لولا كواكب في الصباح تأخرت … كحمامة مبثوثة في ماء
بصبيحة رقت حواشي هدبها … ووشى النسيم بها إلى الأنواء
حتى تجلت مثل خود ختّمت … بالنجم تحت مظلة الجوزاء
وبدا سهيل ثم والشعرى تلي ال … ياقوتة الصفراء بالحمراء
وكأنما زهر المجرة روضة … قد كللت بجواهر الأنداء
والنسر في شفق الصباح مشمّر … كي لا يبل لباسه بدماء
عدنا إلي اليمني:
ومن شعره قوله يذم مدينة عدن (١): [الكامل]
عدن إذا رمت المقام بربعها … فلقد تقيم على لهيب الهاويه
بلد خلا من فاضل وصدوره … أعجاز نخل إذ تراها خاويه
وقوله: [الوافر]
إذا حلت أيادي البرق رمزا … على كنز العمام سقين حرزا
وأمطرت الغيوم خيول سيل … على وجه الثرى يجمزن جمزا
أثرن بياته فكسا ربوعا … تعرت عن ملابسهن خزا
وباع المشتري لما توالى … محبته لكف الأرض بزا
وأطلعت الرياض نجوم نور … فتغريها أيادي الشرب حزا
وولى عسكر الظلماء هزما … أخافت من سنان البرق وخزا
فحينئذ ترى عقد الثريا … على جيد الحمائل قد تجزا
فما هذا التأني يا نديمي … لقد خالفت إذ حالفت عجزا
стр. 5182
وجام الشرب ينسب للثريا … وشمس الراح نحو الكرم تعزى
فواصلني بها فلعل دائي … يزول إذا شربت الخمر مزا
على نهر المجرة والدراري … عيون حولها يبدين غمزا
فجرد جيش لهوك يا خليلي … لغزو غنيمة من قبل تغزى
٢٧ - ومنهم: عبد الله بن علي بن محمد بن سلمان، عرف بابن غانم، جمال الدين، أبو الفضل، المقدسي. (١)
* شاب برع وبهر، وطلع مثل الكواكب وظهر، وما أعرف في أي وقت اشتغل، ولا متى ألهب سعفه واشتعل، كأنما لقن سحر البيان من حين ولدته أمه، وبزغ في الأفق نجمه، وأتى بلطائف الشباب، وتلاءم في الكؤوس جائل الحباب، هذا إلى حسن خط كأنما نمنمة عذاره، وقيام حسنه عند المحبين بأعذاره، وهذا كله في مدة أقصر من رجع النفس، وأسرع من قدح الزناد للقبس، في زمان أعجل من إيماء المليح، وأقل من مقام الضيف عند الشحيح، لكنه لما جاء بالألفاظ يبهر حسنها، ويرجح وزنها، ظن أنه قد انتهى، وتناول بإحدي يديه القمر وبالأخرى السها، فترك الطلب، وقد كان له انتصب، واستنزف ثمده البلى حتى نضب، وكان يشغله ما يشغل الشباب، ويصرفه عن الثبات على حال ما يصرف النسيم الهاب، فكان لا يرى مستقرا قدر دقيقة، ولا رجع طرف حقيقة، فكان يعيبه التهور ويزينه كثرة التصور؛ وما سلّم حتى ودّع، ولا تلقته القوابل حتى شيّعه من شيّع.
стр. 5183
* ومن نثره قوله في جواب كتبه عن نائب الشام تنكز (١) إلى نائب طريق في معنى الحريق الذي حصل بدمشق في سنة أربعين وسبعمئة:
أعزّ الله أنصار المقر الشريف، وحرس بره الذي يتحرى، وحبوه الذي يتسرع إلى القلوب ويتسرى، وأمره الذي يبرد بنداه كل كبد حرى، وسره الذي إذا ناجته خواطر الإشفاق والإرفاق أنشدهما: قفا نبك من ذكرى (٢).
المملوك يقبل الباسطة الشريفة تقبيلا يبرد به الغليل، ويداوي بطبه الفكر العليل، وينهي ورود مشرفة تتضمن أمر الحريق الذي حصل بدمشق في هذه المدة، حتى أحرقها بناره، وحفّ جنّتها بالمكاره، وسلّ عليها سيف الضرام، وحكم عليها حكم الدهر على الكرام، وأطلع في وجه شامها لغير الحسن شاما، وكاد يأتي عليها لولا تدارك لطف الله ب ﴿يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً﴾ (٣) وهجم على جيرون (٤) فغير دهشتها، وعلى الخضراء (٥) فرمى فرشتها، وعلى اللبادين فكسر قلبها، لأنه كان زجاجا، وعلى الوراقين فما شعرت حتى صار باللهب كلّ ورّاق سراجا، وكل طلحية وقد تفرق طلحها المنضود، وكل كراسة وقد ردّ (٦) وجوهها البيض وهي سود، وأضحى فم الفوارة يصاعد جمرات أنفاس، وسوق النحاسين يرسل منه، إلى سور الجامع شواظ من نار ونحاس، وكل محبوبة
стр. 5184
بالطرائفيين وقد رأت مكروهها، وكل براعة دهماء وقد ابيض بالنار فودها، فلذلك سودت الدوي وجوهها، وغادر كل دكان دكا، فأوسع قوائم العمد وأضلاع السقوف كسرا وفكا، وأقعد بيت الساعات إلى قيام الساعة، ودخل إلى باب الجامع لكن لغير طاعة، وكاد يصلى به من يصلي، ويقبل على صف العابدين فيولي، واهتزت المئذنة بحمى نافض، وتشعث وجه المشهد الأبي بكري، فكأنما أصابته عين الروافض، وترقرقت عيون العابدين من الألم، ورقّ صحن الجامع لمأتم هداة الساجدين من المئذنة بنار على علم، وما زالت مراءات اللهب حتى خربت المنار، وصف بعد ذلك في صحن الجامع ما فضل عن أكل النار، فيا لها داهية عمت المسلمين، ومصيبة سودت وجه الدنيا فبيض الله وجه الدين، وواقعة لها اقتربت الساعة، وقارعة لولا المعوذات لما قبلت فيها شفاعة، ويا لها عينا دخلت على هذه الأسواق فحلت، ويدا استجدت منها محاسنها فأعطتها وما تخلت؛ كانت لعمارتها رمانة فأمست جلنار، وكانت محاسنها ليس عليها غبار، فأصبحت لا تعرف من الغبار، وما سكت لهذه النار لسان، ولا خفي لها شخص ولا عيان، ولا نشفت الدموع التي أطفأتها، ولا بردت ضلوع القياسير التي دفأتها، حتى طلعت شمس الفتنة من غربها، وتعالت أصوات النائبة عن قربها، وأتى النقص من جهة الزيادة، وسعى الداء بما وسع العيادة، فصار سوق الكفت كفاتا، وسوق الخام رفاتا، وخرجت قيسارية القاس عن القياس، وتوارد الإياس والرجاء في أمر البلد بمجموعه ولكن غلب الإياس، فركب المملوك بنفسه ومن عنده من الأمراء، وبأيديهم أسلحة المعاول، وعلى عواتقهم لقطع عنق النار سيوف الجداول، فكم من رأس داسته النار دوسا، وكم من قدّ وقوس تصرفت فيهما، فصار القوس قدّا والقدّ قوسا، وكم من أوتار أخذت منها الأوتار، وكم من سهام نفذت لها في قلب الإسلام كما شاء
стр. 5185
الكفار، وكم من حلقة انفضت، وكم من عين بيضاء اسودت، وعين سوداء ابيضت، وكم من لجام دخل فيه لسان النّار فلاكه، وكم من بحر سرج رمى عليه اللهب شبكه فأكل أسماكه، وبقي المملوك كلما دار إلى دار سبقه إليها المقدار، أو أشار إلى دكان تداعت منها الأركان، هذا والصاغة تعوذ عين ذهبها من عين لهبها، والمئذنة ترجف فرائص تختها من مصرع أختها؛ وتدارك الله الحال بلطفه، ومن بإطفاء ذلك الحريق، ولولا منّه لم نطقه ولم نطفه؛ ولم تقتصر الحال على هذين الحريقين، بل تتابع بعدهما لهما أمثال، وما يشك المملوك في صدق ما أشار إليه مولانا من تلك الحكايات، وضربه من الأمثال، فإنه ما يسعر هذه النار إلا عدوّ أزرق، ومن أحرق قلبه بحريق جانب من معبده فلا غرو إذا أحرق.
ومنه قوله: [الكامل]
يا سادة نزحوا دموعي عندما … نزحوا وعهدي منذ ذلك عام
أو ما وجدتم ريّ دمعي عندما … وافاكم من ناظريّ غمام (١)
كيف اعتقدتم سلوتي عن ذكركم … أيطيب إلا بالكمال كلام
ها أنتم في ناظري ما دمت يق … ظانا وتجلوكم لي الأحلام
أشجى فراقكم دمشق فغصنها … قلق إذا ناحت عليه حمام
ونزلتم الشهباء فاختالت لأن … علمت بأن النازلين كرام
طابت بكم ويطيب كلّ حمى غدا … يعزى لإبراهيم فيه مقام
وينهي ورود مثاله الكريم، بعد أن وجد عن بعد ريحه، وشام برقه العالي، قبل أن يأتي قميصه بالبشرى الصريحة، وأحسن الخاطر بسروره الزائر، وإن كان ما كل روايات الخواطر صحيحة ﴿فَلَمّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ: هذا مِنْ فَضْلِ﴾
стр. 5186
﴿رَبِّي﴾ (١) وصدقت ظنون حبي، ويا أيتها الأيام التي قد طال بيني وبينها عتب النوى حسبي، ثم عطف على الكتاب الكريم يغازله، ويصاعد فيه نظر اللوم وينازله، ويقول له: أين لطف الترسل إذ عدمنا لطف الكلام؟ قد احترقنا بنار إبراهيم ولا برد ولا سلام، قد أخذ بفراقه لذة أيامنا نهبا، وقد كنا ونحن بالشّعراء لا نطيق جفاءه، فكيف وقد ركب علينا الشهباء، وشرع في فنون العتب ينسقها، وفي حمول الشكوى يوسقها، إلى أن فض لطيمة الطرس، ففاح عبيره، ولاح حبيره، وباح بالبيان صغير لفظه وكبيره، فكل زهرة حرف عليها للحسن ندى، وكل غصن سطر طفا حب القلوب عليه نقطا، وبدا يود ابن هلال (٢) لو استعار منه معنى الكمال، ويتطلع ياقوت (٣) إلى أن يكون فضا لخاتمة الذي ختم به على هذا السحر الحلال، ويتهافت المسك على أن يكون به تحرير ذلك الحرير، ويخلع صوف ذلك الغزال، فلما رأى المملوك نسمات تلك المحاسن قد ناوحت الهبوب، وتراوحت بالشمال والجنوب، وأنشد لسان حالها، ومن أين للوجه الجميل ذنوب؛ قبل بشفاعة حسنه الأعذار، ونادى حرب العتب: ضعي الأوزار؛ وعاود وصف الشوق فيقول: ما الربيع على أنس البلاد به، وتحلّى عاطل الروض بذهبه، واستطال صاحي الطير بخيامه المضروبة، حيث حبال الشمس من طنبه؛ بأشدّ من شوق المملوك إلى تلك المحاسن، التي من رأى خط شبابها تحقق أنه ما محاه آسن، وقد آن للملوك أن يهرب من الاستهداف لهذه الأوصاف، وألا ينسبه إلى انحراف كل قليل الإنصاف، وما أكثر القليل ذكر مولانا المقام،
стр. 5187
ومقامه فشوّق وما ذوّق، وعرض ببيتين أنشرا من لسان المملوك وقلمه ميتين، فخذا حذوهما في اللفظ، وتصرف في المعنى، وقال في معنى ما مولانا بصدده من ملازمة الاشتغال: [الوافر]
أقمت مجاورا في كسر بيتي … لأن تنقلي داء عقام
إذا رزق الفتى عقلا ودينا … ودنيا برّة طاب المقام
آخر تتمة:
مللت من المقام على خمول … وحل من الهموم بي انتقام
ولو أني سعيت لكسب مال … حلال طاب لي فيه المقام
وإذا وصلت المقامة تمت المقامة، وإلا فكلام المملوك خبط عشواء، في هذه الحالة نسق الملوك من كتابه عرف الأدب الوردي فتنهد، وارتاح إلى ذلك الدّين الذي عري المملوك من فضله، مع أنه ما برح حتى للرياض بالكسوة يتعهد، فيا شوقي إلى دنانيره وقد ألقاها الشرق في بناني، وإلى وجناته الوردية وقد وقفت نصب عياني، ولكن ما أفعل في سوء الحظ، غايتي أن ألومه، ومولانا يعرض عليه لهفاتي، وما يخفي عنه طريق أكرومة.
ومنه قوله:
وينهي ورود البشرى التي ملأت الوجود بشرا، والوجود نشرا، وأقامت بالسرائر سوقا أضحت تباع به البشائر وتشرى، بما حصل لمولانا من الإقبال الشريف الذي تعددت تشاريفه، وتحددت تكاليفه، وتزيدت على وسع الآمال مصاريفه، من تيجان عمام اعتدلت فوق مفرقه، وألوان فراج أحرق في سمّور سجفها زركش النجوم، فلاحت تلك اللمع من محرقه، ومن هالات طرحات كأنما كن لشهابه المشرق فلك تدوير، ومن أبدان سنجاب حكت ببياض البطون
стр. 5188
وزرقة الظهور طلوع الشمس في يوم مطير؛ فقابل المملوك وسائر المماليك المحبين هذه النعمة بحقها من الشكر، وأفاق بهبوب نسيمها، وإن كان غرامه في هذه المدة بمطالعة «مسالك الأبصار» لا يدعه يفيق من السكر، فلله هذا الحبيب المشنف، والغريب المصنف، والمنوع المنور، والدهر الذي هو بأهله من لدن آدم مصور؛ حرس الله هذا الجمع الصحيح، وهذا الفصل الذي نثر من الدر في حجور التراجم كل مليح، وهذا السياق الذي سير الشموس من الطروس على نجائب، وهذا الوفاق الذي حصله بين البر والبحر، وحدث عن العجائب بعجائب، فما كان للمملوك دأب في هذه المدة إلا التقاط درره من أصداف الأوراق، واجتناء ثمره من غصون تلك السطور، وكله قد راق، فإن اعترضته عنبرة ثناء فتّها على جمر الشوق فتا، أو عارضته عرائس تصانيف الأولين أقام تلك المجلدات الخمس فتصير ستا، والمرجو من الله تعالى رؤية ذلك الوجه الكريم على ما يسر الأولياء ويسوء الأعداء، وحاشاه أن يكون له أعداء.
* ومن شعره قوله في مليح نظر إلى الشمس عند غروبها مضمنا: [الرمل]
وغزال غازل الشمس وقد … وقفت فوق ثنيات الأصيل
فتعوضناه منها بدلا … «وتفارقنا على وجه جميل»
ومنه قوله غير مضمن: [السريع]
وذي دلال حسنه وافر … تقصّر الأوصاف عن كنهه
رنا من الشمس وقد غربت … بفاتر اللحظ إلى شبهه
ففوضت في الحسن من بعدها … ولاية العهد إلى وجهه
ومنه قوله مضمنا: [المنسرح]
стр. 5189
ورب ظبي مخضر شاربه … رطب حواشي اللمى موردها (١)
قال وشمس الأصيل قد وقفت … على ثنايا الأصيل تنشدها
كعاشق سار عن هواه ففي … مقلته دمعة يرددها
«قفا بها قليلا علي فلا … أقل من نظرة أزودها»
ومنه قوله: [الكامل]
نعس الحبيب فقيل: ما ذا شأنه … فأجابهم بالحاجب المقرون
وبطرة أشرت وطرف أدعج … كالنون فوق العين تحت السين
* فهؤلاء أعيان كتاب المشارقة، ممن مات وفات، وبقي منه ما ينشر العظام الرفات، وأكثرهم قد جهل قبره وفني، وما فني ذكره ولا بره، خلا عمّي الصاحب شرف الدين أبي محمد عبد الوهاب ﵀، فإنني ذكرته في كتاب «فواضل السمر في فضائل آل عمر» إذ لم يكن بدّ من ذكره هناك مع أقربائه، وسلف أهل بيته وآبائه، وكذلك والدي تغمده الله برحمته، وإن كان دون أخيه قدر مقال لا مقام، ودرّ نظام لا انتظام، وسيأتي ذكر جماعة من أهل هذا البيت في الكتاب المذكور، ومنه يعرف خبر كل معروف غير منكور، على أنني بشهادة الله لآنف لي ولسلفي أن ننحاز إلى هذه الفئة، أو نلم كرى بعيونها المغفية؛ وللّه المعرّي حيث يقول (٢): [البسيط]
دع اليراع لقوم يفخرون به … وبالطوال الردينيات فافتخر
فهن أقلامك اللائي إذا كتبت … يوما أتت بمداد من دم هدر
стр. 5190
فأما الأحياء بالجانب الشرقي، ممن يطلق عليه هذا الاسم بالاستحقاق، فبقية:
٢٨ - ومنهم: زين الدين الصفدي، أو حفص، عمر بن داود بن هارون بن يوسف الحارثي (١)
* من بيت قضاء وخطابة ببلاد صفد والساحل من زمان الفتوح، وهم أهل قرى لا يغلق بابهم المفتوح، وفيهم بنين (٢) من يضيف الوارد والصادر، ويطيف كرمه بالعاجز والقادر، على قلة يسار، وخلة إعسار، وبرع هذا الرجل فيهم وتأدب، وتذهب أدبه وتهذب، وأتقن علم العربية، وتم له تمام الفضائل الأدبية، إلى فقه درّسه، وفضل نوّعه وجنّسه، وعلم معقول أدركه بمجرد التصور، ووازع إيمان منعه فيه من التهور، واطلاع أشرف من يفاعه، وأطل عليه من شرف ارتفاعه؛ كل هذا إلى ذكاء يتدفق سيله، ويعرف من بين النجوم سهيله، وتفرد بمعرفة التنفيذ للمهمات قل من يحسنها، أو يحير جوابا حيث ينطق ألسنها، هذا مع خط كأنما ألحف جناح الطاووس، أو تلألأت تحت جنحه أشعة الشموس، وحسن مصاحبة تطمئن بها النفوس، ومواظبة على علا يسود بها ويسوس؛ صحبته من قديم، وعرفه أولياء الأمر، وتنبه ذكره ثم رقد، وهب لهب صيته ثم خمد، وجرى ماء حظه يتدفق ثم جمد، ورتب في كتابة الدرج في عدة مواضع من الممالك في أقرب مدة من الزمان، واشتهر برجاحة العقل والكتمان، ووفور الفضل والأدب، ثم كتب الإنشاء بدمشق ثم بمصر، فأنشأ غر التقاليد ورقم برودها، ونظم ما استجدت منه أجياد الحسان عقودها، وحضر بين
стр. 5191
يدي المقام الشريف؛ وكان عندي موضع الثقة، وقدمته لأهليته، ثم بعد أن رفعت ذلك الشعار، وخلعت ذاك الرداء المعار، وقلت: الموت ولا العار، لبث قليلا ثم تبعته عوادي الضراء، وروعته في وسط السراء، ثم كان في صفد بين قومه إلا أنه لا يجد قوت يومه، وبقي حيا ميتا، لا يملك بيتا، ثم انفرجت حلقة ضائقته، وعادت لوامع شارقته، وفسح له في سكنى دمشق، فعاد إلى صدور مجالسها، ثم كتب في ديوان الإنشاء بها، وحل مفاخر رتبها، فتبلل عودها بأندائه، وأشرقت سعودها باستظهاره على أعدائه، ثم طلب إلى مصر ووقع بالدست، وهو الآن جمال الأوان، وكمال الديوان، وبيده الأزمة، وإليه الأمور المهمة، وفضله يستحق التتمة.
* ومن نثره قوله في ورقة كتبها إلى والدي:
وينهي أن إحسان مولانا وصل إلى ذلك الفقير الصالح، الذي من قرية نين، وهي قرية المملوك التي أخرجته، وإنما خدمته للبيت العمري هي التي خرجته، وإلى طبقات الناس درجته، وقد بقي يعوزه كتاب كريم إلى مشدّ صفد، نظرا لكتاب الكريم الذي صار في يده إلى نائبها، والمملوك يسأل الصدقة عليه بالمطلوب، وأن يكون كتابا حسنا يعيره مولانا سماحة كرمه وقلمه، ويلحفه جناح جاهه وكلمه، صدقة على المملوك دونه، ويدا يقبلها ويقبّلها ممتنة غير ممنونة، والوحى الوحى، وقد ضجر المملوك وهو استحى؛ والله يرفع درجة مولانا، حتى يكون على الكواكب مستفتحا، ولنظره في حديقة المجرة منزّها، وبعرف نرجسها مترنحا.
ومنه قوله في تهنئة بعود الركاب السلطاني من الحج:
وجمع الحجيج في سنتهم الواحدة بين حجتين، وكتب لمناسكهم بيمنه أجر مصلي القبلتين، وتمّ لتوجههم بأنواره الهدى والنور، وحصلوا من صفقته
стр. 5192
الرابحة على تجارة لن تبور، ووقاهم لفح الهجير تطوفهم بالكعبتين، ذات المقام وظله، وأمّنهم العقبى تمسكهم بالعروتين، من (١) البيت العتيق وفضله، وعشوا إلى ضوئين من ناره التي هي أم القرى، ومكة المسماة في الذكر القديم أم القرى، فهذه المهاجرة التي جددت السنة بمحمدها، والمثابرة التي أعلنت الألسنة بمدح سؤددها، وهو الجدير بأن يوفيها من استبشاره وشكره أكمل وظيفة، وأن يقدر موقعها حق قدره، وإن كان مما لا تطيق الأمة تكليفه.
ومنه قوله وقد أهدى إليه صاحب له طبق مشمش مع غلام مليح:
وصل البر الذي زاد على منتهى الطلب، وأشهد النواظر بين يدي قضيب البان كرات الذهب، وجاء بالبدر وقد اتسق، والنجوم وقد ركبت في دائرة الطبق، فبهت لدنو صور الكواكب من اللمس، وتسيير القمر في منازل الأرض، وهو الذي لا ينبغي أن تدركه الشمس، ثم تأمل وتملى، واستجلى واستحلى، وقال: شكرا للمرسل والرسول، ويا حسن الحامل ويا لذة المحمول؛ أهلا بما لم أكن أهلا لموقعه، ومرحبا بكرم جمع بين تنوعه وتسرعه، أين الأمل من هذه الغاية؟ وكيف غفل الدهر حتى تناهى في الإحسان إلى هذه النهاية؟ مولى يسعى إلى عبده، وغصن يجيء بثمرة تميس في أوراقه من برده.
ومنه قوله في ذكر الدواة:
وقد أرسلها مشتعلة بالشيب مفارق رأسها، مستعدية على وضعها الذي انتزع روحها باستمداد أنفاسها، واستحال عليها مع الدهر حتى عكس النقب في روعها من قرطاسها، فهي بيضاء إلا أن السواد كان أنقى لسمائها، وناجية عندها أن الغرق أسكن لروعتها من نجاتها، وأملها أن يسودها يد لك لا تسوّد إلا من النفس، وأن تديل لها من سالب صبغتها وهو الطرس، فيطيل لسان فمها،
стр. 5193
وهو القلم يمج على حواشيه لعاب الظلماء في لهوات الشمس.
ومنه قوله:
أمر وفاء النيل؛ وذلك أنه عند تسطيرها ورد المثال الشريف يتضمن نبأه بسطوره التي كأنها جداوله، وأنه جاد لمؤمله بنفسه التي ليس في يده غيرها، فكأن المسؤول لا شك سائله، وما أظنه إلا حيا نزل دون تلك الديار مهابة لمن حلها من مطايا الغمام، وأحلها من أجله أن يلم بها ركبا، فمشى على وجهه إليها تناهيا في الإكرام، ولم يزل يجري لمستقر له، ويضمه شيئا فشيئا إلى أن أدرك آخره أوله، ووارده في كل ساعة يشهد بنجاح رأي الرائد على التحقيق، ومخلّقه المتواري لحجاب الماء يومئ بإصبعه إلى حسن العاقبة على أنه في حالة الغريق، ولو قدر على المقال لظهر خافيه، ونطق بتوفية عوائده، وأنى ينطق والماء ملء فيه؛ حتى إذا تكمل سمو أمواجه حالا على حال، وتنور أقاصي الأرض من ثنية المقياس، فأدناها النظر العال، لم يملك طبعه السيال أن غطى مساوئها البادية، ورأى ظمأها إليه مع القصور عنه، فنقع بانتقاله إليها غلة كبدها الصادية، وكان له الفضل على الثرى والورى في ذلك المسعى، وقالت ألطاف الله المتتابعة: هذا الماء وسيتلوه المرعى، وكان هواؤه المعتدل على اعتلاله عدلا، فحمّل قلب كل غدير ما أطاق، ولم تبق عين بقعة كانت فارغة إلا وكلها عند نظرة الدمع مآق.
ومنه قوله:
وينهي أنه لو أمكن دفاع القضاء، أو قبل غريم الموت المتقاضي أخذ الفداء، لحمي هذا المحترم بأنصار الرجال، لا بجواري العيون المحزونة، ولصرفت عنه المهج يد المنون ببذل نفوسها المصونة، فقد كان والله شقيق الشمس رفعة وهدى، ومباري غرة البدر في النديّ، ورسيل الغيث في الندى، وإن أمسى الزمان لتواري
стр. 5194
شخصه آية ليل ما محيت، وظلة غيم رأيت عليها لمحة بارق لمعت ثم زويت؛ فلعهدي وهو بآية نهار حياته المبصرة أحسن (١) اجتلاء، وأبهى وأبهر بين المشاهد في المعنى والصورة رؤية ورواء؛ طوبى له حل في أمنع جوار، وحصل على سعادة في دار القرار، يفرح بها من إرث شقوة الحزن في هذه الدار، والمملوك منذ سمع نعيه يحسد صم الرماح، ويتزود من سواد مقلته ودمعها، في ظلمة باك من فقد نورها على الصباح، وما أدعو لمولانا وحده إلى سنة العزاء المشروط، ولا أقول له: مهلا ليذهب بك فرط الجزع على أخيك مذهب القنوط، وإنما أشرك نفسي معه في التعزية والتسلية، وأتجلد وإن كان لا جدل على نفوذه هذه الرمية المصمية، فأتعلل وأتمثل بقول الأول: [الطويل]
ولو لم أكن منكم لعزيتكم بكم … ولكن حظي في المصاب جليل
إلا أن أخصه لاختصاص نسبه، وأفرده بجامع أدبه، فلا أجمع لأقسام الكمال من أدبه، وأستشهد بأن أنشد: [الطويل]
ومن يك ذا نفس كنفسك حرة … ففيه لها مغن وفيها له مسلي
ومنه قوله (٢):
وينهي ورود المشرف الكريم ووقت الصوم قد حان، وهلاله في عنان السماء مرخى العنان، يشار إليه للبيان بالبنان (٣)، كأنه الطليعة وهي الراء من أول رمضان، أو الساقة وهي النون من آخر شعبان، أو الخائف اختفى عن العيان، وترامته الأبصار فاستعان، أو طالب حاجة مع الشمس أدركه الليل فوقف وقفة الحيران، أو كوة في غار فغار، أو رقيب وقد اختبأ ليطلع عن مغيبات الأسرار، أو
стр. 5195
الحاجب لا جرم أنه حجب عن الإفطار، أو كأنه ما انهار من جرف النهار، أو المخلب الصائل على النظار، الصائد ما جاوره من النجوم لتتكمل فيه الأنوار، وتتم باجتماعها إليه في صورة الأقمار، أو المنجل الحاصد للأعمار، القاصد حتى ما علا نهر المجرة من الأنهار، أو طوق لم ينضم، أو مبدأ عمامة لمعم، أو قرط خانته العلاقة فانقطع، أو ما انخرم معه في شحمة الأذن لما وقع، أو علامة عضة، أو قلامة مبيضة أو قطعة من سوار فضة، أو تشريف نوارة غضة، أو شفة فتاة بضة، أو حافر جواد حلّى أرضه، أو وطأة حاف خلى من أثر كعبه بعضه، أو درهم فيه ثلمة، أو دينار مخسوف الجانب لحكمة، أو تمثال، عشر في ختمة، أو نصف دائرة من خط بيكار ما أتمه، أو عرجون قديم، أو ما مال من كأس نديم، أو شطر من كرة مقسومة، أو ضاحك أسنانه مهتومة، أو هالة والت قطرا منها غير مركومة، أو لثام على حنك، أو زورق من ورق حمولته من عنبر الحلك، أو حجل نزع من ساق، أو روق راجع من الأرواق (١)، أو ما انحل من الخصر من النطاق، أو وقف من عاج، أو صدع في زجاج، أو جدول منعطف، أو قفل في فلاة قد حذف، أو لبة فؤاد، أو غصن أثقله الثمر فانآد، وعقد سماءه بأرضه أو كاد، أو ثغرة في سور، أو فم قدح مكسور، أو نوى محفور، أو فخ منصوب على طول الدهر، أو عرق مغروس، أو بعض ما في ريش الطاووس من المنقوس، أو حلقة منقوصة، أو أذن ريم مقصوصة، أو ضفيرة معقوصة، أو خاتم زال فصه ففغر، أو ما انداح من رمية في صفحة الماء بحجر، أو طية من أعكان، أو سرة محققة في كشح ريان، أو ذؤابة مردودة، أو حزة من بطيخة مقدودة، أو خيزرانة ملتقية غير معقودة أو قوس محني القرى، أو عروة مفكوكة من العرى، أو فتر مرفوع، أو طيلسان مقور مقطوع، أو قبضة إبريق مخلوعة، أو آلة للطيب مصنوعة، أو يد
стр. 5196
التفت على عناق حبيب، أو شعرة مشيب فضلت من خضيب، أو ما أحاط من الإكليل بالجبين، أو محراب لبعض المصلين، أو سالف تحسين، أو مشقة قاف أو سين، أو ما اندفع في جؤجؤ السفين أو أحد الجفنين، أو عذار حول الخدين، أو رأس من كتابة صاد لم يلتحم، أو عين أو دال منقلب، أو طاء منفصل الطرفين، سقط ألفه المنتصب، أو مبسم مثقوب، أو تعريقة جيم مكتوب، أو عقرب شائلة، أو شعلة نار لعبت بها الريح الجائلة، فهي مائلة، أو حية ملتوية، أو صولجان مقصوف لم يبق منه سوى الحنية، أو ترقوة بدا عظمها، أو طارة غرض خرق هيآتها سهمها، أو فلكة مغزل مشظاة، أو دفّ أمسكت كف سوداء على أعلاه، أو ما تحت تنفس [المرأة في] المرآة (١)، أو قنطرة منكوسة الوضع في البنيان، أو طبق قائم أخذ من حافته شيء فبان، أو غرة في أدهم من الخيل، صانعت بها الشمس عن نفسها لخاطف الليل، أو رداء أسبله الشرف فكف الغرب منه الذيل، أو صعدة، أو مكان ورقة من وردة، أو قفل على تجليد، أو إحدى المطيفين بالوريد، أو لبب مركب، أو كوز مرتب، أو قتب مجرد أو سرج مؤكد، أو قربوس منه مفرد، أو واحدة من خشكنان، أو حدقة نجلاء من إنسان، أو طعنة ميّلها بسنان، أو سيف لان في يمين ضارب، أو مطرح القلادة من ترائب الكاعب، أو المملوك مما شفته الأشواق، وصنعته به عوادي الفراق، أو ما خدّه في خدّه الدفع المهراق؛ وكان للناس اشتغال باستقبال الهلال، وقلب المملوك في اشتغال مما عنده من البلبال، ومن ضنى جسده البال، وحالت الأحوال وما استحال، وبات وطرفه يتملى من المشرق الكريم حظا ماله مثال، وتأمل منه لفظا بمعاينه تضرب الأمثال، وتقلب وجهه في أفقه الدال على ودّ صح، فليس به اعتلال.
стр. 5197
ومنه قوله:
وعلمنا ما ذكره من أمر الصقر الذي وقع له، وما لحظه فيه من القبول، فأرسله وحمله إلى حيث حمله، ووصل وقد طرز رقوم المحاسن حلله، وزانته بديباجة مكملة، وحلية مكللة، خالصا كالذهب، متوقدا كشرارة لهب، موشى الصدر كما طفت على الكأس فواقع الحبب، أو كروضة منها ما لم يخرج من الآكام، ومنها ما هب مع النسيم حين هب، حسن الاستعداد للتدريب، مدركا فإذا دعي يجيب، مظفرا كجد مهدية فلا يخيب، وقد قبلناه تبركا بما يهديه، واشتغلنا به اشتغالا حقق ما لحظه من القبول فيه، ورفعناه من يدنا الشريفة إلى رتبة لا يصل معها، وإن كان بغيرها يتيه، وقدمناه على ما عندنا من الجوارح على كثرة عددها، وغزارة مددها، كتقدم المقام على الملوك الصائلة في عديدها وعددها، فلو رآه وله في حلاوة الالتفات تشوف الريم، وفي طلاوة الإنصات دل الأغيد الرخيم، وإلى أغراض مرسله تشوف الواله إذا ظل يهيم، وإصابة الباع المستفيد بالسهم المستقيم، وعلى الصيد حرص الغريم على الغريم، وفي طلبه سورة الظالم وثورة الظليم، إن أعطي الكمة فحليم، وإن كشف عنه غطاؤه فبصره حديد، ورأيه حكيم، فاقترب، فيد تطلقه وأخرى تحتطب، وسابق يحصّل ما يجتذب ويجتلب، وسائق (١) يقد ثقة بعوائده ولا يرتقب؛ يهفو بقوادم أقوى من قوائم، وعزائم على النجح علائم، كأنه كبير قوم، أو ممسك لصوم، يعفو عما كسره، ويعف عن شره، إذا افترس حرس، وإذا أحرز حرز، وإذا أدرك ترك، ولكن من مخالبه في شرك، كأنه يعرف التحليل فيبقى للتذكية، أو يحب الثناء فيعمل على التزكية، حتى إذا أدى الأمانة، وقضى إدمانه، وسطا في صيانة، تنحى جانبا، وانتحى مجانبا، واحتشم هائبا، انطوى على الطوى، وأعرض مع الخوى
стр. 5198
على ما حوى، فإذا أباحه محصّله مما يأكله، وأطلقه عما أوثقه، وخلى ما بينه وبين ما صاد، بايته باقتصاد، كأن عليه رقيبا بمرصاد، وتناول قدر الحاجة، بشهوة مهاجة، ورجع إلى الكمة بطرف غضيض، وبطش غير مهيض، وثبات بعد وثبات كطرفي نقيض، بصره ثم تصرفه بين أيدينا في صيده، وحسن تلقفه لما يعن له بلباقة كيده، ورشاقة أيده، ولا يثنى عليه ثناء من أنهب سعيه، ورام ورمى فتم مرامه وصح رميه، ونحن نشكر مكارمه التي ملأت الحقائق والحقائب، ومدت عصائب جنود وجود يتبعها من الطير والعفاة عصائب.
* ومن نظمه قوله: [الوافر]
أقول وقد سألت قصاص قتلي … فقام لها الكرى بالاعتذار
كفاني من توفاكم بليل … ويعلم ما جرحتم بالنهار
ومنه قوله: [الطويل]
وما مثل هذا اليوم يخلف دره … فيخلفه بالدر بيض الغمائم
وقد عكس التشبيه فيه فعهنه … جبال لصلع الأرض مثل العمائم
ومنه قوله وقد أهدي إليه حلواء: [الوافر]
ولما جاءني منك افتقاد … حلا فحكى ثناءك حين يجري
حصلت بما أتى وحصلت مني … على الحلوين من بر وشكر
ومنه قوله: [الوافر]
أتى زيد إلى الحمّام يثني … معاطفه كما مال الرديني
فكان الماء وهو عليه جار … يرينا لؤلؤا فوق اللجين
ومنه قوله: [الطويل]
стр. 5199
ولما أراد الصب خطا تسابقت … مدامع عينيه تحاول محوه
كأن بعينيه من الخط غيرة … على وجه محبوبي إذا سار نحوه
ومنه قوله مما يكتب على عصابة ذهب لامرأة حسناء: [الوافر]
تأمل هذه الوجنات تزهى … وقد حلّى تحلّيها الدلال
ترى شمس الضحى منها ومني … تتوجها على الرأس الهلال
ومنه قوله (١): [السريع]
أنزلت من أهواه في مقلتي … صونا له من أعين الحسد
فجاء قلبي من طريق الكرى … يسرقها منها فلم ترقد
ومنه قوله: [الكامل]
تبسم ثغرها والخال يبدو … عليه كقلب ظمآن إليه
فقلت: الصبح؟ قالت: كيف يأتي … وليل الخال بواب عليه
وكتب إليّ: [البسيط]
إنا لتملكنا من هيبة خرس … في حيكم وعلينا منكم حرس
وإن خلونا وخلنا وحشة عرضت … عذنا بأسمائكم فاعتادنا الأنس
فنحن منكم وفيكم لا يزال لنا … من غيرة حرس، من هيبة خرس
حالان في حبكم ما حال بينهما … عهد الهوى وعليكم ليس تلتبس
وهل علمتم وحبكم الحال واحدة … أنا على النأي للأذكار نختلس
إذا مرضنا تداوينا بذكركم … ونترك الذكر إجلالا فننتكس
ومن لنا لو لثمنا تربكم فبها … شفاء أكبادنا والبرء يلتمس
стр. 5200
أرض لها قبس من نوركم وكذا … من وطء أقدامكم يندى بها اليبس
تفديكم أنفس منا تحبكم … حياتها منكم في موتها نفس
فكتبت إليه: [البسيط]
مرت على عجل والركب محتبس … فما شككت بها والأمر ملتبس
وبان بان الحمى واهتز إذ خطرت … ولاح ضوء هلال أو بدا قبس
وفاح من مسك دارين لنا سحرا … نشر الخمائل إلا أنه نفس
وبت والليل يرميني بأنجمه … مثل العيون ومنها أعين نعس
فقمت في غفلة النوام أشربها … صرفا من الراح إلا أنها لعس
وما توهمت أن الليل منصرم … حتى تجرد من جلبابه الغلس
وافت تذكر بالعهد القديم وما … نسيته وهو لي في وحشتي أنس
ثقي سليمى بود لا يغيره … نأي الديار ولا يذكى له الحرس
بل ما تجن جوى منه القلوب ولا … يبدي هواه ومنه الجمر يقتبس
يا جيرة القدس ما قلبي كصخرته … وليس لي عين سلوان فتلتمس
لم نعتقد بعدكم والله يعلم ذا … إلا الوفاء لكم والحر محترس
قول ابن زيدون من حر الصبابة في … «بنتم وبنا» وسوف البين ينعكس (١)
عتبا وصلحا ولا يدري بنا أحد … والودّ يبرأ أحيانا وينتكس
فسرّ عاذلنا لا كان عاذلنا … وكان أفصح نطق العاذل الخرس
стр. 5201
٢٩ - ومنهم: خليل بن أيبك الصفدي، أبو الصفا، صلاح الدين (١)
هو خليلي الذي أنادي، وصاحبي إذا شكرت الأيادي، والذي أنادي منه خليل الصفاء، وصديق الوفاء، والذي أرضاني عن صنيع الليالي لما أتاني بنجومها قليلا، والذي لم أخالل سواه إلا قلت ﴿لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً﴾ (٢)، والذي صحبت أبا الصفاء من وده الذي لم تشبه الشوائب، والخليل إلا أنه كان - لأحمد - أكثر مما كان عنده ابنه في النوائب، والذي عاقدني منه خليل صدق فما ذممت له ذماما، وأوقد لي من حميته نارا خليلية كانت بردا وسلاما، موسوية فلهذا ما تركت ظلاما، والذي لم يزل يرشد من خاطري مضللا، ويريني في صفائه ما أردت ممثلا، ويغنيني أن أقف عند سوى تصانيفه، وأقول: خليلي هذا ربع عزة فاعقلا (٣)، وملأ مسمعي بأدبه حتى قلت يكفيكما، وأغنى ناظري بكتبه فقلت: خليلي هبّا بارك الله فيكما، وقررت له وأقررت، أنه إمام المحسنين، وبايعته واتبعته وأنا من الموقنين، وبسطت يدي فبايعت ملك البلغاء خليل أمير المؤمنين، ورتعت في مراد تصانيفه أستزيرها وقنعت بمذاكرته ولم أقل: خليلي هل من رقدة أستعيرها؛ أقسم بالله وهو آكد الأيمان، وأوثق ما يقف معه أهل الإيمان، ما إن رأيت منه آدب، ولا مع
стр. 5202
غناه عن التحصيل أدأب، ولا أظن مثله أجمع لمدحة وآبدة، وأخبار أمم باقية وبائدة لديها واقدة، ولا مقل الفراقد عن التطلع إلى هذا، وما كسا الزمان مثله ثوبيه، ولا حمل الوجود حفيا شبهه بين جنبيه، فهو محدث يحدث بالصحيح، وتروى عنه العجائب، والمعروف وكله غرائب، كم قال وكم ألجم الحصر كل لسن، وقام بالسنة وكل سنده علي وحديثه حسن، هذا على أنه حامل فقه لا ينقل إلى أوعى منه، ومتقن علم لا يؤخذ القديم والحديث إلا عنه، نعم وأنعم به من مؤرخ ينسئ الأمم وينشر الرمم، وينشد ضوال الأنباء وقد أماتها البكم، وأقبرها الصمم، فشق أصداف اللحود عن دررهم، وكشط جلد الدهماء عن غررهم، وأوجدهم فما كتب من التاريخ وجودا ثانيا، فأقاموا به أرواحا وسئلوا فقالوا فصاحا: ساقهم في تاريخه فكأنما قاموا في صعيد واحد لديه، وأتى بهم من عهد آدم وهلم جرّا إليه، أجل، وهو أجل كاتب تخضع لطرسه مهارق السحائب، ويخشع لقلمه سيف البرق المسنون، ويسقط قلبه الواجب، وأضاء أيضا له نور حكمة، يغلب فجرها الطالع مشارق الأنوار، ويغل فكرها السابق يد القيرواني (١) إن نظمت أبكار الأفكار، ويذهب التحصيل وليس من بدره المنير درهم ولا من شمسه المشرقة دينار؛ وينبو دونه مضرب السيف ولو أن الآمدي ذا الفقر ذو الفقار، فأما ابن سناء فيخفي في طي البروق إشاراته، والرازي يرزأ كتبه، وتجف في لسان القلم عباراته، وقل أن وجد في علم أقليدس مثله من يحل إشكاله، ويجل أشكاله، ويغدو من قلّ علمه الأقلودي للأرض مقسما، ولمقادير الكواكب متوسما، بل لو وصل إلى ابن واصل علمه لقنع بما فضل، أو ابن العديم جمال الدين ما عدم ما تعنّى إليه وما وصل، وكل هذا عوله على أدبه الذي هو أغض من ورق النبات، وأحسن من تذهيب الحياء فضة خدود البنات، بقريحة
стр. 5203
أصفى من الماء، وأورى من النجوم في الظلماء، وأغرب من عنقاء، وأطرب من ورقاء.
وكتب الإنشاء مصرا وشاما فكبت، وجرت معه القرائح إلا أنها السوابق فكبت، وطاب به الواديان، وطال الناديان، وقلد الممالك ما هو أعلق بها من أطواق الحمائم، وأعبق فيها [] جنوب الغمائم.
وله التصانيف الكثيرة الكبيرة بنفسها، الأبكار التي ما أوت إلا سرادق نفسها.
* ومما كتب لي من نثره، وأتبعه من شعره قوله؛ من ذلك كتاب كتبه بشارة بوفاء النيل، وهو:
ضاعف الله نعمة الجناب العالي، وسر نفسه بأنفس بشرى، وأسمعه من أنباء الهناء كل آية أكبر من الأخرى، وأقدم عليه من المسار ما يتحرز ناقله ويتحرى، وساق إليه كل طليعة إذا تنفس صبيحها تفرق الليل وتفرى، وأورد لديه من أخبار الخصب ما يتبرم به محل المحل ويتبرا؛ هذه المكاتبة إلى الجناب العالي، تخصه بسلام يرق كالماء انسجاما، ويروق كالزهر ابتساما، وتتحفه بثناء يجعل المسك له ختاما، ويضرب له على الرياض النافحة خياما، وتقص عليه من نبأ النيل الذي خص البلاد المصرية بوفادة وفائه، وأغنى به قطرها عن القطر فلم تحتج إلى مد كافة وفائه، ونزهه عن منة الغمام الذي إن جاد فلابد من شهقة رعده ودمعة بكائه، فهي الأرض التي لا يذم للأمطار في جوها مطار، ولا يزم للقطار في بقعتها قطار، ولا ترمد الأنواء فيها عيون النوار، ولا تشيب بالثلوج مفارق الطرق ورؤوس الجبال، ولا تبيت البروق ساهرة لمنع العيون من تعهد الخيال، ولا تفقد فيها حلى النجوم لاندراج الليلة تحت السحب بين اليوم وأمس، ولا يتمسك المساكين في شتائها كما قيل بحبال الشمس، وأين أرض يخمد عجاجها بالبحر العجاج، وتزدحم في ساحاتها أفواج الأمواج، من أرض لا تنال السقيا إلا بحرب، لأن القطر سهام، والضباب عجاج قد انعقد، ولا يعم الغيث
стр. 5204
بقاعها، لأن السحب لا تراها إلا بسراج البرق إذا اتقد، فلو خاصم النيل مياه الأرض لقال: عندي قبالة كل عين إصبع، ولو فاخرها لقال: أنت بالجبال أثقل، وأنا بالملق أطبع، والنيل له الآيات الكبر، وفيه العجائب والعبر، منها: وجود الوفاء، عند عدم الصفاء، وبلوغ الهرم، إذا احتد واضطرم، وأمن كل فريق إذا قطع الطريق، وفرح قطان الأوطان إذا كسر، وهو كما يقال سلطان، وهو أكرم منتمى، وأشرف منتدى، وأعذب مجتنى، وأعظم مجتدى، إلى غير ذلك من خصائصه، وبراءته مع الزيادة من نقائصه، وهو أنه في هذا العام المبارك، جذب البلاد من الجدب وخلصها بذراعه، وعصمها بخنادقه التي لا تراع من يراعه، وحصنها بسواري الصواري، وما هي إلا عمد قلاعه، وراعى الأدب بين أيدينا الشريفة بمطالعتنا كل يوم بخبر قاعه في رقاعه، حتى إذا أكمل الستة عشر ذراعا، وأقبلت سوابق الخير سراعا، وفتح أبواب الرحمة بتغليقه، وجد في طلب تخليقه، تضرع بمد ذراعيه إلينا، وسلم عند الوفاء بأصابعه علينا، ونشر علم ستره، وطلب لكرم طباعه جبر العالم بكسره، فرسمنا بأن يخلّق، ويعلّم تاريخ هنائه ويغلّق، فكسر الخليج وقد كاد يعلوه فوج موجه، ويهيل كثيب سده هول هيجه، ودخل يدوس زرابي الدور المبثوثة، ويجوس خلال الحنايا كأن له فيها خبايا موروثة، ومرق كالسهم من قسي قناطره المنكوسة، وعلا زبد حركته، ولولا ظهرت في باطنه من بدور أناسه أشعتها المعكوسة، وبشّر بركة الفيل ببركة الفال، وجعل المجنونة من تياره المتحدر في السلاسل والأغلال، وملأ أكف الرجاء بأموال الأمواه، وازدحمت في عبارة شكره أفواج الأفواه، وأعلم الأقلام بعجزها عما يدخل من خراج البلاد، وهنأت طلائعه بالطوالع التي نزلت بركاتها من الله تعالى على العباد، وهذه عوائد الألطاف الإلهية بنا، التي لم نزل نجلس على موائدها، ونأخذ ما نهبه لرعايانا من فوائدها، ونخص بالشكر قوادمها، فهي
стр. 5205
تدب حولنا وتدرج، ونخص قوادمها بالثناء والمدح، فهي تدخل إلينا وتخرج، فليأخذ الجناب العالي حظه من هذه البشرى، التي جادت بالمن والمنح، وانهلت أياديها المغدقة بالسح والسفح، وليتلقاها بشكر يضيء به في الدجى أديم الأفق، ويتخذها عقدا يحيط منه بالعنق إلى النطق، وليتقدم الجناب العالي بأن لا يحرك الميزان في هذه البشرى بالجباية لسانه، وليعط كل عامل في بلادنا بذلك أمانه، وليعمل بمقتضى هذا المرسوم حتى لا يرى في إسقاط الجباية خيانة؛ والله تعالى يديم الجناب العالي لقص الأنباء الحسنة عليه، ويمتعه بجلاء عرائس التهاني والأفراح لديه، بمنه وكرمه.
ومن ذلك جواب كتبه عن النائب بالشام، إلى الملك الأفضل صاحب حماة، وقد أرسل مشمشا كافوريا: لا زال إحسانه كالعلم المشهور، وجوده المنظوم يهدي من الثمرات ما هو كاللؤلؤ المنثور، وبره يتحف بما هو كالشهد في الطعم واللون، وكالنجم في الشكل والنور، وكرمه يتضوع نشرا، وكيف لا وقد جاد بما ينسب إلى الكافور؛ وينهي ورود المشرفة العالية قرين ما أنعم به مولانا من المشمش الكافوري، فوقف عليها وقابل إحسانه بشكر يشرق نورا، وثناء يدير على الأسماع كأسا كان مزاجها كافورا، وواجه جوده بحمد يتلوه منه وجه الروض بمنثوره، وتجد الألسنة لمنظومه لذة تنسي الأسماع ما قاله أبو الطيب في كافوره، ومتع ناظره بتلك الكواكب التي اتسقت من العلب في أفلاك، وتنسّقت كالدرر وما لها غير حسن الرصف أسلاك، وتأملها وهي كرات بلور اكتنفها الأصيل والشفق، وركبت حين ملأت الصدور طبقا عن طبق، فأكرم بها هدية كانت بحلل الأشجار أزرارا، ولجنات الأوراق نارا؛ كيف مكنت فروعها يد قاطفها من السلب؟ وكيف أقبلت في حلة الروع والوجل وهي طيبة القلب؟ كأنها لم تكن لقسي الغصون بنادق، ولا في رقع الأوراق بنادق، فالله يشكر
стр. 5206
لمولانا هذا الإحسان العلوي الذي جاد بالنجم زهرا، والجود الروضي الذي ملأ العيون حسنا وملأ الصدور درا، وأدام الله أيامه التي تسبق فيها الغرائب، وتستبق إلى مكارمها الرغائب، بمنه وكرمه.
ومن ذلك جواب كتبه إليه أيضا، وقد أهدى إليه رخاما ملونا:
وينهي وصول الرخام الملون الذي فتح به عين هذه الدار المكونة، وأهدى إلى روضها الذاوي أزهاره الملونة، ولا غرو فإن العيون توقظها الشموس بالأشعة من المنام، والأزهار توجد بالرياض من جود الغمام، ولو لم يكن كرم مولانا سحابا، لما جاد بألوان قوس قزح، ولو لم يكن علوه كالشمس لما انبعثت عنه أنوار تلهب شعاعها في هذه الدار وقدح، وتحاشى المملوك تشبيه ذلك بالزهر، فإن هذا أبدا يانع، وذلك يؤول إلى الذبول، أو التمثيل بالأشعة، فإن هذا أبدا مشرق، وذاك بذهاب سره يحول ويزول؛ وهذه معجزة كرم لمولانا، فإن ريش الطاووس صار له جلمدا، وقوس السحاب تجسّد له على طول المدى، فلو ناظره مباه بمحاسنه لكان له الفخر، ولو حاولت المياه أن تبليه لما بالى بما لها عليه من الزخر، ولو أجرت دموعها عليه لما لابتك، فما كل باك خنساء، ولا كل جماد صخر، ولو رأته العيون لسبحت الألسن من راح له صانعا، ولو أراد بليغ أن يقوم بحقه وصفا لوجده مانعا، والله يشكر لمولانا هذا الإحسان المديد الوافر، والفضل الأفضلي الذي أنبت في الروض أزاهر.
ومن ذلك مقامة أنشأها في الحريق الذي اتفق بدمشق، سنة أربعين وسبعمئة، وسماها «رشف الرحيق في وصف الحريق» وهي:
حكى شعلة بن أبي لهب عن أبي الزناد شهاب، أنه قال: لم تزل أذني متشنفة بأوصاف دمشق، متلذذة بماء الأقلام في ذكر محاسنها من التعليق
стр. 5207
والمشق، حتى رأيت الحزم، شد الكور إليها والحزم، فأزمعت السير، ولم أزجر الطير، وقطعت أديم الأرض بالسير، وركبت إليها مطاء الشوق قبل مطايا السوق، ولم يتلفت القلب إلى الوطن، ولا حن النجيب إلى العطن، حتى بلغتها بعد مكابدة السرى، وإثارة العجاج من الثرى، فلما حللت مغناها وجدتها: [الكامل]
بلدا أعارته الحمامة طوقها … وكساه حلة ريشه الطاووس
وكأنما الأنهار فيه سلافة … وكأن ساحات الديار كؤوس
فألقيت العصا في ساحتها، وألفيت زوال التعب في مصافحة راحتها، فما سرت فيها إلى روض إلا وأجلسني من النرجس على أحداقه، وقام السرو من السرور بين يدي على ساقه، وجرى الماء في خدمتي لكرم أخلاقه، وظللني الدوح لطيب أعراقه، ومد الغصن لي ستور أوراقه، وغنى لي الحمام على عوده، ولو تأنى أو تأبى جره بأطواقه. قال:
فشفيت سقمي بنسيمها العليل، واستروحت إلى ما نقله عن بانه وبنفسجه لا إلى ما يتحمله من الإذخر والجليل، وخلت أنه بلطف مسه يلين له الجندل، وجننت بعرفه المندلي، وما رأى الناس من جنّ بالمندل، وبردت بأنفاسه حر الصبابة والجوى، وقلت: [الكامل]
أضحى نسيم دمشق حياها الحيا … يمشي الهوينا في ظلال حماها
فكأنه من مائها وهضابها … ما داس إلا أعينا وجباها
وقطعت بها زمنا ألذ من وصال الحبيب، وأشهى إلى النفس من التشفي بأذى الرقيب، فلا أبعد الله ما في بساتينها من شجرات، ولا قدّر الكسوف على ما فيها من كواكب الثمرات، ولا دكّ هضبات أزهارها التي تضوع بطن نعمان برياها، لا بمن مشى به من الخفرات، فإنها: [الخفيف]
стр. 5208
شوقتنا إلى الجنان فزدنا … في اجتناب الذنوب والآثام
قال: ولازمت جامعها الذي تحيرت العقول في تكوينه وكنهه، وحسنه الذي لم يكن فيه عيب سوى أنه لم تقع العين على شبهه، ولله من نظم درّا فيه حين قال فيه: [المتقارب]
دمشق لها منظر رائق … وكلّ إلى وصلها تائق
وكيف تقاس بها بلدة … أبى الله والجامع الفارق
فإنه يوقظ النائم، بحسن رخامه القائم، ويجلو بهيم الدجى حصّة الفجر من حصّه، وتروي لك زخرفته حديث الحسن بفصه، كم زهرت فيه ليلة النصف من ذبالة هي نجم توقد، وكم دار به دولاب كانت قناديله تدور مثل الفرقد، وكم طلع في سماء صحنه من ثريا، وكم تمنى من القمر لو كان بين نجومه فما اتفق له ذلك ولا تهيا، وكم جليت عروسه في عقود وقود، وكم تمتعت الأبصار فيه بوجوه تخجل البدر في ليالي السعود، وكم فيه من عمود قام على قاعدة، وكم به من منجور كغضون أوجه العجائز وأزراره ناهدة، وكم من أعطاف رؤيت في صحنه مائدة، وكم من طائر لرفع نسره مخفوض، وكم حسن بناء عند بنائه يعرب أنه مرفوض، كم أظهرت الصناع فيه بدائع لا يدعيها غيرهم ولا يتعاطى، وكم أبرزوا فيه من معجز لأنهم جعلوا الحجارة أوراقا والرخام أخياطا، قد عمر الله تعالى أوقاته بالذكر، وأراح قلب من يراه من الهم، وأراح عنه الفكر.
قال: فلما رأيت مجموعه المختار، وأن العيون تودّ لو نسج له من شعر جفونها أستار، قلت (١): [الطويل]
تقول دمشق إذ تفاخر غيرها … بجامعها الزاهي البديع المشيد
стр. 5209
جرى لتناهي حسنه كلّ جامع … وما قصبات السبق إلا لمعبد
قال: فبينا نحن ذات ليلة وقد وردنا حمى المضاجع، ودخل ضيف الطيف على مقلة الهاجع، وإذا بالأصوات تعجّ، والدعوات تلج أبواب السماء وتلجّ: [الطويل]
فلو نشدت نعشا هناك بناته … لمات ولم يسمع لها صوت منشد
فسألت عن الخبر ممن عبر، فقال: إن الحريق وقع قريبا من الجامع، وانظر إلى نسج الجوّ كيف انتشرت فيه عقائق اللهب اللامع؛ فبادرت إلى صحنه والناس فيه قطعة لحم، والقلوب ذائبة بتلك النار كما يذوب الشحم، ورأيت النار وقد نشرت في حداد الظلماء معصفرات عصائبها، وصعدت إلى عنان السماء عذبات ذوائبها: [من الطويل]
ذوائب لجت في علوّ كأنما … تحاول ثأرا عند بعض الكواكب
وعلت في الجو كأنها أعلام ملائكة النصر، وكان الواقف في الميدان يراها وهي ترمي بشرر كالقصر، فكم زمر أضحت لذلك الدخان جاثية، وكم نفس كانت في النازعات وهي تتلو: ﴿هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ اَلْغاشِيَةِ﴾ (١) ولم تزل النار تأكل ما يليها، وتفني ما يستفلها ويعتليها، إلى أن ارتقت إلى المئذنة الشرقية، ولعبت ألسنتها المسودة في أعراض أخشابها النقية، وثارت إليها من الأرض لأخذ الثأر، وأصبح صخرها كما قالت الخنساء: كأنه علم في رأسه نار (٢)؛ فنكست وكانت للتوحيد سبابة، ولمعبدها المطرب شبابة، وابتلي رأسها من الهدم والنار بشقيقة، وأدار الحريق على دائرها رحيقه: [المتقارب]
стр. 5210
وبالأرض من حبها صفرة … فما ينبت الروض إلا بهارا
وترقى إليها أو لو العزم من النظارة، وصبروا على النار والشعث بعد النعيم والنضارة، وكادت نارها تكون كنار القيامة وقودها الناس (١) والحجارة؛ هذا وبنفسج الظلام يذوي، ولينوفر (٢) النار يشب على الماء ويقوى، حتى نثرت غصون ذوائب النار شررها في النواحي، وظننا الدخان روضة سوسن تخللها نرجس وأقاحي، وعقد الدخان سماء أخرى، وأطلع الشرار فيها كواكب زهرا، وكأن أهل دمشق دعوا طارق النيل والفرات ليقرى، وخافوا ضلاله فرفعوا له من النار في الظلماء ألوية حمرا، إلى أن أتاها البحر - لا زال نصره عجاجا، ولا برحت سيوفه تكاثر البحار أمواجا - فانكشفت لما أن رأت من وجهه سراجا وهاجا، وطفئت لما أن رأت جوده عذبا فراتا، وبأسه ملحا أجاجا، وكاثرهم بهمم أمرائه فأحكم إخمادها وتلقى بصدره من خطب الزمان ما دهى؛ ولما طلع في روض السماء ياسمين النهار، وعاد إهليلجا ما رؤي بالليل من الجلنار، وقف النادبون على الرسوم، ورأوا صنع النار التي عكست نار الآخرة، فكان لكلّ مكان منها جزء مقسوم (٣): [الطويل]
فلم يدر رسم الدار كيف يجيبنا … ولا نحن من فرط الجوى كيف نسأل
وأصبح باب الساعات (٤) وهو من آيات الساعة، وخلت مصاطب الشهود من السنة والجماعة، وعادت الدهشة وقد آل أمرها إلى الوحشة، وحسنها البديع، وقد ثلث النار عرشه، كأن لم أر بها سميرا، ولا شاهدت من بنائها
стр. 5211
وقماشها جنة وحريرا، قد سلط الله عليها النار التي ما لها ردة، وأحرق أزهار ثيابها الملونة بوردة؛ ونظرت إلى الوراقين وقد زال ما بها من الطرائف، وطاف عليها من الدثور والخراب طائف، فيا ضياع أوضاعها المكونة، ويا سواد وجوه أوراقها الملونة، ولمحت اللبادين وقد صارت كالعهن المنفوش، ومحيت بأيدي النار سطور كل خاتم منقوش، وأصبح أهلها كالحمائم تنوح على أقفاصها، وتود اللآلئ أنها لم تخرج إليهم من مغاصها، فما منهم إلا ربّ نعمة سلبت، أصبح بعد الجديد في خلق، أو غنيّ أمسى بعد ما ضم قفصه يكدي في الحلق، وكادت الخضراء (١) تذهب بالنار الحمراء.
قال: فلما رأيت تلك الأطلال الدائرة، ونسخ هاتيك الظلال المتصلة بالهاجرة، وخطوطها وزواياها كيف أحاط بها سوء الدائرة: قلت عند مشاهدة تلك الحال في الحال: [الطويل]
حريق دمشق قد بدا لعياني … ليظهر لي عند البيان معاني
غدت ناره في الجو تعلو وترتقي … كأن لها عند النجوم أماني
لقد ضوّأ الآفاق لامع برقها … وما كلّ برق شمته بيماني
وقد كاد يمحو آية الليل ضوؤها … ويبدي نهارا بعد ذلك ثاني
ونالت عنان الجو حتى رأيتها … يصرفه من تحتها بعنان
وطالت إلى نهر المجرة في السما … لتقصد شيّ الحوت والسرطان
فأبصر أهل النيل لما ترفعت … نجوم شرار في سماء دخان
كأن دخان النار غبراء مغزل … وكل شرار فيه مثل سنان
ولو لم تكن نار الأعادي لما غدت … وحنّاؤها باد بكل بنان
ولا صبغت بالزعفران قميصها … سرورا ولا طالت بكل لسان
стр. 5212
قال: وما نفض الناس غبار ذلك الهدم، ولا رماد ذلك الصدع الشديد الصدم، حتى وقع بالمدرسة الأمينية (١) حريق ثان، ودهمت شقراء النار دهماء الظلام، ولم يوجد لعنانها ثان، فجمعت بين عين الوداع وسين السلام، وكانت كحمى أبي الطيب، فليس تزور إلا في الظلام (٢) فيا لسوق الكفت كيف باد وفتت الأكباد؛ علكت النار لجمه، وكسفت نجمه، أين بأسه الشديد، ومنافعه التي لا تبيد؟ سكت زبره، ورفع خبره.
ويا لسوق الخيم، كيف ذهب، وعدم النصر على الكافرين، فتبت يدا أبي لهب، لقد تمسكت النار بأطنابه، وتجلد لها والنار تحت ثيابه، وأمسى وكل عمود غصنه مهصور، وكل خام وهو على البلى مقصور، كأن الشاعر قديما تخيل ما يحصل لها من الأوام، فقال: سقيت الغيث أيتها الخيام.
ويا لسوق القسي كيف محي من الوجود ونسي، لم يبق لقوس قلبها، ولم يعطها لباريها ربها، كأنما كان للنار عند القسي أوتار، وكأن نسخها كان محققا فجاءهم بقلم الطومار، أو كأن امتهانها كان معلقا بثلث الليل بعد ما رقت حواشيها ولم يقع عليها غبار، فكم قسي توفر من النار سهمها، وعظم بوهنها وهمها، وأقامتها النار بعد ما كانت حنايا، وأفنت قرنها وما اختلط بعظم أو الحوايا، لم تبطش ولها أيد، ولم تهرب ولها أرجل ولم تئنّ وهي مرنان، ولم تدفع الأذى عن نفسها ونفثها يقتل، ولم ينبسط لها إلى الدفع قبضة، ولم تصل إلى غرض، ولم ينبض لعرق وترها نبضة؛ قد قال لها لسان النار: هل سمعت بهذه الحادثة في ملحمة ابن عقب؟ أو اتصل بناؤها بقوس السحاب فانتظره وارتقب؛ كيف غفلت عن هذه النازلة، وأنت عدة قوم قليلا من الليل ما
стр. 5213
يهجعون؟ وكيف نمت ولا عجب لمن نعس وهو ذو قرون؟
قال: فبينما هما في المناجاة، وتكرار المحاجاة، إذ جاء النار خير مالك، وأشرف من زهيت به الدول والممالك، فجاس خلال ضرامها، ودخل لظاها فتلقته ببردها وسلامها، وتتبع أثرها الذي آثر اقتلاعه واقتحمها، فتعلقت إذ تألقت في الجو، والفرار قدام الملوك طاعة، ولم ير تلك الساعة أحد أقرب منه إليها، ولا أسلط سطا منه عليها، وثب في جهاتها مماليكه وأمراؤه، وصغار بنيه وكبراؤه، فهم قوم: [الطويل]
إذا ركبوا زادوا المواكب بهجة … وإن جلسوا كانوا صدور المجالس
فلم ير أسهل من خمودها، ولا أسرع من إبطال حركتها وجمودها؛ ونصر - أعز الله أنصاره - هذه الملة المحمدية، وحاز بهذه المنقبة الكرامة الأحمدية.
ولما رأيت مسك هذا الختام، وأن الجيش تعالى وانحط القتام، قلت: [السريع]
جاد ليطفي النار من اسمه … بحر فأخفى زندها الواري
ومن يكن بحرا فلا غرو أن … تطفا لظى منه بتيار
وقام في الله لدفع الأذى … مؤيدا بالقدر الجبّار
وغير بدع أن يرد الردى … بمرهف الحدين بتار
لأنه سيف ولم يدخر … إلا لخطب طارق طار
واقتحم النار بوجه حكى … بدر الدجى إذ لاح للساري
فانظر إليه وهو في وسطها … تشاهد الجنة في النار
قال: ولم يزل الناس من أمر هذه النار في قلق، وحدس نفى عن قلوبهم القرار، ورمى جفونهم بالأرق، وحنق يود الصبح لو تنفس، والفجر معه لو انفلق، حتى أظهر الله تعالى أن النصارى قصدوا الجامع بذلك، وتخيلوا أن النار تلعب في
стр. 5214
جوانب دمشق، وما الناس إلا هالك وابن هالك (١)؛ وتوهموا أن فعلاتهم المذمومة تغطي مساوئها الليالي الحوالك، فعل من صوّر الصور بيده وعبدها، وكفر بالوحدانية وجحدها، وعكف على الخيانة والجناية، واعتمد على عقل أداه إلى أن الواحد تعالى ثلاثة، فتهيب بعض الناس رميهم بهذا الحجر وأعظم نسبة هذا الفعل إليهم، وفجر وخوف بانتصار الفرنج لأهل ملتهم، وإزاحة علّتهم، وكشف غمتهم، والأخذ بثأر رمّتهم؛ فقال من صدق في إيمانه، وكان من أنصار الإسلام وأعوانه (٢): [الوافر]
أعباد المسيح يخاف صحبي … ونحن عبيد من خلق المسيحا
فما كان إلا أن صممت العزمات السيفية، وعمت بإحسانها الشامل، حتى خلصت النفوس البريئة من هذه البرية، وأيقظت عين حزمها الراقدة، واستبدت مرة واحدة؛ ورسم بإمساك من أبرم هذا الأمر وحرره، وبيت على فعله وقرره، فأقروا بما فعلوا، ووجدوا ما عملوا، فضربوا بسياط كشطت غلظ الغلظ من جلدتهم، وأوهنت قوى شجاعتهم وجلدهم، كم فيهم من أسود اللّمّة فتق جلده الشيب، وخطّ وخطه على جنبه ما كان مخبوءا له في الغيب، وأقبل بعضهم يوبخ بعضا فيما أشار، ويتبرم هذا إذ يتبرأ ذاك من هذه الآثار، ويتسابون فيما بينهم، ﴿إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ اَلنّارِ﴾ (٣). ولقد قلت فيهم عند التشفي، والانكفاء عن عقابهم بما يكفّ الحنق ويكفي: [الكامل]
حرثت جنوبهم وشقت أرضها … ليلا فجاد نباتها بشقيق
стр. 5215
وأريد تأريخ الحريق فخطه ال … والي على أضلاعهم بعقيق
ولما أخذ سحت أموالهم، وصرف في إيجاد ما أعدموه بفعالهم، نظر في سوء منقلبهم ومآلهم، وتمام المقابلة على تجنيس أعماله، وورد المرسوم العشرين بتسميرهم على الجمال، وإظهار ما لهذه الملة القاهرة من العز والجمال، فقضى الله تعالى فيهم أمرهم، وجعلهم آية لأهل الصليب وعبرة، وأخرجوا وطباع الورى على عدم رحمتهم مجبولة، وقدموا في حلقة الناس، فخرج كل واحد منهم بجمل وست فحولة، وأقيموا رقباء للشمس كالحرباء، فليس لهم من دونها ستر منسبل، وتنوع الناس في شتمهم، فقال: أشبعتمونا شتما (١)، ورحنا بالإبل: [الكامل]
انظر إليهم في الجذوع كأنهم … قد فوقوا يرمون بالنشاب
أو عصبة عزموا الرحيل فنكسوا … أعناقهم أسفا على الأحباب
وطيف بهم بياض يومين، ثم أنزلوا ليجعل كل سطل منهم دلوين، فجردوا من ثيابهم، وجمع شمل السرور بتمزيق إهابهم: [السريع]
ساقهم البغي إلى صرعة … للحين لم تخطر على بالهم
كم أملوا المكروه في غيرهم … فنالهم مكروه آمالهم
وسبق السيف فيهم العذل، وقال كل مسلم لمصرعهم: تركتني أصحب الدنيا بلا أمل؛ وبقيت أشلاؤهم طريحة الحفير، وألقوا في جهنم وبئس المصير.
* ومن شعره قوله: [البسيط]
أدعوك يا موجد الأشياء من عدم … وصانع العالم العلوي والأرضي
стр. 5216
إن كنت تعرض يوم الحشر لي عملا … فلا تقدر له طولا على عرضي
وقوله: [السريع]
يا رب إن لم ألق منك الرضا … عمري وحاشا فضلك الغامر
فعند حفر القبر لا تنسني … يا حسنه نقدا مع الحافر
وقوله: [من الوافر]
يقول الفكر لي دنست ثوب الش … شباب في غداة الشيب تتعب
وتغسله بدمعك كل وقت … وما ينقى لأن الطبع أغلب
وقوله (١): [السريع]
لا تسأل الناس فإني امرؤ … ما طاب لي عرف من العرف
واقنع ولا تجمع حطاما فكم … في الدهر للدينار من صرف
وقوله (٢): [السريع]
لا تجمع الدينار واسمح به … ولا تقل: كن في حمى كنفي
ما الدهر نحويّ فينجو الهدى … ويمنع الجمع من الصرف
وقوله (٣): [السريع]
يا زمنا أوقعنا شؤمه … في محنة ليس لها كاشفه
الفضل يحتاج إلى عارف … والحال يحتاج إلى عارفه
وقوله: [من السريع]
стр. 5217
لا ترع للملاق عهدا ولا … تصغ لما نمقه واختلق
فأنت تدري ما جنته يد الر … رامي على الطير برعي الملق
وقوله مضمنا (١): [الطويل]
يقول لنا المقياس والنيل هابط … لنقطع آمال المنى والمطامع
«ومن يأمن الدنيا يكن مثل قابض … على الماء خانته فروج الأصابع»
وقوله: [السريع]
لا تطغ تلق الشر كالنيل إذ … طغى وزاد الأمر في هيجه
كم جاءه بالشر شرّ إلى … أن كسر الأضلاع من موجه
وقوله (٢): [المجتث]
لم لا أهيم بمصر … وأرتضيها وأعشق
وما ترى العين أحلى … من مائها إن تملق
وقوله: [البسيط]
لقد رأيت بمصر مذحللت بها … عجائبا ما رآها الناس في جيل
تسود في عيني الدنيا فلم أرها … تبيض إلا إذا ما كنت في النيل
وقوله: [البسيط]
قالوا: علا نيل مصر في زيادته … حتى لقد بلغ الأهرام حين طمى
فقلت: هذا عجيب في بلادكم … أن ابن ستة عشر يبلغ الهرما
стр. 5218
وقوله (١): [السريع]
قد زاد هذا النيل في عامنا … فأغرق الأرض بإنعامه
وكاد أن يعطف من مائه … عرى على أزرار أهرامه
وقوله: [مخلع البسيط]
قد حارب الريح نيل مصر … وعض من غيظه الأصابع
فجاءت الريح بانزعاج … كسّر من موجه الأضالع
وقوله: [الهزج]
وعين ماؤها صاف … كمثل الشمس في الأوج
ولم أر قبلها عينا … حواجبها من الموج
وقوله: [البسيط]
ركبت في البحر [يوما] مع أخي أدب … فقال: دعني من قال ومن قيل
شرحت يا بحر صدري اليوم، قلت [له:] … لا تنكر الشرح يا نحوي للنيل (٢)
وقوله: [الكامل]
لك إن تغب شخص وذكر أصبحا … ملكين في ذاتي وذلك لائق
فخيام جفني فوق ذا مضروبة … ولواء قلبي فوق هذا خافق
وقوله: [السريع]
كأنما الليل إذا مادجا … وصدّ من قلبي به مغرى
صحيفة سودا وشخصي به … من انتحالي ألف صفرا
стр. 5219
وقوله (١): [الطويل]
أتاني وقد أودى السهاد بناظري … يمزق جنح الليل بارق فيه
فقلت له: يا طيب الأصل هكذا … أخذت الكرى مني وعيني فيه
وقوله: [الكامل]
لما رقدت أتى خيالك بغتة … فغدا فؤادي خافقا يتموج (٢)
لو أن صحبي شاهدوني في الكرى … والقلب يرقص في الخيال تفرجوا
وقوله (٣): [المتقارب]
ضممت خيالك لما أتى … وقبلته قبلة المغرم
وقمت ومن فرحتي باللقا … حلاوة ذاك اللمى في فمي
وقوله: [السريع]
عجبت إذ زارت على خفية … من أعلم الواشي بمسراها
هذا فضول من نسيم الصبا … فهو الذي ينقل رياها
وقوله: [السريع]
قلت له: زرني فلابد أن … يدري بنا الواشي ويغري العذول
فالريح ما تكتم سرا وما … يبرح ريّاك يعاني الفضول
وقوله: [السريع]
قالوا: وشى الحلي بها إذ مشت … إليك من قبل ابتسام الصباح
стр. 5220
فقلت: لا خلخالها صامت … ثم تذكرت فضول الوشاح
وقوله (١): [الكامل]
علم الوشاة بأن ريق معذبي … راح يعيد الصب بعد هلاكه
أما أنا لم يبد هذا من فمي … لكن هذا من فضول سواكه
وقوله: [السريع]
يقول: لما قلت هذا اللمى … أسكرني لما ترشفت فاك
سواك ما ذاق لمى مبسمي … أستغفر الله ذكرت السواك
وقوله: [المتقارب]
إذا شئت حليك أن لا يشي … وقد زرت في الحندس المظلم
فردي السوار مكان الوشا … ح وخلي سوارك في المعصم
وقوله: [الخفيف]
قال لي: لا تفه بميل قوامي … إن تثنى واستره خوف العيون
قلت: [إن] الصبا التي قد أشاعت … عنك هذا الحديث بين الغصون (٢)
وقوله: [البسيط]
أقول: يا غصن هلا ملت نحو فتى … فؤاده طار حتى ليس يألفه
فقال: من قال: قدي مثل غصن نقا؟ … قلت: النسيم الذي ما زال يعطفه
وقوله مضمنا: [الطويل]