← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11790

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط المجمع الثقافي

ابن فضل الله العمري

Полный текст (8 839 стр.). Показаны 6231–6270 · переход к 6236.

стр. 6231

المطيب تفتيت المسك لممه، قوله مما أنشدنيه: [البسيط] أحسن إلى الناس مهما دمت مقتدرا … على الجميل ففعل الخير ينتهز ولا تكن كأناس أخّروه إلى … غد فلما أتاهم في غد عجزوا وقوله مما أنشدنيه: (١) [الكامل] ومهفهف الأعطاف معسول اللّمى … كالغصن يعطفه النسيم إذا سرى قال اسقني فأتيته بزجاجة … ملئت قراحا وهو لاه لا يرى وتأرّجت برضا به وأمدها … من نار وجنته شعاعا أحمرا ثم انثنى ثملا وقد أسكرته … برضا به وبوجنتيه وما درى وقوله مما أنشدنيه: (٢) [الخفيف] قال لي ساجي اللواحظ صف لي … هيفي: قلت: يا رشيق القوام (٣) (٢٠٨) لك قدّ لولا جوارح عيني … ك تغنّت عليه ورق الحمام (٤) وقوله مما أنشدنيه: (٥) [السريع] بالله إن جزت وادي الأراك … وقبّلت أغصانه الخضر فاك (٦) اهد إلى عبدك من بعضها … فإنني والله مالي سواك وقوله مما أنشدنيه: (٧) [الطويل]

стр. 6232

أقول لمسواك الحبيب لك الهنا … برشف فم ما ناله ثغر عاشق فقال وفي أحشائه لاعج الجوى … مقالة صبّ للدّيار مفارق (١) تذكرت أوطاني فقلبي كما ترى … أعلّله بين العذيب وبارق وقوله، وهو مما أنشدنيه: (٢) [الطويل] جيادك يا من طبّق الأرض عدله … وحاز بأعلى الجدّ أعلى المناصب إذا سابقتها في المهامه غرّة … رياح الصّبا عادت لها كالجنائب (٣) ولو لم يكن في ظهرها كعبة المنى … لما شبهت آثارها بالمحارب وقوله: (٤) [الطويل] ولما التقينا بعد بين وفي الحشا … لواعج شوق في الفؤاد تخيّم (٥) أراد اختباري بالحديث فما رأى … سوى نظر فيه الجوى يتكلم وقوله: (٦) [الكامل] حتّام لا تصل المدام فقد أتت … لك في النسيم من الحبيب وعود (٧) والنهر من طرب يصفّق فرحة … والغصن يرقص والرياض تميد وقوله: (٨) [الكامل]

стр. 6233

قد صنت سرّ هواكم ضنّا به … إنّ المتيّم بالهوى لضنين فوشت به عيني ولم أك عالما … من قبلها أنّ الوشاة عيون وقوله: (١) [الطويل] روى دمع عيني عن غرامي فأشكلا … ولكنه ورّى الحديث فأشكلا (٢٠٩) وأسنده عن واقديّ أضالعي … فأضحى صحيحا بالغرام معلّلا وقوله: (٢) [الكامل] وافى النسيم وقد تحمّل منكم … لطفا يقصّر فهمه عن علمه وشكا السّقام وما درى ما قد حوى … وأنا أحق من الرسول بقسمه وقوله: (٣) [الكامل] إن طال ليلي بعدكم فلطوله … عذر وذاك لما أقاسي منكم لم تسر فيه نجومه لكنها … وقفت لتسمع ما أحدّث عنكم وقوله: (٤) [الكامل] عجبا لمشغوف يفوه بمدحكم … ما ذا يقول وما عساه يمدح (٥) والكون إمّا صامت فمعظّم … حرماتكم أو ناطق فمسبّح وقوله: (٦) [المنسرح]

стр. 6234

من لأسير أمست قرينته … في الدّوح عن حاله تسائله (١) فهو يغنّي مبدا الحزين لها … وهي بأوراقها تراسله وقوله: (٢) [البسيط] حتى إذا رقّ جلباب الدّجى وسرت … من تحت أذياله مسكيّة النفس تبسّم الصّبح إعجابا بخلوتنا … ووصلنا الطاهر الخالي من الدّنس وقوله: [السريع] بالرّوح أفدي منطقيّا علا … برتبة النحو على نشوه منطقه العذب الشهيّ الذي … قد جذب القلب إلى نحوه وقوله: (٣) [الكامل] يا سيدي أوحشت قوما ما لهم … عن حسن منظرك الجميل بديل وتعلّلت شمس النهار فما لها … من بعد بعدك بكرة وأصيل وبكا السّحاب مساعدا لتفجّعي … من طول هجرك والنسيم عليل (٢١٠) وقوله: (٤) [الكامل] انظر إلى الأزهار تلق رؤوسها … شابت وطفل ثمارها ما أدركا وعبيرها قد ضاع من أكمامها … وغدا بأذيال الصّبا متمسكا وقوله: (٥) [الطويل]

стр. 6235

ولما أشارت بالبنان وودّعت … وقد أظهرت للكاشحين تشهّدا طفقنا نبوس الأرض نوهم أننا … نصلّي الضحى خوفا عليها من العدى وقوله: (١) [الكامل] ما أبطأت أخبار من أحببته … عن مسمعي بقدومه ورجوعه إلاّ جرى قلمي إليه حافيا … وشكا إليه تشوقي بدموعه (٢) وقوله: (٣) [الطويل] يقولون شبّهت الغزال بأهيف … وهذا دليل في المحبة واضح ولو لم يكن لحظ الغزال كلحظه اح … ورارا لما تاقت إليه الجوارح وقوله: (٤) [الطويل] يقول لي الدولاب راض حبيبك ال … ملول بما تهوى من الخير والنفع فإني من عود خلقت وها أنا … إذا مال عنّي الغصن أسقيه من دمعي ومنهم: ٥٦ - محفوظ العراقي، رشيد الدين (١٣) فحل لا يقرع له أنف، ولا يطمع أن يقاد بالعنف. قادر على الشعر ينظمه في الوقت الحاضر، ويرقمه كالروض الناضر، يدل على قوة لجتين، كأنما يهدر

стр. 6236

فيهما رعد، أو يشهر سيف وعيد لا وعد. بعارضة يلين لها الجماد. ورد دمشق، ومدح والدي، ﵀، بقصيدة أحرقت قلب حاسده، وأشجت فؤاد معانده، وبات لها عدوه على شوك القتاد، وضده قد سلم إليه القياد، خلا رجل كانت منه نادرة غلط حملته على تفضيل رجل عليه، كلمة قالها بغير علم، وعثرة ما استقى لها عندي حلم، فمزّقت عرضه هجاء، وفرّقت أرضه أرجاء، فسلط (٢١١) عليه ذلك الرجل بعض أقاربه، وقصد رفو عرضه الممزق بإبر عقاربه، فالتقفهم صلّه الأرقم، والتقمهم عقابه القشعم، وجاهرهم بالسوء من القول، وجاهدهم جهاد الفحل على الشوك. وكان قد اجتمع رأي فضلاء العصر، كالإمامين: صدر الدين أبي عبد الله محمد بن الوكيل، وكمال الدين أبي المعالي محمد بن الزملكاني، والفاضل رئيس الكتاب كمال الدين أبي العباس أحمد بن العطار، على تفضيله وتقديمه في الشعر على أهل جيله. ومن شعره في هجاء من هيّج حفيظته، وأوهج توقيد نار الغضب مغيظته، مما قاله ارتجالا في خصمه، وواجهه بنفث سمه، قوله: (١) [الخفيف] ركب الله في فناء بني فع … لان معنى النيران والحيّات (٢) أوجه القوم بالمكاره تحفى … وفروج النساء بالشهوات (٣) حدثني ابن عمنا القاضي جمال الدين، أبو محمد، يوسف بن رزق الله العمري، وكان هذا الرشيد محفوظ خاصّا به، وخالصا لصاحبه، نزل عليه حال

стр. 6237

مقدمه، واصفا خالص خدمه، قال: حدثني الرشيد، ما سأذكر أنا معناه، وهو أنه لما مرّ بحماة، في مقدمه إلى دمشق، مدح طائفة من كبرائها المتّصلين بخدمة صاحبها الملك المظفر، منهم: ابن قرناص، كاتب سره، وصاحب أمره بأسره، وأراد منه أن يوصله إلى صاحبه لينشده مديحا عمله فيه، قاطع عليه الكرى، وأشبه به النجوم إلا في السّرى، حتى جاء به روضا ما سقته إلا سحب القرائح التي تشب لهبا، وتصب ذهبا، فعلّق أمله بالوعد ومنعه، فلم يصل إليه إلا فيما بعد. فلما رأى أن وعده لا يثمر، وأن قصده لا يظهر منه إلا خلاف ما يضمر، عدل إلى كستغدي أستاذ الدار (١) وكان ممن لا يخيّب المرجو، ولا يقطع رحم الأدب المرجو، لأخذه بحظّ من الفضائل لا تنقص، ولا يعرف الذهب ما لم يخلص، فلما أنزل به مقصده، أنشده: (٢) [الكامل] ولقد ركبت هجين عزم ساقه … مني الرجاء إلى الأعزّ الأبلج (٣) (٢١٢) ملك توعّره جنود حوله … كالروض بات مسيّجا بالعوسج فلما دخل على الملك المظفر، أوصل إليه جليّة خبره، وأنشده البيتين بما فيهما من وخز إبره، وابن قرناص حاضر يسمع، ناطر يتوقع ما يصنع، فأمر بإحضاره، فأحضر في الحال، واستنشده البيتين، فقال: ولقد ركبت هجين عزم ساقه (البيت) ثم اهتدم البيت الثاني فقال: [الكامل] ملك تزان به جنود حوله … كالروض بات مسيجا ببنفسج (٤)

стр. 6238

فقال له: ما هكذا قلت. فقال: قد كان ذاك قبل أن أحضر لديك، فأما بعد أن حضرت، فهو كما أنشدت بين يديك. فأسنى عطاءه من الذهب الخلاص، وأوسع ملامته ابن قرناص. وحدثني أيضا عنه: أنه أتى حصن الأكراد مادحا نائبها، ومستقيا من أياديه سحائبها، فأخذ ابن الذهبي كاتب درجه القصيدة ليوصلها إليه، ثم عاد إليه، فأخبره أنها ضاعت من وسط يديه، فقال: [المنسرح] لا الذهبيّ أسرى المديح ولا … أعذبه منهلا وعذّبه أهديت مدحي تبرا إليه فما … ذهّبه بل عليّ أذهبه وقوله، وقد رأى مشجر الفسيفساء بجامع دمشق: [الطويل] ألم تر أشجارا بجامع جلّق … حكت مثلها لو أنّ صانعها باق نضارتها أن لا تداني فروعها … بشمس ولا يسقي مغارسها ساق وقوله: (١) [الخفيف] فرّقت بيننا الحوادث لكن … لي نفس إليكم أدنيها فكأني في الودّ فارة مسك … أفرغوها ونفحة الطيب فيها (٢) وقوله: [الخفيف] هيّج البرق لوعة المشتاق … بوميض لقلبه الخفّاق هذه مزنة إليّ حدتها … نسمة الصّبح من نواحي العراق يا قساة القلوب رقّوا فإني … لا غرامي فان ولا أنا باق (٢١٣) هل لبؤس لاقيته من فراق … ونعيم فارقته من تلاق

стр. 6239

ومنهم: ٥٧ - محمد بن سبط الحافظ، شمس الدين ذكي الفطنة، زكي الفطرة، وقّاد القريحة، نقّاد المعاني الصحيحة، لطيف المحاضرة، خفيف المجالسة. يقع على نادر المعنى، لكنه ربما أتى بمساكن بلا مغنى، إذ كان مستوشل المواد، مستوحش الجواد، لا دربة له بممارسة، ولا رغبة تقدمت له في مدارسة، اعتمادا على ضياء حسه، وصفاء جوهر نفسه. مركب أعاريض الشعر، ولا يلحج في بحاره، ولا يدلج ليله قبل تبلج أسحاره. وخدم في الدواوين زمانا، ثم في الجيش بصفد خدمة أخذ بها الرامح من قلبه أمانا، وكان يجيد حلّ المترجم ويبيّن ما أسرّه قلم كاتبه وجمجم، بفهم إلى قراءته، يسارعه كأنه واضعه متى نظره قرأه لا يتوقف، كأنه هو الذي كتبه وسطره. ومن شعره: [الطويل] وذي شنب مالت إلى فيه شمعة … وعادت إلى رجليه عن شفتيه وقالت: بدا من فيه شهد فهزّني … بذكر لأوطاني فملت إليه فحالت يد الأيام بيني وبينه … فعفّرت أجفاني على قدميه ومنهم: ٥٨ - محمد بن سباع الصائغ، الدمشقي، أبو يوسف، شمس الدين (١٣) صائغ لا غشّ في ذهبه، ولا غلّ في أدبه، ولا غب لزيارة سحبه. قطف غضّ البلاغة، وجاء بالكلام كمال يقال: صاغه صياغة. وما كان ابن سباع إلا وهو شبل قسورة، ولا نعت بالشمس إلا لأن الليالي كانت به مقمرة.

стр. 6240

وهو ممن أخذت عنه العروض، وكان فيه إماما، وقطّعت بحوره لا أرد الماء إلا حماما. وتعلمت منه علم القوافي، وطرت في دقيقه وجليله بالقوادم والخوافي. وكانت حانوته بقيسارية الصاغة بدمشق سوق ذهب وأدب، كلاهما إبريز، وهما ما هما وله فيهما التبريز. وله أوفر قسم من النحو والعربية والمقامات (٢١٤) الحريرية، وسائر المواد الأدبية. ومن أشعاره المولدة العربية الذهبية، قوله: [الكامل] وتخيّروا تلك الحزون منازلا … بالحزم للأمر الأشدّ الأصعب ملأت خيامهم الجهات فلم يكد … للقرب يفرق مضرب من مضرب ومنه قوله يذكر حريق بلد أخذ منه الكفر: [الكامل] طهّرتها من أهلها بدمائهم … وجعلت باسمك ربعها مأنوسا أمهرتها عزما ملأت به الدّنى … ولقد ملكت كما بذلت نفيسا ورميت فيها النار تطهيرا لها … مثنى فمنها الشّرك عاد يؤوسا فكأنّها والنّار في جنباتها … نبت به الشّيطان غرّ مجوسا وسلبتها مما حوته ذخائرا … وجواهرا ونفائسا ونفوسا وتركتهم برا وبحرا جيفة … من بالقصور يظنها ناووسا ومنه قوله في فتح عكا وصور: [الكامل] قلقلت أرض الشام عند دخولها … ركضا بجيش كالسحاب عرمرم قد كان وجه الشمس غير مبرقع … لولاهم والبدر غير ملثّم فأريت عكاما بعمورية … رأت الفوارس في الزمان الأقدم فتح محيّا الدهر موسوم به … وزمانه في دورة كالموسم ما الرأي إلا عند قلب ثابت … والسيف إلا في يمين مصمم قد حزت صورا في تقضّي فتحها … فبشكرك الإسلام رطب المبسم

стр. 6241

ما كان بينهما سوى يوم فذا … سعد إليه كلّ سعد ينتمي والجمع للأختين غير محلّل … لكن بهذا الحال غير محرّم ومنه قوله يصف قصيدة مطولة: [الكامل] عجبا رأينا من تزيّد حسنها … مع أنها زادت على التسعين شغلت ذوي الأسماع في إنشادها … مما حوته عن ابنة العشرين (٢١٥) ومنه قوله، وهو مما ادّعاه سواه، وكان شيخنا أبو الثناء لا يبثّهما إلا لابن القماح: [الرجز] لو تعلم الورق حنيني نحوكم … لمزّقت من طرب أطواقها ولو يذوق عاذلي صبابتي … صبا معي، لكنه ما ذاقها ومنهم: ٥٩ - عبد المجير، أحمد بن الحسين الخياط، مجير الدين شاعر لا يقدر على مبالغه، ولا يعصى الحصا على ماضغه. قريحته مقتدرة، وفكرته مبتدرة، وخاطره السمح لا يقابله بالمعذرة. ولم يكن في سوق الشعر متكسبا، ولا بما يتسنّى من جوائزه متسببا، بل كان يكتفي بصناعة يده، وبضاعة شمم يكفى بها منه مسترفده، مع قليل مال يصلحه فينمي، ويستسفحه فيهمي، إلا أنه رزق خياط يجنيه من حرث إبرته، وتأييد بمقدار ما يبيعه من نظر مقلته، مع أنه بدا بناظره فخاطه بالإعجاب، وخاطه بكبرياء بلغت به العجب العجاب. ومن شعره السهل الذي لو دعي أجاب، قوله: [الكامل] يغنيه عن بعث الكتائب كتبه … وكأنما في كلّ سطر فيلق

стр. 6242

والمرء يفتن بابنه وبشعره … وكلاهما شيء لعمرك يعشق ورأيت بخط المجير المذكور فصلا أتبعه بشعر لخصتهما وهو: ولقد ورد على رجل من مصر يتعاطى أنه شاعر، ولم يكن خبيرا بما يحتاج إليه، بل كان نظّاما لحّانا، يخطئ الأوزان، ويخالف اللغة في غير مكان، فأصلحت من هذيانه على ما أفضى إليه حال لفظه، ونسقت له أساليب من كلامي، زيّنت بها قبح ما جاء به من بشاعة نظمه، وبرد سرده، ولم يخل من قصيده وضيعا ولا رفيعا، ولا عبدا ولا حرّا. وكل هذا وأنا أنظم له القصائد، وهو بحبالي الصائد، ثم ثلبني، فنقل إليّ، فقلت: [الوافر] عتبت وقلت إني قيل عني … مقال ما سمعنا منه أكذب وإني قانع بقليل شكر … فقل لي ما لكثر الذمّ أوجب (٢١٦) ولا تعجب لقلب الخير سرّا … فذمّك لي بظهر الغيب أعجب وإن تر أنّ في عتبي صوابا … فترك العتب منك عليّ أصوب وقد قلت الذي عندي وهذا … نهاية حالنا فاجنب أو اركب ولم أسلفك إلا كلّ خير … وإن تعتب فإنّي غير معتب ومن شعره قوله: [المجتث] صبح العوافي تنفّس … في ليل سقمي وعسعس وعاد نطق حياتي … وكان بالموت أخرس ونافس البرء سقمي … فكان بالنفس أنفس والموت لم ينج منه … سمّ العرانين أخنس وكل عال ونكس … في هوّة الهلك ينكس ومنه قوله: [المنسرح]

стр. 6243

يدافع الموت في تقلّبه … موج المنايا وسيلها دفع وليس من تحت سبع أرقعة … يبقى ذباب كلاّ ولا سبع ومنه قوله: [المنسرح] سدّ عليّ النهيج والأرق … وساقني في لجامه العرق واتّسعت فيّ للردى سبل … فيها تضيق الأنفاس لي طرق وفي عروقي وأعظمي ودمي … جرت خيول الحمام تستبق أظلّ لا أطعم الطعام فإن … طعمت منه أكاد أختنق وفي سحاب الحياة بارقة … في جوّ جوفي بالموت تأتلق ولي بتقدير خالقي علق … من حيث لا نطفة ولا علق ومنه قوله في وزن درعية المعري التي أولها: هم الفوارس بات في إدراعها، (١) قصيدة منها: [الكامل] ماذية لو أرسلت من خالق … في سيله فاتته في إسراعها (٢١٧) لو أن أرجل نملة دبّت على … سربالها ما غاص طرف ذراعها عاديّة تنبو الصوارم في الوغى … عنها لرقّتها وغلظ طباعها لو ألقيت في قفرة دويّة … حام القطا طمعا بحومة قاعها خصراء محكمة القتير لسردها … حبك يضيع الفكر في أوضاعها زغف دلاص ستر كلّ مقنع … إن آذنت حرب بكشف قناعها كم قطّعت بيض الظّبا بوصالها … وتدافعت سمر القنا بدفاعها وثوابت الخرصان لو قارعنها … لتقصّفت وتقصّدت بقراعها

стр. 6244

لطفت على فرط الكثافة حلّة … قد طرّزت بالبرق من تلماعها سمح الزمان بحين عصر ولادها … ومسامع الدنيا ثديّ رضاعها ومنه قوله يصف مقتل أفعى: [الكامل] نفر الحباب فخلت سيل الجدول … متدفقا نحو الأباطح من عل أو أسمرا متأطّرا يوم الوغى … في كفّ مشبوح الذراع شمردل يرنو بأخرز شبه جذوة قابس … متوقدا في جنح ليل أليل فهو الشجاع مدرّبا بإهابه … فمسربل درعا وغير مسربل وكأنما حدق الجراد لباسه … أو رقش وشي فوق ردّ أسحل بادرته بمهند ضمّ الصفا … بفرنده يغري بضربة فيصل وكأنه ليل سطا بسواده … عند الصدام بياض صبح منجلي متململا من فوق مفرش تربه … يعلو أعالي رأسه بالأسفل وكأنّما هو بالدماء مضمّخ … ليل كقنو النخلة المتعثكل تملو لهازمه لفرقة نفسه … بتكشّر عن كلّ ناب أعصل فقتلت منه أفعوانا قاتلا … كم قد أصاب ضريبة في المقتل ومنه قوله: [مجزوء الرمل] أين من أعطافهم … كانت تهزّ الأريحيّة (٢١٨) وعلى الشعر يجازو … ن الجوائز السنيّة ذهبوا لم يبق في … الدنيا منهم بقيّة غبروا لذكر منهم … عطّر أفواه البريّة ومنه قوله: [المجتث] لا ترفعنّ دنيّا … فرفعه لك خفض

стр. 6245

ودسه حيث تراه … بتركه فهو أرض ومنه قوله: [الكامل] لا شيء فوق الموت تألمه … إلا إذا أضيافه ارتحلوا لو أن كعب الجود عاصره … بسماحه لم يضرب المثل ومنه قوله في حائك صار خطيبا: [السريع] وحائك صار خطيبا ومذ … صار خطيبا قد بدا منصرما ظنّ وقد صار على منبر … بأنه قد صار فوق السما وهو الذي من نفق في الثرى … إلى الثريّا قد رقي سلّما ومنه قوله، وقد ولي شمس الدين محمد بن الرزيز خطابة الجامع الكريمي بقبيبات دمشق، وقام شخص اسمه ابن العديسة واعظا: [المجتث] في الدهر شيء عجيب … مرآه يقذي اللواحظ ابن الرزيز خطيب … وابن العديسة واعظ ومما أملانا من نثره قوله مع قصيدة كتب بها إلى بعض الرؤساء، وهو: فأرسلتها كالمهدي قطرة إلى البحر المحيط، أو النافخ بغيه ليزيد بنفسه في الهواء البسيط. ومنهم: ٦٠ - أحمد بن محمد بن سلمان بن حمائل، شهاب الدين، أبو جعفر (١٣)

стр. 6246

عرف بابن غانم. أي لا يصبر على ضيم، ولا يتغافل لمساورة أيم، بل أي بلد نبت به أرضها، ونبت له ممضّها، طلّقها طلاق البتات، وقوّض عنها (٢١٩) خيامه قبل البيات. جوّال آفاق، وجوّاب مهامه بلا رفاق. طار بغير جناح، واخترق حيث تهب الرياح. وقد تقدم ذكر أخيه في الكتّاب في هذا الكتاب. وكان أبوهما ممن أحبّ له داعي الفلاح، وأجيل قلمه في سهام القداح، ثم غضب ابنه هذا عليه غضبة حملته على الاغتراب، وحلّقت به حيث لا يحلق الغراب. هذا وبدره ما اكتمل، وجلباب الورق على غصنه ما اشتمل. فأتى العراق في رفقة، سلكوا به السماوة، لا يصحبه إلا أبيض مسلول، ولا يؤنسه إلا أرقط زهلول، ولا يظلله إلا سمرة في يهماء، ولا برد إلا أداوة يترشف منها الماء. ونزل بها على خفاجة مخفيا لنفسه، مظهرا له أدب درسه، فلما تسمّى لهم واكتنى، وكتم من أمره معلنا - وكان العهد إذ ذاك قريبا بأخذ بغداد، وشتات شذاذ الخلافة في أقطار البلاد - ظنوه ابنا للمستعصم، كان قد فقد على الجسر، بعد اقتحام التتار شوارعها الفساح، والتهام أفواه قسيهم الفاغرة مضغ الأرواح، وأبناء الخلائق لديهم نهب صيح في حجراته، وهضب ذيد عن سمراته. ولقد حكى لي أن هذا صار فيه عقد دينهم، وعقل يقينهم، فقدموه عليهم إماما، وسلموه لهم زماما، وإنه لم يفسدهم بكشف باطنه، وإخراج خبيئة من مواطنه. وأتى الملك الظاهر هذا البناء، فخاف منه فتقا لا يرقعه، وخرقا لا يجمعه، فكتب إلى ملك العرب عيسى بن مهنا يطلب منه إحضاره، ويوكل به انتظاره، فاستدرجه إليه، ثم بعث به حتى أقدمه عليه، فلما حضر بين يديه، تعرّف إليه بأبيه، وشهد له بعض من حضر، فسلّم وقد أهوى إليه الحجر، وأمر باستدعاء أبيه من دمشق، فلما وصل سلّم إليه، وسلّ من قنصة الموت وألقى

стр. 6247

لديه، وقيل له: لا بورك لك، ثم ردّ ضائعه عليه. ثم إنه كتب الإنشاء في الممالك، وتنقل بمصر ودمشق، ثم أبى حمل المشق. كان قد أفرد للكتابة في مجلس الوزارة بدمشق، والمتحدث إذ ذاك، الصاحب شمس الدين عبد الله المعروف بغبرال، فأمره يوما بكتابة كتاب، فضمنه شيئا (٢٢٠) من الصناعة التي لا عهد بها لمن كتبت عنه، وقرأ ما فيها فلم يستبينه، فأنكر ما لم يحط به علمه، ولا تصوره فهمه، فسأله عن موضع منها كالمستفسر، فظنه كالمستنفر، فركب القفار يضربها أذرعا في أذرع، ويودع منها أربعا في أربع، وظنّ أنه قد تفلّت من يده تفلّت المملق من يد الغريم المقلق، وتقحّم مهالك بحار الرياح في قطعها، ومهاوي لا تكتحل جفن الغزالة، ينقعها بتلاعب يد الإقتار، ويقذف به في الفجاج البعيدة الأقطار، إلى أن نزل بالملك المؤيد صاحب اليمن، في بحبوحة مجد، وأرجوحة جد، وسعادة أراشت جناحه المحصوص، وأطارت طائره المقصوص. ثم ضاقت به تلك الرحاب، ونغصت إليه تلك المحاب، لأمراض تناوبت بنيه، وأعراض هدّت مبانيه، فسيرهم من طريق لاقاهم إليه، إلى مكان لم يخلف لهم فيه موعدا، ولا تجاوزه مبعدا، إلى أن حلّ حضرة صنعاء متذمما بإمامها، وطالبا منه صنيعة يتمسك بذمامها، فوجد لديه إكراما، وحواليه لاقى كراما. ثم وجه على طريق السراة ميمما مكة المعظمة، فوافاها والموسم قد أقمرت لياليه، ورقمت خدود الأيام غواليه، فحضر الموسم وشهد أيامه المعلومات، ولياليه الرافلة حلله المرقومات. وقد التقى كلّ ذي دين وماطله، وهدت به سنابك اليمن وأياطله، ثم قصد الباب الشريف النّاصري، فلقي برّا بحسن الخلف، وحلما لا يؤاخذ بما سلف، وأمر باستخدامه، ثم تنقل في مصره وشامه،

стр. 6248

وتنقل ببرّه وإنعامه. ولما فوّض إلينا الأمر بالشام في أخريات شعبان، سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة، أبى إلا أن يحفظ عهدنا، وأن لا يقيم بمصر بعدنا، فجاء على آثارنا مستصحبا لحال المودة، مقضيا معنا عمره إلى آخر مدة. ثم منعه مانع الهرم أن يعود معنا إلى مصر، في جمادى الأولى من السنة القابلة، حين قلدنا بها ثانيا، وقعد عجزا لا توانيا، لفتور عزم قيد خطاه، وفند رأيه لحلول الأجل فما تخطاه. وبلغنا على الأثر أنه غلب عليه سوء مزاج، لم يفد فيه حسن (٢٢١) علاج، إمضاء لإرادة الله في خلقه، وإفضاء به إلى نهاية أجله ورزقه. وكان فاضل بيته، ومستدرك فوته، ناقلة لغة، وعاقلة أدب، مع إلمام بطرف كل فضيلة، وطرف ودّ أوى به إلى ضوء كل قبيلة. فأما الشعر، فكان نبعته التي قرع بها القرناء، وصنعته التي ما خلا بعده لمن عاناها إلا العناء. وله طرائف وظرائف. حكى عنه قريبنا القاضي جمال الدين، أبو محمد، يوسف بن رزق الله العمري، قال: اجتمعت به يوما في سماع، فرقص الناس ثم جلسوا، فأقامهم شخص استمع هو ورجال مثله، عليهم سيماء البادية، وطال الحال في الوقوف، وشهاب الدين ساكت لا يتكلم، وساكن لا يتحرك، فقال له رجل على سبيل الهزء به: مالي أراك ساكنا كأنه يرجى إليك؟ فقال: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اِسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ اَلْجِنِّ﴾ (١)

стр. 6249

وحكى عنه بعض أقاربه، أن الملك المنصور صاحب حماة، خرج إلى باب الشجريات بالمعرة، وشهاب الدين في صحبته، فاحتاج شهاب الدين إلى الخلاء، ولم يكن من رأيه دخول الخربشت، (٢) وكان الفضاء مسدودا بالوطاق الظاهري، وهو إذ ذاك مخيم به، فصعد شهاب الدين إلى شجرة تين ليتخلاّ، والملك المنصور يراه، ولم يعلم ما يصنع، فجهز شخصا لينظر ما يفعل، فقال: خذ! وسلح عليه، حتى ملأ وجهه وعينيه. فقال: ويلك، ما هذا؟ فقال: أطعمتك من التينة. فأتى الملك المنصور الخبر، وفهم الصورة، فانقلب يضحك حتى أغشي عليه. وحكي أنه اجتمع يوما هو ونور الدين ابن هلال الدولة مقدم يمن بكفر عامر، في مجلس لهو فيه شيء من آلات الطرب، فأخذ شهاب الدين آلة منها ليضرب بها على سبيل العبث، وكان لا يعرف هذا، وابن هلال الدولة متهم بالرفض، فقال له ابن هلال الدولة: أحسنت، بالله سمّعنا غليظ ما نكره، فقال: رضي الله (٢٢٢) عن أبي بكر وحكي عنه، ثم حكى هو لنا عن نفسه، أنه كان عند واحد الدهر القاضي كريم الدين عبد الكريم الناصري في خيمة جمع القرّاء بها بالقرافة، وأنه أوى إلى القاضي علاء الدين، علي بن الظاهر، وجلس إليه يحدثه، فبعث إليه بآخر هناك يعرف بالطواشي معاوية، يقول له: بقيت نوبتي، يعني قم تعال إليّ، وألحّ عليه. فقال له: ويلك! من يخلّي عليّا ويروح إلى معاوية؟ فيما أوردناه مقنع، وفي بعضه ممتع. ومما أنشدنا من شعره تلفظا أو إجازة قوله: (١) [السريع] والله ما أدعو على هاجري … إلا بأن يمحن بالعشق

стр. 6250

حتى يرى مقدار ما قد جرى … منه وما قد تمّ في حقي وقوله: (٢) [المجتث] يا حسنها من رياض … مثل النّضار نضاره كالزهر زهرا وعنها … ريح العبير عباره (١) وقوله: (٢) [مخلع البسيط] طرفك هذا به فتور … أضحى لقلبي به فنون قد كنت لولاه في أمان … لله ما تفعل العيون وقوله: [الكامل] يا نازحا عني بغير بعاد … لولاك ما علق الهوى بفؤادي أنت الذي أفردتني مني فلي … بك شاغل عن مقصدي ومرادي سهرت بحبك مقلتي فحلالها … فيك السّهاد فلا وجدت رقادي ورضيت ما ترضى فلو أقصيتني … أيام عمري ما نقضت ودادي أنت العزيز عليّ إن أشكو لك ال … وجد الذي أهديته لفؤادي وقوله: (٣) [الخفيف] أيّها اللائمي لأكلي كروشا … أتقنوها في غاية الإتقان لا تلمني على الكروش فحبي … وطني من علائم الإيمان (٤)

стр. 6251

وهو من قول النصير الحمامي، وقول النصير أحسن، وهو: [السريع] (٢٢٣) رأيت شخصا آكلا كرشة … وهو أخو ذوق وفيه فطن وقال: ما زلت محبّا لها … قلت: من الإيمان حبّ الوطن وكذلك قوله، أعني أبا جعفر بن غانم: (١) [الخفيف] ما اعتكاف الفقيه أخذا بأجر … بل لحكم قضى به رمضان هو شهر تغلّ فيه الشياطي … ن ولا شكّ أنه شيطان وقوله: [البسيط] تعجّب الناس للبطيخ حين أتى … لحين حين وإذ وافى بطاعون وكيف لا يقطع الأعمار مقدمه … وليس يؤكل إلا بالسكاكين وقوله في مولود سمّي مباركا: [مجزوء الرجز] تهنّ يا مباركا … بالولد المبارك بمن سمّوه أنسا … لكونه ابن مالك وقوله، مما كتب به إلى قاضي القضاة، جمال الدين ابن واصل، وقد أقعده عاقدا بحماة في مكتب فيه السيف علي بن المغيزل: (٢) [مخلع البسيط] مولاي قاضي القضاة يا من … له على العبد ألف منّه إليك أشكو قرين سوء … بليت منه بألف محنه شهرته بيننا اعتداء … أغمده فالسيف سيف فتنه وقوله في زركشي: [مجزوء الكامل]

стр. 6252

بأبي أفدي زركشيا … قد سبى كلّ الورى عشق الشريط جماله … فغدا نحيلا أصفرا وقوله مناقضة للبيتين المشهورين، والذي قاله: [المتقارب] تأمّل دمشق وجاور بها … فقد زانها الجامع الجامع فسرّ السرور به مودع … وسعد السعود به طالع وأما البيتان المنقوضان فيهما، فهما: [المتقارب] (٢٢٤) تجنّب دمشق ولا تأتها … وإن شاقك الجامع الجامع فسوق الفسوق به قائم … وفجر الفجور به طالع عدنا إلى تتمة ما نذكره له، فمنه قوله في مقصوص الشعر: (١) [البسيط] صدغان كان فؤادي هائما بهما … فكيف أسلو وكلّ الشعر أصداغ (٢) قالوا: ذؤابته مقصوصة حسدا … فقلت: قاطعها للحسن صوّاغ ومنه قوله، نقلته مما كتبه لي من شعره القاضي نجم الدين أحمد ابن أخيه، واستثبته في قوله، فقال: إنه سمع هذا من فيه، وهو: [الطويل] أعاهد قلبي في اجتناب هواكم … ويغلبني شوقي إليكم فأنكث وأحلف لا واصلتكم ما بقيتم … وأعلم أن الوصل خير فأحنث ومنه قوله: (٣) [الخفيف] بأبي صائغ مليح التثني … بقوام أزرى لغصن البان

стр. 6253

أمسك الكلبتين يا صاح فاعجب … من غزال في كفّه كلبتان وحكي أنه كان قد دعاه صاحب له ليضيفه، فلما جاءه قال له. اقلع قماشك واقعد عندنا اليوم. فلما قلع قماشه واطمأن، سرق جبّته وخبّأها على سبيل اللعب. ثم جاءه بصحن كبير مغطى، فلما كشفه لم يجد فيه إلا سبع حبات من القطائف في غاية الصغر. فقال: ويحك! ما هذه؟ فقال له: كل، فإن استطبتها زدناك. فلما أكلها لم يأته بشيء آخر، ثم أمره بالانصراف. فلما قام لينصرف، لم يجد جبّته، فسأل عنها. فقال له: أخذناها ثمن القطائف التي أكلتها. فقال: (١) [مجزوء الرجز] قل للذي ضيّفني … في بيته سبع لقم (٢) ورام أخذ جبّتي … هذا على الرطل بكم قلت: وعلى طول مدته في ديوان الدرج، واسترزاقه بقلم الإنشاء، وما يتلاطم في حفظه من أمواج المراد، ما تعاظم إلا لديه من وافر الفضل (٢٢٥) لا يذلّه في تنميق النثر، ولا في تحقيق طريق الكتابة، بل هو مخلّى فيها، ونفسه يركد ولا يهب، ويقعد ولا يقوم، حتى في كتب السفيل، لا يرضى منها له كتاب، ولا تحلّى بشيء مما عنده من الأدب، بل هي في معزل، والكتابة في مغزل، وقد سدّ بينهما باب، وضيّع خازنه المفتاح، حتى لا يفتح ذلك الباب. انتهى كلامنا فيه. وهذا آخر ما ذكرت من شعراء الجانب الشرقي، ممن ضمت حنايا القبور أسرارهم، وأخفت مغارب اللحود أقمارهم، ووسدهم التراب حشاياه، وكدّر

стр. 6254

لهم الدهر عشاياه، وصاد ورقهم الساجعة، بازيّ الحمام المطل، وشبرق ثوب الشفق بدمهم سبع منونهم المطل، وها هم الآن كما رأيتهم أرواحا، يتصوّر بالتمثيل عيانهم، وتفضّ من مدارج الصحف أكفانهم. وها أنا الآن أذكر من بقي من شعراء الجانب الشرقي ممن هو حي موجود، هم على آثار سبقهم مجدون، ولسلف موتاهم ممدون، وما نحن إلا مثلهم، غير أننا أنخنا قليلا بعدهم وتقدموا. فنسأل الله أن يكشف غطاء قلوبنا، ويرشدنا لما فيه صلاح أمورنا، إنه هو أهل التقوى وأهل المغفرة. فأمّا من وعدت بذكرهم من الأحياء الموجودين، فأقول وبالله التوفيق: ومنهم: ٦١ - عبد العزيز بن سرايا الحلّي، أبو الفضل، صفيّ الدين (١٣) التاجر، ملء فكيه لسان، وحشو لحييه إحسان، وبين جنبيه بحر إلا أنه إنسان، ولا بس برديه شاعر ولكنه حسّان. وزن به بلديّه الحلي فخفّ راجح، وقرن به سلم فسلّم أن الخاسر غير رابح. لو نازع الحكميّ لحكم له عليه من أجمع، أو السّلميّ لعلم من منهما أشجع. وله شرف نفس يرى الجوزاء دون مرامه، والبدر أقلّ من تمامه. أخذ ثأر خاله وقد قتل قهرا بيده، وابتزّ دمه من مخالب الأسود قسرا بمهنده، ولم ينفق سوقه على السوق، ولا لبس عقائله إلا الحرير وحاشاه من السوق. ولم يتخذ من الشّعر سببا، ولا علق لأطماعه (٢٢٦) بأوتاد طينا، ولا رضي لفواضله من فواصله مكسب، إلا ما جاء من عفو إنعام الملوك هنيئا بلا

стр. 6255

تعب، وهنيّا لم يستصعب. أو ما سامح به من حقوق متجره، ويصالح به على مالا يقوّم من جوهره. ووفد على سلطاننا متشرّفا بمدحه، تشوّفا إلى منحه، فأقبل عليه بفضله ووصله، ملء حقيبة رحله. ثم عاد إلى ماردين، مصاحبا لملوكها الكرام، مواظبا لهم دون سائر الندماء. وتردد إلى حماة، أيام الملك المؤيد عماد الدين، أبي الفداء إسماعيل، ثم أيام ابنه الأفضل. وما منهما إلا من كان يعدّ لوفوده الليالي، ويعدّ لوروده الذهب ثمنا للآلي. وهو اليوم باق يمتاح، وحي إليه كلّ قلب حيّ يرتاح. ومن شعره الغرد، وسلسله المطّرد قوله: (١) [الكامل] لولاك ما نافقت أهل مودّتي … وظللت فيك نفيس عمري أنفق وصحبت قوما لست من نظرائهم … فكأنّني في الطّرس سطر ملحّق وقوله: (٢) [الكامل] وأغرّ أدهم ذي حجول أربع … مبيضّها يزهو على مسودّه (٣) خلع الصّباح عليه سائل غرّة … منه، وقمّصه الظّلام بجلده قلق المراح، فإن تلاطم خطوه … ظنّ المطارد أنّه في مهده أرمي الحصى من حافريه بمثله … وأروع ضوء الصّبح منه بضدّه وقوله: (٤) [الكامل]

стр. 6256

عاتبته، فتضرّجت وجناته … وازور ألحاظا وقطّب حاجبا فأرابني الخدّ الكليم وطرفه … ذو النّون إذ ذهب الغداة مغاضبا (٥) لا غرو إن وهب النّواظر حظوة … من نوره ودعاه قلبي ناهبا (٦) فمواهب السّلطان قد كست الورى … نعما وتدعوه القساور سالبا ملك يرى تعب المكارم راحة … ويعدّ راحات القراع متاعبا لم تخل أرض من ثناه وإن خلت … من ذكره ملئت قنا وقواضبا (٢٢٧) ترجى مواهبه ويرهب بطشه … مثل الزّمان مسالما ومحاربا كالسّيل يحمد منه عذبا واصلا … ويعدّه قوم عذابا واصبا (١) فإذا نظرت ندى يديه ورأيه … لم تلف إلاّ صائبا أو صائبا (٢) وقوله: (٣) [الرمل] شام برق الشّام صبحا، فصبا … وترآه عشاء فعشا لاح واللّيل به مكتهل … وجنين الصّبح حمل في الحشا وهلال الأفق يحكي قوسه … جانب المرآة يبدو من غشا وحكى المرّيخ في صبغته … خدّ محبوب بلحظ خدشا وسهيل مثل قلب خافق … مكّن الرّعب به فارتعشا والثّريّا سبعة قد أشبهت … شكل لحيان بتخت نقشا ووميض غادرت غرّته … أدهم اللّيل صباحا أبرشا

стр. 6257

وقوله: (٤) [البسيط] والرّيح تجري رخاء فوق بحرتها … وماؤها مطلق في زيّ مأسور قد جمّعت جمع تصحيح جوانبها … والماء يجمع فيها جمع تكسير والرّيح ترقم في أمواجها شبكا … والغيم يرسم أنواع التّصاوير (٥) والماء ما بين مصروف وممتنع … والظّلّ ما بين ممدود ومقصور والرّيح قد أطلقت فضل العنان به … والغصن ما بين تقديم وتأخير والنّرجس الغضّ لم تغضض نواظره … فزهره بين منفض ومزرور كأنّه ذهب من فوق أعمدة … من الزّمرّد في أوراق كافور والأقحوان زها بين البهار بها … شبه الدّراهم ما بين الدّنانير وزامر القوم يطوينا وينشرنا … بالنّفخ في النّاي لا بالنّفخ في الصّور وقد ترنّم شاد صوته غرد … كأنّه ناطق من حلق شحرور بشامخ الأنف قوّام على قدم … يشكو الصّبابة عن أنفاس مهجور (٢٢٨) شكت إلى الصّحب أحشاه وأضلعه … قرض المقاريض أو نشر المناشير (١) والراقصات وقد مالت ذوائبها … على خصور كأوساط الزّنانير كأنّ في الشّيز يمناها إذا ضربت … صبحا تقلقل فيه قلب ديجور (٢) ترعى الضّروب بكفّيها وأرجلها … وتحفظ الأصل من نقص وتغيير وتعرب الرّقص من لحن فتلحقه … ما يلحق النّحو من حذف وتقدير وحامل الكأس ساجي الطّرف ذو هيف … صاحي اللّواحظ يثني عطف مخمور يدير راحا يشبّ المزج جذوتها … فلا يزيد لظاها غير تسعير نارا بدت لكليم الوجد آنسها … من جانب الكأس لا من جانب الطّور وللأبارق عند المزج لجلجة … كنطق مرتبك الألفاظ مذعور

стр. 6258

كأنّها وهي في الأكواب ساكبة … طير تزقّ فراخا بالمناقير أقول والرّاح قد أبدت فواقعها … والكأس ينفث فيها نفث مصدور أسأت يا مازج الكاسات حليتها … وهل يتوّج ياقوت ببلّور وقائل إذ رأى الجنّات عالية … والحور مقصورة بين المقاصير لمن ترى الملك بعد اللّه؟ قلت له … مقال منبسط الآمال مسرور لصاحب التّاج والقصر المشيد ومن … أتى بعدل برحب الأرض منشور فقال: تعني به كسرى؟ فقلت له: … كسرى بن أرتق لا كسرى بن سابور لا تفخر الشّمس إلاّ أنّها لقب … له، وشبه له في العزّ والنّور رأت بنو أرتق نهج الرّشاد به … وليس كلّ زناد في الدّجى يوري كم عصبة مذبدا سوء الخلاف بها … بادت بصارم عزم منه مشهور مشوا كمشي القطا، حتى إذا حملوا … ثقل القيود مشوا مشي العصافير إن كان بالجوسق النّعمان ساد، فكم … من جوسق لك بالشّعبين معمور (١) في كلّ مستصعب الأرجاء ممتنع … تبنى القناطير فيه بالقناطير لا أدّعي العذر عن تأخير قصدكم … ليس المحبّ على بعد بمعذور (٢٢٩) بل إن غدا طول بعدي عن جنابكم … ذنبي العظيم فهذا المدح تكفيري فاستجل بكر قريض لا صداق لها … سوى القبول وودّ غير مكفور على (أبي الطيّب) الكوفيّ مفخرها … إذ لم أضع مسكها في مثل (كافور) رقّت لتعرب عن رقّي لمجدكم … حبّا وطالت لتمحو ذنب تقصيري وقوله: (٢) [الكامل]

стр. 6259

يا من يعير الغصن لين قوامه … ويغير بدر التّمّ عند كماله ما حلّت الواشون ما عقد الهوى … تفنى الليالي والغرام بحاله وقوله: (٧) [الكامل] زوّجت أبكار الظّبا بنفوسهم … وجعلت أطراف الرماح شهودا كفروا فآمنت الرءوس لأنها … خرّت لسيفك ركّعا وسجودا وجرت على الخيل الدماء مذالة … فكأنما كسيت بهنّ جلودا بقساور قلّت عديدا في الوغى … ومن الشجاعة أن تقلّ عديدا (١) رفضوا الدروع عن الجسوم وأسبغوا … فوق الجسوم من القلوب حديدا وقوله: (٢) [الوافر] ومجلسنا الأنيق تضيء فيه … أواني الرّاح من ورق وعين فأطلقنا فم الإبريق فيه … وبات الزّقّ مغلول اليدين وشمعتنا شبيه سنان تبر … تركّب في قناة من لجين ونحن نزفّ أعياد النّصارى … بشطّ محوّل والرّقمتين (٣) نوحّد راحنا من شرك ماء، … ونولع في الهوى بالمذهبين وورد كالمداهن من عقيق … وقدّاح كأزرار اللّجين (٤) وقوله: (٥) [الطويل] وبكر فلاة لم تخف وطء طامث … ولا افتضّها من قبل مهري ناكح كشفت خمار الصّون عن حرّ وجهها … ضحى، ولثام الصّبح في الشرق طائح (٢٣٠) وأنكحتها يقظان من نسل لاحق … فأمست به مع عقمها وهي لاقح من الشّهب في إدراكه الشّهب طامع … فناظره نحو الكواكب طامح أخوض به بحر الدّجى وهو راكد … وأورده حوض الضّحى وهو طافح (٦)

стр. 6260

وقوله: (١) [الكامل] أهلا بها كالقضب في كثبانها … جعلت شواظ النّار من تيجانها باحت أسرّة وجهها بسرائر … ضاقت صدور النّاس عن كتمانها وقوله: (٢) [السريع] أهلا بشهب عند إشراقها … يحكي الدّجى من نورها الواضح (٣) ينضب بحر اللّيل إذ تغتدي … ناهلة من لجّه الطّافح كأنّما إيماضها عزمة … من عزمات الملك الصّالح وقوله: (٤) [الخفيف] يا ضعيف الجفون أضعفت قلبا … كان قبل الهوى قويّا مليّا لا تحارب بناظريك فؤادي … فضعيفان يغلبان قويّا وقوله: (٥) [السريع] ما زال كحل النّوم في ناظري … من قبل إعراضك والبين حتى سرقت الغمض من مقلتي … يا سارق الكحل من العين وقوله: (٦) [الوافر]

стр. 6261

تنبّأ فيك قلبي فاسترابت … به قوم وعمّهم الضّلال وصدّهم الهوى أن يؤمنوا بي … وقالوا: إن معجزه محال فمذ سلّمت سلّمت البرايا … إليّ، وقيل: كلّمه الغزال وقوله: [السريع] وربّ ليل خضت تيّاره … بأدهم يسبق جري الرّياح محجّل الأربع ذي غرّة … ميمونة الطّلعة ذات اتّضاح كأنّه قد شقّ بحر الدّجى … وبعده خاض غدير الصّباح (٢٣١) لم تعلم الأبصار في جريه … قادمة خفّت به أم جناح وقوله: (١) [الوافر] لحى الله الطّبيب لقد تعدّى … وجاء لقلع ضرسك بالمحال أعاق الظّبي في كلتا يديه … وسلّط كلبتين على غزال وقوله: (٢) [السريع] قلوبنا مودعة عندكم … أمانة يعجز عن حملها إن لم تصونوها بإحسانكم … ردّوا الأمانات إلى أهلها (٣) وقوله: (٤) [الوافر] لعمرك ما تجافى الطّيف جفني … لفقد الغمض إذ شطّ المزار (٥)

стр. 6262

ولكن زارني من غير وعد … على عجل فلم ير ما يزار وقوله: (١) [مجزوء الكامل] عاتبت من أهواه في … هجري وأكثرت الملامه فأجابني: أقللت حب … بك لي فأبديت الجهامه فأجبت: إنّ كرامتي … فرض عليك إلى القيامه فأجابني: من لا له … حبّ فليس له كرامه (٢) وقوله: (٣) [الوافر] وساق من بني الأتراك طفل … أتيه به على جمع الرّفاق أملّكه قيادي وهو رقّي … وأفديه بعيني وهو ساقي وقوله: (٤) [الوافر] خفيّ الكيد تعرفه المنايا … إذا ما أنكر السّيف النّجادا ترى الأسياف قد مطرت نجيعا … إذا أوداجه قطرت مدادا وقوله: (٥) [المتقارب] ولا تطلبوا ما بأيدي الأنام … تصيروا بذلك أعداءهم (٢٣٢) لذلك قد قال رب العباد … ولا تسألوا الناس أشياءهم وقوله: (٦) [الكامل]

стр. 6263

قال العذول: لم اعتزلت عن الورى … وأقمت نفسك في المقام الأوهن (١) ناديت طالب راحة، فأجابني … أتعبتها بطلاب ما لم يمكن وقوله: (٢) [الكامل] اسمع مخاطبة الجليس ولا تكن … عجلا بنطقك قبلما تتفهّم لم تعط مع أذنيك نطقا واحدا … إلاّ لتسمع ضعف ما تتكلّم وقوله: (٣) [السريع] أنا الذي خالفت كلّ الورى … في خبر أثبته الوقت لما أتاني عمر زائرا … أنمته ثمّ تنبّهت وقوله: (٤) [الخفيف] ومليح له رقيب قبيح … يتعنّى وغيره يتهنّى وليس فيه معنى يقال ولكن … هو عند النحاة جاء لمعنى وقوله: (٥) [الوافر] عرضنا أنفسا عزّت لدينا … عليكم فاستخفّ بها الهوان ولو أنّا دفعناها لعزّت … ولكن كلّ مجلوب مهان وقوله: (٦) [الوافر]

стр. 6264

ويظهر منك زور وازورار … فلي في عود صحبته الخيار أتهجرني وما أسلفت ذنبا … إذا اختلّ الخليل لغير ذنب قلت: انظر إلى هذا الشعر ما أظرفه، وما أرقّ مزاج كأسه وألطفه. ولقد أحسن إذ قال: فلي في عود صحبته الخيار. إذ كان لا يعرف ما يلجأ إليه وقت الاضطرار، فإن المرء قد يهون عليه قدر البلوى قبل وقوعها، ثم لا يجدها من نفسه إذا وقعت. ولقد تطارف في قوله: (١) [الوافر] (٢٣٣) إذا صدّ الحبيب لغير ذنب … وقاطعني وأعرض عن وصالي أمثّله وأنكح عند صلحي … بأير الفكر في ثقب الخيال وقوله: (٢) [الطويل] تزوّج شيخ في جواري صبيّة … فلم يستطع غشيانها حين جاءها ولو أنني بادرتها لتركتها … يرى قائم من دونها ما وراءها وقوله في رجل اسمه أحمد، كان يرمى بابنة، وهو يدّعي حبّ غلام اسمه عمر: (٣) [المتقارب] توالت على أحمد ابنة … فأقبل يشكو إليّ الألم فقلت له: إنها فتنة … فنبّه له فتنة ثم نم وقوله في غلام اسمه لؤلؤ: (٤) [الكامل]

стр. 6265

وصفوك عندي بالجواد فلم أزل … متعجّبا حتّى رأيتك تركب وعجبت إذ سمّتك أمّك لؤلؤا … فكأنها علمت بأنك تثقب وقوله: (١) [الكامل] وبه الجواري المنشآت كأنّها … أعلام بيد أو فروع قنان نهضت بأجنحة القلوع كأنّها … عند المسير تهمّ بالطّيران والماء يسرع في التّدفّق كلّما … عجلت عليه يد النّسيم الواني طورا كأسنمة القلاص وتارة … متفتّل كأكارع الغزلان ومنه قوله: [الكامل] نسج الغبار على الجياد مدارعا … موصولة بمدارع الفرسان ودما بأذيال الدروع كأنّه … حول الغدير شقائق النّعمان (٢) وفلك حدّ جموعهم بصوارم … ككراك نافرة عن الأجفان وقوله: (٣) [الخفيف] قيل إنّ العقيق يبطل السّح … ر تختيمه لسر حقيقي (٤) فأرى مقلتيك تنفث سحرا … وعلى فيك خاتم من عقيق (٢٣٤) وقوله: (٥) [مخلع البسيط]

стр. 6266

ورنّح الرّقص منه عطفا … حفّ به اللطف والدخول فعطفه داخل خفيف … وردفه خارج ثقيل وقوله: (١) [الخفيف] حرّضوني على السلوّ وعابوا … لك وجها به يعاب البدر حاش لله ما لعذري وجه … في التّسلّي ولا لوجهك عذر وقوله: (٢) [البسيط] وقهوة كوميض البرق صافية … كأنّها من أديم الشّمس قد رشحت رقيقة الجرم يستخفي الزّجاج بها … كأنّها دون جرم الكأس قد سفحت باكرتها وعيون الشّهب قد غمضت … خوف الصّباح وعين الشمس قد فتحت وبشّرت بوفاة اللّيل ساجعة … كأنّها في غدير الصّبح قد سبحت مخضوبة الكفّ لا تنفكّ نائحة … كأنّ أفراخها في كفّها ذبحت ومنها قوله: تلوي يداه صفاح الهند عن غضب … حتى إذا ظفرت عن قدرة صفحت ما إن تزال مقاليتا خزائنه … لأنّها بوليد المال ما فرحت أثنت عليه بنو الآمال حين غدا … يعطي القرائح منهم فوق ما اقترحت (٣)

стр. 6267

قالوا: وردنا نداه، قلت: عادته … قالوا: وجادت يداه، قلت: ما برحت وله في طلب ثأر خاله صفي الدين محاسن بن محاسن أشعار تحرّك بها القرائح، وتحرض على جمع ذلك الدم الطائح. وسآتي على بعض ينبئ عن الكل، ويظهر الكثر منه بالقل، وإن لم يكن كلّ ما أورد منها نادرا من شرط الاختيار، لتعلق بعض الساقط بالمختار، على أنه ليس في شعره ساقط، ولا في نجومه هابط. فمنها قوله يخاطب أحد أعمامه عقيب واقعة جرت لهم بالعراق، وأجرت كلّ دم مهراق، وهو: (١) [البسيط] (٢٣٥) ما دام وعد الأماني غير منتجز … فطول مكثك منسوب إلى العجز هذي المغانم فامدد كفّ منتهب … وفرصة الدّهر فاسبق سبق منتهز واغز العدى قبل تغزونا جيوشهم … إنّ الشّجاع إذا ملّ الغزاة غزي والق العدوّ بجأش غير محترس … من المنايا وجيش غير محترز ما عذرنا وبنو الأعمام ليس بهم … نقص ولا في صفاح الهند من عوز (٢) وكلّ ذي صمم في كفّ ذي همم … وكلّ ذي ميس في كفّ ذي ميز فاقمع بنا الضّدّ ما دامت أوامرنا … مطاعة، ومعالينا على نشز إنّ الولاية ثوب قد خصصت به … جاءت كفافا فلم تفضل ولم تعز ومنها ما كتبه إلى بعض الأصحاب يعتبه لتأخره عن المساعدة، وهو قوله: (٣) [السريع]

стр. 6268

وعدت جميلا وأخلفته … وذلك بالحرّ لا يجمل وقلت بأنّك لي ناصر … إذا قابل الجحفل الجحفل وكم قد نصرتك في معرك … تحطّم فيه القنا الذّبّل بذا يتفاوت قدر الرّجا … ل فتعلم أيّهم الأكمل كما قاله الصّقر في عزّة … به حين فاخره البلبل وقال: أراك جليس الملو … ك ومن فوق أيديهم تحمل وأنت كما علموا أخرس … وعن بعض ما قلته تنكل وأحبس مع أنّني ناطق … وحالي عندهم مهمل (١) فقال: صدقت ولكنّهم … بذاك دروا أنّني الأفضل لأنّي فعلت وما قلت قطّ … وأنت تقول، ولا تفعل ومنها قوله، وقد أخذ بثأره، وتقاضاه ببتّاره، وبرد غليله بأخذ دمه، وتخليق صدر السيف بعندمه، وانطفأ لاعج أواره، وسكن قلق جهد ولم يواره، وهو: (٢) [البسيط] (٢٣٦) سل الرّماح العوالي عن معالينا … واستشهد البيض هل خاب الرّجا فينا وسائل العرب والأتراك ما فعلت … في أرض قبر عبيد الله أيدينا لمّا سعينا فما رقّت عزائمنا … عمّا نروم ولا خابت مساعينا يا يوم وقعة زوراء العراق وقد … دنّا الأعادي كما كانوا يدينونا بضمّر ما ربطناها مسوّمة … إلاّ لنغزو بها من بات يغزونا وفتية إن نقل أصغوا مسامعهم … لقولنا أو دعوناهم أجابونا قوم إذا استخصموا كانوا فراعنة … يوما وإن حكّموا كانوا موازينا إنّ الزّرازير لمّا قام قائمها … توهّمت أنّها صارت شواهينا بيادق ظفرت أيدي الرّخاخ بها … ولو تركناهم صاروا فرازينا (٣)

стр. 6269

ذلّوا بأسيافنا طول الزّمان فمذ … تحكّموا أظهروا أحقادهم فينا لم يغنهم مالنا عن نهب أنفسنا … كأنّهم في أمان من تقاضينا أخلوا المساجد من أشياخنا وبغوا … حتى حملنا فأخلينا الدّواوينا ثمّ انثنينا وقد ظلّت صوارمنا … تميس عجبا وتهتزّ القنا لينا وللدّماء على أثوابنا علق … بنشره عن عبير المسك يغنينا إنّا لقوم أبت أخلاقنا شرفا … أن نبتدي بالأذى من ليس يؤذينا بيض صنائعنا سود وقائعنا … خضر مرابعنا حمر مواضينا لا يظهر العجز منّا عن بلوغ منى … ولو رأينا المنايا في أمانينا (١) ما أعوزتنا فرامين نصول بها … إلاّ جعلنا مواضينا فرامينا (٢) نغشى الخطوب بأيدينا فندفعها … وإن دهتنا دفعناها بآدينا (٣) ومن غرر محاسنه، ودرر قلائده، أرجوزته المزدوجة ذات التخميس، التي ضمنها رمي البندق، وذكر فيها طير الواجب، وهي: (٤) [الرجز] دارت على الدّوح سلاف القطر … فرنحت أعطافه بالسّكر ونبّه الورق نسيم الفجر … فغرّدت فوق الغصون الخضر

стр. 6270

(٢٣٧) تغني عن العود وصوت الزّمر تبسّمت مباسم الأزهار … وأشرق النّوّار بالأنوار وظلّ عقد الطّلّ في نثار … وباكرتها ديم الأمطار فكلّلت تيجانها بالدّرّ قد أقبلت طلائع الغيوم … إذ أذن الشّتاء بالقدوم فمذ حداها سائق النّسيم … جفّت ربى العقيق والغميم (٥) وباكرت أرض دياربكر أما ترى الغيم الجديد قد أتى … مبشّرا بالقرب من فصل الشّتا فاعقر همومي بالعقار يا فتى … فترك أيّام الهنا إلى متى؟ وإنّها محسوبة من عمري فانهض لنهب فرصة الزمان … فلست من فجواه في أمان واشرب على النّايات والمثاني … إنّ الخريف لربيع ثان (١) كأنّه بالصّرع عيد النّحر هذي الكراكي نحونا قد قدمت … فاقدة لإلفها قد عدمت لو علمت بما تلاقي ندمت … فانظر إلى أخياطها قد نظمت (٢) شبه حروف نظمت في سطر تذكّرت مربعها فشاقها … فأقبلت حاملة أشواقها (٣)
следующие страницы →