← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11790

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط المجمع الثقافي

ابن فضل الله العمري

Полный текст (8 839 стр.). Показаны 7386–7425 · переход к 7391.

стр. 7386

الباطنة بثقله، وقد ينفع من مضرته اللبن إذا شرب منه مقدار كثير يقيء، والخمر أيضا ينفع من مضرته إذا شرب بالأفسنتين وبزر الكرفس أو بزر النبات الذي يقال له أرمنين. وإذا شرب الخمر أيضا مع الفوذنج (١) الجبلي، أو مع الزوفا (٢)، ينفع من مضرته. وقال الرازي: أما الزئبق العبيط فلا أحسبه كثير مضرة، إذا شرب أكثر من وجع شديد في البطن والأمعاء ثم يخرج كهيئته، لا سيما إن تحرّك الإنسان. وقد سقيت منه فردا كان <٢٠٧> عندي فلم أره عرض له إلاّ ما ذكرت، وعلمت ذلك من تلويه وقبضه بفمه، ويديه على بطنه. وقد ذكر بعض الأطباء أنه يعرض [منه] (٣) مثل أعراض المرتك، فإنه ينبغي أن يعالج بعلاجه. وأما إذا صبّ منه في الآذان، فإنه له نكاية شديدة. فأما المفتول (٤) منه والمتصاعد (٥) خاصة، فإنه قاتل رديء، حادّ جدا، يهيّج منه وجع شديد في البطن ومغس (٦) وخلفه الدم. قال أرسطو: من صب في أذنه زئبق فإنه يختلط عقله، ويحس بثقل عظيم في جانبيه، وربما أدى إلى الصرع والسكتة. وطريق إخراجه أن يعجل على فرد رجل (٧) يميل رأسه إلى الشق الذي فيه الزئبق. وأما الكبريت (٨)، فإنه يتولد من أجزاء مائية وهوائية وأرضية، إذا اشتد

стр. 7387

اختلاط بعضها بالبعض، بسبب حرارة قوية ونضج تام، حتى يصير مثل الدهن، وينعقد بسبب برودة حرسه (١). قال: الكبريت له ألوان، فمنه الأحمر الجيد الجوهر، وليس هو بصافي اللون، ومنه الأبيض الذي هو كالغبار. فأما الأحمر فمعدنه في مغرب الشمس، لا ساكن في موضعه، بقرب بحر أقيانوس، على فراسخ؛ (فإذا أخذ من موضعه لم تر (٢) له خاصية في الحال). وهو نافع من الصرع (٣) والسكتات والشقيقة، ويدخل في أعمال الذهب. والأبيض منه يسوّد الأجسام البيض، وقد يكون كامنا في العيون التي يجري منها الماء الجاري مشوبا بالماء، ويوجد لتلك المياه رائحة منتنة، فمن اغتمس في هذه المياه في أيام معتدلة الهواء، برأ من الدماميل والجراحات كلها، والأورام والجرب والسّلع (٤) التي تكون من المرّة (٥) السوداء، وينفع من رياح الأرحام. وقال الشيخ الرئيس: إن الكبريت من أدوية البرص ما لم تمسه النار، وإذا خلط بصمغ البطم قلع الآثار التي على الأظفار، وبالخل على البهق، ويجلو القوباء، خصوصا مع علك البطم. وهو دواء النقرس مع النطرون والماء، <٢٠٨> ويحبس الزكام بخورا، وتهرب من رائحته البراغيث والحيات والعقارب، سيما مع شيء من الدهن وحافر حمار. وهو يبيض الشعر بخورا، وإذا دخّن به تحت شجرة الأترج يسقط الأترج كله من الشجرة (٦).

стр. 7388

وقال ابن سمجون: قال الخليل بن احمد: الكبريت عين تجري فإذا جمد ماؤها صار كبريتا أصفر وأبيض وأكدر. ويقال إن الكبريت الأحمر هو من الجواهر في وادي النمل الذي مرّ به سليمان بن داود ﵉ وتلك النمل أمثال الدواب تحفر أسرابا، فتمر (١) على الكبريت الأحمر. وقال أرسطاطاليس: الكبريت ألوان (٢) كثيرة، فمنه الأحمر الجيد الحمرة الذي ليس بصاف، ومنه الأصفر الشديد الصفرة الصافي اللون، ومنه الأبيض القليل البياض الحاد الريح، ومنه المختلط بألوان كثيرة. والكبريت يكون كامنا في عيون يجري منها ماء حار، يصاب في ذلك الماء رائحة الكبريت. والكبريت الأحمر يسرج بالليل في معدنه كما تسرج النار، يضيء ما حوله على فراسخ، وإذا أخذ من معدنه ارتفعت تلك الخاصية. ويدخل في أعمال الذهب كثيرا، أو يحمّر البياض جدا ويصبغه. وقال ماسرجويه: هو ثلاثة ضروب، أحمر وأبيض وأصفر، وكلها حار يابس لطيف. وقال إسحاق بن عمران: هو أربعة ضروب، أحمر وأسود وأبيض، وهو حجر رخو من جواهر الأرض، والمطبوخ منه أغبر إلى السواد، والمحترق منه أسود. وقال الرازي: الكبريت حار يتولد من البخار اليابس الدخاني إذا ماس شيئا من البخار الرطب، لأن البخار بخاران، بخار رطب، وبخار حار لطيف يابس، فيطبخ البخار الرطب كطبخ حرارة الشمس لرطوبة الماء، حتى يحيله قارا أو نفطا أو ما أشبه ذلك. والكبريت من البخار الدخاني والرطب امتزجا وطبخهما حر

стр. 7389

الشمس حتى صار ما فيه من الرطوبة دهنا لطيفا حارا خفيفا، ولذلك أسرع إيقاده (١) لأنه شديد الحر (٢)، فتسرع إليه النار بمرة، لأن النار تطلب من الرطوبة آخرها لقربها منه بطريق واحد، والدليل على ذلك أن الأشياء الرطبة الباردة اليابسة لا تحرق لمضادتها النار بطرفيها، والأشياء الباردة لا تحرق لأنها لا رطوبة فيها، وإنما غذاء النار الرطوبة لأنها صاعدة لا تقيم في أسفل إلاّ معلقة بماء يجذبها إلى أسفل، كما لا يقيم الحجر في الجو إلاّ بما يعمده. وقال جالينوس في كتاب الأدوية الموجودة بكل مكان: الكبريت النهري هو كبريت القصّارين. وقال مرة أخرى: كبريت القصارين هو كبريت الماء. وقال في المقالة السابعة من مفرداته: كل كبريت قوته قوة جلائه، لأن مزاجه وجوهره لطيف، ولذلك صار يقاوم ويضاد سم ذات السموم والهوام. واستعماله بأن يسحق ويذر على موضع اللسعة، أو يعجن بالدقيق، ويوضع عليه؛ أو يعجن بالبول أو بزبل أو عسل أو علك البطم. وقد يسقى منه للجرب وللعلة التي يتقشر معها الجلد، والقوابي إذا عولجت به مع علك البطم يشربها (٣) مرارا كثيرة، فإنه يجلو، ويقلع هذه العلل كلها من غير أن يدفع شيئا منها إلى عمق البدن. وقال ديسقوريدوس في الخامسة: يعلم أن أجوده ما لم يقرب من النار، وكان صافي اللون صقيلا، ليس بمتحجر، وأما إذا قرب من النار فينبغي أن يختار منه الأحمر الذي فيه دهنية. وقد يكون كثيرا في المواضع التي يقال لها موم

стр. 7390

ملصق (١) والمواضع التي يقال لها لينارا (٢). والصنف الأول يسخّن ويحلل وينضج السعال ويخرج القيح الذي في الصدر سريعا، وإذا صيّر في بيضة وشرب أو تدخن به نفع من الربو، وإذا تدخنت به المرأة طرح الجنين، وإذا خلط بصمغ البطم قلع الجرب والقوابي والبهق، وإذا خلط بالراتينج أبرأ لسعة العقرب، وإذا خلط بالنطرون وغسل به البدن سكن الحكة العارضة فيه. <٢١٠> وإذا أخذ منه مقدار فوجلياريوس (٣) وشرب بماء، أو بيضة حسوا، نفع من اليرقان. ويصلح الزكام والنزلة، وإذا ذرّ على البدن قطع العروق (٤)، وإذا لطخ على النقرس مع النطرون والماء نفع منه، وإذا تدخن به نفع من الطرش، وقد يقطع النزيف. وإذا خلط بالعسل والخمر ولطخ على شدخ (٥) الآذان أبرأه. وقال أرسطوطاليس: والكبريت الأحمر ينفع من داء الصرع والسكتات والشقيقة إذا أسعط به. وقال الدمشقي: وقوة الكبريت في الحرارة واليبوسة من الدرجة الرابعة يذهب بالبرص ويجلو الكلف ويذهب بضربان الآذان. وقال في التجربتين: الكبريت إذا خلط بأدوية قروح الرأس العتيقة جلاها وأدملها، وإذا حلّ في زيت قد غلي فيه إشقيل (٦)، وغلّظ (٧) بشيء من الشمع،

стр. 7391

نفع من نوعي الجرب الرطب واليابس، ومن الحكة، منفعة بالغة. وإذا خلط بالطفل (١) وحل بالخل، أو بحماض الأترج، وطلي على السعفة العتيقة (٢) حللها (٣) وأدملها، إذا واظب عليها، وإذا عجن بالحناء، أو بسائر أدوية القوابي، جلاها وأذهبها؛ وكذلك إذا خلط بعصارة ورق المر، ثم فعل ذلك فعلا قويا، وإذا خلط بالقطران نفع من القروح الوسخة جدا والمترهلة [والأواكل] (٤)، وإذا خلط بالعاقر قرحا وعجنا بعسل، ثم حل بالخل، وطليت به القروح المتولدة في أجسام بدت بها العلة الكبرى، وفي قروح تشبه القوابي [خشنة] (٥) يخدر بها الجلد، ويذهب حسه (٦)، نفع منها منفعة عجيبة. وأما القفر (٧)، فقد ذكرنا فيما تقدم ما فيه كفاية، وذكرنا أن منه ما ينبع في بعض الجبال، ومنه ما ينبع في الماء، فيفور مع الماء الحار في العين، ويطفو كالدهن، فما دام مع الماء يكون لينا، فإذا فارق الماء وجف فيغرف بالقفاف ويطرح على الأرض، ثم يطرح في القدر، ويطرح عليه من الرمل مقدار معلوم ليختلط به، كما ذكر، ويحركونه تحريكا شديدا <٢١١> متداركا، فإذا بلغ حد استحكامه (٨)، صب على وجه الأرض قطعا، فيجمد وتقيّر به السفن والحمّامات.

стр. 7392

واما النفط (١)، فقد ذكرنا قريبا أنه يطفو على الماء، وأن منه أبيض (٢)، ومنه أسود. قيل: وقد يصاعد (٣) الأسود بالقرع والأنبيق، فيخرج أبيض، وينفع إذ ذاك من أوجاع المفاصل واللقوة والفالج وبياض العين والماء النازل فيها. وإذا شرب منه نصف مثقال نفع من المغص والرياح (٤)، ويخرج الأجنة الموتى والمشيمة، ويقتل الدود وحب القرع، وينفع الملسوع طلاء، فلينظر ما قيل فيه قبلا. واما الموميائي (٥)، فقد ذكرناه فيما تقدم، وهو شبيه بالزفت والقفر، إلا أنه عزيز جدا. قيل: ومعدنه بأرض الموصل وبأرض فارس بأرّجان (٦)، فيما زعم بعضهم. وقد ذكرنا أنه ينفع من الكسر والوهن والخلع والوهن (٧) والضربة والسقطة والفالج واللقوة، شربا وتمريخا، ومن الشقيقة والصداع البارد والصرع والدوار سعوطا بماء المرزنجوش، ويشرب قيراط منه لثقل اللسان والخنّاق والخفقان. وزعموا: أنه يخلط بالسمن ويجعل على موضع اللسع فيبرئه. وأما العنبر (٨)، فقد ذكرناه أيضا، وذكرنا الخلاف فيه. وقد زعم بعض التجار أن بحر الزّنج قذف في بعض السنين قطعة عظيمة شبه تل. وأكثر ما يرى قدر الجمجمة، أكبرها زنة ألف مثقال. وكثيرا ما يبتلعه الحيتان (٩) فتموت، وتلك الدّابة تدعى العنبر (١٠). وقد ورد ذكر هذا الحوت في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري وهو معروف.

стр. 7393

خاتمة تتعلق بما تقدم اعلم أن الأرض جسم بسيط قام البرهان على أن طبعها بارد يابس، وهي كما زعموا متحركة إلى الوسط. وزعموا أن شكل الأرض قريب من الكرة، والقدر الخارج <٢١٢> محدّب، لأنهم اعتبروا خسوفا واحدا، فوجدوا في البلاد الشرقية والغربية في أوقات مختلفة، فلو كان طلوعه وغروبه دفعة واحدة، لما اختلف بالنسبة إلى البلاد. وإنما خلقت باردة لأجل الغلظ والتماسك، إذ لولاهما لما أمكن قرار الحيوان على ظهرها، وحدوث المعادن والنبات في بطنها. وزعموا أنها ثلاث طبقات: طبقة قريب من المركز، وهي الأرض الصرفة، وطبقة طينية، وطبقة انكشف بعضها وأحاط البحر بالبعض الآخر وهي مركز الأفلاك واقفة في الوسط بإذن الله تعالى. والهواء والماء يحيطان بها من جميع الجهات. والإنسان في أي موضع وقف على سطح الأرض يكون رأسه مما يلي السماء ورجلاه مما يلي الأرض، وهو يرى من السماء نصفها، وإذا انتقل إلى موضع آخر ظهر له من السماء مقدار ما خفي له من الجانب الآخر، لكل تسعة عشر فرسخا درجة. ثم إن البحر المحيط أحاط بأكثر وجه الأرض، والمكشوف منها قليل ناتئ عن الماء على هيئة بيضة غاطسة في الماء، خرج من الماء محدّبها، وليست منظمة ملساء، ولا مستديرة، بل كثيرة الارتفاع والانخفاض. أما باطنها فكثير الأودية والأهوية والكهوف والمغارات، ولها منافذ وخلجان كلها ممتلئة مياها وبخارات ورطوبات دهنية ينعقد منها الجواهر المعدنية. وتلك الأبخرة والرطوبات دائما في الاستحالة والتغير والكون والفساد. أما ظاهرة فإنها كثيرة الجبال والأودية والجداول والبطائح والآجام والدحال (١) والغدران، وفيها منافذ

стр. 7394

وخلجان تجري بعضها إلى بعض في دائم الأوقات، والرياح والغيوم والأمطار لا تنقطع عنها في شيء من الأوقات، ولكن في أماكن مختلفة البقاع شرقا وغربا وجنوبا وشمالا، مثل الليل والنهار <١١٣> والصيف والشتاء، وفي بلدان شتى. والمعادن والنبات والحيوان قائم في الكون والفساد، فما في الأرض موضع إلا وهناك معدن أو نبات أو حيوان، باختلاف صورتها ومزاجها وأجناسها وألوانها وأنواعها لا يعلم تفصيلها إلا الله، وهو صانعها ومدبرها، وعنده مفاتيح الغيب لا يعلمها إلا هو، ويعلم ما في البر والبحر، وما تسقط من ورقة إلا يعلمها، ولا حبّة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس، إلاّ في كتاب مبين. تتمة لا تقطع السياق فالذي يعتمد عليه جماهيرهم، أن الأرض مدورة كالكرة موضوعة في جوف الفلك كالملح في البيضة، وأنها في الوسط، ولا ينكر هذا إلاّ جاهل بالبرهان والعقل، هكذا وضعها الحكيم العليم، وبعدها في الفلك من جميع الجوانب على التساوي، هذا هو الحق. وزعم هشام بن الحكم المتكلم (١) أن تحت الأرض جسما من شأنه الارتفاع. قال: وهو المانع للأرض من الانحدار، وهو ليس محتاجا إلى ما يعمده، لأنه ليس يطلب الانحدار بل الارتفاع. وقال أبو الهند: إن الله وقفها بلا عماد. وعلّله ديمقراطيس بأنها تقوم على الماء، وقد حصر الماء تحتها حتى لا تجد مخرجا فتضطر إلى استقلال، وهذا الرأي قريب من رأي هشام بن الحكم. وقال بعض المتكلمين

стр. 7395

إنها واقفة على الوسط، على مقدار واحد من كل جانب، والفلك يحد بها من كل وجه، فلذلك لا تميل إلى ناحية من الفلك دون أخرى، لأن قوة الأجزاء مكافئة؛ مثال ذلك حجر المغناطيس وجذبه الحديد، فإن الفلك بالطبع مغناطيسيّ للأرض، فهو يجذبها، فإذا كان كذلك فهي واقفة في الوسط كقنديل النصارى. ومنهم من قال إنها واقفة في الوسط، وسبب وقوفها سرعة تدوير <٢١٤> الفلك ودفعه إياها من كل جهة إلى الوسط، من ذلك أنك إذا جعلت ترابا أو حجرا في قارورة، وأديرت بقوة في الحرط (١) والتدوير، فإن التراب والحجر المذكورين يقوم في الوسط. وقال محمد بن أحمد الخوارزمي (٢): الأرض في وسط السماء، والوسط هو السفل بالحقيقة (٣)، وأنها مدورة مضرّسة من جهة الجبال البارزة والوهاد الغائرة، وذلك لا يخرجها عن الكرة إذا اعتبرت جملتها، لأن مقادير الجبال، وإن شمخت، يسيرة بالقياس إلى كرة الأرض، فإن الكرة التي قطرها ذراع أو ذراعان، إذ نتأ منها شيء أو غار فيها، لا يخرجها عن الكرة ولا هذه التضاريس، لإحاطة الماء بها من جميع جوانبها وغمرها، بحيث لا يظهر منها شيء، فحينئذ تبطل الحكمة المودعة في المعادن والنبات والحيوان، فسبحان من لا يعلم أسرار حكمه إلاّ هو.

стр. 7396

إشارة غير مقصودة قال وهب بن منبه (١): كانت الأرض كالسفينة تذهب وتجيء، فخلق الله ملكا في نهاية العظم والقوة، أمره أن يدخل تحتها ويجعلها على منكبه، فأخرج يدا من المشرق، ويدا من المغرب، وقبض على أطراف الأرض فأمسكها، ثم لم يكن لقدميه قرار، فخلق الله تعالى صخرة مربّعة من ياقوتة خضراء، في وسطها سبعة آلاف ثقبة، يخرج من كل ثقبة بحر لا يعلم عظمه إلا الله. ثم أمر الصخرة حتى دخلت تحت قدمي الملك، ثم لم يكن للصخرة قرار، فخلق الله تعالى نورا عظيما له أربعون ألف عين، ومثلها آذان وأنوف وأفواه وألسنة وقوائم، ما بين كل اثنين منها مسيرة خمسمائة عام. فأمر الله تعالى هذا الثور فدخل تحت الصخرة فحملها على ظهره وقرونه، واسم هذا الثور كيونان. ثم لم يكن للثور قرار، فخلق الله تعالى حوتا عظيما لا يقدر أحد أن ينظر إليه، <٢١٥> لعظمه وبريق عينيه وكبرهما، حتى قيل لو وضعت البحار كلها في إحدى مناخره لكانت كخردلة في فلاة. فأمر الله تعالى الحوت أن يكون قواما لقوائم الثور، واسم هذا الحوت بهموت. ثم جعل قراره الماء، وتحت الماء هواء، وتحت الهواء ماء، وتحت الماء ظلمات، ثم انقطع علم الخلائق عما تحت الظلمات، هذا آخر كلامه. وينبغي أن يعلم أن هذا من الإسرائيليات على تقدير صحته عن وهب، وعلى تقدير أن وهبا نقله عمن يوثق به، لكن البراهين تقتضي ترجيح أحد القولين في رده، بدليل نص القرآن في قوله تعالى ﴿وَأَلْقى فِي اَلْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ﴾

стр. 7397

﴿تَمِيدَ بِكُمْ﴾ (١) ونحوه من الآيات الكريمة التي تدل على أن الأرض إنما كان (٢) سبب ثباتها على الحال التي عليه من السكون وعدم الاضطراب والحركة، هو أن الله تعالى أرسى فيها الجبال فسكّنها عن الاضطراب. نعم إن التحقيق أقرب في قوله ﴿إِنَّ اَللّهَ يُمْسِكُ اَلسَّماواتِ وَاَلْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾ (٣). وإذا كان قد قال سبحانه ﴿خَلَقَ اَلسَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها﴾ (٤) فالأرض كذلك، وإنما دخل الداخل بين المسلمين مما نقلته اليهود، وتلقاه من [في] قلبه مرض ممن يعتقد أن الله في جهة، فانشرح صدره لمثل هذه الأحاديث ونقلها عند المسلمين، فتقبلها العامة حتى النساء والصبيان ينقلون معتقدين صحتها، فنسأل الله العفو والعافية من البدع المضلة. عاد الكلام ورجع إذا تقرر ما تقدم، فقد زعموا أن الأبخرة والأدخنة الكثيرة إذا اجتمعت تحت الأرض فلا تقاومها برودة، حتى يصير ما قد تكون مادتها كثيرة لا تقبل التحليل بأدنى حرارة، ويكون وجه الأرض صلبا لا يكون فيه منافذ ولا مسام، فالبخارات إذا قصدت الصعود <٢١٦> لا تجد المسام والمنافذ، فتهتز منها بقاع الأرض وتضطرب، كما يرتعد بدن المحموم من شدة الحمى، بسبب رطوبات عتيقة اختبأت في خلل أجزاء البدن، فتشتعل (٥) بها الحرارة الغريزية، فتذيبها وتحللها وتصيرها دخانا وبخارا، فتخرج من مسام جلد الإنسان فيهتز من ذلك البدن ويرتعد، ولا يزال كذلك إلى أن تخرج تلك المواد كلها، فإذا خرجت سكن البدن ورجع إلى حال الصحة، فهكذا حركات بقاع الأرض

стр. 7398

بالزلازل، فربما ينشق وجه الأرض فيخرج من ذلك الشق المواد المختنقة المختبئة دفعة واحدة، وقد يكون خروجها ببلدة فتخسفها، وذلك بأن تكون تحت الأرض تجاويف، فعند انشقاق الأرض ينزل فيها الجبال والبلاد الظاهرة على وجه الأرض مما يشاء الله تعالى. قالوا: وإذا امتزج الماء بالطين، وفي الطين لزوجة، وأثرت فيه حرارة الشمس مدة طويلة، صار حجرا كما ترى أن النار إذا أثرت في الطين جعلته آجرا، والآجر ضرب من الحجر، وكلما كانت النار فيه أكثر كان أصلب، وأشبه بالحجر. فزعموا أن تولد بعض الجبال من الماء والطين وحرارة الشمس. وأما سبب ارتفاع بعضها وشموخه على تقدير أن يكون مما ذكر فهو أنه يجوز بسبب زلزلة فيها خسف، فينخفض بعض الأرض ويرتفع بعضها، ثم ذلك البعض المرتفع يصير حجرا لما ذكرنا. وجاز أن يكون بسبب أن الرياح تنقل التراب إلى مكان فتجذب تلال ووهاد، ثم تتحجر بسبب ما قلنا. ثم قد زعم صاحب كتاب المجسطي (١) أن في كل ستة وثلاثين ألف سنة تنقل أوجات (٢) الكواكب ويدور في البروج الاثني عشر دورة واحدة، فإذا انتقلت من الشمال إلى الجنوب تختلف مسافات الكواكب ومطارح شعاعاتها على بقاع الأرض <٢١٧>، فيختلف بها الليل والنهار، والشتاء والصيف، والحر والبرد، وتتغير أرباع الأرض، فيصير العمران خرابا، والخراب عمرانا، والبراري بحارا، والبحار براري، والجبال سهولا، والسهول جبالا.

стр. 7399

أما صيرورة الجبال سهولا، فإن الجبال من شدة إشراق الشمس والقمر وسائر الكواكب عليها، بطول الزمان، تنشف رطوبتها، وتزداد جفافا ويبسا، وتتكسر عند الصواعق خاصة، فتصير أحجارا وصخورا ورمالا، ثم السيول تحمله إلى بطون الأودية والأنهار، ولشدة جريان الماء تحملها إلى البحار، فتنبسط في قعر البحار جبال وتلال، كما يتولد من هيوب الرياح دعاص (١) الرمال في البر. وكذلك قد يوجد في أجواف الأحجار إذا كسرت، أنواع من الأصداف والعظام، وذلك بسبب اختلاط طين هذا الموضع بالصدف والعظم؛ وأيضا فقد يوجد بعض الجبال ذو أطباق، بعضها فوق بعض، وسبب ذلك وصول السيول إليه بالطين مرة، فإن ماء السيل إذا انتقل من موضع إلى موضع يحمل طين الموضع الذي مرّ عليه، فتصير كل طبقة من ذلك بمرور الزمان حجرا بالسبب الذي قلنا، ولا تزال السيول تأخذ من الجبال وتحط حتى ترتفع من البحر الوهاد وتنخفض في البر الجبال والله أعلم بالحقائق. وأما كيفية صيرورة البحار يبسا، واليبس بحرا، فإنه كلما انضمت من البحر قطعة على الوجه الذي ذكرناه، فالماء يرتفع يطلب الاتساع على سواحله، يغطي البر بالماء، ولا يزال ذلك دأبها بطول الزمان حتى تصير مواضع البر بحرا، وهكذا لا يزال الجبال تتكسر وتصير حصى ورمالا تحمله السيول إلى قعر البحار مع طين ممرها، وينعقد فيها كما ذكرنا، حتى يستوي مع وجه الأرض فتجف وتنكشف، فينبت فيها العشب والأشجار، فتصير <٢١٨> مكانا للوحوش والسباع، ويقصدها الناس لطلب الصيد والعشب والحطب، فتصير مسكنا للناس وموضعا للزرع والغرس والقرى والمدن، فسبحان من لا يعتريه التغير والزوال، وكل ما سواه يتغير من حال إلى حال.

стр. 7400

واعلم أن هذا المذكور إنما هو في بعض الجبال والأماكن المكتسبة ما ذكرنا، أما الجبال الأصول التي قال الله تعالى في حقها ﴿وَأَلْقى فِي اَلْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ فتلك أصول وقواعد لا تتغير للحكمة المودعة فيها، التي لولاها لكانت الأرض متحركة. وقال بعضهم: لولا الجبال لكان وجه الأرض مستديرا، وكان ماء البحار يغطيها من جميع جهاتها، وأحاط بها الهواء بالماء، وبطلت الحكمة في المعادن والنبات والحيوان. وقال بعضهم: الجبال سبب لوجود الأنهار السائحة على وجه الأرض الذي هو مادة حياة النبات والحيوان، وذلك لأن سبب هذا الماء هو انعقاد البخار في الجو سحابا. والجبال الشامخة الطوال الأصول على بسيط الأرض شرقا وغربا ويمينا وشمالا تمنع الرياح أن تسوق البخار، بل يجعلها منحصرة بينها، حتى يحلقها برد الشتاء، فيصير مطرا وثلجا، فلو فرضت الجبال غير مرتفعة عن وجه الأرض لكانت الأرض كرة لا غور فيها ولا نتوء، فالبخار المرتفع لا يبقى في الجو (١) منحصرا إلى وقت يضربه البرد، بل يتحلل ويستحيل هواء، فلا يجري الماء على وجه الأرض إلا قدر ما ينزل من المطر، ثم تنشفه الأرض، فكان يعرض من ذلك أن النبات والحيوان يعدم لعدم الماء في الصيف عند شدة الحاجة إليه، كما في البوادي البعيدة والمغارات المعطشة، فاقتضى التدبير الإلهي وجود الجبال لحصر البخار المرتفع من الأرض بين أغوارها، ويمنعه من السيلان، ويمنع الرياح أن تسوقها كما يمنع السّكر (٢) الماء فيبقى فيها محفوظا إلى أن يلحقه البرد زمان

стр. 7401

الشتاء، فيجمده <٢١٩> ويعصره فيصير ماء، ثم ينزل مطرا وثلجا. والجبال في أجرامها مغارات وأهوية وأوشال وكهوف، فتقع على قللها الأمطار والثلوج، فتنصب إلى تلك المغارات والأوشال، فتبقى مخزونة، ويخرج من أسافلها ضيقة، وهي العيون، فيسيح منها الماء على وجه الأرض، فيحيي به العباد والبلاد، وما فضل ينصب إلى البحر. فإذا فني ما في الجبال من المياه النازلة فيها من الأمطار لحقها نوبة الشتاء فعادت إلى ما كانت، ولا تزال هكذا دائبا إلى أن يبلغ الكتاب أجله، فسبحان من لا يطلع على دقائق حكمته ومصنوعاته إلا هو. فإذا وقعت الأمطار والثلوج على الجبال تنصب الأمطار إلى المغارات، وتذوب الثلوج، وتفيض إلى الأودية التي في الجبال، فتبقى مخزونة فيها وتمتلئ الأوشال منها في الشتاء، فإذا كان في أسافل الجبال منافذ ضيقة تخرج المياه من الأوشال في تلك المنافذ، فيحصل منها جداول، وتجتمع بعضها إلى بعض، فيحصل منها أودية وأنهار، فإن كانت تلك المياه في أعالي الجبال يستمر جريانها أبدا، لأن مياهها تنصب إلى سفح الجبال، ولا تنقطع ماديتها لوصول مددها من الأمطار، وإن كان في أسافل الجبال فتجري منها الأنهار عند وصول مددها، وتنقطع عند انقطاع المدد، وتبقى المياه فيها واقفة كما ترى من الأودية التي تجري في بعض الأيام وتنقطع عند انقطاع مادتها. قال صاحب جغرافيا (١): إن في هذا الربع المسكون مقدار مائتين وأربعين نهرا طوالا، منها ما طوله من خمسين فرسخا إلى مائة فرسخ، إلى ألف فرسخ، فمنها

стр. 7402

ما يجري من المشرق إلى المغرب، ومنها ما يجري من المغرب إلى المشرق، ومنها ما يجري من الجنوب إلى الشمال، ومنها ما يجري من الشمال إلى الجنوب، وكل هذه الأنهار تبتدئ من الجبال وتنتهي إلى البحار وإلى البطائح، وفي ممرها المدن والقرى، وما فضل <٢٢٠> ينصب إلى البحار، وتختلط بالماء المالح، ثم يرق ويلطف ويتصاعد في الهواء بخارا، وتتراكم منه الغيوم، فتسوقه الرياح إلى الجبال والبراري وينزل هناك، ويجري في الأودية والأنهار ويسقي البلاد، ويرجع فاضلها إلى البحر، ولا يزال هذا دأبها، وتدور كالدولاب بتقدير العزيز العليم إلى أن يبلغ (١) الكتاب أجله. ثم لا يشك في أن في جوف الأرض مسام ومنافذ، وفيها إما ماء وإما هواء، على ما قدمنا ذكره، فإن كان هواء فإنه يصير ماء، ويسير ويلحقه، أو بغير ذلك من الأسباب، أو ماء على حاله ومائيته مدد صلبة، فتمنعه من جهة أخرى، فلا يسع ذلك الأرض، فيشقها ويظهر على وجهها إن أمكن، وله قوة الخروج وليست للأرض. تتميم لما سبق ذكر أبو الريحان الخوارزمي (٢) في كتابه الآثار الباقية (٣): أن باليمن ربما حفروا فبلغوا صخرة عرفوا أن تحتها ماء، فنقروها نقرة يعرفون بصوتها مقدار الماء،

стр. 7403

ثم ينقبونها نقبا صغيرا ويرونها، فإن كانت سليمة قوّروها، وإن كانت مجوفة عجلوا سدّها بالجص والكلس، فإن منها ما يخشى منه مثل سيل العرم، وإن لم يكن لها قوة الخروج. أو كانت الأرض صلبة فتحتاج إلى العلاج، وهو أن ينحى عنه التراب حتى يظهر كماء الآبار والقنوات، هذا إذا لم تكن مادتها كما ذكرنا من الأوشال بطريق النز (١)، فسببها ظاهر. أما سبب اختلاف العيون التي في جوف الأرض وكهوف الجبال، من الملوحة والعفوصة والكبريتية والنفطية، فعلّة حرارتها أن المياه تسخن في الشتاء تحت الأرض وتبرد في الصيف، بسبب أن الحرارة والبرودة ضدّان، فلا يجتمعان في مكان واحد، في زمان واحد. فإذا جاء الشتاء، برد الجو، وقرت الحرارة، وأسخنت باطن الأرض وكهوف الجبال، فإن كانت مواضعها كبريتية بأن تنصب إليها رطوبات دهنية، كما قدمنا ذكره، بقيت الحرارة فيها دائمة <٢٢١> بواسطة تلك الرطوبات الدهنية، فلو جاز بهذه المواضع مياه أو جداول أو عروق نافذة، تسخن لمرورها هناك، وجوازها عليها، ثم تخرج على وجه الأرض حارّة حامية. وان أصابها نسيم أو برد الجو فربما جمدت، أو كانت غليظة، وانعقدت فصارت زئبقا أو قيرا أو نفطا أو كبريتا أو ملحا أو بورقا أو ما شاكل ذلك، بحسب اختلاف تربها، وتغيرات أهوية أماكنها، كل ذلك بتدبير الحكيم العليم.

стр. 7404

السفر الرابع والعشرون: دول الحسنيين والحسينيين والدولة العباسية والأموية بالشام والأندلس المحقق: د. يحيى الجبوري

стр. 7405

المقدمة هذا هو السفر الرابع والعشرون من موسوعة كتاب (مسالك الأبصار في ممالك الأمصار) لابن فضل الله العمري، ويتألف الكتاب من سبعة وعشرين سفرا سجل فيه تراث الأمة على مدى سبعمائة عام أو يزيد، فقد حفظ وسجل الجوانب الحضارية والعلمية والاجتماعية والسياسية، وتحدث عن الدول التي قامت ثم اندثرت وترجم لرجالها وعلمائها من الفقهاء والقراء والمحدثين والفلاسفة والأطباء والمؤرخين والشعراء والأدباء والمغنين، وتحدث فيه عن البلدان والمواضع وعادات الشعوب والأديان والنحل والفرق الإسلامية وغير الإسلامية. واختص هذا الجزء بتاريخ الدول العربية الإسلامية من بني هاشم وبني أمية في الشام والعراق ومصر والأندلس، مصورا حياة الدول في جوانبها السياسية والإدارية والحضارية، في أحوالها الزاهية المزدهرة في عهود تقدمها، وكذلك أحوالها في حال تخلفها وتضعضعها وانحدارها نحو السقوط بسبب التناحر على السلطة واقتطاع الممالك وتجزيئها ثم اندثارها، وقد امتدت حياة هذه الدول قرابة سبعة قرون ابتداء من حكم معاوية بن أبي سفيان وانتهاء بسقوط الدولة العباسية على يد التتار سنة ٦٥٦ هـ

стр. 7406

مؤلف الكتاب: مؤلف مسالك الأبصار هو ابن فضل الله العمري (١٣) القاضي شهاب الدين أبو العباس أحمد بن يحيى بن فضل الله بن المجلي دعجان بن خلف، يتصل نسبه بعمر بن الخطاب ﵁، وصفه خليل بن أيبك، وكان صديقه وأهم من ترجم له ترجمة مستفيضة، بقوله: (هو الإمام الفاضل البليغ المفوّه الحافظ حجّة الكتّاب، إمام أهل الأدب، أحد رجالات الزمان كتابة وترسلا، وتوصلا إلى غايات المعالي وتوسلا). ولد بمدينة دمشق في شوال سنة سبع مائة، وسمع بالقاهرة ودمشق من جماعة، وتخرج في الأدب بوالده، وبالشهاب محمود، قرأ العربية أولا على الشيخ كمال الدين ابن قاضي شهبة، ثم على قاضي القضاة شمس الدين بن مسلم، والفقه على قاضي القضاة شهاب الدين ابن المجد عبد الله، وعلى الشيخ برهان الدين، وقرأ الأحكام الصغرى على الشيخ تقي الدين ابن تيمية، والعروض والأدب على الشيخ شمس الدين الصايغ، وعلاء الدين الوداعي، وقرأ جملة من المعاني والبيان على العلامة شهاب الدين محمود، وقرأ عليه جملة من الدواوين وكتب الأدب، وقرأ بعض شئ من العروض على الشيخ كمال الدين _________ (١٣) ينظر في ترجمته: الوافي بالوفيات - الصفدي ٨/ ٢٥٢ - ٢٧٠. النجوم الزاهرة - ابن تغري بردي ١٠/ ٢٣٤ - ٢٣٥. شذرات الذهب - ابن العماد ٨/ ٢٧٣ - ٢٧٤. الدرر الكامنة - ابن حجر ١/ ٣٣١. فوات الوفيات - ابن شاكر الكتبي ١/ ٧ - ٩. تاريخ ابن الوردي - ابن الوردي ٢/ ٣٤٢. البداية والنهاية - ابن كثير ٧/ ٢٤٧. حسن المحاضرة - السيوطي ١/ ٣٢٩.

стр. 7407

ابن الزملكاني، والأصول على الشيخ شمس الدين الأصبهاني، وأخذ اللغة عن الشيخ أثير الدين: سمع عليه (الفصيح)، و (الأشعار الستة)، و (الدريدية)، وأكثر (ديوان أبي تمام)، وغير ذلك، وسمع بدمشق من الحجار وست الوزراء وابن أبي الفتح، ورحل إلى بلاد كثيرة طلبا للعلم، فسمع في الحجاز ومصر والإسكندرية وبلاد الشام، وأجاز له جماعة. شغل أعمالا كثيرة وتقلب في وظائف الدولة، فباشر كتابة السير للسلطان الناصر محمد بن قلاوون بالقاهرة، نيابة عن والده محيي الدين الذي ولي كتابة سر دمشق، ثم لما ولي والده كتابة السر بمصر أيضا، صار هو يقرأ البريد على الملك الناصر محمد بن قلاوون، وينفذ المهمات، واستمر كذلك في ولاية والده الأولى والثانية، ثم إنه فاجأ السلطان بكلام غليظ، فقد كان قوي النفس، وأخلاقه شرسة، فتغير عليه السلطان فأبعده، وصادره وسجنه بالقلعة سنة ثمان وثلاثين وسبع مائة، ثم ولي كتابة السر بدمشق، وعزل ورسم عليه أربعة أشهر، وطلب إلى مصر، فشفع فيه أخوه علاء الدين، فعاد إلى دمشق، واستمر بطّالا من أعمال الدولة، ولكنه انصرف إلى التأليف والتصنيف إلى أن مات. علمه وأدبه: انتهت إليه رياسة الإنشاء، وكان يشبه القاضي الفاضل في زمانه، كان حسن المحاضرة والمذاكرة، سريع الاستحضار، جيد الحفظ، فصيح اللسان، جميل الأخلاق، يحب العلماء والفقراء، يقول الصفدي: (رزقه الله أربعة أشياء، لم أرها في غيره، وهي: الحافظة، قلّما طالع شيئا إلا وكان مستحضرا لأكثره، والذاكرة التي إذا أراد ذكرى شئ من زمن متقدم كان ذلك حاضرا، كأنه مرّ به بالأمس، والذكاء الذي تسلط به على ما أراد، وحسن القريحة في النظم والنثر،

стр. 7408

أما نثره فلعله في ذروة كان أوج الفاضل لها حضيضا، ولا أرى أحدا يلحقه فيه جودة وسرعة عمل لما يحاوله في أي معنى أراد، وأي مقام توخاه، وأما نظمه فلعله لا يلحقه فيه إلا الأفراد، وأضاف الله تعالى إلى ذلك كله حسن الذوق الذي هو العمدة في كل فن) (١). كان ابن فضل الله العمري ذا ثقافة واسعة، قل أن يتحصل عليها غيره في شتى العلوم والفنون، كان علمه بالتاريخ منقطع النظير، فهو على دراية واسعة بتواريخ ملوك المغول من لدن جنكيز خان وهلمّ جرا، وكذلك بملوك الهند والأتراك، فضلا عن ملوك العرب من الخلفاء والأمراء، وكان متفردا بمعرفة المسالك والممالك وخطوط الأقاليم، ومواقع البلدان وخواصها، يشهد على ذلك كتابه (مسالك الأبصار) هذا، وكذلك علمه بمعرفة الاسطرلاب وحل التقويم وصور الكواكب، وبخطوط الأفاضل وأشياخ الكتابة. انصرف العمري إلى الكتابة والتأليف، وترك وظائف الدولة، وأتيحت له حياة مستقرة مرفهة، فقد رتبت له مرتبات كثيرة بعد تركه عمل السلطان، وعاش في نعمة، وعمّر دارا هائلة بسفح قاسيون بالقرب من الركنية في شرقيها، ليس بالسفح مثلها. ولو امتد به العمر لأعطى عطاء كثيرا فوق عطائه الغزير، فقد توفي وهو في أوج نضجه الفكري والعلمي في الخمسين من العمر، وكانت وفاته بالطاعون، فقد وقع الطاعون بدمشق سنة تسع وأربعين وسبع مائة، ففرق من ذلك وعزم على الحج، واشترى الجمال وبعض الآلات، ثم إنه ترك ذلك وتوجه بزوجته ابنة عمه إلى القدس ومعهما ولداه، وصاموا هناك، فماتت زوجته بالقدس في شهر رمضان، وحضر إلى دمشق وهو طائر العقل، فيوم وصوله برد وحصل له حمّى أضعفته، فتوفي ﵀ يوم عرفة سنة تسع وأربعين وسبع _________ (١) الوافي بالوفيات ٨/ ٢٥٣ - ٢٥٤.

стр. 7409

مائة، ودفن عند والده وأخيه بدر الدين محمد بالصالحية. صنف العمري كتبا كثيرة، وترك تراثا ضخما جليلا بلغت بعض كتبه مجلدات ضخام، ومن أهم كتبه وأوسعها كتابه هذا (مسالك الأبصار في ممالك الأمصار)، في عشر مجلدات كبار، وفي سبعة وعشرين سفرا في التقسيم الأخير الذي منه هذه المصورات، وصنف: (فواضل السمر في فضائل آل عمر) في أربع مجلدات، و (الدعوة المستجابة) في مجلد، و (صبابة المشتاق) وهو ديوان كامل في المدائح النبوية، و (سفرة السفر)، و (دمعة الباكي)، و (يقظة الساهر)، و (نفحة الروض)، و (مختصر قلائد العقيان)، و (النبذة الكافية في معرفة الكتابة والقافية)، و (الشتويات) وهو مجموع رسائل، و (الدائرة بين مكة والبلاد)، و (ممالك عبّاد الصليب)، و (التعريف بالمصطلح الشريف)، وأنشأ كثيرا من التقاليد والمناشير والتواقيع ومكاتبات الملوك، وغير ذلك، ونثره وأسلوبه واضح في كتاب مسالك الأبصار، وخاصة حين يترجم لعلم أو يعلق ويفسر. أما شعره، فقد نظم أشعارا كثيرة منها ما ذكرها في تضاعيف كتبه وفي هذا الكتاب خاصة، ومنها في كتابه صبابة المشتاق، وما ذكرته كتب التراجم التي ترجمت له، ومن أهمها كتاب الصفدي: الوافي بالوفيات والصفدي معاصره وصديقه، نظم العمري القصائد والأراجيز والمقطعات والدوبيت والموشح والزجل، ومن مختار شعره قصيدة في المديح النبوي، نقتطف منها هذه الأبيات: جنحت إليّ مع الأصيل المذهب … والركب ممتدّ الخطى في المذهب واليوم مبيضّ الإزار وإنّما … جنب الإزار مطرّز بالغيهب وعلى الأصائل رقّة فكأنّما … لبست نحول العاشق المتلهّب هذي المدينة أشرقت أعلامها … يهنيكم فزتم بأشرف مطلب

стр. 7410

هذي القباب كأنّهنّ عرائس … مجلوّة سفرت ولم تتنقّب هذا رسول الله جدّوا نحوه … تجدوا النّوال الجمّ والخلق الأبي هذا رسول الله هذا أحمد … هذا النقيّ الجيب هذا مطلبي هذا صباح المهتدي هذا ربي … ع المجتبي هذا شفيع المذنب هذا النّبيّ الهاشميّ المجتبى … من نسل إبراهيم أكرم من أب هذا المصفّى من سلالة آدم … الطيّب بن الطيّب بن الطيّب شرفت به آباؤه وأتت به … أبناؤه والكلّ مثل الكوكب واختاره الله المهيمن ربّه … وحباه بالقربى وعزّ المنصب وصف مخطوطة الكتاب: يتألف هذا الجزء من ١٦٩ ورقة في ٣٣٨ صفحة، في الصفحة ٢٣ سطرا، وفي السطر حوالي ٩ - ١١ كلمة، خطها نسخ واضح مقروء، والعنوانات بخط كبير، بعض الكلمات غير معجمة، فيها شكل قليل، يكثر فيها التحريف والتصحيف واللحن، مما يدل على أن الناسخ غير ضليع بالعربية، أو أنه متعجل فيقع في الوهم والخطأ، ليس في هذا الجزء صفحة العنوان ويبدأ الجزء في الصفحة الثانية بعد البسملة بقوله: (على الله توكلت، وهذا ذكر من تنبّه من أهل هذا البيت، وملك ملكا، وإن كان القليل المنقص، والحقير المنغص، وكيف يرثون الأرض وما ترك جدهم لهم تراثا، أو تعطف عليهم الدنيا وقد طلقها أبوهم، وما ضرهم أن يكون لغيرهم الدنيا وتكون لهم الآخرة، وفيهم النبوة الدائمة، ولسواهم الدول الدابرة، وأول ما نبدأ بالحسنيين ثم بالحسينيين، ثم بمن تعلق بهما). وينتهي الجزء في الصفحة ٣٣٨ وفيها نقص إذ لم ترد فيها الخاتمة ولا اسم الناسخ ولا تاريخ النسخ، وختامها بقطعة من شعر المستظهر عبد الرحمن بن هشام بن عبد الجبار بن عبد الرحمن الناصر، وهي قطعة غزل يقول

стр. 7411

فيها: طال عمر الليل عندي … مذ تولعت بصدّ يا غزالا نقض الود … د ولم يوف بعهد أنسيت العهد إذ … بتنا على مفرش ورد واجتمعنا في وشاح … وانتظمنا نظم عقد وتعانقنا كغصني … ن وقدّانا كقدّ ونجوم الليل تحكي … ذهبا في لازورد وفي آخر الصفحة تعقيبة تقول (وقد تقدم) مما يدل على أن هناك حذفا والكلام موصول. المخطوطة كاملة من الداخل ليس فيها حذف أو بياضات إلا بعض الكلمات في مواضع قليلة، وفي الصفحة ٢١٩ بياض بقدر نصف الصفحة، هناك بعض الخرجات والتصويبات في الحواشي وليست كثيرة. وعلى الرغم من جودة الخط وجماله ووضوحه، إلا أن الناسخ كان متعجلا، وهو قليل الدراية باللغة العربية، فقد جاء في المخطوطة شكل قليل، إلا أن كثيرا منه غير صحيح فلم نعتمده، وكلماتها معجمة ولكن هذا الإعجام غير مضطرد، ففيها كثير من الكلمات المهملة، والإعجام فيها لا يعتمد عليه ففيه كثير من التضليل فقد يكتب الياء ويريد التاء، ويكتب النون ويريد الباء، وهكذا، أما الأخطاء النحوية فكثيرة كثرة ملفتة للنظر، وقد نبهنا إلى بعضها وصححنا البقية دون تنبيه، وكثير من الأشعار المستشهد بها فيها نقص أو تحريف أو خلل في الأوزان، وكذلك أسماء الأعلام فيها المحرف والمغيّر.

стр. 7412

الكتاب ومنهج مؤلفه: تناول هذا الجزء الدول التي قامت في المشرق والمغرب، وبدأ بذكر دول الهاشميين وأولها دولة الحسنيين والحسينيين وتبدأ بدولة المهدي محمد بن عبد الله بن الحسن، وأخيه إبراهيم بن عبد الله بن الحسن، ثم دولة بني طباطبا العلويين، وتداول الحكم من خلفاء هؤلاء اثنا عشر خليفة، ثم الدولة الطبرستانية من أولاد الحسن وأولاد الحسين بن علي بن أبي طالب، وهم ثلاثة خلفاء، ثم دولة الأدراسة بالمغرب، وأول خلفائها إدريس المغرب ابن عبد الله بن الحسن المثنى، وهم خمسة عشر خليفة، ثم الدولة العبيدية الفاطمية في مصر وأولهم المهدي بالله عبيد الله بن محمد الفاطمي، وتداول الحكم من الفاطميين في مصر أربعة عشر خليفة، ثم خليفتان من الحسينيين في الكوفة والحجاز وهما محمد بن محمد بن زيد بن علي بن الحسين بالكوفة، ومحمد بن جعفر الصادق بالحجاز، وذكر بعد ذلك دولة الزنجي علي بن محمد العلوي الذي ظهر في البصرة، أما القرامطة فقد ذكر حركتهم وصفاتهم ومن ولي الأمر منهم وهم سبعة ظهروا بسواد الكوفة، وكل هؤلاء الخلفاء هم من بني هاشم، واستكمالا للهاشميين، بدأ بعد هؤلاء بذكر دولة بني العباس الهاشميين، وهم سبعة وثلاثون خليفة أولهم أبو العباس السفاح عبد الله بن محمد، وآخرهم المستعصم بالله عبد الله بن منصور المستنصر العباسي الذي به انتهت الدولة العباسية وقد قتله المغول واحتلوا البلاد وسبوا العباد، ثم يتسلل من بقي من العباسيين إلى مصر، وينشئون الدولة العباسية في مصر، وكان الخلفاء تحت إمرة الولاة الحاكمين وليس للخلفاء إلا الاسم والرسم، وهم خمسة خلفاء أولهم المستنصر بالله أحمد بن محمد الظاهر العباسي، وبسقوط الخلفاء العباسيين في العراق ومصر تنتهي الدولة العباسية الهاشمية.

стр. 7413

أما بقية الخلفاء الذين جرى ذكرهم في هذا الجزء، فهم خلفاء الدولة العربية الأموية القرشية في الشام وفي الأندلس، وتبدأ الدولة الأموية بالفرع السفياني وهم ثلاثة خلفاء، أولهم معاوية بن أبي سفيان وآخرهم معاوية بن يزيد، ثم تنتقل الخلافة إلى الفرع المرواني من بني أمية، وأولهم مروان بن الحكم، وآخرهم مروان بن محمد، وعدد من حكم من الأمويين بالشام أربعة عشر خليفة، يقضي على آخرهم بنو العباس. ثم ينتقل بنو أمية إلى الأندلس، وتقوم لهم دولة يشيّدها صقر قريش عبد الرحمن الداخل بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان، ويتوالى على الحكم خمسة عشر خليفة آخرهم المعتد بالله هشام بن محمد بن عبد الملك بن عبد الرحمن الناصر، الذي انتهت حياته سنة ٤٢٨ هـ، وبموته انتهت الدولة الأموية بالأندلس. لقد حوى هذا السفر تراجم لأكثر من ١٢٧ خليفة، عرض المؤلف لظروف قيام كل دولة، وسير الخلفاء وحياتهم الخاصة والعامة، والأحداث التي جرت في كل دولة، وعرض للجوانب السياسية والاجتماعية والحضارية، وأسباب ازدهار الحكم، وعوامل سقوط الدول، والمؤلف في كل ذلك يروي الأخبار ويصور السير والأحداث، ويستشهد بالأشعار التي قيلت، ويبين خصائص كل دولة وصفات كل حاكم، مصورا الجوانب الرفيعة المشرقة، وكذلك الجوانب الفاسدة الهابطة من انحراف بعض الخلفاء وميلهم إلى اللهو والمجون والعنف والفساد، وعلى الرغم من كثرة الجوانب السلبية، وفساد الحكم، والصراع على السلطة والقتل والغدر بين الأقارب والأباعد، على الرغم من كل ذلك، فقد تجلى لدى بعض الخلفاء الميل إلى الخير والعدل والزهد والتقوى، وكان منهم من يتأسى ويتابع عمر بن عبد العزيز في زهده وورعه وعدله، سواء من الخلفاء الأمويين أم من العباسيين

стр. 7414

مثل يزيد بن الوليد بن عبد الملك من الأمويين، وعبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن الحكم من الأمويين بالأندلس، والمهتدي بالله محمد بن هارون الواثق بن محمد المعتصم بن هارون الرشيد، من العباسيين على الرغم من تأخر عهدهم وضعف دولتهم. إن هذا السّفر صورة صادقة للحياة العربية في ازدهارها وحضارتها وغناها وانتشارها، وصورة لحياة الأمم وسقوطها وتشتتها وانهيارها، وللمؤلف ابن فضل الله العمري منهج متميز في دراسته وعرضه للأحداث والأخبار، فهو يبدأ كل ترجمة بمقدمة يعرض فيها ملخصا لسيرة صاحب الترجمة، وأهم مميزاته، والظروف والأحداث التي مرت به، بأسلوب أدبي يغلب عليه السجع، وهو أسلوب جميل رفيع يدل على ثقافة عالية ودراية واسعة ومحفوظ كثير، من الأشعار والأمثال والخطب، التي يستعير بعضها ويضمّنها في أسلوبه، ثم بعد هذه المقدمة التي قد تطول وقد تقصر، يذكر أهم صفات الخليفة وسيرته، والأحداث التي شغلته، وبعض رجال عصره، ينقل ذلك من المصادر التي سبقته أو التي عاصرته، ينقل أحيانا ما يختاره نقلا حرفيا، ويلخص في أحيان أخرى، ويصوغ بعضها بأسلوبه، ويشير في كل ذلك إلى الكتب التي أفاد منها، ونقل عنها، وقد ينفرد بمعلومات لا نجدها في كتب التاريخ والأدب، وهو في كل ذلك يلتزم جانب الحياد والموضوعية دون ميل أو تعصب، إلا في الحالات التي يرى أن الفساد قد عمّ فيها وطمّ، وهو في منهجه هذا مثال الباحث الفذ الأصيل الذي يصلح قدوة لكثير من الباحثين المحدثين الذين تنقصهم الأمانة والعدل والموضوعية.

стр. 7415

منهج التحقيق: على الرغم من سعة هذا السفر وضخامته، وما فيه من تراجم كثيرة ونصوص وأشعار غزيرة، وأعلام بعضهم مغمور أو مجهول، لم أجد لهم ترجمة في المصادر المتاحة، وعلى الرغم من الصعوبات التي تعترض كتابا كهذا يتعلق بالتاريخ ورجاله وأحداثه وأزمانه، على الرغم من كل ذلك، فقد وجدت في هذا الكتاب متعة في قراءته وتحقيقه وجلاء غامضه، لما فيه من جيد الأخبار، وجميل الأشعار وجودة المختار من تراجم الأعلام، وقد سرت في التحقيق على الوجه الذي يخدم النص تصويبا وتقويما، وغايتي في ذلك أن أحرّر نصا هو أقرب إلى ما أراده مؤلفه، وقد سرت في التحقيق على الوجه الآتي: ١ - صحّحت النص وقوّمت ما فيه من أخطاء لغوية ونحوية ووهم وتصحيف وتحريف، وقد جاء كثير من الألفاظ والعبارات محرفة أو خالية من الإعجام، أو أن إعجامها غير صحيح، أو كان فيه لحن أو سهو أو خطأ أو نقص، فاستدركت كل ذلك، وأشرت لبعض التصويبات، وقد صححت الأخطاء وأشرت إلى التصويب في الهامش، وقد أغفل الإشارة حرصا على عدم إثقال الهوامش بالتصويبات المتشابهة، وهي كثيرة، ويبدو أن الناسخ كان قليل الدراية بالعربية، وقد تعزى بعض الأخطاء إلى السهو والعجلة، وقد وضعت كل إضافة أو استكمال أو تصويب بين عضادتين []. ٢ - ضبطت الشعر بالشكل وكذلك أسماء الأعلام والكلمات التي بحاجة إلى الضبط دفعا للوهم واللبس، وقد جاءت بعض الكلمات مضبوطة في الأصل وخاصة في الشعر، ولكن بعضها غير صحيح الضبط، وقد يكون ضبطه

стр. 7416

مدعى إلى اللحن. ٣ - أكثر الكلمات في الأصل معجمة، وبعضها مهمل، ولكن الإعجام في كثير من الكلمات غير صحيح، فأعجمت المهمل وصوبت المحرف والمصحف. ٤ - في بعض الأشعار نقص أو خلل في الوزن، فأتممت النقص وصححت الوزن، وأشرت إلى الأبيات التي لم أهتد إلى وجه الصواب فيها. ٥ - خرّجت الشعر بالرجوع إلى الدواوين والمصادر بالقدر الذي أسعفت فيه المصادر، وبينت بحور الشعر لكل قصيدة أو قطعة أو بيت. ٦ - بيّنت معاني الكلمات الغامضة والعبارات التي تحتاج إلى شرح وتوضيح. ٧ - ترجمت للأعلام الذين لهم صلة بالمضمون، وقد جاءت بعض أسماء الأعلام محرفة، فصحّحتها بالرجوع إلى كتب التراجم. ٨ - ترجمت للمواضع والبلدان، وعرفت بالجماعات أو الشعوب حين تدعو الضرورة لذلك. ٩ - هناك نقص في بعض نصوص الكتاب نتيجة للاختصار أو التلخيص أو السقط، فأكملت النقص بالرجوع إلى كتب التاريخ المنقول عنها، وقد ترد عبارات هي خلاف المعنى المراد، فصحّحت ذلك وأرجعت العبارات إلى أصلها ووجّهتها الوجهة الصحيحة بالرجوع إلى المصادر، وقد نبّهت إلى كل ذلك في الهامش. وبعد، فبتوفيق من الله تعالى، لم آل جهدا، ولم أدخر وسعا في سبيل خدمة هذا السفر الجليل، وقد انصرفت إليه بكلي، وأعطيته عزيز وقتي وبقية

стр. 7417

عمري، مقرنا ليلي بنهاري، راجيا أن أكون قد أدركت بعض ما سعيت إليه من خدمة تراث الأمة الجليل، فإذا بلغت الغاية أو بعضها فلله الحمد على ما أعان ووفق، وإن قصرت وضللت، فسبحان من له الكمال وحده، ومن الله العون، وبه التوفيق. والحمد لله أولا وآخرا. ٣ جمادى الآخرة ١٤٢٢ هـ ٢٢ آب (أغسطس) ٢٠٠١ حقّقه يحيى وهيب الجبوري

стр. 7418

صور من الأصل المخطوط

стр. 7419

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ على الله توكلت وهذا ذكر من تنبه من أهل هذا البيت، وملك ملكا، وإن كان القليل المنقص، والحقير المنغص وكيف يرثون الأرض، وما ترك جدهم لهم تراثا، أو تعطف عليهم الدنيا وقد طلقها أبوهم ثلاثا، وما ضرهم أن يكون لغيرهم الدنيا، وتكون لهم الآخرة، وفيهم النبوة الدائمة ولسواهم الدول الدائرة، وأول ما نبدأ بالحسنيين ثم بالحسينيين، ثم بمن تعلق بهما. فدول الحسنيين أولها، وفيها من تقدم في النسب ذكرهم. ١ - ذكر دولة المهديّ محمد بن عبد الله (١) بن الحسن بن الحسين بن علي بن أبي طالب، تقدم

стр. 7420

ذكره في موضعه من النسب، وكان يلقب النفس الزكية، وكان أبو جعفر المنصور قد بايعه في الدولة الأموية، وأعطاه يمينه، وأعطاه في عقد المبايعة يمينه، وكان برّا تقيا طاهرا زكيا، ولهذا كان يسمّى النفس الزكية، ولم يقدر له ظهور في تلك الأيام الأول، ولا على عهد السفاح، فلما قبض المنصور على أبيه خرج عليه بالمدينة، واحتج عليه بمبايعته المتقدمة، ودارت بينهم كتب بديعة في إقامة الحجج، وكان المنصور فيها الألد الخصم والأشد عقدا لا ينفصم، وكان محمد بن عبد الله أيّدا (١)، شرد لأبيه جمل فعدا جماعة خلفه فلم يلحقه أحد سواه، فأمسك بذنبه، فلم يزل يجاذبه حتى انقلع، فرجع بالذنب في يده، وكان يطلب الخلافة أيام بني أمية ويزعم أنه المهديّ المبشّر به، وكان نهاية في العلم والزهد والشجاعة، وأقام سنين مستترا في جبال طيء (٢)، مرة يرعى الغنم ومرة يعمل في المهن، وأمسك المنصور أباه وعمه وطائفة من أهله لاحضاره وإحضار أخيه إبراهيم فجحدوا معرفتهما، فحبسهم عليه، ويقال إن المنصور كان قد بايع أباه عبد الله ومحمدا ابنه بعده، وكانت له جارية معها ابن له صغير برضوى (٣) ولد له في حال تستره [ص ٣] فردّى (٤) نفسه من الجبل، فقال فيه أبوه: [السريع] منخرق الخفين يشكو الوجى … تبكيه أطراف مرو حداد

стр. 7421

شرودة الخوف وأزرى به … كذاك من يكره حرّ الجلاد قد كان في الموت له راحة … والموت حتم في رقاب العباد رواها له ابن مسكويه، وقد رويت لغيره، ولمّا أتاه جيش المنصور تقدمه عيسى بن موسى (١)، خندق عليه الخندق النبوي، وكان يبرز ويرتجز، وهو يقول: [الرجز] لا عار في الغلب على الغلاّب … والليث لا يخشى من الذئاب فلما رأى تضاؤل أمره أقال الناس بيعته، وكسر ذا الفقار (٢) وكان قد صار إليه، وأحرق الكتب التي كانت ترد عليه بالبيعة خوفا عليه من المنصور، ثم قاتل حتى غدا حجار الزيت، وحزّ رأسه وحمل إلى المنصور، وقال المنصور لإسحاق بن منصور العقيلي، وكان ذا تجريب لا يكهم (٣)، وتدريب له يلهم: أشر عليّ في خارجي خرج عليّ؟ قال: صف لي الرجل؟ فقال: رجل من ولد فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، ذو علم وزهد وورع، قال: من تبعه؟ قال: ولد علي، وجعفر، وعقيل، وعمر بن الخطاب، والزبير بن العوام، وسائر قريش، وأولاد الأنصار، فقال: صف لي البلاد التي خرج فيها، فقال: بلد

стр. 7422

ليس فيه زرع ولا ضرع ولا تجارة واسعة، قال: يا أمير المؤمنين، اشحن البصرة بالرجال، فقال المنصور: هذا شيخ قد خرف، أسائله عن خارجي المدينة فيقول: اشحن البصرة بالرجال، فلم يكن إلا يسيرا حتى أتاه الخبر بخروج إبراهيم بن عبد الله بالبصرة، فقال المنصور: عليّ بالعقيلي، فذكّره بما كان قال، ثم قال له: هل كان عندك من هذا علم؟ قال: لا، ولكني لما ذكرت لي خروج رجل إذا خرج مثله لم يتخلف عنه أحد، ثم ذكرت البلد الذي خرج به، فإذا هو لا يحتمل الجيوش، فعلمت أنه سيطلب غير [ص ٤] بلده، ففكّرت في مصر، فوجدتها مضبوطة، وفي الشام والكوفة فوجدتهما كذلك، ثم فكرت في البصرة فوجدتها خالية، فخفت عليها، فقال له المنصور: أحسنت، وقد خرج بها أخوه، فما الرأي في صاحب المدينة، قال ارمه بمثله، إذا قال هذا: أنا ابن بنت رسول الله، قال الآخر: أنا ابن عم رسول الله، فقال المنصور لعيسى بن موسى: أما أني أخرج إليه أو أنت، فقال: بل أنا أفديك بنفسي، فخرج فنصر عليه، كما تقدم ذكره. ٢ - ذكر دولة أخيه إبراهيم بن عبد اللّه بن الحسن (١) وكان خروجه بالبصرة، وكان لعيسى بن موسى عليه النصرة، وكان

стр. 7423

مدره (١) خصام، وبدرة صمصام (٢) بقلب قلّب، ولسان ليست عارضته بخلّب (٣)، وجبل يدق على الكيد، ويقوى على الأيد، لولا إفراط شغفه بالنساء، وكلفه بذوات السناء، وما اقتفاه (٤) من سنة مصعب بن الزبير في المغالاة في مهورهن، وترك بوارق السيوف لإيماض ثغورهنّ، وإلا فقد كان طعم علقم إذا غضب، ومس أرقم (٥) إذا وثب، ومن كنوز المطالب أنه كان تلو أخيه في شدة البدن والعبادة، وحب العزلة وطلب العلم، وهو أشعر من أخيه، وظهرت له شجاعة وطول صبر على الاغتراب برا وبحرا، حتى إنّه دخل على المنصور في هيئة منتصح، وقد أخفى شكله، وقال له: مالي عندك إن جئتك بإبراهيم بن عبد الله، فوعده بإحسان جزيل، فطلب منه أن يكتب إلى ولاة البحر الفارسي بالإعانة في مقاصده حيث توجه، فكتب له الكتب وأوصى الولاة به فتمكن بذلك من الهرب، وبث الدعوة إلى أن أحكم أمره، ثم أتى البصرة، حتى أبطل بناء بغداد، وأعد الجهازات للهرب إلى خراسان، لما رأى من إفراط إقبال الناس عليه وإعراضهم عنه، إلى أن هزمه عيسى بن موسى، وقتله في المعركة، فعاد المنصور إلى بناء مدينته، وقال: الآن عرفت رأسي أنه لي، ولم يخطب له بإمرة أمير المؤمنين إلا بعد مقتل [ص ٥] أخيه، وكان خروجه وخروج أخيه في سنة خمس وأربعين ومائة. ومن كتاب تجارب الأمم أنه قاسى شدائد في اختفائه، حتى إنه أكل على موائد المنصور، ووجد في بيت مال البصرة ألفي ألف درهم، فتقوّى بها، وصارت له فارس والأهواز، وكان الملتقى بينه وبين

стр. 7424

جيش المنصور على باخمرا (١) من بلاد الكوفة، فانهزم حميد بن قحطبة، وناشده عيسى بن موسى في الثبات، فلم يثبت، ولم يبق معه إلا ثلاثة، واتفق من الحديث الغريب أن المنهزمين من جيش المنصور رأوا قدامهم نهرا لم يقدروا على خوضه، فرجعوا فظن أصحاب إبراهيم أنهم قد ردوا عليهم، فانهزموا بعد أن حصلوا على الظفر، ومن شعره قوله في رقية بنت الديباج العكانية وكان قد تزوج بها، وكان كلفا بها: [الطويل] رقيّة همّ النفس لا ذقت فقدها … فها أنا ذا شوق لها وهي حاضر وقالوا غدت شغلا له عن أموره … ولو أبصروها لم يردوا معاذر وقوله وقد اعتلّ أخوه: [الطويل] شكوت فعمّ السّقم من كان مؤمنا … كما عمّ خلق الله نائلك الغمر فيا ليتني كنت العليل ولم تكن … عليلا وكان السّقم لي ولك الأجر وقوله في رثاء أخيه: [البسيط] أبا المنازل ما هلك الفوارس من … يفجع بمثلك في الدنيا فقد فجعا الله يعلم أنّي لو خشيتهم … أوانس القلب من تلقائهم فزعا

стр. 7425

لم يقتلوك ولم أسلم أخي لهم … حتى نعيش جميعا أو نموت معا وقوله فيه: [الطويل] سأبكيك بالبيض الرقاق وبالقنا … فإنّ بها ما يدرك الواتر الوترا وإنّا أناس لا تفيض دموعنا … على هالك منّا وإن قصم الظّهرا ولسنا كمن يبكي أخاه بعبرة … يعصّرها من جفن مقلته عصرا [ص ٦] ولكنني أشفي فؤادي بغارة … تلهب في قطري كتائبها جمرا ومن نثره قوله: «وقد قيل لقد تهتكت في النساء، حبّ النساء سنّة نبوية، لم تعطّل رسول الله ﷺ عن إدراك الظفر، ولم تحل بينه وبين بلوغ الوطر، وإنّ أعجز الناس من قعدت به لذات الدنيا عن البلوغ إلى مراقي العليا، و [ما] انهضم من جمع بين إدراك لذاته والفوز بالبلوغ إلى غاياته، عقد الله عنا ألسنة العوام، وأغمد عنهم سيوفنا بالطاعة وحسن الالتئام». وقوله في خطبة خطبها يوم عيد: «اللهمّ إنّك اليوم ذاكر أبناء بآبائهم، فاذكرنا عندك بمحمد ﷺ ، يا حافظ الآباء في الأبناء احفظ ذرية نبيك»، قال: فلم يقلها حتى اشتد بكاء الناس. وقوله وقد قيل له حين أشرف على القتل: ألا تفر وأمامك فارس والأهواز، وهما تحت طاعتك؟ فقال: «من فرّ من أهل بيتي حتى أفرّ، أتريدون أن أكون أول من فتح هذا الباب على الفاطميين؟ لا والله، إن خلقت إلا لسلّ السيوف، وشقّ الصفوف، وتجرع الحتوف، والمعاد إلى الله، وهو أعدل الحاكمين».
следующие страницы →