← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11790

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط المجمع الثقافي

ابن فضل الله العمري

Полный текст (8 839 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

الفصل الثامن: في مملكة اكيرا. الفصل التاسع: في مملكة مرمرا. الفصل العاشر: في مملكة مغينسا. الفصل الحادي عشر: في مملكة نيف. الفصل الثاني عشر: في مملكة بركي. الفصل الثالث عشر: في مملكة فوكه. الفصل الرابع عشر: في مملكة أنطاليا. الفصل الخامس عشر: في مملكة قراصار. الفصل السادس عشر: في مملكة أزمناك. (المخطوط ص ٨) الباب السادس: في مملكة مصر والشام والحجاز. الباب السابع: في مملكة اليمن. وفيه فصلان: الفصل الأول: فيما بيد أولاد رسول. الفصل الثاني: فيما بيد الأشراف. الباب الثامن: في ممالك المسلمين في الحبشة. وفيه سبعة فصول: الفصل الأول: في أوفات. الفصل الثاني: في دوارو.

стр. 597

الفصل الثالث: في اراتتسنى. الفصل الرابع: في هديه. الفصل الخامس: في شرخا. الفصل السادس: في بالي. الفصل السابع: في داره. الباب التاسع: في مملكتي مسلمي السودان على ضفة النيل الممتد إلى مصر. وفيه فصلان: الفصل الأول: في الكانم. الفصل الثاني: في النوبة. الباب العاشر: في مملكة مالي. الباب الحادي عشر: في مملكة جبال البربر. (المخطوط ص ٩) الباب الثاني عشر: في مملكة أفريقية. الباب الثالث عشر: في مملكة بر العدوة. الباب الرابع عشر: في مملكة الأندلس.

стр. 598

الباب الأول في مملكة الهند والسّند

стр. 599

(المخطوط ص ٩). هذه مملكة عظيمة الشأن، لا تقاس في الأرض بمملكة سواها لاتساع أقطارها، وكثرة أموالها وعساكرها، وأبهة سلطانها في ركوبه ونزوله ودست [¬١] ملكه، وفي صيتها وسمعتها كفاية، ولقد كنت أسمع من الأخبار الطائحة والكتب المصنفة ما يملأ العين والسمع، وكنت لا أقف على حقيقة أخبارها، لبعدها منا، وتنائى ديارها عنا، فلما شرعت في تأليف هذا الكتاب، وتتبعت ثقاة الرواة (١)، وجدت أكثر مما كنت أسمع، وأجل مما كنت أظن، وحسبك ببلاد في بحرها الدر، وفي برها الذهب، وفي جبالها الياقوت والماس، وفي شعابها العود [¬٢] والكافور [¬٣]، وفي مدتها أسرة الملوك، ومن وحوشها الفيل والكركدن [¬٤]، ومن حديدها سيوف الهند، وبها معادن الحديد والزئبق والرصاص، ومن بعض منابتها الزعفران [¬٥]، وفي بعض أوديتها البلور، خيراتها موفورة (٢)، واسعارها رخية، وعساكرها لا تعد،

стр. 600

وممالكها لا تحد، لأهلها الحكمة ووفور العقل، أملك الأمم لشهواتهم، وأبذلهم للنفوس فيما يظن به الزلفى. قال محمد بن عبد الرحيم الأقليني الغرناطي [¬١] في تحفة الألباب [¬٢]: والملك العظيم والعدل الكبير (١) والنعمة الجزيلة والسياسة الحسنة والرخاء الدائم والأمن الذي لا خوف معه في بلاد الهند والصين، وأهل الهند أعلم الناس بأنواع الحكمة والطب والهندسة والصناعات العجيبة؛ التي لا يقدر على منالها (٢)، وفي جبالهم وجزائرهم ينبت شجر العود والكافور وجميع أنواع الطيب كالقرنفل وجوزبوا [¬٣] والسنبل [¬٤] والدار صيني [¬٥] والقرفة والسليخة [¬٦]

стр. 601

والقاقلة [¬١] والكبابة [¬٢] والبسباسة [¬٣] وأنواع العقاقير (المخطوط ص ١٠)، وعندهم غزال المسك وقط الزباد، ويخرج من بلادهم أنواع اليواقيت، وأكثرها من جزيرة سرنديب [¬٤]. وقد حكى ابن عبد ربه [¬٥] في العقد [¬٦] عن نعيم بن حماد قال: بعث ملك الهند إلى عمر بن عبد العزيز [¬٧] كتابا فيه من ملك الأملاك؛ الذي هو ابن ألف ملك وتخته [¬٨] بيت ألف ملك، وفي مربطه ألف فيل، وله نهران ينبتان العود والأكوة [¬٩] والجوز والكافور؛ الذي يوجد ريحه على اثني عشر ميلا، إلى ملك العرب؛ الذي لا يشرك بالله شيئا، أمّا بعد … فإني بعثت بهدية وما هي هديّة

стр. 602

ولكنها (١) تحية، وقد أحببت أن تبعث إليّ رجلا يعلّمني ويفهّمني الإسلام والسّلام، يعني بالهدية الكتاب (٢). حدثني الشيخ العارف المبارك بقية السلف الكرام مبارك بن محمود الأنبائي من ولد مجدشاه أن حاجب خاصي [¬١] نفع الله ببركاته، وهو الثقة الثبت، وله الأطلاع على كل ما يحكيه لمكانته ومكانة أسلافه من ملوك هذه البلاد، قال: إن هذه المملكة متسعة غاية الاتساع، يكون طولها ثلاث [¬٢] سنين (٣)، وعرضها (٤) ما بين سومنات [¬٣] وسرنديب [¬٤] إلى غزنة وطولها من العرصة المقابلة لعدن إلى سد الإسكندر، عند مخرج البحر الهندي من البحر المحيط [¬٥]، متصلة المدن ذوات المنابر والأسرة والأعمال والقرى والضياع والرساتيق [¬٦] والأسواق، لا يقطع بينها (٥) ولا يفصل بينها خراب.

стр. 603

قلت وفيما ذكره من هذه المسافة طولا وعرضا نظرا إذ لا يفي جميع المعمورة بهذه المسافة، اللهم إلا إن كان مراده أن هذه مسافة من يتنقل فيها حتى يحيط بجميعها مكانا فيحتمل على ما فيه. قال: وفي طاعة هذا السلطان؛ أهل قراجل [¬١]، لهم منه هدية وأمان، على قطائع تحمل إليه منهم، يتحصّل منها مال، وهذا جبل قراجل به معادن (١) ذهبا، يحصل منها ما لا يحصى، وجميع هذه البلاد برا وبحرا مجموعة [¬٢] لسلطانها القائم الآن، إلا الجزائر الموغلة (٢) في البحر، فأما الساحل فلم يبق به قيد فتر [¬٣] إلا بيده، فتح مغالقه (مخطوط ص ١١)، وملك معاقله، وله الآن السكة [¬٤] والخطبة في جميع هذه البلاد، لا يشاركه فيها مشارك. قال: ولقد حضرت معه من الفتوحات العظيمة ما أقوله عن المشاهدة والعيان على الجملة لا على التفصيل خوفا من إطالة الشرح، فأول ما فتح مملكة تلنك، وهي واسعة البلاد، كثيرة القرى (٣)، عدة قراها تسعمائة ألف قرية، وتسعمائة قرية، ثم

стр. 604

فتح بلاد جاجنكز، وبها سبعون قرية جليلة كلها بنادر على البحر [¬١]، دخلها من الجواهر والفيلة والقماش المنوع والطيب والأفاوية، ثم فتح بلاد لكنوتى [¬٢] وهي كرسي [¬٣] تسعة [¬٤] ملوك، ثم فتح بلاد دواكير، ولها أربع وثمانون قلعة، كلها جليلات المقدار. قال الشيخ برهان الدين (١) ابن الخلال البزي [¬٥]: وبها ألف ألف قرية ومائتا ألف قرية. عدنا إلى حديث الشيخ مبارك (٢)، قال الشيخ مبارك: ثم فتح بلاد سمند، وكان بها السلطان بلال الديوا وخمسة ملوك [¬٦] كفار، ثم فتح بلاد المعبر [¬٧]، وهو إقليم جليل، له تسعون مدينة، بنادر على البحر، يجيء من دخلها الطيب واللانس والقماش المنوع ولطائف الأفاق. وحدثني الفقيه العلامة سراج الدين أبو الصفاء عمر بن إسحاق بن أحمد

стр. 605

الشبلي العوضي من إقليم عوض [¬١] من الهند، وهو من أعيان الفقهاء؛ الذين يحضرون حضرة السلطان بدهلى [¬٢]: أن أمهات الأقاليم التي في مملكة هذا السلطان ثلاثة وعشرون إقليما وهي: إقليم دهلى، وإقليم الدواكير، وإقليم الملتان [¬٣] وإقليم كهران، وإقليم سامانا [¬٤]، وإقليم سيوستان، وإقليم وجا، وإقليم هاسى [¬٥]، وإقليم سرستى، وإقليم المعبر، وإقليم تلنك، وإقليم كجرات، وإقليم بدوان، وإقليم عوض، وإقليم القنوج [¬٦]، وإقليم لكنوتى، وإقليم بهار، وإقليم كره، وإقليم ملاوه [¬٧]، وإقليم نهاور، وإقليم كلانور، وإقليم حاجنكز، وإقليم تلنج، وإقليم دور سمند، وهذه الأقاليم (١) تشتمل على ألف مدينة ومائتي مدينة، كلها مدن ذوات بنايات (المخطوط ١٢) كبار أو صغار، إذ بجميعها الأعمال والقرى العامرة الآهلة، ولا أعرف ما عدد قراها، وإنما أعرف أن إقليم القنوج [¬٨] مائة وعشرون لكا [¬٩] كل لك مائة ألف قرية، فيكون اثني عشر ألف ألف قرية، وإقليم

стр. 606

تلنك، وهو ستة وثلاثون لكا، فيكون ثلاثة آلاف ألف وستمائة ألف قرية، وإقليم مالوه أكبر من القنوج، ولكني لم (١) أحرّر كم عدده، وأما المعبر فيشتمل على عدة جزائر كبار، كل واحدة منها مملكة جليلة مثل كولم وفتن والسيلان ومليبار. وقال الشيخ مبارك: وعلى لكنوتي مائتا ألف مركب صغارا خفافا للسّير، إذا رمى الرامي في آخرها سهما (٢) [¬١] وقع في وسطها لسرعة جريانها، هذا غير الكبار، ولا تبلغ بعض هذا العدد، ومنها ما فيه الطواحين والأفران والأسواق (٣)، وربما لا يتعرف بعض سكانه ببعض إلا بعد مدة، لاتساعها وعظمها، وجردت من جغرافيا (٤) تحقيقا طولها وهو من الواق واق [¬٢] إلى قبالة عدن، وعرضها من سرنديب إلى بوارو الواقعة غربي قراقرم [¬٣]، وأقوله بعبارة البسط من هذا وأوضح لمن تأمل لوح الرسم في الجغرافيا الكاملة فنقول طولها من مخرج البحر الهندي من المحيط في نهاية الصين في المشرق دون جزيرة الجوهر والواق واق المائلة إلى الجنوبي آخذا في البحر إلى حيث ينعطف مغربا على جزيرة الموجه أم جزائر الصين مع طول البحر حتى ينتهي إلى فرصة المغرب، ثم يمتد من هناك برا وبحرا

стр. 607

آخذا في الشمال إلى بوارو غربي قراقرم على حد بلاد كاشغر [¬١] إلى حد بلاد مكران [¬٢] ممتدا على نهر مكران إلى أن يدخل السّند في حدة قريب كرمان [¬٣]، ثم ينتهي هناك إقليم الهند في البر (١) وآخره المنصورة [¬٤]، وتتصل جزائره في البحر إلى قبالة عدن، وأمّا عرضه فمن سرنديب، وما هو في سمتها في الجنوب، إلى بوارو وما هو في سمتها إلى الشمال، وحدود هذه المملكة من الجنوب البحر وما يمتد معه من كورة [¬٥] قراجل ومن الشرق لها ور [¬٦] وكلاور، ومن الشمال بلاد الترك، ومن الغرب سيالكوت (٢) [¬٧] والمفازة. (المخطوط ص ١٣) ومدينة دهلى [¬٨] هي قاعدة الملك، ثم بعدها قبة الإسلام، وهي مدينة الدواكير، جددها هذا السلطان، وسماها قبة الإسلام (٣)، قال: ودهلى في الإقليم الرابع، قلت: وهكذا قال الملك المؤيد صاحب حماه رحمة الله في تقويم

стр. 608

البلدان [¬١]، ونقله عمن يوثق به من أهل هذا الشأن. قال الشيخ مبارك: وأما قبة الإسلام فتكون في الثالث، وفارقتها وما تكاملت، ولي الآن عنها ست سنين (١)، وما أظنها تكون قد تكملت، لعظم ما حصل الشروع فيه من اتساع خطة المدينة، وعظم البناء، وإن هذا السلطان كان قد قسمها على أن تبنى محلات، لأهل كل طائفة محلة، الجند في محلة، والوزراء والكتاب في محلة، والقضاة والعلماء في محلة، والمشايخ والفقراء في محلة، والتجار والكساب في محلة، وفي كل محلة (٢) ما يحتاج إليه من المساجد والمآذن [¬٢] والأسواق والحمامات والطواحين والأفران وأرباب الصنايع من كل نوع حتى الصبّاغ والصباغين (٣)، والدباغين، حتى لا تحتاج أهل محلة إلى أخرى في بيع ولا شراء، ولا أخذ ولا عطاء، لتكون في محلة كأنها مدينة مفردة قائمة بذاتها، غير مفتقرة في شيء إلى سواها، وليس في هذه المملكة خراب، إلا تقدير عشرين يوما مما يلي غزنة [¬٣] لتجاذب صاحب الهند وصاحب تركستان [¬٤] وما وراء النهر [¬٥] بأطراف

стр. 609

المنازعة أو جبال معطلة أو شعراء، مشتبكة، ومتحصلات تلك من نبات العطر والأفاويه والعقاقير الداخلة في أدوية الطب أعوّد نفعا من الغلات المزدرعة [¬١] بما لا يقاس. قلت: وقد أوقفني الفاضل نظام الدين يحيى بن الحكيم (١) علي تأليف قديم في البلاد، وذكر فيه أن قرى جميع الملتان مائة ألف قرية وستة عشرون ألف قرية مثبتة في الديوان، وهو ودهلى في الرابع، ومعظم المملكة في الثاني والثالث، وكلها فسيحة، وبلادها صحيحة، إلا مزارع الأرز، فإنها وخيمة، وبقاعها ذميمة. وحكى في ذلك التأليف أن محمد بن يوسف الثقفي [¬٢]، أصاب بالسند أربعين بهارا من الذهب، كل بهار ثلاثمائة (المخطوط ص ١٤)، وثلاثة وثلاثون منا [¬٣] قال: ومن بلاد غزنة والقندهار آخر حده، وسألت الشيخ مبارك: كيف بر الهند وضواحيه (٢)؟ فقال لي أن به أنهارا ممتدة، تقارب ألف نهر كبارا وصغارا، منها ما، يضاهي (٣) النيل عظما، ومنها ما هو دونه، ومنها ما هو دون هذا المقدار، وما هو مثل بقية الأنهار، وعلى ضفاف (٤) الأنهار، القرى والمدن، وبه الأشجار الكثيفة، والمروج الفيّح، وهي بلاد معتدلة (٥)، كل أوقاتها ربيع، وتهب بها الأهوية، ويتنسم النسيم (٦) اللطيف، وتتوالى بها الأمطار مدة أربعة أشهر وأكثرها

стр. 610

في أخريات الربيع، إلى ما يليه من الصيف، وبها أنواع من الحبوب والحنطة والأرز والشعير والحمص والقدس، والماش [¬١] واللوبيا والسمسم وأمّا الفول فلا يكاد يوجد فيها. قلت: أظن عدم وجود (١) الفول بها لأنها بلاد حكماء وعندهم أن الفول يفسد جوهر العقل، ولهذا حرّمته الصابئة [¬٢]، قال: وبها من الفواكه شيء من التين والعنب والرمان الكثير الحلو والمر والحامض والموز والخوخ والأترج [¬٣]، والليمون واللبم والنارنج والجميز والتوت الأسود المسمى بالفرصاد والبطيخ الأصفر والأخضر والخيار والقثاء والعجور والتين، والعنب هو أقل ما يوجد من بقية هذه الأنواع، وأمّا السفرجل فيوجد بها ويجلب إليها، وأمّ الكمثرى والتفاح فهما أقل وجدا من السفرجل، وبها فواكه أخر لا تعهد في مصر والشام والعراق وهي العنبا والمهوا واللكح والكريكا وايجلى والفكي والنغزك وغير ذلك من الفواكه الفائقة اللذيذة، فأما النارجيل وهو المسمى بالجوز هندي، (لا يعادله شيء، وهو أخضر مملوء بدهنه، وأما الحمر وهو المسمى بالتمر هندي) [¬٤] فهو شجر بري يلو الجبال، والنارجيل والموز بدهلى أقل مما حولها من بلادها على أنه الموجود الكثير، وأما

стр. 611

قصب السكر فإنه بجميع هذه البلاد كثير ممتهن، ومنه نوع أسود جف (١) صلب (المخطوط ص ١٥) العيدان، وهو أجوده للامتصاص لا للإعتصار، وهو مما لا يوجد في سواها، ويعمل من بقية أنواعه السكر الكثير العظيم الرخيص من السكر النبات والسكر المعتاد، ولكنه لا يجمد بل يكون كالسميد الأبيض، وبها الأرز؛ على ما حدثني الشيخ مبارك بن مجد شاذان؛ على أحد وعشرين نوعا، وعندهم اللفت والجزر والقرع والبادنجان والهليون (٢) [¬١] والزنجبيل، وهم يطبخونه إذا كان أخضر، كما يطبخ الجزر، وله طعم طيب لا يعادله شيء، وبها السلق والبصل والفوم والشمار [¬٢] والصعتر (٣) [¬٣] وأنواع الرياحين من الورد والنيلوفر [¬٤] والبنفسج والبان وهو الخلاف، والنرجس، وهو العبهر [¬٥]، وثامر الحناء (٤)، وهو الفاغية، وكذلك الشيرج [¬٦]، ومنه وقيدهم [¬٧]، وأمّا (٥) الزيت فلا يأتيهم إلا جلبا، وأما العسل فأكثر من الكثير، وأمّا الشمع فلا يوجد إلا في دور السلطان، ولا يسمح فيه لأحد،

стр. 612

وما لا يحصى من الدواب السائمة من الجواميس والأبقار والأغنام والمعز، ودواجن الطير من الدجاج والحمام البلدي والأوز، وهو أقل أنواعه، فأما الدجاج الهندي فيكاد أن يكون كالأوز في عظم المقدار، وكل هذا يباع بأرخص الأسعار، وأقل الأثمان، وأما السمن واللبن على اختلاف أنواعه فكثير لا يعبأ به ولا له قيمة، ويباع بأسواقها من الأطعمة المنوعة كالشواء والأرز والمطجّن والمقلى والمنوع والحلوى [¬١] المنوعة [¬٢] على خمسة وستين نوعا، والفقاع والأشربة ما لا يكاد يرى في مدينة سواها، وبها من أصحاب الصنائع للسيوف والقسى والرماح وأنواع الرماح والزردا، والصواغ (١) والزراكش [¬٣] والسراجين وغير ذلك من أرباب كل صنف (٢) مما يختص بالرجال والنساء وذوي السيوف والأقلام وعامة الناس ما لا يحصى لهم عدد، وأمّا الجمال فقليلة لا تكون إلا للسلطان ومن عنده من الخانات [¬٤] والأمراء والوزراء وأكابر أرباب الدولة، وأما الخيل فكثيرة وهي نوعان (المخطوط ص ١٦): عرّاب [¬٥] وبراذين [¬٦]، وأكثرها مما لا يحمد فعله، ولهذا

стр. 613

تجلب إلى الهند من جميع ما جاورها من بلاد الترك، وتقاد إليها العرّاب من البحرين وبلاد اليمن والعراق على أن في دواخل الهند خيلا عرابا كريمة الأحساب، يتغالى في أثمانها، ولكنها (١) قليلة، ومتى طال مكث الخيل بها انحلت، وأما البغال والحمر (٢) فما يعاب عندهم ركوبها، ولا يستحسن فقيه ولا ذو علم (٣) ركوب بغلة، فأما الحمار فإن ركوبه عندهم مذلة كبرى (٤)، وعار عظيم، بل ركوب الكل الخيل، وأمّا الأثقال فخاصتهم يحمل على الخيل، وعامتهم يحمل على البقر، يحمل عليها الأكفاء، فيحمل عليها، وهي سريعة المشي، ممتدة الخطا. وسألت الشيخ مبارك عن مدينة دهلى، وما هي عليه (٥)، فحدثني أن دهلى مدائن جمعت مدينة، ولكل واحدة اسم معروف، وإنما دهلى واحدة منها، وقد صار يطلق على الجميع اسمها، وهي ممتدة طولا وعرضا، يكون دور عمرانها [¬١] أربعين ميلا، بناؤها بالحجر والآجر، وسقوفها بالأخشاب، وأرضها مفروشة بحجر أبيض شبيه بالرخام، ولا يبنى بها أكثر من طبقتين، وفي بعضها طبقة واحدة، ولا يفرش بالرخام إلا السلطان. قال الشيخ أبو بكر بن الخلال: هذه دور دهلى [¬٢] العتيقة، فأما ما أضيف إليها فغير ذلك (٦)، قال: وجملة ما يطلق عليه الآن اسم دلى () أحد وعشرون مدينة،

стр. 614

وبساتينها على استقامة، كل خط اثنا عشر ميلا من ثلاث جهاتها، فأمّا الغربي فعاطل لمقاربة جبل لها به، وفي دهلى ألف مدرسة، وبها مدرسة واحدة للشافعية، وسائرها للحنفية، ونحو سبعين مارستانا [¬١]، وتسمى بها دور الشفاء [¬٢]، وفيها وفي بلادها من الخوانق [¬٣] والربط [¬٤] عدة ألفين مكانا، وبها الديارات [¬٥] العظيمة، والأسواق الممتدة، والحمامات الكثيرة، وجميع مياها من آبار محتفرة قريبة المستقى، أعمق ما يكون سبعة أذرع، عليها السواقي، وأمّا مشرب أهلها فمن ماء المطر في أحواض وسيعة تجتمع (المخطوط ص ١٧) فيها الأمطار، كل حوض يكون قنطرة، علوه سهم وأزيد، وبها الجامع المشهور المئذنة [¬٦]، التي قال أنه ما على بسيط الأرض لها شبيه في سمكها وارتفاعها [¬٧]، وقال الشيخ برهان الدين بن الخلال البزي الصوفي أن علوها ستمائة ذراع في الهواء. قال الشيخ مبارك: وأما قصور السلطان ومنازله بدهلى فإنها خاصّة

стр. 615

بسكونه (١) وسكن حريمه ومقاصير جواريه [¬١] وحظاياه [¬٢]، وبيوت خدمه ومماليكه، لا يسكن معه أحد من الخانات، ولا من الأمراء، ولا يكون به أحد منهم إلا إذا حضروا للخدمة، ثم ينصرف كل واحد إلى بيته، وخدمتهم مرتين في كل نهار في بكرة كل يوم وبعد العصر منه، ورتب الأمراء على هذه الأنواع، أعلاهم قدرا الخانات ثم الملوك ثم الأمراء، ثم الأصبهلاريه [¬٣] ثم الجند، وفي خدمته ثمانون خانا أو أزيد، وعسكره تسعمائة ألف فارس من هؤلاء، منهم من هو بحضرته، ومنهم في سائر البلاد، يجرى عليهم كلهم ديوانه [¬٤]، ويشتملهم إحسانه، وعساكره من الأتراك والخطا والفرس والهند، ومنهم البهالوين [¬٥] والشكار [¬٦]، ومن بقية الأنواع والأجناس، كلهم بالخيل المسومة، والسلاح الفائق والتجمل الظاهر الزائد، وغالب الأمراء والجند تشتغل بالفقه،

стр. 616

ويتمذهبون [¬١] خاصة وأهل الهند عامة لأبي حنيفة ﵁، وله [¬٢] ثلاثة آلاف فيل محققة، تلبس في الحروب البركصطوانات [¬٣] الحديد المذهب، وأمّا في أوقات السلم فتلبس جلال الديباج [¬٤] والوشى وأنواع الحرير، وتزين بالقصور والأسرة المصفحة، وتشد عليها البروج من الخشب المسمرة، ويتبوأ بها رجال الهند مقاعد القتال، ويكون على الفيل من عشرة رجال إلى ستة رجال على قدر احتمال الفيل، وله عشرون ألف مملوك أتراك. قال البرس (١) وعشرة آلاف خادم خصى، وألف خزندار [¬٥] وألف بشمقدار [¬٦] وله مائتا ألف عند ركابيه [¬٧]، تلبس السلاح (المخطوط ص ١٨)، وتمشي في ركاب السلطان، وتقاتل رجّالة بين يديه، وليس يستخدم أحد من الخانات والملوك والأمراء والأصفهلاريه (٢) أجنادا، يقطع لهم الإقطاعات من قبلهم، كما هو في مصر والشام، بل ليس يتكلف الواحد منهم إلا نفسه وعدته من الجند، استخدامهم

стр. 617

للسلطان، وأرزاقهم من ديوانه، ويبقى كلما تعين لذلك الخان أو الملك أو الأمير أو الأصفهلار خاص لنفسه والحجاب وأرباب الوظائف وأصحاب الأشغال من أرباب السيوف من الخانات والملوك والأمراء، لكل رتبة من يناسبها على مقدارها، فأمّا الأصفهلارية فلا يؤهل منهم أحد لقرب السلطان، وإنما يكون منهم نوع الولاة (١)، ومن يجري مجراهم، والخان يكون له عشرة آلاف فارس، والملك ألف فارس، والأمير مائة فارس، والأصفهلارية دون ذلك. وأما أرزاقهم فيكون للخانات والملوك والأمراء والأصفهلارية بلاد مقررة عليهم من الديوان، إن كانت لا تزيد، فإنها لا تنقص، والغالب أن تجيء أضعاف ما عبرت به. ولكل خان لكان [¬١]، كل لك مائة ألف تنكة [¬٢] كل تنكة ثمانية دراهم، هذا خاص له، لا يخرج منه لجندي من أجناده شيء، ولكل ملك ستين ألف تنكة إلى خمسين ألف تنكة، ولكل أمير منه (٢) أربعين ألف تنكة إلى ثلاثين ألف تنكة، والأصفهلارية من عشرين ألف تنكة وما حولها، وأما الجند فكل جندي من عشرة آلاف تنكة إلى ألف تنكة، وأما المماليك السلطانية، فكل مملوك من خمسة آلاف تنكة إلى ألف تنكة، وطعامهم وكساويهم وعليقهم [¬٣] والجند والمماليك ليس لهم بلاد، وإنما يأخذون أموالهم نقدا من الخزانة، وأما أولئك (٣) فبلاد تلك غيرها.

стр. 618

قال: والآن إن لم يزد متحصلات البلاد المقتطعة لهم عن المعبر [¬١] وإلا فما تنقص، ومنهم من يحصل له قد عبرته مرتين وأكثر. وأما العبيد فكل عبد منهم في كل شهر منان [¬٢] من الحنطة والأرز طعاما لهم وفي كل يوم (المخطوط ص ١٩). ثلاثة أسيار [¬٣] لحم مما يحتاج إليه، وفي كل شهر عشر تنكات بيضا، وفي كل سنة أربع كساوي. ولهذا السلطان دار طراز [¬٤]، فيها أربعة آلاف قزاز [¬٥] تعمل الأقمشة المنوعة للخليع (١) [¬٦] والكساوى والإطلاقات، مع ما يحمل له من قماش الصين والعراق والإسكندرية، وهو يفرق كل سنة مائتي ألف كسوة كاملة، مائة ألف كسوة في الربيع، ومائة ألف كسوة في الخريف. فأما كسوة الربيع فغالبها من القماش الإسكندري، عمل الإسكندرية، وأما كساوى الخريف فكلها حرير من عمل دار السلطان الطراز بدهلى، وقماش الصين والعراق، ويفرق على الخوانق والربط الكساوى، وله أربعة آلاف

стр. 619

زركشي [¬١]، يعمل الزراكش لباقي الحريم، ويعمل في مستعملاته، ولما يخلعه على أرباب دولته، ويعطى لنسائهم. ويفرق في كل سنة عشرة آلاف فرس عربي من الخيل العراب المسومة منها ما هو مسرج ملجم، ومنها ما هو عربي بلا سرج ولا لجام، والمسرجات والملجمات على أنواع منها ما هو ملبس، ومنها ما هو محلى، ثم إن تلك الملبسات والملجمات. منها ما هو بالذهب، ومنها ما هو بالفضة، فأمّا ما يعطى من الخيل والبراذين، فإنه بلا حساب، يعطى جسارات جسارات، ويفرق مئينا مئينا [¬٢]. وهو على كثرة الخيل ببلاد، وكثرة ما يجلب إليه يتطلبها من كل قطر، ويبذل فيها أكثر الأثمان، لكثرة ما يعطى ويطلق، وهي مع هذا غالية الثمن، مربحة المكاسب، لمن يتاجر فيها، لكثرة المكاسب والعساكر وجمهرة الخلق. وحدثني علي بن منصور العقيلي (١) من أمراء عرب البحرين، وهم ممن يجلبون من البحرين، الخيل، إلى هذا السلطان؛ أن لأهل هذه البلاد علامة في الفريس، يعرفونها بينهم، متى ما رأوها (٢) في فرس اشتروه بما عسى يبلغ ثمنه. ولهذا السلطان نائب من الخانات يسمى أميرت (٣) أقطاعه يكون قدر إقليم عظيم نحو العراق، ووزير؛ أقطاعه يكون قدر إقليم (٤) العراق وله أربعة (المخطوط

стр. 620

ص ٢٠) نواب، يسمى كل واحد منهم شق [¬١]، ولكل (١) منهم أربعين ألف تنكة إلى عشرين ألف تنكة، وله أربعة دبيران [¬٢] أي كتاب سر، لكل واحد مدينة من المدن البنادر العظيمة الدخل، ولكل واحد منهم بقدر ثلاثمائة كاتب أصغر من فيهم وأضيق رزقا له عشرة تنكة (٢). وأما أكابرهم فله قرى وضياع، وفيهم من له خمسون قرية، ولصدر جهان [¬٣]، وهو اسم قاضي القضاة، وهو في وقتنا كمال الدين بن البرهان، عشرة قرى، يكون متحصلها قريب من ستين ألف تنكة (٣) ويسمى صدر الإسلام، وهو أكبر نواب الحكم بالقضاء، ولشيخ الإسلام وهو شيخ الشيوخ مثله، وللمحتسب قرية، يكون متحصلها قريب (٤) ثمانية آلاف تنكة. وله ألف طبيب، ومائتا طبيب وعشرة آلاف بزدار [¬٤] تركب الخيل، وتحمل الطيور المعلمة للصيد، وثلاثة آلاف سواق، تسوق لتحصيل الصيد، وخمسمائة نديم، وألف (٥) ومائتان نفرا من الملاهي، غير مماليك الملاهي، وهم ألف مملوك، برسم تعليم الغناء خاصة، وألف شاعر من اللغات الثلاثة العربية والفارسية [¬٥] والهندية [¬٦]

стр. 621

من ذوي الذوق اللطيف، يجرى على هؤلاء كلهم ديوانه، وتدر عليهم مواهبه، ومتى بلغه أن أحدا من ملاهيه غنى لأحد، قتله، وساءلته عما لهؤلاء من الأرزاق، فقال: لا أعلم من أرزاق هؤلاء إلا ما للندماء، فإن لبعضهم قريتين، ولبعضهم قرية، ولكل واحد منهم من أربعين ألف تنكة إلى ثلاثين ألف تنكة إلى عشرين ألف تنكة، على مقاديرهم من الخلع والكساوى والافتقادات (١). (قال الشيخ أبو بكر بن الخلال البزي الصوفي: وله مائتا تبع تسافر بأمواله في البلاد تبتاع له ولكل واحد منهم في كل مدينة ألف تنكة) (٢) قال الشيخ مبارك: ويمد لهذا السلطان السماط أوقات الحزم في طرفي النهار مرتين، في كل يوم، ويطعم منه عشرون ألف نفر مثل الخانات والملوك والأمراء والأصفهلارية وأعيان الجند، وأما طعامه الخاص، فيحضر معه عليه الفقهاء، مائتا فقيه في الغداء والعشاء، ليأكلوا معه ويجثوا بين يديه. قال الشيخ أبو بكر بن الخلال البزي: سألت طباخ السلطان كم يذبح في مطابخة (٣) كل يوم؟ فقال: يذبح ألفين وخمسمائة رأس من البقر، وألفين رأس من الغنم غير الخيل (المخطوط ص ٢١) المسمنة، وأنواع الطير. قال الشيخ مبارك: ولا يحضر مجلس هذا السلطان من الجند إلا الأعيان ومن دعته ضرورة الحضور لكثرة عددهم، وكذلك مجالسه الخاصة لا يحضر بها جميع أرباب الخدم من الندماء والمغاني إلا بالنوب، وكذلك أرباب الوظائف مثل الدبيران [¬١] والأطباء، ومن يجرى مجراهم لا يحضرون إلا بالنوب (٤)، وأما الشعراء

стр. 622

فلحضورهم أوقات مخصوصة في السنة مثل العيدين والمواسم ودخول شهر رمضان وعند ما تتجدد نصره على أعداء أو فتح (١) من الفتوحات أو غير ذلك مما تهنئ (٢) به السلاطين، أو يتعرض إلى مدحهم فيه. وأمور الجند خاصة بل الناس عامة إلى آمريت [¬١] وأمور الفقهاء والعلماء والقاطنين والواردين كلها إلى صدر جهان وأمور الفقهاء القاطنين والواردين إلى شيخ الإسلام، وأمور عامة الواردين والوافدين والأدباء والشعراء القاطنين والواردين إلى الدبيران، وهم كتاب السر. وحدثني قاضي القضاة أبو محمد الحسن بن محمد الغوري الحنفي أن السلطان محمد بن طغلقشاة (٣) [¬٢] كان قد جهّز مغصان؛ أحد كتاب سره إلى جهة السلطان أبي سعيد [¬٣] (٤)، وبعث معه ألف ألف تنكة ليتصدق بها في المشاهد [¬٤] بالكوفة والعراق وتلك الآفاق، وكان هذا مغصان مخبث النية، فجمع أحواله عازما

стр. 623

على أنه لا يرجع إلى حضرة مرسله، وصادف وصوله وفاة أبي سعيد، فتمكن مما قصده، وحضر إلى بغداد ومعه نحو خمسمائة فرس له ولأصحابه، ثم توجه إلى دمشق، قال: ثم بلغني أنه عاد منها إلى العراق، وأقام ببغداد، واستوطنها. قلت وقد حدثني بحال هذا، الفاضل نظام الدين أبو الفضائل يحيى بن الحكيم، وقال لي أنه رآه [¬١] بدمشق، لكنه (١) لم يذكر مبلغ هذه الصدقة، وكذا حكى لي عنه السبكي والملتاني والبزي، وإنما تخالفت ألفاظهم، فمعناها واحد، وقال كل منهم أن هذا مغصان من الفضلاء والأعيان والزينة الأخيار. قال الشيخ أبو بكر (٢) البزي: وهذا السلطان ترعد الفرائص لمهابته، وتزلزل الأرض لموكبه، وهو كثير التصدي (المخطوط ص ٢٢) لأمور مملكته (٣) (و) لأمور ملكه [¬٢]، وهو يجلس بنفسه لإنصاف رعيته (٤). قال خواجه [¬٣] أحمد بن خواجه عمر بن مسافر فيما حكاه عنه أنه يجلس لقراءة قصص [¬٤] الناس عليه جلوسا عاما، ولا يدخل عليه من معه شيء من السلاح حتى ولا السكين، إلا كاتب السر لا غير. والسلطان عنده سلاح كامل حتى التركاش [¬٥] (٥) والقوس والنشاب، حيث

стр. 624

قعد، لا يفارقه سلاحه، قال: وهذا دأبه دائما أبدا. وأما ركوب هذا السلطان فإنه يختلف، تارة يكون للحرب، وتارة يكون للانتقال في دهلى من مكان إلى مكان، وتارة يكون في قصوره، وأما إذا ركب إلى حرب، فالجبال سائرة، والرمال سائلة، والبحار تتدفق، والبحور والبروق تلمع، وأمور يعتقد كذبها العيان، ويعتقل عن وصفها اللسان، وعلى الفيلة من الأبراج مدينة أو قلعة حصينة، ولا يرى الطرف إلاّ النقع المثار، ودجى ليل ممتد على النهار، وشعار ولا يحمل أحد في الأعلام سواد إلاّ له خاصة، وفي الميمنة له أعلام سود، وفي الميسرة أعلام حصر، وفيها التنينات الذهب، السلطان أعلام سود [¬١]، في أوساطها تنين عظيم من الذهب، وأمّا بقية الأمراء فكل واحد يحمل ما يناسبه، وأما ما يدق للسلطان من الرهجيات [¬٢] في الإقامة والسفر فإنه يدق له مثل الإسكندر ذي القرنين وهي مائتا جمل نقارات [¬٣]، وأربعون جملا من الكوسات [¬٤] وعشرون بوقا، وعشرة صنوج [¬٥]، وتدق له النوب الخمس أيضا، ويحمل معه ما لا يحصى من الخزائن، وغير ذلك ما لا يكاد يعد من الجنائب. وأمّا في (١) الصيد فإنه يخرج من خف، لا يكون معه أكثر من مائة ألف فارس،

стр. 625

ومائتي فيل، ويحمل معه أربعة قصور خشب على ثمانمائة جمل، كل قصر على مائتي جمل ملبسة جميعها ستور حرير سود مذهبة، وكل قصر طبقتان غير الخيم والخركاوات [¬١]. وأمّا في الانتقال من مكان إلى مكان للتنزه أو ما هذا سبيله فيكون معه نحو ثلاثين ألف فارس، وهذه العدة من الفيلة وألف جنيب [¬٢] مسرجة ملجمة ما بين ملبس بالذهب ومحلا (١) (المخطوط ٢٣) ومطوق، ومنها المرصع بالجواهر واليواقيت. وأما ركوبه في قصوره، فقال لي الشيخ محمد الخجندي، وكان ممن دخل دهلى، واستخدم في الجند بها، أنه رآه قد خرج من قصر إلى آخر (٢) وهو راكب وعلى رأسه الجتر [¬٣] والسلاح داريه [¬٤]، ورآه محمولا بأيديهم السلاح (٣)، وحوله قريب اثني عشر ألف مملوك، جميعهم مشاة؛ ليس فيهم راكب إلا حامل الجتر والسلاح داريه والجمداريه [¬٥] حملة القماش.

стр. 626

وقال لي الشيخ مبارك أن هذا السلطان يحمل على رأسه (١) سبعة جتورة [¬١] منها اثنان مرصعان ليس لهما قيمة [¬٢] ولدسته [¬٣] من الفخامة والعظمة والقوانين الشاهنشاهيه [¬٤]، والأوضاع السلطانية، ما لم يكن فعله إلا للإسكندر ذي القرنين أو لملكشاه بن ألب أرسلان [¬٥]. وأما الخانات والملوك والأمراء، فإنه لا يركب أحد منهم في السفر والحضر إلا بأعلام، وأكثر ما يحمل الخان تسعة أعلام، وأقل ما يحمل الأمير ثلاثة، وأكثر ما يجرى الخان في الحضر عشرة جنايب، وأكثر ما يجرى الأمير في الحضر جنيبات. فأمّا في الأسفار فمهما وصلت قدرة كل واحد منهم ووسعة صدره وكرمه (٢) مع أنهم إذا حضروا باب السلطان، تضاءلوا لطمس شمسه كواكبهم، ولطم بحره سحابيهم، وهذا السلطان مع هذا ذو بر وإحسان وتواضع لله تعالى (٣). حدثني أبو الصفاء عمر بن إسحاق السبكي [¬٦] أنه رآه وقد نزل إلى جنازة فقير [¬٧] صالح، ومات، وحمل نعشه على عنقه، وله فضيلة جمّة يحفظ كتاب الله

стр. 627

تعالى (١) وكتاب الهداية [¬١] على مذهب الإمام أبي حنيفة ﵁، ويجيد في المعقول، ويكتب خطا حسنا، وله يد ممتدة في الرياضة، وتأديب النفس، والأدب، ويقول الشعر، وينظمه، ويستنشده، ويفهم معانيه، ويباحث عنها (٢) العلماء، ويناظر الفضلاء، ويؤاخذ خصوص الشعراء بالفارسية، فإنه عالق بأهدابها، عارف بشعابها. قال (٣): ولقد سمعته يبحث في معنى تقدم الأمس على اليوم، من أي قبيل هو، لأنهم قالوا إنما التقدم إما أن يكون بالزمان أو بالرتبة أو بالذات، وهذا لا يجوز أن يكون واحد من هذه الأقسام، وقرر أن (المخطوط ص ٢٤) قولهم انتقض بهذا، لأن الأمس متقدم لا بشيء من هذا. قال: ولقد رأيته يأخذ بأطراف الكلام على كل من حضر على كثرة العلماء. قال: والعلماء تحضر مجلسه، وتفطر في شهر رمضان عنده، ويأمر صدر جهان كل ليلة واحدا ممن يحضر بأن يذكر نكتة [¬٢] ثم تتجاذب الجماعة أطراف البحث فيها بحضرة السلطان، وهو كواحد منهم، يتكلم معهم، ويبحث بينهم، ويرد عليه [¬٣]، وهو ممن لا يرخص في محذور، ولا يقر أحدا على منكر، ولا يتجاسر

стр. 628

أحد أن يتظاهر في بلاد بمحرم، وأشد ما ينكر على الخمر، ويقيم الحد فيه، ويبالغ في تأديب من يتعاطاه من المقربين إليه. حدثني السيد الشريف تاج الدين ابن أبي المجاهد الحسن السمرقندي أن بعض الخانات [¬١] الأكابر بدهلى، كان يشرب الخمرة، ويدمنها، ويصر عليها، وكان ينهى فلا ينتهى، فغضب عليه هذا السلطان غضبا شديدا، وأمسكه، وأخذ أمواله، فكان بحمله ما وجد له أربعمائة ألف ألف مثقال، وسبعة وثلاثون ألف مثقال ذهبا أحمرا، وفي هذه الحكاية كفاية في مبالغته في إنكار المنكر، وفي سعة أموال هذه البلاد، فإن هذا المال إذا حسب (١) بالقناطير المصرية كان ثلاثة وأربعين ألف قنطار أو سبعمائة قنطار ذهبا، وهذا مما لا يكاد يدخل تحت حصر ولا إحصاء. وحكى لي هذا الشريف حسن السمرقندي، وهو ممن جال الأرض وجاب الآفاق، عن أموال هذه البلاد وما تحار العقول فيه من مثل هذا أو أشباهه، وله من وجوه البر، والصدقات ما تسطره الدنيا في صحائف حسناتها، وترقمه الأيام في غرر حياتها، سمعت منه أحاديث جملتها ما علمت تفصيلها حتى حدثني الشيخ المبارك (٢) مبارك أن هذا السلطان يتصدق في كل يوم بلكين [¬٢] لا أقل منهما، يكون عنهما من نقد مصر والشام ألف ألف وستمائة ألف درهم في كل يوم، وربما بلغت صدقته في بعض الأيام خمسين لكا، ويتصدق عند رؤية كل هلال من كل شهر بكلين، عادة دائمة لا يقطعها، وعليه راتب مستمر لأربعين ألف فقير ()، لكل واحد منهم في كل يوم درهم واحد وخمسة (المخطوط ص ٢٥) أرطال خبز قمح أو أرز، وقرر ألف فقيه في مكاتب أرزاقهم على ديوانه، تعلم الأيتام وأولاد الناس

стр. 629

القراءة والكتابة، ولا يدع بدهلى سائلا يستعطى الناس، بل كل من استعطى منع من هذا، وأجرى عليه ما يجرى على أمثاله من الفقراء. فأما إحسانه إلى الغرباء، ومن يؤمله، فما يكاد يخرج عن حد التصديق. حدثني الفاضل نظام الدين أبو الفضائل يحيى بن الحكيم الطياري قال: كان عندنا بالأردو [¬١] في خدمة السلطان أبي سعيد [¬٢]، رجل اسمه عضد بن قاضي يزد، يروم الوزارة، ولا يؤهل لها، ولا يعد من أكفائها، فلا يزال (١) يشغب على الوزراء، ويفتن بين أهل الأردو، فاتفق رأيهم على إبعاده، فبعثوه رسولا إلى دهلى برسالة مضمونها السلام والوداد والسؤال والافتقاد، وعملوا هذه صورة ظاهرة لإبعاده، وكان قصدهم أن لا يعود، فلما حصل (٢) في دهلى، وحضر في (٣) حضرة هذا السلطان، وأدى الرسالة له، أقبل عليه، وشرفه بالخلع والعطاء، وأحله من كنفه في محل الرحب والسعة، وأطلق له حملا من المال، ثم لما أراد الانصراف عائدا إلى مرسله، قال له: أدخل الخزانة، وخذ مما شئت، وكان هذا السيد عضد رجلا داهية، فلما دخل الخزانة لم يأخذ سوى مصحف واحد، فسمع السلطان بهذا، فأعجبه، وقال له لأي شيء ما أخذت إلا هذا المصحف؟ فقال: لأن السلطان قد أغناني بفضله، ولم أجد أشرف من كتاب الله، فازداد إعجابه بفعله وبكلامه، ووقع منه

стр. 630

موقع الاستحسان، وأعطاه مالا جما، منه ما هو خاص بنفسه، ومنه ما هو معه لأبي سعيد على سبيل المهاداة، وكان جملة ما اتصل إليه منه ما هو لأبي سعيد (١) وما هو له ثمانمائة، تومان [¬١] التومان عشرة آلاف دينار رايجا، الدينار ستة دراهم، فيكون هذا المبلغ ثمانية آلاف ألف دينار رايجا، عنها ثمانية وأربعون ألف ألف درهم، فلما عاد بهذا المال الممدود، خشى أن يؤخذ في الأردو ومنه، ففرقه أقساما، وغيبه عن العيون، وكان أمير أحمد بن خواجه [¬٢] (المخطوط ص ٢٦) رشيد، وهو أخو الوزير قد وقع له أمر أقتضى إخراجه من الأردو، وروعى لمكان أخيه الوزير غياث الدين محمد، فكتب له بأن يكون أمير الايلكاه [¬٣]، ومعنى هذا أنه يحكم حيث حل من المملكة حتى على حكامها، فصادف في طريقه هذا السيد عضد، فأخذ منه شيئا كثيرا، احتمل إنه عمل منه عدة حمول من أواني الذهب والفضة، ليقدمها إلى أبي سعيد والخواتين [¬٤] (٢) وأحسبه سبله له إلى العود إلى الأردو (٣)، فعاجله الموت، ثم مات أبو سعيد، والسيد عضد، وتصرمت تلك الأيام، وذهب الذهب، ولم يغن أحدا ما كسب [¬٥].

стр. 631

قال ابن الحكيم: وهذا السلطان صاحب دهلى، كرمه خارق، وإحسانه إلي الغرباء عظيم، قصده بعض الفضلاء من بلاد فارس، وقدم إليه كتبا حكيمة، منها الشفاء لابن سينا [¬١]، واتفق أنه لما مثل بين يديه، وقدمه له، أحضر إليه حمل جليل من الجواهر الثمينة فحثا له منه ملء يده (١)، وأعطاه له، وكان بعشرين ألف مثقال من الذهب، هذا غير بقية ما وصله به. وحدثني الشريف السمرقندي، أن أهل بخاري [¬٢] يقصدونه بالبطيخ الأصفر المبقى عندهم في زمن الشتاء، فيعطيهم عطاء جزيلا. قال [¬٣]: ومنهم واحد أعرفه، حمل إليه حملين من البطيخ، فتلف غالبه، ولم يصل معه إلا اثنتان وعشرون (٢) بطيخة، فأعطاه ثلاثة آلاف مثقال من الذهب. قال الشيخ أبو بكر بن أبي الحسن الملتاني المعروف بابن التاج الحافظ [¬٤]: الذي بلغنا بالملتان، واستقاض عندنا (٣) بها، ثم أنى سافرت إلى دهلي، وأقمت بها،

стр. 632

ووجدت أيضا مستفيضا فيها، أن هذا السلطان التزم أنه لا ينطق في اطلاقاته بأقل من ذلك. وحدثني الخجندي [¬١] قال: قصدته، واتصلت به، فأنعم عليّ بألف مثقال من الذهب، ثم سأل إن كنت أختار الإقامة أو العود، فقلت: اخترت الإقامة، فأجراني في جملة الجند. وحدثني الشيخ أبو بكر بن الخلال البزي الصوفي، قال: بعث هذا السلطان مع جماعة أنا (المخطوط ص ٢٧) منهم ثلاث لكوك [¬٢] ذهبا إلى بلاد ما وراء النهر، لتفرق على العلماء لكا منها، ويتصدق على الفقهاء بلك منها، ويبتاع له باللك الثالث [¬٣]. قال: وقال لنا بلغني أن الشيخ برهان الدين الصاغرجي شيخ سمرقند [¬٤] مزيد في العلوم والزهد، وأنه لا يثبت عنده مالا (١)، فأعطوه أربعين ألف تنكة يتزود بها إلى الملتان [¬٥]، ثم إذا دخل بلادنا جدنا عليه بالأموال، ثم قال: وإن لم تجدوه، أعطوا هذا المبلغ لأهله، ليوصلوه إليه إذا جاء، وعرفوه بأننا نطلبه ليتزود إلى الملتان (٢). قال: فلما وصلنا إلى سمرقند، وجدناه، قد دخل إلى بلاد الصين، فأعطينا المال

стр. 633

لجاريته، وعرفناها برغبة السلطان فيه، وحثه على طلبه. وحدثني الفقيه أبو الصفاء عمر بن إسحاق الشبلي أن هذا السلطان لا يفارق العلماء سفرا ولا حضرا [¬١]، قال: وكنا معه في بعض غزواته، فلما كنا في أثناء الطريق جاءته من مقدمة عساكره كتب البشرى بالفتوح، ونحن بين يديه، فحصل له السرور، وقال: هذا ببركة هؤلاء العلماء، ثم أمر بأن يدخلوا بيت المال، ويحملوا من بيت المال ما قدروا عليه، ومن كان منهم ضعيفا يستنيب من يحمل من ذلك المال عنه، قال: فدخلوا إلى الخزانة، ولم أدخل أنا ولا كثير من أمثالي لأننا لم نكن من تلك الطبقة، وحمل أولئك (١) كل واحد كيسين، كل كيس عشرة آلاف درهم إلا واحدا منهم، فإنه حمل ثلاثة أكياس، اثنين تحت إبطيه، وآخر فوق رأسه، فلما رآهم السلطان ضحك تعجبا من حرص الذي حمل الثلاثة، وسأل عن بقية الجماعة، ممن لم يدخل مثلي، فقيل له إن هؤلاء دون أولئك لأن هؤلاء من المدرسين، وهؤلاء من المعيدين، فأمر لكل واحد منا بعشرة آلاف درهم، ففرقت علينا. قال: ومنار الشرع عنده قائم، وسوق أهل العلم لديه رائج، يشار إليهم بالتوقير والإجلال، وهم في غاية المحافظة على ما ينقام به ناموسهم من اصطلاح (٢) الظاهر والباطن والمداومة على قراءة العلم (المخطوط ص ٢٨)، وإقرائه، والتحري في كل أمورهم، والاقتصاد في جميع أحوالهم، وهذا السلطان لا يتأنى عن الاجتهاد في الجهاد برا وبحرا، لا يثنى عنه عنانه ولا سنانه، ولا يزال هذا دأبه، نصب عينه، ودبر أذنه، وقد بلغ مبلغا عظيما في إعلاء كلمة الإيمان، ونشر الإسلام في تلك

стр. 634

الأقطار، حتى سطع في ذلك السواد ضوء الإسلام، وبرقت في تلك الأنواء بوارق الهدى، وهدم بيوت النيران، وكسر البدود [¬١] والأصنام، وأخلا البرّ ممن ليس ببر إلا من هو تحت عقد الذمة، واتصل به الإسلام إلي أقصى المشرق، وقابل مطلع الشمس لألاء الصباح المشرق، وأوصل راية الأمة المحمدية كما قال أبو نصر العتبي [¬٢] إلى حيث لم تصل إليه راية ولا تليت به سورة ولا آية، فعمر الجوامع والمساجد، وأبطل التطريب (١) بالآذان، وأسكت المزمزمة بالقرآن، وبوأ أهل هذه الملة قمم (٢) الكفار، وأورثهم - بتأييد الله - (٣) أموالهم وديارهم وأرضا لم يطأوها [¬٣]، وهو مع هذا تمد له خافقة مع كل خافقة، ففي البر عقبان الأعلام، وفي البحر غربان السفن الجواري المنشآت كالأعلام [¬٤] حتى أنه لا يخلو في يوم من الأيام من بيع آلاف مؤلفة من الرقيق بأقل الأثمان لكثرة السبى والأخذ. حدثني كل هؤلاء أن الجارية الخادمة لا يتعدى ثمنها بمدينة دهلى ثمان تنكات، واللواتي يصلحن للخدمة والفراش خمس عشرة تنكة، وأما في غير دهلى فإنهن بأرخص من هذه الأثمان.

стр. 635

وقال لي أبو الصفاء عمر بن أبي إسحاق الشبلي أنه اشترى عبدا مراهقا نفّاعا بأربعة دراهم، وقس على مثل هذا، قال: ومع رخص قيمة الرقيق، وهو أنه يوجد من الجواري الهنديات (١) من يبلغ ثمنها عشرين ألف تنكة وأكثر وهكذا. قال لي ابن التاج الحافظ الملتاني، قلت: وكيف تبلغ الجارية هذا الثمن مع الرخص؟ قال لي: كل واحد في مجلس على انفراده لحسن خلقها، ولطف خلائقها، ولأن غالب مثل هذه الجوار يحفظن القرآن، ويكتبن (المخطوط ص ٢٩) الخط، ويروين الأشعار والأخبار، ويجدن الغناء وضرب العود، ويلعبن [¬١] الشطرنج والنرد، وصل هذه الجواري يتفاخرن [¬٢] في مثل هذا، فتقول الواحدة: أنا آخذ قلب سيدي في ثلاثة أيام، فتقول الأخرى: أنا آخذ قلبه في يوم، فتقول الأخرى: أنا آخذ قلبه في ساعة، فتقول الأخرى: أنا آخذ قلبه في طرفة عين. قالوا: إن ملاح الهنديات أكثر حسنا من الترك والقفجاق مع ما يتميزن به من التخريج العظيم والتفنن الفاتن، وغالبهن ذهبيات الألوان، وفيهن بيض ذوات بياض ساطع مختلطا بالحمرة، وعلى كثرة وجود الترك والقبجاق والروم وسائر الأجناس عندهم، لا يفضل أحد على ملاح الهنديات سواهن لكمال الحسن والحلاوة وأمور أخرى تدق عنها العبارة (٢) (٣). حدثني سراج الدين عمر الشبلي أنه لا يلبس ثياب الكتان المجلوبة إلى هذه
следующие страницы →