مشجّرة الماء تحليّه … كجّمة شمطاء لا تعقص
ودوح أغانيّ قمريّه … تهزّ اللبيبو تسترقص
وروض جلا النور خشخاشه … تحار له العين أو تشخص
فمن أبيض يقق لونه … يروقك كافوره الأخلص
ومن أحمر شابه زرقة … حكى الوجنات إذا تقرص
وقوله: [المتقارب]
وباتت ثناياها عانيّة ال … مراشف داريّة المنتشق (١)
وبتّ أخالج شكّي به … أزور طرا أم خيال طرق
أفكّر في الهجر كيف انقضى … وأعجب للوصل كيف اتّفق
فللحبّ ما عزّ منّي وهان … وللحسن ما جلّ منه ودقّ
٤١٥/ وقوله: [الطويل]
أغالب بالشكّ اليقين صبابة … وأدفع في صدر الحقيقة بالوهم (٢)
فلّما أبى إلاّ البكاء لي الأسى … بكيت فما أبقيت للرسم من رسم
وقوله: [الخفيف]
ومن العجز أنّ شكري نسيء … كلّ وقت وأنّ برّك نقد (٣)
كرم لا أبيت إلاّ ولي من … هـ على ما اقترحت زاد معّدّ
وقوله: [الكامل]
стр. 5777
لو كنت شاهد عبرتي يوم النّقا … لمنعت قلبك بعدها أن يعشقا (١)
ولكنت أوّل نازع من خطّتي … يده ولو كنت المحبّ المشفقا
وعذرت في أن لا أطيق تجلّدا … وعجبت من أن لا أذوب تحرّقا
كلني إلى عنف الصدود فربّما … كان الصّدود من النّوى بي أرفقا
قد سال حتى قد أسال سواده … طرفي فخالط دمعه المترقرقا
واستبق للأطلال فضلة أدمع … أفنيتهنّ قطيعة وتغرّقا
أو فاستمح لي من خليّي سلوة … إن كان ذو الإثراء يسعف مملقا
إنّ الظباء غداة رامة لم تدع … إلاّ حشى قلقا وقلبا شيّقا
سنحت وما منحت وكم من عارض … قد مرّ مجتازا عليك وما سقى
ولكم نهيت الليث أغلب باسلا … عن أن يرود الظبي أتلع أرشقا
فإذا القضاء على المضاء مركّب … وإذا الشقاء موكّل بأخي الشقا
ولقد سريت إذا السماء تخالها … بردا براكدة النجوم مشبرقا (٢)
والليل مثل السّيل لولا لجة … تغشى الرّبى ما عمّ فيه وأعمقا
وقوله من أخرى: [الطويل]
٤١٦/ وما أنس لا أنسى الحمى وأهلّة … تضلّ ومن حقّ الأهلّة أن تهدي (٣)
وما إن اخال الجهل فيه من النّهى … وحبّ أعدّ الغيّ فيه من الرشد
غنين وما نوّلن شيئا سوى الجوى … وبنّ وما زوّدن شيئا سوى الوجد
عواطف يعيى عطفها كلّ رائض … ضعائف يوهي ضعفها قوّة الجلد
стр. 5778
وقوله يشبه الهلال وفوقه كوكبان: [الكامل]
لاح الهلال كما تعوّج مرهفا … والكوكبان فأعجبا بل أطرفا (١)
متتابعين تتابع الكعبين في … رمح أقيم الصدر منه وثقّفا
فكأنّه وقد استقاها فوقه … كفّ تخالف أكرتين تلقّفا
وقوله: [الكامل المرفل]
لاح الهلال فما يكاد يرى … سقما كصبّ شفّه الخبل (٢)
كالفتر أم كالحجل قد فتحت … منه الكعاب لتدخل الرّجل
والزهرة الزهراء تقدمه … في الجوّ وهو وراءها يتلو
كالقوس فوّق سهمها فبدا … متألّقا في رأسه النّصل
وقوله يصف النّرد: [الرجز]
والنّرد كالناورد في مجالها … أو كالمجوس ضمّها ما شوشها (٣)
كأنّها دساكر للشرب أو … عساكر جائشة جيوشها
وللفصوص جولة وصولة … تحيّر الألباب أو تطيشها
قاتلها الله فلا بنوجها … يرقع لي رأسا ولا يشوشها
أرسلها بيضا إذا أرسلتها … كأنّها قد محيت نقوشها
٤١٧/ كأنّ نكرا أن أبيت ليلة … مقمورها غيري أو مقموشها
كأنّني أقرأ منها أسطرا … من الزبور درست رقوشها
تطيع قوما عمّهم نصوحها … وخصّني من بينهم غشوشها
стр. 5779
يجيبهم متى دعوا أخرسها … وإن يقولوا يستمع أطروشها
مذبذبين دأبهم غيظ فما … تسلم منهم عيشة أعيشها
كأنّ روحي بينهم أيكيّة … راحت وكفّ أجدل تنوشها
وقوله: [الكامل]
لم يبق عندي ما يباع بحبّة … وكفاك شاهد منظري عن مخبري (١)
إلاّ بقيّة ماء وجه صنتها … عن أن تباع وأين أين المشتري
وقوله: [المتقارب]
مرضت فهل من شفاء يصاب … وهيهات والداء طرف وجيد (٢)
ويا حبّذا مرضي لو يكو … ن ممرضي اليوم فيمن يعود
أيا غرم ما أتلفت مقلتاه … وقد يحمل الثأر من لا يقيد
ومنهم:
٤٠ - أبو الحسن علي بن الحسن بن علي بن أبي الطيب الباخرزي (٣)
стр. 5780
مؤلف [دمية القصر] (١) كتابا طرّزه بأدبه، وطرّفه بذهبه. وذكر له فى أثنائه درر كلم تنطق بثنائه.
وكان في أوّل حاله فقيها صحب الجويني والد إمام الحرمين (٢) صحبة أثمرت أفانينها، وعمرت بالفوائد أحايينها، ثمّ شغل بالأدب ورقم طرزه، ونظم درّه لا خرزه.
ما نسب بالباخرزي إلاّ إلى باخرز (٣)، ولا حسب له إلاّ الجوهر، وما هو من ذلك الطّرز.
وباخرز ناحية من نواحي نيسابور أخرجت جماعة من الفضلاء، وما خرّجت جماعة إلاّ بالغلاء. وصادف الهوى قبولا من قابليته انطبع في مرآته،/ ٤١٨/ وانقطع كلّ سابق عن مجاراته، واحتاج كلّ من يؤثر عنه من هذا الشان إلى مداراته لحسن يحسن في إظهاره، وقبيح يحمل في مواراته توقّعا لما يقوله في الدمية أو توقّيا واتّقاء منه إذ يسم هذا انحطاطا
стр. 5781
وهذا ترقّيا، فكم خلّص واحدا من عاب، وأحلّ آخر علياء الشّعاب، وكسى آخر فخرا لا يبلى جديده ولا يقصر مديده، وترك آخر نجابه عرضه منجى الذباب، وخيف ضرره خيفة الوزغ لا الحباب.
وكان ذا ذهن حدّ لا يصدأ صقيله، ولا يهدأ في المباحث صليله، ولا يعرف شرار النار إلاّ أن يكون هو أو سليله، ولا طريق إلى الاختراع إلاّ في شعره وما هو سبيله، ولا رحيق المراشف إلاّ ما أداره لمى غزاله أو سلسبيله ببدائع ما الروض غاداه السّحاب، وهداه السخاب، ومرّ به النسيم مثل الجلباب معتل الهبوب في طفل الشباب، قد أخذت الأرض زينتها وجبلت بكافور القطر الذائب في عنبر الأرض طينتها حتى تسلسل ماؤها وهو مطلق وأطلق فيها النظر وهو موثق، وتجاوبت قيان ورقها الصّوادح، وتطايرت شرارات جلّنارها في كفّ كلّ قادح، وبرزت شقائقها مجامر، وبدت مخاضات أقاحها معابر، وتوردّ وردها بالخجل حياء من مقل النرجس، وطال لسان سوسانها عتابا على المنثور حيث أجلس، وتنمّر البنفسج في ورقه وازرقّ من حنقه، وبان على البان في قضبه، وعلى باقي الزّهر ما فرّ به إلى رؤوس كتبه، إلى غير هذا من محاسن جمعت، وميامن أودعت بأبدع من تلك البدائع، ولا بأبدع من ذلك الفضل الرائع.
وسنورد من بديعه ما يشقّ كتمانه على لسان مذيعه، منه قوله: [الطويل]
وذي زجل والى سهام رهامه … وولّى فألقى قوسه في انهزامه (١)
٤١٩/ ألم تر خدّ الورد مدمى لوقعها … وأنصلها مخضوبة في كمامه
وقوله: [المنسرح]
ومطرب صوته وفوه … قد جمعا الطيّبات طرّا (٢)
стр. 5782
لو لم يكن صوته بديعا … ما ملأ الله فاه درّا
وقوله وقد أصابه مع محبوبه جرب: [الطويل]
لنا جرب بين البنان نحكّه … رضينا به والكاشحون غضاب (١)
وكنّا كمثل الماء والخمر صحبة … علاها بطول الامتزاج حباب
وقوله: [الطويل]
وإنّي لأشكو لسع أصداغك التي … عقاربها في وجنتيك نجوم (٢)
وأبكي لدرّ الثغر منك ولي أب … فكيف نديم الضحك وهو يتيم
وقوله في شدّة البرد: [الكامل]
لبس الشتاء من الجليد جلودا … فالبس فقد برد الزمان برودا (٣)
كم مؤمن قرصته أظفار الشتا … فغدا لسكّان الجحيم حسودا
وترى طيور الماء في وكناتها … تختار حرّ النار والسّفودا
فالرّيق في الأشداق أصبح جامدا … والدّمع في الآماق صار برودا (٤)
وإذا رميت بفضل كأسك في الهوا … عادت عليك من العقيق عقودا
يا صاحب العودين لا تهملهما … حرّق لنا عودا وحرّك عودا
وقوله من أبيات: [البسيط]
يا فالق الصبح من لألاء غرّته … وجاعل الليل من أصداغه سكنا (٥)
стр. 5783
بصورة الوثن استعبدتني وبها … فتنتني وقديما هجت لي شجنا
لا غرو أن أحرقت نار الهوى كبدي … فالنار حقّ على من يعبد الوثنا (١)
٤٢٠/ ومنه قوله: [الطويل]
زكاة رؤوس الناس في عيد فطرهم … بقول رسول الله صاع من البرّ (٢)
ورأسك أغلى قيمة فتصدّقي … بفيك علينا فهو صاع من الدرّ
ومنه قوله في معذّر يكتب خطّا مليحا: [الكامل]
قد قلت لمّا فاق خطّ عذاره … في الحسن خطّ يمينه المستملحا (٣)
من يكتب الخطّ المليح لغيره … فلنفسه لا شك يكتب أملحا
وقوله: [الكامل]
قالوا التحى ومحا الاله جماله … وكساه ثوب مذلّة ومحاق (٤)
كتب الزمان على محاسن خدّه … هذا جزاء معذّب العشّاق
ومنه قوله: [مخلع البسيط]
عجبت من دمعتي وعيني … من قبل بين وبعد بين (٥)
قد كان عيني بغير دمع … فصار دمعي بغير عين
وقوله: [البسيط]
стр. 5784
وشاغل بالنّوى قلبي ليجرحه … أمسى جريحا بنزع الروح مشغولا (١)
مشى برجليه عمدا نحو مصرعه … ليقضي الله أمرا كان مفعولا
ومنه قوله: [الكامل]
إنّي لأعجب من عقارب صدغه … سلمت وملعبها خلال حريقه (٢)
وتظلّ ترقص فوق وردة خدّه … طربا إذا شربت مدامة ريقه
وقوله: [الوافر]
رنا ظبيا، ذكا وردا تثنى … قضيبا، ماج دعصا لاح بدرا (٣)
يسائل كيف حالك بعد عهدي … فديتك ما السؤال وأنت أدرى
ومنه قوله: [الوافر]
٤٢١/ عزاؤك أن حبست وليس عيبا … فتلك الراح تحبس في الدّنان (٤)
وهذا الورد قد يزداد طيبا … إذا حبسته أطراف البنان
وصبرك إن ضربت فليس عارا … كذلك يضرب السيف اليماني
ومنه قوله: [الطويل]
يروقك بشرا وهو جذلان مثلما … تخاف شباه وهو غضبان محنق (٥)
كذا السيف في أطرافه الموت كامن … وفي متنه ضوء يروق ورونق
стр. 5785
[ومنه قوله] (١): [الكامل]
قالت وقد ساءلت عنها كلّ من … لاقيته من حاضر أو بادي (٢)
أنا في فؤادك فارم طرفك نحوه … ترني فقلت لها: وأين فؤادي؟
ومنه قوله: [المتقارب]
أطلت الحنين وزدت الأنين … وأصبحت من سوء حالي بحال (٣)
كذاك القسيّ تطيل الأنين … إذا كلّفوها فراق النبال
وقوله في مليحة مات أبوها فأفرط بها الجزع عليه: [الطويل]
ودرّة حسن أنفدت حسن صبرها … وفاة أبيها فهي تبكي وتجزع (٤)
فقلت اصبري فاليتم زادك قيمة … أليس يتيم الدرّ أبهى وأبدع
وقوله في ذمّ الشراب: [البسيط]
لا تسقنيه فإنّي أيّها الساقي … أخاف يوم التفاف الساق بالساق (٥)
هذا الشراب تهيج الشرّ نشوته … فميّز الشرّ عنه واسقني الباقي
وقوله في عيادة: [الخفيف]
لا يروعنّه الذبول فقدما … قد حمدنا من القناة الذبولا (٦)
ونسيم الرياض لا يكتسي الصّح … حة إلاّ بأن يهبّ عليلا
٤٢٢/ ومنه قوله: [الكامل]
стр. 5786
لا تنكري يا عزّ إن ذلّ الفتى … ذو الأصل واستغنى لئيم المحتد (١)
إنّ البزاة رؤوسهنّ عواطل … والتاج معقود برأس الهدهد
وله نثر يروع حالية العذارى، وتغور منه الدرّاري غيارى، ويريك السامعين من الطرب سكارى، وما هم بسكارى ولكنّها نشوة استحسان، ونشأة روح وريحان.
منه قوله في خطبة الدمية (٢)، وقد حمد الله وأثنى عليه، وانتهى إلى ذكر النبي ﷺ فقال حيث ساق الصلاة والتسليم إليه:
صلاة تكبو بالإضافة في حلبات نسيمها دخن الكباء (٣)، وتسرّ باستعارة نفحات سميمها سرر الظباء وما نفجت (٤) السحب بذنابها ولألأت الفور (٥) بأذنابها، وأقول: إنّي لم أزل قلق التشوّق إلى التفكّه بثمار الأدب الغضّ، صادق الرغبة في أخذ الحظّ من راحه بالغبّ ومن تفّاحه بالعضّ، وارتفع عن مثاقفة المعلمين أمري، وكبر عن تقلّد طوقهم عمري، ثاقب العزيمة كما يلسن في الظلام شواظ النار، نافذ الصّريمة، كما طنّ في العظام ذباب البتّار مغرما بمطالعة الكتب. ألزمها العين شطرا فشطرا، وأكاد أقشرها بمحكّ النّظر سطرا فسطرا، وبلغني أنّ بعضا من جناة ثمرتي ورماة مدرتي (٦)، يزعم أنّ عليّا قد أنجب به إزمان والديه، وليس كذا ولا ردّا عليه، ولكن ربّما أخلف وميض المزن الواعد، وكذب صلف (٧) تحت الغيم الراعد، وما عندي من هذه الصّناعة إلاّ تكثير سوادها. وإن كنت
стр. 5787
فسكل (١) آمادها ولما أضرّ بي طول الجمام (٢)،/ ٤٢٣/ وقرمت (٣) إلى علك شكيمة اللّجام، خلعت عذاري على الاستنان (٤)، ورقصت مرحا في سير العنان، وعهد الصّبا مخيّم ما انتقل، والوجه بالنبت موشم همّ وما بقل (٥)، والخطّان المتورّدان من يمينه ويساره لم يتصافحا، والضّدّان المتناقضان من ليله ونهاره لم يتصالحا.
ومنه:
وسرت والمشيّعون يذرّون على الهواء فتات الأكباد، والمودّعون يزرّون لعناق التوديع أعضادهم على الأجياد، فلم يحفل بحمارّة (٦) قيظ جوّها محموم ورشحها يحموم، يتوسّد وحشها ظل الأرطاة (٧)، وتسجر رمضاؤها وطيس الأفحوص (٨) على القطاة، واعتنق على التهاب الضّرام أمرها، والتقط النقاط النعام جمرها، وكفى بالعلم مفخرا، يقدع به أنوف المفاخرين، وبالثّناء الجميل مدّخرا، وهو لسان الصدق في الآخرين.
ومنه:
وقد وليت وجهي شطر الفضلاء والوجاه، وبسطت حجري لالتقاط درر الشّفاه، وتركت اليراعة، التي هي أنبوب من رمح البراعة، يطول انضمامها إلى أناملي سادسة لخامسها، والمداد الذي هو مستسقى أرشية (٩) الأقلام منهلا منهلا لخوامسها، لا جرم أحمدت سراي عند الصّباح، ونادى بي داعي الخير: حيّ على الفلاح، وهيّأ الله لي من
стр. 5788
أمري رشدا، وثمّر لي من طول معاناة المخض زبدا، وتحقّق لي كلّ ظن بما تجمّع لي من كل فنّ، فكأنّ الأرض ذلّلت لي على امتناع جوانبها، فمشيت في مناكبها، وزويت لي الفضلاء من مشارقها ومغاربها، وكأني في تخليد آثارهم وتجديد الدارس من آثارهم، قبلّي من اللواقح السواحب، ذيولها على الأرض الخاشعة إحياء لمواتها أو ربعي من السوافح النوافخ في صور رعدها على الرّوضة الهائجة إنشارا لنباتها. فلله سلّم فيه ارتقيت وأعيان بهم التقيت، ونجوم بأيّهم اقتديت اهتديت، وإن لم يتيسّر الوصول إليها والفراغ/ ٤٢٤/ منها، إلاّ وقد وخط القتير، وطلع النذير، وانضمّ الخيط الأبيض من الفجر إلى الخيط الأسود من الشّعر، فخلّى الفود مشتعلا والفؤاد مشتغلا، وأضاف الذّود إلى الذود فصارت إبلا.
ومنه في تقريظه لبعض من لقيه (١):
عهدته بها وبنانه ضرّة المزن في السخاء، ولسانه خليفة السيف في المضاء.
فهؤلاء سادات من عظام الصّدور وصارت صدورهم عظاما، وكبار من هامات الرءوس أطارت رؤوسهم هاما: [الطويل]
ربا حولها أمثالها إن أتيتها … قرينك أشجانا وهنّ سكون.
وقد بعثرت من دفائنهم ما تعظم أخطاره عند أولي المروءة، وملكت من خزائنهم ما إنّ مفاتيحه لتنوء بالعصبة أولي القوّة ثم نقف منهم على أطلال الماضين نترسّمها، ولا نكاد نعيّنها إلاّ أواريّ (٢) لأيا ما أبيّنها، فنباكي حمام الأيك شجوا، ونصوغ على وزان أسجاعها شدوا.
ومنه
وما أشبّه ذلك الفاضل إلاّ بخصب ورثناه في رحالنا من أمداد سيول غاضت فعشنا في معروفها بعد غيضها، أو بعنبر دسره (٣) إلى سواحل أمصارنا أمواج بحور فاضت فتلّهفنا
стр. 5789
على فوات فيضها، فأصبح كلّ منهم ممتلئ الصّرة على فراغ الجنان مثنيّ الحقيبة على سكوت اللسان، فهي الرتبة العالية قرّبت درجاتها للمرتقين، والجنة العاجلة أزلفت طيّباتها للمتقين.
ومنه:
وهذا حين أسوق صدر الكتاب إلى العجز، كما يساق الماء إلى الأرض الجرز. وكنت على ألاّ أوارد الثّعالبيّ في يتيمته، ولا أزاحمه في كريمته، إلاّ ما تجذبني شجون الأحاديث إليه، فأفرغ كلامي عليه. ممّن رأيته فكان لقاؤه لعيني كحلا، أو سمعت به فكانت أخباره/ ٤٢٥/ لسمعي نحلا، ولولا تكرار الكؤوس لما استقرّت الأطراب في النفوس، ولا استقلّت صبابة الخمار عن الرءوس، والحياة على حسن مساقها وطيب مذاقها ما جاوزت النّفس إلا ودّت معاده، وحبّها لكلّ من الحيوانات عادة. حتى إنّها لا تملّ إذا كرّرت عليها، ولا تكره إذا ردّت إليها، فإنّ في الزّوايا منهم بقايا، قد أرخي لهم إلى عصرنا هذا طول البقاء، وبقي ممّا أسأرته (١) شفاه الفناء، صبابة في قعر الإناء، وأنا إذا على ذكر شعراء العصر جريدة فريدة، ثم انتهيت إلى مكانهم منها، فأسقطت شذورهم من النّظام، وطفرت إلى من وراءهم طفرة النظّام، لمن آمن أن يقال: هذا رجل ضيق العطن، قصير الشّطن، قليل الثّبات، نزق الوثبات، يتخطّى رقاب الأحياء إلى رفات الأموات والوجه يملكه الحياء، وما يستوي الأموات والأحياء.
ومنه:
وألاّ أستعير من تلك الحقائق حليّا، ولا أن أرعى من تلك الرّياض خليّا، وأقتصر من ذلك الأديم على مقدود من السّير، وأسلو بغثيّ عن ثمين الغير، فالضّرغام على اقتضاض مضجعه من الرّغام، لا يفترش غير إهابه عند المنام، وسينقل إليك من فرائد أشعارهم من جوّد نقلها أو لم يجوّد، ويأتيك بنوادر أخبارهم من زودته أو لم تزوّد. وما كلّ من نشر
стр. 5790
أجنحته بلغ الإحاطة، ولا كلّ من نثر كنانته قرطس الحماطة.
وقال بعد الفراغ من الخطبة:
لمّا كان كتابي هذا بين رعايا الكتب أميرا، أمطيته من عروش الإمارة سريرا، وجعلت رأسه بسماء الفخر مظلّلا، وبتاج العزّ مكلّلا.
ثم أخذ يذكر الخليفة القائم بأمر الله، وساق شعرا له في مدحه.
منه قوله: [البسيط]
أليس من عجب أنّي ضحى ارتحلوا … أوقدت من ماء دمعي في الحشا لهبا
وأن أجفان عيني أمطرت ورقا … وأنّ ساحة خدّي أنبتت ذهبا
٤٢٦/ أأن توقد برق من جوانبهم … توقد الشوق في جنبيّ والتهبا؟
كأنّ ما انعقّ عنه من معصفره … قميص يوسف غشّوه دما كذبا
منها:
ومهمه يتراءى آله لججا … يستغرق الوخد والتّقريب والخببا
تصاحب الريح فيه الغيم لم ينيا … أن يشركا في كلا حظّيهما عقبا
فالريح ترضع درّ الغيم إن عطشت … والغيم يركب ظهر الريح إن لغبا
أنكحته ذات خلخال مقرّطة … والرّكب كانوا شهودا والصّدى خطبا
ومنهم:
٤١ - الوزير شرف الدين، أبو الحسن علي بن الحسن بن علي البيهقي (١)
стр. 5791
وزير لا تقتحم لججه، ولا تخصم حججه، بلسان طلق، وسنان ذلق، وبيان ترجم ما في صدور الخلق، وإحسان لو تطلّبت مثله لم تلق. تقلّبت به الأحوال تقلّب الأيام والليّال، وتصرّفت به الدهور تصرّف السنين والشهور، ولم يكسه طول المدّة إلاّ جدّة، ولم يكسبه تصريف الزمان إلاّ تشريف المكان، وما زال في قطر المشرق أفقه المشرق الطالع، ومفرقه الذي يحتقر له التيجان ولو رصّعت بالنجوم الطوالع.
شرفت به بلاد العجم شرفا ما له براح، وعرفت له مهابة لو أذمّ بها الليل لما هجم عليه الصباح، وكان صدر خراسان وملء صدر كلّ انسان، بدرا لا يدركه السرار، وعودا لا ينهكه السّفار. طود نهى، وجود لهى (١)، وكان في دولة آل سلجوق لمعاقد الوزارة مرشّحا، ولقلائد السفارة موشحّا، ودفعه تصريف الدهر في صدره دفعة أقعدته على عجزه، وردّته ردّة عاد بها إلى أوّل مركزه لولا كرم رجل انتاشه، وأضفى كذنب الطاووس رياشه، وصحبه حتى قد قدمت الجنائز تهزّ نعوشها، وتصرّمت بقايا ليال كان يعيشها.
وقد ذكره العماد الكاتب في الخريدة،/ ٤٢٧/ وآثره بالصفات الحميدة (٢).
ومن أشعاره التي تدبّ كالخمر في المفاصل، وتهبّ كنار المضاء في بريق المناصل،
стр. 5792
قوله: [السريع]
كأنّما بغداد في جانبيّ … بنيتها حبّ له عاشق
والحسن ما بينهما فاقد … والنهر من غيرته خافق
ومنه قوله: [الطويل]
تشير بأطراف لطاف كأنّها … أنابيب مسك أو أساريع مندل (١)
وتومي بلحظ فاتر الطرف فاتن … بمرود سحر بابليّ مكحّل
ينمّ على ما بيننا من تجاذب … نسيم الصّبا جاءت بريّا القرنفل
وقوله: [السريع]
يا خالق العرش حملت الورى … لمّا طغى الماء على جاريه (٢)
وعبدك الآن طغى ماؤه … في الصّلب فاحمله على جاريه
ومنهم:
٤٢ - سعد بن علي الحظيري الكتبي (٣)
стр. 5793
محظور على غيره البلاغة، محذور البيان فلا يؤمّل بلاغه، قرأ واطّلع وامتلأ واضطلع حتى ألّف وجمع، وصنّف ما أضاءت له هذه اللّمع، وله من سرّ الصناعة ما يحقّ له به أن لا يبوح لا بل هو المسك أقلّ رتبة أن يفوح، والبدر لو جهد الغمام في إخفائه لا بدّ أن يلوح، والسجع المطرب فلا غرو للحمام لقصوره عنه أن ينوح.
وله تأليفات أبدعها، وأودعها فوائد نوّعها، وفرائد في عقود الآداب رصّعها منها زينة الدهر، نحى بها منحى اليتيمة، ومنها لمح الملح، ويشتمل على بديع أجاد تقسيمه لمن أراد تعليمه (١).
وممّا نذكره من جنيه الملتقط، وشهيّه الذي لا يلام من ترك المدام، واقتصر عليه فقط.
/ ٤٢٨/ قوله، وقد أثبت شيئا من شعره في خاتمة زينة الدهر: [السريع]
هذا كتاب قد غدا روضة … ونزهة للقلب والعين (٢)
جعلت من شعري له عوذة … خوفا وإشفاقا من العين
ومنه قوله: [البسيط]
شابت ذوائب صبري يا معذّبتي … في ليلتي وعذار الليل لم يشب
ودون صبحي ستر من زمرّدة … مسمّر بمسامير من الذّهب
وقوله: [الطويل]
شكوت إلى من شفّ قلبي ببعده … توقّد نار ليس يطفا سعيرها
فقال: بعادي عنك أقرب راحة … فلولا ارتفاع الشمس أحرق نورها
وقوله: [مخلع البسيط]
стр. 5794
قد حجبت شمس وجنتيه … سحاب شعر من العذار
فاعتضت من حرّها ببرد … وقرّ في حبّه قراري
وقوله: [السريع]
مدّ على ماء الشباب الذي … بخدّه جسرا من الشّعر (١)
صار طريقا لي إلى هجره … وكنت فيه موثق الأسر
وقوله: [الخفيف]
أحدقت ظلمة العذار بخدّب … هـ فهاجت في حبّه زفراتي (٢)
قلت: ماء الحياة في فمه الآ … ن فدعني أخوض في الظلمات
وقوله: [مجزوء الكامل]
إن لم ينم لك وهو أم … رد، نام وهو معذّر (٣)
والنوم يعسر في النها … ر وفي الدّجى يتيسّر
وقلت في معناه: [الكامل]
قد كان أمرد فالتحى وبدت على … كافور وجنته سحائب عنبر
٤٢٩/ وتسهّلت للعاشقين حباله … من بعد طول تمنّع وتعسّر
فكأنّه نوم تيسّر في الدجى … لمّا تعذّر في الصباح المسفر
وقوله: [الخفيف]
كنت فيما مضى أحبّ فلانا … وثناني عنه سواد العذار
стр. 5795
نار وجدي توقّدت فوق خدّي … هـ وهذا رماد تلك النار
وقوله: [مخلع البسيط]
وذات طرف قد طرّفته … تسبق في الوهم كلّ نعت (١)
كأنّه في البياض علمي … قد اختبا في سواد بختي
وقوله: [الكامل]
قالوا: به عرج فقلت: ضللتم … حاشاه أن تسطو العيون عليه (٢)
ما ذاك من عرج به لكنّها … قدماه لم تنهض برادفتيه
وقوله: [السريع]
كأنّني الحمّام من زفرتي … وأدمعي الهامية الجاريه
الماء يجري من أنابيبه … والنار في أحشائه واريه
وقوله: [السريع]
(نصر) علينا زاد في تيهه … وهجونا ينقص من مجده (٣)
والظّفر إن أسرف في طوله … يردّ بالقصّ إلى حدّه
وقوله: [المنسرح]
وأشقر الشعر من لطافته … يجرح لحظ العيون خدّيه (٤)
فإن بدا من يشكّ فيه فلي … شاهد عدل من لون صدغيه
стр. 5796
وقوله: [المنسرح]
وأشقر الشّعر بتّ من كلفي … به على النار من محبّته (١)
كأنّ صدغيه في احمرارهما … قد صبغا من مدام وجنته
٤٣٠/ ومنه قوله: [البسيط]
ما اشقرّ شعر حبيبي إنّ وجنته … سقته من خمرها يوما وقد خجلا (٢)
وإنّما لفحت خدّيه من كبدي … نار ودبّت إلى صدغيه فاشتعلا
وقوله: [المنسرح]
تحت فم الحبيب شامة كملت … حسنا وحاز الجمال مبسمه
كأنّها قد غدت تراصد أن … يغفل عنه الواشي فتلثمه
ومنه قوله: [الخفيف]
قل لمن عاب شامة لحبيبي … دون فيه: دع الملامة فيه (٣)
إنّما الشامة التي قلت عيب … فصّ فيروزح لخاتم فيه
وقوله: [مخلع البسيط]
أقول والليل في امتداد … وأدمع الغيث في انفساح
أظنّ ليلي بغير شك … قد بات يبكي على الصّباح
ومنه قوله: [الكامل]
وخريدة قبّلتها وجبينها … فلق الصباح وشعرها جنح الدّجى
стр. 5797
وقرصت خدّيها لأجني وردها … فكأنّما أنبتّ فيه بنفسجا
وقوله: [السريع]
قد وضع الكفّ على كشحه … وسمعه مصغ إلى المنشد (١)
خاف من الردف على خصره … فقد غدا يمسكه باليد
ومنه قوله: [الكامل]
قد كان يجمع صحبة وقرابة … فتفرّقوا عنه لكثرة ماله
مثل الهلال ترى الكواكب حوله … فإذا استتمّ تناقصوا لكماله
وقوله: [الكامل]
لم يحبس المولى الكريم نواله … بخلا عليّ ولم يكن بالسّاخط (٢)
٤٣١/ أنشدت في علياه شعرا باردا … والبرد يقبض كل كفّ باسط
وقوله: [الطويل]
بدا الشيب في فودي فأقصر باطلي … وأيقنت قطعا بالمصير إلى قبري (٣)
أتطمع في تسويد صحفي يد الهوى … وقد بيّضت كفّ النّهى حسبة العمر
ومنه قوله: [الطويل]
ومستحسن أصحبت أهذي بذكره … وأمسيت فى شغل من الوجد شاغل (٤)
وعارضني من سحر عينيه جنّة … وقيّدني من حبّه بسلاسل
стр. 5798
وقوله: [المتقارب]
لئن قيل أبدع تشبيهه … ولم يكس معناه لفظا سليما (١)
فمن عنب الكرم تجنى السلاف … وإن لم يكن غصنه مستقيما
ومنه قوله لغز في القلم: [الوافر]
وممشوق القوام إذا تثنّى … رأيت الحسن في ذاك التثنّي
تراه يطابطون البيض طورا … وطورا فوق أظهرهنّ يمني
يواصل في الشباب فحين يبدو … مشيب الرأس يعروه التجنّي
ومنه قوله: [البسيط]
لمّا حنى الشيب ظهري صحت وا حزنا … دنا أوان فراق الروح للجسد (٢)
أما ترى القوس أحني ظهرها فدنا … ترحّل السهم عنها وهي في الكبد
ومنه قوله لغز في الناعورة: [المتقارب]
وصامتة تتغنّى لنا … وأدمعها بين سفح وسفك
تراها كذا أبدا ودهرا … تدور على غير شيء وتبكي
وقوله: [الهزج]
إذا المعنى عدا الشعر … فتعليقي له جهل
٤٣٢/ ولولا الدّر في البح … ر لما كان له فضل
стр. 5799
ومنهم:
٤٣ - القاضي ناصح الدين أبو بكر أحمد بن محمد الأرّجاني (١).
قرأ الفقه حتى ثبت ورسخ، والأدب حتى نبت غصنه وما فسخ، وكتب حتى ظنّ خطّ العذار البديع أنّه ممّا نسخ. وحصل جوائز الثناء من بعض ما به رضخ، وصاد المعاني وما امتدّ له من النجوم شباك ولا نصب له من الهلال فخّ. إمام في الغوص لا يبلغ مبلغه، وغمام لا شيء يفرغه، ومورد فضل لكلّ وارد يسوغه، ومقصد أمل أقلّ رتبة أنّه يبلغه. تفقّه أوّل زمانه ثمّ تأدّب، وتنبّه به خصب التحصيل وما كان أجدب، وولي قضاء تستر، وعسكر مكرم، ووجد الكرامة من كلّ مكرم، وهو ممّن أثنى عليه ابن سعيد ثناء صريحا، بل جعل له غناء لا يدع إلاّ من هو من فواضل غناه مستميحا، [] (٢) له حلل هذا التقريظ الأريض وحلي ذهب هذا الوميض، إذ كان لا يلزّ بقرين في القريض، ولا يستفزّ بقريب ولا بعيد معه يفيض، من كلّ قصيدة تسكن الأوج والنجوم حضيض، ومعنى أسحر من الجفن الصحيح المريض، وأبعد في التصوّر من اجتماع النقيض والنقيض، بخاطر إناؤه بالذكاء يفيض وقلب
стр. 5800
قراره للأذن مغيض، وذهن تطاير شرارا، وفنّ تناثر كواكب لا تعدم الهلال سرارا، وعني بجمع ديوان شعره العماد الأصفهاني الكاتب، وعلا به أشرف المراتب، ولأهل بلاد العجم فيه رغبة الضنين، وطربة الحنين، على أنّه ليست من تراب العجم طينته، ولا إلى أتراب فارس سكينته، وإنّما سكن بلاد فارس سلفه فغلب على نسبه العربيّ نسبته العجميّة حتى غطّى على نهاره سدفه.
قال العماد الكاتب في حقّه في الخريدة (١): " .... وهو وإن/ ٤٣٣/ كان في العجم مولده فمن العرب محتده، سلفه الكريم من الأنصار لم يسمح بنظيره في سالف الأعصار، أوسيّ الأسّ خزرجّيه قسيّ النّطق إياديّه، فارسيّ القلم، وفارس ميدانه، وسلمان برهانه، من أبناء فارس نالوا العلم (٢) المتعلّق بالثريّا. جمع بين العذوبة والطيب في الريّ والريّا".
انتهى كلام العماد.
ومختاره الذي لا يثلم له غرار (٣)، ولا يهدم له منار، قوله: [الكامل]
علق القضيب مع الكثيب بقدّه … متجاذبين لحسنه وبهائه (٤)
حتى إذا خافا النزاع تراضيا … للفصل بينهما بعقد قبائه (٥)
ذو غرّة كالنجّم يلمع نوره … في ظلمة أخفته من رقبائه
أترعت في حجري غديرا للبكا … فعسى يلوح خيالها في مائه
стр. 5801
بيضاء لما آيست من وصلها … وبدت بدوّ البدر وسط سمائه (١)
ومنه قوله: [الخفيف]
وعدت باستراقة للقاء … وبإهداء زورة في خفاء (٢)
ثمّ غارت من أن يماشيها ال … ظلّ فزارت في ليلة ظلماء
ثمّ خافت لمّا رأت أنجم الل … ليل شبيهات أعين الرقباء
فاستنابت طيفا يلمّ ومن … يملك عينا تهمّ بالإغفاء (٣)
هكذا نيلها إذا نوّلتنا … وعناء تسمّح البخلاء
لست أنسى يوم الرحيل وقد غر … رد حادي الركائب للإفضاء (٤)
فتباكت ودمعها كسقيط الط … لّ في الجلنّارة الحمراء
وأرت أنّها في الوجد مثلي … ولها للفراق مثل بكائي
٤٣٤/ فترى الدّمعتين في حمرة الل … لون سواء وما هما بسواء
وقوله: [الكامل]
يا دمية من دون رفع سجوفها … خوض الفتى بالخيل بحر دماء (٥)
دمعي وبخلك يسلكان طريقة … تغني عن الواشين والرّقباء
ومنه قوله:
يا ماءها أنا من فنائك راحل … فلقد أطلت ولم ينلك رشائي (٦)
стр. 5802
بخل الغمام عليك بخلك ظالما … وجفا ذراك كما أطلت جفائي
وإذا تفروزت المياه بخضرة … فبقيت غير مدبّج الأرجاء (١)
وإذا الربيع كسا البلاد برودة … فتجاوزتك فسائح الأنواء (٢)
وقوله: [الطويل]
وإنّي لأستشفي بسقم جفونها … وهل عند سقم مطلب لشفاء (٣)
ولمّا تلاقينا وللعين عادة … تثير وشاة عند كلّ لقاء
بدت أدمعي في خدّها من صقالة … فغاروا وظنّوا أن بكت لبكائي
وممّا شجاني والزمان مقوّض … حمائم غنّت في فروع أشاء
وما خلت ألحان الأعاجم قبلها … تشوق وتشجو علية الفصحاء
وما ذكّرتني ما نسيت من الهوى … بحال ولكن طربة بغناء
وقوله منها في المديح:
أغرّ يطيف العين من نور وجهه … بشمس سماح لا بشمس سماء (٤)
سل العيس عنه هل وردن فناءه … فأصدرن عنه الوفد غير رواء
٤٣٥/ وهل ينظم الأقران في سلك رمحه … بطعن كتفصيل الجمان ولاء
فللّه ما ضمّت حمائل سيفه … لداعي الندى من هزّة ومضاء
وقوله: [الرمل]
стр. 5803
بكروا والصّبح في طيّ الدّجى … وجه حسناء حيّي في خباء (١)
وحداة العيس ينفون الكرى … ويطيرون المطايا بالحداء
كلّ وجناء إذا ما طرّبوا … عطّت البيد بهم عطّ الملاء
وإذا ما ادّرعت هاجرة … جعل الظلّ لها مثل الحذاء
ومنه قوله في وصف تركي، والترك لا تنطق بالفاء، لأنّها لا رهن لها قولا بالوفاء، وأبدع في البيت الثاني، وأودع فيه ما زاد على سياق المعاني وهو: [الخفيف]
كيف يسخو لنا بفعل وفاء … ذو لسان خال من اسم الوفاء (٢)
كيف يصحو من سكرة التيه بدر … ما خلافوه قطّ من صهباء
ومنه قوله: [الطويل]
وقالت لي الحسناء غالطت ناظري … وبعض بكاء العاشقين خلاب (٣)
وما ارتاب بي الأحباب إلاّ بأنّهم … إذا نظروا كانوا الذين أرابوا
وقوله: [الطويل]
فإن تسلبوا القلب الذي في جوانحي … فإنّي إليكم بعده لطروب (٤)
فنحن أناس للحنين كأنّما … خلقنا جسوما كلّهن قلوب
ومنه قوله: [الكامل]
حلفت بإنضاء السّفار ذوائب … عليهنّ أنجاب وهنّ نجائب (٥)
стр. 5804
لأدرعنّ الليل أسحب ذيله … إلى أن يرى فرع من الصّبح شائب
بصحب لهم بيض السيوف أضالع … وعيس عليهنّ الرجال غوارب
٤٣٦/ ومنه قوله، وهو وإن كان مطروقا، فإنّه لمكان الزيادة فيه موموقا: [الطويل]
وقد ماج للأبصار بحر صبيحة … به الشّهب درّ بين طاف وراسب (١)
وأهوى الثريّا للأفول بدقّة … كما قرّبت كأس إلى فم شارب
ومنه قوله:
ردوا يا بني الآمال جمّة جوده … فما البحر من غرف الأكفّ بناضب (٢)
إلى بيت جود ما يزال حجيجه … يوافون ملء الطّرق من كلّ جانب
إذا مدّت الأعناق أجمال سائر … إليه تلقّتهنّ أجمال آئب
فلم ندر ما ذا منه نقضي تعجّبا … سؤال المطايا أم جواب الحقائب
تسحّ مياه الجود في بطن كفّه … لكلّ أناس فهي شتّى المشارب
ويحسب ما تبدو به من خطوطه … أسارير كفّ وهي طرق المواهب
وقوله: [الكامل]
ما جبت آفاق البلاد مطوّفا … إلاّ وأنتم في الورى متطلّبي (٣)
سعيي إليكم في الحقيقة والذي … تجدون عنكم فهو سعي الدّهر بي
أنحوكم ويردّ وجهي القهقرى … دهري فيسري مثل سير الكواكب (٤)
فالقصد نحو المشرق الأقصى له … والسّير رأي العين نحو المغرب
стр. 5805
ومنه قوله: [الكامل]
في حكم طرفي حين كان مريبا … أن لا أعد على الوشاة ذنوبا (١)
الدّمع منه فكم أعاتب واشيا … والمنع منك فلم ألوم رقيبا
٤٣٧/ يا برق لم يقدح زنادك موهنا … إلاّ لتوقع في حشاي لهيبا
عندي من العبرات ما تسقى به … للعامرّية أجرعا وكثيبا
وبمهجتي سار أجدّ مع النوى … عتبا وساق مع الركاب قلوبا
فغدا بقلبي في الظعائن مركبا … وبكلّ قلب غيره مجنوبا
منها:
يا ماجدا ما لاح بارق بشره … إلاّ بوابل جوده مصحوبا (٢)
آوى الوفاء إلى كريم جنابه … إذ كان في هذا الزمان غريبا (٣)
ومنه قوله: [الكامل المرفل]
لله يوم الجزع موقفنا … لمّا تعرّض للمها سرب (٤)
متطلّعات للعيون ضحى … وأكفّها لوجوهها نقب
يرمقن من شبك البنان فما … يزكو حليم القوم أو يصبو (٥)
من كلّ فاتنة لمعصمها … تبدي فيشجى القلب والقلب (٦)
стр. 5806
كالسّهم راميه يقرّبه … ولأجل بعد ذلك القرب
مدّت إليّ يدا تودّعني … فدنا إليها المغرم الصّب
وقوله: [الطويل]
أحنّ إلى طيف الأحبّة ساريا … ودون سراه نبوة الجفن الجنب (١)
فما للنوى لا يعتري غير مغرم … كأنّ النوى صبّ من الناس بالصّب
فللّه ربع من أميمة عاطل … توشّحه الأنداء باللؤلؤ الرّطب
جعلت به قيد الركائب وقفة … إذا شاء ربع الحي طالت على صحبي
رميت محيّا دارهم عن صبابة … بسافحة الإنسان سافحة الغرب
٤٣٨/ أروّي بها خدّي وفي القلب غلّتي … وقد يتخطّى الغيث أمكنة الجدب
ومنه قوله: [الطويل]
سل النّجم عنّي في رفيع سمائه … أشاهد مثلي من جليس مبائت (٢)
أساهره حتى تكلّ لحاظه … وينسلّ في الصّبح انسلال المغالت
[وقوله] (٣): [الكامل]
يا ناسي الميعاد من سكر الصّبا … بعذاب هجرك كم ترى أن تعنتا (٤)
يوم المتيّم منك حول كامل … يتعاقب الفصلان فيه إذا أتى
ما بين نار حشى وماء مدامع … إن جنّ صاف وإن بكى وجدا شتا
وقوله: [الكامل]
стр. 5807
واها لعصر العامرية في الحمى … والعهد لولا أنّه منكوث (١)
بيضاء فاتنة لصخرة قلبها … في ماء عيني لو تلين أميث
مقسومة شمسا وليلا إذ بدت … للناظرين فواضح وأثيث (٢)
فالشمس في حيث النقاب تحطّه … والليل في حيث الخمار تلوث
ودّ الهلال لو انّه طوق لها … والنجم لو أمس بها التّرعيث (٣)
والشمس أقنع قلبها من شبهها … أن قد تعلّق باسمها تأنيث
وقوله: [الطويل]
ويوم الكثيب الفرد لمّا استفزنّا … وداع وكنّا من وشاة بمدرج (٤)
وقفنا فدلّسنا على رقبائنا … فظنّوا خليّا كلّ ذي لوعة شجي
حططت لثاما عن مجود مورّس … وألقت نقابا عن أسيل مضرّج (٥)
فما زلت أذري دمع عيني صبابة … وتبدي دلالا عن شتيت مفلّج (٦)
٤٣٩/ وقال رقيبانا دعوا لوم ناظر … وناظرة لم تنو سوءا فتحرج
رعت هي روض الزّعفران وبادرت … وحدّق ذا في الشمس عند التوهّج
فبالطّبع مجلوب بكاه وضحكها … بلا محزن ممّا ظننّا ومبهج
منها في المديح:
стр. 5808
كسرتم جناحي جيش كسرى وقلبه … بضرب كما ألهبت نيران عرفج (١)
غداة دلفتم بالرماح شوائلا … ترى النقع فيها مثل ثوب مفرّج
وقوله: [السريع]
أكلّما اشتقت الحمى شفّني … لاح إذا برق على الغور لاح (٢)
يزيد إغرائي إذا لامني … وربّما أفسد باغي الصّلاح
ما ذا عسى الواشون أن يصنعوا … إذا تراسلنا بأيدي الرّياح
وربّ ليل قد تدرّعته … رهين شوق نحوكم وارتياح
حتى بدت تطلق طير الدّجى … من شبك الأنجم كفّ الصّباح
لا غرو أن فاضت دما مقلتي … وقد غدت ملء فؤادي جراح
وقوله: [الطويل]
سعى للعلى والأفق حول ركابه … بأعزل يسعى من نجوم ورامح (٣)
كأنّ الثريا استأمنت لجنودها … فقد بسطت للعهد كفّ مصالح
وقوله: [الكامل]
شاق الحمام إليك لمّا ناحا … صبّا تذكّر إلفه فارتاحا (٤)
ليت الحمام أتّم بي إحسانه … فأعارني أيضا إليك جناحا
٤٤٠/ يا نازحا لم ينقطع ذكري له … لو أنّ ذاك يقرّب النّزاحا
وعلى الجياد معارضين فوارس … فوق الكواثب عارضين رماحا
стр. 5809
لو قاتلوا بدل الظّبى بلحاظها … كانوا إذا أمضى الأنام سلاحا
ومرنّح الأعطاف تحسب صدغه … ليلا وتحسب خدّه مصباحا
بتنا نديمي عفة في خلوة … متساقيين ولا زجاجة راحا
خاطبت كلّ معاشر بلغاتهم … زمنا مخاطبة الصّدى من صاحا
وقوله في الشمعة: [الكامل]
أفردت من إلف شهيّ وصله … حلو الجنى عذب المذاق صريح (١)
قد سلّ من جسمي وكان شقيقه … فرجعت عنه بقلبي المقروح
وأنا له هو قد فقدت بعينه … أفليس بخل مدامعي بقبيح
بالنّار فرّقت الحوادث بيننا … وبها نذرت أعود أقتل روحي
وقوله: [الطويل]
ومسترق من وصل أغيد فاتن … محاسنه روضي وعيناي رائدي (٢)
تغطيّت منه تحت قطر مدامعي … تغطّي سلك تحت نظم الفرائد
تمتّعتما يا ناظريّ بنظرة … وأوردتما قلبي أمر الموارد (٣)
أعينيّ كفّا عن فؤادي فإنّه … من البغي سعي اثنين في قتل واحد
ومنها قوله:
مواقف خطّت للهدى نبوّية … لأبيض من بيت النّبوة ماجد (٤)
إذا خرجت منها المراسم صوّرت … ثرى الأرض آثار الوجوه السواجد (٥)
стр. 5810
٤٤١/ ومنه قوله: [الطويل]
أحنّ إلى ليلى على قرب دارها … حنين الذي يشكو لألاّفه فقدا (١)
ولي سلك جسم ملؤه درّ أدمع … فلولا العدا أمسيت في جيدها عقدا
وآخر عهدي يوم جرعاء مالك … بمنعرج الوادي وأظعانهم تحدى
ولما دنت والسّتر مرخى ودونها … غيارى غدت تغلي صدورهم حقدا
تقدّمت أبغي أن أبيع بنظرة … إلى سجفها روحي لقد رخصت جدّا
أسفت على ماضي عهود أحبّتي … وهل يملك المحزون للفائت الرّدا
ومنه قوله: [الكامل]
ناشدتكم إلاّ قصرتم ساعة … فضل الأزمّة عند برقة منشد (٢)
أنا مسعد فيكم فهل من مغرم … أو مغرم فيكم فهل من مسعد
ربع وقفت أرى وجوه أحبتي … فيه بعيني ذكري المتجدّد
من كلّ ظاعنة أقام خيالها … وقضت تروح لها الركاب وتغتدي
لمّا سبقت إلى الحمى وتلاحقوا … صحبي وهل لأسير حبّ مغتدي
بمعاج نضو في محلّ داثر … ومجال طرف في رسوم همّد
عطر ثراه على تطاول عهده … بمجرّ أذيال الحسان الخرّد
ومسهّر قال النجوم لطرفه … هي عقبة بيني وبينك فارصد
كم قد سهرت وكم رقدت لياليا … فالآن قد أغنيت فاسهر وارقد
وقوله: [الطويل]
стр. 5811
نظرت وأقمار الخدود طوالع … فقد أتلعت بيض السوالف غيدها (١)
فلم أر كالألحاظ لولا نبوّها … ولم أر كالأجياد لولا صدودها
٤٤٢/ ومهما حدا الحادي بسعدى ففي الكرى … معيد على رغم الفراق يعيدها
ممنّعة حاطت عليها رماحها … ولو قدرت خيطت عليها جلودها
وقد زاد أشواقي إليكم حمائم … وما كنت أدري أنّ شيئا يزيدها
مطوّقة من زرقة الفجر قمصها … ومن حلكة الليل البهيم عقودها
ولو قد أعادت حين شاقت إليكم … جناحا به يطوى على النأي بيدها
تقلّدت منها منّة يغتدي لها … مدى الدّهر في طوقين جيدي وجيدها
ومنه قوله: [الخفيف]
أنشدتنا ورق الحمائم عند الصّ … بح من شعرها القديم قصيدا (٢)
قوّمت وزنها وإن لم تعلّم … من عروض طويلها والمديدا
وتغنّت بكلّ منظومة عج … ماء تجلو معنى وتحلو نشيدا
ما ابتداها لكن إذا درس الشّو … ق فؤادي كان الحمام معيدا
وكأنّ الحبيب يوم وداعي … ودموعي للبين تحكي الفريدا
علّق العقد فوق خدّي وأوصى … أن يخلى كذاك حتى يعودا
ومنه قوله: [الخفيف]
ربّ مستجهل العواذل فيه … بتّ منه بمقلة ليس تهدى (٣)
قمر بتّ ساهرا فيه حتى … كدت أفني فيه الكواكب عدّا
стр. 5812
لو عدا منه [] غليلي (١) … لأبت وجنتاي أن تتندّى
جاء يوم الوداع ينشد فيه … ما ترى العيس في الأزمّة تحدى
وبدا للنّوى به مثل مابي … كم هوى كان لازما فتعدّى
٤٤٣/ وتقاضيته وداعا ولثما … ليكونا لنا سلاما وبردا
فتأبّى واعتاده خجل … ألهب منّي ومنه قلبا وخدّا
ثمّ ولّى كالغصن في مرح … يفتل مني ومنه جيدا وقدّا
بعد ما أنفذ الحشا بجفون … سحر القلب طرفها حين ردّا
ومنه قوله: [البسيط]
يا من غدا فرط حبّي وهو يحمله … على البصيرة منّي لو على البصر (٢)
إن تغش طرفي وقلبي نازلا بهما … فالطرف والقلب كلّ منزل القمر
إن يطرق الطيّف عيني وهي باكية … فالبدر في الغيم يسري وهو ذو مطر
كأنّ جفني إكراما لزائره … أمسى على قدميه ناثر الدّرر
تحيّة من عرار الرّمل واصلة … والرّكب يطلع من أعلام ذي نفر
وليس بالرّيح إلاّ أنّها نسمت … على مساحب ذيل بالحمى عطر
لله خيل بكا تجري صوالجها … أهداب عيني وقطر الدّمع كالأكر
والجوّ كالروّضة الخضراء معرضة … لناظري والنجوم الزّهر كالزّهر
ومنه قوله: [الطويل]
أذاكرة يوم الوداع نوار … وقد لمعت منها يد وسوار (٣)
стр. 5813
عشيّة ضنّوا أن يجودوا فعلّلوا … وخافوا العدى أن ينطقوا فأشاروا
فليت ديار النازحات قلوبنا … لنسلو من ليت القلوب ديار (١)
وليلة أهدين الخيال لناظري … وبالنّوم لولا الطّيف عنه نفار
تقنّصته والأفق يجتاب حلّة … من الوشي يسدى نسجها وينار (٢)
٤٤٤/ فلا تحسب الجوزاء طرفك إنّها … هديّ لها شهب الظلام نثار (٣)
وإنّ الثّريا بات فضيّ كأسها … بأيدي ندامى الرّيح وهو يدار (٤)
فليس الدّجى إلاّ لنار تنفّسي … دخان تراقى والنجوم شرار
وقوله: [الطويل]
خيالك من قبل الكرى طارقي ذكرا … ففيم التزامي للكرى منّة أخرى (٥)
غدا شخصكم في العين منّي قائما … فمن نمّة الواشي بكم أخذ الحذرا
فو الله ما ضمّي الجفون لرقدة … ولكن لألقى منكم دونكم سترا (٦)
وفتّانة صاغت سلاسل صدغها … قيودا على أعداد عشاّقها الأسرى (٧)
تبسّم عن درّ تكلّم مثله … فلم أر أحلى منه نظما ولا نثرا
وقوله: [الكامل]
لا طالب الله الأحبّة إنّهم … ناموا عن الصبّ الكئيب وأسهروا (٨)
стр. 5814
هجروا وقد وصّوا بهجري طيفهم … يا طيف حتى أنت ممّن يهجر
دون الخيال ودون من يشتاقه … ليل يطول على جفون تقصر
ومخيّمون مع القطيعة إن دنوا … هجروا وإن راحوا إلينا هجرّوا
أرأيت يوم البين ما صنعوا بنا … والحيّ منهم منجد ومغوّر (١)
سفروا فلمّا عارض القوم اتّقوا … بمعاصم فكأنّهم لم يسفروا
أعقيلة الحيّ المطنّب بيتها … حيث القنا من دونه تتكسّر
أخفى إذا عاينت وجهك من ضنى … فأدقّ عن درك العيون وأصغر (٢)
وأرى بنورك كلمّا أدنيتني … وكذا السّها ببنات نعش يبصر
٤٤٥/ خطرت إليّ فزاد من طربي لها … أن لم يكن بالبال ممّا يخطر
وكأنّما تركت بخدّي عقدها … ليكون تذكرة بها يتذكّر
ومنه قوله: [الطويل]
ولم أنسها يوم الرّحيل وقد لوت … بتسليمة التوديع حاشية السّتر (٣)
وقلبي مع الرّكب اليمانيّ رائح … لقى بين أيدي العيس في البلد القفر
أقول وإلفي للوداع معانقي … ولي دمعة غيّضتها فهي في نحري
أدر لي كؤوس اللثم صرفا لعلّه … تسير المطايا عند سكري ولا أدري
ومنه قوله: [البسيط]
خود إذا سفرت للعين أو نطقت … فالطّرف لي قاطف والسّمع مشتار (٤)
стр. 5815
تريك حليا على نحر إذا التمعا … لاحا كأنّهما جمر وجمّار
لا أشرب الدّمع إلاّ أن يغنّيني … ورق سواجر مهما رقّ أسحار (١)
من كلّ أخطب مسكيّ العلاط له … في منبر الأيك تسجاع وتهدار (٢)
خطيب خطب وقد أفنى السواد بلى … فمن بقيّته في الجيد أزرار
ومنه قوله: [الخفيف]
أحضر الليل منه عقدا وثغرا … حين ولّى ليعقب الوصل هجرا (٣)
وأردت اختلاس قبلة تودي … ع فكلّ في ناظري كان درّا
فتحيّرت أحسب الثغر عقدا … من سليمى وأحسب العقد ثغرا
فلثمت الجميع قطعا لشكي … وكذا يفعل الذي يتحرّى
ومنه قوله: [المنسرح]
٤٤٦/ عدت بقلب في الوجد منتكس … وناظر في الدموع منغمس (٤)
وكان ليلي كأنّه نفس … فصار ليلي كأنّه نفسي
وقوله: [الطويل]
بما عنّ من شكوى زمان تعرّضا … تناسيت لذّات الزمان الذي مضى (٥)
فلا تذكراني عهد نجد وأهله … إذا الريح هبّت أو إذا البرق أومضا
فما في ضميري اليوم من طارق الأسى … مكان لتذكار السرور الذي انقضى