ورنّح الرّقص منه عطفا … حفّ به اللطف والدخول
فعطفه داخل خفيف … وردفه خارج ثقيل
وقوله: (١) [الخفيف]
حرّضوني على السلوّ وعابوا … لك وجها به يعاب البدر
حاش لله ما لعذري وجه … في التّسلّي ولا لوجهك عذر
وقوله: (٢) [البسيط]
وقهوة كوميض البرق صافية … كأنّها من أديم الشّمس قد رشحت
رقيقة الجرم يستخفي الزّجاج بها … كأنّها دون جرم الكأس قد سفحت
باكرتها وعيون الشّهب قد غمضت … خوف الصّباح وعين الشمس قد فتحت
وبشّرت بوفاة اللّيل ساجعة … كأنّها في غدير الصّبح قد سبحت
مخضوبة الكفّ لا تنفكّ نائحة … كأنّ أفراخها في كفّها ذبحت
ومنها قوله:
تلوي يداه صفاح الهند عن غضب … حتى إذا ظفرت عن قدرة صفحت
ما إن تزال مقاليتا خزائنه … لأنّها بوليد المال ما فرحت
أثنت عليه بنو الآمال حين غدا … يعطي القرائح منهم فوق ما اقترحت (٣)
стр. 6267
قالوا: وردنا نداه، قلت: عادته … قالوا: وجادت يداه، قلت: ما برحت
وله في طلب ثأر خاله صفي الدين محاسن بن محاسن أشعار تحرّك بها القرائح، وتحرض على جمع ذلك الدم الطائح. وسآتي على بعض ينبئ عن الكل، ويظهر الكثر منه بالقل، وإن لم يكن كلّ ما أورد منها نادرا من شرط الاختيار، لتعلق بعض الساقط بالمختار، على أنه ليس في شعره ساقط، ولا في نجومه هابط.
فمنها قوله يخاطب أحد أعمامه عقيب واقعة جرت لهم بالعراق، وأجرت كلّ دم مهراق، وهو: (١) [البسيط]
(٢٣٥) ما دام وعد الأماني غير منتجز … فطول مكثك منسوب إلى العجز
هذي المغانم فامدد كفّ منتهب … وفرصة الدّهر فاسبق سبق منتهز
واغز العدى قبل تغزونا جيوشهم … إنّ الشّجاع إذا ملّ الغزاة غزي
والق العدوّ بجأش غير محترس … من المنايا وجيش غير محترز
ما عذرنا وبنو الأعمام ليس بهم … نقص ولا في صفاح الهند من عوز (٢)
وكلّ ذي صمم في كفّ ذي همم … وكلّ ذي ميس في كفّ ذي ميز
فاقمع بنا الضّدّ ما دامت أوامرنا … مطاعة، ومعالينا على نشز
إنّ الولاية ثوب قد خصصت به … جاءت كفافا فلم تفضل ولم تعز
ومنها ما كتبه إلى بعض الأصحاب يعتبه لتأخره عن المساعدة، وهو قوله: (٣) [السريع]
стр. 6268
وعدت جميلا وأخلفته … وذلك بالحرّ لا يجمل
وقلت بأنّك لي ناصر … إذا قابل الجحفل الجحفل
وكم قد نصرتك في معرك … تحطّم فيه القنا الذّبّل
بذا يتفاوت قدر الرّجا … ل فتعلم أيّهم الأكمل
كما قاله الصّقر في عزّة … به حين فاخره البلبل
وقال: أراك جليس الملو … ك ومن فوق أيديهم تحمل
وأنت كما علموا أخرس … وعن بعض ما قلته تنكل
وأحبس مع أنّني ناطق … وحالي عندهم مهمل (١)
فقال: صدقت ولكنّهم … بذاك دروا أنّني الأفضل
لأنّي فعلت وما قلت قطّ … وأنت تقول، ولا تفعل
ومنها قوله، وقد أخذ بثأره، وتقاضاه ببتّاره، وبرد غليله بأخذ دمه، وتخليق صدر السيف بعندمه، وانطفأ لاعج أواره، وسكن قلق جهد ولم يواره، وهو: (٢) [البسيط]
(٢٣٦) سل الرّماح العوالي عن معالينا … واستشهد البيض هل خاب الرّجا فينا
وسائل العرب والأتراك ما فعلت … في أرض قبر عبيد الله أيدينا
لمّا سعينا فما رقّت عزائمنا … عمّا نروم ولا خابت مساعينا
يا يوم وقعة زوراء العراق وقد … دنّا الأعادي كما كانوا يدينونا
بضمّر ما ربطناها مسوّمة … إلاّ لنغزو بها من بات يغزونا
وفتية إن نقل أصغوا مسامعهم … لقولنا أو دعوناهم أجابونا
قوم إذا استخصموا كانوا فراعنة … يوما وإن حكّموا كانوا موازينا
إنّ الزّرازير لمّا قام قائمها … توهّمت أنّها صارت شواهينا
بيادق ظفرت أيدي الرّخاخ بها … ولو تركناهم صاروا فرازينا (٣)
стр. 6269
ذلّوا بأسيافنا طول الزّمان فمذ … تحكّموا أظهروا أحقادهم فينا
لم يغنهم مالنا عن نهب أنفسنا … كأنّهم في أمان من تقاضينا
أخلوا المساجد من أشياخنا وبغوا … حتى حملنا فأخلينا الدّواوينا
ثمّ انثنينا وقد ظلّت صوارمنا … تميس عجبا وتهتزّ القنا لينا
وللدّماء على أثوابنا علق … بنشره عن عبير المسك يغنينا
إنّا لقوم أبت أخلاقنا شرفا … أن نبتدي بالأذى من ليس يؤذينا
بيض صنائعنا سود وقائعنا … خضر مرابعنا حمر مواضينا
لا يظهر العجز منّا عن بلوغ منى … ولو رأينا المنايا في أمانينا (١)
ما أعوزتنا فرامين نصول بها … إلاّ جعلنا مواضينا فرامينا (٢)
نغشى الخطوب بأيدينا فندفعها … وإن دهتنا دفعناها بآدينا (٣)
ومن غرر محاسنه، ودرر قلائده، أرجوزته المزدوجة ذات التخميس، التي ضمنها رمي البندق، وذكر فيها طير الواجب، وهي: (٤) [الرجز]
دارت على الدّوح سلاف القطر … فرنحت أعطافه بالسّكر
ونبّه الورق نسيم الفجر … فغرّدت فوق الغصون الخضر
стр. 6270
(٢٣٧)
تغني عن العود وصوت الزّمر
تبسّمت مباسم الأزهار … وأشرق النّوّار بالأنوار
وظلّ عقد الطّلّ في نثار … وباكرتها ديم الأمطار
فكلّلت تيجانها بالدّرّ
قد أقبلت طلائع الغيوم … إذ أذن الشّتاء بالقدوم
فمذ حداها سائق النّسيم … جفّت ربى العقيق والغميم (٥)
وباكرت أرض دياربكر
أما ترى الغيم الجديد قد أتى … مبشّرا بالقرب من فصل الشّتا
فاعقر همومي بالعقار يا فتى … فترك أيّام الهنا إلى متى؟
وإنّها محسوبة من عمري
فانهض لنهب فرصة الزمان … فلست من فجواه في أمان
واشرب على النّايات والمثاني … إنّ الخريف لربيع ثان (١)
كأنّه بالصّرع عيد النّحر
هذي الكراكي نحونا قد قدمت … فاقدة لإلفها قد عدمت
لو علمت بما تلاقي ندمت … فانظر إلى أخياطها قد نظمت (٢)
شبه حروف نظمت في سطر
تذكّرت مربعها فشاقها … فأقبلت حاملة أشواقها (٣)
стр. 6271
تجيل في مطارها أحداقها … تمدّ من حنينها أعناقها
لم تدر أنّ مدّها للجزر
يا سعد كن في حبّها مساعدي … فإنّها مذ عشت من عوائدي
ولا تلم من بات فيها حاسدي … فلو ترى طير عذار خالد
أقمت في حبّ العذار عذري
طير بقدر أنجم السّماء … مختلف الأشكال والأسماء
إذا جلا الصّبح دجى الظّلماء … يلوح من فوق طفيح الماء (١)
شبه نقوش خيّلت في ستر
في لجّة الأطيار كالعساكر … فهنّ بين وارد وصادر (٢)
جليلها ناء عن الأصاغر … محدودة منذ عهود النّاصر
معدودة في أربع وعشر
(٢٣٨) شبيطر ومرزم وكركي … وصنف تمّ وإوزّ تركي (٣)
ولغلغ يشبه لون المسك … والكيّ والعنّاز يا ذا الشّكّ
ثمّ العقاب مقرن بالنّسر (٤)
ويتبع الغرنوق صنف مبدع … أنيسة إنسيّة إذ تصرع
стр. 6272
والصّوغ والحبرج فهي أجمع … خمس وخمس كملت وأربع
كأنّها أيّام عمر البدر
فابكر إلى دجلة والأقطاع … فإنّها من أحمد المساعي
واعجب لما فيها من الأنواع … من سائر الجليل والمراعي
وضجّة الشّيق وصوت الخضر
ما بين تمّ ناهض وواضع … وبين نسر طائر وواقع
وبين كيّ خارج وراجع … ونهضة الطّير من المرابع (١)
كأنّها أمثال غيم تسري (٢)
أما ترى الرّماة قد ترسّموا … ولارتقاب الطّير قد تقسّموا
بالجفت قد تدرّعوا وعمّموا … لّما على سفك دماها صمّموا
جاؤوا إليها في ثياب حمر
قد فزعوا عن كلّ عرب وعجم … وأصبحوا بين الفيافي والأكم (٣)
من كلّ نجم بالسّعود قد نجم … وكلّ بدر بشهاب قد رجم
عن كلّ محنيّ شديد الظّهر
محنّية في رفعها قد أدمجت … أدركها التّثقيف لّما عوّجت
قد كبست بيوتها وسرّجت … كأنّها أهلّة قد أخرجت
بنادقا مثل النّجوم الزّهر
قد جوّدت أربابها متاعها … وأتعبت في حزمها صنّاعها
وهذّبت رماتها طباعها … إذا لمست خابرا أقطاعها
حسبتها ملمومة من صخر (٤)
стр. 6273
إذا سمعت صرخة الجوارح … تصبو إلى أصواتها جوارحي
وإن رأيت أجم البطائح … ولم أكن ما بينها بطائح
يضيق عن حمل الهموم صدري
من لي بأنّي لا أراك سائحا … (٢٣٩) بين المرامي غاديا ورائحا (١)
لو كان لي دهري بذاك سامحا … فالقرب عندي أن أبيت نازحا
أقطع في البيداء كلّ قفر
نذرت للنّفس إذا تمّ الهنا … وزمّت العيس لإدراك المنى
أن أقرن العزّ لديها بالغنى … فمذ رأت أنّ الرّحيل قد دنا (٢)
فطالبتني بوفاء نذري
تقول لي لّما جفاني غمضي … وأنكرت طول مقامي أرضي
وعاقني صرف الرّدى عن نهضي … ما للّيالي أولعت بخفضي
كأنّها بعض حروف الجرّ
فامض ركاب العزم في البيداء … وازور بالعيس عن الزّوراء (٣)
стр. 6274
ولا تقم بالموصل الحدباء … إنّ شهاب القلعة الشّهباء
يحرق شيطان صروف الدّهر
نجم به الأنام تستدلّ … من عزّ في حماه لا يذلّ
في القرّ شمس والمصيف ظلّ … وبل على العفاة مستهلّ
أغنى الأنام عن هتون القطر
وقال في الفهد: (١) [الرجز]
ويوم دجن معلم البردين … سماؤه بالغيم في لونين
كأنّها وقد بدت للعين … فيروزج يلمع باللّجين
قضيت فيه بالسّرور ديني … وسرت أفلي مفرق الشّعبين
بأدهم محجّل الرّجلين … سبط الأديم مطلق اليدين
خصب الغطاة ماحل الرّسغين … وسرب وحش مذ بدا لعيني
عارضته في منتهى السّفحين … بأرقط مخطّط الأذنين
ناتي الجبين أهرت الشّدقين … أفطس سبط الشّعر صافي العين
ينظر في اللّيل بجمرتين … ذي كحل سال من العينين
فخطّ لامين على الخدّين … محدّد النّابين والظّفرين
كأنّما يكشر عن نصلين … ليس لها عهد بضرب قين
(٢٤٠) رقيق لحم الزّند والسّاقين … ذي ذنب أملس غير شين
فخاتل السّرب بخطوتين … وأردف الخطو بوثبتين
فكان فيها كغراب البين … فرّقها قبل بلوغ الحين
ونال منها أعفر المتنين … أجيد مصقول الإهاب زين
جدّله في ملتقى الصّفّين … ولم يحل ما بينه وبيني
نلت بمهري وبه كفلين … يالهما للصّيد عدّتين
لا يحسن اللّهو بغير ذين
وقال في ذلك: (٢) [الرجز]
стр. 6275
وليلة في طول يوم العرض … سماؤها من دكنه كالأرض
مخضت فيها العيش أيّ مخض … وفزت فيها بالنّعيم المحض
وغضّ جفن الدّهر أيّ غضّ … فبتّ من صروفه أستقضي
أرفع قدر عيشتي بالخفض … لا أكحل الجفن بها بغمض
مع كلّ ساق كالقضيب الغضّ … يدير راحا بالسّرور يقضي
ساطعة كالبرق عند الومض … حتى إذا آن قضاء الفرض (١)
وشقّ جيب الفلق المبيضّ … عرضت خيلي فأجدت عرضي
واخترت منها سابقا لي يرضي … يفوت لمح الطّرف حين يمضي
كأنّما الأرض به في قبضي … لا فرق بين طوله والعرض
جعلته وقاية لعرضي … ثمّ غدوت لمرامي أقضي
من كلّ سرب شارد منقضّ … بأرقط الظّهر صقيل بض
كسبج في ذهب مرفضّ … أهرت رحب الصّدر نائي الغمض (٢)
مستثقل الشّلو خفيف النّهض … عريض بسط الكفّ عند القبض
مدرّب النّاب لغير عضّ … منتصب الأذنين عند الرّكض (٣)
فخاتل السّرب بغير وفض … منخفضا للختل أيّ خفض (٤)
стр. 6276
(٢٤١)
مصافحا بالبطن ظهر الأرض … يجسّها بالكفّ جسّ النّبض
حتى إذا أمكن قرب البعض … عاجلها كالكوكب المنقضّ
فعانق الأكبر عند النّهض … عناق ذي حبّ لربّ بغض
فهاض منه العظم عند الهضّ … ورضّ منه الصّدر أيّ رضّ (١)
فقمت أسعى خيفة أن يقضي … خضّبت كفّي بالدم المرفضّ
أرضيته من نحره ببرض … وعدت مسرورا بعيش مرض (٢)
راض من الدّهر بما لي يرضي … أغضّ عن زلاّته وأغضي
وقال فيه: (٣) [الرجز]
وأهرت الشّدقين محبوك المطا … محدّد الأنياب مرهوب السّطا (٤)
أفطس تبري الإهاب أرقطا … كلون تبر بمداد نقّطا
ألبسه الخالق حسنا مفرطا … وخطّ في الخدّين منه خططا
مستثقل الجسم خفيف إن خطا … مجرّب الإقدام مأمون الخطى
يسبق في إرساله كدر القطا … أضحى على قنيصه مسلّطا
حتى إذا من العقال نشطا … وفى لنا فعلا بما قد شرطا
قلت وقد بتّ به مغتبطا … والشّلو من قنيصه معتبطا
بذاك أم بالخيل تعدو المرطى (٥)
وقال يصف الكلب: (٦) [الرجز]
وأخطل من الكلاب أعصل … يخال مرحوضا وإن لم يغسل (٧)
стр. 6277
أعصم مثل الفرس المحجّل … مختصر الشّلو ثقيل المحمل
منفسح الهامة ناتي المقل … آذانه كالسّوسن المهدّل
منسرح الزّور فسيح الكلكل … منهضم الخصر عريض الكفل
ذي أيطل خال ومتن ممتلي … خصيب أعلى العضد محل الأسفل
قصير عظم السّاعد المفتّل … مقتصر الأيدي طويل الأرجل
(٢٤٢) مزدحم الأطفار ثبت العضل … ذي ذنب سبط قصير أفتل
أملس في دقّته كالمغزل … يبيت غضبان إذا لم يرسل
قيد الأراوى وعقال الأيّل … رعت به سرب الظباء الجفّل
فاعتصمت منه بأعلى الجبل … حتى إذا انقضّ انقضاض الأجدل
فما ارتضى منها بدون الأوّل … غادره مجندلا في الجندل
فظلّ صحبي في نعيم مقبل … لهم غريض لحمه والشكر لي
وقال في صيد النعام: (١) [الرجز]
وربّ يوم أدكن القتام … ممتزج الضّياء بالظّلام
سرنا به لقنص الآرام … والصّبح قد طوّح باللّثام
كراقد هبّ من المنام … بضمّر طامية الحوامي (٢)
معتادة بالكرّ والإقدام … تحجم في الحرب عن الإحجام
حتى إذا آن ظهور الجام … والبرّ بالآل كبحر طام (٣)
стр. 6278
عن لنا سرب من النّعام … مشرفة الأعناق كالأعلام
فاغرة الأفواه للهيام … كأينق فرّت من الزّمام (١)
وحش على مثنى من الأقدام … مل طير تدعى وهي كالأنعام (٢)
تطير بالأرجل في الموامي … كأنّما أعناقها السّوامي (٣)
أراقم قد قمن للخصام … فحين همّ السّرب بانهزام
ألجمت القسيّ بالسّهام … وأرسل النّبل كوبل هام
فعنّ رأل عارض أمامي … كأنّما درّع بالظّلام
نيطت جناحاه بعنق سام … كأنّها في حسن الالتئام
هاء شقيق وصلت بلام … عارضته تحت العجاج السّامي
بسابق ينقضّ كالقطامي … خلو العنان مفعم الحزام (٤)
يكاد يلوي حلق اللّجام … ذي كفل راب وشدق دام
(٢٤٣) وصفحة ريّا ورسغ ظام … فحين وافى عارضا قدامي
أثبتّ في كلكله سهامي … فمرقت في اللّحم والعظام
فخرّ مصروعا على الرّغام … قد ساقه الخوف إلى الحمام
فأعجب الصّحب به اهتمامي … حتى اغتدى كلّ من الأقوام
يقول: لا شلّت يمين الرّامي
وقال يصف فرسا أدهم محجلا: (٥) [البسيط]
стр. 6279
وأدهم يقق التّحجيل ذي مرح … يميس من عجبه كالشّارب الثّمل
مطهّم مشرف الأذنين تحسبه … موكّلا بارتقاب السّمع عن زحل (١)
ركبت منه مطاليل تسير به … كواكب تلحق المحمول بالحمل
إذا رميت سهامي فوق صهوته … مرّت بهاديه وانحطّت على الكفل
قلت: وهذا معنى ظنّه أبا عذرته، وهو لابن السراج. ولقد اجتمعنا ليلة نحن، وهو عند شيخنا شهاب الدين محمود، ودار بيننا في هذا ما ليس هذا موضعه، إلاّ أنه لم يسعه الجحود. عدنا إلى ذكره فنقول، وله: (٢) [الكامل]
شكرتك عني شاردات قصائد … بصنائع فاهت بشكر صنائع
تنفي الحداة بها عن الجفن الكرى … وتخيط من طرب جفون السامع
وله: (٣) [الوافر]
غدا رجب يؤمّن حين أدعو … لمجدك أن يزيد به ارتقاء
أصمّ ظلّ مستمعا دعائي … فها أنا أسمع الصّمّ الدّعاء
وله: (٤) [الطويل]
قدمت، وقد لاح الهلال مبشّرا … بعودك، إنّ السّعد فيه قرينه
ويخبر أنّ النّصر فيه مقدّر … ألم تره قد لاح في الغرب نونه
وله: (٥) [الكامل]
стр. 6280
قوم يعزّون النّزيل، فطالما … بخل الحيا، وأكفّهم لم تبخل (١)(٢٤٤) يفنى الزّمان وفيه رونق ذكرهم … كبلى القميص، وفيه عرف المندل (٢)
قلت: هذا هو العذب المنسجم الذي لا كلفة عليه، ولا تقعر فيه. قوي التركيب، حسن الأساليب، لا كما رغب فيه أهل العصر من حبّ اللين الذي لا يتماسك رغبة في التورية، التي لا تسع أفهامهم سواها من البديع، ولا تعرف غيره من الحسن.
عدنا إلى تتمة مختاره. ومنه على مذهب المديح، قوله: (٣) [البسيط]
يقبّل الأرض عبد تحت ظلّكم … عليكم بعد فضل الله يعتمد
ما دار ميّة من أسنى مطالبه … يوما، وأنتم له العلياء والسّند
وله: (٤) [الخفيف]
حرّضوني على السّلو وعابوا … لك وجها به يعاب البدر
حاش لله ما لعذري وجه … في التّسلّي ولا لوجهك عذر
وله: (٥) [الطويل]
وخلّ دعاني للصّبوح أجبته … وقلت له: أهلا وسهلا ومرحبا
وأبرزها صفراء تحسب كأسها … غشاء من البلّور يحمل كهربا (٦)
стр. 6281
وله: (١) [الطويل]
وراح لها طبع كعكس حروفها … تصيّر ضيق الصدر من حرّها رحبا (٢)
إذا لمعت في الليل غرّة وجهها … تصيّر دهم الليل من نورها شهبا (٣)
وله: (٤) [الخفيف]
قد أتانا الربيع والزهر يبدي … لهبا خلته مشاعل جمر
وبدا النرجس المحدّق يحكي … شائبا فوق رأسه طاس تبر
وله: (٥) [المديد]
وشدت في الدّوح صادحة … بضروب السجع والملح
كلما ناحت على شجن … خلتها غنّت على قدح
وله: (٦) [الوافر]
وراح في لجين الكأس تحكي … بصفرة لونها ذوب النّضار
(٢٤٥) وقد عقد الحباب لها نطاقا … لمعصم كأسها شبه السّوار
وله: (٧) [البسيط]
стр. 6282
قد مرّ لي ليلة بالدّير صالحة … مع كلّ ذي طلعة بالبدر مشتبه
وقد عزمت بأن أغشاه ثانية … فهل تعين على غيّ هممت به
وله: (١) [الوافر]
ولما شاقنا نظم بديع … وقد أرخى المدام لنا نقابا
جعلنا الماء شاعرنا فلما … جرت في فكره نظم الحبابا
وله: (٢) [الخفيف]
إن أكن قد جنيت في السّكر ذنبا … فاعف عنّي يا راحة الأرواح
أيّ عقل يبقى هناك لمثلي … بين سكر الهوى وسكر الرّاح
قلت: وهذا وإن كان متداولا، قد ابتذلته الألسنة، فإنه عذب سائغ شرابه، لذيذ يطرب سماعه، يهز الأعطاف، ويحرك الجماد، وهكذا شأن كل كلمه، وجميع قوله، حتى تجربة قلمه. ومن بقية ما له قوله: (٣) [المنسرح]
قد أضحك الرّوض مدمع السّحب … وتوّج الزّهر عاطل القضب
وقهقه الورد للصّبا فغدا … تملأ فاه قراضة الذّهب (٤)
وأقبلت بالرّبيع محدقة … كتائب لا تخلّ بالأدب
فغصنها قائم على قدم … والكرم جاث له على الرّكب
وقوله: (٥) [المتقارب]
стр. 6283
وللنّرجس الغضّ ما بيننا … وجوه بحضرتنا ناضره
كأن تحدّق أزهارها … عيون إلى ربّها ناظره
وقوله: (١) [مخلع البسيط]
جدت بخطّ بغير وجه … ذاك حال عليّ يبطي
وليس ذا مذهبي، ولكن … أريد وجها بغير خطّ (٢)(٢٤٦) وقوله: (٣) [الطويل]
عذرتك إذ حالت خلائقك التي … أطلت بها باعي وقصّرت آمالي
لأنّك دنياي التي هي فتنتي، … فلا عجب ألاّ تدوم على حال
وقوله: (٤) [السريع]
يا مالكا أصبح لي صارما … أعدّه يوم الوغى للضّراب
حاشاك أن ترضى بقول العدى … سيفك هذا لا يفكّ القراب
وقوله: (٥) [الخفيف]
يا مهيني عند المغيب ومبد … مع حضوري خضوع عبد لمولى
لا تقم لي مع التّقاعد عنّي … فقيام النّفوس بالودّ أولى
وقوله: (٦) [الكامل]
стр. 6284
حالي وحالك كالهلال وشمسه … مذ أكسبته النّور في إشراقه
فإذا نأى عنها حظي بكماله … وإذا دنا منها رمي بمحاقه
وقوله: (١) [الكامل]
لّما استعرت من المهذّب جوخة … ولّى وأولاني جفا وصدودا
حاولتها عاريّة مردودة … فرجعت منها عاريا مردودا
وقوله: (٢) [الكامل]
إنّ البخيريّ مذ فارقتموه غدا … يسفي الرّماد على كانونه الحرب
لو شئتم أنّه يمسي أبا لهب … جاءت بغالكم حمّالة الحطب
وقوله: (٣) [السريع]
سألتكم ردّ جوابي فكم … يد لكم من قبلها عندي
فقلّدونا منّة واعجبوا … من سائل يقنع بالرّدّ
وقوله: (٤) [المتقارب]
تركت إجابة كتبي إليك … لحقّ تشبّه بالباطل
(٢٤٧)
لأنّي سألتك ردّ الجواب … ولا تعرف الرّدّ للسّائل
وقوله: (٥) [الخفيف]
стр. 6285
كنت أخشى عذل العواذل حتى … صرت مستثقلا لردّ جوابي
فتركت التّثقيل في بعث كتبي … واستراحت عواذلي من عتابي
وقوله في ذم ماطل للوعود: (١) [البسيط]
لمّا تطاول بي إفراط مطلك لي … وضاع وقتي بين العذر والعذل
أيقنت أن لست إنسانا لبطئك ذا … لقوله خلق الإنسان من عجل
وقوله في طبيب يدعى إسحاق: (٢) [الطويل]
مباضع إسحاق الطّبيب كأنّها … لها بفناء العالمين كفيل
معوّدة ألاّ تسلّ نصالها … فتغمد حتى يستباح قتيل
وقوله: (٣) [الكامل]
إني مدحتك كي أجيد قريحتي … وعلمت أن المدح فيك يضيع
لكن رأيت المسك عند فساده … يدنوه من بيت الخلا فيضوع (٤)
وقوله: (٥) [الكامل]
стр. 6286
صدقوا بأنّ النّجم محتشم … بالمال لا بالفضل والخطر
لكنّه مع فرط حشمته … كقميص يوسف قدّ من دبر
قلت: هكذا فليكن التعريض الذي أسهل منه بري المدى، وقرض المقاريض على طول المدى. لقد أكل عرضه، وشرب ماء حياته، إذ عرّضه لهذا البلاء، ومزّقه كلّ ممزّق. وبمثل هذا تطيّر السّمع، ويضحك الأعداء.
عدنا إلى قوله ومنه: (١) [الخفيف]
طفلة غضّة الحياء من الدّل … ل ولكن خدودها جمريّه
هي مع حسنها حريريّة ال … جسم ولكن أشفارها صوفيّه
وهذا نظم مهزول، ومعنى مبذول، وللناس فيه شتى المحاسن.
عدنا (٢٤٨) وقوله: (٢) [الطويل]
وذات حر جادت به فصددتها … وقلت لها مقصودي العجز لا الفرج
فدارت ودارت سوء خلقي بالرضى … ولم يعل من فرط الحياء لها رهج
إذا ما دفعت الأير فيها تجشأت … وذاك ضراط لم يتم له نضج
وقوله: (٣) [الكامل]
ولقد تعاطيت اللواط فلم أجد … علقا لأقسام الصناعة يكمل
بل ضاع بينهما الصواب فواسع … يخرى عليّ وضيّق لا يدخل
وقوله: (٤) [الطويل]
ولم أنس إذ أولجت في النجم فيشة … كجلمود صخر حطّه السيل من عل (٥)
стр. 6287
فقلت لها مهلا إذا رمت عودة … وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي
فمثل هذا التضمين وإلا فلا، ومثل هذه التورية وإلا فدع.
عدنا، وقوله في عمر: (١) [السريع]
أنا الذي خالفت قول الورى … في خبر أثبته الوقت
لما أتاني عمر زائرا … أنمته ثم تنبّهت
وقوله: (٢) [الكامل]
ولم أر كالمحبوب ليلة وصله … وقد راضه لومي له وعتابيا
إذا كان غضبانا لقيني بوجهه … وبالظهر يلقاني إذا كان راضيا
وقوله: (٣) [الطويل]
تعلّمت فعل الخير من غير أهله، … وهذّب نفسي فعلهم باختلافه
أرى ما يسوء النّفس من فعل جاهل، … فآخذ في تأديبها بخلافه
قلت: وهذا مبتذل، إلاّ أنه كما ابتذلت الشمس وهي محبوبة، ورزق النطاف وهي مشروبة، وخلاف النفس مشروع والحظ فيه، وللعلماء في النفس أقوال ليس هذا موضعها، ولا نرى في أفق الأدب (٢٤٩) مطلعها.
عدنا إلى قوله، ومنه: (٤) [المنسرح]
من لم تضمّ الضّيوف ساحته … فستره أن تضمّه الحفره
ومن غدا عرضه المهلّب في النّا … س غدا وجهه أبا صفره
وقوله: (٥) [الكامل]
стр. 6288
عجبا لفودي بعد فقد شبيبتي … وكأنّ ضوء الشّيب فيه ظلام (١)
لّما نضت عنه اللّيالي صبغها … خلعت عليه ضياءها الأيّام (٢)
وقوله: (٣) [السريع]
لا غرو إن قصّ جناحي الرّدى … فعذره في فعله واضح
يضرب عن ذي النّقص صفحا ولا … يقصّ إلاّ الدّرهم الرّاجح
قلت: والأشبه بهذا أن يكون قول ملك متظلم أعيا لحاقه القرناء، وعنّى بعده الأمثال، فوقفوا وجرت سلاهبه، وتصنّعوا وأتت طبعا مواهبه، تلتهب ذكاؤه والخلق تغشاه، وينهب نائله والأسد تخشاه. رأى نفسه فوق الجوزاء، وخدين الشهب الأغراء. قد جعل للآمال مآلفا، وللآمال ملتفا. يسدي الرّفد إلى أربابه، ويحسب المجد من آرابه، فبلي بداهية الدهر، وشنعاء الحادث النكر، وقدم عليه من لا يدرك أدنى شوطه إذ يسعى على مهل، ولا تقمص بخلق جلبابه إلا إذا فضل. فلم يجد إلا أن تنفّس الصعداء، ويتحمل الداء. لا يقعده إذا بدر إلا سابق القدر، وإلا فهو أوثب من أرقم، وأمرّ إذا غضب من علقم. لو قد قام لاقتاد دهم الليل في رسنه، واخضرّ الشجر مخبلا بوسنه، ولكنه فردد لا يغالب، وسؤدد هدر ما ثمّ من به يطالب.
عدنا إليه. قال أيضا في البازي: (٤) [الكامل]
قد ارتدى ذيل الصباح الأكهب … والصّبح مثل الماء تحت الطّحلب (٥)
стр. 6289
مثقّل الكفّ بباز أشهب … منتصب القامة سامي المنكب
ذي عنق خصب ورأس مجدب … عيونه مثل الجمان المذهب
(٢٥٠) قد بدّلت من سبج بكهرب … محدّد المنسر شين المخلب
حتف الحبارى وعقال الأرنب … مهذّب الخلق قليل الغضب
يرتاح للعود وإن لم يطلب … كفاضل حاول حفظ المنصب
وقال: (١) [الطويل]
سوابقنا والنّقع والسّمر والظّبى … وأحسابنا والحلم والبأس والبشر
هبوب الصّبا واللّيل والبرق والقضا … وشمس الضّحى والطّود والنار والبحر
وقوله، وفيه استخدامان: (٢) [الطويل]
لئن لم أبرقع بالحيا وجه عفّتي … فلا أشبهته راحتي في التّكرّم (٣)
ولا كنت ممّن يكسر الجفن في الوغى … إذا أنا لم أغضضه عن رأي محرم (٤)
وقال: (٥) [الكامل]
ولقد أسير على الضّلال ولم أقل … أين الطّريق وإن كرهت ضلالي
وأعاف تسآل الدّليل ترفّعا … عن أن يفوه فمي بلفظ سؤال
وقال: (٦) [الطويل]
стр. 6290
ولائي لآل المصطفى عقد مذهبي … وقلبي من حبّ الصّحابة مفعم
وما أنا ممن يستجيز بحبّهم … مسبّة أقوام عليهم تقدّموا
ولكنّني أعطي الفريقين حقّهم … وربّي بحال الأفضليّة أعلم
فمن شاء تعويجي فإنّي معوّج … ومن شاء تقويمي فإنّي مقوّم
وقال: (١) [الكامل]
لما رأت علياك أني كالذي … أبدو فينقصني السقام الزائد
وافيتني ووفيت لي بمكارم … فنداك لي صلة وأنت العائد
وقال: (٢) [مجزوء الكامل]
ولقد ذكرت القرب منك … وطيب أيّامي الخوالي
فطفقت أصفق راحتيّ … وعند صفقتها مقالي:
(٢٥١) كيف السّبيل إلى سعا … د ودونها قلل الجبال
وقال: (٣) [الطويل]
وعود به عاد السّرور لأنّه … حوى اللّهو قدما وهو ريّان ناعم
يغرّب في تغريده وكأنّه … يعيد لنا ما لقّنته الحمائم (٤)
وقال: (٥) [السريع]
стр. 6291
عود حوى في الروض أعواده … كلّ المعاني وهو رطب قويم (١)
فحاز شدو الورق في سجعه … ورقّة الماء ولطف النّسيم
وقال في جملة وصف رسالة: (٢) [المتقارب]
فكم بكر معنى حوى طرسها … وإن كان في حسن لفظ عوان
إذا ما شققت صدور البيوت … وجدت بهنّ قلوب المعاني
وقال من أبيات: (٣) [الكامل]
وشدت فأيقظت الرقود بشدوها … وأعارت الأيقاظ طيب رقودها
خود شدت بلسانها وبنانها … حتى تشابه ضربها بنشيدها
وكأنّ نغمة عودها في صوتها … وكأن رقّة صوتها في عودها
إنّي لأحسد عودها إن عانقت … عطفيه أو ضمته بين نهودها
وأغار من لثم الكؤوس لثغرها … وأذوب من لمس الحليّ لجيدها
وقال: (٤) [الوافر]
стр. 6292
ومجلس لذّة أمسى دجاه … يضيء كأنّه صبح منير
تجمّع فيه مشموم وراح … وأوتار وولدان وحور
تلذّذت الحواس الخمس فيه … بخمس يستتمّ بها السّرور
فكان الضّمّ قسم اللّمس فيه … وقسم الذّوق كاسات تدور
وللسّمع الأغاني والغواني … لأعيننا وللشّمّ البخور
وقال في إبريق: (١) [الوافر]
(٢٥٢)
وإبريق له بطن عجيب … إذا ما أرسلت منه السّلاف (٢)
كتمتام تلجلج في حديث … يردّد لفظه والتاء قاف (٣)
وقال في رواقص: (٤) [البسيط]
بحر من الحسن لا ينجو الغريق به … إذا تلاطم أعطاف بأعطاف
ما حركته نسيم الرّقص من مرح … إلاّ وماجت به أمواج أرداف
وقال: (٥) [الوافر]
ليهنك أنّ لي ولدا وعبدا … سواء في المقال وفي المقام
فهذا سابق من غير سين … وهذا عاقل من غير لام
وقال في باب: (٦) [المتقارب]
وباب إذا أمّه قاصد … رآه من الغيث أدنى وأندى
له الفتح دأب ومن شأنه … يردّ وقاصده لن يردّا
وقال في النيل: (٧) [الطويل]
стр. 6293
وفي النّيل إذ وفّى البسيطة حقّها … وزاد على ما جاءه من صنائع
فما إن توفّى النّاس من منعم … يشار إلى إنعامه بالأصابع
وقال: (١) [البسيط]
وكيف أنسى مليكا فضل أنعمه … فرضي ونفلي في سرّي وإعلاني
جعلت نفسي كشطر اسمي لخدمته … وكيف لا وهو عندي شطره الثّاني
وقال: (٢) [الطويل]
أحنّ إليكم كلّما ذرّ شارق … ويشتاق قلبي كلّما مرّ خاطف
واهتزّ من خفق النّسيم إذا سرى … ولولاكم ما حرّكتني العواصف
وقال: (٣) [الطويل]
رعى الله من فارقت يوم فراقهم … حشاشة نفس ودّعت يوم ودّعوا
ومن ظعنت روحي وقد سار ظعنهم … فلم أدر أيّ الظّاعنين أشيّع
(٢٥٣) وقال: (٤) [الخفيف]
يا قرير العيون رقّ لعين … فجّرتها دموعها تفجيرا
لم تطلّق من بعدك الغمض إلاّ … لترى منك نظرة وسرورا
وقال: (٥) [الكامل]
стр. 6294
لي في ضميرك شاهد فيه غنى … لك عن قراءة ما حوى قرطاسي
ولئن وقفت عليه معتبرا له … ما في وقوفك ساعة من باس
وقال: (١) [الكامل]
ولقد ذكرتك والعجاج كأنّه … ظلّ الغنيّ وسوء عيش المعسر
والشّوس بين مجدّل في جندل … منّا وبين معفّر في معفر
فظنت أنّي في صباح مشرق … بضياء وجهك أو مساء مقمر
وتعطّرت أرض الكفاح كأنّما … فتقت لنا ريح الجلاد بعنبر
وقال: (٢) [الكامل]
ولقد ذكرتك والجماجم وقّع … تحت السّنابك والأكفّ تطير
والهام في أفق العجاجة حوّم … فكأنّها فوق النّسور نسور
فاعتادني من طيب ذكرك نشوة … وبدت عليّ بشاشة وسرور
فظننت أنّي في مجالس لذّتي … والرّاح تجلى والكؤوس تدور
وقال: (٣) [الكامل]
ولقد ذكرتك حين أنكرت الظّبى … أغمادها وتعارفت في الهام
والنّبل من خلل العجاج كأنّه … وبل تتابع من فروج غمام
فاستصغرت عيناني أفواج العدى … وتتابع الأقدام في الإقدام
ووجّدت برد الأمن في حرّ الوغى … والموت خلفي تارة وأمامي
وقال: (٤) [السريع]
стр. 6295
غارت وقد قلت لمسواكها: … أراك تجني ريقها يا أراك
قالت: تمنّيت جنى ريقتي … وفاز بالتّرشاف منها سواك
(٢٥٤) وقال: (١) [الكامل]
يا من حمت عنّا مذاقة ريقها … رفقا بقلب ليس فيه سواك
فلكم سألت الثّغر وصف رضابه … فأبى وصرّح لي سفيه سواك
وقال: (٢) [الخفيف]
قد شهدنا فعل البلى بمغاني … ك ودمع الغيوم فيها سجام
واقترضنا منها الدّموع فقالت: … كلّ قرض يجرّ نفعا حرام
قلت: لقد أتى من الفقه بهذه اللطيفة. فإن قيل: فما الذي جرّه البكاء من النفع؟ قلنا: أشياء، نحو سقيا المعاهد، وإطفاء حر الفؤاد الواقد، وتخفيف ثقل البكاء عن العيون التي كثر بكاؤها. وقد قال الأول: وأثقل محمول على العين ماؤها. وقد ذكرت بالدمع بيتين كنت قلتهما، وإن لم يكن معناهما من هذا في: [الخفيف]
عما جرى لي من دموع كأنهنّ اللآلي (٣)
خففت وطأة الغرام ولكن … غرقت في الجفون طيف الخيال
عدنا إليه. قال: (٤) [من الهزج]
стр. 6296
ألا يا مالك الرّ … قّ من ملّكك الرّقّا
إذا لم تقض أن أسعد … لا تقض بأن أشقى
تصدّق بالذي يفنى … وخذ أجر الذي يبقى
وذكّر عطفك الميّا … ل والرّدف بما ألقى
وقال: (١) [المجتث]
وجه من البدر أحلى … ومنه بالمدح أحرى
طرفي به يتحلّى … وخاطري يتحرّى (٢)
بمنظر يتجلّى … وناظر يتجرّى (٣)
خدّ يقرّ بقتلي … وردفه يتبرّى
وقال: (٤) [الطويل]
ولم أنس إذ زار الحبيب بروضة … وقد غفلت عنّا وشاة ولوّام
стр. 6297
وقد فرش الورد الخدود ونشّرت … لمقدمه للسّوسن الغضّ أعلام
(٢٥٥) أقول وطرف النّرجس الغضّ شاخص … إلينا وللنمّام حولي إلمام
أيا ربّ! حتى في الحدائق أعين … علينا وحتى في الرّياحين نمّام
قلت: وهكذا التورية، وبمثل هذا تضيء القريحة المورية. تأمل كيف بدأه:
أن الحبيب زاره بروضة، ثم ذكر مع كل من الزهر ما يناسبه ويدنو منه ويقاربه، حتى إذا انقضى من هذا أربه، عاد إلى مناسبة تتمة البيت الأول، وقد قال فيه:
وقد غفلت عنا وشاة ولوّام، ليستوفي معنى البيت الذي بنى عليه، فتظلّم من الحدائق، إذ لها أعين، وفيها نمّام، يعني النرجس والنمّام، وهذا في غاية التمام.
وقال: (١) [المتقارب]
رعى الله ليلتنا بالحمى … وأمواه أعينه الزّاخره
وقد زين حسن سماء الغصون … بأنجم أزهاره الزّاهره (٢)
وللنّرجس الغضّ ما بيننا … وجوه بحضرتنا ناضره
كأنّ تحدّق أزهارها … عيون إلى ربّها ناظره
وقال: (٣) [مخلع البسيط]
قال الحيا للنّسيم لمّا … ظلّ به الزّهر في اشتغال
وضاع نشر الرّياض حتى … تعطّرت بردة الشّمال
أما ترى الأرض كيف تثني … عليّ منها لسان حالي
فاعجب لإقرارها بفضلي … وسكرها بي وشكرها لي
وقال: (٤) [الخفيف]
خلياني أجرّ فضل برودي … راتعا في رياض عين البرود
كم بها من بديع زهر أنيق … كفصول منظومة وعقود
زنبق بين قضب آس وبان … وأقاح ونرجس وورود
كجبين وعارض وقوام … وثغور وأعين وخدود
وقال يعاتب من اعتذر بالثلج: (٥) [المنسرح]
стр. 6298
(٢٥٦) عذرك بالثلج عن زيارتنا … مبدولة باؤه من الكاف
والغير لما أراد زورتنا … سعى إلينا من نشره حافي
وعندك المال والرجال وما … في تاسع النحل وافر واف
بل أبدلت ذلك الولاية يا … أحمد لما وليت بالقاف
قوله: تاسع النحل وافر واف: أراد بذلك قوله تعالى ﴿وَاَلْخَيْلَ وَاَلْبِغالَ وَاَلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها﴾ (١)
وكتب مع طبق حلاوة أهداه مع غلام: (٢) [الرجز]
عبدك قد أرسل أدنى خدمة … إليك يا من بالجميل قد سبق
فانظر بعين الجبر أو عين الرّضا … نحو غلام وكتاب وطبق (٣)
وقال ملغزا في القوس: (٤) [الطويل]
стр. 6299
وما اسم تراه في البروج وإنما … يحلّ به المرّيخ دون الكواكب
إذا قدّر الباري عليه مصيبة … عدته وحلّت في صدور الكتائب
ولاجسم إلا فيه يدرك قلبه … ويدركه في قلبه كلّ طالب
قلت: وقوله: وإنما يحل به المريخ دون الكواكب، أراد به نصل السهم أو السهم، إذ كان من شأنهما القتل، وهو من طبيعة المريخ كما يزعم أهل النجابة.
أو ليلطخه بالدماء، فإذا نظر، كان المريخ بحمرته واشتعاله. وهو إذا صحّ على هذا، لا يصحّ على ظاهره، إذ كانت القوس محلا لكلّ من السبعة السّيّارة، وهو بيت المشتري، فلا وجه لتخصيص المريخ به. وفي جملة على المعنيين اللذين أرادهما نظر.
وقال في السهم: (١) [الطويل]
وأهيف منسوب إلى التّرك أصله … رشيق براه ربّه وهو راشق
يقرّب من أفواههم وهو فاجر … ويرسل في أعراضهم وهو مارق
يبيت عديم النفع وهو مواصل … ويرضيك في الأفعال وهو مفارق
إذا اعتبروا أفعاله فهو طائر … وإن نسبوه فهو بالنّبت لاحق
وقال فيه: (٢) [الطويل]
وأهيف ماض في الأمور مسدّد … إذا رام قصدا لا يميل عن القصد
(٢٥٧) ينضنض مثل الأفعوان لسانه … لشدّة ما لاقى من الحرّ والبرد (٣)
تقرّبه الأملاك وهو ممانع … ويجهد في تقريبه غاية الجهد
إذا صحّفوه مرة كان بينهم … وإن تركوه كان منهم على بعد
وقال في قلم: (٤) [الطويل]
وأخرس بادي النطق حلو فؤاده … حليف ضنى يبكي وما هو عاشق
يشقّ مرارا رأسه وهو طيّع … ويقطع أحيانا وما هو سارق
إذا أرسل البيض الصّفاح لعادة … يتابع طورا أمره ويفارق
يحاجى به ما ناطق وهو صامت … يرى ساكتا والسيف عن فيه ناطق (٥)
стр. 6300
وقال في الدواة والقلم: (١) [الطويل]
وما اسمان كلّ صالح لقرينه … إذا اتّفقا يستصغر الصّارم العضب
وقد وجدا في الذّكر أوّل سورة … ولولاهما لم يوجد الذكر والكتب
فهذا له قلب وما حلّ جسمه … وهذا له جسم وليس له قلب
وقال في الخطّ: (٢) [مجزوء الكامل]
ومعلّق في قنّب طورا وطورا في حرير
ولقد تراه مسلسلا بيد الإمارة والصدور
ولقد يكون على الجباه وفي البطون وفي الظهور
ويرى بأعضاد الرجال وفوق أجنحة الطيور
стр. 6301
قلت: وهذا شعر بديع، ونظم صنيع، ونمط عال رفيع، لا يقدر عليه كل قائل، ولا يحظى معه معارض بطائل. ألا ترى كيف وصف الخط وافتتحه بقوله:
ومعلق! وانظر هذه التورية ما أتمّها وأحسنها وأقواها وأمكنها. ثمّ أتى في البيت كله باستخدام معنوي إذ قال: في قنّب طورا وطورا في حرير! وظاهره على مجرى اللغز، يوهم أنّ شيئا له جسم، علق بخيط حرير، أو حبل قنب، وباطنه يريد الورق. وهو يصنع من هذين (٢٥٨) حيث يعهد الشاعر. وهو إذا حمل على كل من المعنيين صح، وكان تماما موفيا بالمراد. وكذلك قوله في البيت الثاني: ولقد تراه مسلسلا. يجري مجرى قوله: ومعلق. فأما البيت الثالث، فمعناه أكثر من لفظه، وتفهمه أكبر من حفظه. فأما كونه جعله يكون معلقا على الجباه، فهو ما يكتب من التمائم والعوذ، وما هو من هذا النوع. وأما قوله:
وفي البطون وفي الظهور، فكذا يكتب: تارة في بطون الأوراق، وتارة في ظهورها. وهو مع كونه أتى فيه بالحقيقة، لم يعدم فيه رونق المجاز. والبيت الرابع نوع منه آخر. وقوله: وفوق أجنحة الطيور، هو ما يكتب في صغار البطائق على هوادي الحمام الرسائلي. فانظر إلى محاسن ما أتى به، واعجب لإيجازه.
عدنا إليه. قال في دود القز: (١) [الطويل]
وما حيوان عكسه مثل طرده … له جسد سبط وليس له قلب
ضعيف وكم أغنت مجاجة ريقه … فقيرا به أمسى ومربعه خصب
يرى من خشاش الأرض طورا وتارة … من الطير لكن دونه تسبل الحجب
شقيّ لنفع الغير يسجن نفسه … وليس له في السجن أكل ولا شرب
وقال في العود: (٢) [السريع]
стр. 6302
وأعجميّ أخرس ناطق … له لسان مستطاب الكلام
مناجيا في الحجر أربابه … طورا وفي البيت العتيق الحرام
قلت: ولله مذهبه في هذين البيتين، لو وصف هذا الألمعي العود بأطيب من نغمه وأرجه. وقوله: أعجمي، وصفا له، قول صدق، إذ العود الشجر أعجم لا ينطق، والعود عود الطرب من وضع الأعاجم. ولسان العود هو الذي يحرك به الوتر. وقوله مستطاب الكلام وهو طربه. وقد أتبعه بقوله: ساجيا في الحجر ربّا له، لأنه كان كأنّه يناجي ربه، وهو الضارب به. وقوله: وفي البيت العتيق الحرام، هو العود الهندي. يقال: إن عهد البيت الحرام زاده الله شرفا منه. فاعرف لهذا الرجل حقه، واعلم حذقه.
عدنا (٢٥٩) إلى بقية مختاره. قال في الحشيشة يحسّن قبيحها، ويدّعي تفريحها: (١) [الوافر]
تغانى بالحشيش عن الرّحيق … وبالورق الجديد عن العتيق
وبالخضراء عن حمراء صرف … وكم بين الزّمرّد والعقيق
وقال أيضا فيها: (٢) [البسيط]
في الكيس لي عوض عمّا حوى الكاس … وفي القراطيس عمّا ضمّت الطّاس
وبالجديد غرامي لا معتّقة … وسواسها في صدور النّاس خنّاس
مدامة ما لها في الرّأس وشوشة … تطغي النّفوس ولا في الصّدر وسواس
ولا تكلّف نفسا غير طاقتها … ولا يخاف بها ضرّ وإفلاس
كم بين خمر يخاف الحدّ شاربها … وخمرة ما على شرّابها باس
ولا نبيت إذا شئنا نعاقرها … لنا على الباب حفّاظ وحرّاس
حوض الدّواة لها جان ومزودها … دنّ وكاساتها ظفر وقرطاس
وقال أيضا: (٣) [السريع]
في الكيس لا في الكأس لي قهوة … من ذوقها أسكر أو شمّها
لم ينه نصّ الذّكر عنها ولا … أجمع في الشّرع على ذمّها
ظاهرة النّفع لها نشوة … تستنقذ الأنفس من همّها
فشكرها أكثر من سكرها … ونفعها أكثر من إثمها
وقال: (٤) [السريع]
стр. 6303
جاءت بوجه بين قرطين … شبيه بدر بين نجمين
فامتدت الأعين منا إلى … عينين منها تحت نونين
قالت لكي تعبث بي لا تكن … للنّفس نونا بعد ميمين
فقلت إن عارضتني بعدها … قطعت سينا بين كافين
وقال: (١) [المنسرح]
عنّفتها إذ فست على ذكري … وهو لعمري في غاية الكبر
(٢٦٠) قالت دع اللوم والعتاب فلو … دفعت هذا في است البعير خري
لو أن ضعفيه جاء من قبل … ما كان عندي لذاك من أثر
لكنه مع جفاء جثّته … صال فقدّ القميص من دبر
قلت: فشيخي قد قال مبتدئا … وذاك في العلم صادق النظر
الأير للجحر حربة خلقت … لو كان للكس كان كالطّبر
وقال: (٢) [الطويل]
وذات حر جادت به فصددتها … وقلت لها مقصودي العجز لا الفرج
فدارت ودارت سوء خلقي بالرضى … وفي قلبها مما تكابده رهج
وظلّت تقاسي من فعالي شدّة … ولم يعل من فرط الحياء لها رهج
إذا ما دفعت الأير فيه تجشّأت … وذاك ضراط لم يتمّ له نضج
وقال: (٣) [المنسرح]
стр. 6304
ولي غلام كالنجم طلعته … أخدمه وهو بعض خدّامي
تراه خلفي طول النّهار فإن … دجا لنا الليل صار قدّامي
جعلته في الحضور مع سفري … كفروة الحارث بن همّام
وقال: (١) [الوافر]
وليلة عانقت كفّاي بدرا … كأنّ ضياء مبسمه نجوم
لثمت الثغر منه فقام أيري … فعنّفني وأقبل لي يلوم
وأسكتني الحياء فقال أيري … أقم عذري فإنّ اللوم لوم
أيقدر من له عقل ولبّ … ومعرفة يراك ولا يقوم
وقال: (٢) [السريع]
قالوا اخضب الشّيب فقلت اقصروا … فإنّ قصد الصّدق من شيمتي
فكيف أرضى بعد ذا أنّني … أوّل ما أكذب في لحيتي
وقال يعتب ابن المعتز عن قوله: (٣) [المتقارب]
стр. 6305
(٢٦١) ونحن ورثنا ثياب النبي … ي فكم تجذبون بأذيالها
لكم رحم يا بني بنته … ولكن بنو العم أولى بها
ومنها:
قتلنا أمية في دارها … ونحن أحقّ بأسلابها
إذا ما دنوتم تلقيتم … زبونا أقرت بجلاّبها
وقوله: [المتقارب]
وقلت ورثنا ثياب النّبي … ي فكم تجذبون بأهدابها
وعندك لا يورث الأنبياء … فكيف حظيتم بأثوابها
أجدّك يرضى بما قلته … وما كان يوما بمرتابها
وإذ جعل الأمر شورى لها … فهل كان من بعض أربابها (١)
وقولك أنتم بنو بنته، … ولكن بنو العمّ أولى بها
بنو البنت أيضا بنو عمّه … وذلك أدنى لأنسابها
وقلت بأنّكم القاتلو … ن أسود أميّة في غابها
ولولا سيوف أبي مسلم … لعزّت على جهد طلاّبها
وقال: (٢) [الرجز]