والظفر، مع عدل بسط بساطه، وكان به فتور [ص ٤٨] فكأنما حلّ من عقال نشاطه، وكانت الكتب لا تنفذ في أيامه إلا باسم ولده محمد القائم، وكان لا يسمى المهدي فيها، وبعث دعاته إلى الأرض، وبث فيها عقاربه، وبعث أقاربه، بل أراقمه، ونفث سمه من سوء الاعتقاد أو ما قاربه.
قال ابن سعيد: وعبيد الله المهدي أول خلفائهم، تشبه بالسفاح أول خلفاء بني العباس، فإن السفاح خرج من الحميمة بالشام (١) طالبا للخلافة، والسيف يقطر دما من أصد (٢)، وأبو سلمة الخلال (٣) يؤسس له الأمن، ويثبت دعوته، وعبيد الله المهدي خرج من سلمية بالشام (٤)، وفي رأسه طلب الأمر، والعيون قد أذكيت عليه، وأبو عبد الله الشيعي يسعى في تمهيد دولته، وكلاهما تم له الأمر، وبايعه صاحب دعوته، وقتل عبيد الله أبا عبد الله الشيعي القائم بدولته، وأصبح أبو سلمة مقتولا في حضرة السفاح، فنسب قتله إليه، قلت: بل هو الصحيح أنه دسّ عليه من قتله، ونصب له المكيدة حتى ختله، وذكر الشريف أبو العباس أحمد بن الحسن الحسني الغرناطي خلافا كبيرا في أمر المهدي المذكور، في تاريخه، ثم قال: ولد بسلمية، وقيل ببغداد سنة ستين
стр. 7492
ومائتين، وبويع له برقادة يوم الخميس الموفي بعشرين من ربيع الآخر سنة سبع وتسعين ومائتين، وهو ابن سبع وثلاثين سنة، وهو باني المهدية وغيرها، ولما ظهر أمر الشيعي القائم بالمغرب بدعوته، جعل الخليفة عليه عيونا بمصر، فوقع المهدي بمصر في زي التجار بيد صاحبها عيسى النوشري (١)، فقال له: أنت الذي طلبه أمير المؤمنين؟ فقال: إنما أنا رجل تاجر، فاتق الله في دمي، فخلى سبيله، فخرج في قافلة يريد أفريقية، ثم أنه فقد كلبا كان يصيد به، فرجع في طلبه، وإن صاحب مصر ندم على تخليته، فخرج في طلبه فاذا [هو] راجع في طلب كلبه، فقال: لو كان هذا هو المطلوب لطلب النجاة لنفسه، ولم يرجع في طلب كلب، فانصرف وتركه، فسار حتى نزل [ص ٤٩] طرابلس، وكان زيادة الله بن الأغلب قد أرصد عليه عيونا، فخاف عبيد الله على نفسه، فأخذ طريق قصطيلية حتى أتى سجلماسة في يوم الأحد السابع من صفر ستة وتسعين ومائتين، ومعه ابنه أبو القاسم محمد القائم، فوشى به واش إلى صاحبها اليسع بن مدرار، فأحضره بين يديه واستفهمه عن حاله، فقال: أنا رجل تاجر، فقال له: لا إنما أنت المهدي الذي يدعو إليه هذا الشيعي، فأظهر البراءة منه، وأنكر ذلك، فجعله في دار ورسم به، وأجرى عليه الأرزاق، وبلغ الشيعي خبره، فبعث أبا زاكي بمال وطرف من طرف الملوك، فأوصلها إليه مستخفيا، وسلم عليه ثم رجع إلى الشيعي فأعلمه بصحة الخبر، فسار إلى سجلماسة بجيوشه حتى استخرجه منها، كما تقدم ذكره، ثم ما زال يكلأه حتى تم أمره، وانقاد له الملك عنوة، وركب من منابره الغارب والذروة، وأطاعه الناس رهبا ورغبا، وبايعه
стр. 7493
الخلق والسيف على عنق من أبى، ثم ما برح جده يعلو، وورده يحلو، حتى كان قائم دولة شاطرت المعمور، وشارطت السنين لا الشهور، ثم كان والد أملاك، وقاعدة ممالك باهرت الأفلاك، ولولا علم الله السابق ولطفه، لبلغت دولتهم أقصى الشرق في مذهبها، وعجلت الآية الكبرى بطلوع الشمس من مغربها.
وذكر القرطي في تاريخ القوم أن المهدي فيما كتب إلى القرامطة قبل انفراقهم عنه: وأنا أحلف أيها المؤمنون بأجل مما يحلف به لما اتبعته مما أطعنا الله عليه من غيبه الذي استأثرته، وآثر بعلمه أولياءه الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، أنه لابد من أن يحل ولاتنا بخضراء بني أمية بالشام، وبخضراء بني العباس بالعراق ويكون لنا من الخلفاء مثل من كان لبني أمية، قال: فقد والله إن كان جميع ما ذكره هو ما دوّن من كلامه ما وقّع به لقاضي قضاته أبي المنهال، وقد أعاده إلى القضاء بعد عزله، وهو: إنما عزلتك للينك ومهانتك، ورددتك لدينك وأمانتك، وتوفي نصف ربيع الأول سنة [ص ٥٠] اثنتين وعشرين وثلاث مائة، ثم ابنه:
٣٢ - القائم بأمر اللّه (١)
أبو القاسم محمد، وكان لا يرضى إلا قائم السيف صاحبا، ولا يعدل عن
стр. 7494
الليل والخيل والبيداء مصاحبا، بعزم لا يقصف سمهريّه، ولا يقصى عن عاتقه مشرفيّه، وكان قد وجّه إلى بغداد قصيدة يفخر ببيته، ويسمع بها مبلغ صوته، ويذكر فيها ما فتح من البلاد التي ملك، وقدح بسنابك جياده في كلما سلك، فأجابه الصولي بقصيدة على وزنها ورويها، بصّر بحسنها ووريها، وصبر القائم على منافذ طعانها، ومآخذ لعانها، وكان منها قوله:
[الطويل]
ولو كانت الدنيا مثالا لطائر … لكان لكم منها بما حزتم الذّنب
وسيأتي ذكر هذا البيت في موضعه من الإنصاف بين المشرق والمغرب، فحرّك هذا همّة القائم بالله على قصد جهة المشرق، [وقال]: والله لا أراك حتى أملك صدر الطائر ورأسه إن قدرت، وإلا أهلك دونه، فكابد على مصر من الحروب أهوالا، وجاهد فيها رأيه وأنفق أموالا، ومات ولم يظفر بحضرتها، ولا اقتات طرفه بنظر نضرتها، مع كونه عاث في أطرافها، وعام في بحرها العباب وما التحف بطرفها.
حكى مؤلف الكنوز: أنه اشتد حزنه على موت أبيه، وأقام مدة يخفيه، ولم يرق بعده شهرا، ولا ركب من قصره مذ صار إليه الأمر إلا مرتين، مرة صلى على جنازة، ومرة صلى بالناس العيد، وبدأ أمره بأن أمر عماله بعمل السلاح، والاستعداد للقاء، وجهز بعوثه إلى بلاد فاس وما حولها من بلاد المغرب، فدوّخها، ومولده بسلمية سنة ثمان ومائتين، وبويع يوم أبيه، وتوفي يوم الأحد ثالث عشر شوال سنة أربع وثلاثين وثلاث مائة، وكانت خلافته اثنتي عشرة سنة وسبعة أشهر.
ثم ابنه:
стр. 7495
٣٣ - المنصور بالله (١)
أبو الطاهر إسماعيل، وكان قد أوصى إليه أبوه بقصد مصر واستضافتها، وإعداد القرى لقري إضافتها، فشغلته الفتن التي قامت بأفريقية واستأصلت [ص ٥١] لولا عوارضها المستبقية، فإنها ثارت ثوايرها في كل قطر، وطارت بواترها في ظل السيوف البتر، وكان جهد المنصور أن يرقع خروقه، ويخيط بإبر الرماح فتوقه، ولم تعدّ همّته قدر الاستصلاح، ولم تعل عزمته على الدفع بالراح، وكان أقصى اجتهاده أن يذود عن حوضه الغرائب، ويذوب خوفا يخرج من بين الصلب والترائب، إشفاقا على ملكه من تجاذب الأطراف وتجابذ الأطراف، خشية أن ينتزع، وحذرا من قاصد بسيفه أن يزع.
قال ابن سعيد: وهذا المنصور مشبّه بالمنصور، لأن كلا منهما اختلت عليه الدولة، وأصفقت عليه الحروب، وكان يسلّ من الخلافة، فهبّ له ريح النصر، وتراجع له أمره حتى لم يبق مخالف، وحين [أراد] لبنيه ختانا لم تسمو همّة ملك إليه (٢)، أمر بأن يكتب له أولاد قواده وأجناده، وسائر رجاله وعبيده وأهل بلاده، وكساهم وكانو زهاء مائة ألف، ثم فرّق فيهم أموالا جزيلة وبدأ بالختان
стр. 7496
لست بقين من ذي الحجة سنة أربعين وثلاث مائة، ودام إلى سابع المحرم من السنة المقبلة، والجزر تنحر وسائر الذبائح والولائم تعمل، ويقال إنه أنفق نحو ألف ألف دينار في هذه الأيام، ولم ير كصبره يوم القيروان وهو يعامل أبا يزيد النكاري، وقد ذكر حسن موقفه شاعره محمد بن الحارث (١)، فقال:
[الطويل]
ولم أر كالمنصور بالله ناصرا … لدين وأحمى منه ملكا وأمنعا
ألم تر يوم القيروان وقوفه … وقد كادت الأكباد أن تتقطّعا
وأبرز عن وجه من الصبر أبيض … يقابل وجها للكريهة أسفعا
إذا استقبل الأبصار وهي طوامح … ثناها فلم تستكمل اللحظ خشّعا
وولد بالمهدية سنة اثنتين وثلاث مائة، وولي وله اثنتان وثلاثون سنة [ص ٥٢]، وتوفي يوم الجمعة سلخ شوال سنة إحدى وأربعين وثلاث مائة، وله من العمر تسع وثلاثون سنة، وكانت ولايته سبعة أعوام.
ثم كانت خلفاؤهم بمصر، وأولهم:
٣٤ - المعزّ لدين اللّه
أبي تميم معد (٢) بن أبي الطاهر إسماعيل المنصور، وهو الذي ظفر بحضرة
стр. 7497
مصر وملكها، وحصل له حظوة ملكها وأدركها، ووصلت إليه جيوشه، وحصلت على معاقد شرفاتها عروشه، وقدم أمامه القائد جوهر فاختلط القاهرة وبنى له بهما القصرين، وإلى الآن بعض آثارهما الظاهرة، وقسم بناء المدينة على من كان في جملة المعز من القبائل، واتخذ الكافوري بستانا ترق به الجداول، وتزف الخمائل، وشرع أبواب المدينة، ولم يكمل لها سورا يدور بنطاقها، ولا أقام لها جدرا يستند إليه ظهور أسواقها، ثم مدنت بعد ذلك التخطيط، وأدير بها سور اللبن المحيط، وذلك لما أناخت القرامطة بساحتها، وأنامت المعز وهو يعتقد أن روحه في راحتها، ثم بنى في الأيام الصلاحية السور الحجر الدائر، وضرب عليها مثلها الساير، ثم لما كمل القائد جوهر بناء ما شرعه، أتم قصر المعز وموضعه، استخلف المعز بالمغرب بعض أشياعه، وقدم مصر وقد شرق صدر البر والبحر بأتباعه، وأتى الإسكندرية وخيّم بظاهرها، وجثم أسده الهصور يزأر، إلا على زائرها، وتلقاه إليها أهل مصر من القواد والوزراء والقضاة والعلماء ووجوه الناس، فبسطهم بالإيناس، وتلقاهم بالرحب والسعة، وأمر لهم بالخلع والأنزال الموسعة، ثم سار حتى أتى مصر ودخل القاهرة، ونزل بقصره بها في يوم الثلاثاء لتسع عشرة ليلة خلت من شعبان سنة ثمان وخمسين وثلاث مائة، وتوفي في يوم الجمعة الحادي عشر من شهر ربيع الآخر سنة خمس وستين وثلاث مائة.
وذكر ابن الأثير: أن ملك الروم كان أرسل إلى المعز رسولا بالمهدية، ثم كان
стр. 7498
يتردد إليه، فأتاه وهو بمصر فخلا به بعض الأيام، فقال له المعز: [ص ٥٣] أتذكر إكرام [ي لك إذ] (١) أتيتني رسولا وأنا بالمهدية، فقلت لك: لتدخلنّ عليّ بمصر وأنا خليفة؟ فقال له الرسول: إن أمنتني على نفسي ولم تغضب قلت لك ما عندي، فقال له المعز: قل وأنت آمن، فقال له: لما بعثني الملك إليك ذلك العام، وأنت من عظمتك في عيني وكثرة أصحابك ما كدت أموت منه، ووصلت إلى قصرك فرأيت عليه نورا عظيما (٢) أشخص بصري، ثم دخلت عليك فرأيتك على سرير ( .... ) (٣)، فلو قلت لي إنك تعرج إلى السماء لظننت ذلك، ثم جئت إليك الآن فما رأيت من ذلك شيئا، وأشرفت على مدينتك فرأيتها مظلمة، ودخلت عليك فما وجدت لك من المهابة ما وجدته ذلك العام، فقلت: كان ذلك أمرا مقبلا، وهذا أمر مدبر، ولا أخالك إلا ميتا، فلم تلبث بعدها المعز الحمى ومات، وقد كان المعز احتفر له سردابا، وقال لأصحابه: إن بيني وبين الله عهدا، وإني ماض إليه، وقد استخلفت عليكم ابني نزارا، ثم تغيب سنة في السرداب ثم ظهر وهو متعلل، فمات، وكان أحد المغاربة إذا رأى سحابا نزل وأومأ إليه بالسلام، ظنا منه أن المعزّ فيه، وكانت ولايته ثلاثا وعشرين سنة وخمسة أشهر وعشرة أيام.
ثم ابنه:
٣٥ - العزيز بالله
أبي المنصور نزار (٤)، وكانت أيامه أيام دعة، وتمام سعة، والناس فيها في
стр. 7499
هدوء لا يقلقل له مضجع، ولا يساء به قلب ولا مسمع، وما برح أهل مصر في كل جيل يضرب به المثل، فيقول لما يستطيب من الأيام: كأنها أيام العزيز، لأنه كان لين الجانب يعنيه، حسن المناقب عن خشن المقانب يغريه، كرم سجيته بالندى الغمر، ويعزه في الندى هزة الخمر، ووقفت على تاريخ ضبط له، فما رأيت في رسوم ما يحيي من الرعايا مثل عدل أمر به، وظلم بطله، وأمن أراح سيفه، وأنام بطله، وتفسح العزيز في بلاده، وتلقح على العراق ليوطئه سنابك جياده، ودعي له على منابر الشام، وذكر له على منابر المساجد، وحيي بالسلام، وبلقبه لقّب السلطان الدّين ابنه العزيز عثمان، ترجّيا [ص ٥٤] أن تكون أيامه شبيهة بأيامه في الرخاء والأمان، فكانت مثلها في الأمان لا في الرخاء، ونظيرها في الامتنان والسخاء، فإن في أيام العزيز عثمان حدث بمصر غلاء، وارتفع السعر وكان له علاء، ثم عظم أيام عمه العادل، مما ليس هذا بموضع ذكره، ولا تشويش هذا التصنيف بنكره.
قال ابن سعيد: وسفرته من أفريقية إلى مصر وما ظهر منه من حسن التدبير، وهبوب النصر والحزم في الاستيلاء. كسفرة المأمون من خراسان إلى بغداد. قال الروذباري في تاريخهم: حضرت الخطبة للحاكم ابن العزيز، فما قدر أحد يفهم ما يقول الخطيب، لضجيج الناس وبكائهم على العزيز، كان محسنا إلى الخاص والعام، شاملا بالبر للقريب والبعيد، مبذول اليد بالكرم، مسبل الذيل بالفضل، كثير العفو، قليل الانتقام، عوادا بالجميل، منيبا إلى الحق، غير متظاهر بما يذم،
стр. 7500
ولا داع إلى ما يكره، وتوفي سنة ست وثمانين وثلاث مائة، وولد بالمهدية يوم الخميس الرابع عشر من المحرم سنة أربع وأربعين وثلاث مائة، وولي العهد بمصر يوم الخميس عاشر ربيع الآخر سنة خمس وستين وثلاث مائة، وولي الخلافة في اليوم الثاني، وله اثنان وأربعون سنة وثمانية أشهر وأربعة عشر يوما، وكانت مدة خلافته إحدى وعشرين سنة وخمسة أشهر ونصف شهر.
ثم ابنه:
٣٦ - الحاكم بأمر اللّه
أبو علي المنصور (١)، ولي وكان صغيرا، وأوتي ملكا كبيرا، ولما طلب للبيعة [كان] قد صعد شجرة جميز في داره بالقصر يلعب فيها مع الصغار، وملك وما كلف خيله اضطراد ولا جشّمها المغار، ثم كبر وظهرت منه أمور ينكرها العاقل، ويكرهها الناقل، لكثرة ما كان عليه أمره من الاختلال، وفكره السقيم من الاعتدال، فإنه كان في كل حين يحدث حكما محدثا، وعلما كأنما كان بها محدثا، فانه كان مع إفراطه في التهور، وخباطه في أموره التي تدل على
стр. 7501
عدم التصور، ربما حدث بأنواع من [ص ٥٥] الحدثان، وتكلم بأسجاع مثل سجع الكهان، وعبدة الأوثان، وبلغ مدة في الكبرياء، ثم بقي مدة لا يأنف من مخالطة الأدنياء، وكان يركب حمارا له ويدور، وقدامه عبدان بأيديهما حربتان، ويشق القاهرة ومصر، ويخالط العامة، ويخرج إلى الحاجر، ويطلع إلى الجبل، ثم ربما ردّ العبدين وسار وحده، وغاب اليوم واليومين والمدة، ثم يلاقيه الموكب إلى مكان يكون قد واعد إليه العبدين، في وقت يوقته، وميعاد لا يفوته، ثم كشف الغطاء وباح، وقال علوه واستراح، وادّعى فيه الألوهية، وقال مقالة فرعون، ونصب نفسه للناس طاغوتا، وأخذ بعض الناس بالقول أخذا مبغوتا، وأمر بعض أشياعه بأن يحتال له في إظهار هذه المقالة، وضم إليه قوما من الرجال القالة، فأتى ذلك الداعي الشيطان الرجيم، وأمر بأن يكتب: (بسم الله الحاكم الرحمن الرحيم)، وجرى في هذا من الفتن ما ذهبت به نفائس ونفوس، وانتهبت به أموال ورؤوس، ودارت به دوائر سعود ونحوس، وأماير نعيم وبؤس، مما هو ملء التواريخ، وتتضع له غرّ الذرى الشماريخ، تبارك الله وتعالى جده، ولا إله غيره، وتقدس اسمه عما يقول الظالمون، ويجهل الجهال، أو يزل العالمون، ثم لما عظم البلاء به، فتفاقم وسقم به الملك أو تساقم، خافت أخته أمة العزيز المعروفة بست الملك، أن يقفر منهم دست الملك، فتلطفت في تلك الحيلة، وأكمنت له رجالا حتى قتلته غيلة، وكان قد خرج في بعض مخارجه، وتعرض في نواحي حلوان، وطلب جهة برّ لا يأنس بها آنس ولا غيره من الحيوان، ثم طالت غيبته، وخالف عادته في ملاقاته، في الوقت الذي كان يوقته، فتعهد المكان الذي واعد فيه للملتقى، وتفقّد ففقد إلى يوم اللقا، ووجد هناك حماره وجبابه مزررة، كأنها عليه وما فكّت أزراره، إلا أن فيها آثار ضربات بالسكاكين، ولا عليها دم ولا [ص ٥٦] آثار لوث يبين، فقال الناس مات، وقال أهل شيعته غاب وهو آئب.
قلت: وإلى يومنا هذا، وأظن إلى يوم النشور، ثمّ من يقول بغيبة
стр. 7502
الحاكم، وإنه لابد أن يرجع ويكون له ظهور، وفيما بين البقاع وبيروت أمم تدين بهذا الدين، وتعتقد ألوهية ذاك اللعين، وكان الحاكم كريما سفاكا، لا يمنع مورده عن الظماء، ولا مهده عن الدماء، لكنه في جميع أموره ثارات، ومرة في اختلاف الأحوال ينفذ فيها العبادات، وولد بمصر في ليلة الخميس الثامن والعشرين من ربيع الأول سنة خمس وسبعين وثلاث مائة، وولي بعهد من أبيه، وبويع يوم الخميس سلخ رمضان سنة ست وثمانين وثلاث مائة، وله أحد عشر سنة، وكانت خلافته إلى أن فقد خمسا وعشرين سنة.
قال صاحب بلغة الظرفاء: وسبب عدمه أنه خرج في ليلة الاثنين السابع والعشرين من شوال، بعد أن طاف ليلته كلها على رسمه، وأصبح عند قبر الفقّاعي، ثم توجه إلى شرقي حلوان، ومعه ركابيان، فأعاد أحدهما مع تسعة من العرب السويديين، وأمر لهم بجائزة، ثم أعاد الركابي الآخر، ولما عاد ذكر أنه خلفه عند القبر والمقصبة، وبقي الناس على رسمهم يخرجون يلتمسون رجوعه بدواب الموكب كل يوم خميس، إلى سلخ الشهر المذكور، ثم خرج يوم الأحد ثاني ذي القعدة مظفر صاحب المظلة، وحظي الصقلبي، ونسيم متولي السير، وابن سبكتكين التركي صاحب الرمح، وماضي القرشي، مع جماعة كلهم من خواص دولته، فبلغوا دير القصير، والموضع المعروف بنسيوان؟ ثم أمعنوا في الدخول في الجبل، فبينما هم كذلك، إذ بصروا بالحمار الذي كان راكبه على قرنة الجبل، وقد ضربت يداه بالسيف، فأثر فيهما، وعليه سرجه ولجامه، فتتبّع الأثر، فاذا أثر الحمار في الأرض، وأثر راجل خلفه، وراجل قدامه، فما برحوا في طلب الأثر إلى أن انتهوا إلى البركة التي في شرقي حلوان، فنزلها [ص ٥٧] راجل من الرجالة، فوجد فيها ثيابه، وهي سبع جبب، وجدت مزررة لم تحل، وفيها أثر السكاكين، فأخذها ماضي وجاء بها إلى القصر، فلم يشك في قتله.
стр. 7503
قلت: وقد قيل إن أخته لما خافت على ذهاب الملك لاختلال الأحوال به رتبت له رجالا تقتله، ثم رتبت رجالا لتقتل قتلته، ثم رتبت رجالا لتقتل قتلته، هكذا سبعة أدوار، لتخفي قتله فخفي، [وكانت] امرأة حصيفة وافرة العقل، رأت الهلاك في الأعضاء، فقطعت عضوا لحفظ سائر الأعضاء.
ثم ابنه:
٣٧ - الظّاهر بإعزاز دين اللّه
أبو الحسن علي (١)، وكان صغيرا، قدّمته عمّته، ورأت أن تحفظ لأبيه نعمته، فبدأت به قبل كبار بيته، ورعت للحي حق ميته، ثم كان له الاسم، ولها التصرف الوافر القسم، وكانت ذات رأي سؤوس (٢) وحفظ لما تدبر وتسوس، فقامت قيام أردشير، ونهضت نهوض خاقان صاحب السرير، وأفكرت فكر بلقيس، وفعلت ما يعجز عنه إبليس، حتى مشت الأمور، ومرت أخلاف (٣) الدهور، ثم كان الظاهر من ذوي السياسات المحمودة، والرياسات المشهودة، والمنافسات على الهمم التي أفنت ماله، وأبقت جوده.
стр. 7504
قال مؤلف الكنوز: كان حسن السيرة، كريم النفس، إلا أنه يخلي بلدانه، وولي وهو يحاكي البدر صورة، وكانت الأمور أولا بيد عمّته ست الملك، وهي التي عدلت بالخلافة إليه عن ولي العهد أبي هاشم العباس بن داود بن المهدي، وجئ إليه بأبي هاشم، فبايع والسيف على رأسه، ثم حبس وكان آخر العهد به، وكان يشار بالخلافة إلى عبد الرحيم بن الياس بن أحمد بن المهدي، فأدخل عليه الشهود وهو يتشحط في دمائه، فأشهد عليه أنه فعل ذلك بنفسه، ثم قضى نحبه، واستند ابن دواس (١) وعمار بن محمد الوزير (٢)، وهما عن رأي ست الملك، حتى خرج من القصر خصي بسيف مسلول، فدعا بوجوه الدولة، والوزير
стр. 7505
قاعد، وابن [ص ٥٨] دواس، إلى أن جاء فقال: أمر مولانا أن يقتل بهذا السيف قاتل مولانا الحاكم، فنادوه بالسمع والطاعة، ثم صبّه علي بن دواس فلم يختلف فيه اثنان، وتفرّد الوزير بالأمور والخاطر معمور به، ثم استدعي به للعادة وقد رتب له في دهليز القصر من قتله. وتحدث حسن بن موسى الكاتب، والأمر لست الملك، ولسانها ويدها أبو القاسم علي بن أحمد الجرجرائي الأقطع (١)، داهية الأرض، ثم استقل لما ماتت، وعمّر حتى وزر للمستنصر، وولد بمصر يوم الأربعاء لعشر خلون من رمضان سنة خمس وتسعين وثلاث مائة، وبويع يوم عيد النحر سنة إحدى عشرة وأربع مائة، وله من العمر ثلاثون سنة، وكانت خلافته ست عشرة (٢) سنة، قال صاحب بلغة الظرفاء: كانت خمس عشرة سنة (٣) [في الأصل: خمسة عشر سنة] وثمانية أشهر إلا أياما.
ثم ابنه:
٣٨ - المستنصر بالله
أبو تميم معد بن الظاهر (٤)، وهو الذي تباينت أحواله وتناوبت أفراحه
стр. 7506
وأهواله، وطالت مدته، فكانت ستين سنة، وتنوعت سنين سيئة وسنين حسنة، ولم يسمع بمثلها لخليفة ولا لملك مشهور في هذه الملة، ولا امتدت لأحد ممن كان بعده ولا قبله، وكاد في وقت تملك الأرض كلها، وتكفل البلاد وأهلها، وخطب له ببغداذ، وكان نصيبه إرقال وأغذاذ، حتى كان يعدّ مع الاسكندر، ويحسب أنّه تبّع حمير، ثم ضعف أمره حتى كاد لا تطيعه أمته، ولا تجاب برجع الصدى كلمته، وكان كالطيف له وجود ولا حقيقة له، وكالعدم هو شئ وما قدر أحد أن يمثله، ولما ملّكت له بغداد، ونسخ براياته البياض السواد، قال أبو دلف الخزرجي:
دار السلام مشاء بدعوة ابن الرسول … جاء النهار وولّى ظلام تلك الذحول
ما إن رأيت خضابا جماله في النصول … نور من الله وافى يهدى لكل جهول
وجاءه الحسن بن الصباح القائم بالدعوة الراديّة؟ من خراسان، في زي [ص ٥٩] التجار، ودخل عليه فقرر معه ما يمثل، وقال له في آخر كلامه: ومن ولي عهد المسلمين؟ فقال: ولد في نزار، فمضى ابن الصباح إلى بلاد العجم، وأقام الدعوة التي دامت إلى عصرنا هذا، وقامت بعد ذلك بالشام بقلاع الدعوة.
قال ابن سعيد: إنه جاوز في أمد الخلافة ستين سنة، ولم يبلغ هذه المدة خليفة بالمشرق، وكانت له من خزائن الأموال، وعظم الأمر ونفوذه، واتساع
стр. 7507
الخطبة وفيضها على أقطار المشرق والمغرب ما يطول ذكره، ثم انعكس عليه ذلك، فاقتنصت البلاد منه واضطرمت الفتن بحضرته بالقاهرة، وافتقر وضعف أمره، وآل حاله إلى أن قال لشخص من خواصه طالبه بشئ: والله لقد أصبحت لا ينفذ لي أمر [من] مكاني إلى باب قصري، ولا أملك مالا إلا ما تراه عليّ وتحتي، ورأيت بخط قاضي القضاة أبي العباس أحمد بن خلكان (١)، أن المستنصر كان في الغلاء قد صار لا يملك إلا فرسا واحدا، وقنيت دوابه الناس، وكان إذا أراد الركوب استعار بغلة صاحب الإنشاء ليركبها حامل المظلة معه.
قال صاحب بلغة الظرفاء: ولد سادس عشر جمادى الآخرة سنة عشرين وأربع مائة، وبويع له في نصف شعبان سنة سبع وعشرين وأربع مائة، وهو في سن التمييز، وتوفي ليلة الخميس الثامن عشر من ذي الحجة سنة سبع وثمانين وأربع مائة، وله من العمر تسع وستون سنة وخمسة أشهر.
ثم ابنه:
٣٩ - المستعليّ
أبو القاسم أحمد (٢)، وهو قد كان مستعليا ببذل نشبه، لا بأصل نسبه،
стр. 7508
قيل: إنه دعيّ في أولئك الأدعياء، ومدخول النسب في أولئك الأشقياء، قيل في أمّه قولا، وإن كان لا يصرّح بمثله، ولا يلوّح به، إلا ليتحرز من قبح فعله، وكان الحجر عليه مضروبا، وليس بيتيم ولا سفيه ومضرورا، وله من الملك محق ما يكفيه، لكنه لغلبة الوزراء وعزل بصيرته في دفع الضراء، وولد في العشرين من المحرم سنة سبع وستين [ص ٦٠]، سنة كأنما كانت بأنواع الضوائق مئين.
ثم ابنه:
٤٠ - الآمر بأحكام اللّه
أبو علي المنصور (١) ولي وهو ابن خمس، وبويع وما أنزل أبوه الرمس، وقام
стр. 7509
بدولته الأفضل ابن أمير الجيوش (١) وزير أبيه، وكان هو وزيره والذي يربيه، وكان أبا برا، إلا أنه أبى أن يفك عنه حجرا، ولم يزل يربيه على الشهامة، ويرتبه ترتيب الإمامة، إلى أن اشتدت ساعده، فرماه وأصابه من حيث لا يرى فأصماه، وكان الآمر أسمر (٢) شديد السمرة، شهما لا تخمد له جمرة، عليّ الهمة، بليّ العزمة، لا يبعد عليه منال، مهما رام نال، وكان الأفضل مدة وزارته له، قد عامل الرعية بإحسان، وأبرز أيامه فيما يروق من الاستحسان، وكان من قلوب الرعايا بمحل، ما ثوى في غيره ولا حل، فلما مات وجدت لفقده، وجدّت في البكاء عليه والوقوف على لحده، وخلف من خزائن الأموال المملوءة ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة، وكذلك وجد له من الجواري وحلى النساء، ما لو كوشف به الليل لمحا آية المساء، ويحكى من حسن اهتمامه بعمارة الأرض وتغليقها، ببذل البذار وتنميقها، بما لا يزال ولاة الأعمال منه على جانب الحذار، أنه استجلب أردبين قمحا غرائب الزريعة، أراد أن يجعلهما للاختبار الذريعة، فأخرهما حتى فرغ أوان الزرع، ولم يبق لمحراث في الأرض قرع، ثم بعث بالأردبين أحدهما إلى الصعيد، والثاني إلى أسفل مصر، وكتب إلى والي كل عمل منهما، بأن يبذر إردبّه ويستكمل زرعه، ولا يؤخر منه حبة، فأجابه أحدهما بأنه قد فعل، وأجابه الآخر بأنه اجتهد على تحصيل أرض فارغة لبذارها فما حصل، فعرف اهتمام الأول بتغليق عمله، وإهمال الثاني، حتى
стр. 7510
وجد لذلك الأردب مكانا من معطله، فأنعم على الأول وشكره، وقبض على الثاني وسمّره، ثم لما مات وزّر الآمر المأمون بن البطائحي، وأقامه وفوّض إليه الزعامة، وكان هو المتقلد [ص ٦١] بالتفويض، وبه نجز الأمر يزجر ويغيض، وهو يراجع في الأمر الآمر، ويرجع إلى ما يأمر به ويستأمر، والآمر يركب وينزل ويتصيّد، ويتخلّى عن موضعه ويتفرّد، وكان يتحدث في أمور ما يكون، وما يتجدد من الحركات والسكون، وحكى بعض من كان له به اجتماع، أنه أراه كتابا فيه صور مصورة، ومنيّات مختلفة، وفيها صورته قد قتل وهو على فرس أشهب، وألقي إلى جانب جسر أكهب (١)، ثم قال لي أتعرف هذه الصورة؟ فقلت: لا، فقال: بل تعرف هذه الصورة، وما أظنه إلا وقد آن الوقت، فما مضت سنة حتى رأيت الآمر راكبا بالجيزة على فرس أشهب مارّا مع الجسر كأنه ذلك المصور ثم تفرد، وانقطع عنه الموكب، فخرج عليه جماعة رجال في سلاح كانوا قد اتّعدوا على قتله، فرقبوه حتى تفرد عنه جسر الجيزة وقطعوه بأسيافهم.
قال الحاكي: فجئت حتى كنت فيمن وقف عليه على تلك الصورة، ما أخطأ منها شيئا، وحكي أن الآمر بينا هو في موكبه قبلي بركة الحبش (٢)، إذ تقدّمهم، فمرّ رجل على باب بستان له، وحوله عبيد وموال له، فاستسقاه ماء، فسقاه، فلما شرب قال: يا أمير المؤمنين، قد أطمعتني في السؤال، فان رأى أن يكرمني بنزوله لأضيفه، فقال: ويحك، معي الموكب، فقال: وليكن يا أمير المؤمنين، فنزل فأخرج الرجل مائة بساط، ومائة نطع، ومائة وسادة وفرشها، فصارت مدّ البصر، ثم أخرج مائة طبق بوارد، ومائة طبق فاكهة، ومائة جام
стр. 7511
حلوى، ومائة زبدية أشربة سكرية كلها، فبهت الآمر، ثم قال له: أيها الرجل خبرك عجيب، فهل علمت بهذا فأعددت له؟ فقال: لا والله يا أمير المؤمنين، وإنما أنا رجل تاجر من رعيتك، لي مائة حظية، فلما أكرمني أمير المؤمنين بنزوله عندي أخذت من كل واحدة شيئا من فرشها، ورأيت أكلها وشربها [ص ٦٢] ولكل واحدة في كل يوم طبق طعام، وطبق بوارد، وطبق فاكهة، وجام حلوى، وزبدية شراب، فسجد الآمر شكرا وقال: الحمد لله الذي في رعايانا من يسع حاله هذا، ثم أمر له بما في بيت المال من الدراهم، ضرب تلك السنة، فكان ثلاثة آلاف ألف وسبع مائة ألف درهم، ثم لم يركب حتى أحضرها فأعطاها للرجل، وقال له: استعن بهذه على حالك ومروأتك، ثم ركب وانصرف.
ومن الكنوز قال: وحكاياته مع البدوية التي عشقها وتزوج بها عند أهل مصر شبيهة بالخراف، قال ابن الفوطي: هي العالية، وكانت قد وصفت للآمر، فتزيّا بزي العرب حتى رآها، ثم أرسل لها خاطبا لها إلى أهلها وتزوج بها، فلما وصلت إليه صعب عليها فراق البرّ، فبنى لها بالجزيرة البناء المعروف بالهودج، وكانت متعلقة الخاطر بابن عم لها ربيت معه يعرف بابن ميّاح، فكتبت إليه:
[الرمل]
يا بن ميّاح إليك المشتكى … من مليك بعدكم قد ملكا
كنت في حبّي مطاعا آمرا … نائلا ما شئت منكم مدركا
فأنا الآن بقصر موصد … لا أرى إلا حبيسا ممسكا
كم تثنينا بأغصان اللوي … حيث لا يخشى علينا دركا
وتلاعبنا برملات الحمي … حيثما شاء طليق سلكا
стр. 7512
فكتب إليها:
[الرمل]
بنت عمرو والتي عذبتها … بالهوى حتى علا واحتنكا
بحت بالشكوى وعندي ضعفها … لو غدا ينفع منا المشتكى
مالك الأمر إليه يشتكى … هالك وهو الذي قد أهلكا
شأن داود غدا في عصرنا … مبديا يا ليته قد ملكا
فبلغت الآمر، فقال: لولا أنه أساء الأدب في البيت الرابع [ص ٦٣] لرددتها إلى حيّها وزوجتها به.
وولد الآمر يوم الثلاثاء ثالث عشر المحرم سنة تسعين وأربع مائة، وقتل يوم الثلاثاء ثالث ذي القعدة سنة أربع وعشرين وخمس مائة، وله من العمر أربع وثلاثون سنة، وكانت خلافته تسعا وعشرين سنة، ولم يعقب. ثم ابن عمه:
٤١ - الحافظ لدين اللّه
أبو الميمون عبد المجيد (١) بن أبي القاسم محمد بن المستنصر معد، وأبوه لم
стр. 7513
ينل، وعلى كاهل المنبر لم يعتل، وبويع له في اليوم الذي مات فيه الآمر بولاية العهد، ولم يصرح له بالخلافة ليروا رأيهم فيما بعد، واستولى على ملكه أبو علي أحمد بن الأفضل أمير الجيوش، وارتقى منه مرتقى عليّا، وكان إماميا لا إسماعيليا، فأسقط اسم الحافظ عن المنابر ودعا لأئمة الإمامية والمهدي المنتظر، وأرى الإسماعيلية الموت وكل سرب محتضر، ثم تقدم إلى المؤذنين بأن لا يذكر أحد آل إسماعيل في الأذان، ويبطلوا ما كان زاد فيه من قولهم: محمد وعلي خير البشر، ثم قتل أحمد بن الأفضل ورجع الأمر إلى الحافظ، وسلّم الملك منه إلى الحافظ، وبويع البيعة العامة، وصرح باسم الخلافة، ولقّب ذلك اليوم بالحافظ، وسلّم عليه بإمرة المؤمنين، وهو أول يوم لقب بهذا اللقب، وسلم عليه ذلك السلام، وأنجز له منه أمله المرتقب، وكان الحافظ لا قدر عنده لمال، ولا صدر بعض بآمال، لأنه كان يسابق بداية الأمل، فبدأ به على كل عمل بما نقل له كل كثير المواهب، ويصغر كبير النعم الذواهب، ولما استقل أعاد الدعوة الإسماعيلية، وشد حبلها المنتكث، وقوي سم أفعوانها المنبعث، وأزال دعوة الإمامية وما طيب سميه إلا بسميه.
ومن الكنوز قال: كان موصوفا بالبطش والتيقظ حتى إنه سطا على ولده وولي عهده، قال: وللشعراء [ص ٦٤] فيه أمداح فيها غلو لا يحل سماعه، ولا روايته، وكان لهم نفاق (١) في مدته، وجعل لهم صناعا ورواتب، وأنزلهم في مراتب على قدر أقدارهم. قال القوطي: كان شديد المنافسة لا يريد لأحد فعلا غيره، كان وهم بما رده الله دونه من نقل ساكن المدينة الشريفة زادها الله به تشريفا، فخسف الله بمن جهّز لذلك في سرابهم (٢) الذي حفروه، وقيل بل
стр. 7514
هلكوا بريح خرجت عليهم، وأنشد أمثلة مما قيل فيه أكثرها لأبي الحسن الأخفش المغربي وأقربها قوله:
[الرمل]
فترى الناس جميعا خلقوا … من ضلال وهو من نور الهدى
فادخلوا الباب وقولوا حطّة … سمع الله لمن قد حمدا
وولد في سنة سبع وستين وأربع مائة، ومات في نصف جمادى الآخرة سنة ثلاث، وقيل أربع وأربعين وخمس مائة، وكان في سنة موته قد بلغ النيل في زيادته الباب الحديد، فطولع بذلك، فقال: أعدوا لي الأكفان، ثم أخرج كتابا عنده من كتب الحدثان فيه: إذا وصل الماء إلى الباب الحديد فليتجهّز إلى الله الإمام عبد المجيد، وكان الأمر هكذا، لم يلبث أن مات.
ثم ابنه:
٤٢ - الظّافر بأمر اللّه
أبو الطاهر إسماعيل (١)، وكنّاه مؤلف الكنوز أبا منصور، وهكذا كناه الجليس في شعر ذكره فيه، وكان في ميعة الشباب مغرى بمتعة الشباب، مولعا بحب الأحداث، وموضعا لا يبالي بغرة الأحداث، ووزر له علي بن السلار،
стр. 7515
وحمله أوق أثقاله (١)، وقلده طرق أعماله، وسوّغه فوق ما في احتماله، ثم قتله على يد ابن امرأته عباس بن تميم الصنهاجي واستبدله عوضه، وألقى إليه أمر الملك وفوّضه، ثم كلف الظافر بابن وزيره وشغف به شغفا حل في شغاف ضميره، فكان لا يرى السرور إلا في مداناته، ولا الراحة إلا في الوجد به ومعاناته، ثم حفر سرابا (٢) [ص ٦٥] بين داريهما، وكانا فيه يلتقيان ويفعلان وما يبقيان، وشاع خبرهما، وبقي الوزير منكس الرأس لا يرفع طرفا حياء، ولا يجد الدنيا عليه إلا ظلاما لا ضياء، فأعمل في اغتياله الحيل، وأسرع إليه، وما طالت به الطّيل، وتوصل إليه بابنه فقتله، واتخذ ذلك السراب موضع دفنه.
ومن الكنوز: إنه لما تم لعباس الأمر في قتل الظافر ركب القصور وقال:
بلغني أن أخوي الظافر يوسف وجبريل، وابن أخيه أبا البقاء بن حسن بن الحافظ قتلوه بمواطأة مفلح زمام القصر، ثم أحضرهم وضرب أعناقهم، وحمل من القصر ما أراد، ولم يخف عن الناس أنها من فعلاته، وصنعت المراثي فيهم واستنجد بابن رزّيك وهو يمنيه ابن خصيب، وممن كتب إليه في هذا الجليس بن الحباب.
وحكي أن عباسا جلس للمنادمة، فلما أخذت الكأس منه قال: تبّا لمن يعتقد إمامة هؤلاء، ويقول إنه لا يكون إمام إلا بوصية، والله لقد قتلت الظافر ولا علم عنده بذلك حتى يوصي، ولقد استعرضت أقاربه كالغنم إهانة وذبحا، وقدمت هذا الملقب بالفائز وعمره خمس سنين، وعلى يدينا ذهبت دولتهم بالمغرب، وكذلك تذهب بالمشرق، فقتله الله وقتل ولده بالظافر، وكان قتله في نصف المحرم سنة تسع وأربعين وخمس مائة، ومدة خلافته خمس سنين وستة أشهر وأيام.
стр. 7516
ثم ابنه:
٤٣ - الفائز بنصر اللّه
أبو القاسم عيسى (١) وكان لا يخب إلى غاية قلوصا ولا عنسا (٢)، لا يخرج به ولا يوسى، ولا يزجر بطير سعودا ولا نحوسا، وبويع بعد أبيه، فطلب الوزير عباس بن تميم قاتله وسن شفاره، وقصد مقاتله فهرب قدّامه، فقتله الفرنج وطلب النجاة، فلم ينج، واستوزر الفائز أبا الغارات طلائع بن رزيّك (٣)، وخاطبه بالتمليك، وسمّاه الملك الصالح، وأنزله منه بمكانة لا يؤثر فيها قدح
стр. 7517
القادح [ص ٦٦]، وكان له اسم الملك، وهو المالك الحائز، وله لا لأمرة الأمر الجائز، والغنى والغناء، وسواه العائز، وكان الفائز معه كالظل كيف ما مشى يتبعه، وكالجليس مهما قال يسمعه، أطوع له من الشراك، وأسرع من فيه الظبى في الأشراك، وكان ابن رزيك من أجل وزراء تلك الدولة، وأسبغهم إنعاما، لا يقصّر طوله، وكان عارفا بالأدب، مكرما لأهله، منعما عليهم بفائض سجله، وله شعر لا يؤخر جواد قريحته، ولا يشم دخان الند (١) إلا من ريحته، ولا تتفجر المعاني إلا من فجر صبيحته، ولا تصاب المفاصل إلا بصقال صفيحته (٢)، ووفد في زمانه الفقيه عمارة اليمني (٣)، ونوّله ما يرتجيه من غاية الأماني، وفيه يقول:
[الطويل]
دعوا كل برق شمتم غير بارق … يلوح على الفسطاط بارق نشره
وزوروا المقام الصالحي فكلّ من … على الأرض ينسى ذكره عند ذكره
ولا تجعلوا مقصودكم طلب الغنى … فتحنو على مجد المقام وفخره
стр. 7518
ولكن سلوا منه العلى تظفروا بها … فكلّ امرئ يرجى على قدر قدره
وأراده الصالح على الدخول في مذهبهم للدخول، وراوده من يلزمه به أن يقول، وكتب إليه:
[الكامل]
قل للفقيه عمارة يا خير من … أضحى يؤلّف خطبة وخطابا
أقبل إلينا لا تحد عن هدينا … قل حطّة وادخل علينا البابا (١)
تجد الأئمّة شافعين ولا تجد … إلا لدينا سنّة وكتابا
وعليّ أن يعلو محلّك في الورى … وإذا شفعت إليّ كنت مجابا
وتعجّل الآلاف وهي ثلاثة … ذهب وحقّك لا تعدّ ثوابا
وكان الفقيه عمارة شافعي المذهب، لا يحول عنه ولا يذهب، فكتب إليه ما يدلّ على حسن معتقده، ونفض ذلك الزخرف من يده:
[الكامل]
يا خير أملاك الزمان نصابا … حاشاك من هذا الخطاب خطابا [ص ٦٧]
لكن إذا ما أخربت علماؤكم … معمور معتقدي فصار خرابا
فاشدد يديك على قديم مودّتي … وامنن عليّ وسدّ هذا البابا
فسكت عنه لسان إكراهه، وسكن مثل هذا القول وأشباهه، وبقي عمارة أدنى جليس إلى رتبهم، وأنيس على مباينته لمذهبهم، وأتى يوما إلى حضرة الصالح بن رزيّك فأسدى إليه صنيعا قبّل به يده، ثم خرج فرأى ممّن يؤمله من قبّل ومجّده، فقال:
стр. 7519
[الكامل]
ملك إذا قابلت نور جبينه … فارقته والنور فوق جبيني
وإذا لثمت يمينه وخرجت من … أبوابه لثم الملوك يميني
ولمّا طال بعمارة العمر، وذاق طعم عيشها المر، رثى بني رزيّك بمراث عوتب عليها، فقال إيها وأنشد: [البسيط]
زالت ليالي بني رزيك وانصرمت … والحمد والذمّ فيها غير منصرم
كان صالحهم يوما وعاد لهم … في صدر ذا الدست لم يقعد ولم يقم
ولم يكونوا عدوا لان جانبهم … وإنما غرقوا في سيلك العرم
فلو فتحت فمي يوما بذمهم … لم يرض برّك إلا أن تسدّ فمي
ولو ذكرت لياليهم ونضرتها … وحسنها لم يكن بالدهر من قدم
ثم ابن عمّه:
٤٤ - العاضد لدين اللّه
أبو محمد عبد الله بن يوسف (١) ابن الحافظ عبد المجيد، بويع له بعد الفائز سنة خمس وخمسين وخمس مائة، ولم يك أبوه [في] الخلافة، ولا دارت في
стр. 7520
جلده، ولا كان يظنها تصل إليه ولا إلى ولده، وبايعه الناس وهو طفل لا قدر عليه ولا كفل، وقام بأمره الصالح طلائع، وقرر له المصالح الروائع، ودام على مراعاة حاله ونهايته في التدبير نهاية العمل عليه في التدمير، وقيل إن العاضد لما فعل كان كالمتعاضد (١) حتى أكمنت له المنايا كمون الشجاع، ووثبت له وثبة الأسد المفترس إذا جاع، وغالته [ص ٦٨] حيث لا يقدر على الارتجاع، ولا يقتدر على الانتجاع، ولبدت له في دهليز قصره، وفي موضع حصره، فقتل في الدهليز، وقيل: من أين أتي في هذا الكنف الحريز، وما أتي إلا من ذلك الكنف، ولا لحقه لولا تلك الحياة التلف، ولا خطّ طائره إلا من موضع أسف، وأظهر عليه العاضد الأسف، وكمدوا لبدره كيف انخسف، ثم استوزر العاضد ابنه رزيك بن طلائع (٢)، ولقّبه بالملك العادل، وقال: هذا لهذا يعادل، ثم قتل رزيك بعد سنتين، وكان هو وأبوه بالنسبة إلى ملوكهما حسنتين لا سيئتين فإنهما كانا ممن يتوسع في العطايا، ويترفع عن المؤاخذة بالخطايا، وكان قتله بأيدي العرب لما أخرجه شاور قريبا من القاهرة، وأسف العاضد عليه، وخاف أن يتكلم إن تكلّم، فوزّر شاور (٣) ولقّب أمير الجيوش، وكان داهية ثلاّلا للعروش،
стр. 7521
فلاّلا للعزائم ولم يخل الفروش، قلاّبا للدول غلاّبا على الملوك والخول، إلا أنه كان قصير الباع في الدفاع، حقير الرباع في اليفاع، لكنه كان ذا كيد ينصب أشراكه، ويلقي له عمامته وشراكه، لم يخف نقيصة تنسب إليه فيما فعل، ولا فيما وضع له نفسه وجعل، ومدحه عمارة على كرهه له ولأيامه، وأنفته منه ومن أنعامه، ولكنه خافه فداراه، وكان يود ألا يراه وما تراه، ومما قال فيه:
[الكامل]
ضجر الجديد من الحديد وشاور … في نصر دين محمد لم يضجر
هانت عليه النفس حتي إنه … باع الحياة فلم يجد من يشتري
حلف الزمان ليأتينّ بمثله … حنثت يمينك يا زمان فكفّر
وكان بعد ذلك في تقريب عمارة، ويخصه بمحل القرب والإشارة، ثم غلب ضرغام بن سور على الوزارة وابتزها وقطع دونها غلاصم المطامع واحتزّها، وأخرج شاور من القاهرة يتعثر بأذياله ويتخيّر [ص ٦٩] طريق احتياله، ولقب ضرغام بالملك المنصور، وكتب له السجل الأشرف المنشور، ووجّه شاور وجهه إلى الحضرة النورية، فوفد عليها وفادة حسان (١) على أهل جلّق، ورأى نورها رؤية الحطيئة لنار الملحق (٢)، ثم خرج في الصحب الأسدية الشير كوهية إلى
стр. 7522
مصر، وخرج ضرغام وتلاقيا على بلبيس (١) وأجلت الوقعة عن قتل ضرغام وانتصار الأسد الهمام، وانهزم جيش ضرغام إلى القاهرة، ودخل شاور القصر ووزر الوزارة الآخرة، وذلك في جمادى الآخرة سنة تسع وخمسين وخمس مائة، ونكث عهود شيركوه ومواثقه وساسي تجشمه المشقة وطريقه، ثم خاف شاور فراسل الفرنج مستنصرا، فجاءه الملك مري في خلق كبير، فتحصن شيركوه في قلعة بلبيس، واجتمع شاور ومري عليه، وأحدق به العدو وحصره، وأنجز الله وعده وأيد شيركوه (٢) ونصره، وخرج سالما إلى دمشق، ثم لم يعلم به حتى وصل إلى إطفيح (٣) وعدّى إلى الجيزة، وأقام بها مدة وأنفذ شاور إلى مري واستصرخه، وملأ زقه الفارغ ونفخه، وبذل له مالا عظيما ووعده بمشاطرة
стр. 7523
البلاد، فحمى لأجله ووافاه بخيله ورجله، ثم عدّى إلى الجيزة واندفع شيركوه إلى الصعيد (١) فلحقوه في الناس قريب منية ابن خصيب، ووقف لهم شيركوه وواقفهم، فانكسر شاور والفرنج، وأخذ صاحب قيسارية أسيرا، ووصل إلى شاور بالفرنج إلى القاهرة مهزومين، وسار شيركوه إلى الاسكندرية فدخلها وأقام بها مدة، وسمع بها شاور والملك مري، فجيّشوا جيوشا عظيمة وأتوا الإسكندرية في طلبه، فنزل بها ابن أخيه صلاح الدين في شرذمة قليلة وأصعد هو وعسكره إلى الصعيد، فجبى منه مالا جليلا، وأقام شاور على الإسكندرية خمسة وسبعين يوما، ثم رجع شيركوه حتى نزل على [ص ٧٠] القاهرة ونازلها، وضيق على من فيها، فصالحوه على أنه يرتفع عنها، ويرتفع شاور عن الإسكندرية، ثم خرج صلاح الدين واجتمع بعمه شيركوه، وأتى شاور القاهرة وأقام مدة فوافاه الملك الرومي صاحب الشام والسبتار في جمع عظيم، فنزلوا على بلبيس وفتحوها عنوة وقتلوا رجالها وعجلوا آجالها، وسبوا نساءها وأطفالها، وأبكوها بكاء التوجع والتوعج فعدت آمالها، وسمع شاور فخرج إلى مصر وأحرقها ونهبها، ونكر محاسنها وأذهبها، وترك الرومي على القاهرة وعوّل على فتحها، ثم عدل على صلحها، فبذل له أهلها مائتي ألف دينار، فما قنع بها، وطلب ألفي ألف، فرأى العاضد ووجوه دولته أن يستعينوا بشيركوه، فأتى هو وجيوشه العاضد وأدركوه وراسلوا نور الدين فأمدهم بجيوش ما سمعوا بخبرها، حتى رأوا طلائع عسكرها، فلما سمع به الفرنج ارتحلوا لا يلوون على شئ، ودخل شيركوه القاهرة، وخلع عليه العاضد خلعا سنية، وأضافه ضيافة تامة، وأقام له الأتراك، ونزل بظاهر القاهرة، ثم كان شاور يتردد إليه، فخرج إليه يوما مسلما فأوقع به صلاح الدين ومن معه، وقتل ابنه شجاع الملقب بالكامل، وكان خيرا
стр. 7524
من أبيه يأمره بالخير، وأشار عليه ألا يستنجد بالفرنج، فقال: دعني من رأيك فإنني أخاف ألا أملك، فقال له: أن تهلك وأنت وحدك خير من أن تهلك أهل مصر كلهم، وكذلك قتل ابنه احرطي الملقب بالمعظم، وأخوه فارس المسلمين، وطيف برءوسهم على الرماح، وخلع على شيركوه بالوزارة في سابع عشر جمادى الأولى سنة أربع وستين وخمس مائة، وتوفي يوم الأحد الثالث والعشرين من رجب منها، ثم وزر بعده صلاح الدين يوسف، ثم قطع خطبة [ص ٧١] العاضد بعدها، وخطب للمستضئ، ولم يعش العاضد بعدها إلا أياما يسيرة ثم مات، ومشى صلاح الدين وعليه طيلسان وعمامة في الجنازة، وقعد للعزاء وبكى بكاء لم يشف به الحزازة، فانه ندم على ما كان من خلع رداء تلك الدولة خوفا من نور الدين لا يقصده ويطلب ما يحتج به فلا يجد ما كان يجد بالعبيديين من الحجة في ملاواته (١) والتستر بهم من سهام مناواته، ثم كان يقول: لو علمت بسرعة أجله ما روعته بالخلع، واختلف في موته، فقيل: إنه علم بالخلع فسمّ نفسه، والجمهور على أنه كان عليلا وأخنى عنه ضر الخلع، ومات حتف أنفه، وأخذ أهل القصر وحبسوا، وفرّق بين الرجال والنساء قطعا لنسلهم واجثاثا (٢) لشجرتهم الخبيثة من أصلهم، وكانت مدة ملكهم منذ فتحوا مصر إلى أن خلع العاضد مائتين وخمس عشرة سنة، وكان صلاح الدين يشكر العاضد ويصف كرمه ويقول: استمددته بمال لسداد دمياط فأمدني بألف ألف دينار من العين والعروض، وكان لا يزال يتذكره ويتندم على فعله، حيث لا يمكنه استدراك الفارط، ولا يقدر على استرجاع الفائت، ومرّ عمارة بالقصر (٣) فرآه خاوي الأركان خالي الأقطار من السكان، وكان يعهده لسجود
стр. 7525
الجباه قبلا، ولعقود الشفاه ينظم قبلا، وتذكر سالف إحسانهم، وتبصر طائف طيف زمانهم، فما ملك عبرته ولا مل حسرته، وقال:
[البسيط]
رميت يا دهر كفّ المجد بالشلل … وجيده بعد حسن الحلي بالعطل
سقيت في منهج الرأي العثور فإن … قدرت من عثرات الدهر فاستقل
خدعت مارنك الأقنى بأنفك لا … ينفك ما بين أمر الشين والخجل [ص ٧٢]
هدمت قاعدة المعروف عن عجل … سقيت مهلا أما تمشي على مهل (١)
لهفي ولهف بني الأملاك قاطبة … على فجيعتها في أكرم الدول
قدمت مصر فأولتني خلائفها … من المكارم وما أربى على أملي
قوم عرفت بهم كسب الألوف ومن … تمامها أنّها جادت ولم أسل
وكنت من وزراء الدست حيث سما … رأس الحصان بهاديه على الكفل
ونلت من عظماء الجيش مكرمة … وخلّة حرست من عارض الخلل
يا عاذلي في هوى أبناء فاطمة … لك الملامة إن قصّرت في عذل
بالله جز ساحة القصرين وابك معي … عليهما لا على صفّين والجمل
وقل لأهليهما والله ما التحمت … فيكم جراحي ولا قرحي بمندمل
ما ذا ترى كانت الإفرنج فاعلة … في نسل آل أمير المؤمنين علي
وقد حصلتم عليها واسم جدكم … محمّد وأبوكم غير منتحل
مررت بالقصر والأركان خالية … من الوفود وكانت قبلة القبل
فملت عنها بوجه خوف منتقد … من الأعادي ووجه الودّ لم يمل
أسبلت من أسفي دمعي غداة خلت … رحابكم وغدت مهجورة السّبل
стр. 7526
أبكي على خضرات من مكارمكم … حال الزمان عليها وهي لم تحل
دار الضيافة كانت أنس وافدكم … فالآن أوحش من رسم ومن طلل
وفطرة الصوم إن أضحت مكارمكم … تشكو من الدهر حيفا غير محتمل
وكسوة الناس في الفصلين قد درست … ورثّ منها جديد عندهم وبلي
وموسم كان في يوم الخليج لكم … يأتي تجملكم فيه على الجمل
وأول العام والعيدين كم لكم … فيهنّ من وبل جود ليس بالوشل
والأرض تهتز في يوم الغدير كما … تهتزّ ما بين قصريكم من الأسل
والخيل تعرض في وشي وفي شبه … مثل العرائس في حلي وفي حلل
وما حملتم قرى الأضياف من سعة … الأطباق إلاّ على الأكتاف والعجل [ص ٧٣]
وما خصصتم ببرّ أهل ملّتكم … حتّى عممتم به الأقصى من الملل
كانت رواتبكم للوافدين ولل … ضيف المقيم وللطاوي من الرسل
ثم الطرار بتنّيس التي عظمت … من الصّلات لأهل الأرض والدول
وللجوامع من أخماسكم نعم … لمن تصدّر في علم وفي عمل
وربّما عادت الدنيا فمعقلها … منكم وأضحت لكم محلولة العقل
والله لا فاز يوم الحشر مبغضكم … ولا نجا من عذاب النار غير ولي
ولا سقي الماء من حرّ ومن ظمأ … من كفّ خير البرايا خاتم الرّسل
أئمّتي وهداتي والذخيرة لي … إذا ارتهنت بما قدّمت من عملي
تالله لم أوفهم في المدح حقّهم … لأنّ فضلهم كالوابل الهطل
ولو تضاعفت الأقوال واستبقت … ما كنت فيهم بحمد الله بالخجل
باب النجاة فهم دنيا وآخرة … وحبّهم فهو أصل الدين والعمل
نور الهدى ومصابيح الدجى ومحل … الغيث إن وثب الأنواء في المحل
стр. 7527
أئمّة خلقوا نورا فنورهم … من نور خالص نور الله لم يغل
والله لا زلت عن حبّي لهم أبدا … ما أخّر الله لي في مدّة الأجل
وذكر ابن الأثير أنه لما اشتد مرض العاضد، أرسل إلى صلاح الدين يستدعيه ليوصيه، فظن أن ذلك خديعة، فلم يمض إليه، فلما توفي علم صدقه فندم عليه وعلى تخلفه عنه.
وحكى مؤلف الروضتين قال: اجتمع بي الأمير أبو الفتوح ابن العاضد وهو محبوس مقيّد سنة ثمان وعشرين وست مائة، فأخبرني أبو الفتوح قال: إن أبي لما مرض استدعى صلاح الدين فحضر، ثم جمعنا وأحضرنا، يعني أولاده، ونحن صغار، فأوصاه بنا، فأكرم إكرامنا واحترامنا، قال قاضي القضاة جمال الدين محمد بن واصل لما جرى لمؤتمن الخلافة ما جرى، وقيل: وكل صلاح الدين بالقصر قراقوش الأسدي (١)، وجعله بزمام [ص ٧٤] القصر مقامه، فرتب في القصر، فما كان يدخل إلى القصر شئ ويخرج إلا بمرأى منه ومسمع، فضاق خناق أهل القصر بسببه، فلما مات العاضد، عرض صلاح الدين من بالقصر من الجواري والعبيد، والعدد والآلات، والذخائر النفيسة، فأطلق من ثبتت حريته، ووهب الباقي، وأخلى الدور، وأغلق القصور، وأخذ ما صلح له
стр. 7528
ولأهله وأمرائه وخواص مماليكه وأصحابه من نفائس الذخائر والجواهر والملابس، ومن جملة ذلك الدرة اليتيمة والياقوتة الغالية القيمة، والمصوغات العنبر، والأواني الفضية، والصواني الصينية، والمنسوجات المغربية، والممزوجات الذهبية، وغير ذلك مما لم يقع عليه الإحصاء، وأسرف في العطاء والبذل، وأطلق البيع بعد ذلك فيما دون ذلك، واستمر البيع مدة عشر سنين، وكانت خزانة الكتب تزيد على مائة ألف وعشرين ألف مجلدة، وفيها من النفائس التي لا يكاد يوجد مثلها، ومنها ما هو مكتوب بالخطوط المنسوبة التي لا توجد في خزانة أحد من الملوك، فتملك صلاح الدين الأملاك التي كانت لهم، وضربت الألواح على رباعهم ودورهم، ثم ملك بعضها خاصته وأمراؤه، وبعضها أذن ببيعه، ووهب الفاضل من الكتب عن آخرها، وأزال مبسم تلك الأنام، ومحا رسوم تلك البنية، فتكدرت مواردهم المشرعة، وتعفّت آثارهم بالكليّة، إن في ذلك لموعظة وذكرى لأولي الألباب.
قال ابن مماتي (١): ولم تشهد التواريخ بانقضاء دولة كانقضاء دولتهم على حالة سكون وأحمد قضية تكون، قال: واتفقت بعدهم غرائب، فمنها أن بعض أمراء المصريين صار نوّابا على باب داره في خدمة من أعطيت له، وآخر صار أمينا في بعض ما كان في إقطاعه، قال ابن مماتي: وجرى [ص ٧٥] يوما
стр. 7529
حديث المصريين في مجلس القاضي الفاضل، فسألته: كم كانت عدتهم في عرض ديوان الجيش لما كان متوليه أيام رزيك بن صالح؟ فقال: كانت أربعين ألف فارس ونيّفا وثلاثين ألف من السودان. وحكى أن الأمير الكبير باركوج اشترى من الديوان السلطاني عدة آدر وخرابات بمصر ليستعين بأنقاضها على عمايره، وكان من جملتها دار كبيرة وصفت له وذكرت عنده، فتوجه إليها، وتسرع الغلمان لإزعاج من فيها، فسمعهم يبكون فسئل عن ذلك، فقيل له:
هؤلاء بعض عيال المصريين، فلما أخرجوا من دورهم بالقاهرة آووا إلى هذه الدار، وهم لا يعرفون أين يذهبون إذا خرجوا، فبكى واستدعى بعضهم برفق وأطاب قلوبهم ووهبهم الدار، وكتب لهم خطة بها، وجعلهم على ثقة من التصرف فيها، وما فسح لهم في بيعها أن آثروا الانتفاع بها، وانصرف عنهم معتذرا. وقال ابن مماتي: حدثني الشريف النسابة النقيب أسعد بن الحواتي، قال: سكنت في مصر بدار عتيقة الأشرف، وكانت لي زوجة كنت أبات أنا وإياها في بادهنج بها، فاستيقظت ليلة فقالت: رأيت في النوم قائلا يقول لي: احفروا تحت الطيلسان الرخام الذي تحتكم وخذوا ما تجدونه من المال تنفقوا به، فقد آن ظهوره، فقلت لها أنا رجل فقير، وهؤلاء الأشراف لا يطاقون، وأخاف أن ينكسر الطيلسان في قلعه ولا نصيب شيئا فأتعجل الغرامة، ومنعتها منه بكل حيلة، ثم رأت المنام بعينه مرة أخرى، وجريت على العادة في الامتناع، ثم رأت المنام ثالثا وكأنه يقول لها: أنتم محرومون، وما مضت إلا أيام يسيرة حتى أحرقت مصر، فما شعرت إلا وجماعة كبيرة من السودان قد هجموا الدار وقصدوا البادهنج فقلعوا الطيلسان واستخرجوا من تحته سماوية نحاس يكون فيها قدر مائة ألف [ص ٧٦] دينار فأغمي عليّ وكدت أقتل نفسي غيظا لما فاتني من الغنى، وسألتهم أن يعطوني ولو مائة دينار، فما فعلوا، وخرجوا كأنهم دخلوا دارهم وأخذوا مالهم.
стр. 7530
وقال ابن مماتي: ومن غريب ما جرى في حريق مصر أن رجلا عمد إلى برنية (١) صير، فجعل فيها ألف دينار لتسلم من الريب، فما لبث أن هجم الغوغاء عليه بيته، فلم يكن له همّ إلا النجاة بنفسه، فتحامل إلى باب زويلة (٢)، فبينا هو قاعد يستريح، وإذا ببعض من كان هجم عليه ومعه برنية الصير، فاشتراها منه بدر همين، ثم ذهب فاستخرج منها الذهب، وشرى به جميع ما أخذ له، ولم يزل يضارب فيه حتى نما وارتزق به.
وقال ابن مماتي: حدثني القاضي الفاضل قال: كان من أهل مصر رجل وله ابنة مستحسنة، فلما أحرقت مصر ونهبت أموال أهلها، خرج إلى البر العربي، وسكن في بعض الضياع، وقعد في حانوت، واتفق لنائب القطع أن رأى الابنة فهويها فتعلق قلبه بها فضيق عليها وتعرض لها، فما ظفر بمقصوده، وخطبها من أبيها فما رضي أن يكون زوجا لها، فتسلط عليه وقصده وآذاه، ولم يزل يدقق عليه الحيل إلى أن كتب عليه وثيقة بعشرة دنانير إلى أجل مسمى، وقدر أنها تتعذر عليه، فجدّ (٣) السبيل إلى أخذ البنت، قال: فلما كان في اليوم الذي يجب عليه فيه المبلغ، وقد أيس الرجل من نفسه، وأيقن بالشر، جاء إليه شاب فاشترى منه بدرهم عسلا وانثنى عنه، فسقطت منه خرقة مشدودة، فأخذها وحلها فوجد فيها عشرة دنانير، فأخفاها معه وقال: أخلّص بها نفسي من هذا الظالم، وأجتهد في تحصيل العوض وإيصاله إلى صاحبها، فلما كان غير ساعة حتى حضر إليه الخصم وطالبه، ورفعه إلى القاضي، فأعطاه العشرة دنانير التي وجدها، وأخذ الشهادة عليه بها، وعاد إلى حانوته وقد كفاه الله ما كان