شرودة الخوف وأزرى به … كذاك من يكره حرّ الجلاد
قد كان في الموت له راحة … والموت حتم في رقاب العباد
رواها له ابن مسكويه، وقد رويت لغيره، ولمّا أتاه جيش المنصور تقدمه عيسى بن موسى (١)، خندق عليه الخندق النبوي، وكان يبرز ويرتجز، وهو يقول:
[الرجز]
لا عار في الغلب على الغلاّب … والليث لا يخشى من الذئاب
فلما رأى تضاؤل أمره أقال الناس بيعته، وكسر ذا الفقار (٢) وكان قد صار إليه، وأحرق الكتب التي كانت ترد عليه بالبيعة خوفا عليه من المنصور، ثم قاتل حتى غدا حجار الزيت، وحزّ رأسه وحمل إلى المنصور، وقال المنصور لإسحاق بن منصور العقيلي، وكان ذا تجريب لا يكهم (٣)، وتدريب له يلهم: أشر عليّ في خارجي خرج عليّ؟ قال: صف لي الرجل؟ فقال: رجل من ولد فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، ذو علم وزهد وورع، قال: من تبعه؟ قال: ولد علي، وجعفر، وعقيل، وعمر بن الخطاب، والزبير بن العوام، وسائر قريش، وأولاد الأنصار، فقال: صف لي البلاد التي خرج فيها، فقال: بلد
стр. 7422
ليس فيه زرع ولا ضرع ولا تجارة واسعة، قال: يا أمير المؤمنين، اشحن البصرة بالرجال، فقال المنصور: هذا شيخ قد خرف، أسائله عن خارجي المدينة فيقول:
اشحن البصرة بالرجال، فلم يكن إلا يسيرا حتى أتاه الخبر بخروج إبراهيم بن عبد الله بالبصرة، فقال المنصور: عليّ بالعقيلي، فذكّره بما كان قال، ثم قال له: هل كان عندك من هذا علم؟ قال: لا، ولكني لما ذكرت لي خروج رجل إذا خرج مثله لم يتخلف عنه أحد، ثم ذكرت البلد الذي خرج به، فإذا هو لا يحتمل الجيوش، فعلمت أنه سيطلب غير [ص ٤] بلده، ففكّرت في مصر، فوجدتها مضبوطة، وفي الشام والكوفة فوجدتهما كذلك، ثم فكرت في البصرة فوجدتها خالية، فخفت عليها، فقال له المنصور: أحسنت، وقد خرج بها أخوه، فما الرأي في صاحب المدينة، قال ارمه بمثله، إذا قال هذا: أنا ابن بنت رسول الله، قال الآخر: أنا ابن عم رسول الله، فقال المنصور لعيسى بن موسى:
أما أني أخرج إليه أو أنت، فقال: بل أنا أفديك بنفسي، فخرج فنصر عليه، كما تقدم ذكره.
٢ - ذكر دولة أخيه إبراهيم بن عبد اللّه بن الحسن (١)
وكان خروجه بالبصرة، وكان لعيسى بن موسى عليه النصرة، وكان
стр. 7423
مدره (١) خصام، وبدرة صمصام (٢) بقلب قلّب، ولسان ليست عارضته بخلّب (٣)، وجبل يدق على الكيد، ويقوى على الأيد، لولا إفراط شغفه بالنساء، وكلفه بذوات السناء، وما اقتفاه (٤) من سنة مصعب بن الزبير في المغالاة في مهورهن، وترك بوارق السيوف لإيماض ثغورهنّ، وإلا فقد كان طعم علقم إذا غضب، ومس أرقم (٥) إذا وثب، ومن كنوز المطالب أنه كان تلو أخيه في شدة البدن والعبادة، وحب العزلة وطلب العلم، وهو أشعر من أخيه، وظهرت له شجاعة وطول صبر على الاغتراب برا وبحرا، حتى إنّه دخل على المنصور في هيئة منتصح، وقد أخفى شكله، وقال له: مالي عندك إن جئتك بإبراهيم بن عبد الله، فوعده بإحسان جزيل، فطلب منه أن يكتب إلى ولاة البحر الفارسي بالإعانة في مقاصده حيث توجه، فكتب له الكتب وأوصى الولاة به فتمكن بذلك من الهرب، وبث الدعوة إلى أن أحكم أمره، ثم أتى البصرة، حتى أبطل بناء بغداد، وأعد الجهازات للهرب إلى خراسان، لما رأى من إفراط إقبال الناس عليه وإعراضهم عنه، إلى أن هزمه عيسى بن موسى، وقتله في المعركة، فعاد المنصور إلى بناء مدينته، وقال: الآن عرفت رأسي أنه لي، ولم يخطب له بإمرة أمير المؤمنين إلا بعد مقتل [ص ٥] أخيه، وكان خروجه وخروج أخيه في سنة خمس وأربعين ومائة. ومن كتاب تجارب الأمم أنه قاسى شدائد في اختفائه، حتى إنه أكل على موائد المنصور، ووجد في بيت مال البصرة ألفي ألف درهم، فتقوّى بها، وصارت له فارس والأهواز، وكان الملتقى بينه وبين
стр. 7424
جيش المنصور على باخمرا (١) من بلاد الكوفة، فانهزم حميد بن قحطبة، وناشده عيسى بن موسى في الثبات، فلم يثبت، ولم يبق معه إلا ثلاثة، واتفق من الحديث الغريب أن المنهزمين من جيش المنصور رأوا قدامهم نهرا لم يقدروا على خوضه، فرجعوا فظن أصحاب إبراهيم أنهم قد ردوا عليهم، فانهزموا بعد أن حصلوا على الظفر، ومن شعره قوله في رقية بنت الديباج العكانية وكان قد تزوج بها، وكان كلفا بها:
[الطويل]
رقيّة همّ النفس لا ذقت فقدها … فها أنا ذا شوق لها وهي حاضر
وقالوا غدت شغلا له عن أموره … ولو أبصروها لم يردوا معاذر
وقوله وقد اعتلّ أخوه:
[الطويل]
شكوت فعمّ السّقم من كان مؤمنا … كما عمّ خلق الله نائلك الغمر
فيا ليتني كنت العليل ولم تكن … عليلا وكان السّقم لي ولك الأجر
وقوله في رثاء أخيه:
[البسيط]
أبا المنازل ما هلك الفوارس من … يفجع بمثلك في الدنيا فقد فجعا
الله يعلم أنّي لو خشيتهم … أوانس القلب من تلقائهم فزعا
стр. 7425
لم يقتلوك ولم أسلم أخي لهم … حتى نعيش جميعا أو نموت معا
وقوله فيه:
[الطويل]
سأبكيك بالبيض الرقاق وبالقنا … فإنّ بها ما يدرك الواتر الوترا
وإنّا أناس لا تفيض دموعنا … على هالك منّا وإن قصم الظّهرا
ولسنا كمن يبكي أخاه بعبرة … يعصّرها من جفن مقلته عصرا [ص ٦]
ولكنني أشفي فؤادي بغارة … تلهب في قطري كتائبها جمرا
ومن نثره قوله: «وقد قيل لقد تهتكت في النساء، حبّ النساء سنّة نبوية، لم تعطّل رسول الله ﷺ عن إدراك الظفر، ولم تحل بينه وبين بلوغ الوطر، وإنّ أعجز الناس من قعدت به لذات الدنيا عن البلوغ إلى مراقي العليا، و [ما] انهضم من جمع بين إدراك لذاته والفوز بالبلوغ إلى غاياته، عقد الله عنا ألسنة العوام، وأغمد عنهم سيوفنا بالطاعة وحسن الالتئام».
وقوله في خطبة خطبها يوم عيد: «اللهمّ إنّك اليوم ذاكر أبناء بآبائهم، فاذكرنا عندك بمحمد ﷺ ، يا حافظ الآباء في الأبناء احفظ ذرية نبيك»، قال: فلم يقلها حتى اشتد بكاء الناس.
وقوله وقد قيل له حين أشرف على القتل: ألا تفر وأمامك فارس والأهواز، وهما تحت طاعتك؟
فقال: «من فرّ من أهل بيتي حتى أفرّ، أتريدون أن أكون أول من فتح هذا الباب على الفاطميين؟ لا والله، إن خلقت إلا لسلّ السيوف، وشقّ الصفوف، وتجرع الحتوف، والمعاد إلى الله، وهو أعدل الحاكمين».
стр. 7426
وقوله: «كلّ منطق ليس فيه ذكر فهو لغو، وكلّ نظر ليس فيه عبرة فهو غفلة، وكلّ سكوت ليس فيه تفكّر فهو سهو، فطوبى لمن كان منطقه ذكرا، ونظره عبرا، وسكوته تفكّرا، ووسعه بيته، وبكى على خطيئته، وسلم المسلمون منه».
стр. 7427
ذكر بني طباطبا
ومنهم الأئمة باليمن، وليس بغير اليمن إلا الخارج بالكوفة، وهو المبدا بذكره:
٣ - محمّد بن إبراهيم العلويّ
بهذا يعرف، وهو أبو عبد الله محمد بن إبراهيم (١) طباطبا بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، بويع بالخلافة يوم الخميس العاشر من جمادى الأولى سنة تسع وتسعين ومائة، وكان إمام صدق لو قام، وغمام ودق لو دام، أزهد من أويس (٢)، وأحلم [ص ٧] من
стр. 7428
قيس (١)، وأكرم من حاتم (٢)، وأشجع من قاسم (٣)، وأشبه بآبائه من الغراب بالغراب، وفي آبائه من الناب بالناب، عليه من سيماء سلفه شمائل، ومن بقايا سيف جده ذي الفقار مثله، إلا أنه لم يعلق بحمائل، إلا أنه كان غرا شابا برونق شبابه مغرى، ما عركته الأيام عرك الأديم، ولا عرفته كيف يخادع اللئيم، حتى يحذر من يأمن، ويتشاءم بمن يتيامن، فلا يدخل عليه داخل، ولا يغتال من داخل.
قال الطبري: ووافاه في ذلك اليوم أبو السرايا السري بن منصور (٤)، ولقبه
стр. 7429
الأصفر، فقام بحربه وتدبيره، وكان سبب قيامه ومبايعة أهل الكوفة إياه، أن المأمون عزل طاهر بن الحسين (١) عما كان عليه من أعمال البلدان التي افتتحها، وصرفها إلى الحسن بن سهل (٢)، فتحدث الناس بأن ابن سهل غلب على المأمون، وحجر عليه، واستبد عليه بالأمور، فهاجت الفتنة بالأمصار، وكان أول من خرج وثار ابن طباطبا، فبايعه أهل الكوفة، واستوسق له (٣) أمرها، وأتته الوفود، وكثرت له الجموع، وكان عامل الكوفة من قبل سليمان بن جعفر (٤)،
стр. 7430
وخليفته عليها خلاد بن محجن الدؤلي، فلما سمع ابن سهل بثورة ابن طباطبا، كتب إلى سليمان المذكور يعنفه ويضعفه، وجهز جيشا من عشرة آلاف فارس وراجل، وأمّر عليهم زهير بن المسيب (١) وأمره بقتال ابن طباطبا، فسار زهير بجيوشه حتى نزل قرية ساهي، قريبا من الكوفة، فخرج إليه محمد ابن طباطبا، ومعه أبو السرايا، واقتتلوا قتالا شديدا، أذابوا فيه جندلا وحديدا، ثم انهزم زهير هزيمة شنيعة، واستباح ابن طباطبا عسكره جميعه، وأخذ ما كان معه من مال وسلاح وكراع، ثم إن أبا السرايا ندم على إقامة ابن طباطبا فسمّه، فأصبح ميتا، ومن كنوز المطالب أنه مرض وأتاه أبو السرايا يعوده، وقال له: أوصني، فأوصاه وصية بليغة (٢)، وذكرها وذكر له شعرا منه قوله:
[الوافر]
أينقص حقّنا في كلّ وقت … على قرب ويأخذه البعيد [ص ٨]
فياليت التقرب كان بعدا … ولم تجمع مناسبنا الجدود
قال الشريف الغرناطي (٣): ثم قام من بعده رجل من بني الحسين يأتي ذكره
стр. 7431
إن شاء الله تعالى.
وقال مؤلف كنوز المطالب، وقد ذكر بني الحسن المثنى، فذكر منهم إبراهيم الغمر، قال: ولقّب بهذا لسعة جوده، وكان فيمن حمل مصفدا بالحديد من المدينة إلى الأنبار، وكان يقول لأخويه عبد الله والحسن: أعوذ بالله من منى طبهن منايا، تمنينا ذهاب سلطان بني أمية، واستبشرنا بسلطان بني العباس، ولم يكن قد انتهت بنا الحال إلى ما نحن عليه، والعقب منه، فمنى ابنه إسماعيل الديباج، ولقّب بهذا لجماله، كما لقّب محمد بن عبد الله (١) بن عمرو بن عثمان بن عفان، وكذلك كان يقال لمحمد بن عبد الله بن الحسن، والعقب منه في رجلين، وهما: إبراهيم طباطبا، والحسن تج (٢).
فأما طباطبا ففي بنيه كان طلب الإمامة والنباهة، والعلم والشعر والأدب، وذكر بنيه فقال: أصل هذه الشجرة أبو محمد القاسم الرسي بن طباطبا (٣)، والرس (٤) ضيعة كانت له بالمدينة، لم يسمح له المنصور بالمقام بها، في كفاف
стр. 7432
من العيش، حتى طلبه ففر إلى السند (١) وقال:
[البسيط]
لم يروه ما أراق النعي من دمنا … في كل أرض ولم يقصد من الطلب
وليس يشفي غليلا في حشاه سوى … ألا ترى فوقها ابنا لبنت نبي
وكتب صاحب السند إلى المنصور يخبره أنه وجد في بعض خانات الموليان مكتوبا بقول القاسم بن إبراهيم طباطبا العلوي: انتهيت إلى هذا الموضع بعد أن مشيت حتى انتعلت الدم، وقد قلت:
[الطويل]
عسى منهل يصفو فيروي ظميه … أطال صداها المنهل المتكدر
عسى جابر العظم الكسير بلطفه … سيرتاح للعظم الكسير فيجبر
عسى صور أمسى لها الجور دافنا … سيبعثها عدل يجيء فيظهر
عسى الله لا ينأى من الله إنه … ييسّر منه ما يعزّ ويعسرا [ص ٩]
فكتب إليه المنصور: قد فهمت كتابك، وأنا وعليّ وأهله كما قيل:
[الطويل]
يحاول إذلال العزيز لأنه … بدأنا بظلم واستمرت مرائره
ولما أنشد مؤلف الكنوز للقاسم بن طباطبا قوله:
[الوافر]
أرقت لبارق ما زال يسري … ويبكيني بمبسم أمّ عمرو
فلم يترك وعيشك لي دموعا … بأجفاني ولا قلبا بصدر
стр. 7433
قال: والعقب منه في ثمانية، أولاهم بالتقدم:
الحسين الزاهد ومن نسله أئمة صعدة، قلت: هم الأئمة باليمن إلى زماننا، وأصل شجرتهم المباركة:
٤ - الهادي يحيى بن الحسين بن القاسم بن طباطبا (١)
خطب له بإمرة المؤمنين في حال أبيه، وكان يقال له في الدعاء على المنبر:
اللهم اهد لطاعتك وأقم بالعدل في بريتك الإمام الهادي أمير المؤمنين يحيى بن الأمير الزاهد العالم الحسين بن أبي محمد القاسم، ثمرة الشجرة النبوية، وبركة الذرية الفاطمية.
وبويع بعده لثمان بقين من المحرم سنة ثمان وثمانين ومائتين، والخليفة إذ ذاك المعتضد (٢)، وكان أول ما عرف من أدبه، وعلم من شرف مطلبه أن أهديت إليه جارية تليق به، فقال:
[الكامل]
كفّي لحاظك ليس هذا وقتها … بل وقت كلّ مهنّد وسنان
أمطاعن الآساد في غاباتها … حاشا ترود مرابض الغزلان
ثم أعادها إلى سيدها، وقال له: هذه بضاعتك ردت إليك، وهذا نظير ما
стр. 7434
رمته من الفائدة في إهدائها، وله مصنفات في الفقه وأدب طائل، قال وهو يخطب: من كمال (١) إيمانك أن تكون مأموما لرجل اجتمعت فيه شروط الإمامة، التي أولها النسب العلوي، فما استحقنا من قبلنا إلا بما رووه عن جدنا ﷺ : «قدموا قريشا ولا تقدموها» (٢) فكيف لا تقدم قريش أبناء بنت رسول الله ﷺ ، بل غمطوهم حقهم، ومنعوهم فيئهم، وتقدموا بهم عليهم [ص ١٠]، وله شعر، منه قوله:
[الطويل]
بني حسن إني نهضت بثأركم … وثأر كتاب الله والحقّ والسنن
وصيّرت نفسي للحوادث عرضة … وغبت عن الإخوان والأهل والوطن
لأدراك ثأرا أو لأقمع ظالما … أشدّ على الإسلام من عابد الوثن
فإن يك خيرا فهو خير لكلكم … وإن تكن الأخرى فإنّا ذوو محن (٣)
وتوفي بصعدة (٤) في ذي الحجة سنة ثمان ومائتين. وولي بعده ابنه:
٥ - محمّد المرتضى (٥)
وكان خطيبا شاعرا، ولما قام بالأمر اضطرب عليه الناس، ومن شعره قوله:
стр. 7435
[الرمل]
كدر الورد علينا والصدر … فعل من يدرك حقا وكفر (١)
أيها الأمة عودي للهدى … ودعي عنك أحاديث السّمر
عدمتني البيض والسمر معا … وتبدلت رقادي بسهر
لأجرّنّ على أعدائنا … نار حرب بضرام وشرر
وتوفي في عاشوراء سنة عشرين وثلثمائة.
وولي بعده أخوه:
٦ - أحمد النّاصر ابن الهادي (٢)
وله شعر فائق، منه قوله يخاطب أسعد بن يعفر التبعي ملك صنعاء:
[الطويل]
أعاشق هند شفّ قلبي المهنّد … به أبصرت عيني المعالي تشيّد
إذا جمعت قحطان أنساب مجدها … فيكفي معدّا في المعالي محمّد
به استبعدت أقيالها في بلادها … وأصبح فيها خالق الخلق يعبد
وسرنا لها في حال عسر ووحدة … فصرنا على كرسي صعدة يصعد
فإن رجعوا للحقّ قلنا بأنّنا … لدين الهدى وجه ومنهم لنا يد
стр. 7436
ولكن أبوا إلا لجاجا وقد رأوا … بأنّ عليهم كلّ حين نسوّد
ولا منبر إلا لنا فيه خطبة … ولا عقد ملك دوننا الدهر يعقد
وتوفي في صفر سنة ثلاث وعشرين وثلاث مائة، وولي بعده ابنه الحسين [ص ١١] المنتجب، ومات سنة تسع وعشرين وثلاثمائة، وولي بعده أخوه القاسم المختار بن الناصر، وقتله أبو القاسم ابن الضحاك الهمداني في شوال سنة أربع وأربعين وثلاث مائة، وولي بعده أخوه محمد الهادي، ثم أخوه العباس الرشيد، ثم استولى عليهم بنو حمزة الآتي ذكرهم، وشردوا هؤلاء إلى جبل قطابة (١) باليمن، ولم يزل لهم به إمام قائم، وبنو حمزة تحاربهم، حتى قام منهم أحمد بن الحسين (٢) المرطي سنة خمس وأربعين وست مائة، وأخذ صعدة كرسي آبائه، وأذهب دولة بني حمزة، واستولى على قريب [من] عشرين حصنا، وخطب خطبة عاب فيها بني العباس لتعطيلهم الحج على سعة ما لهم وملكهم، ثم قالوا: إنّا لا نملك إلا هذه الرقعة القريبة، وقد علت همّتنا لأن نقيم مسار الإسلام، ونعزم على الحج في هذا العام، فاستعدوا له كل الاستعداد،
стр. 7437
فاحتاج المظفر بن رسول (١) صاحب اليمن إلى مداراته، وكتب إلى المستعصم، يحركه على إقامة الحج، وله شعر منه قوله:
[الكامل]
ولقد أقول لهم غداة المنحنى … والخيل تعثر بالقنا المتحطّم
أنا أحمد سأقيم سنّة أحمد … ووصاته بين الحطيم وزمزم
٧ - ذكر دولة القائم بالمدينة أبي عبد اللّه محمّد بن الحسن (٢)
ابن محمد بن إبراهيم بن الحسن بن زيد بن علي بن الحسن بن علي بن أبي طالب ثار بالمدينة وتغلب عليها، وبويع بها، وسوّد السيرة وأساء في قبح الفعال مسيره، وقتل كثيرا من أهل المدينة، وسبى نساءها، ونهب أموالها، وأظهر الفسق والفجور، وأنواع اللهو وشرب الخمور، وتظاهر بهذه الفضائح في مسجد رسول الله ﷺ نهارا وزنى فيه، وما تخفى استتارا، وأباد الناس بالسيف والجوع، ولم يدع إلا من بان أنه الموجوع، ومنع الجماعة والجمعة، ودنس شرف تلك البقعة، ولم ير في أيامه صلاة قائمة في المسجد تؤدى نافلة ولا فرضا، ولا من يذكر الصاحبين [ص ١٢] ﵄ إلا بما
стр. 7438
لا يرضي، فضاق الخلق ذرعا، ولم يطيقوا له دفعا، فغزاه المعتمد (١)، فظفر به وقتله، وكانت مدته في هذا النسق سنة وأشهرا، فسبحان من لا يعجل بمؤاخذة من اجترأ، وفي الحديث: (إن الله ليمهل الظالم حتى إذا أخذه لم يكن يفلته) (٢)، ولهذا كل ظالم يطرقه ضحى، إن لم يبيته.
٨ - ذكر دولة السّفّاك إسماعيل (٣)
ابن يوسف بن إبراهيم بن موسى الجون، ذكره مؤلف الكنوز، وحل في ذكره
стр. 7439
الرموز، قال: كان يلقب نفسه السفاك، ويرضى هذا الاسم لنفسه، ويقول:
ابتديت دولة بني العباس بالسفاح، ويبتدي دولة بني علي بالسفاك، وكان يرحل وينزل في أكناف الحجاز، وثار في جموع جمعها، وجنود معه أطمعها، وزحف على المدينة ليطرد عنها ولاة المعتز، فحموها، فأتى مكة وملكها، وخطب لنفسه بها بالخلافة، وسفك الدماء، ومنع الحجاج الوقوف، ووقف بالمأزمين (١)، وقال: من تبرأ من العمين وسب بني العباس وبني أمية خلّي، وإلا فالسيف، وقيل له أسرفت في قتل المسلمين، فقال: لو اعتقدت أنهم مسلمون ما قتلت منهم أحدا، ثم كان ينشد شعرا منه:
[الوافر]
بنو العباس لو أني بسيفي … قتلت جميعهم لم أشف نفسي
٩ - ذكر دولة الكبير ومنهم أهل الينبع
وسنذكر من أين نمي أصلهم، وهم من ولد أبي الكرام عبد الله بن موسى (٢) الجون بن عبد الله الكامل بن الحسن المثنى، وكان عبد الله هذا له
стр. 7440
صيت بالحرمين، فلما حج الرشيد وزار، أبصر ميل الناس إليه فحمل، حقد هذا عليه، ثم أتى الرشيد قبر النبي ﷺ ، قال كالمتكبر على رؤوس الأشهاد: السلام عليك يا ابن عمّ، فعارضه لوقته أبو الكرام، وقال: السلام عليك يا أبة، فكاد الرشيد يتميز من الغيظ، وقال: بهذا ارتكبنا من بني علي ما ارتكبناه، ثم طرده، فمات لا يعرف له مكان.
ومن بنيه الكراميون [ص ١٣]، ومنهم الصالحيون، وصالح وابنه شاعران جليلان، فأما صالح بن أبي الكرام، فهو الجوّال، وسمّي بذلك لأنه جال أقطار الأرض لخوفه، ونشأ بالمدينة والإمامة في رأسه والدعا [ة] تأتيه، ولم يمكنه الخروج لجزيرة العرب، فخرج بخراسان، فحمل إلى المأمون، فلما دخل عليه لامه، وقال: ما حملك على الخروج عليّ، وأنت القائل:
[الطويل]
إذا كان عندي قوت يوم وليلة … وخمر تقضّي همّ قلبي إذا اجتمع
فلست تراني سائلا عن خليفة … ولا عن وزير للخليفة ما صنع
ثم حبسه.
وأما ابنه محمد بن صالح، فهو شاعر مذكور، وبطل مشهور، وكان يعرف بالأعرابي للزومه البادية، ومن شعره:
стр. 7441
[الكامل]
طرب الفؤاد فعاده أحزانه
وكان قد أخذ أيام المتوكل لخروجه، فحبس ثم أطلق، لقصيدة عرضها له الفتح بن خاقان، ومما كتب به من حبسه إلى امرأته، قوله:
[الطويل]
لو انّ المنايا تشترى لاشتريتها … لأمّ حميد بالغلاء على عمد
ولكنّ بي أني أعيش بغبطة … وقد متّ أن يحظى بها أحد بعدي
وسيأتي إن شاء الله تعالى ذكره في الشعراء، وفي هؤلاء الصالحين ملك متوارث بغابة (١) وقد ذكرناه مكانه.
ومنهم السليمانيون، من ولد سليمان بن أبي الكرام المذكور، ومنهم الهواشم من ولد أبي هاشم محمد بن الحسين بن محمد الأكبر بن موسى الثاني بن أبي الكرام، ومن هؤلاء السليمانيين والهواشم ملوك مكة والينبع (٢)، ومنهم - أعني بني أبي الكرام - العمقيون من ولد علي العمقي بن أحمد بن أبي الكرام، ومنهم الحرانيون من ولد القاسم والحسن ابني محمد بن أبي الكرام،
стр. 7442
ومنهم الأحمديون من ولد أحمد بن موسى الجون، ومنهم الإدريسيون من ولد إدريس بن أبي الكرام، وقد ذكروا، ومنهم المترفيون من ولد علي المترف بن أحمد بن أبي الكرام، ومنهم الفاتكيون، من ولد الفاتك بن سليمان بن عبد الله الكامل [ص ١٤]، ومنهم المصحفيون، من ولد محمد المصحفي بن سليمان المذكور، ومنهم الحنظليون، من ولد أبي حنظلة محمد بن يحيى بن عبد الله الكامل.
فأما أصحاب الدول من السليمانيين والهواشم فسنذكرهم، فأما السليمانيون، فأول مذكور من أمرائهم:
١٠ - أبو عزيز قتادة بن إدريس
ابن مظاعن (١) بن عبد الكريم بن موسى بن عيسى بن سليمان المذكور، وهو أساس البيت، جوار البيت المحرم، ومبتني المجد بفناء الحرم المكرم، قال الشريف الإدريسي النسابة: لا أعرف من يساوي أبا عزيز في القعدد (٢) إلى أبي طالب، ورث دولة القواسم وليس منهم، إلا من جهة النساء، وكلهم إلى أبي الكرام، وساد الكراميين، وملك معظم الحجاز، واقتنى مماليك من الأتراك رماة أذل بهم
стр. 7443
العرب، وذكر الريحاني: أن العرب لما فتكت بالركب العراقي سنة ثلاث وستمائة بنجد لما (١) بين الحرمين، كتب الإمام الناصر إلى أبي عزيز كتابا بخط ابن زيادة: «وغير خفي عن سمعك، وإن خفي عن بصرك فتك الأجاودة في آرام بكل ريم، وعيث بني حرب بين الحرمين حين غمّوا قلب كل محرم بالغميم»، فأعجب هذا أبا عزيز فقال:
[الوافر]
[أ] يا رام فتنت بكل ريم … كما غمّوا فؤادي بالغميم
وفي وادي العقيق رأوا عقوقي … كما حطموا ضلوعي بالحطيم
ثم بدت الوحشة بين أبي عزيز والناصر، وأسرّها البغاددة (٢)، فلما أتى أمير الركب إليه بالخلع، سامه التوجه معه، فقال له: حتى أنظر، فلما نكر عليه، فأنشده:
[الطويل]
ولي كفّ ضرغام أصول ببطشها … وأشري بها بين الورى وأبيع (٣)
تظلّ ملوك الأرض تلثم ظهرها … وفي بطنها للمجدبين ربيع
أأجعلها تحت الرحى ثم أبتغي … لها خلصا إني إذا لرقيع
وما أنا إلا المسك في كلّ بلدة … يضوع وأما عندكم فيضيع [ص ١٥]
فقال له أمير الركب: هذا لا أبلّغه عنك، وأشار عليه بتجهيز ولد له في مشايخ من الشرفاء، يدخلون بغداد، وأكفانهم بأيديهم منشورة، وسيوفهم مسلولة، ويقبّلون العتبة، ويتوسلون برسول الله ﷺ في
стр. 7444
الصفح، فلما دخلوا على هذه الهيئة، والخلائق تضج بالبكاء، فعوملوا بكل حسنى، فلما بلغ ذلك أبا عزيز، كان يقول: لعن الله أول رأي عند الغضب، وتوفي أبو عزيز في عز سلطانه بمكة، سنة سبع عشرة وست مائة، وكانت مدته نحو تسع عشرة سنة، وهي السنة التي استولى فيها المسعود بن الكامل على مكة، وفر منها أمامه إمامها حسن بن أبي عزيز (١)، وكان قد واطأ جارية لأبيه، حتى أدخلته إليه فخنقه، وأعانته الجارية، لأنها كانت قد طمعت منه بمال وعدها، وآمال جحدها، وخرج فقعد مكان أبيه والقلوب منه نافرة، والنفوس له عن البغضاء سافرة، وأكبّ عليه أخوه راجح بن أبي عزيز ووجوه الأشراف، أمير الركب العراقي، في حين قدم وقال كل منهم فيه بما علم، فغلق أبواب مكة وجمع للامتناع، ثم انسلّ من الجمع فريدا ونسل من جناح بني أبيه في البر المقفر طريدا، وأتى بغداد فمرض بها، وكان لا يزال يرى أباه يتردد إليه في منامه، ويضع يده في خناقه، فينتبه مذعورا، ويسمعه من معه في البيت يصيح وهو كالمتخبط، ويقول: بالله لا تفعل، ومات سنة ثلاث وعشرين وست مائة، وقام بعده أخوه راجح بن أبي عزيز (٢)، وكان لوفور عقله راجحا، ولحسن فعله حيث
стр. 7445
يمم ناجحا، أخذ نفسه بسلوك الطاعة، ولزوم الجماعة، ثم ولي أبو سعيد الحسين بن علي بن أبي عزيز، وكان جوادا أبيا شهما وفيا أديبا فصيحا عربيا، ثم أتى دمشق جماز بن حسن بن أبي عزيز، وأبوه حسن المتقدم الذكر، وقد طن في رأسه طلب ملك أبيه بعد كلام [ص ١٦] شجر بينه وبين قريبيه، وكان قد انحمل على ابن عمه أبي سعيد الحسين بن علي بن أبي عزيز، وكان قد امتد أمره إلى مكة (١)، وطلب من الناصر بن العزيز أن يجهزه بمال وعسكر ليخطب له بمكة، فامطله حتى ضجر، ثم بعثه مع الركب، فأفسد حال ابن عمه أبي سعيد، ثم آل الأمر إلى أنه وثب عليه فقتله واستولى على مكة، وخطب بها للناصر سنة إحدى وخمسين وست مائة، ثم كان يقول: كنت أود لي بملك أبي سعيد، مثل قوله:
[الطويل]
إلى الخيف من وادي منى والمحصب … أحنّ بقلب فوق جمر مقلب
وأشتاق من أرض الحجون معالما … ببطحائها والسوق مذ كنت مذهبي
وبي رشأ أحلى بقلبي من الغنى … لدى قلب ذي بخل [وحرص] مجرب (٢)
وأما الهواشم فأول مذكور منهم محمد بن جعفر بن أبي هاشم (٣)، وهو
стр. 7446
سيّد سادة، ورأس سيادة، ومثقف رأي لم يعدم سدادة، ومسدد سهم لم يحظ حظه سعادة، قال ابن الحصين: دخلت مكة سنة أربع وخمسين وأربع مائة، والفتنة قائمة بين الحسنيين والسليمانيين منهم، ولم يكن للسليمانيين رأس يقوم بهم بعد الأمير شكر، فتقدم محمد بن جعفر، وأوقع بين بني سليمان، واستولت الهواشم على مكة، وطردوا السليمانيين إلى اليمن، واستقلّ بالأمر وخطب للمستنصر الفاطمي، ثم خطب للقائم العباسي، وأبدل بياض الشعار الفاطمي بسواد الشعار العباسي (١)، وقال وهو يخطب: الحمد لله الذي هدانا أهل بيته للرأي المصيب، وعوض بيته بلبسه السواد بعد لبسه المشيب، وأمال قلوبنا إلى الطاعة، ومبايعة إمام الجماعة، ثم تكلم بعد هذا بما يناسب، فلما انتهى قام محمد بن إبراهيم الأسدي (٢) أمام قبة العباس وأنشد:
[الوافر]
بني العباس عاد الأمر فيكم … وإرث أبيكم أضحى مستقيما
فزمزم ليس تروي غير تال … مديحكم وفخركم القديما
стр. 7447
فأظهر له القبول، ثم طلبه خفية، وقال له: ما يدخلك بين بني فاطمة وبني العباس، ثم طرده، ثم هجم المدينة وأخذها وخطب للقائم بها، وسمّي أمير الحرمين، وتوفي سنة سبع وثمانين وأربع مائة
وكانت مدته ثلاث وثلاثين سنة، ثم قام بعده ابنه قاسم، قال مؤلف الكنوز:
فزاد في الاضطراب في الخطبة على أبيه، وقطع مدته بما أسأل الله مسامحته فيه، ومات سنة ثمان عشرة وخمس مائة بعد عمر متّع به في القصف والتقلب بلغ إحدى وثلاثين سنة، ثم قام بعده أبو فليتة، فأحسن السياسة، وأحسب (١) في الرياسة، وأسقط المظالم، وأسخط بمراضي الله الظالم، وكان جوادا لا يحتجب، وشجاعا لا يغفل عما يجب، وقال يوما: اعلموا يا بني حسن، إني وجدت الرقاب ثلاثا، رقبة ملكتها بالمنن، ورقبة ملكتها بالصفع، ورقبة لم ينفع فيها إلا السيف، فقالوا: والله إنك لأعرف بما تقول وتفعل، وتوفي قتيلا بسكاكين الباطنية سنة ست وخمسين وخمس مائة، ومدته عشرون سنة، ثم قام بعده ابنه عيسى، كان صديقا للملك الناصر بن أيوب صداقة لا ينفصم عراها، ولا يوقظ كراها، وفي أيامه كان أخذ الأصطول الناصري لأصطول صاحب الكرك الفرنجي، الذي قصد ما رده الله بغيظه دونه، وأخذ ونحر من فيه بجمرة العقبة حيث تنحر البدن، ثم عزله الإمام الناصر لتقصيره في خدمة أمّه لمّا حجّت، وولى أخاه المكثر، ولم يتقدم في أهل بيته أجلّ منه ولا أجل سنا فما يؤثر عنه، هذا على قصر مدته، وتخاذل زمانه، وبنى قلعة مكة على جبل أبي قبيس (٢)، قال الريحاني: كان ذا شهامة بعيد الصيت والغور، وشعره كثير،
стр. 7448
ومن حر الكلام قوله: [ص ١٨]
[الكامل]
لا تصبحنّ أخا يريد لنفسه … ما لا تريد ولا يعاد قديرا
إلا إذا أبصرته متجنبا … فاركب له حدّ الحسام طريرا
وتوفي سنة تسع وثمانين وخمس مائة، قال الريحاني: وبموته انقرض ملك الهواشم، وصار في بني مظاعن من السليمانيين المذكورين من قبل، فأما من ملك قبل هؤلاء، فمن بني داود بن الحسن المثنى، وهم أول من ملك، ثم الهواشم، ثم السليمانيون.
وأول قائم من بني داود:
١١ - النّاهض بأمر اللّه محمّد بن سليمان بن داود (١)
نهض لملك أدركه، وبلد ملكه، ظهر بالحجاز وخطب لنفسه بالإمامة بالموسم على رؤوس الأشهاد، وقال: الحمد لله الذي أعاد الحق إلى نظامه، وأبرز زهر الإيمان من كمامه، وكمل دعوة خيرة الرسل بأسباطه (٢) لبني أعمامه ﷺ وعلى آله الطاهرين، وكف عنهم ببركته أيدي المعتمدين، وجعلها كلمة باقية في عقبه إلى يوم الدين:
[المجتث]
لأطلبنّ لسيفي … ما كان للحقّ دينا
وأسطونّ بقوم … بغوا وجاروا علينا
стр. 7449
يهدون كلّ بلاء … من العراق إلينا
ثم:
١٢ - أبو الفتوح الحسن بن جعفر (١)
ابن الحسن بن محمد بن سليمان، كان جميل الوفاء، جليل القدر في الشرفاء، كتب إليه القادر سنة إحدى وثمانين وثلاث مائة بولاية مكة، فأنفذ كتابه إلى العزيز فوقّع له العزيز بولاية مكة، وأرسل له بمال وخلع للشرفاء، فحضرتهم عند الكعبة، وقسم فيهم المال، وقال عندما ألبس الكعبة الكسوة البيضاء: الحمد لله يا بني فاطمة الزهراء، وأصحاب السنة الغراء، على أن زيّن بيته بلبسه السرور بعد لبسه الحزن، وجعل ملك الحرمين لبني بنت رسوله من بني [ص ١٩] الحسين وبني الحسن، فأرضى الفريقين، واتصلت إمارته، وأتاه كتاب الحاكم بالبراءة ممن غصب وصي رسول الله ﷺ ميراثه في الخلافة، ومنع فاطمة الزهراء بنت رسول الله ﷺ حقها في فدك (٢)، فغضب أبو الفتوح وقال: قوم قام بهم منار الإسلام بعد نبيّه ﵇، يذكرهم بما لا يجب، أهكذا فعلت النصارى بالحواريين (٣)، بل جعلوا قبر كل واحد منهم مزارا لحج وعبادة، والله لو أمرني أن
стр. 7450
ألعن قوما على غير الملّة لما ارتضيت أن أكون لعّانا ووالله إن من حقوق جدنا علي بن أبي طالب وصفه بالعجز، قام بهذا وخطب على رؤوس العلوية، فقام إليه رجل منهم وقال: أيها الأمير، هذا مقال من يجب عليه أن لا يرجع عما قاله، قال صدقت، ثم شرع في مباينة الحاكم، وأتاه الوزير أبو القاسم يحرضه على طلب الخلافة، فخطب لنفسه بها وتلقب بالراشد، وأتى الرملة (١) فبايعه بنو الجراح أمراء طيء، ودعي أمير المؤمنين، فما زال الحاكم يتحيل على العرب بالرغبة والرهبة، حتى انفردوا عنه، فرجع إلى مكة، ولم يجد بدّا من إعادة الخطبة للحاكم، فقيل له أترضى بأن تكون تابعا بعد أن كنت متبوعا، فقال: ما أحب أحد الحياة في عافية إلا رضي ببعض الدرجة، وامتد عمره إلى سنة ثلاثين وأربع مائة، وإمارته مدتها ستة وأربعون سنة، وهو القائل:
[المجتث]
أهوى الكؤوس فمنها … إلى السرور أسير
عجبت منها شموسا … حفّت بهنّ بدور
عجبت منها خدودا … لاحت عليها ثغور
حكي أنّ الوزير أبا القاسم كانت عنده محاككة (٢) وموافقة، فقال يوما لأبي الفتوح بمحضر من الأشراف وأمراء العرب: ما رأيت أشعر منك في قولك، وأنشد هذه الأبيات، فخجل أبو الفتوح، وعلم أنه أراد إعلامهم أنه يشرب الخمر، فقال لأحد حجابه: عليّ بالمصحف، فلما حضر فتحه [ص ٢٠] وقال:
стр. 7451
وحق ما احتوى عليه، ما شربتها قط، ولا حضرت عليها، وتوحش لأبي القاسم، ففر منه، ولأبي الفتوح شعر كثير، منه ما أنشده الباخرزي في الدمية وهو:
[الخفيف]
وصلتني الهموم وصل هواك … وجفاني الرقاد مثل جفاك
حكى لي الرسول أنّك غضبى … كفى الله شرّ ما هو حاكي
ثم ولي بعده ابنه شكر (١)، وكان نصلا لا يثلمه الضراب، ورمحا لا يحطمه الحراب، وجرت له خطوب ملك في أثنائها المدينة، وجمع بين الحرمين، ولما وقعت الحرب بينه وبين عمّه من بني موسى الجون، الذين كرهوا دعوة المصريين، وأرادوا الخطبة لبني العباس، وعاضدهم بنو الحسين وبنو جعفر، قال:
[الطويل]
بني عمّنا الأدنين قربا تأمّلوا … غرايب ما يأتي به البغي في الأهل
نسيتم دماء بالمدينة أهدرت … وما كان في فجّ من الأسر والقتل
فميلوا لهم لا درّ لله درّكم … وعاطوهم كأس المودّة والوصل
وخلّوا بني بنت النّبيّ بجانب … ولا تقصروا حتى تروا فرقة الشّمل
وتأخذكم أيدي الشتات وتخرجوا … من الحرم الشامي والحرم القبلي
وأمّا أنا ما دام للسيف قائم … فلا أشتري عزّ العشيرة بالذلّ
ولا أرتقي إلا ذرى كل منبر … ولا أرتضي إلا الذي يرتضي مثلي
стр. 7452
أمهّد للأبناء ما يتبعونه … وأتبع آبائي الذين مضوا قبلي
ثم لما خاف غلبة الرجال أسلم الحجاز ذاهبا إلى مصر، وقال:
[البسيط]
قوّض خيامك عن أرض تضام بها … وجانب الذّلّ إنّ الذّلّ مجتنب
وارحل إذا كانت الأوطان منقصة … فالمندل العرف في أرجائه حطب (١) [ص ٢١]
ولم يزل في خطوب وحروب تنوب إلى أن مات في رمضان سنة ثلاث وخمسين وأربع مائة، ومدته نحو ثلاث وعشرين سنة، وبه انقرضت دولة الداوديين بالحجاز، وفر بيت أهل الإمارة منهم إلى اليمن، ولها منهم أمراء.
ذكر الدّولة الطّبرستانيّة (٢)
تداولها ستة رجال، منهم ثلاثة من بني الحسن، وثلاثة من بني الحسين، فأما الدولة الحسنية، وهي كانت الأولى بها أسست الوطاة (٣) العلوية هنالك، وأولها:
١٣ - الدّاعي إلى الحقّ (٤)
أبو محمد الحسن بن زيد بن محمد بن إسماعيل بن الحسن بن زيد الجواد
стр. 7453
بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وكان أمضى من صارمه، وأخلع للدعة من خاتمة، نهض للملك حتى أخذه، وأمسك بطرف ردائه وجبذه (١)، ومنّى نفسه بالعراق وشمّر لها اضبعه (٢) ونغر لأجلها فاه (٣) وحرش سبعه، وسلّ لها عزمه، من حد باتكة (٤)، وأعمل فيها خدعة ناسكة لا فاتكة، حتى لولا ميل المقادير، وإن كل بتقدير، لأطاحها عن بني العباس وابتزها، وألبسهم ذلها ولبس عزها، وخطب له بالخلافة في أول خلافة المستعين (٥) سنة خمس ومائتين بالري والديلم، وكان مهيبا عظيم الخلق عطس يوما عطسة ففزع رجل وهو في المنارة قائما يؤذن فيها، فوقع منها فمات، وكان أقوى البغال لا تحمله أكثر من فرسخين، وغيل (٦) في آخر عمره بدنه، حتى كان يشق بطنه ويخرج منه الشحم، ثم يخاط، وكان أول أمره بالعراق في ضيق حال، وكان كثيرا ما يسأل عن البلاد الممتنعة الوعرة التي أهلها أهل سلامة وقبول لما يدعون إليه، فدلّ على بلاد الديلم وطبرستان، فأتاها وفيها قوم لم يكونوا أسلموا،
стр. 7454
فأسلموا على يده، وتمذهبوا [ص ٢٢] بمذهبه، حتى أسس التشيع هناك، وكان جوادا ممدّحا، وله شعر فائق، فمنه قوله:
[الوافر]
وما نثر المشيب عليّ إلا … مباشرة السيوف لذا الصفوف
فأنت إذا رأيت عليّ شيئا … فمكتسب من الوان السيوف
وله فطنة مليحة في الانتقاد على الشعراء، وحكي أنّ رجلا من بني أمية أتى إليه وهو في مجلسه فسأله عن نسبه، فقال له: رجل من بني أمية، فقال رجل من أهل المجلس: لا أهلا بك ولا بمن أنت منهم، ثم لم يبق أحد حتى أخذ في سبه، وسب بني أمية، وقال رجل: دعني وإياه فلأضربن عنقه، فقال الداعي إلى الحق: لبئس الجلساء أنتم، ثم التفت إلى القائل وقال: دعني وإياه، وقال له يا هذا أتظنك بقتله تدرك ثأر من سلف؟ لا والله لا على هذا ولا علينا مما شجر بين أولئك، ثم قال للأموي: أيها الرجل، ما ذا تريد؟ فقال: وفاء ديني وكفاف أهلي، فقال: حبّا وكرامة، كم دينك؟ وكم كفاف أهلك؟ فقال:
ألف دينار وخمس مائة لهذا وخمس مائة لهذا، فقال: بل لكل منهما ألف دينار، ثم أمر له بألفي دينار، فأخذها وكساه وحمله وجهزه إلى مأمنه.
ثم قام بعده أخوه:
١٤ - القائم بالحقّ (١)
أبو عبد الله محمد، وكان ممن يحمد، ظهر بحلية تنسك، ووقوف مع الحق
стр. 7455
وتمسك، وكان يهب على ضيق ذات يده، ومضيق رقعة ملكه وبلده بدرا وألوفا، ويرهب أعداء وصفوفا، كان يغزو وهو في الوطن، ويسكن وتحت سكونه حركات الفطن، وكان قائما بالحق قائلا له وقائلا في ظله، لا يفارق ظله، وأوت الرعايا منه إلى أب برّ تميل على جوانبه، وإمام عادل لا يكف عن الأرض مطر سحائبه،
فكأنما كانوا في أيامه لمنّها في الحلم، ولأمنها في الأشهر الحرم، هذا مع شراسة خلق، وشكاسة عضب لا ينجاب لها أفق يحتاج من حضره وقد حضره ذلك الخلق الشرس والغضب اليبس [ص ٢٣] أن يغيب عنه وجهه مقدار حلب لقاح، أو ما يجف الندى عن الإقاح، وقد تجلت تلك الغيابة العارضة، وهدأت شقاشق تلك الغمامة العارضة، وعاد إلى أحسن خلقه، وأعاذ بإحسان نبته من أساءة خرقه، وتسفر تلك الرياض الدمائث، ويتضوع كالمسك في ند مائث (١)، ومن كنوز المطالب أنه وصل إلى الري في جموع عظيمة هال أمرها، وآل الأمر إلى أن هزمه كوبكين صاحب الري، ثم جلس كوبكين لضرب أعناق الأسرى، فوثب منهم ديلمي على السياف فاستلب سيفه من يده وعلاه به فقتله، ومر هاربا، فلم يلحق وكوبكين ينظر إليه ويضحك، ثم هبّت للقائم بالحق سعادة ملك بها جرجان وبعض خراسان، وظهرت أشعته في تلك الأقطار، ثم هزمه عسكر السامانية، فقتلوه سنة ثمان وثمانين ومائتين، ثم كانت بعده ثمّ حروب يطول شرحها، وللقائم هذا أدب، ومن شعره قوله:
[الخفيف]
إن يكن نالك الزمان بصرف … أضرمت ناره عليك فجلّت
فاخفض الجأش واصبرنّ رويدا … فالرزايا إذا تجلّت تجلّت
стр. 7456
ولما كسر أسر ابنه أبو الحسن زيد، ولم يزل مكرما عند إسماعيل، وكتب إليه المكتفي يحمله إليه فدافعه، وله شعر منه قوله:
[الكامل]
ولقد تقول عصابة ملعونة … ضوضاء ما خلقت لغير جهنّم
من لم يسبّ بني النبيّ محمد … ويرى قتالهم فليس بمسلم
عجبا لأمّة جدنا يجفوننا … ويجيرنا منهم رجال الدّيلم
وتوفي ببخارى سنة أربع عشرة وثلاث مائة.
ثم قام بعده ببرهة ابن ابنه:
١٥ - المهديّ أبو محمّد (١)
الحسن بن زيد بن محمد القائم بالحق، وقام من بني الحسين من قاومه ودان بحربه وداومه، واشتجرت بينهما حروب، وخطوب على ضروب، صرّح فيها السيف وما ورّى (٢)، وروى فيها السهم كبد قوسه [ص ٢٤] الحرّى وتصاول فيها الفحلان، وكان أن ينصرعا، وتناضل النصلان وما بقي إلا أن يتقطّعا، ثم دالت الدولة للقائم من بني الحسين، وقال القائل ما بعد غائب نقل إلى القلب من العين، وذلك بعد حروب تلاقى بها مرج البحرين، ومرّ جلم (٣) الحديد على
стр. 7457
النحرين، وذبحت الرجال ذبح الغنم، وأشارت أطراف الرماح بالعنم، ومرّت الأعلام على كل شاهق كالعلم، وخلفت حوافر الخيل وجود الأرض كالعدم، ثم تولى البيت الحسني بإحسان أنساهم مصابهم وألهاهم عن عظيم ما أصابهم، وأجري لكل منهم ما كان له في دولتهم الماضية، ولم يبق منهم إلا راض أو راضية، وسنذكر دولة هؤلاء الحسينيين مع بني أبيهم، ومن شعبة هؤلاء الحسينيين الذين ذكرناهم فرقة ثمانية ما هذا موضع ذكرهم، وأنشد له البيهقي هجاء في أهل الري، وأنشد له في الغزل قوله:
[الكامل]
كفي لحاظك إنهنّ سهام … رمت الفؤاد وكان ليس يرام
ما ذلّ مثلي قطّ مذ خلق الورى … إلا لمثلك والغرام إمام
ذكر دولة الأخضريّين
وهم من ولد إبراهيم بن موسى الجون بن عبد الله الكامل بن الحسن المثنى، وهم قوم توارثوا الإمامة باليمامة، ولم تلم بي من تفضيل أخبارهم إلمامة، وصار لهم بقم وقاشان (١) ذكر نابه، ووصف متشابه.
ذكر دولة الأدراسة ببلاد المغرب
وأول من هبّت له بها ريح، ونشبت مصابيح، حتى وسعت اللجج قربها، وقطعت الحجج قضها، ووثبت ببقايا بني أمية بقيتها، وفلت الأرض حتى
стр. 7458
حصلت لقيتها هو:
١٦ - إدريس المغرب (١)
ابن عبد الله بن الحسن المثنى بن الحسن بن علي [ص ٢٥] ابن أبي طالب، وإليه تنسب الأدراسة وهو الجد الأكبر والعقاب المحلق الأكدر، حلّق فانتهز فرصة، وحصل قنصه، وقد تقدم ذكر دخوله المغرب وبهذا عرف، فرّ من وقعة فج وقال:
[السريع]
غرّبت كي أغرب في ثورة … أشفي بها كلّ فتى ثائر
لا خير في العيش لمن يغتدي … في الأرض جارا لأذى جائر
والأرض ما وسّعها ربّها … إلا لتبدو همة السائر
لا بلغت لي مهجة سؤلها … إن لم أوفّ الكيل للغادر
стр. 7459
فسار حتى أتى بلاد البربر، فتابعوه وبايعوه، فقال فيهم:
[الطويل]
وأصبحت في شمّاء بالغرب عند من … يذبّون عنّي بالمثقّفة الملد (١)
رعوني لمّا ضيّعتني أقاربي … وما اطّرحوا ما كان أوصى به جدّي
فلم يزل الرشيد يستطلع علمه، فدسّ عليه حجّاما سمّه في سنون (٢) استنّ به، فسقطت أسنانه ومات في سنة ثمانين ومائة، وعمره ثمانية وخمسون سنة، وإلى ميتته هذه أشار أشجع السلمي في قوله: (٣)
[الكامل]
أتظنّ يا إدريس أنّك مفلت … كيد الخليفة أو يقيك حذار
هيهات إلا أن تكون ببلدة … لا يهتدى فيها إليك نهار
ثم قام بعده ابنه:
١٧ - إدريس بن إدريس (٤)
وهو الغر الذي ختل ودسّ عليه الكيد حتى قتل، وكان قد علا أمره،
стр. 7460
وأضاء جمره، وتهمّم يغزو أفريقية، وكان مؤيّدا بجده لأمه راشد (١) مولى أبيه، وهلول بن عبد الله رأس ثقاته، فعمل إبراهيم بن الأغلب على راشد، حتى هلك واستفسد باطن هلول، وقال:
[الطويل]
ألم ترني بالكيد أوديت راشدا … وإني بأخرى لابن إدريس راصد
تناوله عزمي على نأي داره … بمختومة في طيّهنّ المكايد
ثم لم تزل مكايد ابن الأغلب تخب إليه وتضع، حتى قتله ثقاته وبعثوا رأسه [ص ٢٦] إليه، فبعثه إلى الرشيد، فكتب لابن الأغلب بإفريقية، فتوارثها بنوه، ولإدريس المثنى شعر:
بان الأحبّة واستبدلت بعدهم … سقما وشملا غير مجتمع
وما استرحت إلى ناس ليسلبني … إلا تحول لي يأسي إلى الطمع