قال ابن الحكيم: وهذا السلطان صاحب دهلى، كرمه خارق، وإحسانه إلي الغرباء عظيم، قصده بعض الفضلاء من بلاد فارس، وقدم إليه كتبا حكيمة، منها الشفاء لابن سينا [¬١]، واتفق أنه لما مثل بين يديه، وقدمه له، أحضر إليه حمل جليل من الجواهر الثمينة فحثا له منه ملء يده (١)، وأعطاه له، وكان بعشرين ألف مثقال من الذهب، هذا غير بقية ما وصله به.
وحدثني الشريف السمرقندي، أن أهل بخاري [¬٢] يقصدونه بالبطيخ الأصفر المبقى عندهم في زمن الشتاء، فيعطيهم عطاء جزيلا.
قال [¬٣]: ومنهم واحد أعرفه، حمل إليه حملين من البطيخ، فتلف غالبه، ولم يصل معه إلا اثنتان وعشرون (٢) بطيخة، فأعطاه ثلاثة آلاف مثقال من الذهب.
قال الشيخ أبو بكر بن أبي الحسن الملتاني المعروف بابن التاج الحافظ [¬٤]: الذي بلغنا بالملتان، واستقاض عندنا (٣) بها، ثم أنى سافرت إلى دهلي، وأقمت بها،
стр. 632
ووجدت أيضا مستفيضا فيها، أن هذا السلطان التزم أنه لا ينطق في اطلاقاته بأقل من ذلك.
وحدثني الخجندي [¬١] قال: قصدته، واتصلت به، فأنعم عليّ بألف مثقال من الذهب، ثم سأل إن كنت أختار الإقامة أو العود، فقلت: اخترت الإقامة، فأجراني في جملة الجند.
وحدثني الشيخ أبو بكر بن الخلال البزي الصوفي، قال: بعث هذا السلطان مع جماعة أنا (المخطوط ص ٢٧) منهم ثلاث لكوك [¬٢] ذهبا إلى بلاد ما وراء النهر، لتفرق على العلماء لكا منها، ويتصدق على الفقهاء بلك منها، ويبتاع له باللك الثالث [¬٣].
قال: وقال لنا بلغني أن الشيخ برهان الدين الصاغرجي شيخ سمرقند [¬٤] مزيد في العلوم والزهد، وأنه لا يثبت عنده مالا (١)، فأعطوه أربعين ألف تنكة يتزود بها إلى الملتان [¬٥]، ثم إذا دخل بلادنا جدنا عليه بالأموال، ثم قال: وإن لم تجدوه، أعطوا هذا المبلغ لأهله، ليوصلوه إليه إذا جاء، وعرفوه بأننا نطلبه ليتزود إلى الملتان (٢).
قال: فلما وصلنا إلى سمرقند، وجدناه، قد دخل إلى بلاد الصين، فأعطينا المال
стр. 633
لجاريته، وعرفناها برغبة السلطان فيه، وحثه على طلبه.
وحدثني الفقيه أبو الصفاء عمر بن إسحاق الشبلي أن هذا السلطان لا يفارق العلماء سفرا ولا حضرا [¬١]، قال: وكنا معه في بعض غزواته، فلما كنا في أثناء الطريق جاءته من مقدمة عساكره كتب البشرى بالفتوح، ونحن بين يديه، فحصل له السرور، وقال: هذا ببركة هؤلاء العلماء، ثم أمر بأن يدخلوا بيت المال، ويحملوا من بيت المال ما قدروا عليه، ومن كان منهم ضعيفا يستنيب من يحمل من ذلك المال عنه، قال: فدخلوا إلى الخزانة، ولم أدخل أنا ولا كثير من أمثالي لأننا لم نكن من تلك الطبقة، وحمل أولئك (١) كل واحد كيسين، كل كيس عشرة آلاف درهم إلا واحدا منهم، فإنه حمل ثلاثة أكياس، اثنين تحت إبطيه، وآخر فوق رأسه، فلما رآهم السلطان ضحك تعجبا من حرص الذي حمل الثلاثة، وسأل عن بقية الجماعة، ممن لم يدخل مثلي، فقيل له إن هؤلاء دون أولئك لأن هؤلاء من المدرسين، وهؤلاء من المعيدين، فأمر لكل واحد منا بعشرة آلاف درهم، ففرقت علينا.
قال: ومنار الشرع عنده قائم، وسوق أهل العلم لديه رائج، يشار إليهم بالتوقير والإجلال، وهم في غاية المحافظة على ما ينقام به ناموسهم من اصطلاح (٢) الظاهر والباطن والمداومة على قراءة العلم (المخطوط ص ٢٨)، وإقرائه، والتحري في كل أمورهم، والاقتصاد في جميع أحوالهم، وهذا السلطان لا يتأنى عن الاجتهاد في الجهاد برا وبحرا، لا يثنى عنه عنانه ولا سنانه، ولا يزال هذا دأبه، نصب عينه، ودبر أذنه، وقد بلغ مبلغا عظيما في إعلاء كلمة الإيمان، ونشر الإسلام في تلك
стр. 634
الأقطار، حتى سطع في ذلك السواد ضوء الإسلام، وبرقت في تلك الأنواء بوارق الهدى، وهدم بيوت النيران، وكسر البدود [¬١] والأصنام، وأخلا البرّ ممن ليس ببر إلا من هو تحت عقد الذمة، واتصل به الإسلام إلي أقصى المشرق، وقابل مطلع الشمس لألاء الصباح المشرق، وأوصل راية الأمة المحمدية كما قال أبو نصر العتبي [¬٢] إلى حيث لم تصل إليه راية ولا تليت به سورة ولا آية، فعمر الجوامع والمساجد، وأبطل التطريب (١) بالآذان، وأسكت المزمزمة بالقرآن، وبوأ أهل هذه الملة قمم (٢) الكفار، وأورثهم - بتأييد الله - (٣) أموالهم وديارهم وأرضا لم يطأوها [¬٣]، وهو مع هذا تمد له خافقة مع كل خافقة، ففي البر عقبان الأعلام، وفي البحر غربان السفن الجواري المنشآت كالأعلام [¬٤] حتى أنه لا يخلو في يوم من الأيام من بيع آلاف مؤلفة من الرقيق بأقل الأثمان لكثرة السبى والأخذ.
حدثني كل هؤلاء أن الجارية الخادمة لا يتعدى ثمنها بمدينة دهلى ثمان تنكات، واللواتي يصلحن للخدمة والفراش خمس عشرة تنكة، وأما في غير دهلى فإنهن بأرخص من هذه الأثمان.
стр. 635
وقال لي أبو الصفاء عمر بن أبي إسحاق الشبلي أنه اشترى عبدا مراهقا نفّاعا بأربعة دراهم، وقس على مثل هذا، قال: ومع رخص قيمة الرقيق، وهو أنه يوجد من الجواري الهنديات (١) من يبلغ ثمنها عشرين ألف تنكة وأكثر وهكذا.
قال لي ابن التاج الحافظ الملتاني، قلت: وكيف تبلغ الجارية هذا الثمن مع الرخص؟ قال لي: كل واحد في مجلس على انفراده لحسن خلقها، ولطف خلائقها، ولأن غالب مثل هذه الجوار يحفظن القرآن، ويكتبن (المخطوط ص ٢٩) الخط، ويروين الأشعار والأخبار، ويجدن الغناء وضرب العود، ويلعبن [¬١] الشطرنج والنرد، وصل هذه الجواري يتفاخرن [¬٢] في مثل هذا، فتقول الواحدة: أنا آخذ قلب سيدي في ثلاثة أيام، فتقول الأخرى: أنا آخذ قلبه في يوم، فتقول الأخرى: أنا آخذ قلبه في ساعة، فتقول الأخرى: أنا آخذ قلبه في طرفة عين.
قالوا: إن ملاح الهنديات أكثر حسنا من الترك والقفجاق مع ما يتميزن به من التخريج العظيم والتفنن الفاتن، وغالبهن ذهبيات الألوان، وفيهن بيض ذوات بياض ساطع مختلطا بالحمرة، وعلى كثرة وجود الترك والقبجاق والروم وسائر الأجناس عندهم، لا يفضل أحد على ملاح الهنديات سواهن لكمال الحسن والحلاوة وأمور أخرى تدق عنها العبارة (٢)(٣).
حدثني سراج الدين عمر الشبلي أنه لا يلبس ثياب الكتان المجلوبة إلى هذه
стр. 636
المملكة من الروس [¬١]، والإسكندرية إلا من لبسه السلطان منهم وإلا قميصهم وثيابهم من القطن الرفيع، قال: تعمل منه ثياب شبيهات بالمقاطع البغدادية، ولكن أين المقاطع البغدادية والنصافي [¬٢] منها، لرفعتها ولطافة بشرتها، فإن بعضها يوازي اللوانس [¬٣] في رفعتها مع الصنق والمآبية (١).
وحدثني الشيخ مبارك أنه لا يلبس ولا يركب بالسروج الملبسة أو المحلاة بالذهب إلا من أنعم السلطان عليه بشيء منها، فإذا أنعم عليه بشيء من المحلى بالذهب [¬٤]، كان إذنا له في اتخاذ ما شاء منه، أمّا عامة ركوبهم ففي الملبس أو المحلى بالفضة.
قال: والسلطان ينعم على من في خدمته على اختلاف أنواعهم من أرباب السيف والقلم والعلم، بكل شيء جليل ونوع نفيس من البلاد [¬٥] والأموال، والجواهر والخيول والسروج المحلاة بالذهب والمناطق الذهبية [¬٦] والأقمشة المختلفة الأنواع والأجناس إلا الفيلة فإنها لا تكون إلا له، لا يشاركه فيها مشارك من جميع الناس، قال: والفيلة لها رواتب كثيرة لعلوفاتها، فإنها لعل هذه الثلاثة آلاف فيل (المخطوط ص ٣٠) لا يكفيها إلا دخل مملكة كبيرة، فسألته: كم لها؟ قال:
стр. 637
تختلف أجناسها وأشكالها، وعلى قدر اختلافها، علوفاتها، وأنا أقول لك أكثر ما يريد كل فيل في كل يوم، وأقل ما يريد، أما أكثر ما يريد [¬١] في كل يوم أربعون رطلا من أرز، وستون رطلا من شعير، وعشرون رطلا من سمن، ونصف حمل حشيش، وأما ما تريده سوّاسها [¬٢]، والقومة عليها فجملة كثيرة وأمور كثيرة، قال: وشحنه [¬٣] الفيل رطل كبير من أكابر الدولة.
قال الشبلي: يكون أقطاعه قدر إقليم كبير مثل العراق وهيئته، وفوق ملوك هذه المملكة في مواقف الحرب .. أن يقف السلطان في القلب وحوله الأئمة والعلماء والرماة قدامه وخلفه، وتمتد الميمنة والميسرة موصولة بالجناحين، وأمامه الفيول الملبسة بالأركصطوانات الحديد، وعليها الأبراج المسمرة فيها المقاتلة (١) على ما قدمنا القول فيه، وفي الأبراج منافذ لرمي النشاب ومرمى قوارير النفط، وقدام الفيول العبيد المشاة في خفّ من اللباس، بالسيوف والسلاح يفسحون لمجال الفيول، ويعرفون الخيل بالسيوف، الرماة في الأبراج تكشف عليهم من خلفهم من فوق، والخيل في الميمنة والميسرة، تضم أطراف الأرض على الأعداء، وتقاتل من حول الفيول وورائها، فلا يجد الهارب مفرا ولا مدخلا، فلا يكاد ينجو قدامهم، لاحتياط (٢) العساكر المحدقة بهم، ومواقع النشاب والنفط من فوقهم، ومخالسة الرجالة لهم من تحتهم، فيأتيهم الموت من كل مكان، ويحيط بهم البلاء من كل جهة.
стр. 638
ولقد تهيأ لهذا السلطان القائم بها الآن ما لا تهيأ لأحد قبله من ملوك هذه المملكة من النصر والاستظهار وفتوح الممالك، وهدم قواعد الكفار، وحل عقد السحرة، وإبطال ما كانت تتعلل به الهنود من الصور والتماثيل، ولم يبق إلا ما هو داخل البحار من القليل الشاذر والناذر (١) [¬١] الذي لا حكم له، (ولا معلم لهم عهد هذا السلطات حتى يستكمله، ويغسل بالسيف ما بقي (المخطوط ص ٣١) منه) (٢)، فتضوعت أندية الهند من ذكره بأطيب من طيبها، وتحلى زمانه بها بأعلى قيمة من جواهرها، وهو اليوم جامع ذويل تلك الأقطار، وماسك نطاق البراري والبحار، وإذا قيل اليوم (٣) سلطان الهند لا يطلق على سواه، ولا يصح هذا الاسم الكريم إلا على مسماه.
قال الشبلي: وحقيق على مسلم أن يدعو للسلطان هذا في الله جهاده، وذلك معروفه، وتلك سجاياه.
وحكى لي محمد الخجندي: إن لهذا السلطان في كل أسبوع يوما عاما يجلس فيه للناس جلوسا عاما، وهو يوم الثلاثاء (٤)، يجلس في ساحة عظيمة متسعة إلى غاية يضرب له فيها جتر [¬٢] كبير سلطاني، يجلس في صدره على تخت [¬٣] عال مصفح بالذهب مرصع بالجواهر، ويقف أرباب الدولة حوله يمينا ويسارا وخلفه
стр. 639
السلاح داريه [¬١] والجمداريه [¬٢]، ومن حكمه بين أرباب الأشغال الخاصة حكمهم، وأرباب الوظائف على منازلهم ولا يجلس إلا على الخانات وصدر جهان والدبيران [¬٣] يعني كتاب السر، بين يديه، والحجاب وقوف، وينادى مناداة عامة أنه من كان له شكوى يحضر، فيحضر كل من له شكوى أو حاجة يسأل السلطان فيها، فإذا حضر أو وقف (١) بين يديه، لا يضرب، ولا يمنع حتى ينهى إليه شكواه، ويأمر السلطان فيه بأمره.
وأما بقية الأيام فإنه يجلس في طرقى كل نهار ويركب في الخانات والملوك والأمراء جميعهم إلى بابه ومن رسمه أن أحدا لا يدخل عليه بسلاح كبيرا (٢) ولا سكين صغيرة ومن جاء اعتبر قبل دخوله ودون المكان الذي يجلس فيه سبعة أبواب بعضها داخل بعض وعلى الباب الأول البراتي [¬٤] منها رجل منها معه بوق فإذا جاء أحد من الخانات أو الملوك أو اكابر الأمراء نفخ في البوق اعلاما للسطان بأنه قد جاء كبير ليكون دائما على تيقظ واستعداد من أمره ومن جاء بابه كائنا من كان يترجل من الباب الأول البراني ويمشي إلى أن يدخل السبعة الأبواب إلى حضرة السلطان وثم من شرف بالإذن له بأن يعبر راكبا إلى الباب السادس ولا يزال البوق عمالا إلى أن يقارب الداخل الباب السابع ويجلس على ذلك الباب كل من دخل إلى أن يجتمعوا فإذا تكامل المجئ أذن لهم في الدخول إذا دخلوا جلس حوله من له أهلية الجلوس ووقف سائرهم وقعد القضاة والوزراء والدبيران وكتاب السر.
стр. 640
وهم الموقعون إلى جانب المكان، لا يقع فيه نظر السلطان عليهم، ومدت الأسمطة، وقدمت الحجاب القصص (١) [¬١] إلي حاجبي صاحبه، وهو الحاجب الخاص المقدم على الكل، فيعرضها على السلطان، ثم إذا قام السلطان، جلس إلى كاتب السر فأدى إليه الرسائل بما رسمه السلطان في ذلك، فينفذها، ثم إذا قام السلطان من المجلس، جلس في مجلس خاص واستدعى العلماء، فيحضر من له عادة فيجالسهم، ويؤانسهم، ويأكل معهم، ويتحدث هو وإياهم وهم بطانته الخاصة، ثم يأمرهم بالإنصراف، ويخلو بالندماء والمغاني، تارة ينادم بالحديث، وتارة يغنى له، وهو على كل حال في المحافل والخلوات، عفيف الخلوة، طاهر الذيل، يحاسب نفسه على الحركات والسكوت، ويراقب الله في السر والعلن، لا يرتكب محرما، ولا يفسح فيه.
قال لي الشبلي: حتى أنه لا يوجد بدهلى خمرا بالجملة الكافية، لا ظاهرا ولا مضمرا، لتشديد هذا الرجل فيه، وإنكاره على من يعانيه، قال: مع أن أهل الهند لا رغبة لهم في الخمر ولا في المسكرات استغناء بالتنبول [¬٢]، وهو حلال طيب لاشية فيه مع ما فيه من أشياء لا يوجد في الخمر بعضها، وهو أنه يطيب النكهة، ويصرف الأطعمة، ويبسط الأنفس بسطا عظيما، ويورثها سرورا زائدا، مع ثبوت العقل، وتصفية الذهن، ولذاذة الطعم، فأمّا أجزاؤه فهو ورق التنبول والقوقل ونون [¬٣] (٢) يعمل خاصة.
стр. 641
قال: ولا يعد أهل تلك البلاد كرامة أبلغ منه، فإنه إذا ضيف الرجل لآخر وأكرمه (المخطوط ص ٣٣) بما عسى أن يكون من أنواع الأطعمة والأشربة (١) والرياحين والطيب، ولا يحضر معها التنبول لا يعتد له بكرامة، ولا يعد أنه أكرمه، وكذلك إذا أراد الرئيس إكرام أحد ممن يحضره، يناوله التنبول.
قلت: وهذا نظير مسلك الأياق [¬١] في ممالك أولاد جنكيز خان، والأياق هو قدح خمر أو تمر يمسكه الكبير لمن أراد إكرامه أو الرجل لمن أراد خدمته، وهو أبلغ خدمة عندهم، وسيأتي بمشيئة الله تعالى ذكر هذا في موضعه.
وحدثني العلامة سراج الدين أبو الصفاء عمر الشبلي أن هذا السلطان متطلعا (٢) إلى معرفة أخبار ممالكه وبلاده، وأحوال من حوله من جنوده ورعاياه، وأن له ناسا يسمون المنهيين [¬٢]، وطبقاتهم مختلفة، فمنهم من يخالط الجند والعامة، فإذا علم ما يجب إنهاؤه إلى السلطان أنهاه إلى أعلى (٣) طبقة منه، ثم ينهيها ذلك المنتهى، إلى آخر الأعلى فالأعلى إلى السلطان.
فأمّا أخبار البلاد النائية فإن بين حضرة السلطان وبين أمهات الأقاليم أماكن متقاربة، بعضها من بعض شبيهة بمراكز البريد في مصر والشام، ولكن هذه قريبة المدى بين المكا [¬٣] والمكان بقدر أربع علوات نشاب أو دونها، وفي كل مكان عشر سعاة ممن له خفة في الجري، يحمل الكتب بينه وبين تاليه (٤) [¬٤]، إذا أخذ أحدهم
стр. 642
الكتاب جرى به جريا قويا بأشد ما يمكنه أن يشتد، وأقوى ما يمكنه أن يجرى إلى أن يوصله إلي الآخر، فيجرى به كالأول إلى المكان الذي يليه، ويرجع حامله إلى مكانه على مهله، فيصل الكتاب من المكان البعيد إلى المكان البعيد في أقرب الأوقات أسرع من البريد والنجابة (١).
قال: وفي كل مكان من هذه الأماكن المركزة مساجد تقام بها الصلوات، ويأوى إليها السفّار، وبرك ماء للشرب، وأسواق للبيع للمكاكل (٢) [¬١] وعلوفة الدواب، ولا يكاد يحتاج إلى حمل ماء ولا زاد ولا خيمة.
قال: ومن جملة عناية هذا السلطان جعل بين قاعدتي ملكه وهما: دهلى وقبة الإسلام في هذه الأماكن (المخطوط ص ٣٤) المعدة لإبلاغ الأخبار طبول، فحيثما (٣) كان في مدينة وفتح باب الأخرى أو غلق يدق الطبل، فإذا سمعه مجاوره دق، فيعلم خبر فتح المدينة التي هو غاب عنها، وغلقه في وقت الحاضر كل يوم بنوبة.
ولهذا السلطان مهابة يسقط لها القلوب مع قربه من الناس، ولينه في كلامه وحديثه، وكل من أراد الوصول إليه وصل إليه، لا يبعده عظم حجاب، ولا عموم حجاب، وقد أدر الله في أيامه الأرزاق، وكثّر المواد، وضاعف النعم، على أن الهند ما زال موصوفا بالرخاء، معروفا بالسخاء.
حدثني الخجندي قال: أكلت أنا وثلاثة نفر رفاقا لي في بعض بلاد دهلى لحما بقريا وخبزا وسمنا حتى شبعنا بكتيل [¬٢] (٤) وهو أربع فلوس، وسأذكر معاملاتهم،
стр. 643
ثم ذكر الأسعار عندهم لأنها مرتبة على المعاملة وبها تعرف.
ولقد حدثني الشيخ مبارك قال: اللك الأحمر [¬١] مائة ألف تنكة، واللك الأبيض مائة ألف تنكة الذهب، وهي المسمى (١) عندهم التنكة الحمراء، ثلاثة مثاقيل، والتنكة النقرة [¬٢] وهي تنكة الفضة، ثمانية دراهم هشتكانه [¬٣]، وهذا الدرهم الهشتكاني [¬٤] هو وزن الدرهم النقرة معاملة مصر والشام، وجوازه (٢) لا يكاد يتفاوت ما بينهما، وهذا الدرهم الهشتكاني هو أربعة دراهم سلطانية، وهي المسماة الدكانية، وهذا الدرهم السلطاني يجيء ثلث درهم ششتكاني، وهو درهم ثالث يتعامل به في الهند، وجوازه بنصف وربع درهم ششتكاني [¬٥] (ولهذا الدرهم السلطاني نصف يسمى يكاني [¬٦] وهو بكتيل واحد، وكلهم (٣) درهم آخر اسمه شاتربكاني [¬٧] جوازه بدرهمين، فحينئذ دراهم الهند ستة شاذودكاني ودوازديدكاني [¬٨] هشتكاني [¬٩] ششكاني [¬١٠] وسلطاني ويكاني [¬١١] أصغرها
стр. 644
السلطاني، وهذه الدراهم الثلاثة الأخيرة كلها مما يتعامل بها.
والمعاملات بينهم بها دائرة والأكثر بالدرهم السلطاني، وهو الذي تقديره ربع درهم من نقد مصر والشام، وهذا الدرهم السلطاني هو بثمانية فلوس، والثمانية فلوس هي جيتلان كل جيتل أربعة فلوس، فيكون الدراهم الهشتكاني، الذي هو مثل درهم النقرة، معاملة مصر والشام (المخطوط ص ٣٥) اثنتين وثلاثين فلسا.
ورطلهم يسمى سير [¬١] وهو وزن سبعين مثقالا عنها بصنجة [¬٢] الدراهم بمصر وفاته فإنه مائة ودرهمان وثلثان، وكل أربعين سيرا منّ [¬٣] واحد، ولا يعرف عندهم الكيل.
وأما الأسعار فإن أوسطها القمح، كل منّ بدرهم ونصف هشتكاني (١)، والشعير كل منّ بدرهم واحد منه، والأرز كل منّ بدرهم ونصف وربع منه إلا أنواعا معروفة من الأرز فإنها أغلى من ذلك، والحمص كل منّين [¬٤] بدرهم واحد هشتكاني، ولحم البقر والمعز سعر واحد، ويباع كل ستة أسيار [¬٥] بدرهم سلطاني، وهو ربع درهم هشتكاني، والغنم كل أربعة أسيار بدرهم سلطاني، والأوز كل طائر بدرهمين هشتكانيه، والدجاج كل أربعة طيور بدرهم هشتكاني، والسكر كل
стр. 645
خمسة أسيار بدرهم هشتكاني، والنبات كل أربعة أسيار بدرهم منه، ورأس من الغنم الجيدة السمينة الفائقة بتنكة واحدة عنها ثمانية دراهم هشتكانية، والرأس البقر الجيد بتنكتين، وربما كان بأقل، والجاموس كذلك، وأكثر مأكلهم لحوم البقر والمعز.
قلت للشيخ مبارك: أهذا لقلة الغنم؟ قال: لا؛ ولكن (١) عادة؛ وإلا فالأغنام لا تعد في كل قرية في الهند بالآلاف المؤلفة، والدجاج كل أربعة طيور فائقة بدرهم واحد بالمصري، وأما الحمام والعصافير وأنواع الطير فبأقل الأشياء ثمنا.
وأما أنواع الصيد من الوحش والطير بها فكثير، وبها الفنك [¬١] والكركند [¬٢] (٢)، وإنما فيلة الزنج أجل، وأمارتهم (٣) في الملبوس، لبسهم البياض وثياب الجوخ وثياب الصوف، إذا جلب إليهم، يباع بأربع الأثمان، ولا يلبس الصوف إلا أهل العلم والفقر [¬٣].
ويلبس السلطان والخانات والملوك وسائر أرباب السيوف تتريات [¬٤] وتكلاوات [¬٥] وأقبية إسلامية مخصرة (٤) الأوساط خوارزمية [¬٦] وعمائم صغار لا
стр. 646
تعدى العمامة خمسة ستة أذرع من اللانس الرفيع.
وحدثني الشريف ناصر الدين محمد الحسيني الكارمي المعروف بالزمردى، وهو ممن دخل إلى الهند مرتين، وأقام عند السلطان قطب الدين [¬١] بدهلى، أن غالب (المخطوط ص ٣٦) لباسهم البياض، وغالب جمعاتهم أكسباتهم (١) النتترية مزركشة بالذهب، ومنهم من يلبس مطرز الكمين بزركش [¬٢]، ومنهم من يعمل الطراز بين كتفيه مثل المغل [¬٣] وأتباعهم (٢)، مربعة الانبساط مرصعة بالجواهر، وغالب ترصيعهم بالياقوت والماس، وتضفير [¬٤] شعورهم ذوءابات مرخية، كما كان يفعل عسكر مصر والشام، ويعمل في الذؤابات شراريب حرير، وتشد في أوساطهم المناطق [¬٥] من الذهب والفضة وأخفاف ومهاميز [¬٦]، وأما السيوف فلا تشد إلا في الأسفار، وأما في الحضر فلا تشد، وأما الوزراء
стр. 647
والكتاب فمثل زي الجند، ولكن (١) لا يشدون المناطق، وبعضهم يرخى له عذبات [¬١] أمامهم، مثل عذبات الصوفية، وأما القضاة والعلماء فلبسهم فرجيات (شبيهات بالجندات ودرايع [¬٢]، وأما عامة الناس فقمص، وفرجيات مقتدرة ودرايع) (٢).
وحدثني الشبلي: أن أهل دهلى أهل ذكاء وفطنة فصحاء في اللسان الفارسي، والهندي، ومنهم من ينظم الشعر بالعربي ويجيد فيه النظم، وكثير ممن يمدح السلطان منهم ممن ليس لهم اسم في ديوانه، فيقبل عليهم ويجيزهم.
قال الشبلي: وأخذ دبيران السلطان له عادة أن يمدحه إذا تجدد له فتح أو أمر كبير ورسمه عليه أن يأمر بأن تعد أبيات قصيدته، ويعطى لكل بيت عشرة آلاف تنكة، وكثيرا ممن يستحسن السلطان منه شيئا، (أو يعلم له دررا،) [¬٣] (٣) فما يأمر له بشيء مخصوص على التعيين وإنما يأمره بأن يدخل إلى الخزانة ليحمل ما أطاق.
فلما رأني عجبت مما يحكيه من كثرة هذا الإنفاق والبسطة من المواهب والأطلاق، قال: وهو مع هذه السعة المفرطة في بذل الإعطاء، لا ينفق نصف دخل بلاده.
стр. 648
وحدثني شيخنا فريد الدهر (١) شمس الدين الأصفهاني، قال: كان قطب الدين الشيرازي ﵀ [¬١] يثبت صحة الكيمياء، قال: فبحثت معه في بطلان الكيمياء، فقال لي: أنت تعلم ما يتلف (من الذهب) (٢) في الأبنية والمستعملات، ومعادن الذهب لا يتحصل منها (المخطوط ص ٣٧) نظير (ما يتلف) وينفذ، وأما الهند فإني حررت [¬٢] أن له ثلاثة آلاف سنة، لم يخرج منه ذهب إلى البلاد، ولا دخل إليه ذهب، فخرج منه، والتجار من الآفاق تقصد الهند بالذهب العين، تتعوض عنه بأعراد، وحشائش وصموغ لا غير، فلولا أن الذهب يعمل لعدم بالجملة الكافية.
قال شيخنا شهاب الدين: أما قوله عما يدخل إلى الهند من الذهب ثم لا يخرج منه فصحيح، وأما إثباته لصحة الكيمياء فباطل لا صحة له.
قال [¬٣]: بلغني أن ممن تقدم لهذا السلطان فتح فتوحا، فأخذ منه من الذهب وسق ثلاثة عشر ألف بقرة، قلت: والمشهور عن أهل هذه البلاد جمع الأموال وتحصيلها حتى أن بعضهم إذا سئل كم معك؟ فيقول: ما أعرف إلا أن ثاني ولد
стр. 649
يجمع على مال جده أو ثالث ولد في هذا النقب أو في (١) هذا الجب، وما نعلم كم هو، وهم يتخذون أجبابا لجمع الأموال (٢)، ومنهم حق ينقب في بيته، ويتخذ به بركة ويسدها، ولا يدع إلا مقدار ما يسقط منه الدنانير ليجمع فيها الذهب، وهم لا يأخذون الذهب المصوغ ولا المكسور ولا السبائك خوفا من الغبن (٣)، ولا يأخذون إلا الدنانير المسكوكة.
وفي بعض جزائرهم من ينصب على سطح داره علما، كلما تكامل لأحدهم جرة ذهب، حتى يكون لبعضهم عشرة أعلام وأكثر.
وحدثني الشيخ برهان الدين أبو بكر بن الخلال محمد البزي الصوفي قال:
بعث هذا السلطان عسكر إلى بلاد (٤) مجاورة للدواكير في نهاية حدودها، وأهلها كفار، يدعى كل ملك منهم الرا [¬١] (٥)، فلما نازله جيوش السلطان بعث يقول لهم، قولوا للسلطان أن يكف عنا، ومهما أراد من الملك (٦) يبعث له ما أراد من الدواب لأحمله له (٧)، فبعث أمير الجيش يعرفه بما قال، فأعاد جوابه بأنه يكف عنهم القتال، ويؤمنه للحضرة معه، فلما حضر إلى السلطان أكرمه إكراما كثيرا، وقال له: ما سمعت مثل ما قلت، فكم عندك من المال حتى قلت إنا نبعث لك مهما أردنا من الدواب لتحملها؟ فقال: تقدمني سبع رآات [¬٢] في هذه المملكة،
стр. 650
جمع كل واحد منهم سبعين ألف بايين [¬١]، (المخطوط ص ٣٨) أموالا، وكلها عندي حاصلة، فقال: والباءين هو صهريج متسع جدا ينزل إليه بسلالم من أربع جهات، فأعجب السلطان مقاله، وأمر بأن يختم على الأموال باسمه، فختمت باسم السلطان، ثم أمر الرا بأن يجعل له نوابا من مملكته، ويقيم هو بنفسه في حضرته بدهلى، وعرض عليه الإسلام فإني أقره على دينه وأقام في حضرته وجعل له نوابا في مملكته وأجرى السلطان عليه ما يليق بمثله وبعث إلى ملك المملكة أموالا جمة فرقت على أهله صدقة عليهم لكونهم انتظموا في عديد رعاياه ولم يتعرض إلى البائينات [¬٢] وإنما ختم عليها وأبقاها على حالها تحت ختمه وقد ذكرت هذا على ما ذكره البزي وهو معروف بالصدق والعهدة عليه والعائد فيها أن كان يعود فإليه.
حدثني علي بن منصور العقيلي من أمراء (١) عرب البحرين قال إن اسفارنا ما تنقطع عن الهند وعندنا كثير من أخباره وتواترت الأخبار عندنا أن هذا السلطان محمد بن طغلقشاه (٢) فتح فتوحات جليلة وأنه مما فتح مدينة لها بحيرة ماء في وسطها بيت بد [¬٣] معظم عندهم يقصد بالنذور وكان كل نذر يجيء إليه يرمي في تلك البحيرة (٣) وصرف الماء منها للى أن تصرف ثم أخذ ما كان هناك من الذهب وحمل منه وسعه مائتي قيل وآلاف من البقر قال وهو رجل جواد كريم
стр. 651
يحسن إلى الغرباء سافر منا رجلان إليه وشملتهما السعادة بالحضور عنده فأنعم عليهما وشرفهما بالخلع وأجرى عليهما الأموال الجمة وكانا ممن لا يؤبه إليه من عربنا ثم خيرهما في المقام أو العودة فأختار الواحد منهما المقام فأعطاه بلدا جليلا ومالا جزيلا وأشياء كثيرا من مواشي الغنم والبقر وهو الآن هناك مملوءا فحولا [¬١] وأما الآخر سأل العود فأنعم عليه بثلاثة آلاف تنكة ذهبا وعاد محبوا محبورا [¬٢].
стр. 652
الباب الثاني في ممالك بيت جنكيز خان
وفيه فصول:
الفصل الأول: في الكلام عليهم جمليا.
الفصل الثاني: في مملكة القان الكبير صاحب التخت وهو صاحب الصين والخطا.
الفصل الثالث: في التوارنيين وهم فرقتان:
الفرقة الأولى: فيما وراء النهر
الفرقة الثانية: في خوارزم والقبجاق.
الفصل الرابع: في الإيرانيين.
стр. 653
الفصل الأول في الكلام عليهم جمليا
стр. 654
(المخطوط ص ٣٩)
جعلت هذا فصلا جامعا لذكرهم، قبل ذكرهم على التفصيل في ممالكهم، لأن هؤلاء منهم أربعة سلاطين (١) بيد كل منهم مملكة عظيمة، استولوا بها على غالب المعمور من حدود الفرات إلى نهاية الشرق على الخط المستقيم المتصل بالسند [¬١]، فالمسمى بالقان [¬٢] الكبير، وهو المتغلغل في الشرق، منهم، وهو القائم مقام جنكيز خان [¬٣]، والجالس على تخته [¬٤] (٢) وسيأتي ذكره إن شاء الله.
والثاني منهم، هو صاحب إيران بمجموعها، وهي التي كانت بيد الأكاسرة [¬٥]، والثالث منهم (٣)، هو صاحب القبجاق (والرابع منهم) (٤)، صاحب مملكة ما
стр. 655
وراء النهر، فانقسمت بينهم مملكة توران، وهي مملكة الترك القديمة، وبها كان افراسياب [¬١] وأما صاحب إيران، فهو يفخر على الملكين؛ صاحب القبجاق وصاحب ما وراء النهر؛ بأن جده الأكبر هولاكو بن تولى [¬٢] ابن جنكيز خان، وهو جد القان الأكبر الآن.
والملكان [¬٣] الآخران يفخران بأن جنكيز خان لما قسم البلاد بين (١) ابنيه، ملك جديهما [¬٤]، ولم يملك تولى ولا هولاكو ولده جد صاحب إيران، بل كان هولاكو ابن تولى مندوبا من جهة أخيه منكوكبكاخان [¬٥]، وارث الملك والتخت.
(حدثني الفاضل نظام الدين أبو الفضائل يحيى بن الحكيم نور الدين الطياري (المخطوط ص ٤٠) الكاتب البوسعيدي [¬٦] أنه كان أرسله لدفع
стр. 656
الإسماعيلية [¬١] والأكراد [¬٢]، فلما أخذ بغداد [¬٣]، تمكن وعصا، واستقل بنفسه، والواضح الجلي ما سنذكره عن شيخنا الفرد نادرة الوجود أبي الثناء الأصفهاني [¬٤] إن شاء الله في ذلك) (١).
وأمّا أصل جنكيزخان، جد هؤلاء الملوك في النسب، فنحن نذكر منتهى نسبهم إلى أن نأتي إلى جنكيزخان (متبعهم، ومشرع الباسته [¬٥] لهم) (٢)، ثم
стр. 657
تفرع نسب كل ملك من هؤلاء الأربعة، فنقول وبالله التوفيق، (قيل) (١) أن جنكيزخان ينتهى (نسبه) (٢) إلى امرأة تسمى آلان قوا [¬١] كانت متزوجة بزوج أولدها ولدين، اسم أحدهما بكتوت والآخر بلكوت، وأبناء هذين الولدين يسميان عند المغل [¬٢] الدرلكيه، ثم مات زوجها، وبقيت مرحلة بغير زوج، فحملت فأنكر عليها المحمل، وحملت إلي من له الحكم بينهم، لينظر في أمرها، فسألها ممّن حملت؟ فقالت: ما حملت من أحد، إلا أني كنت قاعدة وفرجي مكشوف، فنزل نور دخل في فرجي ثلاث مرات فحملت منه هذا الحمل، وأنا حامل بثلاثة ذكور، لأن دخول ذلك النور كل مرة بولد ذكر، فأمهلوني حتى أضع، فإن وضعت ثلاثة ذكور، فأعلموا مصداق قولي، وإلا فرأيكم فيّ، فولدت ثلاثة أولاد ذكورا من بطن واحد؛ بوقن فوناغي، وبوسن سالجى، وبوذنجر، وهؤلاء الثلاثة هم المسمون بالنورانيين نسبة إلى النور الذي ادعت أمهم أنه نزل في فرجها [¬٣]، ولهذا يقال عن جنكيزخان أنه ابن الشمس وبوذنجر عليه عمود النسب إلى جنكيزخان.
فنقول: إن هذا بوذنجر ابن الآن قوا أولد بغا وبغا أولد ذو توم منن، وذو توم منن
стр. 658
أولد قيدو، وقيدو أولد باي سنقر، وباي سنقر أولد تومنيه خان، وتومنيه خان أولد قبل خان، وقبل خان أولد تربان (١)، وتربان أولد بيسوكي بهادر، وبيسكوي بهادر أولد جنكيزخان، جد هؤلاء الأربعة.
(المخطوط ص ٤١)
ونحن الآن نسرد نسبه منه إلى الآن، فواصل (٢) أن تفرع أنساب هؤلاء (٣) الأربعة منه، فنقول جنكيزخان بن بيسوكي بهادر ابن تريان بن قبل خان بن تومنيه خان بن باي سنقر بن قيدو ابن ذو توم منن بن بغابن بوذنجر بن الآن قوا، إلى هذه المرأة منتهى نسبهم [¬١] (٤).
وهذه الحكاية في نسب جنكيزخان أكذوبة قبيحة، وأحدوثة غير صحيحة، وإن صحت عن المرأة، فلعلها احتالت على سلامة نفسها من القتل، ولعلها سمعت قصة مريم الزكية، فتعلقت بحبل الشبهة، حتى أضلت أقواما بشبيه ذلك الحق، وزورت كذبا على مثل هذا الصدق. [البسيط]
قد يبعد الشيء من شيء يشابهه … إن السماء نظير الماء في الزرق
وها نحن نبدأ بذكر نبذة من ابتداء حال جنكيزخان وترقيه إلى أن ملك، ودانت له ملوك تلك الديار، وقبل الخوض في سياقة انتساب هؤلاء الملوك واتصالهم
стр. 659
به، فنقول: حكى الصاحب علاء الدين عطا ملك الجويني [¬١] (أنه كان ملك الجويني) [¬٢]، أنه كان ملك عظيم في قبيلة عظيمة يدعى أونك خان [¬٣]، وكان مطاعا في قبيلته [¬٤] ينقاد إليه عظماء رعيته، فتردد إليه جنكيزخان في حال صباه، وقربه وأدناه، وتوسم فيه النجابة والرياسة، فزاد في ارتقائه على أقربائه، وأعلاه على من سواه، حتى نشأ بينهما الاتحاد، وانتسج الوداد، فشبت نار الحسد في أقرباء ذلك السلطان، ونفخ في روعهم مخيل الشيطان. أن وضعوا لجنكيزخان المراصد والمصائد، ودفنوا له الأوابد والمكائد، وأعملوا الفكر في قطع حبل انفصال عنه، ووضع موجبات قتله واتصال منه، فلما بالغوا في الوقيعة، وأسرفوا في الغيبة والشنيعة، تغير أونك خان، على جنكيزخان تغيرا لم يظهره، وأسر كدرا لم ينقره، وجمع فكرا في ذنب يأخذه به، أو ينتحله، أو جرم يتقوله واستشار فيه أصحابه، وجعل التوقع لذلك دأبه، فاتفق أن سخط أونك خان على صبيين [¬٥] (المخطوط ص ٤٢) من مماليكه، فخافاه والتجأ إلى حوزة،
стр. 660
جنكيزخان [¬١]، واستجارا به، فأحسن إليهما، وحنا عليهما، ووعدهما بإزالة كدر السلطان، وتلاقى ما كان، فأنطقهما لسان الإحسان بهذه:
«إذا التزم المقدار جبل سعادة … أتاك جميع الكائنات مساعدا
«وإذا جري القضاء على صعب سهّله … وإذا أرادك الله لأمر همّاك له»
وقالا له: إن السلطان أونك خان يتوقع لك الوقيعة، ويتربص لك الأجن الشنيعة، فخذ حذرك، وأصلح أمرك، فرحل من ليلته بأتباعه وجماعته، ودهمه أعداؤه سحرا، فلم يجدوا له أثرا، ولا عرفوا له خبرا، ونفر العسكر يتلوه، فلم يلقوه، وقيل بل لحقوه، فعطف بجماعته إليهم، وقاتلهم حتى أتى عليهم، وغنم مالهم، فلما جمع أتباعه وأقاربه، وأعز مقامه، وحمى جانبه، وربّ رجاله وآله، وبذل لهم قوته وماله، وخص بإحسانه دنيك الصغيرين دون الناس، وأنزلهما منزلة العينين من الراس، ويسمى كلا منهما ترخانا [¬٢]، وكتب له أمانا وفرمانا [¬٣] بفراغه من جميع المؤن والكلف، وتفرغه لانتهاز الفرص، واقتطاف الطرف، وأن ينهب في الفتوح قبل كل ناهب، ويسلب قبل كل سالب، ويدخل على يده عامة البيوت فلا
стр. 661
يمنع، ويحكم فلا يدفع، وأن لا يؤخذ بذنوب كثيرة ولو تكررت ذنوبه، واستمرت عيوبه، وأجرى ذلك لجملتهما، وآحادهما، وأن يستمر ذلك إلى سبعة أبطن [¬١] من أولادهما، ومن نسلهما الآن قوم لا عادية عليهم، ولا لوم، محترمون عند الملوك، جارون على ذلك النهج المسلوك.
ثم شرع في الإحسان إلى جميع من رحل عن أونك خان، وباعده، واتصل به، وعاضده، وأفشى فيهم الإنعام، وبث فيهم الإعزاز والإكرام، حتى تتالوا إليه أفواجا، وتواردوا إليه فرادى وأزواجا، وأولادهم الآن أقرب الأخصين، وأخص الأقربين، فقوى بذلك أمره وإمارته، واشتدت شوكته ومهابته، وراسل القواد، فانقادت، واستلان القلوب (المخطوط ص ٤٣) فلانت أو كادت، فحينئذ جرد عسكرا كثيفا، وتبعا لفيفا لمحاربة السلطان أونك خان، وأمده بآخر يتلوه، فنازلته العساكر الجنكيزية، فقتل في أقرب أمد، وملك جنكيزخان ما كان له من عدة وعدد.
ثم بعث جنكيزخان إلى القبائل المتباعدة، والبطون المتباينة [¬٢]، بما عرفهم به من حاله وعدله وبأسه وفضله وعلو شأنهم إن انضموا إليه، وتأييد سلطانهم إن عكفوا عليه، فتوالوا إليه كالسيل ورمل الفلا ورجل الجراد.
وكان من أعظم القبائل المجيبة لدعوته، الداخلة في إيالته، القانعة برئاسته وباسته [¬٣] قبيلتان، بالغتان في العدد، نهايتان في الاستعداد والعدد، إحداهما تدعى أويرات [¬٤]،
стр. 662
والأخرى قنقورات [¬١] وأما القبيلة التي هي في خدمه، ومنها عظمه تسمى قيات [¬٢] وهي أكثر القبائل شهرة، وأتمها كثرة، وكان اسمه القديم تموجين [¬٣] فلما تؤخذ أمره، وعلا قدره، سمى جنكيز خان [¬٤].
نبذة من عقيدته وياسته وقاعدته وسيرته
قال الصاحب علاء الدين عطا ملك الجويني: الظاهر من عموم مذاهبهم الإدانة بوحدانية الله تعالى، وأنه خلق السماوات والأرض، وأنه يحيى ويميت، ويغني ويفقر، ويعطي ويمنع، وأنه على كل شيء قدير [¬٥].
قال مؤلف جهانكشاي [¬٦]: إن من أولاده من كان بملة عيسى، ومن دان بملة موسى، ومنهم من أخرج الجميع، وكل من اعتقد من بنيه مذهبا لم يكن له
стр. 663
تعصب على غيره ومنهم من تقرب بالأصنام [¬١]، وكان جنكيز خان [¬٢] إذا تهدد أحدا من الملوك أو كاتبه بالتحذير من صولته، قال له: إن أطعت كان لك كذا وكذا من الإعزاز والتقريب، وإن عصيت فالله أعلم بما يكون حالك معنا، قال: ويلمح من هذا القول نوع من التوكل والتفويض.
وأمّا السياسة وأحوالها كثيرة، فمنها ما يوافق الشريعة المحمدية، قال: وليعلم أن هذا الرجل لم يقف على سيرة ملوك، ولا طالع كتابا، وجميع ما نسب إليه من ذلك صادر عن قوة ذهنه (المخطوط ص ٤٤) وحسه، واستدراك الأصلح من قبل نفسه، فإنه استخرج لكل منهم مبهمّ، وقعد قاعدة مفردة، ولكل مذنب عقوبة مقدرة، وعين حدودا، لا إمهال له عندهم، ولا مغير، وأوعز أن يتعلم ذلك صغار أهله، ويسرى امتثاله عن عقب الرجل منهم، ونسله، بعد أن أثبتها في كتاب سماه الياسا الكبيرة [¬٣]، وأمر أن يوضع في خزانته، ويتوارثها أقارب عصبته وذريته [¬٤].
ونسخ ما كان لهم من قديم عواند مذمومة بتسليكات محمودة مفهومة، فمن ذلك أن من زنى سواء أن كان محصنا أو غير محصن قتل، ومن لاط قتل، ومن تعمد الكذب قتل، ومن سحر قتل، ومن يتجسس علي قوم قتل، ومن داخل بين اثنين يختصمان فأعان أحدهما قتل، ومن بال من الماء قتل، ومن أعطى بضاعة وخسر ثم أعطى ثانية وخسر إلى الثالثة قتل، ومن أطعم أسير قوم أو كساه أو شكاه بغير إذنهم قتل، ومن وجد هاربا أو أسيرا أو عبدا ولا يرده قتل.
стр. 664
وكانوا يعتمدون في ذبح الحيوان أن تكتف قوائمه ويشق جوفه، ويدخل أحدهم يده إلى قلبه ويهرسه فركا حتى يموت أو يخرج قلبه، ومن ذبح كذبيحة المسلمين ذبح، ومن وقع جمله أو فرسه وثقله في كر أو فر، ومر عليه من يتلوه بعده، ولم ينزل لمساعدته قتل، وقيل كانت لهم ياسه قديمة أن من ارتمس في الماء قتل.
وكان جنكيز خان يعظم رؤساء كل أمة وملة، ويتخذ تعظيمهم، وسيلة إلى الله تعالى.
قال: والمشهود من حالهم إسقاط المؤمن والكلف عن العلويين [¬١] والفقراء [¬٢] والقراء والفقهاء والأطباء وأرباب العلوم على اختلافهم والزهاد حتى عن المؤذنين ومغسلي الموتى.
ومن آدابهم المستعملة وقوانينهم أشياء كثيرة؛ منها أن لا يأكل أحد من يد أحد طعاما حتى يأكل المطعم منه أولا، ولو كان المطعم أميرا والمطعم أسيرا، ولا يختص أحد بالأكل وحده دون أن يطعم جميع من وقع نظره عليه ذلك الطعام، ولا يمتاز أمير بالشبع من الزاد دون أصحابه، بل يقسمون الزاد بالسوية، ولا يرمى أحد بالمأكول رميا، وقد قابل (المخطوط ص ٤٥) مناولة باليد، ولا يخطو أحد موقد نار ولا طبق زاد، ومن اجتاز بقوم يأكلون فله أن يجلس إليهم، ويأكل معهم من غير استئذان، وأن لا يدخل الإنسان يده في الماء بل يأخذ ملء فيه، ويغسل يديه ووجهه، ولا يبول أحد على الرماد، ولا يطأ عتبة الخركاه [¬٣].
стр. 665
قال: وسمعت أنهم كانوا لا يرون غسل الثياب البتة، ولا يميزون بين ما يميزه المسلمون في شيء من طاهر ونجس البتة [¬١].
قال: ومن قوانينهم التي ألفت منهم أن لا يتعصبوا لمذهب من المذاهب على مذهب، وأن لا يفخموا الألفاظ والألقاب من كلام بل يتلفظ باسم السلطان كما يسمى غيره، فيقال قد تقدم قاآن أو خان [¬٢] بكذا وكذا، وأن لا يتعرضوا لمال ميت أصلا، ولو ترك ملأ الأرض ولا يدخلونه خزانة السلطان.
قال: وأما ترتيب العساكر والقانون المقرر في ذلك، فأعلم أنه لا ينقل في تاريخ قديم ولا حديث أن عسكرا اجتمع لسلطان كثرة كما اجتمع لهم كثرة عدد وعدد وقوة وصبرا وطاعة لسلطانهم إلا لأجل مشاهرة، ولا توقع مال وجاه بل لمجرد الطاعة حسب، ثم إذا رجعوا من القتال وكرب الحرب إلى السكون، والسلم [¬٣]، أخذ السلطان فيهم القلان [¬٤] والقبجور [¬٥] والأولاق [¬٦] والبدرقة [¬٧] من غير ضجر
стр. 666
منهم، ولا تأسف منهم، بل يؤدونه إليه مختارين، ومتى تجهزوا للقتال، عرضوا آلات الحرب وغيرها على أمرائهم حتى تعتبر أمراؤهم الخيط والإبرة، ويؤاخذونهم على تجويد آلة أو تقصير في سلاح.
قال: وأغرب من ذلك أن نساءهم [¬١] تنهض في حال بعدهم وسفرهم بجميع ما يتوجه على رجالهم الغياب من الطلب والسخر السلطانية، ومن ذلك أن كل بنت حسناء تجمع من كل مكان، ويحملن جميعا في رأس كل سنة إلى السلطان، فيختار منهن ما يصطفيه له ولأولاده، ويرد الباقي.
ومن أحسن الترتيبات وضعهم أمراء الألوف [¬٢] والمئات [¬٣] والعشرات [¬٤] فهو أضبط نظام لما يحاولونه، وأسرع إفهام لما يطلبونه.
ومن جملة ياسهم أنه إذا كان أمير في غاية القوة والعظيمة وبينه وبين السلطان كما بين المشرق (المخطوط ص ٤٦) والمغرب، حتى أذنب ذنبا يوجب عقوبة، بعث إليه ولو من أخس أصحابه من يؤذ به بموجب ما يقتضيه ذنبه، ولو كان من ذنبه ما يوجب قتله، ألقى نفسه بين يديه ذليلا، وأخذه الرسول بموجب جرمه حقيرا كان أو جليلا. [¬٥]
ومنها أن كل أمير لا يتردد إلي سواه، ولا يتغير عن موضعه [¬٦] فإن فعل ذلك
стр. 667
عوقب أو قتل، لا يتردد إلى أحدهم أولاده.
ومنها وضعهم البريد بكل مكان، طلبا لحفظ الأموال، وسرعة إيصال الأخبار، ومستجدات الأحوال.
وكان لجنكيز خان عادة مستمرة، وإن كانت إلي الآن سارية في الأولاد، وهي وفور الرغبة في الصيد والأمر به والركوب إليه، في كل وقت يتفرغ فيه من القتال، والمنازلة، وربما اشتملت حركته على مسيرة ثلاثة أشهر، يحافظ العسكر على ما تحويه تلك الحلقة [¬١]، ويضايقون ما بين الخراكي [¬٢] والبيوت بالحبال، ولم يكن غرض السلطان من ذلك مجرد الصيد خاصة، وإنما مراده تمرين عساكره، واستمرار أوامره، وإدمانهم علي استعمال السلاح، وسفك الدماء، وتغلب القوة الغضبية والمضاهرة على الأرواح.
ومن عاداتهم أنه متى خرج من قبل واحد منهم شيء من الصيود أدب بحسب ما تقدم من أمره بل ربما قتلوه، ويسوقون تلك الصيود كسوق الغنم [¬٣]، وتواتر الرسل إلى السلطان بصورة حالها وكثرتها وقلتها، فإذا ضاقت الحلقة، وتراكمت الصيود، مشحونة بغرائب الوحوش، والحيوانات السهلية والجبلية، ودخل هو وأولاده وخواصه، وتفوقوا في القتل والقبض والتفرج، وربما استثرف القان من مكان عال، لينظر فروسية أولاده، وقوة مراسهم، فإذا تخلف من تلك الصيود بعد ذلك شيء، اجتمع ولدانهم وصبيانهم، وشفعوا إلى السلطان في إطلاق ذلك المتخلف.
وحكى أن في بعض صيودهم واجتماع ما اجتمع في بعض تلك الحلق لهم من الوحوش، وضاقت عليهم المذاهب، وعاينت التلف، فاستقبلت السلطان بوجهها
стр. 668
وجاءت إليه بالصياح العالي على هيئة المستعطف (المخطوط ص ٤٧) المستجير، فيتقدم بفك الحلقة، وإطلاق تلك الوحوش [¬١].
قال الصاحب علاء الدين الجويني [¬٢] كان له عدة أولاد ذكور وإناث من الخواتين [¬٣] والسراري [¬٤] وكان أعظم نسائه أوبولجين بيكي، وفي رسم المغول تعظيم الولد بنسبة والدته، فكان له من هذه المذكورة، أربعة أولاد معدين للأمور الخطرة وهم لتخت ملكه بمنزلة أربعة قوائم سدته، وكان أكبرهم توش والد قردوا [¬٥] وباته [¬٦] وبركه [¬٧] وتركجار [¬٨]، فرتب توش على الصيد والقبض لأنه أمر محبوب إليهم موصوف عندهم، ورتب جغتاي [¬٩] الذي هو أصغر منه لتنفيذ الياسات والأرغوا [¬١٠] والمقابلات وأمثال ذلك، ورتب أوكتاي [¬١١] لما يتعلق بالعقل والرأي والتدبير والولاية والعزل واختيار الرجال واختيار الأعمال وعرض الجيوش
стр. 669
وتجهيزها.
وحكى أنه قال لأولاده في جملة وصاياه إليهم، وحقه لهم على المؤالفة، وإجراء الأمور على انقياد الصغير للكبير، وضرب لهم أمثالا منها أنه دفع إليهم عدة أسهم مفردة، وأمر بكسر كل واحد منهم، فكسر في أسرع وقت، ثم جمع من تلك الأسهم عدة كثيرة، وأمر كل واحد منهم بكسرها مجتمعة، فعجزوا، قال: كذا حالكم في الوهن متفرقين.
ولما عرضت لهم الممالك، وذلت لهم المسالك، عين لكل منهم إقليما بمفرده، ومنزلا يختص بحشده وعدد، فعين لأخيه أو تكين نويان [¬١] حدود بلاد الختا [¬٢] وعين لولده الكبير توشى من حدود قيالق إلى أقصى شفشين وبلغار [¬٣]، وعين لجغتاي من حدود الأويغور [¬٤] إلى سمرقند وبخاري، وجعل لنفسه مقاما في قياس مجاور أرمالق، وجعل ولده أوكتاي ولي عهده، وكان موضعه في عهد حدود آمل وقراباق [¬٥]، فلما جلس على تخت السلطان، انتقل إلى الموضع الأصلي بين الختا
стр. 670
وبلاد الأويغور، وأعطى ذلك الموضع لولده كيوك [¬١] وكان ولده تولى [¬٢] متصلا به، وبالجملة كان موضعه نقطة دائرة ملكه، وبنوه حوله كمحيط الدائرة.
وكان أولاده وأحفاده أزيد من عشرة آلاف، هذا ما ذكره الصاحب علاء الدين، وقد سألت شيخنا فريد الدهر شمس الدين (المخطوط ص ٤٨) الأصفهاني [¬٣] عن بني جنكيز خان فقال: إن جنكيزخان أولد أربعة أولاد وهم جوجى [¬٤] وجداري [¬٥] وتولى [¬٦] واوكتاي [¬٧] فقتل جوجى في حياة أبيه، وكان أكبر أولاده، وأعزهم وخلف أولادا.
قال ابن الحكيم: هو باتو [¬٨] وأورده وبركه وتووك وجمنى [¬٩].
قال شيخنا شمس الدين: المشهور باتو وبركة ابنا جوجي، فلما قتل أبوهم كان جنكيز خان؛ أبوه، قد عين له دمشق القبجاق [¬١٠]، وما معه، وأضاف إليه آراك [¬١١]