← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11790

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط المجمع الثقافي

ابن فضل الله العمري

Полный текст (8 839 стр.). Показаны 5216–5255 · переход к 5221.

стр. 5216

إن كنت تعرض يوم الحشر لي عملا … فلا تقدر له طولا على عرضي وقوله: [السريع] يا رب إن لم ألق منك الرضا … عمري وحاشا فضلك الغامر فعند حفر القبر لا تنسني … يا حسنه نقدا مع الحافر وقوله: [من الوافر] يقول الفكر لي دنست ثوب الش … شباب في غداة الشيب تتعب وتغسله بدمعك كل وقت … وما ينقى لأن الطبع أغلب وقوله (١): [السريع] لا تسأل الناس فإني امرؤ … ما طاب لي عرف من العرف واقنع ولا تجمع حطاما فكم … في الدهر للدينار من صرف وقوله (٢): [السريع] لا تجمع الدينار واسمح به … ولا تقل: كن في حمى كنفي ما الدهر نحويّ فينجو الهدى … ويمنع الجمع من الصرف وقوله (٣): [السريع] يا زمنا أوقعنا شؤمه … في محنة ليس لها كاشفه الفضل يحتاج إلى عارف … والحال يحتاج إلى عارفه وقوله: [من السريع]

стр. 5217

لا ترع للملاق عهدا ولا … تصغ لما نمقه واختلق فأنت تدري ما جنته يد الر … رامي على الطير برعي الملق وقوله مضمنا (١): [الطويل] يقول لنا المقياس والنيل هابط … لنقطع آمال المنى والمطامع «ومن يأمن الدنيا يكن مثل قابض … على الماء خانته فروج الأصابع» وقوله: [السريع] لا تطغ تلق الشر كالنيل إذ … طغى وزاد الأمر في هيجه كم جاءه بالشر شرّ إلى … أن كسر الأضلاع من موجه وقوله (٢): [المجتث] لم لا أهيم بمصر … وأرتضيها وأعشق وما ترى العين أحلى … من مائها إن تملق وقوله: [البسيط] لقد رأيت بمصر مذحللت بها … عجائبا ما رآها الناس في جيل تسود في عيني الدنيا فلم أرها … تبيض إلا إذا ما كنت في النيل وقوله: [البسيط] قالوا: علا نيل مصر في زيادته … حتى لقد بلغ الأهرام حين طمى فقلت: هذا عجيب في بلادكم … أن ابن ستة عشر يبلغ الهرما

стр. 5218

وقوله (١): [السريع] قد زاد هذا النيل في عامنا … فأغرق الأرض بإنعامه وكاد أن يعطف من مائه … عرى على أزرار أهرامه وقوله: [مخلع البسيط] قد حارب الريح نيل مصر … وعض من غيظه الأصابع فجاءت الريح بانزعاج … كسّر من موجه الأضالع وقوله: [الهزج] وعين ماؤها صاف … كمثل الشمس في الأوج ولم أر قبلها عينا … حواجبها من الموج وقوله: [البسيط] ركبت في البحر [يوما] مع أخي أدب … فقال: دعني من قال ومن قيل شرحت يا بحر صدري اليوم، قلت [له:] … لا تنكر الشرح يا نحوي للنيل (٢) وقوله: [الكامل] لك إن تغب شخص وذكر أصبحا … ملكين في ذاتي وذلك لائق فخيام جفني فوق ذا مضروبة … ولواء قلبي فوق هذا خافق وقوله: [السريع] كأنما الليل إذا مادجا … وصدّ من قلبي به مغرى صحيفة سودا وشخصي به … من انتحالي ألف صفرا

стр. 5219

وقوله (١): [الطويل] أتاني وقد أودى السهاد بناظري … يمزق جنح الليل بارق فيه فقلت له: يا طيب الأصل هكذا … أخذت الكرى مني وعيني فيه وقوله: [الكامل] لما رقدت أتى خيالك بغتة … فغدا فؤادي خافقا يتموج (٢) لو أن صحبي شاهدوني في الكرى … والقلب يرقص في الخيال تفرجوا وقوله (٣): [المتقارب] ضممت خيالك لما أتى … وقبلته قبلة المغرم وقمت ومن فرحتي باللقا … حلاوة ذاك اللمى في فمي وقوله: [السريع] عجبت إذ زارت على خفية … من أعلم الواشي بمسراها هذا فضول من نسيم الصبا … فهو الذي ينقل رياها وقوله: [السريع] قلت له: زرني فلابد أن … يدري بنا الواشي ويغري العذول فالريح ما تكتم سرا وما … يبرح ريّاك يعاني الفضول وقوله: [السريع] قالوا: وشى الحلي بها إذ مشت … إليك من قبل ابتسام الصباح

стр. 5220

فقلت: لا خلخالها صامت … ثم تذكرت فضول الوشاح وقوله (١): [الكامل] علم الوشاة بأن ريق معذبي … راح يعيد الصب بعد هلاكه أما أنا لم يبد هذا من فمي … لكن هذا من فضول سواكه وقوله: [السريع] يقول: لما قلت هذا اللمى … أسكرني لما ترشفت فاك سواك ما ذاق لمى مبسمي … أستغفر الله ذكرت السواك وقوله: [المتقارب] إذا شئت حليك أن لا يشي … وقد زرت في الحندس المظلم فردي السوار مكان الوشا … ح وخلي سوارك في المعصم وقوله: [الخفيف] قال لي: لا تفه بميل قوامي … إن تثنى واستره خوف العيون قلت: [إن] الصبا التي قد أشاعت … عنك هذا الحديث بين الغصون (٢) وقوله: [البسيط] أقول: يا غصن هلا ملت نحو فتى … فؤاده طار حتى ليس يألفه فقال: من قال: قدي مثل غصن نقا؟ … قلت: النسيم الذي ما زال يعطفه وقوله مضمنا: [الطويل]

стр. 5221

أقول لغصن البان: إن كان لم يمس … قوامك إلا بالصبا في التنسم فعارض حبيبي حين يثني قوامه … وقف وقفة قدامه تتعلم وقوله: [من السريع] يوهمني من لين أعطافه … بأنه لم يقس يوما علي ويخدع البند إلى أن غدا … يربطه الخصر على غير شيّ وقوله: [مجزوء الكامل] لم أنسه في روضة … والطير يصدح فوق غصن فأعلم الورق البكا … ويعلّم الغصن التثني وقوله: [المجتث] يهتز قدك لينا … وفي الحشا منه غصه يغيب عني حينا … وإن أتى جاء برقصه وقوله: [الخفيف] أيها الأهيف الذي قد تثني … عطفه والتوى من اللين غصنه لك ردف من وافر وبسيط … لا يرى في الربا ولا الكثب وزنه وقوله: [المجتث] يقول ردف حبيبي … وعطفه المتثني: ما أنت يا غصن قدي … ولا كثيبك وزني وقوله: [الهزج] لقد أضعفني حزني … وضاعف خالقي حسنك فها أنا لم أزن وجدي … لأني لم أجد وزنك

стр. 5222

وقوله: [البسيط] ألبستها من عناقي وهي نائمة … ثوبا يزر بلثم غير منفصل يا خجلتا في غد منها إذا أخذت … مرآتها ورأت ما أثرت قبلي وقوله: [المنسرح] يا برق بلغ رسالتي فمها … إن أنكرتني فصف لها عللي لأن بيني وبين مبسمها … ليلة زارت علامة القبل وقوله: [مخلع البسيط] قلت له: إن بعدت عني … تفضولت بيننا العواذل أما ترانا لما اعتنقنا … ما دخلت بيننا الغلائل وقوله: [الوافر] نظرت إلى الرياض ولي مجاز … يؤديني إلى المعنى الحقيقي فكم أبصرت من آس تبدى … وما اندملت جراحات الشقيق وقوله: [المتقارب] عذارك والطرف يا قاتلي … يحاكيهما الآس والنرجس وقد صار بينهما نسبة … فهذا يدب وذا ينعس وقوله (١): [الخفيف] إن عيني مذ غاب شخصك عنها … يأمر السهد في كراها وينهى بدموع كأنهن الغوادي … لا تسل ما جرى على الخد منها

стр. 5223

وقوله (١): [الكامل] أملت أن تتعطفوا بوصالكم … فرأيت من هجرانكم ما لا يرى وعلمت أن بعادكم لا بدّ أن … يجري له دمعي دما وكذا جرى وجاءت شتوة وشّعت بروقها حاشية السحاب، ووشّت لمم الجبال الشائبة توشية الخضاب، وهدرت رعودها الصائلة، ووفت عهودها السائلة، وتوالت مدة لا يكشط فيها سماء، ولا يكشف بأيام الثلوج المصبحة ظلماء، ودامت أياما لا تفصل فصالها عن سحائب، ولا تولد بكرة يوم إلا وهي في طفولتها شائبة النواصي والذوائب، هذا ولا تصبح صبيحة ضاحك إلا ووجه الأرض عبوس، ومعطف السماء في لبوس بؤس، وقوس السحاب ترمي بقسي مالها وتر، وغدر الثلج الصافية كالبلور كلها كدر، والسقوف وقد أرقها المطر فأنهرها، والطرق قد عرفها اللثق ونكّرها، والبرد قد اشتد كلبه، ولهذا غطى جمده الماء، ولم يشتف حتى شرب العذب البارد ممزوجا بمثل الدماء. فكتبت إليه: كيف أصبح مولانا في هذا الشتاء الذي أقبل يرعب مقدمه، ويرهب تقدمه، ويريب اللبيب من برقه المومض تبسمه؟ وكيف حاله مع رعوده الصارخة، ورياحه النافخة، ووجوه أيامه الكالحة، وسرر لياليه التي لا تبيت منها بليلة صالحة وسحابه وأمواجه وجليده، والمشي فوق زجاجه، وتراكم مطره الحثيث، وتطاول فرع ليله الأثيث، ومواقده السود الممقوتة، وذائب جمره المحمر، وأهون بها ولو أن كل حمراء ياقوتة، وتحدر نؤيه المتصبب، وتحير نجمه المتصوب؟ وكيف هو مع جيشه الذي ما أطل حتى نصب مضارب غمامه،

стр. 5224

وظلل الجو بمثل أجنحة الفواخت من أعلامه؟ هذا على أنه عرّى الأبنية، وحلل مما تلف ذمّه سالف الأشتية، فلقد جاء من البرد بما رض العظام وأنخرها، ودق فخارات الأجسام وفخرها، وجمد في الفم الريق، وعقد اللسان إلا أنه (١) لسان المنطيق، ويبس الأصابع حتى كادت أغصانها توقد حطبا، وقيد الأرجل فكانت لا تمشي إلا تتوقع عطبا، وأتى الزمهرير بجنود ما للقوي بها قبل، وحمل الأجسام من ثقل الثياب ما لا يعصمهم منه من قال: ﴿سَآوِي إِلى جَبَلٍ﴾ (٢)، ومدّ من السيل ما استبكى العيون إذا جرى، واجتحف ما أتى عليه وأول ما بدأ الدمع بالكرى، فكيف أنت يا سيدي في هذه الأحوال؟ وكيف أنت في مقاساة هذه الأهوال؟ وكيف رأيت منها ما شيب بثلجه نواصي الجبال؟ وجاء من البحر فتلقف ثعبانه ما ألقته هراوات البروق من عصي، وخيوط السحاب من حبال؛ أما نحن فبين أفواج من السحب تزدحم، وفي رأس جبل لا يعصم فيه من الماء إلا من رحم؛ وكيف سيدنا مع مجامر كانون وشرار برقها القادح، وهم ودقها الفادح، وقوس قزحها المتلون؟ رد الله عليه صوائب سهامه، وبدّلنا منه بوشائع حلل الربيع ونضارة أيامه، وجعل حظ مولانا من لوافحه ما يذكيه دهنه من ضرامه، ومن سوافحه ما يولده فكره من تؤامه، وعوضنا وإيّاه منه بالصيف إذا أقبل، وأراحنا من هذا الشتاء، ومشى غمامه المتبختر بكمه المسبل. فكتب إلي جوابا: وينهي ورود هذه الرقعة التي هي طراز في حلة الدهر، والحديقة التي تذكّر بزمن الربيع وما تهديه أيامه من أنواع الزهر، فوقف منها على الروض الذي تهدلت فروع غصونه بالأثمار، ونظر منها إلى الأفق الذي كلّ كواكبه شموس

стр. 5225

وأقمار، فأنشأت له أطرابه، وأعلمته أن قلم مولانا يفعل بالألباب ما لا تفعله نغمات الشبّابة، وأرشفته سلافا كورسها الحروف، وكل نقطة حبابة؛ وشاهد أوصاف هذه الأيام المباركة القدوم، المتصلة الظلام فلا أوحش الله من طلعة الشمس، وحواجب الأهلة، وعيون النجوم، فما لنا ولهذه السحائب السحّابة، والرعود الصخّابة، والبروق اللهّابة، والغمائم السكابة، والثلوج التي أصبحت بحصبائها حصّابة والبرد الذي أمست إبره لغضون الجلود قطّابة، والزميتا التي لا تروي عن أبي ذر، إلا ويروي الغيث عن أبي قلابة، كلما أقبلت فحمة ظلام قدحت فيها البوارق جمرتها، وكلما جاءت سحابة كحلاء الجفون رجعت وهي مرهاء لما أسبلت من عبرتها، فما هذا طوبة (١)، إن هذا إلا جبل ثهلان، وما هذا كانون، إن هو إلا تنور الطوفان، التي متى قطن هذه الثلوج يطرح على حباب الجبال، وإلى متى تفاض دلاص الأنهار، وترشقها قوس قزح بالنبال؟ وإلى متى تشقّق السحاب ما لها من الحلل والحبر؟، وإلى متى ترسل خيوط المزن من الجو وفي أطرافها على الغدران إبر؟ وإلى متى تجمد عيون الغمام وتلحّها البروق بالنار؟ وإلى متى نثار هذه الفضة وما يرى للنجم دينار؟ وإلى متى نحن نحنو على النار حنو المرضعات على الفطيم؟ (٢) وإلى متى تبكي هذه الميازيب بكاء الأولياء بغير حزن، إذا استولوا على مال اليتيم؟ (٣) وإلى متى هذا البرق تتلوى بطون حياته، وتتقلب حماليق العيون المحمرة من أسود غاباته؟ وإلى متى يزمجر عتب هذه الرياح العاصفة؟ وإلى متى يرسل الزمهرير أعوانا تصبح بها حلاوة

стр. 5226

الوجوه تالفة؟ أترى هذه الأمطار تقلب من أزيار؟ أم ترى هذه المواليد تنتهي فيها الأعمار؟ كم من جليد يذوب له قلب الجليد، ويرى زجاجه الشفاف أصلب من الحديد! وكم من وحل لا تمشي هريرة فيه الوجى! (١)، وكم من برد لا ينتطق فيه نوم الضحى! اللهم حوالينا ولا علينا، لقد أضجرنا تراكم الثياب، ومقاساة ما لهذه الرحمة من العذاب، وانجماع كلّ عن إلفه، وإغلاق باب القباب، وتخلل الضباب زوايا البيوت، والأطفال ضباب الضباب، كل ضبّ منهم قد لزم باطن نافقائه، وقدم بين يديه الموت بداية بدائه، قد حسد على النار من أمسى مذنبا وأصبح عاصيا، وتمنى أن يرى من فواكه الجمرات عنابا أو قراصيا، فإن كانت هذه الأمطار تكاثر فضائل مولانا، فيا طول ما تسفح، وإن كانت العواصف تتشبه ببأسه، فيا طول ما تلفح، وإن كانت البروق تحاكي ذهنه المتسرع، فيا طول ما تتألق، وإن كانت قوس قزح تتلون خجلا من طروسه، فياطول ما تتأنق، وإن كانت الرعود تحكي جوانح أعاديه، فيا طول ما تفهق وتشهق، وإن كانت السيول تجري وراء جوده، فيا طول ما تجري على طول المدى وما تلحق؛ والأولى بهذا النوء الباكي أن لا يحاكي، والأليق بهذا الفصل المبغض ألا يتعرض؛ ورحم الله من عرف قدره، وكفى الناس شره، وتحقق أن مولانا في هذا الوجود ندرة. فأجبته: وقف لمواقع القلم الشريف ووقف عليه، وتيمن بمجرد إقباله إليه، وقبّلة لقرب عهده بيديه، وعدّه لجلاء المرّة لما أمرّه على عينيه، لا برح الشهد من جني ريقه

стр. 5227

المعلل، والطرب بكأس رحيقه المحلل، والتيه وحاشاه منه في سلوك طريقه المدلل، والجهد - ولو كلف - لا يجيء بمثل سيره المذلل، والسحاب لا يطير إلا بجناح كرمه المبلل، والروض لا يبرز إلا في ثوب زخرفه المجلل، والبرق لا يهتز إلا في مثل ردائه المشلل، والنصر يفضي لمواضيه على حد حسامه المفلل، والفجر لولا بيانه الوضاح لما أرشد دليله المضلل، والبحر لولا ما عرف من عبابه الزاخر لما ذم على غزر المادة نواله المقلل، والفخر - ولو شمخ بأنفه - لا ينافس عقده الموشح، ولا يتطاول إلى تاجه المكلل، وفهمه فهام، وعلمه فزاد صقال الأفهام، وقصر عن معرفته فما شك أنه إلهام، وانتهى في الجواب إلى وصف أنواء تلك الليلة الماطرة، وما موهت به السحب من ذهب برقها، وقتلته الأنواء من خيوط ودقها، ونفخت فيه الرياح من جمر كانونها، وأظهرت حقيقته الرعود من سرّ مكنونها، وما تبثه عارضة ذلك العارض الممطر الذي هو أقوى من شآبيبها، وأوقى مما أرقته (١) السّماء من جلابيبها، وأسرى من برقها المومض في غرابيبها، وأسرع من سرى رياحها وقد جمعت أطواق السحب وأخذت بتلابيبها؛ وسبح الملوك من عجب لهذه البلاغة التي كملت الفضائل، وفضلت عن العلم وفي الرعيل الأول علم الأوائل، وفضلت مبدعها وحق له التفضيل، وآتته جملة الفضل وفي ضمنها التفضيل، وانطقت لسان بيانه وأخرست كل لسان، وأجرت قلم كرمه وأحرزت كل إحسان، ونشرت علم علمه وأدخلت تحته كل فاضل، وأرهفت شبا حده وقطعت به كل مناظر وكل مناضل، وقالت للسحاب: إليك - وقد طبق - إليك، فإن البحر قد جاءك؛ وللنوء - وقد أغدق - تنح، فإن الطوفان قد ضيق أرجاءك؛ وللرعد وقد صرخ: اسكت، فقد آن لهذه الشقاشق أن تسكت؛ وللبرق وقد نسخ آية الليل: استدرك غلطك، لئلا تبكت؛ أما ترى هذه العلوم

стр. 5228

الجمة وقد زخر بحرها، وأثر في الألباب سحرها، وهذه الفضائل وكيف تفننت فنونها، وفتنت عيونها، وتهدلت بالثمرات أفنانها، وتزخرفت بالمحاسن جنانها، وهذه الألمعية وكيف ذهّبت الأصائل، وهذه اللوذعية وما أبقت مقالا لقائل، وهذه البراعة التي فاضت وكلّ منها سكران طافح، وهذه الفصاحة وما غادرت بين الجوانح، وهذه البلاغة التي سالت بأعناق المطي بها الأباطح (١)، وهذه الحكم البوالغ، وهذه النعم السوابغ، وهذه الهمم التي ترقت بتوجهها إلى السماء، فكشفت غياية عارضها، وكفت غواية البرق وقد ولع خط مشيبه بخط عارضها، حتى جلاها وأضحاها، ﴿وَأَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها﴾ (٢) وجلا صدأ تلك الليلة عن صفيحة ذلك اليوم المشمس، وبدل بذلك الصحو المطبع من ذلك الغيم المؤنس، وأترع غدير ذلك النهار خالصا من الرنق، وضوّع غير ذلك الثرى خاليا من اللثق، وأطلع شمس ذلك اليوم يوشع جانب مشرقها، ويوشي بذائب الذهب رداء أفقها. كما قلت: [السريع] كأنما اليوم وقد موهت … مشرقه الشمس ولا جاحد ثوب من الشرب ولكنه … طرّز منه كمّه الواحد أستغفر الله، بل ذلك بشر ذلك البشر، بل الملك الكريم وصفيحة وجهه المتهلل الوسيم، لا بل صفيحة (٣) عمله وصفيحة أمله، وأنموذج راية الثناء عليه، وصنويده البيضاء وصنع يديه؛ فلله تلك اليد المقبلة، ولله تلك اليد المؤملة،

стр. 5229

ولله تلك المواهب المجزلة، ولله تلك الراحة التي لا تقاس بأنملة، ولله ذلك البنان الساحر، ولله ذلك البيان الساخر، ولله ذلك اللسان المدرب، وذلك البحر الزاخر، ولله ذلك الإنسان الذي طال باع عمله وطار، فأوقد ضرام ذلك الصحو شعاع فهمه، وطاب جني ثمره وجناب حلمه، وطاف الأرض صيته، ونفق كاسد الفضائل باسمه؛ لقد ألبس المملوك رداء الفخار، وعرّفه العوم وكان لا يطمع أن يشق بحره الزخار، ومحى عنه صبغ دجنة تلك الليلة، وفرج عنه لباس تلك السحب وقد ضم عليه ذيله، وفرق ذلك النور المعتلج وقد جاراه جفنه، وأجرى مثله سبله، وأطلق لسانه من الاعتقال، وأنطق بيانه فقال، وحمى له هجير الذكاء فقال، ووقفه ولولا إيقافه لغبّر على آثاره في وجه من سبق. فكتب هو الجواب: [الكامل] جاء الجواب يزف منه فواضلا … ويرف في روض البيان خمائلا أغرقت غر السحب حين وصفتها … يا من غدا بحرا يموج فضائلا لو لم تكن يمناك بحرا زاخرا … ما أرسلت تلك السطور جداولا ضرب من السّحر الحلال متى تشأ … أخرجته فيعود ضربا داخلا ما إن جلا راويه بحر بيانه … إلا وزان مشاهدا ومحافلا فمتى يروم به اللحاق مقصّر … والنجم أقرب من مداه تناولا أبرزته أفقا فكل قرينة … برج حوى معناه أفقا كاملا فكأنما تلك الحروف حدائق … أمست معانيها تصيح بلابلا وكأن ذاك الطرس خد رائق … والسطر فيه غدا عذارا سائلا مهلا أبا العباس قد أفحمتني … وتركتني بعد التحلي عاطلا بالله قل لي عند ما سطرته … هل كنت تحسب أن تجيب الفاضلا أقسمت لو جاراك في إنشائه … ما كان ضم على اليراع أناملا

стр. 5230

حركت منك حمية عدوية … ملأت فضاء الطرس منك جحافلا كم فيه من لام كلأمة فارس … قد هزّ من ألفات خطك ذابلا هل شئت أن تنشي الجواب سحابة … تندى فجاءت منك سيلا سائلا يا فارس الإنشاء رفقا بالذي … نازلته يوم الترسل راجلا لو رام أن يجري وراءك خطوة … نصبت له تلك الحروف حبائلا فاحبس عنانك قد تجاوزت المدى … وتركت سحبان الفصاحة باقلا والفاضل المسكين أصبح فنه … من بعد ما قد راح فينا خاملا فاسلم لتبليغ النفوس مرامها … فالدهر في أبواب فضلك ماثلا كم فيك لي أمل يروق لأنني … أدري بأنك لا تخيب آملا وكتبت أنا الجواب إليه: [الكامل] وافى الكمي بها يهز مناصلا … ويرم صبغا للشبيبة ناصلا سبق الظلام بها ونبه ليله … ولو انه في الفجر حلى العاطلا حمراء قانية يذوب شعاعها … وترى حصا الياقوت فيها سائلا حمراء قانية تحث كؤوسها … وقع الصوارم والوشيج الذابلا ذهبية ما عرق عانة كرمها … لكنها كف الكريم شمائلا كف كمنبجس النوال كأنما … دفع السيول تمد منه نائلا كرم خليلي يمد سماطه … ويشب نارا للقرى وفواضلا ولهيب فكر لو تطير شرارة … منه لما بل السحاب الوابلا يذكي به في كل صبحة قرة … فهما لنيران القرائح آكلا عجبا له من سابق متأخر … فات الأواخر ثم فات أوائلا دانوه في شبه وما قيسوا به … من ذا تراه للغمام مساجلا ماثل به البحر الخضم فإنه … لا يرتضي خلقا سواه مماثلا

стр. 5231

وافت عقيلته ولو بدأ امرؤ … فيها استقل من البروج معاقلا جاءت شبيه الخود في حلل لها … حمر بتذهيب الخدود لها حلى قد خضبت بدم الحسود أما ترى … أثر السواد بها عليه دلائلا حلل على سحبان تسحب ذيلها … وتجر من طرف الذبول الفاضلا خلت الهلال يلوح طلع نقابها … حتى نضت فرأيت بدرا كاملا بنت القريحة ما ونت في خدرها … حسن المليحة أن تواصل عاجلا جاءت تصوغ من العناق أساورا … لا بل تخوض من السيول خلاخلا قبلتها وأعدت تقبيلي لها … إن المتيم لا يخاف العاذلا وأتت وجيش النوء مرهوب السطا … ملأ الوجود له قنا وقنابلا والبرق مشبوب الضرام لأنه … صاد الغزالة حيث مد حبائلا وأتت ورأس الطود يشكو لمة … قد عممت بالثلج شيبا شاملا وكأنما نثرت قراضة فضة … أيدي البروق وقد خرقن أناملا ملأت به كل الفضاء فلا ترى … إلا لجينا جامدا أو سائلا والأفق كالكأس المفضض ملؤه … صهباء قد عقدت حبابا جائلا أبناء يوم قد تقهقر ضوؤه … وبدا ذبالا في الأصائل ناحلا والجو منخرق القميص كأنه … حنق يقد من السحاب غلائلا والسيل منحدر يسيل مهندا … إفرنده ذهب يمد سلاسلا لله أنت أبا الصفاء فإنني … ألقى خليلا منك لي ومخاللا أنت الذي حلقت صقرا أجدلا … وصممت في برديك ليثا باسلا يا من ينفق سوق كل فضيلة … إسأر فما أبقيت بعدك فاضلا (١) [فكتب هو الجواب] [الخفيف]

стр. 5232

يا فريدا ألفاظه كالفريد … ومجيدا قد فاق عبد المجيد (١) وإمام الأنام في كل علم … وشريكا في الفضل للتوحيدي عرف العالمون فضلك بالعل … - م وقال الجهال بالتقليد من تمنى بأن يرى لك شبها … رام نقضا بالجهل حكم الوجود طال قدري على السماكين لما … جاءني منك [عقد] در نضيد (٢) شابه الدر في النظام ولما … شابه السحر شاب رأس الوليد (٣) هو لغز في ذات خدر منيع … نزلت في العلى بقصر مشيد هي أم الأمين ذات المعالي … من بني هاشم ذوي التأييد أنت كنت البادي لمعناه حقا … حين لوحت لي بذكر الرشيد * وهذا آخر من ختمنا به أهل قطرنا أحياء وأمواتا، ولا حفلة بمن تخطيناه فواتا، إذ كان هؤلاء هم أعيان القوم، من أول هذه الملة وإلى اليوم، ممن اشتهر لعلو قدره أو لغلو دره، وثم بقايا ما حلوا مع أحد هذين، ولا كانوا في قسميها اللذين. وهذه جملة كافية في الكتاب المشارقة، وإنما أطلعنا من شموسهم شارقة، وهي دالة على ما بعدها من نهار يطنب في الخافقين، ويطيب ملائي النيرين الشارقين.

стр. 5233

آخر السفر الثاني عشر من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» ويتلوه إن شاء الله تعالى في السفر الثالث عشر،: فأما الكتاب المغاربة، وما لهم من نجوم غير غاربة. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه الطيبين، الطاهرين؛ حسبنا الله ونعم الوكيل. هـ (١٣).

стр. 5234

السفر الخامس عشر: الشعراء العباسيون من المتنبي إلى ابن الهبارية المحقق: وليد محمود خالص

стр. 5235

مقدمة التحقيق - ١ - هذا هو السفر الخامس عشر من تلك الموسوعة الكبرى التي صنفّها شهاب الدين، أحمد ابن يحيى بن فضل الله العمري. ومسماها (مسالك الأبصار في ممالك الأمصار)، وينتمي هذا الكتاب إلى تلك المرحلة التي اصطلح عليها دارسو الأدب بالمرحلة المتأخرة، وكانت لهم فيها آراء مختلفة وقفت عندها في مقدمة تحقيقي مقدّمة كتاب (الدرّ الفريد وبيت القصيد) لمحمد بن أيدمر المستعصمي، وخلاصة الأمر أنّ هذه المرحلة بحاجة إلى (إعادة قراءة) بحيث تضعها في مكانها الموضوعي الحقّ بعيدا عن النعوت المتسرّعة، والألقاب غير المنهجية. ويعجب المرء وهو يتابع حياة العمري، ومسرد مؤلفاته كيف تسنّى له أن يرفد المكتبة العربية بهذا النتاج العلمي الغزير في سنيّ حياته القصيرة التي لم تبلغ الخمسين عدّا، فقد ولد سنة ٧٠٠ للهجرة، وتوفي سنة ٧٤٩ للهجرة في أصحّ الأقوال، فإذا أضفنا إلى هذا انشغاله بالحياة العامة من حيث عمله مع والده في ديوان الإنشاء بدمشق، واتصاله المباشر بالملك الناصر إذ "صار يقرأ البريد له، وينفذ المهمات" (١)، أقول إذا تأمّلنا هذا كلّه أدركنا أنّ العمري كان منصرفا بكلّيته إلى التحصيل، والدرس، والتأليف وخصوصا حين يبتعد عن الدنيا وشواغلها، فهذا هو التفسير المنطقي الذي يحلّ تلك الإشكالية: قصر العمر وغزارة التأليف. وحين نعود إلى تصانيفه نجد أنّ من يترجم له يقدّم مسردا بستة عشر كتابا عدا (مسالك الأبصار)، وواحد من هذه الكتب يقع بمجلدات هو [فواضل السّمر في فضائل آل عمر] الذي يقع بأربعة مجلدات، وهي تشير بمجموعها إلى حقول معرفية متنوعة عالجتها تلك الكتب مثل الأدب، والتاريخ، والبلدان، وصناعة الإنشاء، وغيرها، ولم يكتف العمري بما بين يديه من تراث عربي ضخم يجول في جنباته بل رنا بعيون قوية إلى ما لدى [الآخر] _________ (١) التعريف بالمصطلح الشريف. ابن فضل الله العمري، مقدمة التحقيق، بقلم محمد حسين شمس الدين. دار الكتب العلمية، بيروت. الطبعة الأولى. سنة ١٩٨٨. ص ٥.

стр. 5236

من علم، وفنّ، نجد مصداق هذا في كتابه [مسالك عبّاد الصليب] الذي "وصف فيه ملوك الإفرنج في عصره … فوصف ممالك فرنسا وألمانيا، وأحوالهما السياسية والاجتماعية، وفعل نحو ذلك في البنادقة والإيطاليين وأهل جنوة، وبين علائقهم بالمسلمين" (١)، يضاف إلى هذا معرفته الدقيقة بتاريخ المغول، والهند، والأتراك وأحوالهم السياسية والاجتماعية. ونعتقد أن اهتمامه بأحوال ذلك [الآخر] نابع من ظمئه العلمي الذي لا يعرف الحدود، كما أنّ هذا [الآخر] قد أصبح قريبا جدا منه وخصوصا بعد الحروب الصليبية التي استغرقت وقتا طويلا، واجتياح المغول الشرق، وتقويضهم الخلافة العباسية ببغداد، فلم يكن له وهو العالم الثبت، والأديب المتميّز القريب من السلطة، أقول لم يكن له بعد هذا أن يقف بمعزل عن تلك التيارات الفكرية التي كانت تموج بها ديار الإسلام ويشكّل ذلك [الآخر] رافدا بل روافد مهمّة فيها. - ٢ - ترجم العمري في هذا السفر لتسعة وأربعين شاعرا، افتتحه بأبي الطيب المتنبي وختمه بابن الهبّارية، وتطول الترجمات، أو تقصر حسب مكانة الشاعر، وتوفّر المادة الشعرية بين يدي المصنّف، وهو يتبع في كتابه منهجا واحدا لا يحيد عنه، إذ يقدّم للشعر المختار بمقدمة من إنشائه يتبعها بالشعر، فإذا كان الشاعر ذا حظّ من النثر أيضا قدّم شيئا من رسائله، أو قطعه النثرية. وقد رصدنا بعض الملاحظات التي انتظمت التراجم جميعها، ويمكن تلخيصها على الهيئة الآتية: - ١ - يولي العمري اهتماما ملحوظا بالشعر لا بالشاعر بحيث تطغى المادة الشعرية على السّفر كلّه، ويمكن القول بشيء قليل من الاحتراز إنّ هذا السّفر أقرب إلى كتب [الاختيارات الشعرية] منه إلى كتب التراجم، فهو أقرب إلى المفضليات، والأصمعيات والحماسات منه إلى وفيات الأعيان، ومعجم الأدباء، وفوات الوفيات، وإن خطط له صاحبه ليكون كتاب تراجم، فهو بمحتواه العام لا يؤدي ذلك المعنى بل يقدّم جمهرة واسعة من _________ (١) المصدر السابق، ص ٧. ليس القصد أن نقدم ترجمة وافية للعمري هنا وإنما هي الإشارة التي تعني التنويه بجهده العلمي الضخم.

стр. 5237

الشعر على حساب التراجم وشروطها. ٢ - إنّ هذا الأمر يقودنا إلى الإلماع إلى مصادره التي اعتمد عليها في تحرير ترجماته فمن الممكن القول إنّه اعتمد على الكثير من الدواوين والمجاميع الشعرية، والقليل من المصادر الأخرى ككتب التراجم مثلا فالمادة الشعرية الضخمة التي حواها بين دفتيه هي نتيجة الاتكاء على مكتبة شعرية كبيرة ضمت عشرات الدواوين بحيث مكنّه هذا من الانتقاء، والاختيار، بينما لا تتجاوز مصادره الأخرى ثلاثة كتب ذكرها صراحة هي يتيمة الدهر للثعالبي، وخريدة القصر للعماد الأصفهاني، ووفيات الأعيان لابن خلكان، وهو لا ينقل من تلك الكتب - على قلّتها - سوى الشذرة التي تشير، والحسوة التي لا تروي، وهذا معلوم واضح فغايته الشعر فليتخّذ له أهبته، ويهيّئ له أدواته، وقد فعل. ٣ - يعمد العمري إلى اصطفاء [العيون] من شعر الشاعر على وفق الذوقين الخاص، والعام فكثير ممّا هو ذائع مشهور من الشعر نجده في ثنايا التراجم ممّا يشير إلى مجاراته الذوق العام، أمّا ذوقه الخاص فيتمثّل في إكثاره من شعر الطبيعة، والغزل، والخمر، ولا ينسى الحكمة، غير أنّ أمرا آخر كان ماثلا في ذهنه، وحاضرا في تصوّره وهو يختار، ونعني به جوهر الشعر وهو [الصورة]، فما أكثر الأبيات، والقطع التي أثبتها وهي تجمل في تضاعيفها استعارة بديعة، أو تشبيها متميزا، أو كناية ذات دلالة، بالإضافة إلى ذلك التلوين الأسلوبي الذي قدّمه بعض الشعر من التفات. أو استفهام. أو أمر، تلك التلاوين التي أغنت مبحث الإنشاء في البلاغة العربية. لقد كان العمري - في الغالب - وفيّا لمتطلبات الفنّ وهو يختار، وكأنّه قد أفاد من سابقيه وفتح الباب عريضا لمن جاء بعده، وحقّق تلك المقولة الرائدة: اختيار الرجل قطعة من عقله، وأحسب أنّه قد نال نصيبا وافرا من العقل ونجاح الاختيار على حدّ سواء. ٤ - ويبدو أنّ غزارة المادة الشعرية التي تعامل معها العمري في هذا السّفر قد دعته إلى أن ينسب القطعة الواحدة إلى شاعرين، وخصوصا أولئك الشعراء المتعاصرين الذين طرقوا موضوعات متقاربة مثل وصف الطبيعة، أو الغزل، أو الخمريات، فهو يغفل الإشارة أو التنبيه

стр. 5238

إلى ذلك التنازع، وقد أشير إلى هذا في مواضعه، غير أنّ الغالب على المادة الشعرية هو التوثيق، ونسبة الشعر إلى أصحابه بشكل دقيق. ٥ - يقدّم العمري بين يدي الترجمة قطعة من إنشائه يكون الشاعر المترجم له محوره، وتخلو تلك القطع في الأغلب من أيّ مادة معرفية من الممكن الإفادة منها في تتّبع مراحل حياة الشاعر، أو تطورّه الفكري والروحي، ولعلّ هذا الأمر يؤكّد ما ذهبنا إليه سابقا من حيث اهتمام المصنّف بالشعر لا بالشاعر، فهو غير معنيّ بتفاصيل حياة الشاعر، وثقافته وشيوخه، وأسفاره، كما عهدنا في كتب التراجم الأخرى، فغاية وكده منصبّة على الإبداع وحده يريد أن يقدّم منه الكثير. ٦ - يسرف العمري بشكل لافت للنظر في إضفاء نعوت المديح على الشعراء. ويكيل لهم الأوصاف كيلا، ويبالغ كثيرا في حديثه عنهم، فهذا رأس وغيره ذيول، وهذا ذو نظم زاهر، ورقم باهر، والثالث بلغ فهمه مغار الكواكب فهو يساقطها، أمّا الرابع فهو في الصناعتين كما تماثل الوشيان، وكما تقابل في الحسن شيئان، والخامس مثله فقد جلّى فسمّي سابقا، فكان اسمه لمسماه مطابقا، وتستمرّ القطع على هذا المنوال، ولعلّه متأثر بمن سبقه من كتّاب التراجم الأدبية، وخصوصا الثعالبي في اليتمية، فقد نهج هو الأخر هذا النهج، وهو بمجمله يشير إلى ذوق العصر، ويومي إلى ما شاع من أساليب. ٧ - من الممكن القول من جهة أخرى أنّ تلك المقدّمات، أو القطع الإنشائية هي أشبه بالخلاصات النقدية المكثّفة التي يحاول العمري فيها جاهدا حصر أهمّ الخصائص، والسمات الموضوعية، والفنية التي تميّز بها الشاعر وشعره، ولم نصل إلى هذه النتيجة بغير القراءة المتريّثة لتلك المقدمات. وتأمّل مضامينها، فالقراءة العجلى لن تنتج سوى انطباع أنّها أمشاج من حياة الشاعر بشكل سريع خاطف أفرغ في تصنّع لفظي مقصود، بيد أنّ القراءة الواعية بإمكانها أن تزيل ذلك الغبش الذي ران على الترجمات، وتكشف عن فوائد نقدية ليست بالقليلة.

стр. 5239

٨ - وتأسيسا على ما نقّدم نستطيع القول باطمئنان إنّ شخصية العمري الناقدة، وثقافته الواسعة، ونجاحه في الاختيار يظهر جليّا سواء أكان في تلك المقدّمات أم في الشعر المختار، فهو يفيد في تلك المقدمات من التراث النقدي، والأدبي الذي سبقه، وينتقي منه ما يقتنع به ويستصفي لكتابه ما هو لائق به ليصبّه أخيرا بأسلوبه الخاص، ومنهجه الذي ارتضاه لنفسه. ٩ - وممّا يتعلّق بالنقطة السابقة، أي موقفه النقدي من الشعراء، ما رأيناه من فصله الحاسم بين حياة الشاعر، وما ورد في شعره من خروج على التقاليد، وبين حكمه النقدي عليه، فهو يبدو غير متأثّر البتّة بالأحكام الأخلاقية التي تزن الشاعر وشعره بميزان الحرص على القيم السائدة، وترك الخروج عليها فله على سبيل المثال رأي حسن في ابن الحجّاج، وابن منير الطرابلسي مع أنّ إبداعهما مليء بما يخدش الثابت والقارّ، وكأنّه بذلك يرسخ ذلك الاتجاه القديم الجديد في النقد العربي من الدعوة إلى فصل الشعر عن الأخلاق، والنظر إليه بمعايير الفنّ وحده، وهو الاتجاه الذي نظّر له تنظيرا هامّا الناقد قدامة بن جعفر في كتابه [نقد الشعر]. وظلّت الجمهرة من النقّاد العرب وفيّة له على مرّ عصور النقد العربي، وجاء العمري بأخرة ليدعمه من خلال الرأي، والاختيار لكليهما. ١٠ - ومن الضروري أن نشير هنا إلى ما يظهر جليّا في تلك المقدمات من اصطناع صاحبها فيها لأساليب الصنعة اللفظية، وأفانين الزخرفة اللغوية بحيث تكاد تكون هي الصوت المنفرد العالي فيها، إذ يعمد بشكل مقصود إلى توظيف الجناس، والطباق والسجع، والتضمين حتى ليكاد القارئ يشعر أنّ القطعة ترزح تحت وطأة حمل كبير وترسف بأغلال ثقيلة تمنعها من التحرك والانطلاق، ولعلّ هذا قد جاء منسجما مع أسلوب الكتابة السائد في عصره من جهة، وهو يتناغم مع ما استقرّ عليه في الكتابة الديوانية التي صار جزءا أصيلا فيها من جهة أخرى. هذه هي الصورة العامة لهذا السفر، وهو يتضافر مع أسفار الكتاب الأخرى مقدّما جهدا علميا نادرا، وصبرا على التصنيف قلّ نظيره.

стр. 5240

٣ - كان الاعتماد في تحقيق هذا السّفر على النسخة المخطوطة المحفوظة في أيا صوفيا، مكتبة السليمانية، ورقمها [٣٤٢٨]، إستانبول، ويبدو أنّها بخطّ المؤلف على حدّ قول الأستاذ فؤاد سزكين الذي قام من خلال معهد تاريخ العلوم العربية والإسلامية في إطار جامعة فرانكفورت بنشر [مسالك الأبصار] بأجزائه التي بلغت سبعة وعشرين جزءا (١)، أو سفرا على حدّ التقسيم المأخوذ به فقدّم بذلك النشر خدمة كبيرة للتراث العربي، هو ما ليس غريبا على عمل ذلك المعهد، غير أنّ في نشر [مسالك الأبصار] خصوصية ما بسبب ضخامة الكتاب من جهة، وتفرّق أسفاره في مكتبات متباعدة من جهة أخرى، فجاء هذا النشر ليضع الكتاب كلّه في حيّز واحد ممّا يسهل قراءته، والانتفاع به، أو تحقيقه وهو ما اضطلع به المجمّع الثقافي. تقع هذه النسخة ب [٥٤١] صفحة، وهي مكتوبة بخطّ معتاد، وفي الصفحة سبعة عشر سطرا، وفي السطر ثلاث عشرة كلمة، وهذا كلّه على وجه التقريب، فقد تزيد الأسطر أو تنقص وكذلك الكلمات وخصوصا في الشعر. والنسخة على العموم واضحة تخلو من الطمس إلاّ في مواضع قليلة أمكن تدارك بعضها، وبقي الآخر بياضا، وقد أشير إلى ذلك في مواضعه، كما يغفل الناسخ كثيرا إعجام الحروف ممّا يولّد صعوبات في قراءة الكلمات. وقد تمّ التغلّب على هذه الصعوبات بالعودة _________ (١) يذكر الأستاذ فؤاد سزكين في مقدمة السفر الأول أماكن وجود مخطوطات الكتاب، وهي غير كاملة بحيث تكوّن نسخة تامة، ولذا اقتضى منه البحث عن هذه النسخ المتفرقة بحيث تصبح نسخة متكاملة، كما يشير إلى المجلد الخامس عشر بقوله « … وممّا يلفت النظر، ويثير الاستغراب أنه ظلّ خافيا على الباحثين حتى الآن أنّ ما ينوف على ثلث الكتاب قد وصل إلينا بخطّ المؤلف (أو نسخة المؤلف قسما) في مخطوطات أياصوفيا ٣٤١٨، (السفر الخامس)، ٣٤٢٨ (الخامس عشر)». ينظر مسالك الأبصار، السفر الأول، ص ٦، تصوير معهد تاريخ العلوم العربية والإسلامية في إطار جامعة فرانكفورت - ألمانيا الاتحادية، سنة ١٩٨٨.

стр. 5241

إلى الدواوين، وبشيء من الصّبر والخبرة في قراءة المخطوط العربي. ومن الممكن تلخيص عملي في تحقيق هذا السفر بما يأتي: ١ - تقديم قراءة سليمة لنصّ السّفر كما أراده صاحبه، والحفاظ على منهجه، وترتيبه فيه. وقد استغرقت القراءة، والنسخ بعدها وقتا طويلا بسبب ضخامة هذا السفر، وترك الإعجام في بعض المواضع، والطمس في مواضع أخرى، وقد أشرت إلى ذلك في وصف المخطوطة. ٢ - تقديم تراجم مختصرة للشعراء الذين توقّف عندهم العمري، وقد حرصت أن تكون تلك التراجم موجزة ومفيدة، تبيّن مكانة الشاعر، ومنزلته الشعرية مع إحالات إلى مصادر دراسته. ٣ - توثيق ما ينقله العمري من المصادر المتقدّمة كيتيمة الدهر، ووفيات الأعيان وغيرها. وكم بدا العمري أمينا وهو ينقل عن السابقين وهو ممّا يحسب له بالإضافة إلى أياديه البيضاء الأخرى. ٤ - تخريج الشعر والنثر، وهو عمود هذا العمل وأساسه، وخصوصا بعد ما رأيناه سابقا من التنويه إلى أنّ هذا السّفر أقرب إلى كتب الاختيارات الشعرية منه إلى كتب التراجم، ولذلك فقد حرصت على تخريج الشعر [كلّه] ذلك الذي ساقه المؤلف بعد مقدّماته النثرية، وهو كثير العدد، متباعد الجوانب، ثقيل المؤونة، ولذلك عمدت إلى دواوين الشعراء، وما جمع لهم من شعر فخرّجت منها. معتمدا على الطبقات المحقّقة تحقيقا علميا، ومن ليس له ديوان أو مجموع شعري فقد خرّجت شعره من المصادر المعتمدة، وبقي القليل من الشعر ذلك الذي أخلّت به الدواوين أو المجاميع، أو لم يرد في المصادر المعتمدة. وها هنا نقطة أرجأت الحديث عنها سابقا لأننّي رأيت أنّ موضعها المناسب مع الحديث عن تخريج الشعر. وتتلخّص هذه النقطة في أنّ كثيرا من الشعر الذي يسوقه المصنّف في ثنايا التراجم

стр. 5242

[جديد]، بمعنى أنّ الدواوين، والمجاميع الشعرية لم تعرفه، فهو بهذا المعنى يضيف ثروة جديدة إلى تراث الشعراء، ويجعلنا نعيد النّظر في الجمهرة من الأحكام عليهم بعد توفّر هذه المادة الشعرية الجديدة، وقد بينّت هذا الموضوع بجلاء في مقدّمه تحقيقي كتاب [الدرّ الفريد وبيت القصيد] من أنّ من حسنات هذه الكتب [المتأخرة] أنّها حفظت زادا ثمينا أخلّت به الكتب السابقة، أو فقدت تلك الكتب التي حفظت هذه المادة، وجاء هذا الكتاب [المتأخر] أو ذاك فقدّمها لنا محافظا عليها، أمينا على محتواها، وهي نقطة جديرة بالتوقّف، خليقة بالاهتمام. ويقال الشيء نفسه عن القطع النثرية التي ساقها المصنّف للشعراء الذين كانت لهم مشاركات نثرية، فقد خرّجت هذه القطع من مجموعات رسائلهم، أو من المصادر المعتمدة. والكتاب بصورته النهائية يقدّم فائدتين جليلتين تتمثّل الأولى في الحفاظ على ما هو موجود، وتتجلّى الثانية في رفد القارئ الحديث بمادّة إبداعية جديدة لم يواجهها من قبل، وحسب العمري ما أدّاه في هاتين الفائدتين. ويتقدّم المحقّق في نهاية هذه المقدمة بوافر شكره للمجمّع الثقافي في أبو ظبي لنهوضه بتحقيق ونشر هذا المشروع العلمي الضخم، وكم للمجمّع من أياد على الثقافة العربية الجادة الرصينة، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا اَلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمّا ما يَنْفَعُ اَلنّاسَ فَيَمْكُثُ فِي اَلْأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اَللّهُ اَلْأَمْثالَ﴾ [الرعد، ١٦] صدق الله العظيم. وأحسب أنّ ما يقوم به المجمّع الثقافي ماكث في الأرض بحوله تعالى، ينفع الناس وينشر بينهم المعرفة، فله التقدير المخلص، والثناء الرّطب. د. وليد محمود خالص جامعة السلطان قابوس كلية الآداب والعلوم الاجتماعية

стр. 5243

١ - أبو الطيّب أحمد بن الحسين الجعفي المعروف بالمتنبي (١) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وما توفيقي إلاّ بالله، ومنهم: حكيم الشعراء، وشاعر الحكماء، تكلّم على ألسنة الناس، وعاصر الشعراء فكانوا الذنابى وكان الراس، وافق قول أرسطاطاليس ليس، ووافى بأمثال تلك النواميس، وأثار دفائن تلك النواويس، وثار بما لا ينهض به تلك الأباليس، وأتى بديباج كأنّه أجنحة الطواويس، وتخييل كأنّه لعب الأماني بالمفاليس، وخرّج له الحاتمي (٢) حين عاد عليه بوجه الإقبال، وكفّ عن مؤاخذاته رشق النبال جملة أبيات توارد هو وأرسطو على معناها، وتبادر هو وإيّاه إلى مجناها، وأراد أن يتّخذ بيوتا إلاّ أنّ أرسطو ما بناها، والمتنبي بناها، فإن كان قد وقف منها على ما قاله أرسطو فقد أخذه تربا ثم أعاده تبرا (٣) يدخر منه سبائك ذهب، وقطرا ثم علّق منه قرطا للؤلؤه جائل حبب، وإن كان ما وقف عليه فهو مفتّق نوره، ومفتّح ثمره، ومدفّق نهره، ومفترع عذاراه، ومفرّع دوحه بما يتلفت إليه على خدّ المليح عذاراه فيكون له بهذا الفضل الأكبر، ويكون هو الأصل الذي جلب الجوهر، أو ما هو به أخبر، لأنّه مخرج خبيّه، ومحوج أمّة الشعراء إلى الإيمان بنبيّه، وعلى هذه السجعة أقول إنّه تنبّأ

стр. 5244

بالبادية، ونبا بإفراط ألمعيته وميض مخايله البادية ثم تاب، وبات لا يجد مسلكا إليه العتاب، وقد كان تبعه من بني كلب أهل بادية السماوة قوم أميّون لا يعلمون ما علم الكتاب وخدعه ضلال، ثم زال بحسن المآب، ونام لا يخشى أن يدخل هذا الباطل على ٣/ سمعه/ من طاقة، ولا على جفنه من باب، ولا يتهافت على ناره تهافت الفراش، ولا يقع على دناياه وقوع الذباب، وكان شمس سماء، وبدر مساء، ومبسم صباح، وموسم صباح، ونبعه زلال، وطلعه هلال، ومركز عوال، ومركب أهوال، ومكتّب خدود بدم لا بغوال ومصوّب أسنّة تمدّ لقبض أرواح لا نوال، وقارع بيض ببيض، وقارن خيل بخيل لها فى كلّ شارقة وميض، وقاري كلّ ذيب ونسر في كلّ أوج وحفيض، وقارض أعمار بظباة سيوف لا قريض، وهذا هو الذي قتله، وإنّما عجّل عليه قول قاله غلامه ليته لا قبله، وهو قوله: [البسيط] والخيل والليل والبيداء تشهد لي … والطعن والضرب والقرطاس والقلم وجال البلاد جول القداح، وجاب الآفاق جوب السحاب تقذفه الرياح، وتنقّل بين ملوكها تنقّل الظلّ وتوقّل في غاب مهالكها توقّل الأسد المدلّ حتى كان عندهم أحظى من الغنى وأحفى بالآمال من المنى، وتنافست الملوك على قربه، وعلى انتضاء سيفه المشرفيّ من قربه، واختصّ بسيف الدولة ابن حمدان، ثمّ كان يتجنّى عليه والذنب ذنبه، ويتمنى البعد عنه ولا يعجبه إلاّ قربه [] (١)، وله مع كافور الاخشيدي ما كان الأليق به غيره في حكم الموافاة، والأجدر به الجميل لو عرفه أو كافاه، ثم اتصل بخدمة عضد الدولة بن بويه ومدحه فأثابه ما أوقر إبله ذهبا، وأوقد مصباحه لهى لا لهبا، ثم كانت هي آخر سفرته، وشدّ ركائبه إلى مقيل حضرته، وكان واسع الرواية، مطّلعا على اللغة إلى غاية، وقد حكي عن أبي علي الفارسي لمّا سأله تلك الحكاية وجده لا يقارب ٤/ ولا يساوى، ولا يقاوم ولا يقاوى/ ولا تترشفه المسامع إلاّ عادت القلوب نشاوى، ولا تغاير به الكواكب إلاّ ترامت

стр. 5245

ساقطة تتهاوى وكان كثير الولوع بديوان أبي تمام حبيب بن أوس، والنزوع منه لسهام لا ترمى بها حنيّة قوس، ثمّ كان ولع أبي العلاء المعري به مثل ولعه بأبي تمام لا يسأم طرفه الطارق له من إلمام. حكى ابن خلكان (١) أنّ المعري لما فرغ من تصنيف كتابه اللامع العزيزي في شرح شعر المتنبي، وقرئ عليه أخذ الجماعة في وصفه، فقال: كأنّما نظر المتنبي إليّ بلحظ الغيب حيث يقول: [البسيط] أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي … وأسمعت كلماتي من به صمم وقد ذكره الثعالبي في اليتيمة (٢) فقال: هو وإن كان كوفيّ المولد شامي المنشأ، وبها تخرّج، وفيها خرج. نادرة الفلك، وواسطة عقد الدهر في صناعة الشعر، ثم هو شاعر سيف الدولة المنسوب إليه المشهور به، إذ هو الذي جذب بضبعه، ورفع من قدره، ونفّق من شعره فألقى عليه شعاع سعادته حتى سار ذكره مسير الشمس والقمر، وسافر كلامه في البدو والحضر، وكادت [الليالي] (٣) تنشده، والأيام تحفظه، كما قال وأحسن ما شاء: [الطويل] وما الدهر إلاّ من رواة قصائدي … إذا قلت شعرا أصبح الدهر منشدا فسار به من لا يسير مشمّرا … وغنّى به من لا يغنّي مغرّدا وكما قال: [المتقارب] ولي فيك ما لم يقل قائل … وما لم يسر قمر حيث سارا وعندي لك الشرّد السائرا … ت لا يختصصن من الأرض دارا ٥/ إذا سرن من مقولي مرّة … وثبن الجبال. وخضن البحارا

стр. 5246

ثمّ قال، أعني الثعالبي (١): وليس اليوم مجالس الدرس أعمر بشعر أبي الطيب من مجالس الأنس، ولا أقلام كتّاب الرسائل أشغل به من كتب المؤلفين والمصنفين، وقد ألّفت الكتب في تفسيره، وحلّ مشكله وعويصه، وكسرت الدفاتر على ذكر جيّده وردّيه، وتكلّم الأفاضل في الوساطة بينه وبين خصومه، والإفصاح عن أبكار كلامه وعونه (٢)، وتفرّقوا فرقا في مدحه، وذمّه، والقدح فيه والنصح عنه، والتعصّب له وعليه، وذلك أدلّ الدلائل على وفور فضله، وتقدّم قدمه، وتفرّده عن أهل زمانه بملك رقاب القوافي، ورقّ المعاني، والكامل من عدّت سقطاته، والسعيد من حسبت هفواته، وما زالت الأملاك تهجى وتمدح. وانتهى كلام الثعالبي. ولعمري لقد أوردها مشتملا، وذاد لها مرعى خضلا، واستصحب الحال في إعجاب الناس به من ذلك الزمان وهلم جرا وإلى الآن حتى بلغت شروحه أربعين شرحا، فمن بين بان له صرحا، وبين مبالغ فيه جرحا، وإنّه لمنقطع القرين، وليث في عرين، ولولا خشية مستدرك لا يدري ما ضمير الشأن (٣) لأضربنا عن انتقاء شعره في هذا الديوان اكتفاء بشهرته في الأذهان، وعملا على أنّه الشمس لا تخفى بكلّ مكان، وإذا كان لا بدّ من الذّكر فمن مخترعه البكر، وأبياتها التي ليس لأحد عليها حكر، قوله في الحكم والآداب والمواعظ: [الكامل] الرأي قبل شجاعة الشجعان … هو أوّل وهي المحلّ الثاني (٤) ٦/ فإذا هما اجتمعا لنفس مرّة … بلغت من العلياء كلّ مكان ولربّما طعن الفتى أقرانه … بالرأي قبل تطاعن الأقران

стр. 5247

لولا العقول لكان أدنى ضيغم … أدنى إلى شرف من الإنسان ولما تفاضلت النفوس ودبّرت … أيدي الكماة عوالي المرّان (١) وقوله: [الكامل] ذو العقل يشقى في النعيم بعقله … وأخو الجهالة في الشّقاوة ينعم (٢) والناس قد نبذوا الحفاظ فمطلق … ينسى الذي يولي وعاف يندم لا يخد عنّك من عدوّ دمعه … وارحم شبابك من عدوّ ترحم لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى … حتى يراق على جوانبه الدّم والظّلم من شيم النفوس فإن تجد … ذا عفّة فلعلّة لا يظلم ومن البليّة عذل من لا يرعوي … عن جهله وخطاب من لا يفهم (٣) ومن العداوة ما ينالك نفعه … ومن الصّداقة ما يضرّ ويؤلم وقوله: [الطويل] يهون على مثلي إذا رام حاجة … وقوع العوالي دونها والقواضب (٤) كثير حياة المرء مثل قليلها … يزول وباقي عيشها مثل ذاهب إليك فإنّي لست ممّن إذا اتّقى … عضاض الأفاعي نام فوق العقارب

стр. 5248

إذا لم تكن نفس النسيب كأصله … فماذا الذي يغني كرام المناسب (١) وقوله: [الوافر] إذا غامرت في شرف مروم … فلا تقنع بما دون النجوم (٢) ٧/ فطعم الموت في أمر حقير … كطعم الموت في أمر عظيم (٣) وكلّ شجاعة في المرء تغني … ولا مثل الشجاعة في الحكيم وكم من عائب قولا صحيحا … وآفته من الفهم السقيم ولكن تأخذ الآذان منه … على قدر القرائح والعلوم (٤) وقوله: [الطويل] وما منزل اللّذات عندي بمنزل … إذا لم أبجّل عنده وأكرّم (٥) إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه … وصدّق ما يعتاده من توهّم وعادى محبّيه بقول عداته … وأصبح في ليل من الشّك مظلم أصادق نفس المرء من قبل جسمه … وأعرفها في فعله والتكلّم وأحلم عن خلّي وأعلم أنّه … متى أجزه حلما على الجهل يندم وما كلّ هاو للجميل بفاعل … ولا كلّ فعّال له بمتمّم وأحسن وجه في الورى وجه محسن … وأيمن كف فيهم كفّ منعم

стр. 5249

وأشرفهم من كان أشرف همّة … وأكبر إقداما على كلّ معظم لمن تطلب الدنيا إذا لم ترد بها … سرور محب أو مسآة مجرم (١) وقوله: [الطويل] وأتعب خلق الله من زاد همّه … وقصّر عمّا تشتهي النفس وجده (٢) فلا مجد في الدنيا لمن قلّ ماله … ولا مال في الدنيا لمن قلّ مجده وقوله: [البسيط] لا تلق دهرك إلاّ غير مكترث … ما دام يصحب فيه روحك البدن (٣) فما يدوم سرور ما سررت به … ولا يردّ عليك الفائت الحزن (٤) ٨/ ما كلّ ما يتمنى المرء يدركه … تجرى الرياح بما لا تشتهي السّفن وقوله: [الوافر] فلا تغررك ألسنة موال … تقلبّهنّ أفئدة أعادي (٥)

стр. 5250

فإنّ الجرح ينخر بعد حين … إذا كان البناء على فساد وإنّ الماء يجري من جماد … وإنّ النار تخرج من رماد (١) وقوله: [الطويل] وإنّي لنجم يهتدي صحبتي به … إذا حال من دون النجوم سحاب (٢) غنيّ عن الأوطان لا تستخفّني … إلى بلد سافرت عنه إياب (٣) وأصدى ولا أبدي إلى الماء حاجة … وللشمس فوق اليعملات لعاب (٤) وللسّر منّي موضع لا يناله … نديم ولا يفضي إليه شراب وما العشق إلاّ غرّة وطماعة … يعرّض قلب نفسه فتصاب وغير فؤادي للغواني رمّية … وغير بناني للزجاج ركاب (٥) تركنا لأطراف القنا كلّ شهوة … فليس لنا إلاّ بهنّ لعاب أعزّ مكان في الدّنا سرج سابح … وخير جليس في الزمان كتاب وقوله: [المنسرح] إذا صديق نكرت جانبه … لم تعيني في فراقه الحيل (٦)

стр. 5251

في سعة الخافقين مضطرب … وفي بلاد من أختها بدل أبلغ ما يطلب النجاح به الطّب … ع وعند التعمّق الزلل وقوله: [الطويل] ومن ينفق الساعات في جمع ماله … مخافة فقر فالذي فعل الفقر (١) ٩/ وإنّي رأيت الضرّ أحسن منظرا … وأهون من مرأى صغير به كبر وقوله: [البسيط] أبدو فيسجد من بالسوء يذكرني … ولا أعاتبه صفحا وإهوانا (٢) وهكذا كنت في أهلي وفي وطني … إنّ النفيس غريب حيثما كانا محسّد الفضل مكذوب على أثري … ألقى الكميّ ويلقاني إذا حانا لا أشرئبّ إلى ما لم يفت طمعا … ولا أبيت على ما فات حسرانا ولا أسرّ بما غيري الحميد به … ولو حملت إليّ الدرّ ملآنا (٣)

стр. 5252

وقوله: [الخفيف] كلّ حلم أتى بغير اقتدار … حجّة لا جئ إليها اللئام (١) من يهن يسهل الهوان عليه … ما لجرح بميّت إيلام واحتمال الأذى ورؤية جاني … هـ غذاء تضوى به الأجسام وقوله: [الطويل] إذا الجود لم يرزق خلاصا من الأذى … فلا الحمد مكسوبا ولا المال باقيا (٢) وللنفس اخلاق تدلّ على الفتى … أكان سخاء ما أتى أم تساخيا وقوله: [الطويل] وما قتل الأحرار كالعفو عنهم … ومن لك بالحرّ الذي يحفظ اليدا (٣) إذا أنت أكرمت الكريم ملكته … وإن أنت أكرمت اللئيم تمرّدا ووضع النّدى في موضع السيف بالعلا … مضرّ كوضع السيف في موضع الندى ومن يجعل الضرغام للصيد بازه … تصيّده الضرغام فيما تصيّدا (٤)

стр. 5253

وقوله: [الطويل] وما الحسن في وجه الفتى شرفا له … إذا لم يكن في فعله والخلائق (١) ١٠/ وجائزة دعوى المحبّة والهوى … وإن كان لا يخفى كلام المنافق وما يوجع الحرمان من كفّ حارم … كما يوجع الحرمان من كفّ رازق وقوله: [الطويل] وما الخيل إلاّ كالصديق قليلة … وإن كثرت في عين من لا يجرّب (٢) إذا لم يشاهد غير حسن شياتها … وأعضائها فالحسن عنك مغيّب (٣) وكلّ امرئ يولي الجميل محبّب … وكلّ مكان ينبت العزّ طيّب وقوله: [الخفيف] وإذا ما خلا الجبان بأرض … طلب الطعن وحده والنزالا (٤) من أطاق التماس شئ غلابا … واغتصابا لم يلتمسه سؤالا كلّ غاد لحاجة يتمنّى … أن يكون الغضنفر الرئبالا (٥)

стр. 5254

وقوله: [المتقارب] وكلّ طريق أتاه الفتى … على قدر الرجل فيه الخطا (١) ومن جهلت نفسه قدره … يرى غيره منه ما لا يرى (٢) وقوله: [الطويل] ذريني أنل ما لا ينال من العلى … فصعب العلى للصعب والسهل للسهل (٣) تريدين لقيان المعالي رخيصة … ولا بدّ دون الشهد من إبر النّحل وقوله: [البسيط] لولا المشقّة ساد الناس كلّهم … الجود يفقر والإقدام قتّال (٤) وإنّما يبلغ الانسان طاقته … ما كلّ ماشية بالرّجل شملال (٥) إنّا لفي زمن ترك القبيح به … من أكثر الناس إحسان وإجمال ١١/ ذكر الفتى عمره الثاني وحاجته … ما قاته وفضول العيش أشغال (٦)

стр. 5255

وقوله: [الكامل] أنف الكريم من الدنيّة تارك … في عينه العدّ الكثير قليلا (١) والعار مضّاض وليس بخائف … من حتفه من خاف ممّا قيلا وقوله: [الوافر] وفي الأحباب مختصّ بوجد … وآخر يدّعي معه اشتراكا (٢) إذا اشتبكت دموع في خدود … تبيّن من بكى ممّن تباكى وقوله: [المنسرح] يجني الغنى للّئام لو عقلوا … ما ليس يجنى عليهم العدم (٣) (هـ) م لأموالهم وليس لهم … والعار يبقى والجرح ملتئم (٤)
следующие страницы →