على أمّ دفر غضبة الله إنّها … لأجدر أنثى أن تخون وأن تخني
كعاب دجاها فرعها ونهارها … محيّا لها قامت له الشّمس بالحسن
كأنّ بنيها يولدون ومالها … حليل فتخشى العار إن سمحت بآبن
منها:
وخوف الرّدى آوى إلى الكهف أهله … وكلّف نوحا وابنه عمل السّفن
وما استعذبته روح موسى وآدم … وقد وعدا من بعده جنّتي عدن
منها:
أمرّ بربع كنت فيه كأنّما … أمرّ من الإكرام بالحجر والرّكن
وإجلال مغناك اجتهاد مقصّر … إذا السّيف أودى فالعفاء على الجفن
٣٢٨/ منها:
فليتك في جفني موارى نزاهة … بتلك السّجايا عن حشاي وعن ضبني
ولو حفروا في درّة ما رضيتها … لجسمك إبقاء عليه من الدّفن
وقوله يرثي والدته: [الوافر]
فيا ركب المنون أما رسول … يبلغ روحها أرج السّلام (١)
ذكيّا يصحب الكافور منه … بمثل المسك مفضوض الختام
سألت متى اللّقاء فقيل حتّى … يقوم الهامدون من الرّجام
وقوله: [الطويل]
وما مثل فقدان الشّريف محمّد … رزيّة خطب جناية ذي جرم (٢)
стр. 5672
فيا دافنيه في الثّرى إنّ لحده … مقرّ الثّريّا فادفنوها على علم
ويا حاملي أعواده إنّ فوقها … سماوىّ سرّ فاتّقوا كوكب الرّجم
وما نعشه إلاّ كنعش وجدته … أبّا لبنات لا يخفن من اليتم
منها:
إذا قيل نسك فالخليل بن آزر … وإن قيل فهم فالخليل أخو الفهم
أقامت بيوت الشعر تحكم بعده … بناء المراثي وهى صور إلى الهدم
نعيناه حتّى للغزالة والسّها … فكلّ تمنى لو فداه من الحتم
وما كلفة البدر المنير قديمة … ولكنّها في وجهه أثر اللّدم
منها:
ولا تنسني في الحشر والحوض حوله … عضائب شتّى بين غرّ إلى بهم
لعلّك في يوم القيامة ذاكري … فتسأل ربّي أن يخفّف من إثمي
وقوله: [الخفيف]
غير مجد في ملّتي واعتقادي … نوح باك ولا ترنّم شاد (١)
٣٢٩/ وشبيه صوت النّعيّ إذا قي … س بصوت البشير في كلّ ناد
صاح هذي قبورنا تملأ الرّح … ب فأين القبور من عهد عاد
خفف الوطء ما أظنّ أديم الأ … رض إلاّ من هذه الأجساد
وقبيح بنا وإن قدم العه … د هوان الآباء والأجداد
ربّ لحد قد صار لحدا مرارا … ضاحك من تزاحم الأضداد
ودفين على بقايا دفين … في طويل الأزمان والآباد
стр. 5673
فاسأل الفرقدين عمن أحسّا … من قبيل وآنسا من بلاد
كم أقاما على زوال نهار … وأنارا لمدلج في سواد
تعب كلّها الحياة فما أع … جب إلاّ من راغب في ازدياد
إن حزنا في ساعة الموت أضعا … ف سرور في ساعة الميلاد
خلق النّاس للبقاء فضلّت … أمّة يحسبونهم للنّفاد
إنّما ينقلون من دار أعما … ل إلى دار شقوة أو رشاد
ضجعة الموت رقدة يستريح ال … جسم فيه والعيش مثل السّهاد
منها:
قصد الدّهر من أبي حمزة الأوّ … اب مولى حجا وخدن اقتصاد
وفقيها أفكاره شدن للنّع … مان ما لم يشده شعر زياد
والعراقيّ بعده للحجازيّ … قليل الخلاف سهل القياد
وخطيبا لو قام بين وحوش … علّم الضّاريات برّ النّقاد
روايا للحديث لم يحوج المع … روف من صدقه إلى الإسناد
ذا بنان لا تلمس الذّهب الأح … مر زهدا في العسجد المستفاد
٣٣٠/ ودّعا أيّها الحفيّان ذاك الشّ … خص إنّ الوداع أيسر زاد
واغسلاه بالدّمع إن كان طهرا … وادفناه بين الحشا والفؤاد
واحبواه الأكفان من ورق المض … حف كبرا عن أنفس الأبراد
منها:
كيف أصبحت فى محلّك بعدي … يا جديرا مني بحسن افتقاد
قد أقرّ الطبيب عنك بعجز … وتقضّى تردّد العوّاد
منها:
стр. 5674
زحل أشرف الكواكب دارا … من لقاء الرّدى على ميعاد
ولنار المرّيخ من حدثان الدّ … هر مطف وإن علت في اتّقاد
والثريا رهينة بافتراق الشّ … مل حتّى تعدّ في الأفراد
منها:
والذي حارت البرية فيه … حيوان مستحدث من جماد
واللبيب اللبيب من ليس يغ … ترّ بكون مصيره للفساد
وقوله: [الكامل]
أودى فليت الحادثات كفاف … مال المسيف وعنبر المستاف (١)
الطّاهر الآباء والأبناء وال … آراب والأثواب والألاّف
منها:
طار النّواعب يوم فاد نواعيا … فندبنه لموافق ومناف
ونعيبها كنحيبها وحدادها … أبدا سواد قوادم وخواف
لا خاب سعيك من خفاف أسحم … كسحيم الأسديّ أو كخفاف
من شاعر للبين قال قصيدة … يرثي الشّريف على رويّ القاف
بنيت على الإيطاء سالمة من ال … إقواء والإكفاء والإصراف
منها:
فارقت دهرك ساخطا أفعاله … وهو الجدير بقلّة الإنصاف
٣٣١/ ولقيت ربّك فاستردّ لك الهدى … ما نالت الأيّام بالإتلاف
أنتم ذوو النّسب القصير فطولكم … باد على الكبراء والأشراف
стр. 5675
والرّاح إن قيل ابنة العنب اكتفت … بأب عن الأسماء والأوصاف
ما زاغ بيتكم الرّفيع وإنّما … بالوجد أدركه خّفيّ زحاف
والشّمس دائمة البقاء وإن تنل … بالشّكو فهي سريعة الإخطاف
وقوله في الحكم والأمثال: [البسيط]
لو اختصرتم من الإحسان زرتكم … والعذب يهجر للإفراط في الخصر (١)
منها:
والنّجم تستصغر الأبصار رؤيته … والذّنب للطّرف لا للنّجم في الصّغر
وقوله: [الوافر]
وكالنّار الحياة فمن رماد … أواخرها وأوّلها دخان (٢)
وقوله: [الطويل]
وهل يذخر الضّرغام قوتا ليومه … إذا ادّخر النّمل الطّعام لعامه (٣)
وهل يدّعي اللّيل الدّجوجيّ أنّه … تضيء ضياء الشّمس شهب ظلامه
وقوله: [الكامل]
والسّمهريّة ليس يشرف قدرها … حتى يسافر لدنهّا عن غابه (٤)
وقوله: [الطويل]
стр. 5676
إذا أنت أعطيت السّعادة لم تبل … ولو نظرت شزرا إليك القبائل (١)
تقتك على أكتاف أبطالها القنا … وهابتك في أغمادهنّ المناصل
وإن سدّد الأعداء نحوك أسهما … نكصن على أفواقهنّ المعابل
تحامى الرّزايا كلّ خفّ ومنسم … وتلقى رداهّن الذّرى والكواهل
وترجع أعقاب الرّماح سليمة … وقد حطمت في الدّارعين العوامل
٣٣٢/ وإن كنت تهوى العيش فابغ توسّطا … فعند التّناهي يقصر المتطاول
توقّى البدور النّقص وهى أهلّة … ويدركها النّقصان وهى كوامل
وقوله: [الطويل]
ولا بدّ للإنسان من سكر ساعة … تهون عليه غيرها السّكرات (٢)
ألا إنّما الأيّام أبناء واحد … وهذي الليالي كلّها أخوات
وقوله: [السريع]
والشّيء لا يكثر مدّاحه … إلاّ إذا قيس إلى ضدّه (٣)
لولا غضى نجد وقلاّمه … لم يثن بالطّيب على رنده
يشتاق أيّار نفوس الورى … وإنّما الشّوق إلى ورده
أضحى الذي أجلّ في سنّه … مثل الذي عوجل في مهده
ولا يبالي الميت في قبره … بذمّه شيّع أو حمده
والواحد المفرد في حتفه … كالحاشد المكثر من حشده
وحالة الباكي لآبائه … كحالة الباكي على ولده
стр. 5677
تجربة الدنيا وأفعالها … حثّت أخا الزّهد على زهده
وقوله: [الوافر]
وظنّ بسائر الإخوان شرا … ولا تأمن على سرّ فؤادا (١)
فلو خبرتهم الجوزاء خبري … لما طلعت مخافة أن تكادا
منها:
فأيّ الناس أجعله صديقا … وأيّ الأرض أسلكه ارتيادا
ولو أنّ النّجوم لديّ مال … نفت كفّاي أكثرها انتقادا
كأنّي في لسان الدّهر لفظ … تضمّن منه أغراضا بعادا
يكرّرني ليفهمني رجال … كما كررت معنى مستعادا
٣٣٣/ وقوله: [الطويل]
وما الدّهر إلاّ دولة ثمّ صولة … وما العيش إلاّ صحّة وسقام (٢)
ولو دامت الدّولات كانوا كغيرهم … رعايا ولكن ما لهنّ دوام
وقوله: [الطويل]
ولسنا وإن كان البقاء محبّبا … بأوّل من أخنى عليه حمام
وحبّ الفتى طول الحياة يذلّه … وإن كان فيه نخوة وعرام
وكلّ يريد العيش والعيش حتفه … ويستعذب اللذّات وهى سمام
وقوله: [البسيط]
стр. 5678
لا تنس لي نفحاتي وانس لي زللي … ولا يغرّك خلقي واتّبع خلقي (١)
فربّما ضّر خلّ نافع أبدا … كالرّيق يحدث منه عارض الشّرق
فإن توافق في معنى بنو زمن … فإنّ جلّ المعاني غير متّفق
قد يبعد الشّيء من شيء يشابهه … إن السماء نظير الماء في الزّرق
وقوله: [الكامل]
ومن العجائب أن يسيّر آمل … مدحا ولم يعلم بها المأمول (٢)
والعيس أقتل ما يكون لها الظّما … والماء فوق ظهورها محمول
وقوله في الوصف والتّشبيه والاستعارة: [الوافر]
أعن وخد القلاص كشفت حالا … ومن عند الظّلام طلبت مالا (٣)
ودرّا خلت أنجمه عليه … فهلاّ خلتهنّ به ذبالا
وقلت الشّمس بالبيداء تبر … ومثلك من تخيّل ثمّ خالا
ومنها في ذكر الخيل:
نشأن مع النّعام بكل دوّ … فقد ألفت نتائجها الرئّالا
ولمّا لم يسابقهنّ شيء … من الحيوان سابقن الظّلالا
٣٣٤/ وفي ذكر الخيل أيضا:
ونمّ بطيفها السّاري جواد … فجّنبنا الزّيارة والوصالا
وأيقظ بالصّهيل الركب حتّى … ظننت صهيله قيلا وقالا
ولولا غيرة من أعوجيّ … لبات يرى الغزالة والغزالا
стр. 5679
يحسّ إذا الخيال سرى إلينا … فيمنع من تعهّدنا الخيالا
وقد يلفى زبرجده عقيقا … إذا شهد الأمير به القتالا
وكلّ ذؤابة في رأس خود … تمنّى أن تكون له شكالا
ومنها في ذكر السيف:
يذيب الرّعب منه كلّ عضب … فولا الغمد يمسكه لسالا
ودّبت فوقه حمر المنايا … ولكن بعد ما مسخت نمالا
وقوله: [الكامل]
صاغ النّهار حجوله فكأنّما … قطعت له الظّلماء ثوب الأدهم (١)
قلق السّماك لركضه ولربّما … نفض الغبار على جبين المرزم
وبنت حوافرها قتاما ساطعا … لولا انقياد عداك لم يتهدّم
باض النّسور به وخيّم مصعدا … حتّى ترعرع فيه فرخ القشعم
وقوله: [الوافر]
فكاد الفجر تشربه المطايا … وتملأ منه أسقية شنان (٢)
وقد دقّت هواديهنّ حتّى … كأنّ رقابهنّ الخيزران
إذا شربت رأيت الماء فيها … أزيرق ليس يستره الجران
٣٣٥/ وقوله في الخيل أيضا: [البسيط]
كأنّ أذنيه أعطت قلبه خبرا … من السّماء بما يلقى من الغير (٣)
يحسّ وطء الرّزايا وهى نازلة … فينهب الجري نفس الحادث المكر
стр. 5680
يغنى عن الورد إن سلّوا صوارمهم … أمامه لاشتباه البيض بالغدر
وقوله من أخرى في السيف: [البسيط]
وكلّ أبيض هنديّ به شطب … مثل التكسّر في جار بمنحدر (١)
تغايرت فيه أرواح تموت به … من الضّراغم والفرسان والجزر
روض المنايا على أنّ الدّماء به … وإن تخالفن أبدال من الزّهر
ما كنت أحسب جفنا قبل مسكنه … في الجفن يطوى على نار ولا نهر
ولا ظننت صغار النّمل يمكنها … مشي على اللّجّ أو سعي على السّعر
وقوله: [الكامل]
وهجيرة كالهجر موج سرابها … كالبحر ليس لمائه من طحلب (٢)
أوفى بها الحرباء عودي منبر … للظّهر إلا أنّه لم يخطب
وكأنّه رام الكلام ومسّه … عيّ فأسعده لسان الجندب
وقوله: [الوافر]
ألاح وقد رأى برقا مليحا … سرى فأتى الحمى نضوا طليحا (٣)
وقوله: [الوافر]
إذا الحرباء أظهر دين كسرى … فصلّي والنّهار أخو صيام (٤)
وأذّنت الجنادب في ضحاها … أذانا غير منتظر الإمام
стр. 5681
وقوله: [الوافر]
وليل خاف قول النّاس لمّا … تولّى سار منهزما فعادا (١)
٣٣٦/ دجا فتلهّب المرّيخ فيه … وألبس جمرة الشّمس الرّمادا
وقوله: [الطويل]
حروف سرى جاءت لمعنى أردته … برتني أسماء لهنّ وأفعال (٢)
يحاذرن من لدغ الأزمّة لا اهتدى … مخبّرها أنّ الأزمة أصلال
وقوله: [الوافر]
إذا ما اهتاج أحمر مستطيرا … حسبت اللّيل زنجيا جريحا (٣)
وقوله: [الوافر]
وإصباح فلينا اللّيل عنه … كما يفلى عن النّار الرّماد (٤)
أبلّ به الدّجى من كلّ سقم … وكوكبه مريض لا يعاد
ومن غلل تحيد الرّيح عنه … مخافة أن يمزّقها القتاد
لو انّ بياض عين المرء صبح … هنالك ما أضاء به السواد
وقوله: [الطويل]
تبيت النّجوم الزّهر في حجراته … شوارع مثل اللؤلؤ المتبدّد (٥)
فأطمعن في أشباحهن سواقطا … على الماء حتّى كدن يلقطن باليد
بخرق يطيل الجنح فيه سجوده … وللأرض زيّ الرّاهب المتعبّد
стр. 5682
ولو نشدت نعشا هناك بناته … لماتت ولم تسمع له صوت منشد
وتكتم فيه العاصفات نفوسها … فلو عصفت بالنبت لم يتأوّد
وقوله: [البسيط]
تناعس البرق أي لا أستطيع سرّى … فنام صحبي وأمسى يقطع البيدا (١)
كأنّه غار منا أن نصاحبه … وخاف أن نتقاضاك المواعيدا
٣٣٧/ وقوله: [البسيط]
هذا قريض عن الأملاك محتجب … فلا تذله بإكثار على السّوق (٢)
كأنّه الرّوض يبدي منظرا عجبا … وإن غدا وهو مبذول على الطّرق
لفظ كأنّ معاني السّكر تسكنه … فمن تحفّظ بيتا منه لم يفق
وقوله: [الطويل]
كانّ الدّجى نوق عرقن من الونى … وأنجمها فيها قلائد من ودع (٣)
وقوله: [الكامل]
لا تستبين به النّجوم تنائيا … ويلوح فيه البدر مثل الدّرهم (٤)
وقوله: [الطويل]
كأنّ الثّريّا والصباح يروعها … أخو سقطة أو ظالع متحامل (٥)
стр. 5683
وقوله: [الطويل]
بريح أعيرت حافرا من زبرجد … لها التّبر جسم واللّجين خلاخل
إذا اشتاقت الخيل المناهل أعرضت … عن الماء فاشتاقت إليها المناهل
ومنها فى الليل:
كأنّ دجاه الهجر والصبح موعد … بوصل وضوء الصّبح حبّ مماطل
وقوله: [الطويل]
فتى تقصر الأبصار عن قسماته … ولا ستر إلاّ هيبة وجلال (١)
فجاش عليها البحر وهو كتائب … وخرّت إليها الشّهب وهى نصال
بأيديهم السّمر العوالي كأنّما … يشبّ على أطرافهن ذبال
وقوله في وصف النهار: [الطويل]
نهار كأنّ البدر قاسى هجيره … فعاد بلون شاحب من سهامه (٢)
بلاد يضلّ النّجم فيها سبيله … وتثني دجاها طيفها عن لمامه
وقوله من مرثية: [الطويل]
وما كلفة البدر المنير قديمة … ولكنّها في وجهه أثر اللّطم (٣)
٣٣٨/ وقوله يصف الخمرة: [الوافر]
تطلّع من جدار الكأس كيما … يحيّي أوجه الشّرب الكرام (٤)
стр. 5684
وقوله: [الوافر]
كأنّ الليل حار بها ففيه … هلال مثل ما انعطف اللّسان (١)
ومن أمّ النّجوم عليه درع … يحاذر أن يمزّقها الطّعان
وقد بسطت إلى الغرب الثّريّا … يدا غلقت بأنملها الرّهان
كأنّ يمينها سرقتك شيئا … ومقطوع عن السّرق البنان
وقوله: [الطويل]
بيوم كأنّ الشّمس فيه خريدة … عليها من النّقع الأحمّ لثام (٢)
وقوله: [الطويل]
ولاح هلال مثل نون أجادها … بذوب النّضار الكاتب ابن هلال (٣)
وقوله: [الطويل]
خفاف يباهي كلّ هجل هبطنه … بهنّ على العلاّت ربد نعامه (٤)
إذا أرزمت فيه المهاري ولم يجب … حوار أجابت عنه أصداء هامه
ولو وطئت في سيرها جفن نائم … بأخفافها لم ينتبه من منامه
وقوله: [الخفيف]
ربّ ليل كأنّه الصّبح في الحس … ن وإن كان أسود الطّيلسان (٥)
قد ركضنا فيه إلى اللّهو حتّى … وقف النّجم وقفة الحيران
стр. 5685
وكأنّي ما قلت والبدر طفل … وشباب الظّلام في العنفوان
ليلتي هذه عروس من الزّن … ج عليها قلائد من جمان
هرب النّوم عن جفوني فيها … هرب الأمن عن فؤاد الجبان
وكأنّ الهلال يهوى الثّريا … فهما للوداع معتنقان
وسهيل كوجنة الحبّ في اللو … ن وقلب المحبّ في الخفقان
يسرع اللّمح في احمرار كما تس … رع في اللّمح مقلة الغضبان
٣٣٩/ ثمّ شاب الدّجى فخاف من الهج … ر فغطّى المشيب بالزّعفران
وقوله يصف الدرع: [الخفيف]
نثرة من ضمانها للقنا الخ … طّيّ عند اللقاء نثر الكعوب (١)
مثل وشي الوليد لانت وإن كا … نت من الصّنع مثل وشي حبيب
تلك ماذية وما لذباب السّ … يف والصّيف عندها من نصيب
وقوله: [الوافر]
أضاة لا يزال الزّغف منها … كفيلا بالإضاءة في الدّياجي (٢)
مموّهة كأنّ بها ارتعاشا … لفرط السّنّ أو داء اختلاج
وهل تعشو النّبال إلى ضياء … ثنى السّمراء مطفأة السّراج
وقوله: [الكامل]
سالت على العاري وهالت وانطوت … لينا فكالتها الفتاة بصاعها (٣)
آليّة ليست تغرّ سوى القنا … والمرهفات بمكرها وخداعها
стр. 5686
وكأنّما رعب السّيول تسرّعت … فمضت وقرّ الصّفو من دفّاعها
وقوله: [السريع]
فمن لبسطام بين قيس بها … ذخيرة أو عامر بن الطّفيل (١)
فارسها يسبح في لجة … من دجلة الزّرقاء أو من دجيل
وقوله: [الوافر]
كأثواب الأراقم مزّقتها … فخاطتها بأعينها الجراد (٢)
وقوله: [الرجز]
جرّدت الحيّات فيها لبسها … وطرّحت للرّيح كلّ معوز (٣)
إن نفخت فيه الصّبا رأيته … مثل عمود الفضّة المخرّز
وقوله في الشّمعة: [الطويل]
٣٤٠/ وصفراء لون التّبر مثلي جليدة … على نوب الأيّام والعيشة الضّنك (٤)
تريك ابتساما دائما وتجلّدا … وصبرا على ما نالها وهى في الهلك
ولو نطقت يوما لقالت أظنكّم … تخالون أنّي من حذار الردّى أبكي
فلا تحسبوا دمعي لوجد وجدته … فقد تدمع العينان من كثرة الضّحك (٥)
стр. 5687
وحكي من ذكاء أبي العلاء أنّه لمّا سافر إلى بغداد دفع بعض أهله إلى خادمه الذي كان سافر معه لخدمته ماء من بئر بالمعرّة، يقال لها بئر القراميد، وقال له: إذا أراد العود من بغداد فاسقه من هذا الماء. فلمّا خرج من بغداد متوجّها إلى معرّة النعمان سقاه ذلك الماء، فقال أبو العلاء: ما أشبه هذا الماء بماء بئر القراميد!
وحكى القاضي الرشيد بن الزبير المصريّ (١)، في كتاب "جنان الجنان" (٢)، قال:
حدّثني القاضي أبو عبد الله محمد بن سنديّ القنّسريّ، قال: حدثني أبي، قال: بينما أنا عند أبي العلاء المعرّي، في الوقت الذي يملي فيه شعره المعروف بلزوم ما لا يلزم، فأملى في ليلة واحدة ألفي بيت، كان يسكت زمانا ثمّ يملي قريبا من خمسائة بيت، ثمّ يعود إلى الفكرة والعمل، إلى ان كمّل العدّة المذكورة.
ونقل أن رجلا من طلبة العلم باليمن وقع إليه كتاب في اللغة سقط أوّله، وأعجبه جمعه وترتيبه، فاتّفق أنّه حجّ فحمله معه، وكان إذا اجتمع بأديب أراه ذلك الكتاب وسأله عنه: هل يعرفه أو يعرف مصنّفه؟ فلم يجد أحدا يخبره بذلك. فأراه في بعض الأحيان لبعض الأدباء، وكان ممّن يعلم حال أبي العلاء وتبحره في العلم، فدلّه عليه. فخرج ذلك الرجل إلى الشام، ووصل إلى معرّة النعمان، فاجتمع بأبي العلاء، وعرّفه ما حمله على الرحلة إليه، وأحضر ذلك الكتاب/ ٣٤١/ وهو مقطوع الأوّل. فقال له أبو العلاء: اقرأ منه شيئا. فقرأ عليه. فقال له أبو العلاء: هذا الكتاب اسمه كذا وكذا، ومصنّفه فلان بن فلان. ثم ابتدأ أبو العلاء فقرأ له أوّل الكتاب، إلى أن انتهى إلى ما هو عند ذلك الرجل.
стр. 5688
فنقل ما نقص منه عن أبي العلاء، وأكمل النسخة.
وقيل: إن الكتاب المذكور هو "ديوان الأدب" للفارابي. والله أعلم.
وقال محمد بن أبي بكر الخاتمي: ارتحلت أريد المعرّة لألقى أبا العلاء، فلقيت في طريقي شابا حسنا وسيما وهو أعور، ومعه شخص وضيء الوجه، حسن الصورة، يعتبه عتابا لطيفا، فلمّا انتهى إلى آخر عتابه قال له الشابّ الأعور منشدا: [الكامل المرفّل]
إن كنت خنتك في الهوى … فحشرت أقبح من فضيحه
قال الحاتمىّ: فرمت أن أزيد على هذا البيت فلم أستطع، لكثرة طربي به، إلى أن انتهيت إلى المعرّة، ودخلت على أبي العلاء، فكان أوّل حديثي معه أن تذاكرنا في أبيات من الشعر، ذكر منها بيت جهل قائله، وهو: [الرمل]
إنّما تسرح آساد الشّرى … حيث لا تنصب أشراك الحدق
فقال: لقد أضاء بصيرة وإن عمي بصرا. فقلنا له: أتعرف لمن الشعر؟ فقال لا.
فبحثنا عنه، فوجدناه لبشار بن برد. ثمّ خلوت معه، فسألنى: من أنت؟ فانتسبت إليه، فقال: أنشدني شيئا من شعرك، فأنشدته، ثمّ حكيت له حكاية الشّاب، وأنسيت أن أقول له أنّه أعور، وأنشدته قوله:
إن كنت خنتك في الهوى … فحشرت أقبح من فضيحة
فأسرع أن قال لي: أفلا زدت عليه:
وجحدت نعمة خالقي … وفقدت مقلتي الصحيحه
٣٤٢/ فقلت: والله ما كان إلاّ أعور، فمن أين لك هذا؟ قال: شمت (١) إحدى عينيه من بيته.
стр. 5689
وعرض على أبي العلاء كفّ من اللّوبياء، فأخذ منها واحدة ولمسها بيده، ثم قال: ما أدري ما هي إلاّ إنّي أشبّهه بالكلية. فتعجّبوا من فطنته وإصابة حدسه.
وقال أبو العلاء في وقت لجماعة حضروا عنده: عدوا علّي الألوان، فقالوا: أبيض، وأخضر، وأصفر، وأسود، وأحمر. فقال: هذا هو ملكها. يعني الأحمر. وكان أبو العلاء يقول: أذكر من الألوان الحمرة، وذلك أنّني لمّا جدرت ألبست ثوبا أحمر. وهذا من فرط ذكائه، لأنّه كان عمره أربع سنين.
ودخل عليه أبو محمد الخفاجيّ الحلبي، وسلّم عليه ولم يكن يعرفه، فردّ ﵇.
وقال: هذا رجل طوال. ثم سأله عن صناعته فقال: أقرأ القرآن. فقال: اقرأ علىّ شيئا منه. فقرأ عليه عشرا. فقال له: أنت أبو محمد الخفاجي الحلبيّ؟ فقال: نعم. فسئل عن ذلك فقال: أمّا طوله فعرفته بالسّلام، وأمّا كونه أبا محمد فعرفته بصحة قراءته وأدائه بنغمة أهل حلب، فإنّني سمعت بحديثه.
وممّا حكي عن أبي العلاء، أنّه كان يعجبه قصيدة التّهامي التى يرثى بها ولده، وأوّلها:
[الكامل]
حكم المنيّة في البريّة جاري … ما هذه الدّنيا بدار قرار
وكان لا يرد عليه أحد إلاّ ويستنشده إيّاها، لإعجابه بها. فقدم التهاميّ معرّة النعمان ودخل على أبي العلاء، فآستنشده إيّاها، فأنشدها، فقال له: أنت التهامي؟ فقال: نعم.
فقال: كيف عرفتني؟ فقال: لأني سمعتها منك ومن غيرك؟ فأدركت من حالك أنّك تنشدها من قلب قريح، فعلمت أنّك قائلها.
ومن رسائل أبي العلاء رسالة كتب بها إلى أبي نصر صدقة بن يوسف، لمّا استدناه إلى حضرة عزيز الدولة فاتك/ ٣٤٣/ صاحب حلب، وهي (١):
стр. 5690
لو أهديت إلى حضرة سيّدي الرّبيع يزهي بأحسن زهره، والبحر يتباهى بالنّفيس من جوهره، لكان عندي أنّي قصّرت واختصرت، فكيف بي ولا أقدر على أن أهدي زهره، ولا أنتزع صدفه، فدع الجوهرة. والرّائد لا يكذب أهله. فأمّا العبد إذا كذب سيّده فبعد ولا سعد. والذّاهل من لم يذكر أمسه، والجاهل من لم يعرف نفسه. ولنفسي أقول:
أعيت رياضة الهرم، واعتصار الماء من الجمر المضطرم. [إن كذبت، فعن الخير أعذبت]. ما اعتزلت، حتّى جددت وهزلت، فوجدتني لا أصلح لجدّ ولا هزل، فعندها رضيت بالأزل.
ما حمامة ذات طوق، يضرب بها المثل في الشّوق، كانت في وكر مصون، بين الشّجر والغصون، تألف من أبناء جنسها ريدا، فيتراسلان تغريدا، مسكنها نعمان الأراك، تأمن به غوائل الأشراك، وتمرّ في بكرتها بالبيت الحرام، لا تفرق لمكان صائد ولا رام، فغرّها القدر، فخرجت من الأرض المحرّمة، فأصبحت وهى جدّ مغرمة، صادها وليد في الحلّ، ما حفظ لها من إلّ، فأودعها سجنا للطير، ومنعها من كلّ مير، فإذا رأت من خصاص القفص بواكر الحمام، ظلّت تمارس جرع الحمام، تسأل بطرفها أخاها، ما فعل بعدها فرخاها؟ فيقول:
أصبحا ضائعين، قد سترهما الورق عن كلّ عين.
فريخان ينضاعان في الفجر كلّما … أحسّا دويّ الرّيح أو صوت ناعب (١)
بأشواق إلى المعيشة النّضرة، منّي إلى تلك الحضرة. ولكن صنع الزّمان ما هو صانع، واعترض دون الخير موانع. حال الغص دون القصص، والجريض دون القريض. المورد نمير أزرق، ولكن المدنف بالشراب يشرق.
لمّا رأى لبد النّسور تطايرت … رفع القوادم كالفقير الأعزل (٢)
٣٤٤/ انهض لبد، هيهات! صدّك الأبد.
стр. 5691
ولمّا كان اليوم الذي ورد كتابه، المشتمل من حسن الظنّ بوليّه على ما لا يستوجبه، عكفت عليه الغربان مبشّرات، مثلّثات بالنعيب ومعشّرات. لو أنس إليّ ابن دأية لم أخله إن رغب في الحلي من حجل، في الرّجل، أو تقليد، يقع في الجيد، ولضمّخت جناحه مسكا وعنبرا، ولكسوته وشيا وحبرا، على أنه يختال من لون الشّبيبة، فى أجمل سبيبة.
يا غراب، لغيرك بعدها التراب! إن قضى الله نبذت لك من الطعام، إتاوة في كلّ يوم لا في كلّ عام.
كأن كتابه الشّريف قسيمة من الطيب، تضوع بالأناب القطيب، وكأنّما طرقتني منه روضة نجديّة، سقتها الأنوار الأسدية، فعمد ثراها، وأرجت رباها، وأبدى بهارها للأبصار، كدنانير ضربت قصار، وازدانت من الشّقيق، بمشبه العقيق، ولعب فيها الماء، فهي أرض وكأنّها سماء، لها من النّجم نجوم، ومن طلّ السّحر دمع مسجوم. وقد سألت من ورد إليه أن يؤنسني بتركه لديّ، كي أستمتع في ناجر، بمشاكل خبيّة الحاجر، ولأكون جليس الروضة إن لم يرها منظرا مبهجا، ساف منها عرفا متأرجا. وإنّ العامة عهدتني في صدر العمر أستصحب شيئا من أساطير الأولين فقالت عالم، والناطق بذلك هو الظالم. ورأتني مضطرا إلى القناعة فقالت زاهد، وأنا في طلب الدنيا جاهد. وزاد تقوّل القوم عليّ حتى خشيت أن أكون أحد الجهّال، الذين ورد فيهم الحديث المأثور: "إن اللّه لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من صدور الناس، ولكن يقبض العلم بموت العلماء، حتى إذا لم يبق عالم اتّخذ النّاس رؤوسا جهالا، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلّوا وأضلّوا".
فغدوت حلس ربع، كالميّت بعد ثلاث أو سبع. وحدثت علّة كني عنها/ ٣٤٥/ في المستمع، وعاقت عن الحضور في الجمع. وفي الكتاب الكريم ﴿يا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ اَلْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اَللّهِ﴾. وإنّما ذكرت ذلك لينتهي إلى حضرة [السيّد] عزيز الدولة، [أعز الله نصره]، أنّي تخلّفت عن خدمته لمرض، منع من أداء المفترض، وإنّ الذكر ليطير للرجل وغيره الخطير. كم من شجرة شاكة ظّلها ليس برحب، وثمرها غير عذب، سمها السّمرة، وكنيتها أمّ غيلان، تذكر في آفاق البلاد، وغيرها من
стр. 5692
أشجار الثمار إن ذكر، نكر. والإرماء، لا توجبه للشيء الأسماء. ربّ أسود كريه الرائحة يسمى كافورا وعنبرا، وقبيح الصّورة [من البشر] يدعى هلالا وقمرا. وكيف يتأدّى العلم إليّ وأنا رجل ضرير! وكفى من شرّ سماعه، ونشأت في بلد لا عالم فيه، وإنّما تشبّث النامية، بالجوازع السامية. ولم أكن صاحب ثروة فكيف الحداء بغير بعير، والإنباض مع فقد التّوتير. فإن بلغ سيّدي الشّيخ أنّ ساري اللّيل، قبض على سهيل، وأن الأرض أنبتت وشيا وحريرا، والسحاب أمطر مداما وعبيرا، فهو أعلم بردّه على المبطلين. حسب الأرض، أن تعنو بخلّة وحمض. وعادة السّحاب المرتفع في السّماء، أن يأتي بريّ الظّلماء.
والدّلجة، بلّغت إلى البلجة. لهفي على فوات هذه المنزلة! ومن للورقاء، بكوكب الخرقاء، والراقد عند الغرقد، أن يضحي مجاور الفرقد! من لا يصلح لمجالسة النّظراء، فكيف ينتدب للقاء السادات الكبراء!
لقد أسمعت لو ناديت حيّا … ولكن لا حياة لمن تنادي
هل آمل من الله ثوابا، وإنما [أنا] (١) كقتلى بدر أسمع ولا أملك جوابا. ولمثل هذه الرتبة سهر من أهل العلم الساهرون. أعرض النّوافل وغاب العائم، وأومض البارق فأين الشائم. إنّ الحيّ خلوف، ﴿يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ / ٣٤٦/ وعزيز الدولة/ ليس كغيره من الملوك والسادات، لأنّه يوصف بفارس من جهات: فهو فارس الأقران، من فرس الأسد، فارس على الجواد العتد، فارس من فراسة الألمعيّ، سالم من الخطل والعيّ. والإنسان يستحي من نظيره، فكيف من سيّد العصر وأميره! يا فضحة فتاة قيل إنها بيضاء، كأنّها من النّعمة ما تضمّنته الإضاء، حليمة رزان، تزين المجلس ولا تزان، حوراء غيداء، فلما كان الهداء، وجدت على خلاف ذلك، فإذا بياضها سواد رائع، والنّعمة جفاء فى الجسد ذائع، والحور زرق مباين، والغيد وقص شائن، وإذا هى سفيهة رواد، لا يشغف بودّها الفؤاد. والمثل السائر: "أن تسمع بالمعيديّ خير من أن تراه".
стр. 5693
ولست أرضى لحضرة [مولاي] الشيخ بتحيّة نصيب، لأنّه رضى بعشر تحيّات في الصبّاح، وعشر عند الرواح ووليّه يحمل إلى حضرته الجليلة تحيّة شاكر طروب، تصل شروق الشّمس بالغروب، وتكر من طلوع الشفق، إلى حين تمزّق ثياب الغسق، كلمّا اجتازت بالصّعيد الأعفر، جعلته كالهنديّ الأذفر. إن شاء الله تعالى.
وأثبتنا هذه الرسالة بجملتها لاتّساقها، واتّفاقها. وهي كبنيان لو أخذت منه لبنة لا نقضّ، وسلك لو انحلّ منه طاق لتداعى فيه النّقض، وكعقد لو انفرطت درّة منه لا رفضّ، وكصفّ لو نقل منه واحد لتخلّى عن البعض.
ومن رسالة له سماها رسالة المنيح (١):
إن كان للأدب نسيم يتضوّع، وللذّكاء نار تشرق وتلمع، فقد فعمنا على بعد الداّر أرج أدبه، ومحا اللّيل عنّا ذكاؤه بتلهّبه، وخوّل الأسماع شنوفا غير ذاهبة، وأطلع في سويداوات القلوب كواكب ليست بغاربة. وذلك أنّا، معشر أهل هذه البلدة، وصف لنا شرف عظيم، وألقي إلينا كتاب كريم،/ ٣٤٧/ قراءته نسك، وختامه بل سائره مسك، ﴿وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ اَلْمُتَنافِسُونَ﴾. أجلّ عن التقبيل فظلاله المقبّلة، ونزّه أن يبذل فنسخه المبتذلة، وأنّه عندنا لكتاب عزيز. ولولا الإلاحة، على ما ضمن من الملاحة، والخشية على دجى مداده من التوزّع، ونهار معانيه من التشتّت والتقطّع، لعكفت عليه الأفواه باللّثم، والموارن بالانتشاء والشمّ، حتى تصير سطوره لمىّ في الشّفاه، وخيلانا على مواضع السّجود من الجباه.
منها:
موشّحا بكل شذرة أعذب من سلاف العنقود، وأحسن من الدّينار المنقود، فجاء كلوائح البروق، أو يوح عند الشّروق.
стр. 5694
ولو أنّ شوقه إلى حضرته تمثّل فمثل، وتجسّم حتّى يتوسّم، لملأ ذات الطّول والعرض، وشغل ما بين السماء والأرض، ولم يكتف حتّى يكلّف الخطوة، أن تسع صهوة، والراحة، أن تكون مثل الساحة. وبلغ وليّه السّلام الذي لو مرّ بسلمة وارية لأغدقت، أو سلمة عارية لأورقت، فحمل فؤادي من الطّرب على روق اليعفور، بل فوق جناح العصفور، فكأنّما رفعني الفلك، أو جاءني الملك.
منها:
وكدت لولا اشتمال المخاوف على هذه المحلّة، واشتعال الضمائر فيها بقبس الغلّة، أحسب سلامه السّلام الذي ذكره البارئ جلّ اسمه في قوله: ﴿اُدْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾.
أفبلدتنا جنان، أم وضح لأهلها الغفران، أم نشروا بعد ما قبروا، أم جزوا الغرفة بما صبروا، فهم يلقّون فيها تحيّة وسلاما. وإن نالوا بمنهّ أوصاف الأتقياء الأبرار، فقد أنزلت بهم خلّة من خلال الأشقياء الكفّار، وذلك أنهم بأسد البلاغة افترسوا، وبأسبابها عقدت ألسنتهم عن الجواب فخرسوا، فكأنّما قيل لهم: ﴿هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ. * وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾. وإنّما غرقوا في لجّ التّبانة فصمتوا، وسمعوا صواعق الإبانة فخفتوا، فقلم كاتبهم/ ٣٤٨/ عود الناكت، وجواب بليغهم حيرة الساكت. على أنّهم قد راموا تصريف الخطاب فصرفوا، وعرفوا مكان فضله فاعترفوا، وتراءوه من مبارك العروج، فلمحوه في مآرك البروج، واستنهضتهم الهمم إلى مداناته فعجزوا، ووعدوا هواجسهم التّبلد فأنجزوا، ولن توجد آثار النّوق، في أوكار الأنوق، فهم يتأمّلون وميضه الآلق، ويحمدون الإله الخالق، على ما منحه سيّدهم من الاقتدار، بدقيق الأفكار، على إعادة اليمّ كالغدير المسمّى بالغدر، وإلحاق السّها بالقمر ليلة البدر، ولم يزل الماشي العازم، أسرع من راكب الرّازم، فكيف بمن امتطى به عزمه كتد الرّيح، وحكم له سعده بالسّعي النجيح، وخصّه بارئه بطبع راض، صعاب الأغراض، حتّى ذللّها، وأبسّ بوحوش اللّغات فأهّلها، فصار حزن كلام العرب إذا نطق به سهلا، وركيكه إن أيّده بصنعته قويا جزلا. فمثله مثل جارسة
стр. 5695
الكحلاء، تسمح بالمسائب الملاء، تطعم الغرب، وتجود بالضّرب، وتجني مرّ الأنوار، فيعود شهدا عند الاشتيار، وكالهواء في مذهب لا أعتقده، وقول من سواي يسدّده، يجتذب أجزاء البخار، فيسقى من تحته عذب الأمطار. ومن لنا بأنّ اللفظ المشوف، يمثّل عليه التمثيل من على الحروف، فعساها تبلّ بفقرة زاهرة، أو تظفر باستخراج لؤلؤة فاخرة. على أنّه من العناء سؤال البرم، ورياضة الهرم. وهيهات! بعدت محالّ الغفر الطّالع، عن مزالّ الغفر الظالع، وأعجز البارق، يد السارق، وجلّت الشموس، عن سكنى الرّموس، وهو - رزق لامه، ما رزق كلامه - أولى النّاس، بإضاءة النبراس.
وقد كان فيما مضى قوم جعلوا الرسائل، كالوسائل، وتزيّنوا بالسجع، تزيّن المحول ٣٤٩/ بالرّجع، ما رقوا في درجته، ولا وضعوا قدما على محجّته. لكنهم تعاينوا، فما تباينوا، وتناضلوا، فلم يتفاضلوا. ولو طمعوا فى الوصول، إلى مثل هذه الفصول، لاختاروا الرّتب، على الرّتب، ورضوا اعتساف السبيل، وارتعاء الوبيل، ليدركوا بطلبهم ما أدرك عن غير جدّ، واغترفه من بديهه العدّ. وكلّهم لو شاهده لرضي بأن يدعى السّكيت في حلبة سيّدنا فيها سابق الرهان، وتمنّى أن يكون زجا في قناة هو منها موضع السنان، ولمّا وردت مع عبده موسى تلك الغرائب المؤنسة، والقلائد المنفسة، أبطلت كيد السّحار، وعصفت بهشيم الأشعار، فوجد في وطنه أشباح أوزان تتخيّل، وانقاد أذهان تتهيّل، فألقى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون.
شاهدناه فيما سمعناه المعنى الحصير، في الوزن القصير، كصورة كسرى فى كأس المشروب، وتمثال قيصر في الإبريز المضروب، لم يزر به ضيق الدّار، وقصر الجدار، إن تغزّل فحنين العود، أو تجزّل فهدير الرعود، وإن كان استصغر من ذلك ما استكثرناه، واستنزر من أدبه الذي استغمرناه.
منها:
وإن كان في وانية آدابنا بقيّة إرقال، ولآنية أفهامنا خفيّة صقال، فسوف تنتفع، وهو
стр. 5696
ذريعة الانتفاع، وتضيء بما أهدى إليها من الشعاع، إضاءة الصّفر، بما قابل من النّيرات الزّهر وقد يرى خيال الجوزاء على رفعتها، في أضاة المعزاء مع ضعتها، ويورق العود، ببركة السعود، وتفيض الرّدهة، عن نوء الجبهة. ولو تفوّه بمقال جامد، وهمّ باختيال هامد، لنشرت المعّرة صحف الافتخار، وسحبت ذيل العظمة والاستكبار. عجبا أنّ فكره يلحظها لحظ الشّاهد الساهد،/ ٣٥٠/ إنّما هو في الرّحيل عنها كجسم ذى روح، نقل من الغرقئ إلى اللّوح، وهى بعده كقسيمة الوسيمة، ذهب عطرها، وبقي نشرها. وإنّما شرفت على سواها، وطالت عن البلاد دون ما والاها، لإقامته في تلك الأيام، وإنامته عن أهلها نواظر أزام، فعرفت عند ذلك به، ونالت خيرها من حسبه.
وإنّما فضل الطّور بالكليم، والمقام بإبراهيم. ولقد سمونا بمجاورته، قبل محاورته، سموّ اليثربيّ، بجوار النّبي. ولعل المعرّة علمت أنّه عقد لا يصلح لمقلّدها، وسوار يرتفع لجلالته عن يدها، وتاج لا يطيق حمله مفرقها، وجونة يشرق بذرورها مشرقها. ومغانية الأولى كالشّجرة بعد اجتناء الثمرة، والصدفة بغير جوهرة.
ولم يخف علينا أنّ القمر، لم يخلق للسمر. وليس للمستعير أن يحسب العارية هبة، ولا يظن ردّها إلى المعير مثلبة، لكن شرف للصّعلوك، العارية من الملوك. وقد أفادت هذه البقعة الصّيت البعيد، وانقادت لها أزمّة الجد السعيد.
فطعن وأرجه مقيم، وارتحل وللثّناء تخييم، ولولا جفاء التّربة والأحجار، عن التخلّق بأخلاق الجار، لأصبحت ساحتها للتأدّب مختارة، والفصاحة من عند أهلها ممتارة.
ولكن أبى الجلمود، قبول الطّبع المحمود. وما همّ ابن داية، بصيد الجداية! فكيف يلتقط الفار بالمنقار، ويستر القرواح بالجناح، أم كيف يمدّ الطّراف من النّسع، ويقدّ النّجاد من الشّسع! هذا ما لا يكون، ولا تسبق إليه الظّنون.
стр. 5697
والظّلم البيّن، والخطب الذي ليس بهينّ، تكليف القطب النابت، مداناة القطب الثابت، وإلزام نسر الحافر، مرام النّسر الطائر.
وإذا قيل فلان أديب، وفلان أريب، فإنّ اتفاق الأسماء، لا يمنع الفراق عند الرّماء.
الذّباب، سميّ طرف القرضاب، وليس كلّ مثّوب/ ٣٥١/ مبشّرا، ولا كل متثائب مؤشرا، أعرض شأو لا يتعلق بنصبه، وعنّ أمد لا يتعب في طلبه.
نام والله اللاغب، وأدلج الراغب، والعجمة أسهل من البكمة، والحبسة أقلّ ضررا من الخرسة.
ومن يجعل الرّبوة روبة، والسّبت عروبة! وضائع أداء الفروض قبل دخول الأوقات، والإحرام بعد مجاوزة الميقات، وارتياح اللاقطة [بساقطة] النّقد، كارتياح الماشطة بواسطة العقد.
منها:
فقليل العلم منهم يستطرف، ولا يكاد يعرف، كالشّنوف، على الأنوف.
وإنّما يشدو بالترنّم شاديهم، ويغدو في أولى الدّعوى غاديهم، بين أناس يقظة أحدهم أقصر من لحظته، وسنته أطول من سنته، وحلية الدواة، لديه أحلى الأدوات، وحسن اليراعة، أحسن البراعة.
وربّما جعل الخمار، على وجه الحمار. ليس الضّريع بالمرعى المريع.
إن أغفيت فالوسن يري الحلم الحسن.
هل أدبي في أدبه إلاّ كالقطرة في المطرة، والنحلة عند النخلة.
فليته اطّلع من وليّه على كنين الاعتقاد، وجنين السّواد، فيعلم أنّ الرّوع، وجوانح الضلوع، مفعمة له بالإعظام، مترعة بمحبّته إتراع الجام، لا لأنّه جعل حصاتي كثبير، وخلط
стр. 5698
عثيري بالعبير.
أصف وكلّ وصفي صحيح، وأحلف وحلفي تسبيح.
وليس النّصر بقدم العصر.
وما جحد أحد ضحاه، ولا وحي مخلوق مثل وحاه، ولكن للمهج بالفارط لهج.
وقد أنكر من أعظم العزّى واللات، ما جاء به محمد ﷺ من الآيات.
وقد تقبل صلاة الأميّ، ويسمع دعاء الأعجميّ.
وأنا على إسهابي كخابط الظلماء، وباسط اليد الجذماء. ولو جئت من الزّرق بكّر، ما كافأت على الفريدة من الدّرّ. وليس سرب القطا وإن كثر، بمقاوم للبازي ولو لطف وصغر.
٣٥٢/ وأين الماء، من السماء، وموقع السّيل، من مطلع سهيل!
وتالله أساجل بثمدي بحره، ولن يهلك امرؤ عرف قدره. والسلام.
ومنهم:
٢٩ - أبو الهيثم عبد الواحد بن عبد الله بن سليمان (١)
هو لأبي العلاء أخوه، ولو عدّ معه ألف مثله لم يؤاخوه، على أنّه لم يكن عاريا من فضل يسحب مطرفه. ويصحب مشرفه. وهو وإن كان لا يطير مع أخيه إذا علّى ولا يسبق معه إذا جلّى، فإنّه لا يقصّر عن غاية من الفضلاء لا ينحطّ صفيحها ولا يشتطّ إذا أبعد مرماه فصيحها. وليس له هذا ببدع وهو شقيق ذلك الزّند القادح، ورفيق ذلك النّهد
стр. 5699
القارح، ومن أحسن ما وقع عليه نظر اللاّمح وهزّ غصنه البارح، قوله: [الكامل]
متلهّب الأحشاء تحسب ليله … أبدا دخانا والنجوم شرار
وقوله يخاطب بعض الشعراء: [الكامل]
زدني من الشعر الذي استنبطته … من فكرة المتصرّف المستجنس (١)
فدّنية الأشعار تصقل خاطري … مثل الحسام جلوته بالمدوس
وقوله في ربوع ديار، مرّ برجل يولع منها بقلع أحجار: [الطويل]
أمتلفها شلّت يمينك خلّها … لمعتبر أو زائر أو مسائل
منازل قوم حدّثتنا حديثهم … فلم أر أحلى من حديث المنازل
ومنهم:
٣٥٣/ ٣٠ - أبو الحسن، علي بن الدويّدة المعرّي (٢)
ملء الفم فخامة، ووقر الصّدر ضخامة، لا تنقضّ بيوته، ولا ينقض ثبوته، ولا يرفضّ لنظمه عقد بمعنى يفوته، غير أنّي لم أسمع شعره إلاّ طائحا، ولا رأيت بدره إلاّ قدر ما بدا هلاله في أوّل الشهر لائحا، ولا جالست نهره إلاّ وقد جرى مدّه العجل سائحا، ولا شممت زهره إلاّ في غرّة الفجر وقد هبّ فائحا. وهو ممّن ركب ثبج الأدب لا يبالي بغمراته، ولا يغالي من جوهره إلاّ فيما يلتهب ياقوت جمراته.
وممّا نورده ممّا سقط إلينا من شعره سقوط النّدى، ووقع علينا وقوع الماء الزّلال على شعل الصدّى، قوله: [الكامل]
стр. 5700
جنبوا الجياد إلى المطيّ فغادروا … بالبيد سطرا من حروف المعجم
فترى بها عينا بوطأة حافر … وترى بها هاء بوطأة منسم
ومنه قوله يرثي [عمّ أبيه أبي مسلم وادع] (١) من قصيدة: [المتقارب]
فتى تجتليه لحاظ الرّجاء … كما يجتلى القمر الطالع (٢)
٣٥٤/ ومنهم:
٣١ - السابق أبو اليمن ابن أبي مهزول المعّري (٣)
جلّى فسّمي سابقا، وجدّ فكان اسمه لمسّماه مطابقا، وحلّ في لفظه المسك عابقا وحلّى صنعته بما لا تنشره ملاءة الربيع، ولا تشبه منطقة البروج فيما لها من التوشّية والتّوشيع.
كأنّ النعمان أفضى إليه بوصف شقيقه، أو عهد إليه من الزّهر الغضّ بما أدرجه في تنميقه، ولولا أنّ يد الزمان غالت نفائسه غيرة عليها من البذلة، وضنّة بها أن تجيء معترضة في كلّ جملة لأودعنا كتابنا هذا منها كنوزا مغنية ورموزا لحاذق النّظر معنيّة، وما عنّ فكرامته في قلّة دورانه على الألسنة وما طاب في الذوق فحسب اللبيب منه كلمة محسنة، والذي وقع إلينا من بقية ما ترك، وهدّية ما علق من تقييد الخطّ في شرك، قوله: [المتقارب]
كأنّ الشقائق والأقحوان … خدود تقبّلهنّ الثغور
فهاتيك أخجلهنّ الحيا … وهاتيك أضحكهنّ السرور
ومنه قوله يهجو: [السريع]
стр. 5701
إليّ أرسلت مقال الخنا … ستحرق النار فم النافخ (١)
أقدمت يا أوقح من أيّل … على ابتلاع الأرقم السالخ
يا حلقة الخاتم يا إبرة ال … الخياط يا محبرة الناسخ
ومنه قوله في مليح ينظر في مرآة: [الوافر]
وظبي قابل المرآة زهوا … فأحرق بالصبابة كلّ نفس (٢)
وليس من العجائب أن تأتّى … حريق بين مرآة وشمس
ومنه قوله يهجو ابن البوين (٣) الشاعر: [السريع]
٣٥٥/ شعر البوينيّ له روعة … ليس لها في النقد محصول (٤)
مثل جبال الشمس ممدودة … ما فاتها عرض ولا طول
ومنه قوله في رثاء عمّ أبيه أبي مسلم، وادع من قصيدة: [الطويل]
أبا مسلم لا زلت منّا على ذكر … ولا درست آيات علياك في الدّهر (٥)
وكنّا نعدّ الصبر للخطب يعترى … إلى ان أصبنا عند يومك بالصّبر
ومنهم:
٣٢ - الوامق المعري (٦)
стр. 5702
شعره صديق الأرواح، رقيق كما راقت الراح. للقلوب به زهو، وللعقول منه سكر ما معه لغو. يطمع سهله كالأدماء الكانسة، ويؤيس ممتنعه كالدّراري ولكنّها غير الخانسة.
اخترع وولّد، وتزيّن في الأدب بما تزيّد، لو تمثّل معناه أراك الرّشأ الأغيد، وانبرى لك في هيئة الخدّ المورّد، وظفرت له ببيتين علا مبناهما على من ناواهما، وعمّرا بالشمس والقمر وما والاهما، وهما: [البسيط]
انظر إلى منظر يسبيك منظره … بحسنه في البرايا يضرب المثل
نار تلوح من النارنج في شجر … لا النار تخبو ولا الأغصان تشتعل
ومنهم:
٣٣ - الأمير أبو الفتح، [الحسن بن عبد الله بن أحمد] (١) ابن أبي حصينة (٢)
стр. 5703
جمع أبو العلاء المعري ديوانه، ورفع في السماء كيوانه، وتكلّم على غريبه فتقدّم حرّا على عريبه. وقال أبو العلاء (١): سألني أن أسمع شعره فقرئ عليّ ما أنشأه من أنواع القريض فوجدت لفظه غير مريض، ومعانيه صحاحا مخترعه، وأغراضه بعيدة مبتدعه، وهو وإن كان متأخرا في الزمان وكأنّه من فرط عهد النّعمان. ومن سمع كلامه علم أنّه لم يعر شهادة، ولا حرم في إبداع الكلم سياده. انتهى قوله فيه.
٣٥٦/ ولقد وقفت على هذا الديوان فوجدته قد أكره ثقل التجنيس عفوه، وكدّر رنق التكليف صفوه إلاّ ما ندر له من الأبيات الآهلة المغاني بأهلّة المعاني البارعة جمالا يفتن وكمالا يؤذن بأنّ قيمة كلّ امرئ ما يحسن، فإنّها لم تخل من مثل شرود، وأمل لمن يرود أتت عليها نزعة بداوة، وجرعة زلال لم تغيّر بأداوه. ما خضخضت قليب سجله الأرشية ولا مضمضت فم منهله الأسقية، كأنّما قال أعربي في طمريه زرود، وقال عليه أوان ورود فهبّ ينمّ بالنسيم الحاجريّ ريحه، ويتبلبل ببلل الطلّ في طرّة السّحر شيحه.
ومن شعره الفتّان مليحه، قوله: [البسيط]
يا ساكنين بحيث الخبت من هجر … أطلتم الهجر مذ صرتم إلى هجر (٢)
عودوا غضابا ولا تنأى دياركم … فقلّة الماء ترضي الكدر بالكدر (٣)
ومنها قوله: [الطويل]
وذبّل من رماح الخطّ حاملة … من الأسنّة نيرانا بلا شرر (٤)
стр. 5704
إذا هووا في متون الدّارعين بها … حسبتهم غمسوا الأسطال في الغدر
ومنه قوله: [الطويل]
بأيّة حال حكّموا فيك فاشتطّوا … وما ذاك إلاّ حين عممّك الوخط (١)
من الآنسات اللابسات ملابسا … من الصّون لم تدنس لها بالخنا مرط
شرطت عليهنّ الوفاء فمذ بدا … بياض عذاري للعذارى قضي الشرط
كأنّ الفتى يرقى من العمر سلّما … إلى أن يجوز الأربعين وينحطّ
ومنها:
فدع ذا ولكن ربّ ليل عسفته … بركب كأنّ العيس من تحتهم مقط (٢)
على كلّ موّار الوضين كأنّه … مريرة قدّ لا يبين له وسط (٣)
٣٥٧/ وقد لاح للرّكب الصباح كأنّه … بدا من جلابيب الربى لمم شمط (٤)
ونجم الثريا في السماء كأنّها … صنوبرة من صائغ الدّر أو قرط
وقوله: [مجزوء الرجز]
سقى محلا قد دثر … أوطف وسميّ البكر (٥)
ما دقّ من روس الإبر … قدحك بالمرخ العشر
غبّ ربيع وصفر … ينفض أهداب الوبر
فهنّ أمثال الزبر … يرى على وجه العقر
من وبله إذا انحدر … إمّا غديرا أو نهر
стр. 5705
أو الثماد في النّقر (١) … أمثال أحداق البقر
كأنّما ذاك المطر … يد المعزّ المشتهر
ومهمه جمّ الخطر … ظليمه تحت الخمر (٢)
يخضن درما كالأكر (٣) … حتى إذا جاع ابتكر
إلى هبيد في عجر … مفوّقات كالحبر
ومقفر حزت الغرر … فيه بحدّب كالمرر (٤)
قد ذبن من طول السّفر … إلى فتى ساد البشر
يعطي [اللّهى] بلا ضجر (٥) … كأنّما عادى البدر
مناقبا ملء السّير … فلو سكتنا لم نصر
والصّبح يغنيه النظر … عن شاهد إذا انفجر
ومنه قوله: [الوافر]
ومائرة الأزقّة مبريات … كأنّ على غواربها صلالا (٦)
شربن الخمس بعد الخمس حتى … ظمئن فكدن يشربن الطلالا (٧)
ومنه قوله: [الكامل]
ماضي الجنان إذا تقلّد مخذما … ألقى النّجاد على نظير المخدم (٨)
стр. 5706
جلد على نوب الزمان كأنّما … ريح تهبّ على هضاب يلملم
ومنها:
جنبوا الجياد إلى المطيّ فسطّروا … في البيد سطرا من حروف المعجم (١)
فترى بها عينا بوطأة حافر … وترى بها هاء بوطأة منسم
ومنه قوله: [الطويل]
٣٥٨/ وإن كنت لم أدرك جزاك فإنّني … أبيت بما أوليتني ولي الجهد (٢)
ولم أر مثل الحمد ثوبا للابس … وأدون ثوب أنت لابسه الحمد (٣)
وقوله: [الكامل]
وأضعت مدحي قبله في غيره … إنّ المدائح في سواه تضيّع (٤)
يثني عليه بدون ما في طبعه … كالمسك أيسره الذي يتضوع (٥)
ومنه قوله: [الكامل]
ولقد سرى برق العراق فهاج لي … بالشام وجدا من سنا لمعانه (٦)
يبدو لعينك في الظلام كأنّه … صلّ الكثيب منضنضا بلسانه (٧)
فكأنّه والليل معتكر الدّجى … نار المعزّ على متون رعانه
стр. 5707
ومنه قوله: [الكامل]
للورد حمرة خدّه والغصن هز … زة قده والظبي مدّة جيده (١)
أهوى الدجى من أجل أنّ هلاله … كسواره ونجومه كعقوده
وقوله: [البسيط]
لا تحسبي شيب رأسي أنّه هرم … فإنّما ابيضّ لمّا ابيضّت الهمم (٢)
وللشّبيبة بنيان تكمّله … لك الثلاثون عاما ثمّ ينهدم
ومنه قوله: [الكامل]
ما ضرّ من حدت النّوى أحمالها … لو أنّها أهدت إليك خيالها (٣)
يا صاحبيّ قفا عليّ بقدر ما … أسقي بواكف عبرتي أطلالها
ولقد سرت بك والركاب لواغب … مرقالة شكت الفلا إرقالها (٤)
لعبت بنمرقها الشمال ومزّقت … في البيد أنياب العضاة جلالها
ومنه قوله: [الطويل]
٣٥٩/ وقد أغتدي والليل قد محّ برده … ونجم الثريا في المغارب وسنان (٥)
بجائلة الأنساع مالت من السّرى … كما مال من رشف الزجاجة نشوان
تدوس الحصا أخفافها وهو لؤلؤ … وترفعها من فوقه وهو مرجان
تناهبني مرتا كأنّ نعامه … تسوس أكبّت في مسوح ورهبان (٦)
стр. 5708
ومنه قوله: [البسيط]
منّت عليه بك البيداء واتخّذت … فعلا جميلا إليه العرمس الأجد (١)
أسرت فغمّض طول الليل أعينها … كأنّما كفّ من أبصارها الرّمد
مجهولة البيد لم يمدد بها طنب … من الغريب ولم يضرب لها وتد
كأنّما الآل فيها حين تنظره … يمّ ونوارها من فوقه زبد (٢)
ومنه قوله: [البسيط]
لو شئت أقصرت من لومي ومن عذلي … فالدّهر قسّم يوميه عليّ ولي (٣)
لا تحسبيني أغضّ الطرف من جزع … فالحزن للخود ليس الحزن للرجل
إنّا لقوم إذا اشتدّ الزمان بنا … كنّا أشدّ أنابيبا من الأسل
يبكى علينا ولا نبكي على أحد … ونحن أغلظ أكبادا من الإبل
ومنه قوله: [البسيط]
بصحّة العزم يعلو كلّ معتزم … وما حلا غمرات الهمّ كالهمم (٤)
والعزّ يوجد في شيئين موطنه … أمّا شباة حسام أو شبا قلم (٥)
ومنه قوله: [الوافر]
إذا شهد الطّعان به ثناه … وقد أدمى ضليفيه العنان (٦)
стр. 5709
٣٦٠/ بحيث ترى الرماح محطّمات … كأنّ حطامهنّ الأرجوان (١)
إذا طعن المدجّج في قراه … قرا ما في ضمائره السّنان
كأنّ الرّمح حين يسلّ منه … وجار سلّ منه الأفعوان
ومنه قوله: [الطويل]
لقد أيّدت كفّ لها منك ساعد … وطال بناء شاده منك شائد (٢)
أرى الناس في الدنيا كثيرا عديدهم … وأكثر منهم نصب عيني واحد
ومنه قوله: [الكامل]
لمّا طلعت على سمند سابح … في لون حلي لجامه والمركب (٣)
سود قوائمه ولكن جسمه … لولا السبائب كالقضيب المذهب (٤)
نهدت مراكله وأشرق متنه … وعلت مناكبه علوّ المرقب
وكأنّما خاض الدّجى فتسربلت … منه شوامته بمثل الغيهب
سلس القياد كأنّ فضل عنانه … ممّا يلين مركّب في كوكب (٥)
ومنه قوله في قصيدة: [الطويل]
لقد خامرتني من هواك صبابة … تعود بها مثل الجراح الجوارح (٦)
ومنه قوله من قصيدة أوّلها: [البسيط]
стр. 5710
خير الأحاديث ما يبقى على الحقب … وخير مالك ما دارا عن الحسب (١)
منها:
عرض الفتى حين يغدو أبيضا يققا … خير من الفضّة البيضاء والذّهب (٢)
منها في المديح:
روحي فدى لأبي العلوان من ملك … سمح اليدين بتاج الملك معتصب (٣)
٣٦١/ قد بيّضت ناره الظلماء أو تركت … لون الدّجى لون رأس الأشمط الجرب
وفي القباب اللواتي أبرزت ملك … يمينه رحمة صبّت على حلب (٤)
تلقى الملوك كثيرا إن عددتهم … وفي الذوابل فخر ليس في القصب
ما سار نحو العدى في جحفل لجب … إلاّ وقام مقام الجحفل اللّجب
في ظهر عارية الظهرين قد دربت … بالطعن من تحت طبّ بالوغى درب
تعود مبيضّة المتنين من زبد … محمرّة الفم والرّسغين واللّبب
كقهوة صفقت في الكأس فاكتسبت … بالمزج لونين لون الراح والحبب
ومنه قوله من قصيدة: [البسيط]
كنتم ثلاثة آلاف وردّكم … ثلاثة وأبى أن ينفع العدد (٥)
وما القليل قليلا حين تخبره … ولا الكثير كثيرا حين ينتقد
ومنه قوله: [الوافر]