ولما كسر أسر ابنه أبو الحسن زيد، ولم يزل مكرما عند إسماعيل، وكتب إليه المكتفي يحمله إليه فدافعه، وله شعر منه قوله:
[الكامل]
ولقد تقول عصابة ملعونة … ضوضاء ما خلقت لغير جهنّم
من لم يسبّ بني النبيّ محمد … ويرى قتالهم فليس بمسلم
عجبا لأمّة جدنا يجفوننا … ويجيرنا منهم رجال الدّيلم
وتوفي ببخارى سنة أربع عشرة وثلاث مائة.
ثم قام بعده ببرهة ابن ابنه:
١٥ - المهديّ أبو محمّد (١)
الحسن بن زيد بن محمد القائم بالحق، وقام من بني الحسين من قاومه ودان بحربه وداومه، واشتجرت بينهما حروب، وخطوب على ضروب، صرّح فيها السيف وما ورّى (٢)، وروى فيها السهم كبد قوسه [ص ٢٤] الحرّى وتصاول فيها الفحلان، وكان أن ينصرعا، وتناضل النصلان وما بقي إلا أن يتقطّعا، ثم دالت الدولة للقائم من بني الحسين، وقال القائل ما بعد غائب نقل إلى القلب من العين، وذلك بعد حروب تلاقى بها مرج البحرين، ومرّ جلم (٣) الحديد على
стр. 7457
النحرين، وذبحت الرجال ذبح الغنم، وأشارت أطراف الرماح بالعنم، ومرّت الأعلام على كل شاهق كالعلم، وخلفت حوافر الخيل وجود الأرض كالعدم، ثم تولى البيت الحسني بإحسان أنساهم مصابهم وألهاهم عن عظيم ما أصابهم، وأجري لكل منهم ما كان له في دولتهم الماضية، ولم يبق منهم إلا راض أو راضية، وسنذكر دولة هؤلاء الحسينيين مع بني أبيهم، ومن شعبة هؤلاء الحسينيين الذين ذكرناهم فرقة ثمانية ما هذا موضع ذكرهم، وأنشد له البيهقي هجاء في أهل الري، وأنشد له في الغزل قوله:
[الكامل]
كفي لحاظك إنهنّ سهام … رمت الفؤاد وكان ليس يرام
ما ذلّ مثلي قطّ مذ خلق الورى … إلا لمثلك والغرام إمام
ذكر دولة الأخضريّين
وهم من ولد إبراهيم بن موسى الجون بن عبد الله الكامل بن الحسن المثنى، وهم قوم توارثوا الإمامة باليمامة، ولم تلم بي من تفضيل أخبارهم إلمامة، وصار لهم بقم وقاشان (١) ذكر نابه، ووصف متشابه.
ذكر دولة الأدراسة ببلاد المغرب
وأول من هبّت له بها ريح، ونشبت مصابيح، حتى وسعت اللجج قربها، وقطعت الحجج قضها، ووثبت ببقايا بني أمية بقيتها، وفلت الأرض حتى
стр. 7458
حصلت لقيتها هو:
١٦ - إدريس المغرب (١)
ابن عبد الله بن الحسن المثنى بن الحسن بن علي [ص ٢٥] ابن أبي طالب، وإليه تنسب الأدراسة وهو الجد الأكبر والعقاب المحلق الأكدر، حلّق فانتهز فرصة، وحصل قنصه، وقد تقدم ذكر دخوله المغرب وبهذا عرف، فرّ من وقعة فج وقال:
[السريع]
غرّبت كي أغرب في ثورة … أشفي بها كلّ فتى ثائر
لا خير في العيش لمن يغتدي … في الأرض جارا لأذى جائر
والأرض ما وسّعها ربّها … إلا لتبدو همة السائر
لا بلغت لي مهجة سؤلها … إن لم أوفّ الكيل للغادر
стр. 7459
فسار حتى أتى بلاد البربر، فتابعوه وبايعوه، فقال فيهم:
[الطويل]
وأصبحت في شمّاء بالغرب عند من … يذبّون عنّي بالمثقّفة الملد (١)
رعوني لمّا ضيّعتني أقاربي … وما اطّرحوا ما كان أوصى به جدّي
فلم يزل الرشيد يستطلع علمه، فدسّ عليه حجّاما سمّه في سنون (٢) استنّ به، فسقطت أسنانه ومات في سنة ثمانين ومائة، وعمره ثمانية وخمسون سنة، وإلى ميتته هذه أشار أشجع السلمي في قوله: (٣)
[الكامل]
أتظنّ يا إدريس أنّك مفلت … كيد الخليفة أو يقيك حذار
هيهات إلا أن تكون ببلدة … لا يهتدى فيها إليك نهار
ثم قام بعده ابنه:
١٧ - إدريس بن إدريس (٤)
وهو الغر الذي ختل ودسّ عليه الكيد حتى قتل، وكان قد علا أمره،
стр. 7460
وأضاء جمره، وتهمّم يغزو أفريقية، وكان مؤيّدا بجده لأمه راشد (١) مولى أبيه، وهلول بن عبد الله رأس ثقاته، فعمل إبراهيم بن الأغلب على راشد، حتى هلك واستفسد باطن هلول، وقال:
[الطويل]
ألم ترني بالكيد أوديت راشدا … وإني بأخرى لابن إدريس راصد
تناوله عزمي على نأي داره … بمختومة في طيّهنّ المكايد
ثم لم تزل مكايد ابن الأغلب تخب إليه وتضع، حتى قتله ثقاته وبعثوا رأسه [ص ٢٦] إليه، فبعثه إلى الرشيد، فكتب لابن الأغلب بإفريقية، فتوارثها بنوه، ولإدريس المثنى شعر:
بان الأحبّة واستبدلت بعدهم … سقما وشملا غير مجتمع
وما استرحت إلى ناس ليسلبني … إلا تحول لي يأسي إلى الطمع
стр. 7461
وكيف يصبر من ضمّت أضالعه … على وساوس همّ غير منقطع
إذا الهموم توافت بعد هد أتها … عادت عليه بكأس مرّة الجزع
وترك إدريس عشرة بنين كان كلّ واحد منهم يخالف الآخر وينازعه سلطانه، وكان أجلهم القاسم، وفي القاسميين كان معظم الإمامة فيهم، وكان:
١٨ - القاسم بن إدريس
القائم بعد أبيه، خطب له ببلد سبتة وما يليه، وجرت بينه وبين عمال بني أمية حروب، وتساهم هو وإياهم غمرات كروب، وإليه ينسب الحوطيون شرفاء فاس، والكريون وبنو فنون جلة كومية، وأشهرهم في القديم جنون بن أبي العيش عيسى بن جنون بن محمد بن القاسم، صاحب بصرة المغرب (١)، وكان له خمسة وعشرون ذكرا، منهم الحسن الأعور، وادعى النبوة في بلاد البربر، وعظم أمره فيهم، وذكر ابن حيان وقائعه مع عسكر المستنصر الأموي (٢) حتى
стр. 7462
امتنع بحصن الكرم، وبويع المستنصر ثم آل الأمر إلى أنه وفد على المستنصر طائعا بقرطبة، واحتفل له المستنصر وتلقاه، وجلس له، وأنشدت الشعراء، ومنهم ابن شخيص، وقال:
[الطويل]
أمية قد عادت بنو حسن لكم … كما كان فيما قد مضى حين سلموا
فعودوا عليهم بالذي قد تعودوا … من الحلم والرحمى فذلك أكرم
قال: وكان معه جمع من الحسنيين فيهم صبي لم يبلغ الحلم فلما رأى ما عوملوا به من الإكرام، بكى فقال له بعض أقاربه: ما يبكيك [ص ٢٧] وأنت ترى هذه النعم؟ فقال: النقم في عزنا حيث كنا، خير من هذه النعم في ذلنا لبني أمية، قال: وافترقت الأدراسة فرقتين، فالمحمديون من ولد محمد بن إدريس المثنى، مالوا إلى ابن عمهم المهدي عبيد الله بأفريقية، والعمريون من ولد عمر بن إدريس، مالوا إلى الناصر الأموي، وكتب إليه رئيسهم كتابا قال فيه: وقد أنعم الله علينا يا أمير المؤمنين بأن صرف همّتك إلى ناحيتنا، ووكل عزمك بعدوتنا، ولقد كنا نتمنّى ذلك ونستبطئه منك إلى أن تمم الله عزمك، ويسرك إلى توفيقه، مما نرجو أن نرتقي فيه بك إلى أفضل المحطّ (١) وأشرف المنازل، وقال فيه: إن بلد البربر تغلّب عليه قوم ملكوا أنفسهم من زمن عمر بن عبد العزيز وجرت عادتهم بجحد السلاطين، ودفع الأئمة، إلى أن دخل إليهم جدنا إدريس بن عبد الله، هاربا من عبد الله الملقب المنصور، بعد أن قتل أخويه محمدا وإبراهيم، وشرّد أهلهم، فلما صار إليهم جدنا، واستجار بهم، أجاروه ورعوا
стр. 7463
حقه، ووضعوا له ببلدهم فرضا من غير أن يضبطهم ضبطا بسلطان، وقد تناسلنا منه، وقمنا بعده، وسلكنا سبيله، فالبربر إلى اليوم على عادتهم الأولى، إن هممنا بتشديد السلطان عليهم هربوا عنا، ونفروا منا، واتخذوا الحصون علينا، فمرة نذهب إلى محاربتهم، وتارة نعدل إلى مداراتهم، ولا نطمع مع الأيام في ضبطهم وكف عاديتهم، ونحن مستبشرون بما خاطبنا به أمير المؤمنين، من أنه قد فرغت أسبابه من الأندلس، وأنه على عزم التوجه لرد ما كان لآبائه، ثم كتب في آخره:
[الطويل]
إليك أمير المؤمنين رفعناها … رؤوسا تروم الأمن والمنّ والجاها
نفتنا بنو العباس عن شرق أرضها … وآل حسين [قد] قلتنا بقرباها (١)
ولم يبق إلا أن تكرّ أميّة … بأحلامها لا أبعد الله مثواها
ثم قدر الله أن كان خراب دولة بني أمية على أيدي هؤلاء الأدراسة [ص ٢٨] العمريين، على ما هو مذكور في موضعه، وكان السبب أن ولي أحمد بن حمود سبتة (٢) وقبائل العدوة (٣)، فتلقفها تلقف الأكياس وقال: (وتلك الأيام نداولها بين الناس) (٤)، لأمر أريد بظهور الدولة الحمودية، وأولها:
стр. 7464
١٩ - دولة النّاصر عليّ بن حمّود (١)
ابن ميمون بن أحمد بن علي بن عبد الله بن عمر بن إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وقال الشريف أبو العباس أحمد بن الحسن الحسني الغرناطي: هو علي بن حمود بن ميمون بن حمود بن علي بن أبي العيش بن عبيد الله بن عمر بن إدريس بن إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب القرشي الهاشمي الطالبي الفاطمي الإدريسي السرغيني، وهو الصحيح وميمون بن حمود هو ثا [ئر] سرغين، وأمه البيضاء القرشية، واسمها حيونة بنت عم أبيه، ولد سنة أربع وخمسين وثلاث مائة، كان هو وأخوه القاسم من جند سليمان بن الحكم، فنهضا عليه فقتلاه في المحرم سنة تسع وثلاثين وثلاث مائة، وانقطعت الدولة الأموية بالأندلس بمقتله، وخلا وشيجها من منبت أسله (٢)، وبويع له يوم تغلبه بالبرابر على قرطبة وذلك في يوم الجمعة الحادي والعشرين من المحرم سنة سبع وأربع مائة، وقولنا الأول عن صاحب بلغة الظرفاء (٣)، والثاني عن الغرناطي، قال: وتسمى بالناصر،
стр. 7465
وتوفي قتيلا في حمام القصر بقرطبة صبيحة يوم الأحد ثاني ذي القعدة سنة ثمان وأربع مائة، وهو ابن تسع وأربعين سنة، وكانت مدته سنة وأحد عشر شهرا، غير أيام، وكان أسمر أعين تلفاعة (١)، لا ينظر شيئا بعينه إلا أسرعت الآفة إليه، انتهى كلامه.
قلت: وكان غشوما ظلوما سفاكا للدماء، نهّابا للأموال، منتهكا للحرمات، فاشتد على أهل قرطبة [ص ٢٩] البلاء، فلزموا البيوت، وتغيبوا في المطامير (٢)، وتعلقوا بذوائب الجبال، إلا اليسير، وانبسطت أيدي البربر على الخلق، واتسع الخرق، فأغلقت الحوانيت، وانقطعت الطرق والسباريت (٣)، حتى وثب عليه الصقالبة في الحمام، فعجلوا له الحمام، فقتله الله بأضعف خلقه، في وسط داره، بأقرب فتيانه، من غير روية ولا تدبير، إلا ما ألقى الله في نفوسهم، واجتمع في قتله ثلاثة مرد من المقربين إليه، كان قد عشق أحدهم وراوده عن نفسه، فامتنع ورد عن نفسه ودفع، فأبى إلا أن يعتلجه (٤)، وذاك إلا أن يجزيه أجر ما صنع، فتقدم واحد منهم اسمه منجح، فضربه على دماغه بكوب نحاس، فصرعه، وابتدره الاثنان: لبيب وعجيب، فوجأوه بخناجرهم وقطعوه فباد الزاجرهم (٥)، وكف الله عاديته، وصرف رائحته وغاديته، وذلك يوم الأحد غرة ذي القعدة سنة ثمان وأربع مائة، وفرّ قتلته ونجوا، وقيل قتلوا، وقد ذكر ابن بسام، أن المستعين الأموي (٦) لما تمالأ عليه بنو عمه، وأمل علي بن حمود
стр. 7466
ليستجيش به، وجعل له العهد بعده، ثم قال: وولاه طلب دخله هيج الحفائظ القرشية، وحرك الطوائل الطالبية فرماهم يمنى بنى عمه من هذا على ثالثة الأثافي، طوى كشحه منها على مستكنّة (١) أرجأها لوقتها، قلت: فهذا كان سبب ثورته واستشاطه غضب سورته، وبقي تلك المدة، ثم قام أخوه:
٢٠ - المأمون (٢)
أبو محمد القاسم، وبويع بعد أخيه، وما (٣) أقدره العجز عن شد
стр. 7467
أواخيه (١)، قال الغرناطي: وأمه أم أخيه البيضاء، وكان أسمر أعين أكحل مصفرّ الوجه، خفيف العارضين، قلت: وكان سيفا مخذما وصلا أرقما، ونسرا قشعما، مشمرا عن ساق، مشددا بعزائم لا يحل عليها نطاق، وكان وقورا حسن السمت، محسن التكلم والصمت، حنكته التجارب، وحركته لبلوغ المآرب، وتسويغ للشارب، [ص ٣٠] كان بأشبيلية، فأرسل إليه بعد مقتل أخيه، فجاء فعقدوا له البيعة يوم الثلاثاء، ثاني عشر ذي القعدة سنة ثمان وأربع مائة، فأقام ثلاث سنين وأربعة أشهر وعشرين يوما، ثم خلعه ابن أخيه يحيى بن علي بن حمود وكان سبب خلعه أن يحيى بن علي، كان ولي عهد أبيه، وكان أبوه قد ولاه المغرب، فلما مات أبوه بقرطبة، دعا البربر أخاه القاسم بن حمود، وأدخلوه إلى القصر وبايعوه، فأنف ولي العهد يحيى من ذلك وتظافر هو وأخوه إدريس واتفقا على أن يعبر يحيى إلى الأندلس، طالبا لحقه راغبا في التلطف له بحذقه، فعبر البحر إلى أشبيلية سنة أربع عشرة (٢) وأربع مائة، ثم سار إلى قرطبة ففرّ منها القاسم والمأمون، ودخل يحيى قرطبة، وبويع له بعهد أبيه، وخطب له بها، ثم اضطرب عليه البربر، ففر من قرطبة إلى مالقة، ورجع عمه القاسم إلى قرطبة وجدّدت له البيعة، ثم رجع يحيى ففرّ أمامه القاسم من قرطبة إلى أشبيلية، فأقام بها إلى [أن] أخرجه منها أبو القاسم محمد بن عباد إلى شريش فملكها، فأتاه يحيى وحاصره، وظفر به وسجنه بها وتخلص الأمر ليحيى.
٢١ - ذكر دولة المعتلي أبي إسحاق يحيى بن عليّ بن حمّود (٣)
وقيل يكنى بأبي محمد، وأمه لبونة بنت محمد بن الحسن بن فنون
стр. 7468
الفاطمية، ولدته بقرطبة سنة ست وثمانين وثلاث مائة، وبويع له بقرطبة بعد عمه القاسم يوم السبت الثامن من ربيع الآخر سنة أربع عشرة وأربع مائة، وكانت مدته سنة وسبعة أشهر، ثم بويع عمه القاسم، كما تقدم ذكره، ثم رجع إليه يحيى وبويع، واستوسق (١) له [ص ٣١] الأمر، واستوثق له عهد البيعة وأمر بعز قاهر، وعزم تتخازر له طرف الرق الشاهر، وبأس لو صك به الماء للفح، أو حيا الصخر بأمر منه لجرح، ثم قتل عند قرمونة وترك فأكله السباع، وشبعت بطون ليست بجياع.
قال الغرناطي: كان سمينا معكن البطن بارز الثديين صابي البياض، خيرا من مخدرة، وعادت دولة بني أمية إلى قرطبة، وفاضت في الأندلس، وسيأتي ذكر هذا في ذكر أوائل القروم الشّمس.
стр. 7469
٢٢ - ذكر دولة المتأيّد أبي العلى (١)
إدريس بن علي بن حمود، وكان أبوه قد ولاه سبتة وأعمالها، فلما مات أخوه المعتلي، ثار بسببه ودعا إلى نفسه على بغتة، وأخذ الناس بالبيعة، فأخذتهم بهتة، وأعطوه أيمانهم البتة، وعبر البحر إلى مالقة، فاجتمع عليه أهلها، وبايعوه وعقدوا له ولاء هم، وتابعوه وخطب له، وخوطب بالخلافة، وتسمى بالمتأيّد وبايعه أهل المرية ورندة والجزيرة الخضراء، وكان شهما سريا، سهما يفري فريا، كريما معطاء عظيما، يوسع الناس عطاء، حسن الرأي والسيرة بالرعية، وقافا مع الأحكام الشرعية، ولم يزل على أحسن أحواله مستقلا، ولطود ما حمل مقلا، إلى أن مات في السادس عشر من المحرم سنة إحدى وثلاثين وأربع مائة، وجعل في تابوت وحمل إلى سبتة، فدفن بها، وغيّب كوكبه الدري في تربها، وكانت مدته أربع سنين وشهرا وأياما.
٢٣ - ذكر دولة القائم أبي زكريّاء (٢)
يحيى بن إدريس بن علي بن حمود، بويع له بالخلافة في اليوم الذي
стр. 7470
مات [ص ٣٢] فيه أبوه المتأيّد، وكان غير مسدد، ولا مشدد، خفيف الحصاة مخوف النادرة، ولا يضع سيفه ولا عصاه، طائش الثبات في حركاته، طائر الأناة في شكاته، تقدم بتقديم وزير أبيه وكاتبه أبي جعفر بن أبي موسى، يوم الاثنين سادس عشر المحرم سنة إحدى وثلاثين وأربع مائة، وتمّت له البيعة، وخطب له بمالقة وأعمالها، وسائر أعمال أبيه، وكان رأيه لا تعلو به قوادم، ولا يقرع سن نادم، فنازعه عمه الحسن، فحاصره حصارا ضيّق عليه مهب أنفاس الهواء، وضيّع صبره في طول الثواء، فطلب منه الصلح على أنه ينخلع ويبايعه، ويسلم له منبر الخلافة ولا ينازعه، وذلك في جمادى الأولى (١) من السنة المذكورة، وكانت مدة القائم أربعة أشهر إلا أياما، ثم بقي يحيى بن إدريس خاملا لا يرفع له رأس، ولا يجتمع عليه ناس، إلى أن توفي في ربيع الآخر سنة أربع وثلاثين وأربع مائة.
٢٤ - ذكر دولة المستنصر أبي محمّد (٢)
الحسن بن يحيى المعتلي بن الناصر علي بن حمود، صاحب سبتة، لما وصله التابوت بأخيه إدريس دفنه من ساعته، وأخذ على البيعة أيدي جماعته، ثم ركب البحر في يومه إلى مالقة، فملكها وضبطها بعد ما انخلع له ابن أخيه يحيى القائم، واستوزر كاتب أخيه أبي جعفر [بن] أبي موسى بن بقية
стр. 7471
[وكانت ضغينة] على أخيه (١) في صدره منه يجدها، ومحنة تقدمت له به لا يجحدها، فإنه كان هو المقدم لابن أخيه، فأسرّها له في نفسه ضغينة حقدها، ونيّة أقبرها له في باطنه وألحدها، وطاوله بها إلى السنة الثالثة، ثم قتله، وأنزل به الحادثة، وكان ذلك في يوم عيد الفطر سنة ثلاث وثلاثين وأربع مائة [ص ٣٣] فأشام عيده، وشام من بارق المهند وعيده، بعد أن استخرج منه أموالا بسط عليه في المطالبة فيها أنواع العذاب المهين، وأبرز له فيها كوامن الداء الدفين، ثم بايعه أهل غرناطة، وبلاد أخرى من الأندلس، وانقادت له بطاعة قلوبها، وعقد نياتها التي بين جنوبها، فثبّت المملكة وشد أواصرها، ورفع قصورها ومقاصرها، ورد كيد عدوها في نحره، وأغرق راكب ثبج العزاء (٢) في نحره، وعدل في أحوال الرعية، وجبى الأموال وقسمها بالسوية، ثم توفي في جمادى الأولى (٣) سنة أربع وثلاثين وأربع مائة، وكانت مدتها أربع سنين كأنها يوم واحد، لأسف الناس على قصر مدتها وطيبها، وأوقاتها التي كأنما غربت شمس النهار بغروبها، ولم يترك من ورثته إلا ولدا صغيرا (٤)، فاعتقله نجا الصقلبي، وغلب على مالقة وأعمالها، واستبد بتدبير المملكة، إلى أن شحط بها قتيلا في دمه، ووضع رأسه الشامخ تحت مواطئ قدمه.
حكي أن بعض ندماء المستنصر حضر إليه، واليوم قد طرّ بالليل شارته، والأصيل قد كرع في الراح شاربه، والشمس قد اعتلت وما بها سقم لشلوه، والنهار قد قارب وحضر عود النجوم ليبكوه، فدام عنده في جنة تنعم في وطوفها، ومنة تكرم بصنوفها، حتى أقبل الليل ثم ذهب، وأطوله كاللمح
стр. 7472
بالبصر، وأبعده قمر نشر بين العشاء والسحر، فما كان بأسرع من أن أصبح، وطرحت العين لحظها كل مطرح، فلما أراد المقام، دعا بالصبوح فسقاه، وفدّاه بأبويه ووقّاه، فقال: دامت لك الدنيا ودمت لأهلها، ثم أرتج عليه فقال المستنصر: حتى تجود لهم بما تحويه، فقام النديم ثم قال: ما ذا أقول وهذه نية صدق ظهرت، وبارقة بر ستكون لما بعدها [ص ٣٤] فقال له حسبك، لقد أبلغت، ثم أمر له بألف دينار، وحمله على بغلة من مراكيبه، وصرفه مكرما إلى منزله، مكررا له فضل تطوله.
٢٥ - ذكر دولة أخيه العالي (١)
أبي العلى إدريس بن يحيى بن علي بن حمود، وهو الذي سجنه نجا الصقلبي، وغصبه من أصل جده النبي، ونسبه الأبوي مشتق من فعله الأبي، ومحتده الأصيل، يعرف بعطائه الذهبي، وكرمه العلوي ينطق به لسان قراه اللهبي، وأنه يصحح طرف النجم السقيم، ورايته تدمر كل شيء أتت عليه كالريح العقيم، برقه لا يخلف وعدا ولا وعيدا، وأفقه يمطر تارة فضة وذهبا، وتارة حجارة وحديدا، وبويع في اليوم الذي قتل فيه السطيفي وذلك أن نجا لما اعتقل هذا العالي، واستبد بالأمر، خرج من مالقة في جنوده، واستخلف عليها رجلا من خاصته يعرف بالسطيفي، وقصد الجزيرة الخضراء ليقبض على محمد والحسن ابني القاسم بن حمود ولم يظفر بهما، فرجع إلى مالقة خائبا وقد حان حينه أن يزور ثرى الأرض دفينه، فاغتاله ليلا في خبائه بعض عبيد القاسم بن
стр. 7473
حمود، فقتله واحتز رأسه، ورفعه على عود وأطيف به في تلك البلاد كأنه هدي تزف، لا يمل بالتشفي رؤيته طرف، ثم أدخل مالقة فثارت العامة على السطيفي فقتلوه، ونصبت رؤوسهما وعلقت، وركبا على خشبتين، وركبا منهما مطيتين بوارك لا تسير بهما، ولا تدني نوى مغتربهما، إلا أنهما من جذوع الرواحل، لا تطوى بها المراحل، أو قواعد وعمد، إلا أنها ليست ممدودة كأنهما عليها خشب مسندة، قيدت لهما من مرابط النجار [ص ٣٥]، ونيطت بهما لما يجمع بينها وبينهما من قرب النّجار، وأخرج إدريس العالي من السجن، وبويع يوم الخميس سادس إحدى شهري جمادى سنة أربع وثلاثين وأربع مائة، ثم بويع بغرناطة قرمونة وما بينهما من البلاد، أنارت بالعدل مشارق زمانه، وأنالت من الفضل بوارق إحسانه، ثم أمطرتهم ديمة دراكا، وأرتهم غرّ الثنايا، فما استسقوا بشاما ولا أراكا (١).
قال الشريف الغرناطي: وكان عدلا خيّرا، لم يزل على أحسن الأحوال، إلى أن ثار عليه ابن عمه محمد المهدي، فجرت بينهما حروب، كان الظهور فيها لابن عمه، فانخلع له، فسلم له الأمر، وذلك في رجب سنة ثمان وثلاثين وأربع مائة، وكانت مدته ثلاث سنين وستة أشهر، ومات بعد ذلك بيسير.
٢٦ - ذكر دولة المهديّ (٢)
أبي عبد الله محمد بن إدريس المتأيّد، بويع له بمالقة يوم خلع ابن أخيه
стр. 7474
العالي، وكان نبيه المعالي، وكانت بيعته في رجب سنة ثمان وثلاثين وأربع مائة، فتمت له الأمور، وتابعته البلاد فضبطها وكف عن أطرافها جور العدى وشططها، وأحسن تدبيرها، وكان سنوسيا نبيلا، رئيسا جليلا، فطنا بالصواب، لا يخطئ مواقعه، ولا يخلي من صفو المناهل مشارعه، أذكى قلبا من السراج، وأشف بصرا من الزجاج، محصنا للملك، مسكنا للفتن، مؤثرا للخير، مثمرا للجاني [أي مصلحا له] معمرا للنواحي، مصلحا لأمور الجند، منجحا لمقاصد الأمل، كانت أيامه هادئة مطمئنة، لا تنجم في دولته فتنة، ولم يزل كذلك إلى أن مات بمالقة، سنة أربع وأربعين وأربع مائة، وكانت مدته ست سنين وستة أشهر، وكلها محمودة ممدوحة ممنونة ممنوحة، كأنها أعياد، أو في جفون الزمن الوسنان رقاد، ينهل نداها سلكبا، ويجل قدر [ص ٣٦] دولتها فلا يمر بها السحاب إلا راحلا لا راكنا.
٢٧ - ذكر دولة الموفّق
أبي علي إدريس بن علي بن إدريس بن علي بن حمود بن أخي المهدي، وكان ندي الندى، يفوت كربة كل سخي، وعيش زمانه كل رخي، وعزم ضاربه كل نخي، لا يتأخر جوابه عن المصطرخ، ولا تأفل أهلة شهوره الحسان ولا تنتسخ، إلا أنّ الأقدار لم تسعده بمطلعها، ولم تبعده من اجتذاب منازعتها، بويع سنة أربع وأربعين وأربع مائة، ولم يخطب له خطيب، ولا هتف باسمه داع في بعيد ولا قريب، وبقي أشهرا كان زمانه فيها بالطاعة والعصيان مستمرا، ثم ثار عليه إدريس العالي بن يحيى بن علي بن حمود المخلوع المقدم ذكره، فخلعه وقسره عليه كالليث القسورة وما خدعه، وانتزع الملك، ثم عادت دولة العالي، وما بقيت إلا أياما وليالي، ثم أتاه الموت، وأجاب الصوت، فترك منبره، ونزل المقبرة. ثم كانت:
стр. 7475
٢٨ - دولة المستعلي (١)
أبي عبد الله محمد بن إدريس المتأيد بن الناصر علي بن حمود، وكان ممن يسود ولا يسود، يتساقط ضعفا، ويتقدم خلفا، بويع سنة ست وأربعين وأربع مائة، وخطب له بمالقة ومرية وزبدة وغيرها من البلاد، فتمهّد له الأمر وما كاد، وأراد التشبه بسيرة أبيه فما أطاق، ولا قدر أن يفتح بها فما، ولا يشد له بها نطاق، وضيق عليه باديس بن حيوس الصنهاجي صاحب غرناطة، فقهره وخلعه، وابتزه ملكه وما جمعه، وذلك في سنة تسع وأربعين وأربع مائة، وكانت مدته سنة واحدة، تنبّه عيونها وهي راقدة، ثم سار إلى المرية، قال [ص ٣٧] الغرناطي: فأقام سنة أذلّ من سائل، وأحقر من جاهل، فاستدعاه أهل مليلة ليملكوه، فعبر البحر فبايعوه في شوال سنة تسع وخمسين، ثم بايعه بنو ورتيدي وقلوع حاره ونواحيها، وأقام بها مملكا إلى آخر سنة ستين، ومات، وكانت مدته بها سنتين وثلاثة أشهر، وانقرضت دولتهم، وفني ملكهم، فسبحان من لا يفنى ملكه، بيده أخذ كل شئ وتركه.
٢٩ - ذكر دولة المهدي محمّد بن تومرت (٢)
ويكنى بأبي عبد الله، وهو المدعو له على منابر الغرب وبإفريقية خاصة إلى
стр. 7476
الآن، تقول الخطباء: الإمام المعصوم، المهدي المعلوم، وقال لي الإمام أبو عبد الله محمد بن الصايغ القرشي: إنه ربما دعي له إلى اليوم على منابر الأندلس، ولكن لا يزاد على قول المهدي المعلوم، وهو حسني من ولد الحسن بن علي ﵉، ومن الكنوز: أنه إدريسي، قال مؤلفه: هو من بني إدريس بن إدريس، وقال: وبنو عبد الله بن إدريس بن إدريس في السوس، عدد وخلق، قلت: ولم أقف على نسبه الموصول، ولا عرفت فرعه اليانع من أي الأصول.
وكان ابن تومرت داهية لا يعد معاوية بن أبي سفيان تربه، ولا مثله المغيرة بن شعبة، يقصر عنه دهاء عمرو، وسميّه ابن العاصي في آخر الأمر، أو قيس به زياد لما زاد، أو أبو جعفر المنصور لخاف على جعفره من مكاثرة الأمداد، وكانت
стр. 7477
همّته لا تحدثه بما دون النجم، وعزمته لا يلين عودها بالعجم، أبصر بمقاصده [من] زرقاء اليمامة، وأجدى على مؤمّله من أنواء الغمامة، وكان قد ساح في الأرض ورأى دنسها، وشمّر ذيله لما عرف نجسها، فأورد [ص ٣٨] خيله المجرّة (١)، وصعد أبنية البروج المشمخرّة، ونازع النجوم في رتبها، ونصل سها (٢) بشهبها، وافترس الأسد بالأسد، واقتبس جمرة المريخ في سنان ذابله وقد وقد، وكان قد قدم الصعيد في الدولة العبيدية، والرفض (٣) قد ملأ الملا واعتلى العلى، وعم الديار المصرية، حتى طبق مفاصلها وطرّق بالبدعة الشنيعة مواصلها، فنزل بمسجد هناك، رأى مكتوبا عليه: (لعن الله الصحابة) رضوان الله عليهم، فنزله، وهو من الحق تغلي مراجله، وود لو قد يساور كاتبه ويعاجله، فكتب عليه:
[البسيط]
إني وفي النفس أشياء مخبّأة … لألبسنّ لها درعا وجلبابا
حتى أطهّر هذا الدين من نجس … وأوجب الحقّ للسادات إيجابا
والله لو ظفرت كفّي ببغيتها … ما كنت عن ضرب أعناق الورى آبى
ثم قام وهو لا يتهدّى ولا يعرف أي بحر يجاوره ويتعدّى، ثم أتى مكة وشهد الموسم بمنى، وشاهد من فيه الغناء لا الغنى، واتخذ لعبة من الزجاج المذهب ووضعها على جمرة العقبة (٤)، وقعد أيامها وعينه مرتقبة، وبقي كلّ ما
стр. 7478
مرّ به مارّ قال له: هذه صورة فاكسرها، فلا يجيبه، ويقول: لعل لهذه صاحبا إذا كسرتها طالبني بثمنها، إلى أن مرّ به مغربي من أهل الجبل الذي آوى إليه، فلما قال له ما تأبّى أن كسرها وما تأتّى، فقال ابن تومرت: هؤلاء أريد لسرعة تلقيهم لما يقال لهم بالقبول، وترك القائل لهم وما يقول، وقضيته معروفة لم يخل منها مجالسة جليس، ولا مؤانسة أنيس، ولا سمع مرءوس ولا رئيس لما فيها من دقائق التلطف في المراد، والتوصل إلى ما في النفس والتهيؤ (١) للاستعداد، بهمة تقسر المآرب، وتعتذر على المطالب، وكان ابن تومرت واحد زمانه، وفريد عصره حتما وحزما وعزما وجزما وعلما [ص ٣٩] وحلما وعدلا، لا يدع ظلما ولا جورا، إلا ما يسمى في عيون الغيد حورا، ويدعى في ريق الغواني ظلما، مع الزهد والورع والقنع، ولو شاء لما اقتنع، والعفاف وما تلبس منه وادّرع، وكان لا يمل صاحبه ولا يسأمه، ولو تركه مغيرا لوجه ساحبه.
قال مؤلف الكنوز: كان ربعة قصفا (٢) أسمر عظيم الهامة حديد النظر، كثير الإطراق سجّاعا عالما، مقبلا على العبادة، لا يصحبه من متاع الدنيا إلا عصا وركوة (٣)، ومن الأشعار لابن العديم قال: لحق إلى المشرق ولقي الغزالي (٤) وأخذ معه فيما يرومه فصعّبه عليه، وقال له: لو كان هذا أمرا ممكنا لما سبقت إليه، فلما خرج الغزالي ﵀ لوداعه قال ابن تومرت فيه:
стр. 7479
[المتقارب]
أخذت بأعضادهم إذ نأوا … وخلّفك القوم إذ ودّعوا
فكم أنت تنهى ولا تنتهي … وتسمع وعظا ولا تسمع
فيا حجر الشحذ حتى متى … تسنّ الحديد ولا تقطع
قال: وأقام بمكة مدة يلاحظ أقدام رسول الله ﷺ ، ويتمثل طريقته، وينسج على منواله، فأخذ نفسه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكان قد اطلع على الجفر (١)، وعلوم أهل البيت، وأتى مراكش فرأى زينب بنت أمير المسلمين علي بن تاشفين (٢)، وحولها جوار لها يرفلن بالحلي والحلل، وهن حاسرات، فأنكر عليهن وضربهن بعصاة، فلما بلغ هذا أباها، عقد له مجلسا، وجمع فيه العلماء وأحضره، فتكلم بكلام أنكى به ابن تاشفين، فأشار عليه مالك بن وهب بسجنه، وقال: هذا لا يجري منه خير على الدولة، فقام الوزير وقال: هذا أضعف من أن يخاف منه، فخلصه الله منه، فقال لأصحابه: إن ابن وهب لا يبرح يضرب الأمثال فينا لعلّي حتى يبدو له رأي آخر، والرأي أن يعتصم بالجبل، فصعدوا إلى درن (٣) وبايعه أصحابه على أنه
стр. 7480
المهدي المبشّر به، وذلك سنة [ص ٤٠] خمس عشرة وخمس مائة، فلما صعد الجبل رأى زرقة في أبنائهم، فقال: من أين هذه الزرقة في بنيكم؟ قالوا علوج ابن تاشفين، تأتينا فتأخذ النساء وتنهب الأموال، فقبّح هذا وأكبره، وأمرهم بمنع ما كانوا يؤدونه، وقتل من أبى منهم، وظهرت على يده خوارق، يقول أولياؤه إنها كرامات، ويقول أعداؤه إنها مخاريق ميز في أهل الجبل المنافقين، وقال: قد عرّف بهم، يعني يكشف، ثم أخذ يضرب عنق كل متلو عليه فيشتد له أمر الجبل، وطفق يغزو بهم بلاد ابن تاشفين، وكانت عليه أول مرة، فطيّب قلوب أصحابه، وعرّفهم أن الكرّة لهم.
قلت: وله التصانيف المفيدة النافعة لمن تعلم الجامعة، في بعضها محاسن ما تقدم، واستفسد بالغرب أمما، بل استصلح واستبهم أمره بالكتمان حتى استصبح، ثم حارب لمتونة (١)، واستحوذ على ملكهم بلا مؤونة، لكنه مات وما فتح بلدا شهيرا، ولا معقلا منيعا اتخذه ظهيرا، وكان قد عهد إلى عبد المؤمن بن علي القيسي الكومي (٢)، وكان أخص أصحابه المعتبرة لصحابته، وأقرب
стр. 7481
مكانهم منه إلى ظل سحابته، وكان إذا رآه مقبلا قال، إما له وإما متمثلا، شعر:
[البسيط]
تكمّلت فيك أوصاف خصصت بها … فكلنا بك مسرور ومغتبط
السنّ ضاحكة والكفّ مانحة … والصدر متسع والوجه منبسط
فاستخفه الطيش وتسمّى بأمير المؤمنين، وما هو من قريش، وتداول بنو عبد المؤمن ملكا سموه الخلافة، وعظم شأنهم، وملكوا من حدود مصر إلى البحر المحيط في نهاية المغرب وجزيرة الأندلس، وإنما أجهد ابن تومرت نفسه، وركب الأخطار، حتى سبّب لهم هذا الملك العتيد، ونظم لهم هذا السلك الفريد، أذاعوا عنهم تلك السمعة التي أحوجت السلطان صلاح الدين ﵀، إلى أنه كاتبهم وراود كاتبه الفاضل بأن يخاطب قائمهم إذ ذاك بإمرة المؤمنين، فتأبّى عليه وامتنع، وقال: مثل [ص ٤١] هذا ما وقع ولا يقع، وقال: متى كتبنا لهم بهذا حتى قرئ الكتاب على منبر من منابر الغرب، جعلونا لهم خالعين، ولهم لا لبني العباس طائعين، واقتصر على أنه كتب نسخة إلا موضع هذه الكلمة، وخاطبهم وما أطلق ولا أمسك قلمه، بل هو في الرتبة الوسطى، لا يتمحّص فيها أنه أصاب ولا أخطأ، ثم توسل إلى صلاح الدين بأن لا يكون الكتاب بخطه، وقال له والخادم يستجير هو وذريته بالمولى من هذا، وكان مضمون الكتاب الاستنجاد بابن عبد المؤمن، وطلب الإمداد على الفرنج بما يمكن، ثم جهّز على يد ابن منقذ، فما كان بمنقذ، فاستصرخ به وما هو بمصرخه، ولا بواضع وزر همّه، ولا مفرخه، وإن كان هذا ما هو موضع ذكر بني عبد المؤمن، وإنما ذكر ابن تومرت اقتضاه، وهو الذي سلمهم السيف وانتضاه.
فهذه مشاهير دول بني الحسن بن علي ﵉، سوى من تقدم
стр. 7482
ذكره فيما تقدم من ذكر ولد الحسن، أو من لا يؤبه إليه، ولا امتد لملكه رسن، وأمراء مكة هم أمراء لا خلفاء ولا ملوك،
وما لذكرهم في هذه الطريق سلوك، وسيأتي في ذكر مملكة مصر والشام من التلميح بحديثهم ما فيه مقنع، ولمن أمال إليه صغوه مسمع.
٣٠ - فأما دول بني الحسين بن عليّ
كرم الله وجههما، فمنها دولة زيد بن علي بن الحسين بن علي (١)، وهو الخارج على هشام، ثم دولة ابنه يحيى الخارج على أثره، وكلاهما قتل، أما زيد فقتل وصلب، وأما يحيى فقتل ثم أحرق هو وجثة أبيه، كما تقدم ذكره، وأما بقية دولة الحسينيين فأبعدها صيتا، وأوقدها سهاما، كانت لنار الحرب كبريتا هي الدولة العبيدية، التي طاولت الأيام، وحاولت عمر الدوام، واستولت على الغرب ومصر والشام والحجاز [ص ٤٢] واليمن إلى أطراف العراق، ولزّت الدولة
стр. 7483
العباسية منها بضرة، إلا أنها غير حسناء، وابتزت بصفيحة صقيل إلا أنها ليست بخشناء، فأما المغرب إلى آخر حدود مصر، فما زعزع لهم فيها سرير، ولا نزع لهم فيها طاعة أمير، وأما الحجاز واليمن والشام فكانت تكون بينهم وبين الدولة العباسية، أو الناجمين فيها دول الأيام، ثم أصحب اليمن لدعاتهم، وسهّل ما استصعب لدعاتهم، وكانوا في أول الحال ملوك استقلال، ثم غلبت عليها الوزراء، ورمت حينها من الاعتلال، ونحن نذكر دول الحسينيين ممن اشتهر وتراءى فجر ملكه وظهر، ولا أقول إلا موجزا، ولا أعد من أخبارهم إلا بما أؤمّل أن أكون له منجزا، وأبدأ بالدولة العبيدية، وها أنا أذكرها وأصفها، وإن كنت لا أشكرها، وأصف بعض أيامها وإن لم يبق منها إلا تذكرها، وبالله التوفيق ومنه المدد، والهدى إلى الجدد.
ذكر الدّولة العبيديّة
نشأت بالغرب، ثم كانت بمصر، ولبثت أحقابا، وعبثت عفوا وعقابا، وعطلت فيها الشرائع، وبطلت الذرائع، وشدد فيها على المحدثين والمؤرخين وعلماء الأنساب، لئلا يظهر بهرج نسبهم الدعي، وزيف مذهبهم غير الشرعي، نسبوا علم الرفض، ودعوا الناس إلى هذا الشنار، وادعوا أنهم أئمة ولكنهم يهدون إلى النار، فلقد كانت ظلامات رفض، وظلمات بعضها فوق بعض، على أن من ردد في معتقدهم النظر، علم أنما غاب عنه منهم أكثر مما حضر، فإنهم طائفة ممن يعتقد الحلول (١)، وتعتضد بما لا يعقد عليه من المعتقد المحلول، ممن تقول بتناسخ الأرواح (٢)، وتناسي بعض النفوس لهياكل الأشباح، ولهم على
стр. 7484
زعمهم أئمة خفاء وظهور، وإن الزمان في كل سبعة يدور، وقد صنف [ص ٤٣] القاضي أبو بكر الباقلاني كتاب كشف الأسرار وهتك الأستار (١) في سوء معتقدهم ومرادهم، ووقفت على سجلات وتواقيع عن بعض أئمتهم، بعضها يحط صلوات، وبعضها بإقطاع في الجنة، أو رفع درجات، ولكثرة كلام الناس فيهم، نقنع باليسير، ولا حاجة إلى التفسير.
فأما نسبهم، فللناس فيه اختلاف كثير، فأما هم فادّعوا أنهم من ولد إسماعيل بن جعفر الصادق، وأما الناس، فمنهم من أفرط حتى قال إنهم من ولد رجل يهودي من أهل سلمية، ومنهم من قال: إنهم من ولد رجل خياط من بعض عامة المسلمين، وقال بعضهم: كان الداعية لهم داعيا لرجل شريف من آل البيت، فمات وقد اجتمعت زمر الشيعة، ولم يبق إلا الظهور، فلم يمكنه إطلاعهم على موت ذلك الشريف، لئلا تتقلل عزائمهم، وينفض جمعهم، فأخذ صبيا أراهم إياه، وقال لهم: إن الإمام مات وهذا ابنه، وقد أوصى إليه، ثم من قال إن ذلك الصبي ابن امرأة كان الداعية قد تزوج بها، وثبت في بغداد محضر بأنهم أدعياء، وأتي به إلى الشريفين المرتضى والرضي الموسويين (٢)، فأبيا أن يشهدا فيه، وكان هذا أقوى حجج العبيديين على دعواهم، وكذلك لهم
стр. 7485
شهادة صريحة شهد بها الشريف الرضي في قوله:
[الخفيف]
ما مقامي بأرض بغداد رشد … وبمصر الخليفة العلويّ
من أبوه أبي ودعواه دعواي … ومن جده وجدي النبيّ
ألبس الذّلّ في ديار الأعادي … وابن عمّي له المكان العليّ
إن عرقي بعرقه سيد النا … س جميعا محمد وعليّ
وأما حجة الخصم عليهم، فامتناع آل أبي طاهر من تزويج المعز أبي تميم معد، وكان السبب (١) في خطبته إليهم أنهم أعرق بيت في أهل مصر شرفا، فلما قدم المعز مصر ألقيت إليه ورقة فيها: [ص ٤٤]
[السريع]
إن كنت من أبناء أهل العبا … فاخطب إلى آل أبي طاهر
فان رآك القوم كفؤا لهم … في باطن الأمر وفي الظاهر
و (٢) ......
فخطب إليهم فاعتذروا إليه، وقالوا إنه لا بنت لنا، فسكت على مضض يتجرعه ولا يكاد يسيغه، وجرد كان لا يتوقعه ولا يزيغه، ثم ألقيت إليه بعدها أوراق فيها مذمة وعار وملمّة، لا يعرف لها شعار، ومن جملة [ذلك]:
[السريع]
إن كنت فيما تدّعي صادقا … فانسب لنا نفسك كالطائع
стр. 7486
فإنّ أنساب بني هاشم … يقصر عنها طمع الطامع
وأنت فيما تدعي عاجز … فاذكر أبا بعد الأب الرابع
أو فدع الأنساب مستورة … وادخل بنا في النسب الواسع
فصعد المنبر، وأخذ في إحدى يديه سيفا وفي الأخرى دينارا، ثم قال: أما بعد فقد كتبت لنا ورقة، يسأل فيها عن نسبنا، وهذا نسبي، وأشار إلى السيف، وهذا حسبي، وأشار إلى الدينار، فمن أقر بنسبي أدخلته حسبي، ومن لم يرد حسبي قتلته بنسبي، والسلام، ثم نزل.
وكانوا يكرمون الغرباء، وينعمون إنعاما يعمّ الناس، ويخصون الأدباء مع ما كان فيهم من احتقاب إفك (١)، واختضاب سيف بسفك، واتخاذ شيعة تسترك عقود الأنام، وتأخذ بالألباب أخذ النعاس بعين النيام، وفيهم يقول ابن قادوس (٢)، ويعرّض بالعباسيين وشعارهم، وهو:
[الكامل]
أنتم بنو الزهراء أوضح نوركم … للناس بهجا نائل ورشاد
وهم لما خوّلتم في مأثم … جمعوا العبوس إلى لباس حداد [ص ٤٥]
وقد ذهب بعض الناس إلى أن هذه الدولة من بني أبي لهب بن عبد المطلب بن هاشم، وقيل بل هم من حمير ثم من صنهاجة، والخلاف فيهم كثير، وها أنا
стр. 7487
أذكر أمر هؤلاء من أوله:
كان ابتداء أمرهم على يد أبي عبد الله الشيعي الملقب بالمحتسب (١)، واسمه: الحسين بن أحمد بن محمد بن زكريا الداعي ببلاد المغرب، والقائم بدولتهم، أصله من الكوفة، وقيل من رام هرمز من كور الأهواز، قال الشريف أبو العباس أحمد بن الحسن الحسني الغرناطي: وكان رافضيا خبيثا ذا عقل ودين صليب، وعلم بارع، وورع حاذق، كدهن على ورم، وكان [له] أخ اسمه أحمد، أسن منه وأعلم وأورع، يقال له أبو العباس المخطوم وكان بدء أمره بمكة، وتمامه بأيكجان من بلاد كتامة، حجّ فالتقى في مكة بقوم من كتامة سبعة، كانوا يتشيعون للحواني داعية المغرب قبله بأزيد من مائة سنة، فلما سمعوا كلامه أحبوه وتقربوا إليه واتبعوه، فخرج معهم إلى بلادهم أيكجان نصف ربيع الأول سنة ثمانين ومائتين، فقال لهم: أين فج الأخيار؟ (٢) فعجبوا من علمه، فقالوا له: عند بني سكان، فقال: لهم نقصد وعندهم ننزل، فلما قارب المكان قال لهم: هذا فج الأخيار، وقال له موسى بن حريث: من أين علمته ونحن ما
стр. 7488
ذكرناه لك؟ فقال:
أنتم الأخيار وبكم سمّي، فلما نزل به تسامع به الناس ودخلوا إليه، فكان يخبرهم بفضائل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب والأئمة من ولده ﵈، فكثر جمعه، وجيّش جيشا، وقاتل أهل أفريقية، فافتتح ميلة ثم سطيف ثم طيبة ثم بلزمة ثم دار ملوك ثم بيحس؟ ثم باغاية ثم قسطيلة ثم قفصة ثم الاربس (١)، وهرب زيادة الله بن الأغلب من رقادة (٢)، فدخلها الشيعي يوم الاثنين السادس والعشرين من جمادى الآخرة سنة ست وتسعين ومائتين، ثم جمع جموعه [ص ٤٦] وعبّأ عساكره، وخرج يريد سجلماسة (٣) يوم الخميس العشرين من رمضان منها، واستخلف على رقادة وسائر أفريقية أخاه المخطوم وأبا زاكي تمام بن معارك الأيكجاري، وكان هذا أبو زاكي تمام بن معارك أول من لاقى الشيعي، فقال له ما اسمك يا فتى؟ فقال: تمام، [فقال]: بك تتم أمورنا، فما اسم أبيك؟ قال: معارك، فقال الشيعي: لكن بعد عرك عظيم، فلما أتى سجلماسة أرسل يقول لصاحبها اليسع بن مدرار: إننا ما جئنا لقتال، ولكن بحاجة ولك الأمان والبر والإنعام، فرمى اليسع الكتاب، وضرب
стр. 7489
أعناق محضريه، فكتب إليه ثانيا، ثم ثالثا، ففعل كفعله الأول فيهما، فناجزه الحرب، فانهزم اليسع ودخل المدينة مهزوما، ثم خرج منها فارا، فدخلها الشيعي، وأخرج المهدي، وأطلق الخيل في طلب اليسع، فأدركوه فأخذوه هو ومن كان معه، وأتوه به، فأمر باليسع فضرب بالسياط، وطيف به في العسكر، ثم أمر به وبمن كان معه فضربت أعناقهم، وذلك في ذي الحجة من السنة المذكورة، ثم أقعد المهدي وأخذ له البيعة على الناس، وقدم به دار الملك رقادة، فدخلها في جمادى الآخرة سنة سبع وتسعين ومائتين، وأقام بها الشيعي إلى أن قتل هو وأخوه العباس المخطوم، قال: وكان سبب قتلهما أنهما ندما على إقامة المهدي وأرادا خلعه.
قلت: ولنذكر هنا ما قاله الغرناطي، وقد ذكر فرق الشيعة بعد قتل الحسين ﵇، فقال: تفرقوا أربع فرق، هم الأصول: علوية، وفاطمية، وحسنية، وحسينية، فالعلوية رأت الإمامة في ولد علي عموما دون تخصيص، وهم الكيسانية، وهم القائلون بإمامة محمد بن الحنفية، كما نبهنا عليه، والفاطمية رأت الإمامة في ولد الحسن والحسين ولدي فاطمة ﵉، وهم الزيدية، والحسنية: وهم الذين رأوا الإمامة في الحسن ثم في ولده، ثم في عبد الله [ص ٤٧] بن الحسن بن الحسن والد إدريس صاحب المغرب، ثم في الأدارسة بنيه أبدا، والحسينية: وهم الذين رأوا الإمامة في ولد الحسين، ثم في ولده علي زين العابدين، ثم في ولده محمد الباقر، ثم في ولده جعفر الصادق، ثم افترقوا، فرأت فرقة أن الإمامة في ولد موسى الكاظم، ثم من بعده في ولد علي الرضا، ثم في ولده علي الجواد، ثم في ولده علي بن علي الهادي، ثم في ولده الحسن العسكري، ثم في ولده محمد المنتظر، وكان حينئذ في بطن أمه، وهم الإمامية، ورأت فرقة: أن الإمامة في إسماعيل بن جعفر الصادق، وهم الإسماعيلية، وأهل هذه الدولة منهم، وها أنا أذكرهم، فأولهم: هذا القائم بالمغرب:
стр. 7490
٣١ - المهديّ بالله (١)
أبو محمد عبيد الله بن محمد بن جعفر بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وكان رجلا حازما عازما عارفا عالما، أتقن جانبا من علم الأوائل، وأجاد في فن الروحاني، وحذا شعبة من السحر، وأورثه بنيه، وكان لا يودع إلا الأئمة منهم، وكان يشبّه في أمره بالسفاح، لقيامه بدولة أقامها بالصفاح، وكان أبو عبد الله الشيعي داعيته وساعيته حتى حاز الملك وكاده (٢)، وكان رجلا حازما بريئا من التكلف، غنيا بما يظهره من التعفف، لا يتعمق في متاع الحياة الدنيا، ولا يتعرض إلى زايد عما يحتاج إليه مدة ما يحيا، وكان يجلس على اللبود، ويأكل الخشن من الطعام، ويكتفي بجارية واحدة وغلام، وكان يظهر مظاهر الزهاد، ويقف مع ظاهر النساك على رؤوس الأشهاد، مع ما في باطنه من الداء الدوي، والمعتقد البئيس الردي، والإعلان بالسب، والإمعان في الطعن فيمن دب، وإظهار الإيمان، وإبطان الكفر، وتمزيق أهل جلدة الإسلام بالناب
стр. 7491
والظفر، مع عدل بسط بساطه، وكان به فتور [ص ٤٨] فكأنما حلّ من عقال نشاطه، وكانت الكتب لا تنفذ في أيامه إلا باسم ولده محمد القائم، وكان لا يسمى المهدي فيها، وبعث دعاته إلى الأرض، وبث فيها عقاربه، وبعث أقاربه، بل أراقمه، ونفث سمه من سوء الاعتقاد أو ما قاربه.
قال ابن سعيد: وعبيد الله المهدي أول خلفائهم، تشبه بالسفاح أول خلفاء بني العباس، فإن السفاح خرج من الحميمة بالشام (١) طالبا للخلافة، والسيف يقطر دما من أصد (٢)، وأبو سلمة الخلال (٣) يؤسس له الأمن، ويثبت دعوته، وعبيد الله المهدي خرج من سلمية بالشام (٤)، وفي رأسه طلب الأمر، والعيون قد أذكيت عليه، وأبو عبد الله الشيعي يسعى في تمهيد دولته، وكلاهما تم له الأمر، وبايعه صاحب دعوته، وقتل عبيد الله أبا عبد الله الشيعي القائم بدولته، وأصبح أبو سلمة مقتولا في حضرة السفاح، فنسب قتله إليه، قلت: بل هو الصحيح أنه دسّ عليه من قتله، ونصب له المكيدة حتى ختله، وذكر الشريف أبو العباس أحمد بن الحسن الحسني الغرناطي خلافا كبيرا في أمر المهدي المذكور، في تاريخه، ثم قال: ولد بسلمية، وقيل ببغداد سنة ستين
стр. 7492
ومائتين، وبويع له برقادة يوم الخميس الموفي بعشرين من ربيع الآخر سنة سبع وتسعين ومائتين، وهو ابن سبع وثلاثين سنة، وهو باني المهدية وغيرها، ولما ظهر أمر الشيعي القائم بالمغرب بدعوته، جعل الخليفة عليه عيونا بمصر، فوقع المهدي بمصر في زي التجار بيد صاحبها عيسى النوشري (١)، فقال له: أنت الذي طلبه أمير المؤمنين؟ فقال: إنما أنا رجل تاجر، فاتق الله في دمي، فخلى سبيله، فخرج في قافلة يريد أفريقية، ثم أنه فقد كلبا كان يصيد به، فرجع في طلبه، وإن صاحب مصر ندم على تخليته، فخرج في طلبه فاذا [هو] راجع في طلب كلبه، فقال: لو كان هذا هو المطلوب لطلب النجاة لنفسه، ولم يرجع في طلب كلب، فانصرف وتركه، فسار حتى نزل [ص ٤٩] طرابلس، وكان زيادة الله بن الأغلب قد أرصد عليه عيونا، فخاف عبيد الله على نفسه، فأخذ طريق قصطيلية حتى أتى سجلماسة في يوم الأحد السابع من صفر ستة وتسعين ومائتين، ومعه ابنه أبو القاسم محمد القائم، فوشى به واش إلى صاحبها اليسع بن مدرار، فأحضره بين يديه واستفهمه عن حاله، فقال: أنا رجل تاجر، فقال له: لا إنما أنت المهدي الذي يدعو إليه هذا الشيعي، فأظهر البراءة منه، وأنكر ذلك، فجعله في دار ورسم به، وأجرى عليه الأرزاق، وبلغ الشيعي خبره، فبعث أبا زاكي بمال وطرف من طرف الملوك، فأوصلها إليه مستخفيا، وسلم عليه ثم رجع إلى الشيعي فأعلمه بصحة الخبر، فسار إلى سجلماسة بجيوشه حتى استخرجه منها، كما تقدم ذكره، ثم ما زال يكلأه حتى تم أمره، وانقاد له الملك عنوة، وركب من منابره الغارب والذروة، وأطاعه الناس رهبا ورغبا، وبايعه
стр. 7493
الخلق والسيف على عنق من أبى، ثم ما برح جده يعلو، وورده يحلو، حتى كان قائم دولة شاطرت المعمور، وشارطت السنين لا الشهور، ثم كان والد أملاك، وقاعدة ممالك باهرت الأفلاك، ولولا علم الله السابق ولطفه، لبلغت دولتهم أقصى الشرق في مذهبها، وعجلت الآية الكبرى بطلوع الشمس من مغربها.
وذكر القرطي في تاريخ القوم أن المهدي فيما كتب إلى القرامطة قبل انفراقهم عنه: وأنا أحلف أيها المؤمنون بأجل مما يحلف به لما اتبعته مما أطعنا الله عليه من غيبه الذي استأثرته، وآثر بعلمه أولياءه الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، أنه لابد من أن يحل ولاتنا بخضراء بني أمية بالشام، وبخضراء بني العباس بالعراق ويكون لنا من الخلفاء مثل من كان لبني أمية، قال: فقد والله إن كان جميع ما ذكره هو ما دوّن من كلامه ما وقّع به لقاضي قضاته أبي المنهال، وقد أعاده إلى القضاء بعد عزله، وهو: إنما عزلتك للينك ومهانتك، ورددتك لدينك وأمانتك، وتوفي نصف ربيع الأول سنة [ص ٥٠] اثنتين وعشرين وثلاث مائة، ثم ابنه:
٣٢ - القائم بأمر اللّه (١)
أبو القاسم محمد، وكان لا يرضى إلا قائم السيف صاحبا، ولا يعدل عن
стр. 7494
الليل والخيل والبيداء مصاحبا، بعزم لا يقصف سمهريّه، ولا يقصى عن عاتقه مشرفيّه، وكان قد وجّه إلى بغداد قصيدة يفخر ببيته، ويسمع بها مبلغ صوته، ويذكر فيها ما فتح من البلاد التي ملك، وقدح بسنابك جياده في كلما سلك، فأجابه الصولي بقصيدة على وزنها ورويها، بصّر بحسنها ووريها، وصبر القائم على منافذ طعانها، ومآخذ لعانها، وكان منها قوله:
[الطويل]
ولو كانت الدنيا مثالا لطائر … لكان لكم منها بما حزتم الذّنب
وسيأتي ذكر هذا البيت في موضعه من الإنصاف بين المشرق والمغرب، فحرّك هذا همّة القائم بالله على قصد جهة المشرق، [وقال]: والله لا أراك حتى أملك صدر الطائر ورأسه إن قدرت، وإلا أهلك دونه، فكابد على مصر من الحروب أهوالا، وجاهد فيها رأيه وأنفق أموالا، ومات ولم يظفر بحضرتها، ولا اقتات طرفه بنظر نضرتها، مع كونه عاث في أطرافها، وعام في بحرها العباب وما التحف بطرفها.
حكى مؤلف الكنوز: أنه اشتد حزنه على موت أبيه، وأقام مدة يخفيه، ولم يرق بعده شهرا، ولا ركب من قصره مذ صار إليه الأمر إلا مرتين، مرة صلى على جنازة، ومرة صلى بالناس العيد، وبدأ أمره بأن أمر عماله بعمل السلاح، والاستعداد للقاء، وجهز بعوثه إلى بلاد فاس وما حولها من بلاد المغرب، فدوّخها، ومولده بسلمية سنة ثمان ومائتين، وبويع يوم أبيه، وتوفي يوم الأحد ثالث عشر شوال سنة أربع وثلاثين وثلاث مائة، وكانت خلافته اثنتي عشرة سنة وسبعة أشهر.
ثم ابنه:
стр. 7495
٣٣ - المنصور بالله (١)
أبو الطاهر إسماعيل، وكان قد أوصى إليه أبوه بقصد مصر واستضافتها، وإعداد القرى لقري إضافتها، فشغلته الفتن التي قامت بأفريقية واستأصلت [ص ٥١] لولا عوارضها المستبقية، فإنها ثارت ثوايرها في كل قطر، وطارت بواترها في ظل السيوف البتر، وكان جهد المنصور أن يرقع خروقه، ويخيط بإبر الرماح فتوقه، ولم تعدّ همّته قدر الاستصلاح، ولم تعل عزمته على الدفع بالراح، وكان أقصى اجتهاده أن يذود عن حوضه الغرائب، ويذوب خوفا يخرج من بين الصلب والترائب، إشفاقا على ملكه من تجاذب الأطراف وتجابذ الأطراف، خشية أن ينتزع، وحذرا من قاصد بسيفه أن يزع.
قال ابن سعيد: وهذا المنصور مشبّه بالمنصور، لأن كلا منهما اختلت عليه الدولة، وأصفقت عليه الحروب، وكان يسلّ من الخلافة، فهبّ له ريح النصر، وتراجع له أمره حتى لم يبق مخالف، وحين [أراد] لبنيه ختانا لم تسمو همّة ملك إليه (٢)، أمر بأن يكتب له أولاد قواده وأجناده، وسائر رجاله وعبيده وأهل بلاده، وكساهم وكانو زهاء مائة ألف، ثم فرّق فيهم أموالا جزيلة وبدأ بالختان