أشدّ من الرماح الهوج بطشا … وأسرع في الندى منها هبوبا (١)
وقالوا ذاك أرمى من رأينا … فقلت رأيتم الغرض القريبا
وهل يهطي بأسهمه الرمايا … وما يخطي بما ظنّ الغيوبا
ألست ابن الأولى سعدوا وسادوا … ولم يلدوا امرءا إلاّ نجيبا
ونالوا ما اشتهوا بالحزم هونا … وصادوا الوحش نملهم دبيبا
وما ريح الرياض لها ولكن … كساها دفنهم في الترب طيبا
فلا زالت ديارك مشرقات … ولا دانيت يا شمس الغروبا
لأصبح آمنا فيك الرزايا … كما أنا آمن فيك العيوبا
وقوله: [الطويل]
وذي لجب لا ذو الجناح أمامه … بناج ولا الوحش المثار بسالم (٢)
تمرّ عليه الشمس وهي ضعيفة … تطالعه من بين ريش القشاعم
إذا ضؤوها لاقى من الطير فرجة … تدوّر فوق البيض مثل الدراهم
هم المحسنون الكرّ في حومة الوغى … وأحسن منه كرّهم في المكارم
ولولا احتقار الأسد شبهّتها بهم … ولكنّها معدودة في البهائم
سرى النوم مني في سراي إلى الذي … صنائعه تسري إلى كلّ نائم
٥٩/ إلى مطلق الأسرى ومخترم العدا … ومشكى ذوي الشكوى ورغم المراغم
стр. 5322
وكان سروري لا يفي بندامتي … على تركه في عمري المتقادم (١)
وقوله يمدح أبا القاسم طاهر بن حسين العلوي: [الطويل]
كذا الفاطميون الندى في بنانهم … أعزّ امّحاء من خطوط الرواجب (٢)
وما قربت أشباه قوم أباعد … ولا بعدت أشباه قوم أقارب
إذا علويّ لم يكن مثل طامة … فما هو إلاّ حجّة للنواصب
يقولون تأثير الكواكب في الورى … فما باله تأثيره في الكواكب
وحقّ له أن يسبق الناس جالسا … ويدرك ما لم يدركوا غير طالب
ويحذى عرانين الملوك وإنّها … لمن قدميه في أجلّ المراتب
يد للزمان الجمع بيني وبينه … لتفريقه بيني وبين النوائب
ألا أيّها المال الذي قد أباده … تعزّ فهذا فعله بالكتائب
لعلّك في وقت شغلت فؤاده … عن الجود أو أكثرت جيش محارب
وقوله: [الخفيف]
بعثوا الرعب في قلوب الأعادي … فكأنّ القتال قبل التلاقي (٣)
وتكاد الظّبا لما عوّدوها … تنتضي نفسها إلى الأعناق
стр. 5323
كلّ ذمر يزيد في الموت حسنا … كبدور تمامها في المحاق (١)
كرم خشّن الجوانب منهم … فهو كالماء في الشّفار الرقاق
ومعال إذا دعاها سواهم … لزمته جناية السّرّاق
وقوله: [المنسرح]
الناس ما لم يروك أشباه … والدهر لفظ وأنت معناه (٢)
٦٠/ والجود عين وفيك ناظرها … والناس باع وفيك يمناه (٣)
سبحان من خار للكواكب في … البعد ولو نلن كنّ جدواه
لو كان ضوء الشموس في يده … أضاعه جوده وأفناه
وقوله: [الوافر]
متى أحصيت فضلك في كلام … فقد أحصيت حبّات الرمال (٤)
وقوله: [الطويل]
فإن يك سيّار بن مكرم انقضى … فإنك ماء الورد إن ذهب الورد (٥)
وقوله في شريف: [الخفيف]
стр. 5324
قيل لي: لم تركت مدح ابن موسى … والخصال التي تجمّعن فيه (١)
قلت: لا أهتدي لمدح إمام … كان جبريل خادما لأبيه
وقوله: [الكامل]
وشغلت مدحي بالذي أرجوهم … لا نال منهم بالمدائح نائلا (٢)
وتركت مدحي للوصيّ تعمّدا … إذ كان نورا مستطيلا شاملا
وإذا استطال الشيء قام بذاته … وكذا صفات الشمس تذهب باطلا
وفي المراثي قوله يرثي أم سيف الدولة ابن حمدان: [الوافر]
نعدّ المشرفية والعوالي … وتقتلنا المنون بلا قتال (٣)
ونرتبط السوابق مقربات … وما ينجين من خبب الليالي
نصيبك في حياتك من حبيب … نصيبك في منامك من خيال
رماني الدهر بالارزاء حتى … فؤادي في غشاء من نبال
فصرت إذا أصابتني سهام … تكسّرت النّصال على النّصال
٦١/ صلاة الله خالقنا حنوط … على الوجه المكفّن بالجمال
على المدفون قبل الترب صونا … وقبل اللّحد في كرم الخلال
كأنّ الموت لم يفجع بنفس … ولم يخطر لمخلوق ببال
ولو كان النساء كمن فقدنا … لفضّلت النساء على الرجال
فما التأنيث لاسم الشمس عيب … ولا التذكير فخر للهلال
منها:
стр. 5325
يدفّن بعضنا بعضا وتمشي … أواخرنا على هام الأوالي
وكم عين مقبّلة النّواحي … كحيل بالجنادل والرمال
وقوله يرثي أبا الهيجاء عبد الله بن سيف الدولة: [الطويل]
بنا منك فوق الرمل ما بك في الرّمل … وهذا الذي يضني كذاك الذي يبلي (١)
كأنّك أبصرت الذي بي وخفته … إذا عشت فاخترت الحمام على الثكل
فان تك في قبر فإنّك في الحشا … وإن تك طفلا فالأسى ليس بالطفل
ومثلك لا يبكى على قدر سنّه … ولكن على قدر المخيلة والأصل
ألست من القوم الذي من رماحهم … نداهم ومن قتلاهم مهجة البخل
تسلّيهم علياؤهم عن مصابهم … ويشغلهم كسب الثناء عن الشّغل
وما الموت إلاّ سارق دقّ شخصه … يصول بلا كّف ويسعى بلا رجل
يردّ أبو الشّبل الخميس عن ابنه … ويسلمه عند الولادة للنمل
بنفس وليد عاد من بعد حمله … إلى بطن أمّ لا تطرّق بالحمل (٢)
منها:
إذا ما تأملت الزمان وصرفه … تيقنّت أنّ الموت ضرب من القتل
هل الولد المحبوب إلاّ تعلّة … وهل خلوة الحسناء إلاّ لذي البعل
٦٢/ وما الدهر أهل أن يؤمّل عنده … حياة وأن يشتاق فيه إلى النّسل
وما تسع الأيام علمي بأمرها … ولا تحسن الأيام تكتب ما أملي
وقوله يرثي مملوك سيف الدولة: [الطويل]
стр. 5326
ومن سرّ أهل الأرض ثم بكى أسى … بكى بعيون سرّها وقلوب (١)
وقد فارق الناس الأحبّة قبلنا … وأعيا دواء الموت كلّ طبيب
سبقنا إلى الدنيا فلو عاش أهلها … منعنا بها من جيئة وذهوب
ولا فضل فيها للشجاعة والندى … وصبر الفتى لولا لقاء شعوب (٢)
وكنت إذا أبصرته لك قائما … نظرت إلى ذي لبدتين أديب (٣)
وما كلّ وجه أبيض بمبارك … ولا كلّ جفن ضيّق بنجيب
لئن ظهرت فينا عليه كآبة … لقد ظهرت في حدّ كلّ قضيب
وفي كلّ قوس يوم كلّ تناضل … وفي كلّ طرف كلّ يوم ركوب (٤)
كأنّ الردى عاد على كلّ ماجد … إذا لم يعوّد مجده بعيوب
ولولا أيادي الدهر في الجمع بيننا … غفلنا فلم نشعر له بذنوب
وقوله يرثي أخت سيف الدولة: [البسيط]
فإن تكن خلقت أنثى فقد خلقت … كريمة غير أنثى العقل والحسب (٥)
وإن تكن تغلب الغلباء عنصرها … فإنّ في الخمر معنى ليس في العنب
стр. 5327
فليت طالعة الشمسين غائبة … وليت غائبة الشمسين لم تغب
وليت عين التي آب النهار بها … فداء عين التي زالت ولم تؤب
٦٣/ فما ذكرت جميلا من صنائعها … إلاّ بكيت ولا ودّ بلا سبب
قد كان كلّ حجاب دون رؤيتها … فما قنعت لها يا أرض بالحجب
ولا رأيت عيون الأنس تدركها … فهل حسدت عليها أعين الشهب
يا أحسن الصبر زر أولى القلوب بها … وقل لصاحبه يا أنفع السحب
وأكرم الناس لا مستثنيا احدا … من الكرام سوى آبائك النجب
قد كان قاسمك الشخصين دهرهما … وعاش درّهما المفديّ بالذهب
وعاد في طلب المتروك تاركه … إنّا لنغفل والأيام في الطلب
ما كان أقصر وقتا كان بينهما … كأنّه الوقت بين الورد والقرب (١)
منها:
تخالف الناس حتى لا اتفاق لهم … إلاّ على شجب والخلف في الشّجب
فقيل: تخلص نفس المرء سالمة … وقيل تشرك جسم المرء في العطب
ومن يفكّر في الدنيا ومهجته … أقامه الفكر بين العجز والعجب (٢)
وقوله: [الطويل]
لأيّ صروف الدهر فيه نعاتب … وايّ رزاياه بوتر نطالب (٣)
مضى من فقدنا صبرنا عند فقده … وقد كان يعطي الصبر والصبر عازب
стр. 5328
يرون الأعادي في سماء عجاجه … أسنّتها في جانبيها الكواكب (١)
فتسفر عنه والسيوف كأنّما … مضاربها ممّا انفللن ضرائب
طلعن شموسا والغمود مشارق … لهنّ وهامات الرجال مغارب
مصائب شتى جمّعت في مصيبة … ولم يكفها حتى قفتها مصائب
ألا إنّما كانت وفاة محمد … دليلا على أن ليس للّه غالب
٦٤/ وقوله: [الكامل]
إنّي لأعلم واللبيب خبير … أنّ الحياة وإن حرصت غرور (٢)
ورأيت كلاّ ما يعلّل نفسه … بتعلّة وإلى الفناء يصير
ما كنت أحسب قبل دفنك في الثرى … أنّ الكواكب في التراب تغور
ما كنت آمل قبل نفسك أن أرى … رضوى على أيدي الرجال تسير
منها:
والشمس في كبد السماء مريضة … والأرض واجفة تكاد تمور
حتى ثوى جدثا كأنّ ضريحه … في قلب كلّ موحّد محفور (٣)
كفل الثناء له بردّ حياته … لما انطوى فكأنّه منشور
غاضت أنامله فهنّ بحور … وخبت مكائده فهنّ سعير
نفر إذا غابت غمود سيوفهم … عنها فآجال العباد حضور
تدمي خدودهم الدموع وتنقضي … ساعات ليلهم وهنّ دهور
أبناء عّم كلّ ذنب لا مرئ … إلاّ السعاية بينهم مغفور
стр. 5329
وقوله يرثي جدّته لأمّه وقد ماتت فرحا حين وصل كتابه إليها: [الطويل]
إلى مثل ما كان الفتى مرجع الفتى … يعود كما أبدى ويكري كما أرمى (١)
عرفت الليالي قبل ما صنعت بنا … فلمّا دهتنا لم تزدني بها علما
وما الجمع بين الماء والنار في يدي … بأصعب من أن أجمع الجدّ والفهما
أحنّ إلى الكأس التي شربت بها … وأهوى لمثواها التراب وما ضمّا
بكيت عليها خيفة في حياتها … وذاق كلانا فقد صاحبه قدما
ولم يسلها إلاّ المنايا وإنّما … أشدّ من السّقم الذي أذهب السّقما
وكنت قبيل الموت استعظم النوى … فقد صارت الصغرى التي كانت العظمى
٦٥/ وما انسدّت الدنيا عليّ لضيقها … ولكنّ طرفا لا أراك به أعمى
ولو لم تكوني بنت أكرم والد … لكان أباك الضخم كونك لي أمّا
لئن لذّ يوم الشامتين بيومها … لقد ولدت منّي لأنفهم رغما (٢)
هبيني أخذت الثأر فيك من العدا … فكيف بأخذ الثأر فيك من الحمّى
وقوله: [الطويل]
فإن يك انسانا مضى لسبيله … فإنّ المنايا غاية الحيوان (٣)
стр. 5330
ولو سلكت طرق السلاح لردّها … بطول يمين واتساع جنان
وهل ينفع الجيش الكثير التفافه … على غير منصور وغير معان
وقوله في رثاء فاتك: [الكامل]
الحزن يقلق والتجمّل يردع … والدمع بينهما عصيّ طيّع (١)
يتنازعون دموع عين مسّهد … هذا يجيء بها وهذا يرجع (٢)
النوم بعد أبي شجاع نافر … والليل معي والكواكب ظلّع
المجد أخسر والمكارم صفقة … من أن يعيش لها الهمام الأروع
برّد حشاي إن استطعت بلفظة … فلقد تضرّ إذا تشاء وتنفع
ما زلت تدفع كلّ أمر فادح … حتى أتى الأمر الذي لا يدفع
فظللت تنظر لا رماحك شرّع … فيما عراك ولا سيوفك قطّع
بأبي الوحيد وجيشه متكاثر … يبكي ومن شرّ السلاح الأدمع
واذا حصلت من السلاح على البكا … فحشاك رعت به وخدّك تقرع
من للمحافل والجحافل والسّرى … فقدت بفقدك نيّرا لا يطلع
٦٦/ ومن اتّخذت على الضيوف خليفة … ضاعوا ومثلك لا يكاد يضيّع
قد كان أسرع فارس في طعنة … فرسا ولكنّ المنية أسرع
لا قلّبت أيدي الفوارس بعده … رمحا ولا حملت جوادا أربع
وقوله يرثي عمّه عضد الدولة: [السريع]
لا بدّ للإنسان من ضجعة … لا تقلب المضجع عن جنبه (٣)
стр. 5331
ينسى بها ما كان من عجبه … وما أذاق الموت من كربه
نحن بنو الدنيا فما بالنا … نعاف ما لابدّ من شربه (١)
تبخل أيدينا بأرواحنا … على زمان هي من كسبه
فهذه الأرواح من جوّه … وهذه الأجسام من تربه
لو فكّر العاشق في منتهى … عشق الذي يسبيه لم يسبه (٢)
لم ير قرن الشمس في شرقه … فشّكت الأنفس في غربه
يموت راعي الضأن في جهله … موتة جالينوس في طبّه
وربّما زاد على عمره … وزاد في الأمن على سربه
وغاية المفرط في سلمه … كغاية المفرط في حربه
فلا قضى حاجته طالب … فؤاده يخفق من رعبه
أستغفر الله لشخص مضى … كان نداه منتهى ذنبه
وكان من حدّد إحسانه … كأنّه أسرف في سبّه (٣)
يريد من حبّ العلى عيشة … ولا يزيد العيش من حبّه
٦٧/ يحسبه دافنه وحده … ومجده في القبر من صحبه
وقوله: وليست من المراثي ولكنها تناسبها: [الطويل]
وقد صارت الأجفان قرحى من البكا … وصار بهارا في الخدود الشقائق (٤)
стр. 5332
على ذا مضى الناس اجتماع وفرقة … وميت ومولود وقال ووامق (١)
منها:
تخلّى من الدنيا لينسى فما خلت … مغاربها من ذكره والمشارق
وفي العتاب قوله: [البسيط]
واحرّ قلباه ممّن قلبه شبم … ومن بجسمي وحالي عنده سقم (٢)
مالي أكتّم حبّا قد برى جسدي … ويدّعي حبّ سيف الدولة الأمم
إن كان يجمعنا حبّ لغرّته … فليت أنّا بقدر الحبّ نقتسم
يا أعدل الناس إلاّ في معاملتي … فيك الخصام وأنت الخصم والحكم
أعيذها نظرات منك صادقة … أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم
وما انتفاع أخي الدنيا بناظره … إذا استوت عنده الأنوار والظّلم
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي … وأسمعت كلماتي من به صمم
وجاهل مدّه في جهله ضحكي … حتى أتته يد فرّاسة وفم
إذا رأيت نيوب الليث بارزة … فلا تظنّن أنّ الليث مبتسم (٣)
فالخيل والليل والبيداء تشهد لي … والحرب والضرب [والقرطاس والقلم] (٤)
يا من يعزّ علينا أن نفارقهم … وجداننا كلّ شيء بعدكم عدم
ما كان أخلقنا منكم بتكرمة … لو انّ أمركم من أمرنا أمم
стр. 5333
إن كان سرّكم ما قال حاسدنا … فما بجرح إذا ارضاكم ألم
٦٨/ وبيننا لو رعيتم ذاك معرفة … إنّ المعارف في أهل النّهى ذمم
كم تطلبون لنا عيبا فيعجزكم … ويكره الله ما تأتون والكرم
ما أبعد العيب والنقصان من شرفي … أنا الثريا وذان الشيب والهرم
ليت الغمام الذي عندي صواعقه … يزيلهنّ إلى من عنده الدّيم
إذا ترحّلت عن قوم وقد قدروا … أن لا تفارقهم فالراحلون هم
شرّ البلاد مكان لا صديق به … وشرّ ما يكسب الانسان ما يصم (١)
وشرّ ما قنصته راحتي قنص … شهب البزاة سواء فيه والرّخم
هذا عتابك إلاّ أنّه مقة … قد ضمّن الدر إلاّ أنّه كلم
وقوله يعاتبه: [البسيط]
فارقتكم فإذا ما كان عندكم … قبل الفراق اذى بعد الفراق يد (٢)
إذا تذكّرت ما بيني وبينكم … أعان قلبي على الشوق الذي أجد
وقوله يعاتب أصحاب سيف الدولة: [البسيط]
يا من نعيت على بعد بمجلسه … كلّ بما زعم الناعون مرتهن (٣)
ما في هوادجكم من مهجتي عوض … إن متّ شوقا ولا فيها لها ثمن
رأيتكم لا يصون العرض جاركم … ولا يدرّ على مرعاكم اللبن
جزاء كلّ قريب منكم ملل … وحظّ كلّ محبّ منكم ضغن
стр. 5334
وتغضبون على من نال رفدكم … حتى يعاقبه التنغيص والمنن
سهرت بعد رحيلي وحشة لكم … ثم استمرّ مريدي وارعوى الوسن
وإن بليت بودّ مثل ودّكم … فإنّني بفراق مثله قمن
٦٩/ وقوله يخاطب كافورا: [الوافر]
إذا سرنا عن الفسطاط يوما … فلقّني الفوارس والرجالا (١)
لتعلم قدر ما فارقت منّي … وأنّك رمت من ضيمي محالا
وقوله حين وضع عليه غلمان أبي العشائر النشاب فلمّا كرّ عليهم انتسبوا إليه:
[الطويل]
ومنتسب عندي إلى من أحبّه … وللنّبل حولي من يديه حفيف (٢)
فهيّج من شوقي وما من مذلّة … حننت ولكنّ الكريم ألوف
وكلّ وداد لا يدوم على الأذى … دوام ودادي للحسين ضعيف
فإن يكن الفعل الذي ساء واحدا … فأفعاله اللائي سررن ألوف
ونفسي له نفس الفداء لنفسه … ولكنّ بعض المالكين عنيف
وقوله: [الكامل]
يخفي العداوة وهي غير خفيّة … نظر العدوّ بما يسرّ يبوح (٣)
وفي الاعتذار قوله يخاطب سيف الدولة: [الطويل]
стр. 5335
وقد كان يدني مجلسي في سمائه … أحادث فيها بدرها والكواكبا (١)
حنانيك مسئولا ولبّيك داعيا … وحسبي موهوبا وحسبك واهبا
وإن كان ذنبي كلّ ذنب فإنّه … محا الذنب كلّ الذنب من جاء تائبا
وقوله: [البسيط]
يا أيها المحسن المشكور من جهتي … والشكر من قبل الإحسان لا قبلي (٢)
ما كان يومي إلاّ فوق معرفتي … بأنّ رأيك لا يؤتى من الزلل
لعلّ عتبك محمود عواقبه … وربّما صحّت الأجسام بالعلل
٧٠/ ولا سمعت ولا غيري بمقتدر … أذبّ منك لقول الزور عن رجل (٣)
وقوله يخاطبه: [المتقارب]
أرى ذلك القرب صار ازورارا … وصار طويل الكلام اختصارا (٤)
تركتني اليوم في خجلة … أموت مرارا وأحيا مرارا
أسارقك اللّحظ مستحييا … وأزجر في الخيل مهري سرارا
وأعلم أنّي إذا ما اعتذرت … أراد اعتذاري إليك اعتذارا
стр. 5336
كفرت مكارمك الباهرا … ت إن كان ذلك منّي اختيارا
فلا تلزمنّي ذنوب الزمان … إليّ أساء وإيايّ ضارا
وعندي لك الشرّد السائرا … ت لا يختصصن من الأرض دارا (١)
فإنّي إذا سرن من مقولي … وثبن الجبال وخضن البحارا (٢)
ولي فيك ما لم يقل قائل … وما لم يسر قمر حيث سارا
فلو خلق الناس من دهرهم … لكانوا الظلام وكنت النهارا
سما بك همّي فوق الهموم … فلست أعدّ يسارا يسارا
ومن كنت بحرا له يا عليّ … لم يقبل الدّرّ إلاّ كبارا
وقوله يخاطبه: [الطويل]
بأدنى ابتسام منك تحيا القرائح … وتقوى من الجسم الضعيف الجوارح (٣)
ومن ذا الذي يقضي حقوقك كلّها … ومن ذا الذي يرضى سوى من تسامح
وقد تقبل العذر الخفيّ تكرّما … فما بال عذري واقفا وهو واضح
وما كان ترك الشعر إلاّ لأنّه … تقصّر عن وصف الأمير المدائح (٤)
٧١/ وقوله يخاطب ابن العميد: [الخفيف]
ربّ ما لا يعبّر اللفظ عنه … والذي يضمر الفؤاد اعتقاده (٥)
إنّ في الموج للغريق لعذرا … واضحا أن يفوته تعداده
стр. 5337
ما سمعنا بمن أحبّ العطايا … فاشتهى أن يكون فيها فؤاده
وهجي الحسين بن اسحاق التنوخي على لسانه فكتب إليه يعاتبه فأجابه أبو الطيب بقوله من أبيات: [الوافر]
أتنكر يا ابن اسحاق إخائي … وتحسب ماء غيري من إنائي (١)
أأنطق فيك هجرا بعد علمي … بأنّك خير من تحت السماء
وهبني قلت هذا الصبح ليل … أيعمى العالمون عن الضياء
وأنّ من العجائب أن تراني … فتعدل بي أقلّ من الهباء
وتنكر موتهم وأنا سهيل … طلعت بموت أولاد الزناء
وقوله يخاطب بدر بن عمّار حين تخلّف عنه: [الكامل]
فاغفر فديتك واحبني من بعدها … لتخّصني بعطيّة منها أنا (٢)
وانه المشير عليك فيّ بضلّة … فالحرّ ممتحن بأولاد الزنا
ومكائد السفهاء واقعة بهم … وعداوة الشعراء بئس المقتنى
غضب الحسود إذا لقيتك راضيا … رزء أخفّ عليّ من أن يوزنا
في الاستعطاف قوله يخاطب سيف الدولة في بني كلاب: [الوافر]
بغيرك راعيا عبث الذئاب … وغيرك صارما ثلم الضّراب (٣)
стр. 5338
ترفّق أيّها المولى عليهم … فإنّ الرفق بالجاني عتاب
٧٢/ وأنّهم عبيدك حيث كانوا … إذا تدعو لحادثة أجابوا
وكيف يتمّ بأسك في أناس … تصيبهم فيؤلمك المصاب
وعين المخطئين هم وليسوا … بأوّل معشر خطئوا فتابوا
وأنت حياتهم غضبت عليهم … وهجر حياتهم لهم عقاب
وما جهلت أياديك البوادي … ولكن ربّما خفي الصواب
وكم ذنب مولّده دلال … وكم بعد مولّده اقتراب
وجرم جرّه سفهاء قوم … فحلّ بغير جانيه العقاب
وما تركوك معصية ولكن … يعاف الورد والموت الشراب
فإن هابوا بجرمهم عليّا … فقد يرجو عليّا من يهاب
ولو غير الأمير غزا كلابا … ثناه عن شموسهم الضباب (١)
ولكن ربّهم أسرى إليهم … فما نفع الوقوف ولا الذهاب
ولا ليل أجنّ ولا نهار … ولا خيل حملن ولا ركاب
فمسّاهم وبسطهم حرير … وصبّحهم وبسطهم تراب
ومن في كفهّ منهم قناة … كمن في كفّه منهم خضاب
إذا ما سرت في آثار قوم … تخاذلت الجماجم والرقاب
طلبتهم على الأمواه حتى … تخوّف أن تفتّشه السحاب
بنو قتلى أبيك بأرض نجد … ومن أبقى وأبقته الحراب
عفا عنهم وأعتقهم صغارا … وفي أعناق أكثرهم سخاب (٢)
стр. 5339
وكلّكم أتى مأتى أبيه … وكلّ فعال كلكّم عجاب
٧٣/ كذا فليسر من طلب الأعادي … ومثل سراك فليكن الطلاب
وقوله يخاطبه: [الطويل]
ودانت له الدنيا فأصبح جالسا … وأيّامها فيما يريد قيام (١)
فتى يتبع الأزمان في الناس خطوه … لكلّ زمان في يديه زمام
وما تنفع الخيل الكرام ولا القنا … إذا لم يكن فوق الكرام كرام
فإن كنت لا تعطي الزمان طواعة … فعوذ الأعادي بالكريم ذمام (٢)
وإنّ نفوسا يممّتك منيعة … وإنّ دماء يممّتك حرام (٣)
إذا خاف ملك من مليك أجرته … وسيفك خافوا والجوار تسام
فلو كان صلحا لم يكن بشفاعة … ولكنّه ذلّ لهم وغرام
على وجهك الميمون في كلّ غارة … صلاة توالي منهم وسلام
وقوله يخاطبه: [الوافر]
طوال قنا تطاعنها قصار … وقطرك في ندى ووغى بحار (٤)
وفيك إذا جنى الجاني أناة … تظنّ كرامة وهي احتقار
وما انقادت لغيرك في زمان … فتدري ما المقادة والصّغار
فلزّهم القتال إلى طراد … أحدّ سلاحهم فيه الفرار (٥)
стр. 5340
مضوا متسابقي الأعضاء فيهم … لأرؤسهم بأرجلهم عثار
إذا صرف النهار الضوء عنهم … دجا ليلان: ليل والغبار
وإن جنح الظلام انجاب عنهم … أضاء المشرفية والنهار
يرون الموت قدّاما وخلفا … فيختارون والموت اضطرار
٧٤/ فلو لم تبق لم تعش البقايا … وفي الماضي لمن بقي اعتبار
لعلّ بنيهم لبنيك جندّ … فأول قرّح الخيل المهار (١)
وما في سطوة الأرباب عيب … ولا في ذلّة العبدان عار
في الاستجداء، والتقاضي قوله: [البسيط]
شكر العفاة لما أوليت أوجدني … إلى نداك طريق العرف مسلوكا (٢)
ما زلت تتبع ما تولي يدا بيد … حتى ظننت حياتي من حياتيكا (٣)
وقوله: [الكامل]
يا ذا الذي يهب الكثير وعنده … أنّي عليه بأخذه أتصدّق (٤)
أمطر عليّ سحاب جودك ثرّة … وانظر إليّ برحمة لا أغرق (٥)
стр. 5341
وقوله: [البسيط]
أنصر بجودك ألفاظا تركت بها … في الشرق والغرب من عاداك مبهوتا (١)
فقد نظرتك حتى عاد مرتحل … وذا الوداع فكن أهلا لما شيتا (٢)
وقوله: [الطويل]
لك الخير غيري رام من غيرك الغنى … وغيري بغير اللاذقية لا حق (٣)
هي الغرض الأقصى ورؤيتك المنى … ومنزلك الدنيا وأنت الخلائق
وقوله: [الطويل]
وثقنا بأن تعطي فلو لم تجد لنا … لخلناك قد أعطيت من شدّة الوهم (٤)
وأطمعتني في نيل ما لا أناله … فما زلت حتى صرت أطمع في النجم
وقوله: [الخفيف]
ومن البرّ بطء سيبك عنّي … أسرع السحب في المسير الجهام (٥)
стр. 5342
٧٥/ وقوله: [البسيط]
وربّما فارق الانسان مهجته … يوم الوغى غير قال خشية العار (١)
وقد منيت بحسّاد أحاربهم … فاجعل نداك عليهم بعض أنصاري
وقوله: [البسيط]
وجدت أنفع مال كنت أذخره … ما في السوابق من جري وتقريب (٢)
وكيف أكفر يا كافور نعمتها … وقد بلغنك بي يا خير مطلوب
يا أيها الملك الغاني بتسمية … في الشرق والغرب عن وصف وتلقيب
أنت الحبيب ولكنّي ألوذ به … من أن أكون محبّا غير محبوب (٣)
وقوله: [الطويل]
أزل حسد الحسّاد عنّي بكبتهم … فأنت الذي صيّرتهم لي حسّدا (٤)
إذا شدّ أزري حسن رأيك في يدي … ضربت بنصل يقطع الهام مغمدا (٥)
وما أنا إلاّ سمهريّ حملته … فزيّن معروضا وراع مسدّدا (٦)
стр. 5343
وما الدهر إلاّ من رواة قصائدي … إذا قلت شعرا أصبح الدهر منشدا (١)
فسار به من لا يسير مشمّرا … وغنّى به من لا يغنّي مغرّدا
أجزني إذا أنشدت شعرا فإنّما … بشعري أتاك المادحون مردّدا
ودع كلّ صوت بعد صوتي فإنّني … أنا الصائح المحكيّ والآخر الصدى (٢)
تركت السّرى خلفي لمن قلّ ماله … وأنعلت أفراسي بنعماك عسجدا
وقيّدت نفسي في ذراك محبّة … ومن وجد الإحسان قيدا تقيّدا
إذا سأل الإنسان أيّامه الغنى … وأنت على بعد جعلتك موعدا (٣)
وقوله: [الطويل]
وأمضى سلاح قلّد المرء نفسه … رجاء أبي المسك الكريم وقصده (٤)
٧٦/ هما ناصرا من خانه كلّ ناصر … وأسرة من لم يكثر النّسل جدّه
أنا اليوم من غلمانه في عشيرة … لنا والد منه يفدّيه ولده
فمن ماله مال الكبير ونفسه … ومن ماله درّ الصغير ومهده (٥)
تولّى الصّبا عني فأخلفت طيبه … وما ضرّني لمّا رأيتك فقده
لقد شبّ في هذا الزمان كهوله … لديك وشابت عند غيرك مرده
стр. 5344
فكن في اصطناعي محسنا كمجرّب … يبن لك تقريب الجواد وشدّه
إذا كنت في شك من السيف فابله … فاما تنفّيه وإما يقدّه
وما الصارم الهنديّ إلاّ كغيره … إذا لم يفارقه النّجاد وغمده
وكلّ نوال كان أو هو كائن … فلحظة طرف منك عندي ندّه
وإنّي لفي بحر من الخير أصله … عطاياك أرجو مدّها وهي مدّه
وما رغبتي في عسجد أستفيده … ولكنّها في مفخر استجدّه
فإنّك ما مرّ النحوس بكوكب … وقابلته إلاّ ووجهك سعده
وقوله: [الطويل]
رضيت بما ترضى به لي محبّة … وقدت إليك النّفس قود المسلّم (١)
ومثلك من كان الوسيط فؤاده … فكلّمه عنّي ولم أتكلّم
وقوله: [الطويل]
أبا المسك هل في الكأس فضل أنا له … فإنّي أغنّي منذ حين وتشرب (٢)
وهبت على مقدار كفّي زماننا … ونفسي على مقدار كفّيك تطلب
إذا لم تنط بي ضيعة أو ولاية … فجودك يكسوني وشغلك يسلب
٧٧/ منها:
ولكنّه طال الطريق ولم أزل … أفتش عن هذا الكلام وينهب
فشرّق حتى ليس للشرق مشرق … وغرّب حتى ليس للغرب مغرب
стр. 5345
إذا قلته لم يمتنع من وصوله … جدار معلّى أو خباء مطنّب
وقوله: [الخفيف]
يا رجاء العيون في كلّ أرض … لم يكن غير أن أراك رجائي (١)
فارم بي ما أردت منّي فإنّي … أسد القلب آدمي الرّواء
وفؤادي من الملوك وإن كان … لساني يرى من الشعراء
وقوله: [الطويل]
أرد لي جميلا جدت أو لم تجد به … فإنّك ما أحببت فيّ أتاني (٢)
لو الفلك الدوّار أبغضت سعيه … لعوّقه شيء عن الدوران
وقوله: [الطويل]
أيا أسدا في جسمه روح ضيغم … وكم أسد أرواحهنّ كلاب (٣)
ويا آخذا من دهره حقّ نفسه … ومثلك يعطى حقّه ويهاب
لنا عند هذا الدهر حقّ يلطّه … وقد قلّ إعتاب وطال عتاب
стр. 5346
وقد تحدث الأيام عندك شيمة … وتنعمر الأوقات وهي يباب
أرى لي بقربي منك عينا قريرة … وإن كان قربا بالبعاد يشاب
وهل نافعي أن ترفع الحجب بيننا … ودون الذي أمّلت منك حجاب
أقلّ سلامي حبّ ما خفّ عنكم … وأسكت كيما لا يكون جواب
وفي النّفس حاجات وفيك فطانة … سكوتي بيان عندها وخطاب
وما أنا بالباغي على الحبّ رشوة … ضعيف هوى يبغى عليه ثواب
٧٨/ وما شئت إلاّ أن أذلّ عواذلي … على أنّ رأيي في هواك صواب
وأعلم قوما خالفوني فشّرقوا … وغرّبت أنّي قد ظفرت وخابوا
إذا نلت منك الودّ فالمال هيّن … وكلّ الذي فوق التراب تراب
وما كنت لولا أنت إلاّ مهاجرا … له كلّ يوم بلدة وصحاب
ولكنّك الدنيا إليّ حبيبة … فما عنك لي إلاّ إليك ذهاب
وقوله: [المنسرح]
فعد بها لا عدمتها أبدا … خير صلات الكريم أعودها (١)
وقوله: [الطويل]
وأكثر تيهي أنّني بك واثق … وأكثر مالي أنّني لك آمل (٢)
وفي الشكر قوله يخاطب فاتكا: [البسيط]
стр. 5347
لا خيل عندك تهديها ولا مال … فليسعد النطق إن لم يسعد الحال (١)
وإن تكن محكمات الشّكل تمنعني … ظهور جري فلي فيهنّ تصهال
وما شكرت لأنّ المال فرّحني … سيّان عندي إكثار وإقلال (٢)
لكن رأيت قبيحا أن يجادلنا … وأنّنا بقضاء الحقّ بخّال
فكنت منبت روض الحزن باكره … غيث بغير سباخ الأرض هطّال
غيث يبيّن للنّظار موقعه … إنّ الغيوث بما تأتيه جهّال
لا يدرك المجد إلاّ سيّد فطن … لما يشقّ على السادات فعّال
كفاتك ودخول الكاف منقصة … كالشمس قلت وما للشمس أمثال
لطّفت رأيك في وصلي وتكرمتي … إنّ الكريم على العلياء يحتال
وقوله: [المنسرح]
له أياد إليّ سابغة … أعدّ منها ولا أعدّدها (٣)
٧٩/ يعطي فلا مطله يكدّرها … بها ولا منّه ينكدّها
وقوله: [المنسرح]
تمثّلوا حاتما ولو عقلوا … لكنت في الجود غاية المثل (٤)
كيف أكافئ على أجلّ يد … من لا يرى أنّها يد قبلي
стр. 5348
وقوله: [الوافر]
وإنّي عنك بعد غد لغاد … وقلبي عن فنائك غير غاد (١)
محبّك حيثما اتجهت ركابي … وضيفك حيث كنت من البلاد
وقوله: [الوافر]
ومن إحدى فوائده العطايا … ومن إحدى عطاياه الدوام (٢)
فقد خفي الزمان بها علينا … كسلك الدرّ يخفيه النّظام (٣)
أقامت في الرّقاب له أياد … هي الأطواق والناس الحمام
وقوله: [الطويل]
مدحت أباه قبله فشفى يدي … من العدم من تشفى به الأعين الرمد (٤)
حباني بأثمان السوابق دونها … مخافة سيري أنّها للنّوى جند
وأصبح شعري منهم في مكانه … وفي عنق الحسناء يستحسن العقد (٥)
стр. 5349
وقوله: [المنسرح]
تنشد أثوابنا مدائحه … بألسن ما لهن أفواه (١)
إن كان فيما نراه من كرم … فيك فريد فزادك الله
وقوله: [الطويل]
أحبّك يا شمس الزمان وبدره … وإن لا مني فيك السّها والفراقد (٢)
فإنّ قليل الحبّ بالعقل صالح … وإنّ كثير الحبّ بالجهل فاسد
٨٠/ وقوله: [الكامل]
يا من يقتّل من أراد بسيفه … أصبحت من قتلاك بالإحسان (٣)
فإذا رأيتك حار دونك ناظري … وإذا مدحتك حار فيك لساني
في التهاني والعيادات قوله: [البسيط]
المجد عوفي إذ عوفيت والكرم … وزال عنك إلى أعدائك الألم (٤)
وراجع الشّمس نور كان فارقها … كأنّما فقده في جسمها سقم
стр. 5350
وما أخصّك في برى بتهنئة … إذا سلمت فكلّ الناس قد سلموا
وقوله يهنئ بعيد الفطر: [البسيط]
الصوم والفطر والأعياد والعصر … منيرة بك حتى الشمس والقمر (١)
ما الدهر عندك إلاّ روضة أنف … يا من شمائله في دهره زهر
ما ينتهي لك في أيّامه كرم … فلا انتهى لك في أعوامه عمر
وقوله يهنئ بعيد الأضحى: [الطويل]
هنيئا لك العيد الذي أنت عيده … وعيد لمن سمّى وضحّى وعيّدا (٢)
ولا زالت الأيام لبسك بعده … تسلّم مخروقا وتعطى مجدّدا
فذا اليوم في الأيام مثلك في الورى … كما كنت فيهم أوحدا كان أوحدا
هو الجدّ حتى تفضل العين أختها … وحتى يكون اليوم لليوم سيّدا (٣)
وقوله: [الطويل]
تحاسدت البلدان حتى لو أنّها … نفوس لسار الشرق والغرب نحوكا (٤)
وأصبح مصر لا تكون أميره … ولو أنّه ذو مقلة وفم بكى
وقوله: [البسيط]
стр. 5351
غاب الأمير فغاب الخير عن بلد … كادت لفقد اسمه تبكي منابره (١)
٨١/ حتى إذا عقدت فيه القباب له … أهلّ لله باديه وحاضره
وجدّدت فرحا لا الغمّ يطرده … ولا الصبابة في قلب تجاوره
وقوله: [الكامل]
ما منبج مذ غبت إلاّ مقلة … سهرت ووجهك نومها والإثمد (٢)
فالليل حين قدمت فيه أبيض … والصبح منذ رحلت عنها أسود
ما زلت تدنو وهي تعلو همّة … حتى توارى في ثراها الفرقد (٣)
أبدى العداة بك السرور كأنّهم … فرحوا وعندهم المقيم المقعد
حتى انثنوا ولو أنّ حدّ قلوبهم … في قلب هاجرة لذاب الجلمد
وقوله: [البسيط]
إذا حللت مكانا بعد صاحبه … جعلت فيه على ما قبله تيها (٤)
لا ينكر الحسن من دار تكون بها … فإنّ ريحك روح في مغانيها (٥)
стр. 5352
وقوله في الحمّى: [الكامل]
ومنازل الحمّى الجسوم فقل لها … ما عذرها في تركها خيراتها (١)
أعجبتها شرقا فطال وقوفها … لتأمّل الأعضاء لا لأذاتها
وبذلت ما عشقته نفسك كلّه … حتى بذلت لهذه صحّاتها
وقوله: [الوافر]
أيدري ما أرابك من يريب … وهل ترقى إلى الفلك الخطوب (٢)
وجسمك فوق همّة كلّ داء … فقرب أقلّها منه عجيب
يجمّشك الزمان هوى وحبّا … وقد يؤذي من المقة الحبيب (٣)
٨٢/ وكيف تعلّك الدنيا بشيء … وأنت بعلّة الدنيا طبيب
وفي التعازي قوله: [الطويل]
عزاؤك سيف الدولة المقتدى به … فانّك نصل والشدائد للنّصل (٤)
ومن كان ذا نفس كنفسك حرّة … ففيه لها مغن وفيها له مسلي
стр. 5353
وقوله يعزّيه بغلامه: [الطويل]
علينا لك الإسعاد إن كان نافعا … بشقّ قلوب لا بشقّ جيوب (١)
فرّب كئيب ليس تندى جفونه … وربّ غزير الدمع غير كئيب (٢)
إذا استقبلت نفس الكريم مصابها … بخبث ثنت فاستدبرته بطيب
فدتك نفوس الحاسدين فإنّها … معذّبة في حضرة ومغيب
وفي تعب من يحسد الشّمس نورها … ويجهد أن يأتي لها بضريب
وقوله يعزّيه بأخته الصغرى ويسلّيه ببقاء الكبرى: [الخفيف]
أنت يا فوق أن تعزّى عن الأح … باب فوق الذي يعزّيك عقلا (٣)
وبألفاظك اهتدى فإذا عز … زاك قال الذي له قلت قبلا
قد بلوت الخطوب مرّا وحلوا … وملكت الزمان حزنا وسهلا (٤)
وقتلت الزمان علما فما يعر … رف قولا ولا يجدّد فعلا
فإذا قست ما أخذن بما أغ … درن سرّى عن الفواد وسلّى
وتيقنّت أنّ حظّك أوفى … وتبيّنت أنّ جدّك أعلى (٥)
وإذا لم تجد من الناس كفؤا … ذات خدر أرادت الموت بعلا
стр. 5354
وقوله يعزّي عضد الدولة بعمّته: [السريع]
٨٣/ ما كان عندي أنّ بدر الدجى … يوحشه المفقود من شهبه (١)
يدخل صبر المرء في مدحه … ويدخل الإشفاق في قلبه
مثلك يثني الحزن عن صوبه … ويستردّ الدّمع عن غربه
ولم أقل مثلك أعني به … سواك يا فردا بلا مشبه
وقوله: [الكامل]
صبرا بني اسحاق عنه تكرّما … إنّ العظيم على العظيم صبور (٢)
فلكلّ مفجوع سواكم مشبه … ولكلّ مفقود سواه نظير
فأعيذ إخوته بربّ محمّد … أن يحزنوا ومحمّد مسرور
وفي الإخوانيات قوله: [الكامل]
شوقي إليك نفى لذيذ هجوعي … فارقتني فأقام بين ضلوعي (٣)
أو ما وجدتم في الصّراة ملوحة … ممّا أرقرق فيه ماء دموعي (٤)
ما زلت أحذر من وداعك جاهدا … حتى اغتدى أسفي على التوديع
стр. 5355
رحل العزاء برحلتي فكأنّما … أتبعته الأنفاس للتّشييع
وقوله: [الخفيف]
كلّما رحّبت بنا الأرض قلنا … حلب قصدنا وأنت السبيل (١)
والمسمّون بالأمير كثير … والأمير الذي بها المأمول
الذي زلت عنه شرقا وغربا … ونداه مقابلي ما يزول
وإذا صحّ فالزمان صحيح … وإذا اعتلّ فالزمان عليل
وإذا غاب وجهه عن مكان … فبه من ثناه وجه جميل
ما الذي عنده تدار المنايا … كالذي عنده تدار الشمول (٢)
٨٤/ نغّص البعد عنك قرب العطايا … مرتعي مخصب وجسمي نحيل
إن تبّوأت غير داري أرضا … وأتاني نيل فأنت المنيل (٣)
من عبيدي إن عشت لي ألف كا … فور ولي من نداك ريف ونيل
ما أبالي إذا اتّقتك المنايا … من دهته خبولها والحبول (٤)
وقوله: [الكامل المرفل]
إنّ الذين أممت وارتحلوا … أيّامهم كديارهم دول (٥)
стр. 5356
الحسن يرحل كلّما رحلوا … معهم وينزل حيثما نزلوا
وقوله: [الطويل]
رجونا الذي يرجون في كلّ جنّة … بأرجان حتى ما يئسنا من الخلد (١)
تفضّلت الأيام بالجمع بيننا … فلمّا حمدنا لم تدمنا على الحمد
وقد كنت أدركت المنى غير أنّني … يعيّرني قومي بإدراكها وحدي
ولو فارقت جسمي إليك حياته … لقلت أصابت غير مذمومة العهد (٢)
وقوله: [الوافر]
تسايرك السواري والغوادي … مسايرة الأحبّاء الطراب (٣)
تفيد الجود منك فتحتذيه … وتعجز عن خلائقك العذاب
وقوله: [الكامل]
يجد الحمام ولو كوجدي لا نبرى … شجر الأراك مع الحمام ينوح (٤)
стр. 5357
وقوله: [الخفيف]
وافترقنا حولا فلمّا التقينا … كان تسليمه عليّ وداعا (١)
وفي الهجاء قوله في هجاء كافور: [الطويل]
أريك الرّضا لو أخفت العين خافيا … وما أنا عن نفسي ولا عنك راضيا (٢)
٨٥/ أمينا وإخلافا وغدرا وخسّة … وخبثا أشخصا لحت لي أم مخازيا
تظنّ ابتساماتي رجاء وغبطة … وما أنا إلاّ ضاحك من رجائيا (٣)
ولولا فضول الناس جئتك مادحا … بما كنت في سّري به لك هاجيا
وأصبحت مسرورا بما أنا منشد … وإن كان بالانشاد هجوك غاليا
ومثلك يؤتى من بلاد بعيدة … ليضحك ربّات الحداد البواكيا
وقوله يهجوه: [البسيط]
إنّي نزلت بكذّابين ضيفهم … عن القرى وعن الترحال محدود (٤)
جود الرجال من الأيدي وجودهم … من اللسان فلا كانوا ولا الجود
ما يقبض الموت نفسا من نفوسهم … إلاّ وفي يده من نتنها عود
من كلّ رخو وكاء البطن منتفخ … لا في الرجال ولا النسوان معدود (٥)
стр. 5358
العبد ليس لحرّ صالح بأخ … لو أنّه في ثياب الحرّ مولود
لا تشتر العبد إلاّ والعصا معه … إنّ العبيد لأنجاس مناكيد
ما كنت أحسبني أحيا إلى زمن … يسئ بي فيه كلب وهو محمود
من علّم الأسود المخصيّ مكرمة … أقومه البيض أم آباؤه السود (١)
أم أذنه في يد النخّاس دامية … أم قدره وهو بالفلسين مردود
وذاك أنّ الفحول البيض عاجزة … عن الجميل فكيف الخصية السود
٨٦/ وقوله يهجوه: [المتقارب]
لقد كنت أحسب قبل الخصيّ … بأنّ الرءوس مقرّ النّهى (٢)
فلمّا نظرت إلى عقله … رأيت النّهى كلّها في الخصى
وقوله يهجوه: [السريع]
العبد لا تفضل أخلاقه … عن فرجه المنتن أو ضرسه (٣)
فلا ترجّ الخير عند امرئ … مرّت يد النخاس في رأسه
وإن عراك الشكّ في أمره … بحاله فانظر إلى جنسه
فقلّ ما يلؤم في ثوبه … إلاّ الذي يلؤم في غرسه
وقوله يهجو إسحاق بن إبراهيم بن كيغلغ: [الكامل]
стр. 5359
وارفق بنفسك إنّ خلقك ناقص … وارفق بنفسك إنّ أصلك مظلم (١)
واحذر مناواة الرجال فإنّما … تقوى على كمر العبيد وتقدم
وغناك مسألة وطيشك نفخة … ورضاك فيشلة وربّك درهم
يمشي باربعة على أعقابه … تحت العلوج ومن وراء تلجم
وجفونه ما تستقرّ كأنّها … مطروقة أوفتّ فيها حصرم
وإذا أشار محدّثا فكأنّه … قرد يقهقه أو عجوز تلطم
يقلي مفارقة الأكفّ قذاله … حتى يكاد على يد يتعمّم
وتراه أصغر ما تراه ناطقا … وتراه أكذب ما يكون ويقسم (٢)
أرسلت تسألني المديح سفاهة … صفراء أضيق منك ما ذا أزعم (٣)
وأشدّ ما جاوزت قدرك صاعدا … وأشدّ ما قربت عليك الأنجم
٨٧/ وقوله يهجو الأعور بن كروس: [الوافر]
تعادينا لأنّا غير لكن … وتبغضنا لأنّا غير عور (٤)
فلو كنت امرءا تهجى هجونا … ولكن ضاق فتر عن مسير
وقوله: [البسيط]
стр. 5360
كريشة بمهبّ الريح ساقطة … لا تستقرّ على حال من القلق (١)
وقوله: [المجتث]
إن آنستك المخازي … فإنّها لك نسبه (٢)
أو أوحشتك المعالي … فإنّها دار غربه
ومن المختار له في أشياء متفرّقة قوله: [الكامل]
سر حيث شئت يحلّه النّوار … وأراد فيك مرادك المقدار (٣)
وإذا ارتحلت فشيعّتك سلامة … حيث اتّجهت وديمة مدرار
وأراك دهرك ما تحاول في العدا … حتى كأنّ صروفه انصار
وصدرت أغنم صادر عن مورد … مرفوعة لقدومك الأبصار
أنت الذي بجح الزمان بذكره … وتزيّنت بحديثه الأسمار (٤)
وإذا تنكّر فالفناء عقابه … وإذا عفا فعطاؤه الأعمار
لله قلبك لا يخاف من الردى … ويخاف أن يدنو إليك العار
يا من يعزّ على الأعزّة جاره … ويذلّ في سطواته الجبّار
إنّ الذي خلّفت خلفي ضائع … مالي على قلقي عليه خيار