← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11790

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط المجمع الثقافي

ابن فضل الله العمري

Полный текст (8 839 стр.). Показаны 5881–5920 · переход к 5886.

стр. 5881

فسمحت حتى بالحشاشة في الهوى … وبخلت حتى بالخيال الطارق (١) ومنه قوله: [الطويل] وذي هيف للبرق منه ابتسامة … وراء غمام عن مدامعه أبكي أظنّ مهاة الرمل عن لحظاته … إذا نظرت تحكي من السحر ما يحكي (٢) ومنه قوله في صفة الدرع: [الوافر] وكلّ مفاضة تحكي غديرا … يعانق وهو مرتعد شمالا (٣) ٤٩٨/ وقد أهدى الدّبى حدقا صغارا … لها فتحولت حلقا دخالا (٤) إذا وسع التّقى كرمي فأهون … بخود ضاق قلباها مجالا (٥) ومنه قوله: [البسيط] ما للجبان ألان الله جانبه … ظنّ الشجاعة مرقاة إلى الأجل وكم حياة جنتها النّفس من تلف … ورب أمن حواه القلب من وجل (٦) منها: حنّت إليهم ظبا الأسياف ظامئة … حتى أبت صحبة الأجفان والخلل (٧)

стр. 5882

إذا جرى ذكرهم باتت على طرب … متونهنّ إلى الأعناق والقلل (١) ومرهف أنحل الهيجاء مضربه … لا يألف الدهر إلاّ هامة البطل (٢) وذابل ينثني نشوان من علق … كالأيم رفّع عطفيه من البلل (٣) وقوله: [الكامل] والشمس راكدة يذوب لعابها … والظلّ يكنس تارة ويماشي (٤) ومنه قوله: [الكامل] فبدا وقد نشر الصباح رداءه … كالأيم ماج به الغدير فنضنضا (٥) إذ لم يصرّح بابتسامك جهرة … فلقد - وحبّك يالبينى - عرّضا (٦) وقوله فيه: [الطويل] كأنّ خلال الغيم من لمعانه … يدي قادح يرفضّ من زنده سقط (٧) تناعس في وطفاء إن حلّت الصّبا … عزاليها بالودق عيّ بها الرّبط (٨) منها:

стр. 5883

تبسّم عن أحوى اللثاث يزينه … جمان يباهيه على جيدها السّمط (١) ومنه قوله: [الكامل] ٤٩٩/ والرّكب من دهش النّوى في حيرة … لا راقدون ولا هم أيقاظ وبدت لنا هيفاء مخطفة الحشا … فتناهبت وجناتها الألحاظ فكأنّما ألفاظها عبراتها … وكأنّما عبراتها الألفاظ (٢) وقوله: [الطويل] علوت ففتّ النّجم حتى تخاوصت … إليك عيون الشهب وهي جواحظ (٣) ومنه قوله: [البسيط] رنا وناظره بالحسر مكتحل … أغنّ يمتار من ألحاظه المقل (٤) فرحت أدنو بقلب هاجه شجن … وراح ينأى بخّد زانه خجل (٥) منها: يمشي كما لاعبت ريح الصّبا غصنا … ظلّت تجور به طورا وتعتدل ذو وجنة إن جنت عين الرقيب بها … ورد الحياء كساها ورسه الوجل (٦) ومنه: [الطويل]

стр. 5884

وحيّ من الأعداء تبدي شفاههم … نواجذ مقرون بهنّ الأنامل (١) فمنهم بمستنّ المنايا معرس … تطيف به سمر القنا والقنابل (٢) وآخر تستدني خطاه قيوده … وهنّ بساقي كلّ عاص خلاخل أزرتهم بيضا كأنّ متونها … أجنّ المنايا اسودّ فيها الصياقل (٣) ومنه قوله: [الكامل] واها لعصرك وهو يقطر نضرة … ويميس تحت ظلاله التأميل فكأنّه ورد الخدود إذا اكتست … خجلا وكان يذيبها التقبيل لولا تأخرّه وقد أوقرته … كرما لنمّ بفضله التنزيل (٤) ومنه قوله في وصف بغداد: [الطويل] ٥٠٠/ هواء كأيام الهوى لا يغبّه … نسيم كلحظ الغانيات عليل وعصر رقيق الطّرتين تدرّجت … على صفحتيه نضرة وقبول (٥) ومنه قوله: [البسيط] لله ما صنعت أيدي الركاب بنا … عشيّة استتر الأقمار بالكلل (٦) إذا ابتسمن سلبن البرق روعته … وإن نظرن فجعن الظّبي بالكحل من كلّ بيضاء مصقول ترائبها … مقسومة العهد بين الغدر والملل

стр. 5885

تسلّ من مقلتيها صارما أخذت … من حدّه وجنتاها حمرة الخجل (١) ومنه قوله: [الطويل] أتحسب تلك العامرية أنّني … أذلّ ويأبى المجد أن أتذّللا وتزعم أنّي رضت قلبي لسلوة … إذا لا أقال الله عثرة من سلا (٢) ومنه قوله: [الطويل] ولولاك يا ذات الوشاحين لم تكن … موشّحة من أدمعي بلآل وفيك صدود من دلال أظنّه … على ما حكى الواشي صدود ملال فلا تلزميني ذنب دهر يسومني … على غلظ الأيام رقّة حالي (٣) وعند بنيه حين يخشى بناتها … قلوب نساء في جسوم رجال (٤) ومنه قوله: [البسيط] من أغفل الحزم أدمى كفّه ندما … واستضحك النّصر من أبكى السيوف دما فالرأي يدرك ما يعيا الحسام به … إذا الزمان بذيل الفتنة التثما (٥) [ومنه قوله] (٦): [الطويل] يشيّعهم قلب المشوق وربّما … يقاد إلى ما ساءه بزمام

стр. 5886

٥٠١/ وقد بخلت سعدى فلا الطيف طارق … وليس بمردود إليّ سلامي من الهيف يستعدي على لحظها المها … وتسلب خوط البان حسن قوام (١) وكم ظمأ تحت الضلوع أجنّه … إلى رشفات من وراء لثام وما ذقت فاها غير أنّي مكرّر … أحاديث ترويها فروع بشام (٢) ومنها: وهل أتناسى العيش غضّا كأنّما … أعير اخضرارا من عذار غلام (٣) بأرض كأنّ الروض في جنباتها … تجرّ ذيول العصب فوق أكام (٤) إذا صافحت غدرانه الريح خلتها … تدرّع أثرا في غرار حسام (٥) ومنه قوله: [الطويل] سرى طيفها والليل رقّ ظلامه … وقد حطّ عن وجه الصباح لثامه وهبّت عصافير اللّوى فتكلّمت … وجاوبها فوق الأراك حمامه (٦) منها: فما راعني إلاّ الخيال وعتبه … وفجر نضا برد الظلام ابتسامه كأنّ ظلام الليل والنجم جائح … إلى الغرب غمد والصباح حسامه (٧)

стр. 5887

ومنه قوله: [البسيط] إذا استنامت إلى العصيان مارقة … يأبى لها الحين أن تبقى إلى حين مشوا إليها بأسياف كما انكدرت … شهب ثواقب في إثر الشياطين (١) ومنه قوله: [الطويل] وليلة نعمان وشى البرق بالهوى … ألا بأبي برق يمان ونعمان (٢) فللّه حزوى حين أيقظ روضها … رشاش الحيا والنجم في الأفق وسنان إذا ما النسيم الطّلق غازل روضها … أمال إليه عطفه وهو نشوان (٣) ٥٠٢/ ولو لم يكن صوب الغمام مدامة … يعلّ بها حزوى لما سكر البان (٤) ومنه قوله: [الكامل] ولقد طرقت الحيّ يحمل شكّتي … ظامي الفصوص أديمه ريّان (٥) ووقفته حيث اليمين جعلتها … طوق الفتاة وفي الشمال عنان (٦) ولقد ذكرت العامريّة ذكرة … لا يستشفّ وراءها النسيان (٧) وهفا بنا ولع النسيم على الحمى … فثنى معاطفه عليّ البان (٨)

стр. 5888

ومشى بأجرعه فهبّ عراره … من نومه وتناجت الأغصان بأكفّ أبطال تكاد دروعهم … عند اللقاء تذيبها الأضغان (٢) منها: ومهنّد تندى مضاربه دما … بيد ينم بجودها الإحسان (٢) ومنه قوله: [الكامل] ورأيت من يمتار ضوء جبينه … بصري فقبلّت الثرى بجبيني (٣) ومنه قوله: [البسيط] وفضّ غمد حسامي في العناق لها … ضمّي كما التفّ بالأغصان أغصان والشهب تحكي عيون الروم خيط على … أحداقها الذرق للسودان أجفان يا أخت معتقل الأرماح يتبعه … إلى وقائعه نسر وسرحان أعرضت غضبى وأغريت الخيال بنا … فلست ألقاه إلاّ وهو غضبان (٤) ومنه قوله: [المتقارب] ولمّا تناديتم بالرحي … ل لم يترك الدمع سرّا مصونا أمنتم على السرّ منّا القلوب … فهلاّ اتّهمتم عليه العيونا (٥) ٥٠٣/ قال العماد الكاتب: أنشدني الحافظ أبو طاهر السلفي قال: أنشدني الأبيوردي:

стр. 5889

تنكّر لي دهري ولم يدر أنّني … أعزّ وأحداث الزمان تهون فظلّ يريني الخطب كيف اعتداؤه … وبت أريه الصّبر كيف يكون (١) وقوله: [البسيط] فلست أدري أمن دمع أرقرقه … أم من مباسمها ما في تراقيها (٢) وقوله: [الطويل] فبرّح بي شوق أراني بثغرها … ودمعي وعقديها وشعري لآليا (٣) ومنه قوله في رثاء السلطان أحمد بن ملكشاه (٤): [الكامل] والبيض تقلق في الغمود كما التوت … رقش تبلّ متونها الأنداء (٥) والسّمر راجفة كأنّ كعوبها … تلوي معاقدها يد شلاّء (٦) والشمس شاحبة يمور شعاعها … مور الغدير طغت به النكباء والنيّرات طوالع رأد الضّحى … نفضت على صفحاتها الظلماء (٧) ومنه قوله من مرثية (٨): [الكامل]

стр. 5890

ولنا بمعترك المنايا أنفس … وقفت بمدرجة القضاء الجاري ملأت قبورهم الفضاء كأنّها … بزل الجمال أنخن بالأكوار (١) ألقوا عصّيهم بدار إقامة … أنضاء أيام مضين قصار (٢) وكأنّهم بلغوا المدى فتواقفوا … يتذاكرون عواقب الأسفار لم يذهبوا سلفا لنغبر بعدهم … أين البقاء ونحن في الآثار (٣) منها: والناس يستبقون في مضمارها … والموت آخر ذلك المضمار (٤) وقوله من مرثية أخرى (٥): [الكامل] والعيش أوّله عقيد مشقّة … وأذى وآخره مقيل حمام (٦) ٥٠٤/ والعمر لو جاز المدى لتبّرم ال … أرواح منه بصحبة الأجسام فمضى وقد أصحبته سيّارة … كالروض يضحك من بكاء غمام (٧)

стр. 5891

ومنهم: ٤٦ - أبو عبد الله، محمد بن نصر بن صغير المعروف بابن القيسراني (١). هو أول بيته، وممول حيّه وميته، لأنّه نبّه ذكر عقبه وشبّه بالنظراء أهل نسبه بما ألهمه من ذكاء أضاء له زناده المقتدح، وجاء وفق المقترح فنظم القصائد الغرّ، ومدح بها وتكسّب بتجارتها، وتوصّل إلى المجالس بسفارتها، وأرخص سومها في البيع فكانت على قلّة المتحصّل أجدى في الرّيع، وتوسّع في المدائح وتنوّع في تحصيل المنائح، ومدح حتى رؤوساء اليهود، وكبراء الرعاع طلبا للجود، هذا مع ما ادّعاه من النّسب القرشي، والأدب الذي ليس معه شيء بمخشي حتى قال إنّه من ولد خالد بن الوليد ﵁ قولا ردّه النّسابون، وصدّه أهل الصدق بما عرف به الكذّابون. وقد أتى في ذكر بعض ولده من الكتاب ما ذهبت مذهب التّصريح معاريضه، وركبت ركوب الأبحر أعاريضه. وهذا الأديب أصله من قيسارية الساحل، ومولده عكا، وأقام بها لا يزال يتشكّى حظّه وعكا ثمّ اضطرب في بلاد الشام وشقّها طولا وعرضا، وشام بارقها خفوا وومضا. ومدح الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي وحظي بجوائزه ثمّ تصرّف ابنه في ملكه تصرّف مالك حائزه حتى بعثه نور الدين إلى السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب

стр. 5892

قدّس الله روحه ظنا أنّه يضبط له مال مصر ويمتدّ له هناك قلم قطّه صلاح الدين وغلّه بعدم التمكين فعاد بأقبح خزية وأبداها. وأخيب سفرة/ ٥٠٥/ ما أقلّ جداها، ثمّ كان في هذا البيت من ذكر ممّن ذمّ أو شكر، وكان هذا أصل تلك الدّوحة، وأصل وأبكار تلك الغدوة والرّوحة، وكان في الهيئة ذا مشاركة لا تخطي في مساحتها إذا قسّم، ولا تضيق في صدره ساحتها إذا توسّم، وكان في الأدب حيث يستمك السنّام، ويستمع قول الأنام، وكانت بينه وبين ابن منير الطرابلسي شحناء لا يسكن غليانها، وبفضاء لا تنقضي أحيانها، واستعدى ابن القيسراني الملك العادل نور الدين عليه فأباحه دمه، وحلّى وشاحه بسيف يضرب به عنقه، ويطيح دمه، وجعل له هذا السّيف حكما ماضيا، وحكما قاضيا، فتحّيل ابن منير بحيل دقّقها، ووصل اهتبل بها غرّة ابن القيسراني ووطي عنقها حتى أخذ ذلك السيف وبخّه بخلّ ثمّ رده إلى قرابه فصدأ في القراب، ولصق به لصوقا لا يفارقه إذا سلّه للضراب، ثمّ كان ابن منير في تلك المدّة يتحيّد ابن القيسراني ويقول قول الأرنب أن خير إليّ يوم لا أرى الكلب ولا الكلب يراني حتى علم بأنّ سمّ كيده قد استحكم في جسم ذلك السيف، وأنّ جفن ذلك الغرار قد تملّأ كرى لا حلم فيه ولا طيف ثمّ تعرّض له في الطريق، وأتاه وهو بين حفد له غير فرق من ذلك الفريق، فأومأ ابن القيسراني بيده إلى السيف ليخرطه فما انخرط، وخان عهده مقيما عذره في عدم الوفاء بأنّه ما شرط، فضحك من حضر، وخجل ابن القيسراني خجلا صار به مثلا للبشر، وبلغ هذا نور الدين فقال: لو كان ابن القيسراني محقّا ما كفّ عن هذا ودمه هدر. أمّا ما يختار له فقوله: [الطويل] كتائب تروى بالكتائب لفظها … ظباها وسمر الخطّ فيها بنودها (١) وقوله: [الطويل]

стр. 5893

فمن حذري ورّيت بالبان والنّقا … مخافة أن يسعى عليّ رقيب (١) ٥٠٦/ فلا تمنعيها من قوامك هزّة … فيحظى بها غصن سواك رطيب منها في ذكر النّياق: وليلة بتنا والمهاري حواسرا … يزرّ عليها للظلام جيوب فبتن يبارين الكواكب في الدّجى … لهنّ طلوع بالفلا وغروب نواصل من صبغ الظلام كما بدا … لعينك من تحت الخضاب مشيب (٢) خوافق في صدر الفضاء كأنّها … وقد وجبت منّا القلوب قلوب منها: سوابح في بحري فضاء وسدفة … لهنّ اعتلاء بالضحى ورسوب (٣) وريق وفي عود الكرام قساوة … طليق وفي وجه الزّمان قطوب بليغ إذا جدّ الخصام مضى له … لسان بأطراف الكلام لعوب نسيب المعالي يطرب القوم مدحه … كأنّ الثناء المحض فيه نسيب ومنه قوله: [السريع] أشتاق أهلي بدمشق وفي … بغداد حظّ القلب والعين (٤) ففي لقائي ذا فراقي لذا … قل إلى متى أخلو من البين وقوله: [الوافر]

стр. 5894

وضاقت ساحة الأخلاق حتى … نبا الخلق الكريم عن التغاضي (١) وعندك أنّني مع ما ألاقي … نسيتك، لا وعينيك المراض ومنه قوله: [المتقارب] وفي الركب صب إذا اشتاقكم … لوى جيده نحوكم فالتوى (٢) يجود بعين لو أنّ الرّكا … ب تغمّر في دمها لارتوى أحبّ الشآم وأهوى العراق … فخلفي هوى وأمامي هوى ٥٠٧/ وقوله: [الوافر] شتوا يدعو الضيوف إلى قراهم … سنانير أنّهم فوق الروابي (٣) وقوله: [الوافر] يتيّمني بأرض الشام حبّ … ويعطعني على بغداد حبّ (٤) فكلّ هوى يطالبني بقلب … وهل إلى غير هذا القلب قلب إذا كان التنائي في التلاقي … فماذا يصنع الدّنف المحبّ ومنه قوله: [المتقارب] وكيف يفوز بفضل الكما … ل من جعل الأكمل الأنقصا (٥) لعمرك ما أنصف المثمرا … ت من يجتنيها بخبط العصا وقوله: [مجزوء الكامل]

стр. 5895

أو ما ترى طرب الغدي … ر إلى النسيم إذا تحرّك (١) بل لو رأيت الماء يل … عب في جوانبه لسرّك فإذا الصّبا هبّت علي … هـ أتاك في ثوب مغرّك ومنه قوله: [السريع] آلى على الخمرة لا ذاقها … ما عاش إلاّ زمن الورد (٢) وقد مضى الورد فهل رخصة … في أن يكون الورد من خدّ وقوله: [الكامل المرفّل] لم أنس ليلة قال لي … لمّا رأى جسدي يذوب (٣) بالله قل لي من أعل … لك يا فتى؟ قلت: الطبيب وقوله: [الطويل] عفائف إلا عن معاقرة الهوى … ضعائف إلاّ في مغالبة الصّب (٤) إذا جاذبتهنّ البوادي مزية … من الحسن شبهّن البراقع بالنّقب ولمّا دنا التوديع قلت لصاحبي … حنانيك سر بي عن ملاحظة السّرب إذا كانت الأحداق نوعا من الظبى … فلا شك أنّ اللحظ ضرب من الضّرب ٥٠٨/ وأهوى الذي أهوى له البدر ساجدا … ألست ترى في وجهه أثر التّرب وأعجب ما في خمر عينيه أنّها … تضاعف سكري كلّما قللّت شربي ومنه قوله: [الكامل]

стр. 5896

نبت الجفون فما اغتمضن وإنّما … حقّ السيوف إذا نبت أن تغمدا (١) وكأنّ طرفي حين أبكته دما … ألقى الشعاع بخدّها فتورّدا وقوله: [الطويل] غدرتم بنا غدر الشباب الذي مضى … فوا أسفا هل كان بينكما عهد (٢) وإن قلتم إنّي سبقت إلى النّوى … فما جئتها حتى بدا منكم الصدّ فلا تغفلوا ناري فلي عنده [هوى] (٣) … متى كتمته العين نمّ به الخدّ ومنه قوله: [الكامل] أتقيّل الجدوى وتلك غمامة … حاشاكم انقشعت ونجم قد خوى (٤) ولكم نويت لقاءكم وتصدّني … أيدي النّوى ولكلّ عبد ما نوى وقوله: [الطويل] تجاهل صحبي أن بكيت صبابة … عليّ فقالوا: ما جرى؟ قلت: أدمع (٥) وما عبّر الصبّ الكئيب عن النوى … بمثل لسان فوه جفن ومدمع إلى الله من قلب يواصل بثّه … عشيّة أسباب المنى تتقطّع وقد ردّت الحاجات خوف وشاتها … إلى مقلة فيها لسان ومسمع منها في ذكر الفرس:

стр. 5897

وأسرى نعاس يممّوا كعبة الندى … فهم سجّد فوق المذاكي وركّع (١) على كلّ نشوان العنان كأنّما … جرى في وريديه الرحيق المشعشع وقوله: [الكامل] حسبي من البرحاء أنّي مولع … بمهفهف أمسى بقتلي مولعا (٢) ٥٠٩/ يسبي القلوب بفاحمين تكنّفا … من طرّتيه للغزالة مطلعا وفم تخال غديره مترقرقا … في نوره حوضا وروضا ممرعا فعلى العواذل فيه أن لا تنتهي … عن عذلها وعليّ أن لا أسمعا ومنه قوله: [الطويل] يخوّفني بالبعد من لا أودّه … ويأمرني بالعجز من لا أطيعه (٣) وهل يفرس الضرغام إلاّ انتجاعه … ولو دام في عرّيسه دام جوعه وقوله: [الطويل] سقى الله أيام التهافت في الصّبا … جنى كلّ جنّان الأصائل أو طفا (٤) ليالي أضللت الرّقيب موافقا … أغازل فيهنّ الغزال المشنّفا إذا بتّ أستجلي الحسان محاسنا … تروّحت أستجلي البنان المطرّفا أودّع لبّي ذاهل العقل مغرما … وأودع قلبي فاتر الطّرف أهيفا ومنه قوله: [الخفيف]

стр. 5898

كلّما امتدّ بيننا أمد البي … ن تدانى هواكم المرموق (١) طول عهدي بكم يضاعف وجدي … وكذا يفعل الشراب العتيق وقوله: [الطويل] ألذّ بما أشكوه من ألم الجوى … وأفرق إن قلبي من الوجد أفرقا (٢) وأذهل حتى أحسب الصدّ والنّوى … بمعترك الذكرى وصالا وملتقى ومنه قوله: [الوافر] تملّكتم فؤادي دون جسمي … فما أنا بالأسير ولا الطّليق (٣) وذي عذل معنّى بالمعنّى … يميل على الدعابة للعقوق يحوم من الغرام على خلافي … وأين الروح من نفس الغريق [وقوله] (٤): [الكامل] ٥١٠/ بنتم فبان محلّ صبري عنكم … والجسم بعد القلب أوّل لاحق (٥) وتقوّضت خيماتكم عن ناظري … فضربتموها في الفؤاد الوامق فلأهدينّ إلى جفونكم الكرى … ولأسرينّ سرى الخيال الطارق ولأقضينّ مناسكي من قربكم … فزيارة المعشوق حجّ العاشق ومنه قوله: [البسيط]

стр. 5899

على اسم [مريم] (١) فيه هيكل صلف … سماؤه ذات أنوار من الحبك (٢) لمّا رأيت بها الأقمار طالعة … عجبت كيف أقاموا قبّة الفلك وقوله: [الطويل] تنوء بها يوم الخصام حلومها … وتغدو بها نحو الصّريخ خيولها (٣) كأنّ أنابيب القنا بأكفّهم … قداح بأيدي اللاعبين تجيلها ومنه قوله: [البسيط] أقول للصّاحب الهادي ملامته … ضلالة القلب في أكناف ذي ضال (٤) دعني أفضّ شؤوني في معالمها … فالدمع دمعي والأطلال أطلالي أما كفى أسفا أنّي أصخت إلى … نهي النّهى وكفيت الشّهيب عذّالي إذا التفتّ إلى ما فات من عمري … سحبت فوق رسوم اللّهو أذيالي سقى الحيا طرفي عيش نعمت به … فلم يكن غير أسحار وآصال أولى لها أن دنت بالوصل ثانية … فإن ذكرت النّوى يوما فأولى لي ومنه قوله مهنئا بالنوروز: [الكامل] ملك المدى يوم أغرّ محجّل … يأتي السوابق وهو منها أوّل (٥) يختال في عطفيه جوّ ضاحك … ويميس في طرفيه عام مقبل ٥١١/ دول الربيع له بأكمل زينة … فأتاك في خلع الغمائم يرفل (٦)

стр. 5900

من أقحوان ما جرى دمع الحيا … إلاّ تبسّم من شقيق يخجل وعيون نور هوّمت أجفانها … فسرى ينبّهها النسيم المرسل فلكل ضاحكة إذا استجليتها … ثغر بأفواه العيون تقبّل ومنه قوله: [البسيط] من كلّ ذي هيف ترنو لواحظه … إليك من لهذم في صدر عسّال (١) أبلّ كلّ نسيم غير ناظره … وغيّر جسمي ما همّا بإبلال كم ليلة بتّ من كأس وريقته … نشوان أمزج سلسالا بسلسال وبات لا تحتمي عنّي مراشفه … كأنّما ثغره ثغر بلا وال ولم يدع لي سوى نفس أجود بها … والجود بالنفس غير الجود بالمال (٢) هب أنّ ليل شبابي زال فاحمه … عنّي فما بال أسحاري وآصالي تجري النّعامى فما بالي إذا خطرت … بالركب ما خطرت إلاّ على بالي (٣) ومنه قوله: [الطويل] كأنّ الذي آلى على بسط كفّه … سوى ما لها في البأس من قائم النّصل (٤) يروح عقيد الراح لا يستفزّه … إلى الكأس إلاّ أنّها ضرّة البخل يملّك ألباب الملوك بروعة … تحالف من بعدي على حرب من قبلي وليست كأخرى تربها يكفر الحيا … كأنّ وقوع الغيث منها على رمل أبا الحسن انقادت إلى بابك المنى … وحلّت به الآمال محلولة العقل

стр. 5901

بقيت [لنشء] (١) الدولة المرتجى لها … إلى أن ترى من نسله أبوي شبل ٥١٢/ هلال تجلّى في الكمال على الصّبا … وربّ صبا يأوي إلى سؤدد كهل وغرس علمنا أصله من فروعه … وما العلم إلاّ ردّ فرع إلى أصل ومنه قوله: [الطويل] تباشرت الأقطار من فرح به … ففي كلّ ثغر من ظباه مباسم (٢) وما تحمل الخيل الأعادي جهالة … به بل رجاء أنهنّ غنائم وقوله: [الرمل] وما عليهم لو أباحوا في الهوى … ما عليهم من صفات المستهام (٣) من حضور وشحّوها بالضنى … وعيون كحّلوها بالسّقام ومنه قوله: [الطويل] إذا أبرزتهنّ العيون حواسرا … نظرن إلينا من خلال المعاصم (٤) حلول بمستنّ العفاة عفاتهم … غنيّون عن نار القرى بالمباسم وقد بان عن لبنان برق كأنّه … بياض الأيادي أو سنا وجه حاتم تعود وفود الحمد عنه كأنّهم … قد افترقوا عن جامعات المواسم ومنه قوله: [البسيط] وخبّروني عن قلب ومالكه … فرّبما أشكل المعنى على الفطن (٥)

стр. 5902

هذا الذي سلب العشاق نومهم … أما ترى عينه ملأى من الوسن وقوله: [الخفيف] ظنّ صبغ الشباب صبغ الليالي … فاصطفاها عليّ أكبر عون (١) حال حين استحال لون شبابي … باعني في الهوى بفاضل لون وقوله: [مجزوء الكامل] ينأى ويدنو طيفه … فهو المواصل والمباين (٢) ما أغفل الأجسام من … أخذ القلوب بها رهائن ٥١٣/ ومنه قوله: [البسيط] والله لو أنصف العشّاق أنفسهم … أعطوك ما ادّخروا منها وما صانوا (٣) ما أنت حين تغنّي في مجالسهم … إلاّ نسيم الصّبا والقوم أغصان وقوله: [البسيط] شطّت بصحبي عن الشطّين فانبعثت … تراهن الكوكب الساري فيشآه (٤) أفنى بمائلها الحادي فما عملت … لمّا هوى النّجم عنها أين مهواه ومنه قوله فيمن اسمه وهيب: [الوافر] أجرني يا وهيب وهب حياتي … لخال فوق وجنتك اليسار (٥)

стр. 5903

بدا كبقية الندّ المعلّى … رماها قابس في وسط نار وقوله: [المتقارب] أهيم إلى العذب من ريقه … إذا تيّم العاشقين العذيب (١) شهدت عليه وما ذقته … يقينا ولكن من الغيب غيب ومنه قوله: [السريع] سطرا عذار مونق خطّه … يقرأ لي منه المعاذير (٢) بينهما روضة ورد لها … من خالها الأسود ناطور ومنه قوله ممّا يكتب على سرج: [المتقارب] حملت الكرام فأكرمنني … ورحت وقد حملتني الجياد (٣) فإن ترني للمعالي مهادا … فلي من ظهور المذاكي مهاد فلم لا أتيه على العالمين … وفوقي جواد وتحتي جواد ومنه قوله: [المتقارب] ولمّا أردنا نتاج السرور … خطبنا من الماء للخمر صهرا (٤) فزفّت عروسا تريك الحبا … ب إن شئت عقدا وإن شئت ثغرا ٥١٤/ إذا الماء أهدى له لونه … رأيت العقيق وقد حال درّا ومنه قوله في رثاء: [الطويل]

стр. 5904

وعيشك ما سمّيت يومك باسمه … ولكنّني أرّخته مولد العدى (١) وحسبك من زوّار قبرك روضة … ترى أعين الباكين زهرا مورّدا ومنه قوله: [السريع] دمعي لسان فمه ناظر … يعزو الوشايات إلى سبكه (٢) فاعجب لطرف دلّ قلبا على ال … حبّ هو الواشي على حبّه إذا الحبيب اشتطّ في هجره … فاعدل من الحسن إلى تربه وداو أدواء الهوى بالهوى … إفاقة المخمور في شربه يا عجبا من قائل لم يجد … معنى فقاس الشمس يوما به تلك احتراق النّجم في قربها … منه وهذا الفوز في قربه ومنه قوله يصف دارا: [المتقارب] تأنّق في وضعها ماهر … تفيت البصائر أنوارها (٣) بنى في حشا الصبّ حمّامها … وفي وجنة الحبّ طيّارها ومنه قوله: [الرمل] داو أنفاسي بأنفاس الصّبا … فلتعليل الهوى اعتلّ الهواء (٤) وجفون دمعها الساعي بها … فعليها من بكاها رقباء هل محلّ الحبّ إلاّ أعين … خائنات أو قلوب أمناء (٥)

стр. 5905

يا نديميّ وكأسي وجنة … ضرّجتها باللّحاظ الندماء (١) ٥١٥/ لا تظنّوا الورد ما يسقي الحيا … إنّما الورد الذي يسقى الحياء منها في ذكر العافية: أعقب البرء سرورا ضاحكا … في جفون كاد يدميها البكاء (٢) وأرت ألحاظها أعراضها … لا يصحّ اللحظّ ما اعتلّ الضياء ومنه قوله: [الطويل] وقلّدتني طوق الحمامة منّة … تردّد فيها من ثنائك تغريد (٣) ثناء يثني أعظم الدهر دقّة … وإيراده في وجنة الشمس توريد وقوله: [الكامل] لاموا على فرط البكاء وفقده … فدهيت من قبل الوفيّ الغادر (٤) وهب المدامع أخرست أفما رأوا … سهرا يصيح على جفون السّاهر ومنه قوله: [الوافر] وآراء إذا شهرت ظباها … على ليل الظبى فتقت نهاره (٥) ومجد ندّ عن شعري وهمّت … به الشعرى فما شقّت غباره وما للشمس أن تخفي سناها … ولا للصبح أن يطوي مناره منها:

стр. 5906

يحاول رزقه بنفاد رزقي … وربّ جسارة عادت خساره وإنّ من العجائب أنّ ناري … موججة وتلذعني شراره ومنه قوله: [الطويل] نشدتك لا تأمن على مضمر الحشا … مدامع شمل الستر فيها مبدّد (١) وكلّ حديث يمكن السمع ردّه … سوى مستفيض عن جوى القلب يسند بكينا دما والقاصرات سوافر … فلاحت خدود كلّهنّ مورّد (٢) ٥١٦/ وقد وقف الواشون من كلّ وجنة … على محضر فيه المدامع تشهد فجفن محبّ فيه جرح مضرّج … كجفن حبيب فيه سيف مهنّد وقوله: [الخفيف] فارقونا وكلّ عين من الحر … قة قلب وكلّ جفن وريد (٣) ومنه قوله: [البسيط] قد أنكر الناس من دمعي ومن حرقي … هوى تهادن فيه الماء والنّار (٤) غصن تنزه أن يجنى له ثمر … من الوصال وهل للبان أثمار ومنه قوله: [الكامل المرفل] يجري الثناء له بسؤدده … وأخو العنان أحقّ بالفرس (٥) والشكر عند المستحقّ له … مثل الجنى في كفّ مغترس

стр. 5907

ومنه قوله: [البسيط] وما يريب الغواني من ذوي كلف … عفوا فعفوا طريق الطيّف بالسّهر (١) أما ترى سنّة الأقمار مشرقة … في لمّتي فبياض الليل للقمر هبني تخلّصت جسمي من معذّبه … فمن يخلّص قلبي من يدي نظري (٢) ويا نسيم الخزامى هبّ عن كثب … لعلّ نشرك مطويّ على خبر (٣) واحذر لسان غرامي أن ينمّ به … فإنّ سرّي من دمعي على خطر منها في ذكر القصيدة: إذا المقاصد عنّت سامعا أخذت … على طريق إلى الأفهام مختصر (٤) خود يسرّك منها أنّها أبدا … مقيمة وهي في الدنيا على سفر وقوله: [الكامل] أهوى الغصون وإنّما أضنى الصّبا … شوق النسيم إلى القضيب المائد (٥) ٥١٧/ يمضي العزائم وهي غير قواطع … ما السيف إلاّ قوة في الساعد وقوله: [الكامل] وخوافق قد توّجت بأهلّة … وعوامل قد نصبّت بكواكب (٦) وإذا رأيت الليث يجمع نفسه … دون الفريسة فهو عين الواثب

стр. 5908

ومنه قوله: [البسيط] لئن علوت ملوك العصر مرتبة … فمثل ما نلته تعلو بك الرّتبا (١) لو لم يكن شرف الأفعال معتبرا … كان القنا مثل باقي جنسه قصبا (٢) ومنه قوله: [الكامل] إنّي لأغنى الناس عن عصبّة … ما الحقّ مفتقر إلى متعصّب (٣) ومخاتل بالكيد يهتك شخصه … وضح النهار فيحتمي بالغيهب ما كان أبصرني بكفّ أذاته … لو كنت أحسن رقية للعقرب يأتّم في ليل الوغى بسنانه … أرأيت شمسا تستنير بكوكب ومنه قوله: [البسيط] عجبت للصّعدة السمراء مثمرة … برأسه إنّ إثمار القنا عجب (٤) سما عليها سمو الما لترهقه … أنبوبة في صعود أصله صبب (٥) إذا القناة ابتغت في رأسه نفقا … بدا لثعلبها في نحره سرب (٦) لم يبق منهم سوى نبض بلا رمق … كما التوى بعد رأس الحيّة الذّنب ومنه قوله: [الطويل] فلا تسألنّ الصبّ أين فؤاده … فإنّ فؤاد المرء مع من يحبّه (٧)

стр. 5909

غداة هوى شطرين للسيف رأسه … وللرمح حتى توّج الرأس قلبه ٥١٨/ عجبت لمنّان عليه بأنّه … محبّ وهل في الناس إلاّ محبّه وقوله: [المتقارب] وما كلف البدر ما قيل فيه … ولكن رأى وجهها فانتقب (١) وما خلّف الرّيق مثل الرحي … ق لو لم يفتها اللّمى والشنب ومنه قوله: [الرمل] ومتى ما قيل ردّي قلبه … قالت: القاتل أولى بالسّلب (٢) وقوله: [مجزوء الكامل] منّيتني بتعلّة … حبست فهاجت علّتي (٣) ووعدتني بطويلة … تأتي فكانت ليلتي وقوله: [المقتضب] بأبي من في عمامته … قمر في هالة القمر (٤) ومنهم: ٤٧ - أبو الحسين أحمد بن منير الطرابلسي (٥).

стр. 5910

لو نازع البحر غصبه مغاصه، ولو نازل الفلك لأزال اعتياصه. هذا يستّل درّه، وهذا يستلب زهره، وهذا يفاضل مدّه، وهذا يناضل سعده، وكلاهما دون ذهنه يقف، ومن صوب خاطره يكف. له قصائد موشّحه بالسّخب (١) ذات بيوت تقصر عن مطاولتها السّهب، ولا تسكنها إلاّ الكواعب الأتراب والخرّد العرب، إلا أنه كان رافضّيا خبيث اللسان، مهينا لأعراض الرجال، يسهل عليه الهوان. لا يسلم أحد من هجائه، ولا تظلم في الذّم مواقف هيجائه، وبينه وبين ابن القيسراني العداوة المذكورة آنفا فلا تحتاج واصفا. وهجا الصحابة ﵃، ونال - لا نول الله أمله - ما شاء منهم. وكان أبوه ساقطا وضيعا يغنّي في الأسواق، ويتغنّى وما هزّته الأشواق، ونشأ ابنه على هذا في الميل إلى التنقّل والأسفار، معهم في كلّ سفرة يقنع فيها من الغنيمة بالقفل، ثم أخذ الأدب عن مشايخ/ ٥١٩/ سوء رفّضوه بل أبعدوه عن مطاولة النظراء، ورفضوه. وذكره الحافظ ابن عساكر (٢) فقال: حدّث الخطيب السّديد أبو محمد عبد القادر بن عبد العزيز خطيب حماه قال: رأيت أبا الحسين ابن منير الشاعر في النّوم بعد موته وأنا على قرنة بستان مرتفعة فسألته عن حاله، وقلت له: اصعد إلى عندي. فقال: ما أقدر من رائحتي. فقلت: تشرب الخمر؟ فقال: شرّا من الخمر يا خطيب. فقلت: ما هو. فقال: تدري ما

стр. 5911

جرى عليّ من هذه القصائد التي قلتها في مثالب الناس؟ فقلت له: ما جرى عليك منها؟ فقال: لساني قد طال وثخن، وصار مدّ البصر، وكلّما قرأت قصيدة منها قد صارت كلاّبا تتعلّق في لساني، وأبصرته حافيا عليه ثياب رثّة إلى غاية، وسمعت قارئا يقرأ من فوقه: "لهم من فوقهم ظلل من النّار" الآية، ثم انتبهت مرعوبا. وأمّا شعره فعقود مفصّلة الجمان، موصلة النداء إلى أغلى الأثمان. ومنه قوله: [الوافر] على أكبادها كلّ ابن موت … غذته دم القراح رحى طحون (١) تخال بكوره إلفا تلوّى … بها في مهرق البيداء نون منها: وألبسهم ثياب المكر حين … فمّزقها بهنّ ظباك حين إذا ما الفعل علّ تلاه حذف … يتاح لمنتهاه أو سكون ومنه قوله: [الخفيف] تحت ظلّ من المنى أرج النّف … حة تضفي عليك أمنا أمينا (٢) تتثنّى من الغصون قدودا … وتميس القدود فيه غصونا ولحون للطّير تحسب ما … ثقّف بالنحو عندها ملحونا ٥٢٠/ ومنه قوله: [الكامل] وكأنّما نسج الحيا من نوره … حللا تفتّق تارة وتخاط (٣) نثرت به تنّيس نظم رقومها … وحنت عليه طرازها دمياط (٤)

стр. 5912

وقوله: [الكامل] ما ضرّ من أمسى الفؤاد بأسره … في أسره لو منّ بالإطلاق (١) ساق إذا اشتجر الكؤوس تراه في … سلب النفوس مشمّرا عن ساق تكسو سوالفه السلاّمة رونقا … وتعيره شفتاه طيب مذاق منها: صرعى تضرّج بالدماء خدودهم … فكأنّما ذبحوا من الآماق أكلتهم الفلوات حتى أقبلوا … يزجون أشباحا على أرماق وشجا الفراق مطيّهم فعيونها … تتلو حديث مصارع العشّاق ومنه قوله: [الكامل] وإذا الكريم رأى الخمول نزيله … في منزل فالحزم أن يترحّلا (٢) كالبدر لمّا أن تضاءل جدّ في … طلب الكمال فحازه متنقّلا سفها لحلمك أن رضيت بمشرب … رنق ورزق الله قد ملأ الملا ساهمت عيسك مرّ عيشك قاعدا … أفلا فليت بهنّ ناحية الفلا فارق ترق كالسيف سلّ فبان في … متنيه ما أخفى القراب وأخملا لا تحسبنّ ذهاب نفسك ميتة … ما الموت إلاّ أن تعيش مذلّلا للقفر لا للفقر هبها إنّما … مغناك ما أغناك أن تتوسّلا لا ترض من دنياك ما أرضاك من … دنس وكن طيفا جلا ثم انجلى (٣)

стр. 5913

إن يحو شأوك فهو بخل سوابق … ما زال آخرهم يفوت الأولا (١) ٥٢١/ نسب كما انتسقت أنابيب القنا … كسب العلاء صغيرها لمّا علا (٢) ومنه قوله: [الرمل] في زمان صقلت أطرافه … وتساوى الليل فيه والنهار (٣) شقّ جيب الترب عن نار شق … يق طائر منها على الماء شرار وانبرت غبراؤه عن زهره … أشرقت فيها كما دبّ العذار يأتي في وجه الربيع المجتلى … وشموس الراح في الراح تدار سافرات مسفرات فلها … مشرق بين الندامى ومغار لطفت فهي هواء وصفت … فهي ماء واستطارت فهي نار ومنه قوله: [البسيط] أيام يقنص فيها كلّ مقتنص … ألفّ تثقله أردافه هيفا (٤) زاه بلا مين من صدغيه بينهما … نونان قد فّرعا من خصره ألفا وقوله: [الكامل] يا حبّذا عصر الشباب فإنّه … ليل اضاء وحين أصبح أظلما (٥) بيض من الشّعرات سود زورها … وجهي فساد مودّعا ومسلّما يا أحسن اللّونين ليتك لم تكن … يوما إلى ما ساء عيني سلّما

стр. 5914

منها: ما كان يعرفني المفنّد فيهم … إلاّ كما عرف الدّيار توهّما سفروا فهل وسموا الشفاه بأث … مد الأجفان أم كحلوا النواظر باللّمى ومنه قوله: [الوافر] أيا بدر السماء حجبت عنّا … فلم ينقص ضياؤك للتواري (١) حبست فكنت كالسيف استكنّت … مضارب حدّه وسناه واري ٥٢٢/ وهل صدأ علاك عليك عار … إذا ما كنت بتّار الغرار رقا الصدّيق يوسف بعد سجن … سرير الملك من أيدي التجار وأخفى الغار خير الخلق خوفا … ومنه علا على الفلك المدار ولو لم يخف وجه الشمس ليلا … لفاتته الفضيلة في النّهار ومن ظلم الدّنان السود يلقي … على الكاسات أنوار العقار ولولا الفجر في [] (٢) جار ال … كسوف على الحصى وعدا الدراري هي الأيام تختصّ الأعالي … وتختصّ الأسافل باخصرار كذا الدولاب سافله غنيّ … وأعلاه المحلّق ذو افتقار ومنه قوله: [المنسرح] أحلى الهوى ما تحلّه التّهم … باح به العاشقون أو كتموا (٣) أغرى المحبين بالمحبة فال … عذل كلام أسماؤه كلم وليس يفضي بك الملام إلى … تغيير حكم جرى به القلم (٤)

стр. 5915

ومعرض صرّح الوشاة له … فعلّموه قتلي وما علموا سعوا بنا لا سعت بهم قدم … فلا لنا أصلحوا ولا لهم وقال ابن منير الطرابلسي (١): [مخلع البسيط] من ركّب البدر في صدر الرديني … وموّه السّحر في حدّ اليماني (٢) وأنزل النيّر الأعلى إلى فلك … مداره في القباء الخسرواني وقوله: [البسيط] طرف رنا أم قراب سلّ صارمه … وأغيد ماس أم أعطاف خطيّ (٣) وبرق غادية أم ضوء مبتسم … يغترّ من خلل الصّدغ الدّجوجي ٥٢٣/ ويلاه من فارسيّ النحر مفترس … بفاتر أسديّ الفتك ريميّ يكنّ ناظره ما في كنانته … فليس ينفكّ من إقصاد مرميّ أذلّني بعد عزّ والهوى أبدا … يستعبد الليث للظبيّ الكناسيّ ومنه قوله: [الرمل] بين صدغيه إلى طرّته … فلك دار على روض الملح (٤) صفّقت مقلته لي خمرة … نقلها الوجنة والثغر القدح بات يسقيها وأسقيه التي … ريّضت أخلاقه لمّا جمح كان كالشمس شماسا فمشت … بيننا تعطفه حتى سمح وقوله في محموم: [الكامل]

стр. 5916

ومهفهف عبثت بروض جماله … حمّى أذابت في ثراه خلوقا (١) أمسى يهزّ عناقها من قدّه … ريان من ماء الشباب وريقا بينا تراه معصفرا لفراقها … عكرت فبدّلت البهار شقيقا ثمّ انثنت لوادعه فكأنّما … ستر الجمان بوجنتيه عقيقا وقوله في أبيات: [الخفيف] فاعتراني مثل الحيا وجمعت … ثيابي فحين أيقن عجزي (٢) صاح يا نصف سيبويه لقد أح … رزت علم الإعراب في غير حرز أنا خفض وأنت رفع وها … أيرك نصب فلم تخففّ همزي قد صحبت النحاة قبلك واستو … عبت ما كان من معنى ولغز وأراهم قد أدخلوا ألف الوصل … على استي وأنت كالمشمئّز ٥٢٤/ قلت: هذاك للضرورة فاستض … حك تيها وقال كالمتهزّي فاحتسبها ضرورة واتبع القو … م فقد بان فيك معنى التنزّي ما مددت المقصور في باب عين ال … فعل إلاّ وأنت تطلب طعزي فاجزم الآن سين جعسي وسكّن … راء ناري وافتح به دال درزي لا تهابنّ مرقعي ودواتي … وفرائي المسنجبات وطرزي أنا بيت نافى العروض فلا … يشبه صدري لمن تأمّل عجزي لي قلب عفّ ودبر طموح ال … عين مغرى بكلّ جاسي المهزّ فاخنق اليوم حلق أيرك في … حلقة دبر ضنك المباءة كزّ فتأدبت ثمّ سلّم أيري … عند باب استه وليّنت وخزي

стр. 5917

وإذا مبعر عليه من الحشمة … ما لم يكن لقصر المعزّ جوسق مشرف وزلاّقة مل … ساء مرصوفة بطين ومزّ ورواق وبادهنج وسابا … ط وكرم معرّش فوق نشز فترى تقلّب الخصا في عناقي … د بواسيره يهمّ بقفز بات بيضي مكردنا منه في تنور … نار يشويه شيّ الأوزّ (١) ومنه قوله: [الرمل] لا تخالوا خاله في خدّه … قطرة من صبغ جفن نطفت (٢) تلك من نار فؤادي جذوة … فيه شبّت وانطفت ثم طفت (٣) ومنهم: ٤٨ - أبو الفوارس سعد بن محمد بن سعد بن الصيفي المعروف بحيص بيص (٤). فقيه تبادى (٥) وطوّل طرطوره (٦)، وحوّل أموره/ ٥٢٥/ وبرز في زيّ العرب في هيئة

стр. 5918

منكورة. وكان لا يمشي إلاّ متقلّدا بسيف، ولا يمسي إلاّ مترقّبا لضيف. حمل السيف إلاّ أنّه ما أعمله، والرّمح أنّه ما زاد على أنّه اعتقله. وزعم أنّه من ولد أكثم بن صيفي (١) حكيم العرب، ويكتم من هوى البداوة أيّ أرب. تشبّه بأهل البادية (٢) في الحاضرة، وتشبّث بأهداب الأسلاف الغابرة، وكان متمذهبا للإمام الشافعي ﵁، وتفقّه بالريّ على القاضي محمد بن عبد الكريم الوزان (٣)، وتكلّم في مسائل الخلاف، وتقدّم بشمائل آداب أرقّ من السلاف، وغلب عليه الأدب لتوفيره على مادّته، واستقامته في جادّته، فإنّه لم يبق إلاّ طالب لإفادته، وسالب إجادة كلّ محسن لإجادته، وله رسائل فصيحة بليغة (٤) إلاّ أنّها ما أفرغت في قوالب حسن الصيغة؛ لأنه نحابها منحى القدماء

стр. 5919

فجاءت قاسية محكمة الصيغة إلا أنّها كالجبال الراسية. وذكره السمعاني (١) وأثنى عليه، وحدّث ببعض مسموعاته، وأخذ طرفا في الأدب من تنوعاته. وكان الحيص بيص يحمّق، ويفتح فاه ويتشدّق، ويتقعّر في كلامه ويتعمّق، وكثر عبث الناس به (٢) لغرابة أسلوبه، وغلاظة تركيبه، وكان ذا إعجاب يخيط ناظريه، وكبر يريه النجوم تحت مواطئ قدميه؛ لتيه يفرط به الإعظام، ويفرغ رأسه فيما يداس عليه بالأقدام وممّا نطلعه من شعره كواكب لا تأفل، وخمائل في البحر السحائب تكفل، قوله في صفة السحاب: [الكامل] دان يكاد الوحش يكرع وسطه … وتمسّه كفّ الوليد المرضع (٣) وقوله: [السريع] يزيد في عزّ الفتى ذلّه … حينا وإن كان له آبيا (٤) كسابق قصّر عن غاية … فكان بالسوط لها حاويا ٥٢٦/ ومنه قوله: [البسيط] الخرق يرهب لكنّ الأناة لها … عند التأيّد أضعاف من الرّهب (٥) لا يأمن الدّهر بأس الجمر لامسه … وقد يروح سليما لامس اللّهب وقوله: [الكامل المرفل]

стр. 5920

شكوا أشمس أنت أم قمر … ولفرط ذلك أشكل الأمر (١) فانجاب ليل الشّك حين قضى … ليل العذار بأنّك البدر ومنه قوله: [الطويل] هل المال إلاّ خادم شهوة الفتى … وهل شهوة إلاّ لجلب المعاطب (٢) فلا تطلبن منه سوى سدّ خلّة … فإن زاد شيئا فليكن للمواهب منها: أسود إذا شبّ الخميس ضرامه … أسالوا نفوس الأسد فوق الثعالب (٣) منها: وبي ظمأ لم أرض ناقع حرّه … سواك فهل في الكأس فضل لشارب (٤) وقوله: [الطويل] إذا ما أتاه مجرم وهو قادر … توهّمته عن عفوه غير قادر (٥) وقوله: [الكامل] شغلته عن وصف [الهوى] (٦) ذكر العلى … فنضا شعار الشاعر المتغزّل (٧) قضّى شبيبته بمجد مشيبه … فإذا المشيب بدا له لم يوجل
следующие страницы →