وآخذ وصله عدة … ويأخذ مهجتي سلفا
وقوله: [الوافر]
دموعي فيك أنواء غزار … وقلبي ما يقرّ له قرار (١)
وكلّ فتى علاه ثوب سقم … فذاك الثوب منّي مستعار
وقوله: [الخفيف]
وقفتني ما بين همّ وبؤس … وثنّت بعد ضحكة بعبوس (٢)
إذا رأتني مشّطت عاجا بعاج … وهي الأبنوس بالأبنوس
١٨٧/ وقوله: [المتقارب]
كأنّ الرّعود خلال البرو … ق والريح تكثر تحريضها (٣)
رتوج إذا خفقت بينها … دبادبها جردّت بيضها (٤)
وقوله: [مجزوء الكامل]
يا هذه إن رحت في … خلق فما في ذاك عار (٥)
هذي المدام هي الحيا … ة قميصها خزف وقار
وقوله: [الخفيف]
стр. 5497
شعر عبد السلام فيه رديّ … ومحال وساقط وبديع (١)
فهو مثل الزمان فيه مصيف … وخريف وشتوة وربيع
وقوله: [البسيط]
أما ترى الغيم يا من قلبه قاس … كأنّه أنا مقياسا بمقياس (٢)
قطر كدمعي وبرق مثل نار هوى … في القلب منّي مديح مثل أنفاس (٣)
وقوله: [مجزوء الرّمل]
يا نديمي اطلق الفج … ر فما للكأس حبس (٤)
قهوة طلعتها قب … ل طلوع الشمس شمس (٥)
وهي كالمريخ لكن … هي سعد وهو نحس
وقوله: [الخفيف]
يا قضيبا يميس تحت هلال … وهلالا يرنو بعيني غزال (٦)
منك يا شمسنا تعلمت الشم … س دنوّ السنّا وبعد المنال
وقوله: [مجزوء الكامل]
وكساه ثوب مشيبه … في عنفوان شبابه (٧)
فتراه يؤذن في أوا … ن مجيئه بذهابه
стр. 5498
وقوله: [الخفيف]
هتف الصّبح بالدّجى فاسقنيها … قهوة تترك الحليم سفيها (١)
لست أدري لرقّة وصفاء … هي في الكأس أم الكأس فيها (٢)
١٨٨/ وقوله: [مجزوء الخفيف]
ظالم لي وليته ال … دّهر يبقى ويظلم (٣)
وصله جنّة ول … كن جفاه جهّنم
ورضاه وسخطه ل … ي عرس ومأتم
وقوله: [الخفيف]
إنّ شهر الصّيام إذ جاء في فص … ل ربيع أودى بحسن وطيب (٤)
وكأنّ الورد المضعّف في الصّو … م حبيب يمشي بجنب رقيب
وقوله: [مجزوء الرجز]
كأنّما نجومها … في مغرب ومشرق (٥)
دراهم منثورة … على بساط أزرق
وقوله: [الطويل]
بنفسي حبيب بان صبري ببينه … وأودعني الأحزان ساعة ودّعا (٦)
стр. 5499
وأنحلني بالهجر حتى لو انّني … قذى بين جفني أرمد ما توجّعا
وقوله: [السريع]
حتى إذا ما انحلّ جيب الدّجى … فينا وجيب الصّبح مزرور (١)
جرت هنات لي أجملتها … فهل لها عندك تفسير
وقوله: [مجزوء الرجز]
معصفر التّفاح في … خدّ مليح الضّرج (٢)
جمّشه الشعر وما … ذاك لطول الحجج
وإنما عارضه … شنّفه بالسّبج
وقوله: [البسيط]
وللنسيم على الغدران رفرفة … يزورها فتلقّاه بأمواج (٣)
وكلّها من أزاهير النّهار على … رؤوسنا كأنو شروان في التاج (٤)
ونحن في فلك اللّهو المحيط بنا … كأننا في سماء ذات أبراج
وقوله: [البسيط]
في شمّك المسك شغل عن مذاقته … وفي سنا الشمس ما يغني عن القمر (٥)
١٨٩/ لو لم أكن مشبها للناس في خلقي … لقلت إنّي من جيل سوى البشر
أو لم يكن ماء علمي قاهرا فكري … لأحرقتني في نيرانها فكري
стр. 5500
تزيدني قسوة الأيام طيب ثنا … كأننّي المسك بين الفهر والحجر
أرى ثيابا وفي أثنائها بقر … بلا قرون وذا عيب على البقر
إنّي لأسير في الآفاق من مثل … سار وأملأ للأبصار من قمر
إذا تشكّكت فيما أنت مبصره … فلا تقل إنني في الناس ذو بصر
وكيف يفرح إنسان بغرّته … إذا نصاها فلم تصدقه في النّظر
لقد فرحت بما عانيت من عدم … خوف القبيحين من كبر ومن بطر
وربّما ابتهج الأعمى بحالته … لأنّه قد نجا من طيرة العور
ولست أبكي لشيب قد منيت به … يبكي على الشيّب من يأس على العمر
كن من صديقك لا من غيره حذرا … إن كان ينجيك منه شدّة الحذر
وقد نظرت إلى الدنيا بمقلتها … فاستصغرتها جفوني غاية الصّغر
وما شكرت زماني وهو يصعد بي … فكيف أشكره في حال منحدري
لا عار يلحقني أنّي بلا نشب … وأيّ عار على عين بلا حور
وإن بلغت الذي أهوى فعن قدر … وإن حرمت الذي أهوى فعن عذر
وقوله: [الكامل]
وإذا تطلّع في مرائي فكره … لم تخف خافية على تنقيبه (١)
فتراه يبلغ ما أراد برفقة … كالفجر يبلغ ما ابتغى بدبيبه
وقوله: [الكامل]
والحبّ لولا جوره في حكمه … ما سلّم الأقوى لأمر الأضعف (٢)
١٩٠/ لم يبق لي جسما ولا دمعا فقل … في مدنف يبكي بدمع مدنف
стр. 5501
ومنهم:
٦ - أبو العبّاس أحمد بن إبراهيم الضّبي (١)
شاعر يعقد الثريا إكليلا، ويبسط النّشرة منديلا، ويدني منه القمر نزيلا، ويأوي منازل الأسد غيلا، يسلك المجرّة سبيلا، ويسكن الزهر قبيلا، ويقيم الصّباح دليلا، ويأتي بالشمس أو مثلها تمثيلا، ويبذل الدرّ في لفظه فيطلب الزّهر عليه تطفيلا. جمع به شلو ضبّة بعد أن مزّقه المتنبي كلّ ممزّق (٢)، وضمّ شملها بعد أن بدّده بالهجاء فتفرّق، وتدارك آخرها بعد أن هلهل نسجها بقوارضه، وجلّل سماءها بكسف عوارضه حتى كأنّ أبا برزة في حيّها لم يمت، وفيء ما جنح بعد العصر ولم يفت، وشعره ممّا لا ينكر مجيد إحسانه ولا يغضّ منه وقد ماثل آس السوالف من قلم سوسانه، ولا يلوم من قال بقوله: إنّ البنفسج لمّا زعم أنّه كعذاره سلّوا من قفاه لسانه.
ومن المختار له:
قوله: [الكامل]
زعم البنفسج أنّه كعذاره … حسنا فسلّوا من قفاه لسانه
لم يظلموا في الحكم إذ مثلوا به … بأشدّ ما رفع البنفسج شانه
وقوله: [المنسرح]
стр. 5502
يا مهديا لي بنفسجا نضرا … يرتاح قلبي له وينشرح
بشّر بي عاجلا مصحّفه … بأنّ ضيق الأمور تنفسح
وقوله: [الوافر]
ترفّق أيّها المولى بعبد … فقد أفنت لواحظك النفوسا (١)
وأسكرت العقول فلست تدري … أسحرا ما تسقّي أم كؤوسا
١٩١/ وقوله:
ألا يا ليت شعري ما مرادك … فقلبي قد أضرّ به بعادك (٢)
وأيّ محاسن لك قد سبتني … جمالك أم كمالك أم ودادك
وأيّ ثلاثة أو فى سوادا … أخالك أم عذارك أم فؤادك
وقوله: [مجزوء الكامل]
لا تركننّ إلى الفراق … فإنّه مرّ المذاق (٣)
فالشمس عند غروبها … تصفّر من فرق الفراق
وقوله: [مجزوء الرجز]
خلت الثريا إذ بدت … طالعة في الحندس (٤)
مرسلة من لؤلؤ … أو باقة من نرجس
стр. 5503
ومنهم:
٧ - أبو الحسن محمد بن عبيد الله بن محمد القرشي المخزومي المعروف بالسلامي (١)
من ولد الوليد بن الوليد بن المغيرة. عطارد فهم وطارد وهم وراشق بكلّ معنى كأنّه سهم، وطارق باب قبله لم يفتح وطارح رشاء في قليب لولاه لم يمتح، ومادح ملوك وهو أحقّ لحسبه أن يمدح إذ كان من مخزوم في ولد المغيرة وعدد تلك السوابق المغيرة، جدولا من تلك البحار وكوكبا من أولئك الأقمار، وفي النّسب القرشي قطعة من ذلك الغرار وشعبة من سيل ذلك القرار.
والسّلامي بفتح السين المهملة نسبة له إلى دار السّلام بغداد، لا إلى الآباء والأجداد كأنّه سمّي بهذا لسلامة شعره من العيوب، وسلاسة لفظه كأنّه الماء الشّروب.
قال الثعالبي (٢): هو من أشعر أهل العراق قولا بالإطلاق، وشهادة بالاستحقاق، وعلى ما أجريته من ذكره شاهد عدل من شعره والذي كتبت من محاسنه نزه العيون،/ ١٩٢/
стр. 5504
ورقى القلوب، ومنى النفوس. ذكر (١) هذا في تقريظه ونسي أمثاله ممّا تملى حسناته على حفيظه.
نشأ (٢) ببغداد وخرج إلى الموصل وهو صبيّ ما خرج لزهره من كمامه جنيّ، فوجد بالموصل جماعة من مشايخ الشعراء منهم أبو عثمان الخالدي، وأبو الفرج الببغاء، وأبو الحسن التلعفري، فلمّا رأوه عجبوا منه لبراعته مع حداثة سنّه، ودماثة ما لم يشتد من يانع غصنه فاتّهموا في الشعر دعواه، وما شكّوا أنّما ينشدهم لسواه، فقال الخالدي: أنا أكفيكم أمره وأستبين لكم فجره، واتخذ دعوة جمع عليها الآراء، وجمع عليها الشعراء، وأحضر السلامي ليزيل المراءة، فلمّا توسّطوا الشراب أخذوا في التنبيش على بضاعته، والتفتيش على صناعته، فجاء مطر شديد أفاض تلك الغدر، وأضاف إليه بردا شابت به النّواصي العذر حتى كأنّما مرّ السحاب بتلك الرّبى مسبل الجلباب، أو آبت به غربة النّوى فتضاحكت من جميع نواحيه ثغور الأحباب، فألقى الخالديّ نارنجا كان بين يديه في ذلك البرد، وأوقد منه نارا في ماء جمد كأنّما أهدى به الخدود إلى الثغور، أوصفّ به الياقوت على اللؤلؤ المنثور ثم قال: يا أصحابنا هل لكم أن نصف هذا؟ فقال السلامي شعرا منه: [مجزوء الكامل]
أهدي لماء المز … ن عند جموده نار السّعير
لا تعذلوه فإنّما … أهدى الخدود إلى الثغور
فعرفوا حينئذ حقّه، وشهدوا له من الفضل بما استحقّه، ثمّ كانوا يذعنون لإجادته ويمعنون في وصف ما يرونه من ريادته إلاّ التلعفري فإنّه أقام على قوله الأول، وهل تصحّ دعوى من يتقوّل؟!
١٩٣/ واتصل بعضد الدولة/ فاشتمل عليه بجناح القبول، ودفع إليه مفتاح المأمول.
وكان عضد الدولة يقول: إذا رأيت السّلامي في مجلس ظننت أنّ عطارد قد نزل من
стр. 5505
الفلك إليّ، ووقف بين يدي، ثمّ تراجع بعده طبع السلامي، ورقّت حاله، ثمّ قّرت به الجدث رحاله.
ومن شعره المطبوع، ودّره المبذول الممنوع، قوله: [الوافر]
وميدان تجول به خيول … تقود الدّار عين ولا تقاد (١)
ركبت به إلى اللّذات طرفا … له جسم وليس له فؤاد
جرى فظننت أنّ الأرض وجه … ودجلة ناظر وهو السواد
وقوله، وقد رأى المرآة في يد غلام كان يهواه: [المنسرح]
رأيته والمرآة في يده … كأنّها شمسة على ملك (٢)
فقلت للصورة التي احتجبت … من غير زهد فينا ولا نسك
يا أشبه الناس بالحبيب ألا … تخبرنا عنك غير مؤتفك
قال: أنا البدر زرت بدركم … وهذه قطعة من الفلك
فقلت: إنّي أرى بها صدأ … فقال: هذا بقية الحبك
وقوله في التلعفري: [الوافر]
فصنعتي النفيسة في لساني … وصنعته الخسيسة في قذاله (٣)
فإن أشعر فما هو من رجالي … وإن يصفع فما أنا من رجاله
ودخل على أبي ثعلب وبين يديه درع محبوكة كأنّها من عيون الجراد مسبوكة، فقال:
صفها وانصفها، فارتجل من غير وجل ولا خجل: [الكامل]
стр. 5506
١٩٤/ يا ربّ سابغة حبتني نعمة … كافأتها بالسوء غير مفنّد (١)
أضحت تصون عن المنايا مهجتي … فظللت أبذلها لكلّ مهنّد
ومن شعره قوله في الصاحب بن عباد: [الوافر]
رقي العذّال أم خدع الرّقيب … سقت ورد الخدود من القلوب (٢)
وآباء الصبّابة أم بنوها … يروضون الشبيبة للمشيب
وقفنا موقف التوديع نوطي … نجوم الدّمع آفاق الغروب
تعجّب من عناق جرّ دمعا … وتقبيل يشيع بالنحيب
وقد ضاق العنان فلو فطنّا … دخلنا في المخانق والجيوب
تبسّطنا على الأيام لمّا … رأينا العفو من ثمر الذنوب (٣)
ولولا الصاحب اخترع القوافي … لما سهل الخلاص من النسيب
ومن يثني إلى ليث هصور … لواحظه عن الرشأ الربيب
وكيف يمسّ حدّ السيف طوعا … قريب الكفّ من غصن رطيب
يشقّ الفكر عن لفظ بديع … فيقدم بي على معنى غريب
وقوله: [الكامل]
وأتى الخيال فلا يزرني في الكرى … حاشا لحسنك أن يكون خيالا (٤)
وقوله من أرجوزة في الصاحب: [الرجز]
стр. 5507
وشم يروق سيفه إذا وقد … وانساب ماء الحسن فيه واطّرد (١)
كالروح لا تكمن إلاّ في جسد
منها في ذكر الفرس:
خاض الدّماء وتحلّى بالزّبد … كأنّه إنسان عين في رمد
١٩٥/ وقوله في عضد الدولة: [الطويل]
إليك طوى عرض البسيطة جاعل … قصارى المطايا أن يلوح لها القصر (٢)
وكنت وعزمي والظلام وصارمي … ثلاثة أشباه كما اجتمع النّسر
وبشّرت آمالي بملك هو الورى … ودار هي الدنيا ويوم هو الدّهر
وقوله: [الوافر]
منيت بمن إذا منّيت أفضت … مناي إلى بنفسج عارضيه (٣)
وفاضت رحمة لي حين ولّى … مدامع كاتبيّ وكاتبيه
وقوله: [المتقارب]
فما زلت أعصر من خمره … وأقطف من مجتنى ورده (٤)
أشمّ بنفسج أصداغه … وزهرا تعصفر في خدّه
وأظمأ فأرشف من ريقه … فيا حرّ صدري إلى برده
وما للّحاظ سوى وجهه … ولا للعناق سوى قدّه
стр. 5508
وقوله فى أعرابي اسمه سعيد بعمامة حمراء: [المتقارب]
أعناق من قدّه صعدة … ترى اللّحظ منها مكان السّنان (١)
أدار اللّثام على ثغره … فأهدى الشقيق إلى الأقحوان
ومسك ذوائبه سائل … على آس ديباجه الخسرواني
أحيّيه بالورد والياسمين … فيصبو إلى الشيّح والأيهقان
فيا بدويّ سهام الجفون … صرعن ضيوفك حول الجفان
فإن كان دينك رعي الذّمام … فقل أنت من مقلتي في أمان (٢)
١٩٦/ وقوله في غلام التحى: [المنسرح]
في كلّ يوم تراه مؤتزرا … بالرّوض بين الحياض والبرك (٣)
وما علمنا بأنّه قمر … حتى اكتسى قطعة من الفلك
وقوله من أرجوزة: [الرجز]
وليلة كأنّها على حذر … فمرّها أسرع من لمح البصر (٤)
من قبلها لم أر ليلا مختصر … ولا زمانا لم يبن منه القصر
والليل لا يركب إلاّ في غرر … إذا وفى أحبابنا فيه غدر
زار وما ازورّ الدّجى ولا اعتكر … أبيض إلاّ المقلتين والشّعر
أغرّ أوقاتي إذا زار غرر … فلم يكن إلاّ السلاّم والنّظر
أو قبلة خالستها على خطر … حتى انتضى الفجر حساما مشتهر
وانفلّ من أهواه في جيش البكر … فبتّ محزونا كأنّي لم أزر
стр. 5509
يا حسرتا لليلنا كيف انحسر
وقوله: [المتقارب]
عذارك جادت عليه الرّيا … ض بأجفانها وبآماقها (١)
وطال غرام الغواني به … فقد طرزّته بأحداقها
وقوله: [الخفيف]
فاض ماء الجمال في الأقطار … كلّ بدر مطرّز بعذار (٢)
قد أرانا عقارب الصّدغ من خد … ديه تأوي مكان الجلّنار
وقوله: [المتقارب]
يغضّ الغزال جفون الغزل … وقد فضح الكحل فيها الكحل (٣)
ولولا جنى الورد من وجنتيه … ما أوجب اللثم ذاك الخجل
١٩٧/ وقوله: [الكامل]
ما تسرع الألحاظ تخطو خطوة … في خدّه إلاّ عثرن بخاله (٤)
قد نقّبوه وزرفنوا أصداغه … ختموا بغالية على أقفاله
وقوله في معذر: [الرجز]
تعرّض الشّعر بعارضيه … فأطلق العشاق من يديه (٥)
стр. 5510
حتى إذا أبصر وجنتيه … جاد عذاريه بعبرتيه
كأنّما يغسل من خدّيه … صحيفة قد كتبت عليه
وقوله في غلام تركي: [الكامل]
علّقت مفترس الضّراغم فارسا … رحب المدى والصّدر والميدان (١)
قمر من الأتراك يشهد أنّه … الخود الحصان على أقبّ حصان
ورمى بلحظته القلوب وسهمه … فعجبت كيف تشابه السّهمان
بطل حمائله كعارضه وحا … جبه الأزجّ كقوسه المرنان
حييّته ولعا فأمطر راحتي … قبلا فليت فمي مكان بناني
وخدعته بالكأس حتى ارتاض لي … ودرأت عنيّ الحدّ بالكتمان
وقوله: [البسيط]
وللصّبابة قوم لا يسرّهم … أن يلبسوا الوشي إلاّ تحته سقم (٢)
أشتاق أهلي لظبي بين أرحلهم … والحب يوصل مالا يوصل الرّحم
وقوله: [البسيط]
ما ضنّ عنك بموجود ولا بخلا … أعزّ ما عنده النّفس التي بذلا (٣)
تحكي المطايا حنينا والهجير جوى … والمزن دمعا وأطلال الديار بلى
١٩٨/ وقوله: [البسيط]
صحبته والصّبا تغري الصّبابة بي … والوصل طفل غرير والهوى يفع (٤)
стр. 5511
أيام لا النّوم في أجفاننا خلس … ولا الزيادة من أحبابنا لمع
إذ الشبيبة سيفي والهوى فرسي … ورايتي اللّهو واللّذات لي شيع
وليلة لا ينال الفكر آخرها … كأنّما طرفاها الصّبر والجزع
أحببتها ونديمي في الدجي أمل … رحب الذّرى وسميري خاطر صنع
حتى تبسّم إعجابا بزينته … لفظ بديع ومعنى فيك مخترع
وقوله: [الوافر]
ويذكرني بذكر الرّبع غيد … به صيد وحور فيه عين (١)
سللن من العيون السود بيضا … فما أدري قيان أم قيون (٢)
وقوله: [الوافر]
أتنشط للصّبوح أبا عليّ … على حكم المنى ورضى الصّديق (٣)
بنهر للرياح عليه درع … يذهّب بالغروب وبالشروق
إذا اصفرّت عليه الشمس صبّت … على أمواجه ماء الخلوق
وقفت به وكم خّد رقيق … يغازلني على قدّ رشيق
وخمر صبّ في الأغصان حتّى … أضاع الماء في وهج الحريق (٤)
كدهم الخيل في ميدان تبر … تصاغ لها كرات من عقيق
فهل لك في ختام المسك فضّت … نوافجه ومختوم الرّحيق
وقوله: [الوافر]
стр. 5512
ونهر تمرح الأمواج فيه … مراح الخيل في رهج الغبار (١)
١٩٩/ إذا اصفرّت عليه الشمس خلنا … نمير الماء يمزج بالعقار
كأنّ الماء أرض من لجين … مغشّاة صفائح من نضار
وأشجار محمّلة كؤوسا … تضاحك في احمرار واخضرار
إذا أبصرت في نهر سماء … وهبن لها نجوم الجلّنار
وقوله: [البسيط]
وقد كتبت إلى ان خانني قلمي … وقد ترددّت حتى ملّني الطّرق (٢)
فابعث إليّ بصفو الراح يشبهه … منيّ قريضي ومنك العرف والخلق
وقوله: [الكامل]
والطير قد طربت لحسن غنائنا … لو أنّها فطنت لشرب الكاس (٣)
والشمس من حسد تغيّر لونها … ألاّ تكون كغرّة العباس
أنا لا أبالي من فقدت من الورى … إمّا حضرت فأنت كلّ الناس
وقوله: [البسيط]
والكأس للسكّر التبريّ صائغة … والماء للحبب الدّري نظّام (٤)
بتنا نكفكف للكاسات أدمعنا … كأنّنا في جحور الروّض أيتام (٥)
وقوله: [المتقارب]
стр. 5513
نفرّغ أكياسنا في الكؤوس … نبيع العقار ونشري العقارا (١)
حمدنا الهوى ونسينا الفراق … ومن يشرب الخمر ينس الخمارا
وقوله: [الطويل]
غزال صريم في رجوم صوارم … وبدر تمام في نجوم تمائم (٢)
وكان رقادي بين كأس وروضة … فصار سهادي بين طرف وصارم
ولولا نسيب مطرب من قصائدي … لما احتال طيف في زيارة نائم
٢٠٠/ وقوله: [الكامل]
أو ما ترى طرز البروق توسّطت … أفقا كأنّ المزن فيه شفوف (٣)
واليوم من خدّ الشقيق مضرّج … خجل ومن مرض النسيم ضعيف (٤)
والأرض طرس والرياض سطوره … والزهر شكل بينها وحروف
وكأنّما الدولاب ضلّ طريقه … فتراه ليس يزول وهو يطوف
وقوله: [الطويل]
وقد خالط الفجر الظلام كما التقى … على روضة خضراء ورد وأدهم (٥)
وعهدي بها والليل ساق ووصلنا … عقار وفوها الكأس أو كأسها فم
إلى أن بدرنا والنجوم وغربها … يفضّ عقود الدرّ والشرق ينظم
ونبّهت فتيان الصّبوح للذّة … تلوح كدينار يغطّيه درهم
стр. 5514
وقوله ارتجالا في ذكر شعب بوّان، وقد نزله عضد الدولة: [البسيط]
إذا لبس الهيف من أغصانه حللا … ولقّن العجم من أطياره نتفا (١)
وثمرت حسنه الأغصان مثمرة … من نازع قرطا أو لابس شنفا
والماء يثني على أعطافه أزرا … والريح تعقد من أطرافها طرفا
من قائل نسجت درعا مضاعفة … وقائل ذهّبت أو فضّضت صحفا
ظلّت تزفّ إلى الدنيا محاسنها … وتستعدّ لها الألطاف والتّحفا
ولست أحصي حصى الياقوت فيه ولا … درّا أصادفه في مائه صدفا
وقوله في النار: [البسيط]
يعلو الدخان بسود من ذوائبها … قد عطّ عنها قناع التبر واستلبا (٢)
٢٠١/ قد كلّلت عنبرا بالمسك ممتزجا … وطوّقت جلّنارا واكتست ذهبا
فالنور يلعب في أطرافها مرحا … والخمر يرعد في أكنافها رهبا
وطار عنها شرار لو جرى معه … برق دنا أو تلقّى كوكبا لكبا
لو كان وقت نثار خلته دررا … أو كان وقت انتصار خلته شهبا
والليل عريان فيها من ملابسه … نشوان قد شقّ أثواب الدجى طربا
أقسمت بالطرف لو أشرفت حين خبت … جعلت أنفس أعضائي لها حطبا
وقوله: [الخفيف]
فسمونا والفجر يضحك في الشر … ق إليها مبشّرا بالصباح (٣)
والثريا كراية أو كجام … أو بنان أو طائر أو وشاح
стр. 5515
وكأنّ النجوم من كفّ ساق … يتهادى بهادي الأقداح (١)
وجمعنا بين اللواحظ والرّا … ح وبين الخدود والتفّاح
وشممنا بنفسج الصّدغ حتى … طالعتنا من الثغور الأقاحي
زمن فات بين لهو وشرب … وغناء وراحة وارتياح
وقوله وقد خرج من دار الشريف الرضي في المطر فأعطاه كساء تلفّع به: [الكامل]
أشكو إليك عشيّة لم نفترق … فيها على ملل ولا استعتاب (٢)
ما كنت إلاّ جنّة فارقتها … كرها فصبّ عليّ سوط عذاب
ودّعت دارك والسماء تحدّني … بيد الغمام فلا يكن بك ما بي (٣)
ما زلت أركض في الوحول مباريا … فيها الخيول لواحق الأقراب
وحمى كساؤك - لا عدمت معيره - … درّاعتي وعمامتي وجبابي
٢٠٢/ فوليت يا بحر السماحة كسوتي … وولي أخوك الغيث بلّ ثيابي
غيثان هذا ابن الذي من أجله … خلق السحاب وذا سليل سحاب
فوصلت أشكو ذا وأشكر ذا وما … يغنين ما بهما عن التسكاب (٤)
وقوله: [المتقارب]
ولم نر بحرا جرى كالعقار … ولا ذهبا صيغ منه جبل (٥)
إلى أن جرت دجلة في الشعاع … وطنّب بالنور أعلى القلل
стр. 5516
سحاب الدخان وبرق الشرار … ورعد الملاهي وغيث الجذل
وما زال يعلو عجاج الدخان … حتى تلوّن منه زحل
وكنّا نرى الموج من فضّة … فذهّبه النور حتى اشتعل
وقوله يستهدي مهرا: [الطويل]
فمر لي به لا الدّهم فازت بلونه … ولا البرش حازت بردتيه ولا الصّقر (١)
كميت تذال الشهب والبلق إن بدا … وتسمو بما نالته من شبهه الشّقر
يخوض إذا لاقى دما مثل لونه … ولا ماء إلاّ ماء رونقه الغمر
فغرّته مبيضّة وخجولة … ولكن أريقت فوق سائره الخمر
وأسبق من عاف إليك وشاعر … قوافيه أفراد محجّلة غرّ
وقوله في وصف زنبور: [الطويل]
ولابس لون واحد وهو طائر … ملوّنة أبراده وهو واقع (٢)
أغرّ محشّ الطيلسان مدبّج … وسود المنايا في حشاه ودائع
إذا حكّ أعلى رأسه فكأنّما … بسالفتيه من يديه جوامع
٢٠٣/ يخاف إذا ولّى ويؤمن مقبلا … ويخفي على الأقران ما هو صانع
بدا فارسيّ الزيّ يعقد خصره … عليه قباء زينّته الوشائع
فمعجزه الورديّ أحمر ناصع … ومئزره التبريّ أصفر فاقع
يرجّع ألحان الغريض ومعبد … ويسقي كؤوسا ملؤها السّم ناقع
وقوله يصف الحرب: [الكامل]
فالروض من زهر النجوم مضرّج … والماء من ماء الترائب أشكل (٣)
стр. 5517
والنّقع ثوب بالنسور مطيّر … والأرض فرش بالجياد مخيّل
يهفو العقاب على العقاب ويلتقي … بين الفوارس أجدل ومجدّل
وسطور خيلك إنّما ألفاتها … سمر تنقّط بالدّماء وتشكل
وقوله: [الكامل]
خلنا على الكرسيّ ليثا غابه … سمر القنا نبتت بغيض بحاره (١)
وغداة ظلت مساير الإقبال في … خلع الإمام وطوقه وسواره
متسوّرا بأهلّة متطوّقا … بالشمس أو بالبدر أو أظّاره (٢)
في خلعة صيغ الشباب بلونها … فالخلق قد جبلوا على إيثاره
وقوله في عبد العزيز بن يوسف وقد ورد رسولا على الخليفة من قبل عضد الدولة:
[المتقارب]
دنوت إلى تاجه والسرير … فهذا تعالى وذاك اتّسع (٣)
وضاحك برد النبيّ القضي … ب أنسا بخوضك فيما شرع
وأثنت فضائلك الباهرات … على ملك الدهر فيما اصطنع
٢٠٤/ طلعت فكنت كنجم الصّبا … ح دلّ على الشمس لمّا طلع
ومن كلّف الدّهر أمثالكم … فقد كلّف الدّهر ما لم يسع
وقوله: [الوافر]
كرمت وسدت فالجدوى انتهاب … إذا زرناك والمدح اقتضاب (٤)
стр. 5518
أخزّان وما أبقيت مالا … وأبواب وقد رفع الحجاب
وقوله: [الكامل]
إن كان بالكرم الخلود فما أرى … في العالمين سوى سعيد يسلم (١)
وله من الحسن البديع براقع … وعليه من بشر السّماحة ميسم
عبق به مسك الثناء تكاد في … النادي نوافج مسكه تتكلّم
وقوله: [الكامل]
قد قلت حين أفاض أحمد سيبه … يا شقوة المتشبّهين بأحمد (٢)
يشرون مثل جياده وعبيده … أفيقدرون على ابتياع السؤدد
وقوله: [الكامل]
أفلا أجار ولي ثلاثة أشهر … لا تعلمون بما أقيم تجمّلي (٣)
قد بعت حتى بعت طرفا قائما … تحت القدور على ثلاثة أرجل
وقوله: [الوافر]
وكيف أزوركم والمزن تبكي … على داري بأربعة سجام (٤)
وكانت منزلا طلق المحيّا … فصارت واديا صعب المرام
وبحرا من عجائبه خلوصي … إليكم ظامئا والبحر طام
بناتي كالضفادع في ثراها … وأهلي في الروازن كالحمام
стр. 5519
تهافت ركّع الجدران فيها … سجودا للرعود بلا إمام
٢٠٥/ كأنّ مصون ما أحرزت فيها … على أبواب مشرعة الخيام
وقوله يذكر سقطته في سكره: [الطويل]
وكانت لنا في جبهة الدّهر ليلة … كهمّك لان العيش فيها وأخصبا (١)
عفا الدهر عنها بعد ما كان ساخطا … وأحسن فيها بعد ما كان مذنبا
فيا فرحتا لو كنت أصبحت سالما … ويا شقوتي إن مركبي زلّ أو كبا (٢)
أروح وصبغ الراح يخضب راحتي … وأغدو بعضو من دمي قد تخضّبا
يقولون [لي] تب لا تعاود لمثلها (٣) … وهيهات ضاع الوعظ فيّ وخيّبا
وكم قبلها قدمتّ بالسكر مرّة … وعدت فكان العود أحلى وأطيبا
وقوله: [مجزوء الكامل]
نبهّت ندماني وقد … عبرت بنا الشّعري العبور (٤)
والبدر في أفق السّما … ء كروضة فيها غدير
стр. 5520
ومنهم:
٨ - أبو سعيد محمد بن محمد بن الحسن الرستمي (١)
رقيق الحاشية، دقيق الناشية، كأنّما أمدّته عانة بسلافها، وحبته الرياض جنى ألفافها بعبارات ألعب بالألباب من نبت الزرجون، وإشارات أقتل للعشاق من إيماء الجفون، أبرزها في معان كانت له مخبوءة في مدارج الكلام، وألفاظ كانت له معدّة على ألسنة الأقلام فجاء من الكلام بما حلى العاطل، وطلع في الظلام فجره الصادق لا المماطل، وكان الصاحب بن عباد يمازحه، ويداعبه فيما يطارحه ميلا إلى خلقه الدمث، ولطفه المنبعث، وممّا استجيد له انتقاؤه، ٢٠٦/ واستعيد به إذ فات لقاؤه،/ قوله: [الطويل]
وكادت تناجينا الديار صبابة … وتبكي كما نبكي عليها المنازل (٢)
فمن واقف في جفنه الدمع واقف … ومن سائل في خدّه الدّمع سائل
كأنّ عيون النّرجس الغضّ بينها … نشاوى كرى أعناقهنّ موائل (٣)
وقوله: [الطويل]
وأهيف معشوق الدلاّل منعّم … معقرب صدغ كالهلال مداره
إذا ما استعار الجلّنار بخدّه … أعار الحشا من خدّه جلّ ناره
وقوله في الصاحب بن عبّاد: [الكامل]
стр. 5521
ورث الوزارة كابرا عن كابر … موصولة الإسناد بالإسناد (١)
يروي عن العبّاس عبّاد وزا … رته وإسماعيل عن عبّاد
شرف كعقد الدّر واصل بعضه … بعضا كأنبوب القنا المنّاد
وعلى كأيام السنين ترادفت … أيّامها بمكرّر ومعاد
بين المدينة واديان تجاريا … وكأنّما كانا على ميعاد (٢)
مدّان هذا ليس ينفد فضله … أبدا وهذا فيضه لنفاد
وقوله: [الطويل]
إذا نزلوا اخضرّ الندى من نزولها … وإن نازلوا احمرّ الثرى من نزالها (٣)
ببيض كأنّ الملح فوق متونها … ودهم كأنّ الزنج تحت جلالها
[وقوله] (٤): [الطويل]
أفي الحقّ أن يعطى ثلاثون شاعرا … ويحرم ما بين الورى شاعر مثلي (٥)
كما سامحوا عمرا بواو زيادة … وضويق باسم الله في ألف الوصل (٦)
٢٠٧/ وهل بارق يشتام إلاّ من الحيا … وهل عسل يشتار إلاّ من النّحل
وقاك بنو الدّنيا جميعا صروفها … جميعا فإنّ الجفن من خدم النّصل
стр. 5522
ومنهم:
٩ - أبو محمد، الحسن بن علي بن مطران (١)
إذا شعر فالدّرر لولا صدفها، والدراري لولا سدفها، والنور لولا أفوله، والنّور لولا ذبوله والعين لولا تخالف أعجازها وصدورها، والقلائد وهذه تفضل بأنّها شذور كلّها، وتلك تفصّل بشذورها. كلامه عذب، ومعانيه تحسن الذبّ، ومقاطعه تقتطع على القصائد طرق الأسماع. ويقول خير القول ما قلّ ودلّ، وإنّما الطول فضول في الطباع. ولم يحضرني من شعره عند هذا الإيراد إلاّ ما أسوقه لك لمعة في هذا السواد، منه قوله: [الطويل]
ظباء أعارتها المها حسن مشيها … كما قد أعارتها العيون الجآذر (٢)
فمن حسن ذاك المشي جاءت فقبلّت … مواطئ من أقدامهنّ الضفائر
وقوله: [البسيط]
أخو الهوى يستطيل الليل من سهره … والليل من طوله جار على قدره (٣)
ليل الهوى سنة في الهجر مدّته … لكنّه سنة في الوصل من قصره
وقوله: [مجزوء الخفيف]
والمودات ما خلت … من هدايا مكرّره (٤)
стр. 5523
كطبيخ خلا من ال … لحم يدعى مزوّره
وقوله: [المنسرح]
قل للفلاني إنّ مدحك عن … هجوك ما إن يقوم معتذرا (١)
وهل يعفى يوما إساءته … تبصبص الكلب بعد ما عقرا
وقوله: [الوافر]
أبا نصر سمحت لنا بثوب … حكى من فرط ضيق العرض باعك (٢)
سخافة نسجه تحكيك عقلا … وغلظة غزله تحكي طباعك (٣)
ومنهم:
١٠ - أبو الفتح البكتمري، يعرف بابن الشامي الكاتب (٤)
له في اليتيمة ذكر مترجم، وطالع منجّم، واسم ثابت في ذلك المعجم، وعود بين تلك السّهام لا يرمى ولا يعجم.
قال فيه الثعالبي (٥): له شعر يتغنّى بأكثره ملاحة ولطافة، ولو قال امتزاجا بالأهواء لم تتطرّق إلى شهادته آفة. ولقد رأيت منازعه تنبئ عن حذقه، وتنبي ألفاظه على رقّة
стр. 5524
يستحليها المترنّم في نطقه، لا تتعسّف طريقا، ولا يكلف السامع استخراجا سحيقا، وهذه عبقة من مسكه، وتعليقة من سبكه، ومعيار يأتيك بصّحة محكه، وخطفة تلوح لك ببرقه، وقطعة تبوح إليك بما أبقينا من حقّه، من ذلك قوله: [الرجز]
وروضة راضية عن الدّيم … وطأتها بناظري دون القدم (١)
وصنتها صوني بالشكر النّعم وقوله: [مجزوء الكامل]
قالوا: بكيت دما فقل … ت: مسحت من خدّي خلوقا (٢)
أبصرت لؤلؤ ثغره … فنثرت من جفني عقيقا
لولا التمسّك بالهوى … لظللت في دمعي غريقا (٣)
وقوله: [مجزوء الكامل]
قمر كأنّ قوامه … من قدّ غصن مسترقّ (٤)
وكأنّما اصطبح ال … ربيع بوجنتيه واغتبق
وكأنّما قلم الزمر … رد فوق عارضه مشق
وقوله: [المتقارب]
سقاني بعينيه كأس الهوى … وثنىّ وثلّث بالحاجب (٥)
كأنّ العذار على خدّه … فذلك من مشقة الكاتب
стр. 5525
٢٠٩/ وقوله: [الكامل]
ردّوا الهدوّ كما عهدت إلى الحشا … والمقلتين إلى الكرى ثمّ اهجروا (١)
من بعد ملكي رمتم أن تغدروا … ما بعد فرقة بيّعين تخيّر (٢)
وقوله في بيت الخلا (٣).
ومنهم:
١١ - أبو محمد عبد الله بن محمد الفيّاض كاتب سيف الدولة، ونديمه (٤)
حسبنا إذا وصفناه ولو نقشنا بالأحداق في الخدود لما أنصفناه. أن نقول كاتب سيف الدولة بن حمدان، ونديم ذلك الفضل الذي ما ذهب بذهاب الزمان، والخصيص به بين أقران يكبر كلّ منهم أن يتكنّى على كيوان سيف الدولة لا يختار إلاّ الأليق بيانا، والألبق بنانا والأتمّ أخلاقا، والأعمّ وفاقا، والأغزر مادة، والأقوم جادّة.
وقد أثنى عليه الثعالبي ثناء لو رزقه البدر لما تكلّف، أو لاقى الشمس لما فارقت الدّنيا في كلّ ليلة بحالة مدنف، حيث قال فيه، ومن جاء بالمليح كيف يخفيه (٥): معروف ببعد المدى في مضمار الأدب، وحلبة الكتابة، وأخذ بطرفي النظم والنثر، وكان سيف الدولة لا يؤثر عليه في السفارة إلى الحضرة [أحدا] (٦) لحسن عبارته، وقوة بيانه، ونفاذه في استغراق
стр. 5526
الأغراض، وتحصيل المراد، وأنّه كان يعجن مداده بالمسك، ولا تلاق دواته إلاّ بماء الورد تفاديا من قول القائل: [الوافر]
دعيّ في الكتابة لا رويّ … له فيها يعدّ ولا بديه
كأنّ دواته من ريق فيه … تلاق فريحها أبدا كريه
وإيثارا لما قال الآخر: [الرجز]
في كفّه مثل سنان الصعده … أرقش بزّ الأفعوان جلده
٢١٠/ كأنّما النّقش إذا استمدّه … غالية مدوفة بندّه
وإذ قد فرغنا من الثعالبي في قصصه، وأتينا من خبر هذا التقريظ بملخّصه، فها أنا أدير على سمعك من نطفه ما يندّي قلبك بترشّفه، وأروقك بما يشوقك من نتفه الشفّافة فما قدر السلافة وعفوه الذي حصل على صفوه ما يعول لو أخذ الليل مدادا حتى لا يجد القمر سوادا يجوب فيه الفلك تردادا، وأخلى العيون من كحلها الباصر، والأفئدة من حبّها المرعي بالخواطر، واستقطر ماء الآفاق لدواة تلاق وأخذ لها الشعور من الجور، وانتزع رمح السماك من مقلّده فبراه قلما يكتب به في يده لكان باستحقاقه ولما أنفت هذه المواد من استرقاقه، وإليك ما وعدتك به آنفا، وهجتك لاستشرافه واصفا، منه قوله: [البسيط]
قم فاسقني بين خفق الناي والعود … ولا تبع طيب موجود بمفقود (١)
كأسا إذا أبصرت في القوم محتشما … قال السرور له قم غير مطرود
نحن الشهود وخفق العود خاطبنا … نزوّج ابن سحاب بنت عنقود (٢)
وقوله في غلام كان يحبّه استوحش لميله إلى غلام آخر اسمه إقبال: [الكامل]
стр. 5527
أنكرت إقبالي على إقبال … وخشيت أن تتساويا في الحال (١)
هيهات لا تجزع فكلّ طريفة … ريح تمرّ وأنت رأس المال (٢)
وقوله في مثله: [الكامل]
الآن تهجرني وأنت المذنب … وظننت أنّك عاتب لا تعتب (٣)
وأمنت من قلبي التقلّب واثقا … بوفائه لك والقلوب تقلّب
٢١١/ وقوله: [الوافر]
وما بقيت من اللّذات إلاّ … محادثة الرجال على الشراب (٤)
ولثمك وجنتي قمر منير … يجول بوجهه ماء الشباب
ومنهم:
١٢ - أبو طاهر سيدوك بن حبيب الواسطي (٥)
تتعلّق العقول بما يقول، ويسقط طير القلب على لؤلؤه المحبوب لا الحبّ.
خرج من واسط أمة وسطا، وقام في الأدب موهوب العطا مرهوب السّطا، غذاء الأرواح مرويّه، وداعي الأفراح روّيه، غض الثمر على الأبد طريّه، سهل المرمى على بعد الغوص سريه. ألفاظ مصفّاة ومعان من العناء معفاة، وإن أنشدت قالت الأسماع: لنا المنّة على الألباب، وإن رمقت قالت العيون عندنا اللباب وهذا اللسان وراء الباب، ولم يقع لنا منه إلاّ
стр. 5528
كقبلة المختلس، أو شعلة المقتبس، أو نظرة العجل أو فكرة المرتجل، أو تحية الوداع، أو إشارة من وراء قناع، أو ضمّة حبيب فاجأه الصباح فارتاع منه، قوله: [البسيط]
عهدي بنا ورداء الوصل يجمعنا … والليل أطوله كاللّمح بالبصر (١)
فالآن ليلي مذ غابوا - فديتهم - … ليل الضرير فصبحي غير منتظر
وقوله: [الوافر]
أراح الله نفسي من فؤاد … أقام على اللجاجة والخلاف (٢)
ومن مملوكة ملكت رقاها … ذوي الألباب بالخدع اللّطاف
كأنّ جوانحي شوقا إليها … بنات الماء ترقص في حقاف
وقوله: [مخلع البسيط]
أنت من القلب في السواد … وموضع السرّ من فؤادي (٣)
يا ساكنا في سواد عيني … وبين جفنيّ والرقاد
٢١٢/ لم تنأ لمّا نأيت عنّي … ولا تباعدت بالبعاد
وقوله: [مجزوء الكامل]
حذري عليك أشدّ من … حذري على بصري وسمعي (٤)
إن كنت تنكر ما أقو … ل فهاك سل سهري ودمعي
стр. 5529
ومنهم:
١٣ - أبو الحسن علي بن الحسن اللحام (١)
هجّاء يرمي الأعراض كالأغراض ويقصّ من فكّيه بمقراض، ويعبث بالأشلاء الصحيحة دون الألحاظ المراض. أكل لحوم الأحياء بلسانه وهو لحمة وسدى، وألحم في سبّ الناس فبئس السّدى وبئست اللّحمة. وقسا قلبه على الأبرياء فلم تثنه رقّة، ولا أخذته رحمة كأنّ في فؤاده إحنة حرّى، أو في فمه مرّة صفراء فما تخرج له كلمة إلاّ مرّة، ولا تدخل له حسنة إلاّ على سبيئة لها ضرّة، ولا تقع من يده تمرة إلاّ معها جمرة مضرّة. من ذلك قوله:
[الكامل]
يا سائلي عن جعفر عهدي به … رطب العجان وكفّه كالجلمد (٢)
كالأقحوان غداة غبّ سمائه … جفّت أعاليه وأسفله ندي (٣)
وقوله: [مجزوء الرمل]
تكذب الكذبة جهلا … ثمّ تنساها قريبا (٤)
كن ذكورا يا أبا يحيى … إذا كنت كذوبا
وقوله: [المتقارب]
стр. 5530
على عدد القوم رغفانه … فلست ترى لقمة زائده (١)
أرى الصوم في أرضه للفتى … إذا حلّها أعظم الفائده
وقوله: [البسيط]
وقائل لي دنّست الهجاء بمن … يدنّس الكلب إن أقعى وإن شردا (٢)
فقلت: أنصفت لكن هل سمعت بمن … إن هرّ كلب عليه بارز الأسدا
وقوله: [المجتث]
هذا زمانك فاخت … م بالطين والطين رطب
٢١٣/ فإن سقيا اللي … إلى فيها أجاج وعذب
ومنهم:
١٤ - أبو العلاء (٣) السروي (٤)
وراء الحسن طوره، وبعيد على الغوص غوره، وغالب على الإحسان فوره. كأنّ فهمه مغار الكواكب فهو يساقطها، أو مغاص اللآلي فعنده يطلبها لا قطها، وكأنّ في شعره دمى أو عليه ما على اللّمى، أو كأنّ مبذوله على القرائح حمى. يهزّ السامع ويهزأ بالطامع، له ما للشبيبة من الإمتاع بالمؤانسة، وما للمشيب من الرياضة لتدليل الظبية الكانسة، فأقبل
стр. 5531
على ما يقابلك من شعره، واقبل ما لا حيلة لك في ردّه من سحره، كقوله: [الطويل]
مررنا على الروض الندي تبسّمت … رباه وأرواح الأباريق تسفك (١)
فلم أر شيئا كان أحسن منظرا … من الروض يجري دمعه وهو يضحك
وقوله: [البسيط]
حيّ الربيع فقد حيّا بباكور … من نرجس ببهاء الحسن مذكور (٢)
كأنّما جفنه بالغنج منفتحا … كأس من التبر في منديل كافور
وقوله: [الكامل]
ومعشّق الحركات تحسب نصفه … لولا التمنطق بائنا عن نصفه (٣)
يسعى إليّ بكأسه فكأنّما … يسعى إليّ بخده في كفّه
قد قلت لما أن بدا متبخترا … والردف يجذب خصره من خلفه
يا من يخلّص خصره من ردفه … سلّم فؤاد محبّه من طرفه (٤)
وقوله: [الطويل]
ثنى قلبه عن شغل قلبي بغيره … فقلت: رويدا إنّما أنت أوّل (٥)
٢١٤/ فقال: دع العذر الضعيف فليس من … يولّى على أمر كمن هو يعزل (٦)
стр. 5532
وقوله: [المنسرح]
بالورد في وجنتيك من لطمك … ومن سقاك المدام لم ظلمك (١)
خلاّك ما تستفيق من سكر … توسع شتما وجفوة خدمك
مسوّس الصدغ قد ثملت فما … تمنع من لثم عاشقيك فمك
تجرّ فضل الإزار منخلع النع … لين قد لوّث الثرى قدمك
أظلّ من حيرة ومن دهش … أقول لمّا رأيت مبتسمك
بالله يا أقحوان مبسمه … على قضيب العقيق من نظمك
ومنهم:
١٥ - أبو بكر محمد بن أحمد بن حمدان المعروف الخبّاز البلدي (٢)
له كلّ بيت معمور الجوانب بالغيد الكواعب، من كلّ ذات دلال يزين خدّها حسنة خال وتزيدها ملاحة لفتة غزال، وفلتة سالف لا يزال جاور في صنعته نارا لها وقود فاشتعل فؤاده ذكاء بطيء الخمود، وهو مع ذلك عذب برود سلسبيل مورود.
وقال فيه الثعالبي وقد ذكره (٣): ومن عجيب شأنه أنّه كان أميّا، وشعره كلّه ملح وتحف، وغرر وطرف، ولا تخلو مقطوعة له من معنى حسن، أو مثل سائر، وكان حافظا
стр. 5533
للقرآن مقتبسا منه في شعره منه
كقوله: [الطويل]
ألا إنّ اخواني الذين عهدتهم … أفاعي رمال لا تقصّر في لسعي (١)
ظننت بهم خيرا فلمّا بلوتهم … نزلت بواد منهم غير ذي زرع
وقوله: [الطويل]
كأنّ يميني حين حاولت بسطها … لتوديع إلفي والهوى يذرف الدّمعا (٢)
٢١٥/ يمين ابن عمران وقد حاول العصا … وقد جعلت تلك العصا حيّة تسعى
وقوله: [الخفيف]
أترى الجيرة الذين تداعوا … بكرة للزّيال قبل الزوال (٣)
علموا أنّني مقيم وقلبي … راحل فيهم أمام الجمال (٤)
مثل صاع العزيز في أرحل القو … م ولا يعلمون ما في الرّحال
وقوله: [الكامل المرفل]
قد قلت إذ سار السّفين بهم … والشوق ينهب مهجتي نهبا (٥)
لو أنّ لي عزّا أصول به … لأخذت كلّ سفينة غصبا
ومن شعره قوله: [السريع]
بالغت في شتمي وفي ذمّي … وما خشيت الشاعر الأمّي (٦)
стр. 5534
جرّبت في نفسك سمّا فما … أحمدت تجريبك للسّم
وقوله: [الوافر]
إذا استثقلت أو أبغضت خلقا … وسرّك بعده حتى التنادي (١)
فشرّده بقرض دريهمات … فإنّ القرض داعية الفساد (٢)
وقوله: [الطويل]
ذرى شجر للطير فيه تشاجر … كأنّ صنوف النّور فيه جواهر (٣)
كأنّ القمارى والبلابل حولها … قيان وأوراق الغصون ستائر
وقوله: [البسيط]
أقول فيها لساقينا وفي يده … كأس كشعلة نار إذ يؤججّها (٤)
لا تمزجنها بغير الريق منك فإن … تبخل بذاك فدمعي سوف يمزجها
وقوله: [مجزوء الرمل]
قلت والليل مقيم … ود جاه غير سار (٥)
أعظم الخالق أجر ال … خلق في شمس النهار
٢١٦/ فلقد ماتت كما ما … ت عزائي واصطباري
وقوله: [الخفيف]
стр. 5535
صدّني عن حلاوة التشييع … اجتنابي مرارة التوديع (١)
لم يقم أنس ذا بوحشة هذا … فرأيت الصواب ترك الجميع
وقوله: [السريع]
يا ذا الذي أصبح لا والد … له على الأرض ولا والده (٢)
إن جئت أرضا أهلها كلّهم … عور فغمّض عينك الواحده
وقوله: [السريع]
نكبت في شعري وثغري وما … نفسي في صبري بمنكوبه (٣)
إذا دنت بيضاء مكروهة … منّي نأت بيضاء محبوبه
وقوله: [البسيط]
ليل المحبّين مطويّ جوانبه … مشمّر الذيل منسوب إلى القصر (٤)
ما ذاك إلاّ لأنّ الصبح نمّ بنا … فأطلع الشمس من غيظ على القمر
وقوله في أمرد التحى: [السريع]
انظر إلى ميت ولكنّه … خلو من الأكفان والغاسل (٥)
قد كتب الدهر على خدّه … بالشعر هذا آخر الباطل
وقوله: [الطويل]