالوصل تكنى وتكتم ومن صارم اللذات إن خان بعضها … ليرغم دهرا ساءه فهو أرغم والشعر لابن الرومي، والغناء فيه. وكذلك صوتها وهو مما اقترح الحكم أن تغني فيه: (٤) [الوافر]

стр. 4639

ألا زارت وأهل منى هجود … وليت خيالها بمنى يعود حصان لا المريب لها خدين … ولا تفشي الحديث ولا ترود ونحسد أن نزوركم ونرضى … بدون البذل لو رضي الحسود فلا بخل فيوئس منك بخل … ولا جود فينفع منك جود شكونا ما علمت فما أويتم … وبا عدنا فما نفع الصدود هوى بتهامة وهوى بنجد … فلبّتني التهائم والنجود والشعر لجرير، والغناء فيه. وحكي أن بعض جواريه سألته في الخروج إلى بعض متنزهات قرطبة (١) النائية، فأذن لها على كره منه لفراقها، ثم قال: والله لا تذهبين حتى أراك عندي الليلة كلها، ثم أحضر جواريه الغناء، وقضى معها ليلة متلألئة السناء، فلما صدح الصباح وفتح النهار بابا كان في الليل مرتجا، أزمعت الجارية على الخروج، وقد قدمت المراكيب، وجاء الصبح بموعده القريب، أخذ الحكم كالأفكل (٢) وعلاه النحيب، ثم أنشد متمثلا، قول ذي الرمة: أفي الدّار تبكي أن تحمّل أهلها … وأنت امرؤ قد حكّمتك العشائر وجعل يردد هذا البيت، وقال لجواريه: أيّتكنّ سبقت إلى عمل لحن في هذا البيت وما يضمّ إليه، فلها حكمها، فابتدرت مهجة وغنّت، ثم سوّغها الحكم ما تمنّت، والصوت: (٣) [الطويل]

стр. 4640

أفي الدار تبكي أن تحمل أهلها … وأنت امرؤ قد حكمتك العشائر فلا ضير أن تستعبر العين إنني … على ذاك إلا جولة الدمع صابر وإن لامني ياميّ من دون صحبتي … لك الدهر من أحدوثة النفس ذاكر وأن لا ينال الركب تهويم وقعة … من الليل إلا اعتادني منك زائر والصوت من قصيدة من غرر ذي الرّمة. ومنها: لقد نام عن ليلي لقيط وشاقني … من البرق علوي السناء مياسر أرقت له والثلج بيني وبينه … وحومان حزوى فالحمول البواكر (١) أجدّت بأغباش فأضحت كأنها … مواقر نخل أو طلوح نواضر (٢) وتحت العوالي والقنا مستظلة … ظباء أعارتها العيون الجآذر (٣) هي الأدم حاشا كل قرن ومعصم … وساق وما ليثت عليه المآزر وغبراء يحمي دونها ما وراءها … ولا يختطيها الدهر إلا مخاطر قطعت بخلقاء الدفوف كأنها … من الحقب ملساء العجيزة ضامر (٤) إذا القوم راحوا راح فيها تقاذف … إذا شربت ماء المطي الهواجر وماء تجافى الغيث عنه فما به … سواء الحمام الحضّن الخضر حاضر وردت وأرداف النجوم كأنها … وراء السماكين المها واليعافر (٥) على نضوة تهدي بركب تطوّحوا … على قلص أبصارهن غوائر وحكي أن الحكم اقترح عليها أن تصنع صوتا في شعر أبي تمام.

стр. 4641

وهذا هو: (١) [الطويل] أنا ابن الذين استرضع المجد فيهم … وسمي فيهم وهو كهل ويافع مضوا وكأن المكرمات لديهم … لكثرة ما وصّوا بهن شرائع فأي يد في المجد مدت فلم تكن … لها راحة في مجدهم وأصابع هم استودعوا المعروف محفوظ مالنا … فضاع وما ضاعت لدينا الصنائع [ص ٣٧٧] فصنعت في ثقيل الرمل فلم تقع في نفسه بموقع فقالت: سأصوغ له لحنا غير هذا، فقال: هيهات قد تكدّر عليّ صفوه، ولكن انظري شيئا تصنعين فيه سواه، فصنعت في قول أبي تمام: (٢) [الطويل] جرى حاتم في حلبة منه لو جرى … بها القطر قال الناس أيهما القطر فتى ذخر الدنيا أناس ولم يزل … لها باذلا فانظر لمن بقي الذخر فمن شاء فليفخر بما كان من ندى … فليس لحي غيرنا ذلك الفخر جمعنا العلى بالجود بعد افتراقها … إلينا كما الأيام يجمعها الشهر فلما تغنّت به اهتز الحكم حتى كاد يخرج عن السرير، وقال لها: أحسنت والله وأجملت وزدت على ما في أمنية نفسي، وأمر لها بمائة دينار لكل بيت، فقامت بأربع مئة دينار. وجمع الحكم يوما جواريه وأمرهن أن يغنين في شعر الفرزدق: (٣) [الوافر] وقالوا إن عرضت فأغن عنا … دموعا غير راقية السجام (٤) وكيف إذا رأيت ديار قوم … وجيران لنا كانوا كرام

стр. 4642

أكفكف عبرة العينين مني … وما بعد المدامع من لمام فعملن فيه أصواتا أخذن ألحانها، وأقمن أوزانها، وكانت مهجة أوقعهن على ما في نفسه، فقال لها: اقترحي حكمك، فقالت: أن لا يغنين إلا من أصواتي، فأمرهن بذلك، وأمرها بأن تلقي عليهن حتى حفظن ذلك عنها ثم غنينه ذلك اليوم بأصواتها، فأجزل صلتها ووصل سائرهن. وهذا الصوت من قصيدة هجا الفرزدق فيها جريرا، ومدح هشام بن عبد الملك، فمنها في هجاء جرير: (١) [الوافر] وبيض كالدمى قد بت أسري … بهن إلى الخلاء عن النيام مشين إلي لم يطمثن قبلي … وهن أصح من بيض النعام وبتن لدي فيه مصرعات … وبت أفض أغلاق الختام [ص ٣٧٨] كأن مغالق الرّمان فيه … وجمر غضى قعدن عليه حام ومنها في مدح هشام: (٢) يقول بنيّ هل لك من رحيل … لقوم منك غير ذوي سوام (٣) فينهض نهضة لبنيك فيها … غنى لهم من الملك الشآمي أقول لناقتي لما ترامت … بنا بيد مسربلة القتام أغيثي من وراءك من ربيع … أمامك مرسل بيدي هشام

стр. 4643

يدي خير الذين بقوا وماتوا … إمام وابن أملاك عظام إلام تلفّتين وأنت تحتي … وخير الناس كلهم أمامي متى تردي الرصافة تستريحي … من التهجير والدبر الدوامي ويلقى الرحل عنك وتستغيثي … بغيث الله والملك الهمام وحبل الله حبلك من يذله … فما لعرى يديه من انفصام يداك يد ربيع الناس فيها … وفي الأخرى الشهور من الحرام وإن الناس لولا أنت كانوا … حصى خرز تبدّد من نظام وليس الناس مجتمعين إلا … لخندف في المشورة والخصام وبشرت السماء الأرض لما … تحدثتا بإقبال الإمام إلى أهل العراق وإنما هم … بقايا مثل أشلاء الرمام أتانا زائرا كانت علينا … زيارته من النعم الجسام فجاء بسنّة العمرين فيها … شفاء للصدور من السقام رآك الله أولى الناس طرا … بأعواد الخلافة والسلام رأيت الظلم لما قام جذت … عراه بشفرتي ذكر حسام إذا ما سار في أرض تراها … مظللة عليه من الغمام وفي هذه القصيدة أبيات طائلة (١) في وصف الناقة والسير، وهي: (٢) تزف إذا العرى قلقت عليها … زفيف الهادجات من النعام (٣) [ص ٣٧٩] كأن أراقما علقت يداها … معلقة إلى عمد الرخام

стр. 4644

كأن العنكبوت تبيت تبني … على الأشداق من زبد اللغام رجوف الليل قد بقيت وكلت … من الآداب فائرة النعام فما بلغت بنا إلا جريضا … بنقي في العظام وفي السنام كأن النجم والجوزاء يسري … على آثار صادية أوام كأن العيس حين أنخن هجرا … مفقأة نواظرها سوامي ومن أصواتها في شعر ابن الدمنية هذا: (١) [الطويل] لقد كان في الهجران لي أجر لقد … مضى الأجر لي في الهجران منذ زمان (٢) فو الله لا أدري أكل ذوي الهوى … على ما بنا أم نحن مبتليان ١٦٣ - ومنهم - فاتن جارية الحكم (¬_٢) جارية قرطبة بمحاسنها قرطبة (٣)، وأفرطت في التمايل بأصواتها المطربة، لو أسفرت لا تهمت في طلاها كل أم خشف، ولو سقت المحرور بسوى رضابها لم يشف، حجبت بستور الخلائف الأموية حيث دالت دولتها، وعادت صولتها، وسلت من وراء البحر الأخضر سيوفها فراع بريقه في بغداد أهل السواد، وخاف

стр. 4645

كل راكب على عود رقاه الأعواد، وكانت تشف كما تشف الشمس وراء الغمام، وتبدو بدّو البدر التمام. ومن أصواتها المشهورة: (١) [الطويل] إذا حان منا بعد ميّ تعرض … لنا حنّ قلب بالصبابة مولع وما يرجع الدهر الزمان الذي مضى … وما للفتى في دمنة الدار مجزع (٢) عشية مالي حيلة غير أنني … بلقط الحصى والخط في الدار مولع أخط وأمحو الخط ثم أعيده … بكفي والغربان في الدار وقّع والشعر لذي الرمة والغناء فيه [ص ٣٨٠] وخرق إذا الآل استحارت نهاؤه … به لم يكد في جوزه السير ينجع (٣) قطعت ورقراق السراب كأنه … منابت في أرجائه تتربع وقد ألبس الآل الأياديم وارتقى … على كل نشز من حوافيه مقنع (٤) بمخطفة الأحشاء أزرى بنيّها … جذاب السرى بالقوم والطير هجع (٥) إذا انجابت الظلماء أضحت رؤوسهم … عليهن من طول الكرى وهي ظلع (٦) يقيمونها بالجهد حالا وتنتحي … بها نشوة الإدلاج حينا فتركع ترى كل مغلوب يمد كأنه … بحبلين من مشطونة يتنوع (٧)

стр. 4646

على مسلهمّات بجانب سبقها … غرائب حاجات ويهماء بلقع (١) بدأنا بها من أهلها وهي بدّن … فقد جعلت في آخر الليل تضرع (٢) وما قلن إلا ساعة في مغوّر … وما بتن إلا تلك والصبح أدرع (٣) إذا أبطأت أيدي امرئ القيس بالقرى … عن الركب جاءت حاسرا لا تقنّع (٤) كأن مناخ الراكب المبتغي القرى … إذا لم يجد إلا امرأ القيس بلقع ١٦٤ - فاتك جارية الحكم بن هشام (٥) عقلية حجب، وعقيدة نجب، بيضاء حمراء، غراء قمراء، فاتر لفظها، فاتك لحاظها، اكتنفتها الستور الأموية، وكفتها أن يعدل معها أحد بالسوية، ورقت تلك السرور (٦)، وراقت لها نطف تلك الغدر، وكانت زهرة زهراتها، وثمرة سرّائها. وحكي أنها بلغت من الأدب ما أنطق لسانها، وحقق إحسانها، وولعت بصناعة الغناء حتى كانت بأفق الأندلس بدل بدل، ونظير ما ضرب به مثل مثل، وأمل المقترح وزيادة على أمل، أكثر ماله للقدود من نوافح الصباء، وسوافح الأنواء.

стр. 4647

ومن أصواتها: (١) [الطويل] أمن رسم كلد مربع ومصيف … بعينيك من ماء الشؤون وكيف (٢) تذكرت فيها الحي حتى تبادرت … دموعي وأصحابي علي وقوف [ص ٣٨١] يقولون هل يبكي من الشوق حازم … وإن بان حبّ بالنوى وأليف فلأيا أزاحت علتي ذات منسم … نكيب لها إثر الفراق وجيف (٣) والشعر للحطيئة وفيه تحريف كلم، والغناء فيه من المزموم. ومن تمام هذا الشعر: إليك سعيد الخير جبت مهامها … يقابلني آل بها وتنوف (٤) فلولا الذي العاصي أبوه لما ثوت … بحوران مذعان العشي عصوف (٥) وذاك أصيل اللب غض شبابه … كريم لأيام المنون عروف إذا هم بالأعداء لم تثن همه … حصان عليها لؤلؤ وشنوف (٦) حصان لها في البيت زي وبهجة … ومشي كما تمشي القطاة قطوف (٧)

стр. 4648

ولو شاء وارى الشمس من دون وجهه … حجاب ومطوي السراة منيف (١) ولكن إدلاجا بشهباء فخمة … لها لقح في الأعجمين كشوف (٢) إذا قادها للموت يوما تتابعت … ألوف على آثارهن ألوف فصفوا وماذي الحديد عليهم … وبيض كأولاد النعام كثيف (٣) خفيف المعى لا يملأ الهم صدره … إذا سمته الزاد الخبيث عيوف (٤) وحكي أنّ الحكم دخل عليها وهي نائمة، وقد كحّلت أجفانها بسباتها، وصقل صفائح وجناتها، وقد وسّدها سكر الدلال اليمين والشمائل، وجلا منها اطّراح اللثام ما تحت الخمر والغلائل، وقد كلل الجبين لؤلؤ العرق، واجتمع الحسن فيها كما اتفق، فاختلس منها قبلة، أكل بها ما وجد من الحلاوة في صحن خدها، ثم ضمها إليه ضمة دخل بها بين ترائبها وعقدها، وهي لا تتيقظ، كأنها مخمورة، ولا تنفك من يده كأنها مأسورة، ثم لم يزل يقبلها في مضجعها ويقلّبها ولا يرثي لتفجّعها، حتى ذبل ورد مراشفها، وانتهب عناقيد سوالفها، فانتبهت كأنها ظبية مذعورة، وقامت تهتز مثل غصن بان ممطورة، ثم قالت: [ص ٣٨٢] [الخفيف] من أباح التّقبيل واللّثم خدّي … فجنى ريقتي وذبّل وردي ليت من جاء آخر الليل نحوي … كان حبّي من أوّل الليل عندي فقال الحكم: لله أنت إذ قمت ولله أنت إذ قلت، ثم أمرها فغنّت فيها، ولم تزل تردد الصوت ويستعيده ويستطيبه ويستجيده حتى كان ذلك لها يوما معدودا، وعيدا لا عيب فيه، إلا أنّا لم نره مشهودا.

стр. 4649

١٦٥ - ومنهم - أفلح الرّباني ممن قدم على الحكم، رجل لا يملّ منه سمير، ولا يحلّ مثله في ضمير، قدم على الملك الهمام، وتقدم الصفوف إلى الإمام، وسلطان الحكم يومئذ زاخر العباب، فاخر الجلباب، وطائره ميمون، وزائره ما عليه إن فاته المأمون، قد أزلفت له بقرطبة (١) الجنان، وزخرفت الأفنان، والحكم ينفض عن الحكم وسنه، ويسكت من الرق لسنه، وأياديه بيض، وعواديه تفيض، وأعاديه إذا ذكرت ذكره تحيض، فاشترى إليه ما لم يجده عنده ابن أبي سفيان، سائب خاثر (٢) من الأيادي، ولا عند ابن يزيد عمر الوادي (٣). ومن أصواته: (٤) [الطويل] دع القلب واستبق الحياء فإنما … تباعد أو تدني الرباب المقادر (٥) أمت حبها واجعل رجاء وصالها … وعشرتها كبعض من لا يعاشر وهبها كشيء لم يكن أو كنازح … به الدار أو من غيبته المقابر فإن كنت علقت الرباب فلا تكن … أحاديث من يبدو ومن هو حاضر (٦) والشعر لعمر بن أبي ربيعة.

стр. 4650

١٦٦ - ومنهم - رغد جارية المغيرة بن الحكم (١) جارية (٢) لم تكن أيام وصلها هي العيش لما سميت رغدا، ولا جعلت لليوم غدا، متعت القلوب بصفاتها، وجمعت بين العيون وإغفائها (؟)، ووصلت إلى البقية الأموية، وقد سلبوا رداء الخلافة، وقربوا من [ص ٣٨٣] ردى الهلك، فأحيت الذماء، وأحرزت الدماء، فكانت تضيء في مجالس القوم إضاءة الشّمع المتقد، وتجلس من تعنت المنتقد، إلا أنها كانت حاكمة على المغيرة، لو كلفته بذل نفسه لما بخل، أو ألجأته إلى ما دخل فيه الوليد لدخل، حتى كادت تكون المبيرة، وتنهب غاراتها لبّ المغيرة، ويحكى عنها كمال أدب كانت أتقنته، وإتقان طرب حسنته، وتمام جمال أوتيت منه أوفر الحظوظ، وأوفى ما يرى من الحسن الملحوظ، وفضل أدوات وإجادة في شعر وأصوات. شعرها الذي لحنته [الخفيف] أين أيامنا بجلق أينا … كان ذاك الزمان للدهر عينا شتتونا وأسهروا كل عين … لا تهنّا العادي ولا قر عينا ومن أصواتها المشهورة (٣) [الطويل] إذا قمن أو حاولن مشيا تأطرا … إلى حاجة مالت بهن الروادف فلما هممنا بالتفرق أعجلت … بقايا اللبانات الدموع الذوارف فأتبعتهن الطرف متّبل (٤) الهوى … كأني يعانيني من الجن طائف وكل الذي قد قلت يوم لقيتكم … على حذر الأعداء للقلب شاعف

стр. 4651

والشعر لعمر بن أبي ربيعة، والغناء فيه في الثقيل الأول. [ومن أصواتها]: (١) [الطويل] لقد هاج هذا القلب عينا مريضة … أجالت قذى ظلّت به العين تمرح (٢) صحا القلب عن سلمى وقد برحت به … وما كان يلقى من تماضر أبرح إذا سايرت أسماء قوما ظعائنا … فأسماء من تلك الظعائن أملح تقول سليمى ليس للبين راحة … بلى إن بعض البين أشفى وأروح والشعر لجرير، والغناء فيه في الرمل المزموم، وهذه قصيدة هي من قلائده أولها: أجدّ رواح الحي أم لا تروّح … نعم كل من يعنى بجمل مبرّح (٣) [ص ٣٨٤] إذا ابتسمت أبدت غروبا كأنها … عوارض مزن تستهل وتلمح (٤) ومنها في وصف السير في وقت قيظ: أعائفنا ما ذا تعيف وقد مضت … بوارح قدام المطي وسنّح (٥) نقيس بقيات النطاف على الحصى … وهن على طي الحيازيم جنّح (٦)

стр. 4652

ويوم من الجوزاء مستوقد الحصى … تكاد صياصي العين منه تصيّح (١) شديد اللظى حامي الوديقة ريحه … أشد لظى من شمسه حين تصمح (٢) نصبت له وجهي وعنسا كأنها … من الجهد والإسآد قرم ملوح (٣) ومن أصواتها: (٤) [البسيط] إنا محيّوك فاسلم أيها الطلل … وإن بليت وإن طالت بك الطول إني اهتديت لتسليم على دمن … بالغمر غيّرهن الأعصر الأول (٥) فهن كالحلل الموشي ظاهرها … او كالكتاب الذي قد مسه بلل كانت منازل منا قد نحل بها … حتى تغير دهر خائن خبل أمست عليّة يرتاح الفؤاد لها … وللرواسم فيها بيننا عمل (٦) والعيش لا عيش إلا ما تقر به … عين ولا حال إلا سوف تنتقل والشعر للقطامي عمرو بن شييم بن عمرو التغلبي، والغناء فيه، وهو هذه الأبيات من كلمة له طويلة طائلة (٧)، أغار مسلم بن الوليد على سرحها (٨)، وجهد نفسه حتى اطّلع على صرحها، ومنها:

стр. 4653

والناس من يلق خيرا [قائلون] له … ما يشتهي ولأم المخطئ الهبل (١) قد يدرك المتأني بعض حاجته … وقد يكون مع المستعجل الزلل ومنها في وصف الأينق: حتى ترى الحرة الوجناء لاغبة … والأرحبي الذي في خطوه خبل (٢) خوصا تدير عيونا ماؤها سرب … على الخدود إذا ما اغرورق المقل (٣) [ص ٣٨٥] يرمي الفجاج بها الركبان معترضا … أعناق بزّلها مرخى لها الجدل (٤) لواغب الطرف مثقوبا جوانبها … كأنها قلب عادية مكل (٥) يمشين رهوا فلا الأعجاز خاذلة … ولا الصدور على الأعجاز تتكل (٦) يتبعن سامية العينين تحسبها … مجنونة أم ترى مالا ترى الإبل ومن أصواتها المشهورة: (٧) [الطويل] تغن بريّا يا بن سعد فإنما … تلام على الصمت النساء الحرائر

стр. 4654

غناء يظل الجود منه كأنما … على رأسها من سورة السمع طائر والشعر للصمّة بن عبد الله القشيري، والغناء فيه: [المنسرح] لا النوم أدري به ولا الأرق … يدري بهذين من به رمق إن دموعي من طول ما استبقت … كلت فما تستطيع تستبق ولي مليك لم تبد صورته … مذ كان إلا صلّت له الحدق نويت تقبيل وجنتيه وخف … ت أدنو منهما فأحترق (١) والشعر للصنوبري، (٢) والغناء فيه ثاني الرمل. ١٦٧ - ومنهم - سليم مولى المغيرة بن الحكم رجل سعد بمواليه، وصعد حتى رأى النجم يليه، خلطوه بأنسابهم، وخلوه معدودا في أحسابهم، أخذ الطرب من رسل أتوه من قبل النصارى وأمر بتأخيرهم ووكل بهم إلى حين مسيرهم، وأتقن الفن وحقق الظن، ثم أتى إلى المغيرة بن الحكم بجارية عراقية، كانت قد أنتجت له من تلك الخادر، وأتت تقيم بحسنها عذر العاذر، وكانت تطارحه الغناء حتى برع وجمع الغناء العراقي مع ما جمع، وكانت تجري بينهما في مجلس المغيرة مؤاخذات أرق من نسمات الأسحار، وأعطر من نفحات الأشجار، آها عليها كيف لم تنقل وتحبس شواردها وتعقل. ومن أصواته: (٣) [ص ٣٨٦] [البسيط] أمن خليدة وهنا شبت النار … ودونها من ظلام الليل أستار

стр. 4655

باتت تشب وبتنا الليل نرقبها … تعنى قلوب بها مرضى وأبصار فما أبالي إذا أمسيت جارتنا … مقيمة ما أقام الناس أم ساروا (١) يا أيها اللائمي فيها لأصرمها … كثرت لو كان يغني عنك إكثار فاقصد فلست مطاعا إن وشيت بها … لا القلب سال ولا في حبها عار والشعر للأحوص بن محمد الأنصاري، والغناء فيه ثاني الرمل، وهذه القطعة فيها أبيات مختارة، منها: (٢) جود مبتلة نضح العبير بها … كأنها روضة ميثاء محبار لو دب حولي ذر تحت مدرعها … أضحى بها من دبيب الذر آثار كأن خمر مدام طعم ريقتها … مما ينير خلايا النحل مشتار (٣) ومنها في المديح: (٤) لولا يزيد وتأميلي خلافته … لقلت ذا من زمان الناس إدبار إني أرى زمنا للمرجفين به … عزّ وفيه لأهل الدين إصرار أغر لو قام في ظلماء داجية … وهنا لحان لداجي الليل إسفار إن ينسبوا فهو إن عدوا لأربعة … خلائف كلهم للدين أنصار وحضر مرة مجلس الحكم وقد قعد مقعد الخلافة، وقد أتي بكتب جاءت بها التجار من بلاد المشرق، وقد حملت رياضتها إلى نوئه المغدق، فرمى بطرفه ديوانا منه قد ضمّن شعر المقلين الثلاثة الذي فضّلوا في الجاهلية، ومنهم المسيب بن

стр. 4656

علس بن مالك خال الأعشى، فأخذه الحكم بيده، وفضّ مرتج أغلاقه، وتأمل ما فيه من نفائس أعلاقه، فرأى منها كلمته: (١) [الكامل] [ص ٣٨٧] بان الخليط ورقّع الخرق … يوم الفراق فرهنهم غلق (٢) قطعوا المزاهر واستتب بهم … يوم الرحيل للعلع طرق رجلا يتابع خلفها رجل … نشط العقال قواه منطلق للعبقرية فوقها صبح … كدم الذبيح نجيعه دفق وكأن ظعنهم مقفية … نخل ابن يامن موقر سحق وكأن ظعنهم غداة غدوا … والآل تسترهم وتنخرق جبار عيدان أمرّ له … دون الفرات مزعزع تئق علت العذوق على كوافرها … متلفع بالليف منتطق حمر الكبائس قد ينوق (٣) بها … وهو الخضاب كأنه علق فأمره ان يغني فيها بقوله: رميننا في كل مرتقب … تحت الخدود وسيرهم نشق غيد سوالفها وأوجهها … بيض وفوق صدورها الحقق تبلت فؤادك إذ عرضت لها … حسن برأي العين ما تمق بمهى يرف كأنه برد … نزل السحابة ماؤه يدق

стр. 4657

والوجه دينار ومنسدل … يغشى الضجيع لنشره عبق بانت وصدع بالفؤاد لها … صدع الزجاجة ليس يتفق فصنع صوتا في مزموم الرمل، حرك به الحكم وسائر أهل المجلس، وامتدّ الرجاء والطمع بعد القنوط الموئس، وألقى إليه بمطرف خزّ بنفسجي كان عليه، مبطنا بالفنك، وأمر له بمائتي دينار، ومرّ يوم لم ير مثله. ١٦٨ - ومنهم - وضيح بن عبد الأعلى طلع به في ذلك الأفق كوكبة الغارب، ورجع سحابه الغارب، وبلغ أمره المؤيد هشاما، وما كانت فترت جمرته، ولا فنيت إمرته، فأمر باستدنائه، واستدعى به لأجل غنائه، فلما حضر مجلسه المهيب وأحس بيانه المتوقد اللهب، انقلب رجاؤها قنوطا، وانقطع مما كان به منوطا، إلى أن سكن إنباضه، وأزال [ص ٣٨٨] بالبسطة انقباضه، فأظهر الصناعة التي كانت إليه معزوة، وولت الهموم التي أصبحت به معزوة، فأحيا من القلوب رميما، وطرح عن النفوس عظيما، ثم أخذ العود وضرب به ضربا كان شفاء للفهم السقيم، ودرياقا للقلب السليم، فتهلل وجه المؤيد حتى ظهر البشر على جبينه، وأمر له من الذهب بمثل يمينه. ومن اصواته: (١) [الكامل] لمن الديار كأنها لم تحلل … بين الكناس وبين طلح الأعزل (٢)

стр. 4658

ولقد أرى بك والجديد إلى بلى … موت الهوى وشفاء عين المجتلي ولقد أرى بك والمطي خواضع … وكأنهن قطا فلاة مجفل يا أم ناجية السلام عليكم … قبل الرواح وقبل لوم العذل لو كنت أعلم أن آخر عهدكم … يوم الرحيل فعلت ما لم أفعل أو كنت أرهب وشك بين عاجل … لقنعت أو لسألت ما لم يسأل والشعر لجرير، والغناء فيه، وهذه من طنانات جرير، ومنها في هذا: أعددت للشعراء سما ناقعا … فسقيت آخر هم بكأس الأول لما وضعت على الفرزدق ميسمي … وعلى البعيث جدعت أنف الأخطل أخزى الذي سمك السماء مجاشعا … وبنى بناءك بالحضيض الأسفل فامدح سراة بني فقيم إنهم … قتلوا أباك وثأرهم لم يقتل ودع البراجم إن شربك فيهم … مر عواقبه كطعم الحنظل بات الفرزدق يستجير لنفسه … وعجان جعثن كالطريق المعمل أين الذين عددت أن لا يدركوا … بمجر جعثن يا بن ذات الرّمل أسلمت جعثن إذ تجر برجلها … والمنقري يدوسها بالمنشل تهوى استها وتقول يا لمجاشع … ومشق نقبتها كعين الأقبل لا تذكروا حلل الملوك وأنتم … بعد الزبير كحائض لم تغسل [ص ٣٨٩] ما كان ينكر في يدي مجاشع … أكل الخزيز ولا ارتضاع الفيشل حكي أنه ممن كان محمد بن عبد الرحمن خليفة الأندلس يلحقه برعايته، ويلحظه بعنايته، وكان قد سافر عنه مدة أطال شقّتها، وحمل وقر أعبائه شقتها، ثم آن له العود إلى ذلك النديّ، وقرب بحيث شم سوابق عرفه الندي، ولم تبق

стр. 4659

إلا مرحلة يقطعها وسوط مطية تمتد به أذرعها، فهاجه قرب الدار إليه شوقا، وطار به إليه سوقا، فصنع لحنا من شعر الحسين بن مطير: (١) [الطويل] ولما تنكبنا الكثيب وأطلعت … لنا السدة العلياء قلت لصاحبي ألا فانشرح صدرا فلم تبق بيننا … وبين المنى إلا كناخة راكب ورفع ببيتيه عقيرته تغنى في النداء، وصاغه بين غناء الركبان والحداء، وسمعها في النفر من منه حفظها، وأداها كما منه تلفظها، فما أتى وضيح باب محمد بن عبد الرحمن إلا وقد سبق بها الخبر إليه، كأنما ألقتها الريح في أذنه، فحين دخل عليه، قال له: لينشرح صدرك، فلم يك قد كان بقي بينك وبين المنى إلا إناخة راكب، فهات الآن ما صنعت، فاندفع يغنّي فيه، ومحمد بن عبد الرحمن يميل حتى كاد يسقط عن السرير، ثم عجل له بتخت من القماش، وثلاث مئة من الدنانير. ١٦٩ - ومنهم - ابن سعيد كامل أثمرت بالسرور أنامله، وتم تمام البدر كامله، وشغل أوقاته بالطرب، فجاءت طيوره سانحة، وجادت له بالأيام مانحة، ولزم المؤيد هشاما، وقد وطئ البلاد بهيبته، وسر البلاد بأوبته، وكان في عنفوان ملكه كجده هشام بالشام، وقد بسط ظله على الأنام، وأجار بعدله من الأيام، وكان يحضر مجلسه الخاص حيث يكون رواق الليل سجافه، ورقيب السمع سميه، وبطون الجواري سريره، وكان منه بالايحاشى، ولا يجد منه إيحاشا، وكان يدخل على جواريه [ص ٣٩٠]

стр. 4660

الحجاب، ويعلمهن ما ظهر من الإعجاب، ويلقي عليهن غناء يطرب سامعه، وتكثر به نقوط كل حاضر تجري مدامعه، ومن أصواته المشهورة: (١) [الوافر] تكلم أيها الطلل القديم … عفت منه أجيرة والحريم تأبد ما بدا للريح منه … وآلاء بتيمن لا تريم إذا ما قلت أقصر عن صباه … فكان كحين يحتضر القسيم تأوبه خيال من سليمى … كما يعتاد ذا الدين الغريم والشعر لسلمة بن الخرشب الأنماري، والغناء فيه خفيف الرمل، وكذلك صوته: (٢) [الطويل] سقى طلل الحي الذي أنتم به … بشرقيّ سلع صيّف والربيع مضى زمن والناس يستشفعون [بي] … فهل لي إلى لبنى الغداة شفيع فسوف أسلي النفس عنك كما سلا … عن البلد النائي البعيد يروع يقولون صبّ بالنساء مولّع … وهل ذاك من فعل الرجال بديع والشعر لقيس بن ذريح، والغناء فيه في الطريقة الرابعة من الهزج. وكذلك صوته: (٣) [الكامل] ومتيم جرح الفراق فؤاده … فالدمع في أجفانه يترقرق هزته ساعة فرقة فكأنما … في كل عضو منه قلب يخفق والشعر لابن المعتز.
следующие страницы →