ولو زلتم ثم لم أبككم … بكيت على حبّي الزائل
كأنّ الجفون على مقلتي … ثياب شققن على ثاكل
وقوله: [الطويل]
فديناك من ربع وإن زدتنا كربا … فإنّك كنت الشرق للشمس والغربا (١)
٣٢/ وكيف عرفنا رسم من لم يدع لنا … فؤادا لعرفان الديار ولا لبّا (٢)
وكيف التذاذي بالأصائل والضحى … إذا لم يعد ذاك النسيم الذي هبّا
ومن صحب الدنيا طويلا تقلّبت … على عينه حتى يرى صدقها كذبا
نزلنا عن الأكوار نمشي كرامة … لمن بان عنه أن نلمّ به ركبا
نذمّ السحاب الغرّ في فعلها به … ونعرض عنها كلّما طلعت عتبا
ذكرت به وصلا كأن لم أفز به … وعيشا كأنّي كنت أقطعه وثبا
لها بشر الدرّ الذي قلّدت به … ولم أر بدرا قبلها قلّد الشهبا
وقوله: [البسيط]
وما صبابة مشتاق على أمل … من اللقاء كمشتاق بلا أمل (٣)
متى تزر قوم من تهوى زيارتها … لا يتحفوك بغير البيض والأسل
والهجر أقتل لي ممّا أراقبه … أنا الغريق فما خوفي من البلل
قد ذقت شدّة أيامي ولذّتها … فما حصلت على صاب ولا عسل (٤)
стр. 5287
وقد طرقت فتاة الحيّ مرتديا … بصاحب غير عزهاة ولا غزل (١)
فبات بين تراقينا ندفّعه … وليس يعلم بالشكوى ولا القبل
ثمّ انثنى وبه من طيبها أثر … على ذوائبه والجفن والخلل (٢)
وقوله: [الطويل]
تفرّد بالأحكام في أهله الهوى … فأنت جميل الخلف مستحسن الكذب (٣)
وإنّي لممنوع المقاتل في الوغي … وإن كنت مبذول المقاتل في الحبّ
ومن خلقت عيناك بين جفونه … أصاب الحدور السهل في المرتقى الصعب
٣٣/ وقوله: [البسيط]
من الجآذر في زيّ الأعاريب … حمر الحلى والمطايا والجلابيب (٤)
أزورهم وسواد الليل يشفع لي … وأنثني وبياض الصبح يغري بي
ما أوجه الحضر المستحسنات به … كأوجه البدويات الرعابيب (٥)
حسن الحضارة مجلوب بتطرية … وفي البداوة حسن غير مجلوب
وقوله: [الكامل]
стр. 5288
ذكر الصّبا ومرابع الآرام … جلبت حمامي قبل وقت حمامي (١)
دمن تكاثرت الهموم عليّ في … عرصاتها كتكاثر اللوّام
فكأن كلّ سحابة وكفت بها … تبكي بعيني عروة بن حزام
قد كنت تهزأ بالفراق مجانة … وتجرّ ذيلي شرّة وعرام
ليس القباب على الركاب وإنّما … هنّ الحياة ترحّلت بسلام
ليت الذي خلق النوى جعل الحصى … لخفا فهنّ مفاصلي وعظامي
وقوله: [الخفيف]
وإذا خامر الهوى قلب صبّ … فعليه لكلّ عين دليل (٢)
زوّدينا من حسن وجهك ما دا … م فحسن الوجوه حال تحول
إن تريني أدمت بعد بياض … فحميد من القناة الذبول (٣)
وكثير من السؤال اشتياق … وكثير من ردّه تعليل
وقوله: [المنسرح]
شاميّة طالما خلوت بها … تبصر في ناظري محيّاها (٤)
فقبّلت ناظري تغالطني … وإنّما قبّلت به فاها
стр. 5289
٣٤/ كلّ جريح ترجى سلامته … إلاّ فؤادا دهته عيناها
وقوله: [الطويل]
أسرّ بتجديد الهوى ذكر ما مضى … وإن كان لا يبقى له الحجر الصلد (١)
إذا غدرت حسناء أوفت بعهدها … ومن عهدها أن لا يدوم لها عهد
وإن عشقت كانت أشدّ صبابة … وإن فركت فاذهب فما فركها قصد (٢)
وإن حقدت لم يبق في قلبها رضا … وإن رضيت لم يبق في قلبها حقد
كذلك أخلاق النساء وربّما … يضلّ بها الهادي ويخفى بها الرشد
ولكنّ حبّا خامر القلب في الصّبا … يزيد على مرّ الزمان ويشتدّ
وقوله: [الكامل]
الحبّ ما منع الكلام الألسنا … وألذّ شكوى عاشق ما أعلنا (٣)
وقوله: [المقتضب]
ما بال هذي النجوم حائرة … كأنّها العمي ما لها قائد (٤)
ومن المختار له في المديح في سيف الدولة ابن حمدان: [الطويل]
стр. 5290
على قدر أهل العزم تأتي العزائم … وتأتي على قدر الكرام المكارم (١)
وتعظم في عين الصغير صغارها … وتصغر في عين العظيم العظائم
يكلّف سيف الدولة الجيش همّه … وقد عجزت عنه الملوك الخضارم
ويطلب عند الناس ما عند نفسه … وذلك ما لا تدّعيه الضراغم
يفدّى أتمّ الطير عمرا سلاحه … نسور الفلا أحداثها والقشاعم
وما ضرّها خلق بغير مخالب … وقد خلقت أسيافه والقوائم
هل الحدث الحمراء تعرف لونها … وتعرف أيّ الساقيين الغمائم
٣٥/ سقتها الغمام الغرّ قبل نزوله … فلمّا دنا منها سقتها الجماجم
بناها وعلاّ والقنا يقرع القنا … وموج المنايا حولها متلاطم
وكان بها مثل الجنون فأصبحت … ومن جثث القتلى عليها تمائم
طريدة دهر ساقها فرددتها … على الدين بالخطيّ والدهر راغم
وكيف ترجيّ الروم والروس هدمها … وذا الطعن آساس لها ودعائم
تفيت الليالي كلّ شيء أخذته … وهنّ لما يأخذن منك غوارم
إذا كان ما تنويه فعلا مضارعا … مضى قبل أن تأتي عليه الجوازم
وقد حاكموها والمنايا حواكم … فما مات مظلوم ولا عاش ظالم
وقفت وما في الموت شكّ لواقف … كأنّك في جفن الردى وهو نائم
تمرّ بك الأبطال كلمى هزيمة … ووجهك وضّاح وثغرك باسم
ضممت جناحيهم على القلب ضمّة … تموت الخوافي تحته والقوادم (٢)
بضرب أتى الهامات والنصر غائب … وصار إلى اللبّات والنصر قادم (٣)
стр. 5291
ومن طلب الفتح الجليل فانّما … مفاتيحه البيض الرقاق الصوارم (١)
مضى يشكر الأصحاب في فوته الظبا … لما شغلتها هامهم والمعاصم
ويفهم صوت المشرفية فيهم … على أنّ أصوات السيوف أعاجم
لك الحمد في الدرّ الذي أنا ناظم … فإنّك معطيه وإنّي ناظم (٢)
وقوله: [البسيط]
أعلى الممالك ما يبنى على الأسل … والطعن عند محبيهنّ كالقبل (٣)
وما تقرّ سيوف في ممالكها … حتى يقلقل دهرا قبل في القلل
٣٦/ مثل الأمير بغى أمرا فقرّ به … طول الرماح وأيدي الخيل والإبل
وعزمة بعثتها همّة زحل … من تحتها بمكان الترب من زحل (٤)
تتلو أسنّته الكتب التي نفذت … وتجعل الخيل أبدالا من الرسل
تلقى الملوك ولا تلقى سوى جزر … وما أعدّوا فلا يلقى سوى نفل
منها:
والباعث الجيش قد غالت عجاجته … ضوء النهار فصار الظهر كالطّفل (٥)
الجوّ أضيق ما لاقاه ساطعها … ومقلة الشمس فيه أحير المقل
ينال أبعد منها وهي ناظرة … فما تقابله إلاّ على وجل
يعود من كلّ فتح غير مفتخر … وقد أغذّ إليه غير محتفل
стр. 5292
ولا يجير عليه الدهر بغيته … ولا يحصّن درع مهجة البطل
إذا خلعت على عرض له حللا … وجدتها منه في أبهى من الحلل
إنّ السعادة فيما أنت فاعله … وفّقت مرتحلا أو غير مرتحل
بذي الغباوة من إنشادها ضرر … كما تضرّ رياح الورد بالجعل
أجر الجياد على ما كنت مجريها … وخذ بنفسك في أخلاقك الأول
فلا هجمت بها إلاّ على ظفر … ولا وصلت بها إلاّ إلى أمل
وقوله يمدحه: [البسيط]
بالجيش تمتنع السادات كلّهم … والجيش بابن أبي الهيجاء يمتنع (١)
لا تعتفي بلدا مسراه عن بلد … كالموت ليس به ريّ ولا شبع
للسبي ما نكحوا والقتل ما ولدوا … والنهب ما جمعوا والنار ما زرعوا
يطمّع الطير فيهم طول أكلهم … حتى يكاد على أحيائهم يقع
تغدو المنايا فلا تنفكّ واقفة … حتى يقول لها عودي فتندفع
٣٧/ لا تحسبوا من أسرتم كان ذا رمق … فليس يأكل إلاّ الميّت الضبع
تمشي الكرام على آثار غيرهم … وأنت تخلق ما تأتي وتبتدع
منها:
من كان فوق محلّ الشمس موضعه … فليس يرفعه شيء ولا يضع
ليت الملوك على الأقدار معطية … فلم يكن لدنيّ عندها طمع
لقد أباحك غشّا في معاملة … من كنت منه بغير الصدق تنتفع
الدهر معتذر والسيف منتظر … وأرضهم لك مصطاف ومرتبع
стр. 5293
وقد يظنّ شجاعا من به خرق … وقد يظنّ جبانا من به زمع (١)
إنّ السلاح جميع الناس تحمله … وليس كلّ ذوات المخلب السّبع
وقوله: [الطويل]
ولولاك لم تجر الدماء ولا اللّهى … ولم يك للدنيا ولا أهلها معنى (٢)
وما الخوف إلاّ ما تخوّفه الفتى … وما الأمن إلاّ ما رآه الفتى أمنا
وقوله: [الطويل]
تقبّل أفواه الملوك بساطه … ويكبر عنها كمّه وبراجمه (٣)
له عسكرا خيل وطير إذا رمى … بها عسكرا لم تبق إلاّ جماجمه
سحاب من العقبان يزحف تحتها … سحاب إذا استسقت سقتها صوارمه
تحاربه الأعداء وهي عباده … ويدخر الأموال وهي غنائمه
ويستكبرون الدّهر والدهر دونه … ويستعظمون الموت والموت خادمه
وما كلّ سيف يقطع الهام حدّه … ويقطع لزبات الزمان مكارمه (٤)
стр. 5294
منها:
فأبصرت بدرا لا يرى البدر مثله … وخاطبت بحرا لا يرى العبر عائمه
٣٨/ فقد ملّ ضوء الصبح ممّا تغيره … وملّ سواد الليل ممّا تزاحمه
وملّ القنا ممّا تدقّ صدوره … وملّ حديد الهند ممّا تلاطمه
وقوله: [المتقارب]
خذوا ما أتاكم به واعذروا … فإنّ الغنيمة في العاجل (١)
وإن كان أعجبكم عامكم … فعودوا إلى حمص من قابل
فإن الحسام الخضيب الذي … قتلتم به في يد القاتل
تفكّ العناة وتغني العفاة … وتغفر للمذنب الجاهل
وقوله: [الطويل]
إذا كان مدح فالنسيب المقدّم … أكلّ فصيح قال شعرا متيّم (٢)
لحبّ ابن عبد الله أولى فإنّه … به يبدأ الذكر الجميل ويختم
أطعت الغواني قبل مطمح ناظري … إلى منظر يصغرن عنه ويعظم
تعرّض سيف الدولة الدهر كلّه … يطبّق في أوصاله ويصمّم
فجاز له حتى على الشمس حكمه … وبان له حتى على البدر ميسم
فلم يخل من نصر له من له يد … ولم يخل من شكر له من له فم
ولم يخل من أسمائه عود منبر … ولم يخل دينار ولم يخل درهم
стр. 5295
يقرّ له بالفضل من لا يودّه … ويقضي له بالسعد من لا ينجّم
إذا نحن سمينّاك خلنا سيوفنا … من التّيه في أغمادها تتبسّم
أخذت على الأرواح كلّ ثنيّة … من العيش يعطي من يشاء ويحرم (١)
فلا موت إلاّ من سنانك يتّقى … ولا رزق إلاّ من يمينك يقسم
٣٩/ وقوله: [الطويل]
خليليّ إنّي لا أرى غير شاعر … فكم منهم الدعوى ومنّي القصائد (٢)
فلا تعجبا إنّ السيوف كثيرة … ولكنّ سيف الدولة اليوم واحد
ولمّا رأيت الناس دون محلّه … تيقنّت أنّ الدهر للناس ناقد
أحقّهم بالسيف من ضرب الطّلى … وبالأمر من هانت عليه الشدائد
وإنّ دما أجريته بك فاخر … وإن فؤادا رعته لك حامد
وكلّ يرى طرق الشجاعة والندى … ولكنّ طبع النفس للنفس قائد
نهبت من الأعمار ما لو حويته … لهنّئت الدنيا بأنّك خالد
وتضحى الحصون المشمخراّت في الذرى … وخيلك في أعناقهنّ قلائد
فأنت حسام الملك والله ضارب … وأنت لواء الدين والله عاقد
وقوله: [الوافر]
رأيتك في الذين أرى ملوكا … كأنّك مستقيم في محال (٣)
стр. 5296
فإن تفق الأنام وأنت منهم … فإنّ المسك بعض دم الغزال
وقوله: [الطويل]
تهاب سيوف الهند وهي حدائد … فكيف إذا كانت نزارية عربا (١)
ويرهب ناب الليث والليث وحده … فكيف إذا كان الليوث له صحبا
ويخش عباب البحر وهو مكانه … فكيف بمن يغش البلاد إذا غبّا
هنيئا لأهل الثغر رأيك فيهم … وأنّك حزب الله جرت له حزبا
وأنك رعت الدهر فيها وريبه … فإن شكّ فليحدث بساحتها خطبا
فيوما بخيل تطرد الروم عنهم … ويوما بجود تطرد الفقر والجدبا
٤٠/ كأنّ نجوم الليل خافت مغاره … فمدّت عليها من عجاجته حجبا
وقوله: [البسيط]
قد زرته وسيوف الهند مغمدة … وقد نظرت إليه والسيوف دم (٢)
فكان أحسن خلق الله كلّهم … وكان أحسن ما في الأحسن الشيم
فوت العدوّ الذي يممّته ظفر … في طيّه أسف في طيّه نعم
стр. 5297
قد ناب عنك شديد الخوف واصطنعت … لك المهابة مالا تصنع البهم (١)
ألزمت نفسك شيئا ليس يلزمها … أن لا تواريهم أرض ولا علم
عليك هزمهم في كلّ معترك … وما عليك بهم عار إذا انهزموا
وقوله: [البسيط]
ضاق الزمان ووجه الأرض عن ملك … ملء الزمان وملء السهل والجبل (٢)
فنحن في جذل والروم في وجل … والبرّ في شغل والبحر في خجل
إن كنت ترضى بأن يعطوا الجزى بذلوا … منها رضاك ومن للعور بالحول
والمدح لابن أبي الهيجاء ننجده … بالجاهلية عين الغيّ والخطل
ليت المدائح تستوفي مناقبه … فما كليب وأهل الأعصر الأول
خذ ما تراه ودع شيئا سمعت به … في طلعة البدر ما يغنيك عن زحل (٣)
وقد وجدت مكان القول ذا سعة … فإن وجدت لسانا قائلا فقل
وما ثناك كلام الناس عن كرم … ومن يسدّ طريق العارض الهطل
لأنّ حلمك حلم لا تكلّفه … ليس التكحّل في العينين كالكحل
لا زلت تضرب من عاداك عن عرض … بعاجل النصر في مستأخر الأجل
٤١/ وقوله: [الطويل]
لقد جدت حتى جدت في كلّ ملّة … وحتى أتاك الحمد من كلّ منطق (٤)
стр. 5298
فيا أيّها المطلوب جاوره تمتنع … ويا أيّها المحروم يمّمه ترزق
ويا أجبن الفرسان صاحبه تجترئ … ويا أشجع الشجعان فارقه تفرق
وقوله: [الطويل]
فلمّا رأوه وحده دون جيشه … دروا أنّ كلّ العالمين فضول (١)
وأنّ رماح الخطّ عنه قصيرة … وأنّ حديد الهند عنه كليل
فإن تكن الأيام أبصرن صولة … فقد علّم الأيام كيف تصول
فأوردهم صدر الحصان وسيفه … فتى بأسه مثل العطاء جزيل
شريك المنايا والنفوس غنيمة … فكلّ ممات لم يمته غلول (٢)
وقوله: [الطويل]
لكلّ امرئ من دهره ما تعودّا … وعادات سيف الدولة الطعن في العدا (٣)
ومستكبر لم يعرف الله ساعة … رأى سيفه في كفّه فتشهدّا
هو البحر غص فيه إذا كان ساكنا … على الدرّ واحذره إذا كان مزبدا (٤)
стр. 5299
تظلّ ملوك الأرض خاضعة له … تفارقه هلكى وتلقاه سجدّا (١)
وتحيي له المال الصوارم والقنا … ويقتل ما يحيي التبسّم والجدّا
ذكيّ تظنّيه طليعة عينه … يرى قلبه في يومه ما يرى غدا (٢)
وصول إلى المستصعبات بخيله … فلو كان قرن الشمس ماء لأوردا
يدقّ على الأفكار ما أنت فاعل … فيترك ما يخفى ويؤخذ ما بدا
وقوله: [البسيط]
تشبيه جودك بالأمطار غادية … جود لكفّك ثان ناله المطر (٣)
٤٢/ تكسّب الشمس منك النور طالعة … كما تكسب منها نوره القمر
وقوله: [الطويل]
أرى كلّ ذي ملك إليك مصيره … كأنّك بحر والملوك جداول (٤)
إذا مطرت منهم ومنك سحائب … فوابلهم طلّ وطلّك وابل
وأسعد مشتاق وأظفر طالب … همام إلى تقبيل كفّك واصل
وقد زعموا أنّ النجوم خوالد … ولو حاربته ناح فيها الثواكل
وما كان أدناها له لو أرادها … وألطفها لو أنّها متناول (٥)
стр. 5300
يدبر شرق الأرض والغرب كفّه … وليس لها وقتا عن الجود شاغل
تتبّع هرّاب الرجال مراده … فمن فرّ حربا عارضته الغوائل
ومن فرّ من إحسانه حسدا له … تلقّاه منه حيثما سار نائل
وقوله: [الكامل]
إنّ السيوف مع الذين قلوبهم … كقلوبهنّ إذا التقى الجمعان (١)
تلقى الحسام على جراءة حدّه … مثل الجبان بكفّ كلّ جبان
وقوله: [المنسرح]
فاضح أعدائه كأنّهم … له يقلّون كلّما كثروا (٢)
أعاذك الله من سهامهم … ومخطئ من رميّه القمر
وقوله: [الطويل]
جرى معك الجارون حتى إذا انتهوا … إلى الغاية القصوى جريت وناموا (٣)
فليس لشمس مذ أنرت إنارة … وليس لبدر إذ تممت تمام (٤)
стр. 5301
وقوله: [الوافر]
وأضحى بالعواصم مستقرّا … وليس لبحر نائله قرار (١)
٤٣/ تخرّ له القبائل ساجدات … وتحمده الأسنّة والشّفار
وقوله: [الخفيف]
وإذا اهتزّ للندى كان بحرا … وإذا اهتزّ للوغى كان نصلا (٢)
وإذا الأرض أظلمت كان شمسا … وإذا الأرض أمحلت كان وبلا
من تعاطى تشبّها بك أعيا … هـ ومن دلّ في طريقك ضلاّ
فإذا ما اشتهى خلودك داع … قال لا زلت أو ترى لك مثلا
وقوله: [الكامل]
ملك زهت بمكانه أيامه … حتى افتخرن به على الأيام (٣)
تالله ما علم امرؤ لولاكم … كيف السخاء وكيف ضرب الهام
وقوله: [البسيط]
ألقت إليك دماء الروم طاعتها … فلو دعوت بلا ضرب أجاب دم (٤)
стр. 5302
يسابق القتل فيهم كلّ حادثة … فما يصيبهم موت ولا هرم
وقد تمنّوا غداة الدرب في لجب … أن يبصروك فلمّا أبصروك عموا
فكان أثبت ما فيهم جسومهم … يسقطن حولك والأرواح تنهزم
والشمس يعنون إلاّ أنّهم جهلوا … والموت يدعون إلاّ أنّهم وهموا
لا تطلبنّ كريما بعد رؤيته … إنّ الكريم بأسخاهم يدا ختموا
ولا تبال بشعر بعد شاعره … قد أفسد القول حتى أحمد الصمم
وقوله يمدح كافورا الإخشيدي: [الطويل]
قواصد كافور توارك غيره … ومن قصد البحر استقلّ السواقيا (١)
فجاءت به انسان عين زمانه … وخلّت بياضا خلفها ومآقيا (٢)
٤٤/ يبيد عداوات البغاء بلطفه … فإن لم تبد منهم أباد الأعاديا
يدلّ بمعنى واحد كلّ فاخر … وقد جمع الرحمن فيك المعانيا
إذا كسب الناس المعالي بالندى … فإنّك تعطي في نداك المعاليا
وتحتقر الدنيا احتقار مجرّب … يرى كلّ ما فيها - وحاشاك - فانيا
وما كنت ممّن أدرك الملك بالمنى … ولكن بأيام أشبن النواصيا
وقوله يمدحه: [الطويل]
إذا منعت منك السياسة نفسها (٣) … فقف وقفة قدّامه تتعلّم
стр. 5303
يضيق على من راءه العذر أن ترى … ضعيف المساعي أو ضعيف التكرّم
وقوله: [الطويل]
وأخلاق كافور إذا شئت مدحه … وإن لم أشأ تملى عليّ وأكتب (١)
إذا ترك الإنسان أهلا وراءه … ويممّ كافورا فما يتغرّب
فتى يملأ الأفعال رأيا وحكمة … ونادرة أيّان يرضى ويغضب
منها:
إذا طلبوا جدواك أعطوا وحكّموا … وإن طلبوا الفضل الذي فيك خيبّوا
ولو جاز أن يحووا علاك وهبتها … ولكن من الأشياء ما ليس يوهب
وأظلم أهل الظلم من بات حاسدا … لمن بات في نعمائه يتقلّب
سللت سيوفا علّمت كلّ خاطب … على كلّ عود كيف يدعو ويخطب
ويغنيك عمّا ينسب الناس أنّه … إليك تناهى المكرمات وتنسب
وقوله: [الطويل]
عدوّك مذموم بكلّ لسان … ولو كان من أعدائك القمران (٢)
٤٥/ ولله سرّ في علاك وإنّما … كلام العدى ضرب من الهذيان
أيلتمس الأعداء بعد الذي رأت … قيام دليل أو وضوح بيان
стр. 5304
رأت كلّ من يبغي لك الغدر يبتلى … بغدر حياة أو بغدر زمان
قضى الله يا كافور أنّك أول … وليس بقاض أن يرى لك ثان
فمالك تختار القسيّ وإنّما … عن السعد يرمي دونك الثّقلان
ومالك تعنى بالأسنّة والقنا … وجدّك طعّان بغير سنان
ولم يحمل السيف الطويل نجاده … وأنت غنيّ عنه بالحدثان
وقوله: [الطويل]
تجاوز قدر المدح حتى كأنّه … بأحسن ما يثنى عليه يعاب (١)
وغالبه الأعداء ثمّ عنوا له … كما غالبت بيض السيوف رقاب
وقوله في مدح فاتك: [البسيط]
القاتل السيف في جسم القتيل به … وللسيوف كما للناس آجال (٢)
يريك مخبره أضعاف منظره … بين الرجال وفيها الماء والآل
يروعهم منه دهر صرفه أبدا … مجاهر وصروف الدهر تغتال
وقوله: [الطويل]
عفيف يروق الشمس صورة وجهه … ولو نزلت شوقا لحاد إلى الظّل (٣)
стр. 5305
شجاع كأنّ الحرب عاشقة له … إذا زارها فدّته بالخيل والرجل
وريّان لا تصدى إلى الخمر نفسه … وعطشان لا تروى يداه من البذل
فتى لا يرجّى أن يتم طهارة … لمن لم يطهّر راحتيه من البخل
٤٦/ وفي مثل الثاني قلت من قصيدة وزدت المعنى وأحكمت للفظه بنيانا بأن جعلت الحرب تهوى بقاه، وهو بسيفه يحمي حوبّاه، وأبو الطيب حيث أطلق الفداء يجوز أن يكون غيره أنكى الأعداء، والذي قلته هذا: [البسيط]
يخفيه كالليل صونا رمح عسكره … وضوء صارمه كالصبح يبديه
تهوى البقاء له الهيجاء فهي بمن … ترديه أسيافه فى الحرب تفديه
وقوله: [الكامل]
أعطى الزمان فما قبلت عطاءه … وأراد لي فأردت أن أتخيّرا (١)
أرجان أيتّها الجياد فإنّه … عزمي الذي يذر الوشيج مكسّرا (٢)
أمّي أبا الفضل المبّر أليّتي … لأيممّنّ أجلّ بحر جوهرا
يتكسّب القصب الضعيف بخطّه … شرفا على صمّ الرماح ومفخرا (٣)
ويبين فيما مسّ منه بنانه … تيه المدلّ فلو مشى لتبخترا
يا من إذا ورد البلاد كتابه … قبل الجيوش ثنى الجيوش تحيّرا
أنت الوحيد إذا ارتكبت طريقة … ومن الرديف وقد ركبت غضنفرا
стр. 5306
قطف الرجال القول وقت نباته … وقطفت أنت القول لمّا نوّرا
فهو المشيّع بالمسامع إن مضى … وهو المضاعف حسنه إن كرّرا
وإذا سكتّ فإن أبلغ خاطب … قلم لك اتخّذ الأصابع منبرا
خلفت صفاتك في العيون كلامه … كالخطّ يملأ مسمعي من أبصرا
منها في ذكر الناقة:
فأتتك دامية الأظّل كأنّما … حذيت قوائمها العقيق الأحمرا (١)
٤٧/ بدرت إليك يد الزمان كأنّما … وجدته مشغول اليدين مفكّرا
من مبلغ الأعراب أنّي بعدها … شاهدت رسطاليس والإسكندرا
ولقيت كلّ الفاضلين كأنّما … ردّ الإله نفوسهم والأعصرا
نسقوا لنا نسق الحساب مقدّما … وأتى فذلك إذ أتيت مؤخّرا
زحل على أنّ الكواكب قومه … لو كان منك لكان أكرم معشرا
وقوله: [الطويل]
ومن يصحب اسم ابن العميد محمّد … يسر بين أنياب الأساود والأسد (٢)
كأنّا أرادت شكرنا الأرض عنده … فلم يخلنا جوّ هبطناه من رفد
إذا الشرفاء البيض قتّوا بقتوه … أتى نسب أعلى من الأب والجد (٣)
حشت كلّ أرض تربة في غباره … فهنّ عليه كالطرائق في البرد
فجد لي بقلب إن رحلت فإنّني … مخلّف قلبي عند من فضله عندي
стр. 5307
وقوله في عضد الدولة: [المنسرح]
وقد رأيت الملوك قاطبة … وسرت حتى رأيت مولاها (١)
ومن مناياهم براحته … يأمرها فيهم وينهاها
أبا شجاع بفارس عضد ال … دّولة فنّا خسرو وشهنشاها
أساميا لم تزده معرفة … وإنّما لذّة ذكرناها
مبتسم والوجوه عابسة … سلم العدى عنده كهيجاها
لا يجد الخمر في مكارمه … إذا انتشى خلّة تلافاها
تشرق تيجانه بغرّته … إشراق ألفاظه بمعناها
٤٨/ دان له شرقها ومغربها … ونفسه تستقلّ دنياها
تجمّعت في فؤاده همم … ملء فؤاد الزمان إحداها
لو كفر العالمون نعمته … لما عدت نفسه سجاياها
كالشمس لا تبتغي بما صنعت … منزلة عندهم ولا جاها
وقوله فيه: [الوافر]
يقول بشعب بوّان حصاني … أعن هذا يسار إلى الطعان (٢)
أبوكم آدم سنّ المعاصي … وعلّمكم مفارقة الجنان
فقلت إذا رأيت أبا شجاع … سلوت عن العباد وذا المكان
стр. 5308
فإنّ الناس والدنيا طريق … إلى من لا له في الناس ثاني (١)
ولا تحصى فضائله بظنّ … ولا الإخبار عنه ولا العيان
أروض الناس من ترب وخوف … وأرض أبي شجاع في أمان (٢)
فلو طرحت قلوب العشق فيها … لما خافت من الحدق الحسان
ولم أر قبله شبلي هزبر … كشبليه ولا فرسي رهان
أشدّ تنازعا لكريم أصل … وأشبه منظرا بأب هجان
وأول لفظة فهما وقالا … إغاثة صارخ أوفكّ عاني
وكنت الشمس تبهر كلّ عين … فكيف وقد بدت معها اثنتان
فعاشا عيشة القمرين يحيا … بضوئهما ولا يتحاسدان
ولا ملكا سوى ملك الأعادي … ولا ورثا سوى من يقتلان
دعاء كالثناء بلا رياء … يؤدّيه الجنان إلى الجنان
٤٩/ فلولا كونكم في الناس كانوا … هذاء كالكلام بلا معاني (٣)
وقوله فيه: [الكامل المرفل]
إن لم يكن من قبله عجزوا … عمّا يسوس به فقد غفلوا (٤)
حتى أتى الدنيا ابن بجدتها … فشكا إليه السهل والجبل
شكوى العليل إلى الكفيل له … ألاّ تمرّ بجسمه العلل
стр. 5309
لا يستحي أحد يقال له … نضلوك آل بويه أو فضلوا (١)
فوق السماء وفوق ما طلبوا … فإذا أرادوا غاية نزلوا
وقوله: [الكامل]
كبّرت حول ديارهم لمّا بدت … منها الشموس وليس فيها المشرق (٢)
وعجبت من أرض سحاب أكفّهم … من فوقها وصخورها لا تورق
ويفوح من طيب الثناء روائح … لهم بكلّ مكانة تستنشق
مسكّية النفحات إلاّ أنّها … وحشية بسواهم لا تعبق
وقوله: [البسيط]
إذا خلت منك حمص لا خلت أبدا … فلا سقاها من الوسميّ باكره (٣)
دخلتها وشعاع الشمس متّقد … ونور وجهك بين الخلق باهره
في فيلق من حديد لو قذفت به … صرف الزمان لما دارت دوائره
تمضي المواكب والأبصار شاخصة … منها إلى الملك الميمون طائره
قد حرن في بشر في تاجه قمر … في درعه أسد تدمى أظافره
حلو خلائقه شوس حقائقه … يحصى الحصا قبل أن تحصى مآثره
٥٠/ تضيق عن جيشه الدنيا ولو رحبت … كصدره لم تبن فيها عساكره
стр. 5310
إذا تغلغل فكر المرء في طرق … من مجده غرقت فيه خواطره
تحمي السيوف على أعدائه معه … حتى كأنهنّ بنوه أو عشائره
إذا انتضاها لحرب لم تدع جسدا … إلاّ وباطنه للعين ظاهره
فقد تيقّن أنّ الحقّ في يده … وقد وثقن بأنّ الله ناصره
من قال لست بخير الناس كلّهم … فجهله بك عند الناس عاذره
لا يجبر الناس عظما أنت كاسره … ولا يهيضون عظما أنت جابره
وقوله: [الطويل]
تباعدت الآمال عن كلّ مقصد … وضاق بها إلاّ إلى بابك السّبل (١)
وحالت عطايا كفّه دون وعده … فليس له إنجاز وعد ولا مطل
وأقرب من تحديدها ردّ فائت … وأيسر من إحصائها القطر والرمل
إذا قيل رفقا قال للحلم موضع … وحلم الفتى في غير موضعه جهل
وما عزّه فيها مراد أراده … وإن عز إلا أن يكون له مثل
فويل لنفس حاولت منك غرّة … وطوبى لعين ساعة منك لا تخلو
فما بفقير شام برقك حاجة … ولا في بلاد أنت صيبّها محل (٢)
وقوله: [الكامل]
أعطى فقلت لجوده ما يقتنى … وسطا فقلت لسيفه ما يولد (٣)
стр. 5311
وتحيّرت فيك الصفات لأنّها … ألفت طرائقه عليها تبعد
في شأنه ولسانه وبنانه … وجنانه عجب لمن يتفقّد
٥١/ إنّ العطايا والرزايا والقنا … حلفاء طيّ غوّروا أو أنجدوا
يفنى الكلام ولا يحيط بفضلكم … أيحيط ما يفنى بما لا ينفد (١)
وقوله: [البسيط]
يفدي بنيك عبيد الله حاسدهم … بجبهة العير يفدى حافر الفرس (٢)
أبا الغطارفة الحامين جارهم … وتاركي الليث كلبا غير مفترس
من كلّ أبيض وضّاح عمامته … كأنّما اشتملت نورا على قبس
لو كان فيض يديه ماء غادية … عزّ القطا في الفيافي موضع اليبس
أكارم حسد الأرض السماء بهم … وقصرّت كلّ مصر عن طرابلس
أيّ الملوك - وهم قصدي - أحاذره … وأيّ قرن وهم سيفي وهم ترسي
وقوله: [الطويل]
ولو ترك الدنيا على حكم كفّه … لأصبحت الدنيا وأكثرها نزر (٣)
متى ما يشر نحو السماء بوجهه … تخرّ له الشّعرى وينكسف البدر
стр. 5312
له منن تغني الثناء كأنّما … به أقسمت أن لا يؤدّى لها شكر
بمن تضرب الأمثال أم من أقيسه … إليك وأهل الدهر دونك والدهر (١)
وقوله: [البسيط]
لمّا وزنت بك الدنيا فملت بها … وبالورى قلّ عندي كثرة العدد (٢)
ماضي الجنان يريه الحزم قبل غد … بقلبه ما ترى عيناه بعد غد
ما ذا البهاء ولا ذا النور من بشر … ولا السماح الذي فيه سماح يد
أيّ الأكفّ يباري الغيث ما اتّفقا … حتى إذا افترقا عادت ولم يعد
٥٢/ لم أجر غاية فكري منك في صفة … إلاّ وجدت مداها غاية الأبد
وقوله: [الطويل]
فتى كالسحاب الجون يخشى ويرتجى … يرجّى الحيا منها وتخشى الصواعق (٣)
ومن تقشعرّ الأرض خوفا إذا مشى … عليها وترتجّ الجبال الشواهق
كأنّك في الإعطاء للمال مبغض … وفي كلّ حرب للمنّية عاشق
وقوله: [المنسرح]
стр. 5313
ويعرف الأمر قبل موقعه … فما له بعد فعله ندم (١)
قوم بلوغ الغلام عندهم … طعن نحور الكماة لا الحلم
كأنّما يولد الندى معهم … لا صغر عاذر ولا هرم
تظنّ من فقدك اعتدادهم … أنّهم أنعموا وما علموا
إن برقوا فالحتوف حاضرة … أو نطقوا فالصواب والحكم
تشرق أعراضهم وأوجههم … كأنّها في نفوسهم شيم
أعيذكم من صروف دهركم … فإنّه في الكرام متّهم
وقوله: [البسيط]
إذا بدا حجبت عينيك بهجته … وليس يحجبه ستر إذا احتجبا (٢)
عمر العدوّ إذا لاقاه في رهج … أقلّ من عمر ما يحوي إذا وهبا (٣)
٥٣/ تحلو مذاقته حتى إذا غضبا … حالت فلو قطرت في الماء ما شربا (٤)
وتغبط الأرض منها حيث حلّ به … وتحسد الخيل منها أيّها ركبا
منها:
مبرقعي خيلهم بالبيض متّخذي … هام الكماة على أرماحهم عذبا
стр. 5314
مراتب صعدت والفكر يتبعها … فجاز وهو على آثارها الشّهب
وقوله: [الوافر]
تلذّ له المروءة وهي تؤذي … ومن يعشق يلذّ له الغرام (١)
قبيل يحملون من المعالي … كما حملت من الجسد العظام (٢)
فلو يممّتهم في الحشر تجدو … لأعطوك الذي صلّوا وصاموا
لقد حسنت بك الأيام حتى … كأنّك في فم الزمن ابتسام
وقوله: [الطويل]
يقوم مقام الجيش تقطيب وجهه … ويستغرق الألفاظ من لفظه حرف (٣)
فإن نفد الإعطاء حنّت يمينه … إليه حنين الإلف فارقه الإلف (٤)
وأضحى وبين الناس في كلّ سيّد … من الناس إلاّ في سيادته خلف
ولم نر شيئا يحمل العبء حمله … ويستصغر الدنيا ويحمله طرف (٥)
ولا حبس البحر المحيط لقاصد … ومن تحته فرش ومن فوقه سقف (٦)
فواعجبا منّي أحاول نعته … وقد فنيت فيه القراطيس والصّحف
стр. 5315
وقوله: [الكامل]
ملك سنان قناته وبنانه … يتباريان دما وعرفا ساكبا (١)
هذا الذي أفنى النّضار مواهبا … وعداه قتلا والزمان تجاربا
٥٤/ كالبدر من حيث التفتّ رأيته … يهدي إلى عينيك نورا ثاقبا
كالبحر يقذف للقريب جواهرا … جودا ويبعث للبعيد سحائبا
كالشمس في كبد السماء وضوؤها … يغشى البلاد مشارقا ومغاربا
منها:
تدبير ذي حنك يفكّر في غد … وهجوم غرّ لا يخاف عواقبا
خذ من ثناي عليك ما أسطيعه … لا تلزمنيّ في الثناء الواجبا
فلقد دهشت لما فعلت ودونه … ما يدهش الملك الحفيظ الكاتبا
وقوله: [الطويل]
ألذّ من الصهباء بالماء ذكره … وأحسن من يسر تلقّاه معدم (٢)
سنيّ العطايا لو رأى نوم عينه … من اللؤم آلى أنّها لا تهّوم
وقوله: [الكامل]
نظمت مواهبه عليه تمائما … فاعتادها فإذا سقطن تفزّعا (٣)
стр. 5316
نفس لها خلق الزمان لأنّه … مفني النفوس مفرّق ما جمعّا
ويد لها كرم الغمام لأنّه … يسقي العمارة والمكان البلقعا
وقوله:
من نفعه في أن يهاج وضرّه … في تركه لو يفطن الأعداء (١)
ونذيمهم وبهم عرفنا فضله … وبضدّها تتبيّن الأشياء (٢)
والسّلم يكسر من جناحي ماله … بنواله ما تجبر الهيجاء
متفرّق الطّعمين مجتمع القوى … فكأنّه السّراء والضراء
في خطّه من كلّ قلب شهوة … حتى كأنّ مداده الأهواء
٥٥/ ولكلّ عين قرّة في قربه … حتى كأنّ مغيبه الأقذاء
وإذا مدحت فلا لتكسب رفعة … للشاكرين على الإله ثناء
لم تلق هذا الوجه شمس نهارنا … إلا بوجه ليس فيه حياء
لم تحك نائلك السحاب وإنّما … حمّت به فصبيبها الرّحضاء
وقوله: [المتقارب]
تجلّى لنا فأضأنا به … كأنّا نجوم لقينا سعودا (٣)
وهول كشفت ونصل قصفت … ورمح تركت مبادا مبيدا
стр. 5317
ومال وهبت بلا موعد … وقرن سبقت إليه الوعيدا
بهجر سيوفك أغمادها … تمنى الطّلى أن يكون الغمودا
قتلت نفوس العدى بالحدي … د حتى قتلت بهنّ الحديدا
وقوله: [المنسرح]
تعرف في عينه حقائقه … كأنّه بالذكاء مكتحل (١)
أشفق عند اتّقاد فكرته … عليه منها أخاف يشتعل
أغرّ أعداؤه إذا سلموا … بالهرب استكثروا الذي فعلوا
إنّك من معشر إذا وهبوا … ما دون أعمارهم فقد بخلوا
وقوله: [الوافر]
أغرّ مغالب كفّا وسيفا … ومقدرة ومحمية وآلا (٢)
وأشرف فاخر نفسا وقوما … وأكرم منتم عمّا وخالا
لقد أمنت بك الإعدام نفس … تعدّ رجاءها إيّاك مالا
٥٦/ سرورك أن تسرّ الناس طرّا … تعلّمهم عليك به الدلالا
إذا سألوا شكرتهم عليه … وإن سكتوا سألتهم السؤالا
стр. 5318
وأسعد من رأينا مستميح … ينيل المستماح بأن ينالا
يفارق سهمك الرجل الملاقي … فراق القوس ما لاقى الرجالا
فما تقف السهام على قرار … كأنّ الريش تطّلب النصالا (١)
وقوله: [الكامل]
أعدى الزمان سخاؤه فسخا به … ولقد يكون به الزمان بخيلا (٢)
ولقد عرفت وما عرفت حقيقة … ولقد جهلت وما جهلت خمولا
نطقت بسؤددك الحمام تغنّيا … وبما تجشّمها الجياد صهيلا
وقوله: [البسيط]
قاض إذا التبس الأمران عنّ له … رأي يفرّق بين الماء واللبن (٣)
أفعاله نسب لو لم يقل معها … جدّي الخصيب عرفنا العرق بالغصن
ذا جود من ليس من دهر على ثقة … وزهد من ليس من دنياه في وطن
وهذه هيئة لم يؤتها بشر … وذا اقتدار لسان ليس في المنن (٤)
وقوله: [الكامل]
стр. 5319
علاّمة العلماء واللجّ الذي … لا ينتهي ولكلّ لجّ ساحل (١)
متشابهي ورع النفوس: كبيرهم … وصغيرهم عفّ الإزار حلاحل
فافخر فإنّ الناس فيك ثلاثة … مستعظم أو حاسد أو جاهل
ولقد علوت فما تبالي بعدما … عرفوا أيحمد أم يذمّ القائل
٥٧/ ما دار في الحنك اللسان وقلّبت … قلما بأحسن من ثناك أنامل
وقوله: [البسيط]
خفّ الزمان على أطراف أنمله … حتى توهّمن للأزمان أزمانا (٢)
يلقى الوغى والقنا والنازلات به … والسيف والضيف رحب الباع جذلانا
تخاله من ذكاء القلب محتميا … ومن تكرّمه والبشر نشوانا
ما شيّد الله من مجد لسالفهم … إلاّ ونحن نراه فيهم الآنا
إن كوتبوا أو لقوا أو حوربوا وجدوا … في الخطّ واللفظ والهيجاء فرسانا
كأنّهم يردون الموت منتظمأ … أو ينشقون من الخطيّ ريحانا
يا صائد الجحفل المرهوب جانبه … إنّ الليوث تصيد الناس وحدانا (٣)
أنت الذي سبك الأموال تكرمة … ثمّ اتخذت لها السؤال خزّانا
عليك منك إذا أخليت مرتقب … لم يأت في السر ما لم تأت إعلانا
стр. 5320
لا أستزيدك فيما فيك من كرم … أنا الذي نمت إن نبّهت يقظانا (١)
قد شرّف الله أرضا أنت ساكنها … وشرّف الناس إذ سوّاك إنسانا
وقوله: [الكامل]
عجبا له حفظ العنان بأنمل … ما حفظها الأشياء من عاداتها (٢)
كرم تبيّن في كلامك ماثلا … ويبين عتق الخيل في أصواتها
أعيا زوالك عن محلّ نلته … لا تخرج الأقمار عن هالاتها
منها:
ذكر الأنام لنا فكان قصيدة … كنت البديع الفرد من أبياتها
تلك النفوس الغالبات على العلى … والمجد يغلبها على شهواتها
٥٨/ وقوله: [الطويل]
وأستكبر الأخبار قبل لقائه … فلمّا التقينا صغّر الخبر الخبر (٣)
ولا ينفع الإمكان لولا سخاؤه … وهل نافع لولا الأكفّ القنا السمر
أزالت بك الأيام عتبي كأنّما … بنوها لها ذنب وأنت لها عذر
وقوله: [الوافر]
стр. 5321
أشدّ من الرماح الهوج بطشا … وأسرع في الندى منها هبوبا (١)
وقالوا ذاك أرمى من رأينا … فقلت رأيتم الغرض القريبا
وهل يهطي بأسهمه الرمايا … وما يخطي بما ظنّ الغيوبا
ألست ابن الأولى سعدوا وسادوا … ولم يلدوا امرءا إلاّ نجيبا
ونالوا ما اشتهوا بالحزم هونا … وصادوا الوحش نملهم دبيبا
وما ريح الرياض لها ولكن … كساها دفنهم في الترب طيبا
فلا زالت ديارك مشرقات … ولا دانيت يا شمس الغروبا
لأصبح آمنا فيك الرزايا … كما أنا آمن فيك العيوبا
وقوله: [الطويل]
وذي لجب لا ذو الجناح أمامه … بناج ولا الوحش المثار بسالم (٢)
تمرّ عليه الشمس وهي ضعيفة … تطالعه من بين ريش القشاعم
إذا ضؤوها لاقى من الطير فرجة … تدوّر فوق البيض مثل الدراهم
هم المحسنون الكرّ في حومة الوغى … وأحسن منه كرّهم في المكارم
ولولا احتقار الأسد شبهّتها بهم … ولكنّها معدودة في البهائم
سرى النوم مني في سراي إلى الذي … صنائعه تسري إلى كلّ نائم
٥٩/ إلى مطلق الأسرى ومخترم العدا … ومشكى ذوي الشكوى ورغم المراغم
стр. 5322
وكان سروري لا يفي بندامتي … على تركه في عمري المتقادم (١)
وقوله يمدح أبا القاسم طاهر بن حسين العلوي: [الطويل]
كذا الفاطميون الندى في بنانهم … أعزّ امّحاء من خطوط الرواجب (٢)
وما قربت أشباه قوم أباعد … ولا بعدت أشباه قوم أقارب
إذا علويّ لم يكن مثل طامة … فما هو إلاّ حجّة للنواصب
يقولون تأثير الكواكب في الورى … فما باله تأثيره في الكواكب
وحقّ له أن يسبق الناس جالسا … ويدرك ما لم يدركوا غير طالب
ويحذى عرانين الملوك وإنّها … لمن قدميه في أجلّ المراتب
يد للزمان الجمع بيني وبينه … لتفريقه بيني وبين النوائب
ألا أيّها المال الذي قد أباده … تعزّ فهذا فعله بالكتائب
لعلّك في وقت شغلت فؤاده … عن الجود أو أكثرت جيش محارب
وقوله: [الخفيف]
بعثوا الرعب في قلوب الأعادي … فكأنّ القتال قبل التلاقي (٣)
وتكاد الظّبا لما عوّدوها … تنتضي نفسها إلى الأعناق
стр. 5323
كلّ ذمر يزيد في الموت حسنا … كبدور تمامها في المحاق (١)
كرم خشّن الجوانب منهم … فهو كالماء في الشّفار الرقاق
ومعال إذا دعاها سواهم … لزمته جناية السّرّاق
وقوله: [المنسرح]
الناس ما لم يروك أشباه … والدهر لفظ وأنت معناه (٢)
٦٠/ والجود عين وفيك ناظرها … والناس باع وفيك يمناه (٣)
سبحان من خار للكواكب في … البعد ولو نلن كنّ جدواه
لو كان ضوء الشموس في يده … أضاعه جوده وأفناه
وقوله: [الوافر]
متى أحصيت فضلك في كلام … فقد أحصيت حبّات الرمال (٤)
وقوله: [الطويل]
فإن يك سيّار بن مكرم انقضى … فإنك ماء الورد إن ذهب الورد (٥)
وقوله في شريف: [الخفيف]
стр. 5324
قيل لي: لم تركت مدح ابن موسى … والخصال التي تجمّعن فيه (١)
قلت: لا أهتدي لمدح إمام … كان جبريل خادما لأبيه
وقوله: [الكامل]
وشغلت مدحي بالذي أرجوهم … لا نال منهم بالمدائح نائلا (٢)
وتركت مدحي للوصيّ تعمّدا … إذ كان نورا مستطيلا شاملا
وإذا استطال الشيء قام بذاته … وكذا صفات الشمس تذهب باطلا
وفي المراثي قوله يرثي أم سيف الدولة ابن حمدان: [الوافر]
نعدّ المشرفية والعوالي … وتقتلنا المنون بلا قتال (٣)
ونرتبط السوابق مقربات … وما ينجين من خبب الليالي
نصيبك في حياتك من حبيب … نصيبك في منامك من خيال
رماني الدهر بالارزاء حتى … فؤادي في غشاء من نبال
فصرت إذا أصابتني سهام … تكسّرت النّصال على النّصال
٦١/ صلاة الله خالقنا حنوط … على الوجه المكفّن بالجمال
على المدفون قبل الترب صونا … وقبل اللّحد في كرم الخلال
كأنّ الموت لم يفجع بنفس … ولم يخطر لمخلوق ببال
ولو كان النساء كمن فقدنا … لفضّلت النساء على الرجال
فما التأنيث لاسم الشمس عيب … ولا التذكير فخر للهلال
منها:
стр. 5325
يدفّن بعضنا بعضا وتمشي … أواخرنا على هام الأوالي
وكم عين مقبّلة النّواحي … كحيل بالجنادل والرمال
وقوله يرثي أبا الهيجاء عبد الله بن سيف الدولة: [الطويل]
بنا منك فوق الرمل ما بك في الرّمل … وهذا الذي يضني كذاك الذي يبلي (١)
كأنّك أبصرت الذي بي وخفته … إذا عشت فاخترت الحمام على الثكل
فان تك في قبر فإنّك في الحشا … وإن تك طفلا فالأسى ليس بالطفل
ومثلك لا يبكى على قدر سنّه … ولكن على قدر المخيلة والأصل
ألست من القوم الذي من رماحهم … نداهم ومن قتلاهم مهجة البخل
تسلّيهم علياؤهم عن مصابهم … ويشغلهم كسب الثناء عن الشّغل
وما الموت إلاّ سارق دقّ شخصه … يصول بلا كّف ويسعى بلا رجل
يردّ أبو الشّبل الخميس عن ابنه … ويسلمه عند الولادة للنمل
بنفس وليد عاد من بعد حمله … إلى بطن أمّ لا تطرّق بالحمل (٢)
منها:
إذا ما تأملت الزمان وصرفه … تيقنّت أنّ الموت ضرب من القتل
هل الولد المحبوب إلاّ تعلّة … وهل خلوة الحسناء إلاّ لذي البعل
٦٢/ وما الدهر أهل أن يؤمّل عنده … حياة وأن يشتاق فيه إلى النّسل
وما تسع الأيام علمي بأمرها … ولا تحسن الأيام تكتب ما أملي
وقوله يرثي مملوك سيف الدولة: [الطويل]