← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11790

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط المجمع الثقافي

ابن فضل الله العمري

Полный текст (8 839 стр.). Показаны 7526–7565 · переход к 7531.

стр. 7526

أبكي على خضرات من مكارمكم … حال الزمان عليها وهي لم تحل دار الضيافة كانت أنس وافدكم … فالآن أوحش من رسم ومن طلل وفطرة الصوم إن أضحت مكارمكم … تشكو من الدهر حيفا غير محتمل وكسوة الناس في الفصلين قد درست … ورثّ منها جديد عندهم وبلي وموسم كان في يوم الخليج لكم … يأتي تجملكم فيه على الجمل وأول العام والعيدين كم لكم … فيهنّ من وبل جود ليس بالوشل والأرض تهتز في يوم الغدير كما … تهتزّ ما بين قصريكم من الأسل والخيل تعرض في وشي وفي شبه … مثل العرائس في حلي وفي حلل وما حملتم قرى الأضياف من سعة … الأطباق إلاّ على الأكتاف والعجل [ص ٧٣] وما خصصتم ببرّ أهل ملّتكم … حتّى عممتم به الأقصى من الملل كانت رواتبكم للوافدين ولل … ضيف المقيم وللطاوي من الرسل ثم الطرار بتنّيس التي عظمت … من الصّلات لأهل الأرض والدول وللجوامع من أخماسكم نعم … لمن تصدّر في علم وفي عمل وربّما عادت الدنيا فمعقلها … منكم وأضحت لكم محلولة العقل والله لا فاز يوم الحشر مبغضكم … ولا نجا من عذاب النار غير ولي ولا سقي الماء من حرّ ومن ظمأ … من كفّ خير البرايا خاتم الرّسل أئمّتي وهداتي والذخيرة لي … إذا ارتهنت بما قدّمت من عملي تالله لم أوفهم في المدح حقّهم … لأنّ فضلهم كالوابل الهطل ولو تضاعفت الأقوال واستبقت … ما كنت فيهم بحمد الله بالخجل باب النجاة فهم دنيا وآخرة … وحبّهم فهو أصل الدين والعمل نور الهدى ومصابيح الدجى ومحل … الغيث إن وثب الأنواء في المحل

стр. 7527

أئمّة خلقوا نورا فنورهم … من نور خالص نور الله لم يغل والله لا زلت عن حبّي لهم أبدا … ما أخّر الله لي في مدّة الأجل وذكر ابن الأثير أنه لما اشتد مرض العاضد، أرسل إلى صلاح الدين يستدعيه ليوصيه، فظن أن ذلك خديعة، فلم يمض إليه، فلما توفي علم صدقه فندم عليه وعلى تخلفه عنه. وحكى مؤلف الروضتين قال: اجتمع بي الأمير أبو الفتوح ابن العاضد وهو محبوس مقيّد سنة ثمان وعشرين وست مائة، فأخبرني أبو الفتوح قال: إن أبي لما مرض استدعى صلاح الدين فحضر، ثم جمعنا وأحضرنا، يعني أولاده، ونحن صغار، فأوصاه بنا، فأكرم إكرامنا واحترامنا، قال قاضي القضاة جمال الدين محمد بن واصل لما جرى لمؤتمن الخلافة ما جرى، وقيل: وكل صلاح الدين بالقصر قراقوش الأسدي (١)، وجعله بزمام [ص ٧٤] القصر مقامه، فرتب في القصر، فما كان يدخل إلى القصر شئ ويخرج إلا بمرأى منه ومسمع، فضاق خناق أهل القصر بسببه، فلما مات العاضد، عرض صلاح الدين من بالقصر من الجواري والعبيد، والعدد والآلات، والذخائر النفيسة، فأطلق من ثبتت حريته، ووهب الباقي، وأخلى الدور، وأغلق القصور، وأخذ ما صلح له

стр. 7528

ولأهله وأمرائه وخواص مماليكه وأصحابه من نفائس الذخائر والجواهر والملابس، ومن جملة ذلك الدرة اليتيمة والياقوتة الغالية القيمة، والمصوغات العنبر، والأواني الفضية، والصواني الصينية، والمنسوجات المغربية، والممزوجات الذهبية، وغير ذلك مما لم يقع عليه الإحصاء، وأسرف في العطاء والبذل، وأطلق البيع بعد ذلك فيما دون ذلك، واستمر البيع مدة عشر سنين، وكانت خزانة الكتب تزيد على مائة ألف وعشرين ألف مجلدة، وفيها من النفائس التي لا يكاد يوجد مثلها، ومنها ما هو مكتوب بالخطوط المنسوبة التي لا توجد في خزانة أحد من الملوك، فتملك صلاح الدين الأملاك التي كانت لهم، وضربت الألواح على رباعهم ودورهم، ثم ملك بعضها خاصته وأمراؤه، وبعضها أذن ببيعه، ووهب الفاضل من الكتب عن آخرها، وأزال مبسم تلك الأنام، ومحا رسوم تلك البنية، فتكدرت مواردهم المشرعة، وتعفّت آثارهم بالكليّة، إن في ذلك لموعظة وذكرى لأولي الألباب. قال ابن مماتي (١): ولم تشهد التواريخ بانقضاء دولة كانقضاء دولتهم على حالة سكون وأحمد قضية تكون، قال: واتفقت بعدهم غرائب، فمنها أن بعض أمراء المصريين صار نوّابا على باب داره في خدمة من أعطيت له، وآخر صار أمينا في بعض ما كان في إقطاعه، قال ابن مماتي: وجرى [ص ٧٥] يوما

стр. 7529

حديث المصريين في مجلس القاضي الفاضل، فسألته: كم كانت عدتهم في عرض ديوان الجيش لما كان متوليه أيام رزيك بن صالح؟ فقال: كانت أربعين ألف فارس ونيّفا وثلاثين ألف من السودان. وحكى أن الأمير الكبير باركوج اشترى من الديوان السلطاني عدة آدر وخرابات بمصر ليستعين بأنقاضها على عمايره، وكان من جملتها دار كبيرة وصفت له وذكرت عنده، فتوجه إليها، وتسرع الغلمان لإزعاج من فيها، فسمعهم يبكون فسئل عن ذلك، فقيل له: هؤلاء بعض عيال المصريين، فلما أخرجوا من دورهم بالقاهرة آووا إلى هذه الدار، وهم لا يعرفون أين يذهبون إذا خرجوا، فبكى واستدعى بعضهم برفق وأطاب قلوبهم ووهبهم الدار، وكتب لهم خطة بها، وجعلهم على ثقة من التصرف فيها، وما فسح لهم في بيعها أن آثروا الانتفاع بها، وانصرف عنهم معتذرا. وقال ابن مماتي: حدثني الشريف النسابة النقيب أسعد بن الحواتي، قال: سكنت في مصر بدار عتيقة الأشرف، وكانت لي زوجة كنت أبات أنا وإياها في بادهنج بها، فاستيقظت ليلة فقالت: رأيت في النوم قائلا يقول لي: احفروا تحت الطيلسان الرخام الذي تحتكم وخذوا ما تجدونه من المال تنفقوا به، فقد آن ظهوره، فقلت لها أنا رجل فقير، وهؤلاء الأشراف لا يطاقون، وأخاف أن ينكسر الطيلسان في قلعه ولا نصيب شيئا فأتعجل الغرامة، ومنعتها منه بكل حيلة، ثم رأت المنام بعينه مرة أخرى، وجريت على العادة في الامتناع، ثم رأت المنام ثالثا وكأنه يقول لها: أنتم محرومون، وما مضت إلا أيام يسيرة حتى أحرقت مصر، فما شعرت إلا وجماعة كبيرة من السودان قد هجموا الدار وقصدوا البادهنج فقلعوا الطيلسان واستخرجوا من تحته سماوية نحاس يكون فيها قدر مائة ألف [ص ٧٦] دينار فأغمي عليّ وكدت أقتل نفسي غيظا لما فاتني من الغنى، وسألتهم أن يعطوني ولو مائة دينار، فما فعلوا، وخرجوا كأنهم دخلوا دارهم وأخذوا مالهم.

стр. 7530

وقال ابن مماتي: ومن غريب ما جرى في حريق مصر أن رجلا عمد إلى برنية (١) صير، فجعل فيها ألف دينار لتسلم من الريب، فما لبث أن هجم الغوغاء عليه بيته، فلم يكن له همّ إلا النجاة بنفسه، فتحامل إلى باب زويلة (٢)، فبينا هو قاعد يستريح، وإذا ببعض من كان هجم عليه ومعه برنية الصير، فاشتراها منه بدر همين، ثم ذهب فاستخرج منها الذهب، وشرى به جميع ما أخذ له، ولم يزل يضارب فيه حتى نما وارتزق به. وقال ابن مماتي: حدثني القاضي الفاضل قال: كان من أهل مصر رجل وله ابنة مستحسنة، فلما أحرقت مصر ونهبت أموال أهلها، خرج إلى البر العربي، وسكن في بعض الضياع، وقعد في حانوت، واتفق لنائب القطع أن رأى الابنة فهويها فتعلق قلبه بها فضيق عليها وتعرض لها، فما ظفر بمقصوده، وخطبها من أبيها فما رضي أن يكون زوجا لها، فتسلط عليه وقصده وآذاه، ولم يزل يدقق عليه الحيل إلى أن كتب عليه وثيقة بعشرة دنانير إلى أجل مسمى، وقدر أنها تتعذر عليه، فجدّ (٣) السبيل إلى أخذ البنت، قال: فلما كان في اليوم الذي يجب عليه فيه المبلغ، وقد أيس الرجل من نفسه، وأيقن بالشر، جاء إليه شاب فاشترى منه بدرهم عسلا وانثنى عنه، فسقطت منه خرقة مشدودة، فأخذها وحلها فوجد فيها عشرة دنانير، فأخفاها معه وقال: أخلّص بها نفسي من هذا الظالم، وأجتهد في تحصيل العوض وإيصاله إلى صاحبها، فلما كان غير ساعة حتى حضر إليه الخصم وطالبه، ورفعه إلى القاضي، فأعطاه العشرة دنانير التي وجدها، وأخذ الشهادة عليه بها، وعاد إلى حانوته وقد كفاه الله ما كان

стр. 7531

يخشاه [ص ٧٧] من أذاه، فما استقر جالسا حتى جاء إليه الشاب الذي وقعت منه الخرقة، فقال: اجعلني في حل، فإنني كنت اشتريت منك العسل ووقعت مني خرقة فيها عشرة دنانير، فظننت أنك أخذتها، ولما جئت إليك وجدتها الساعة مرمية في طريقي، فعجب الرجل، وحضر الخصم فقال له: اجعلني في حل فقد تبت إلى الله من الظلم والذهب الذي أخذته منك وقع مني لأنه كان حراما، وكنت فيه ظالما، فأقبل الرجل على شكر الله تعالى، وذكره وشاع في أهل الناحية أن الله أعانه على ما فك به نفسه، ثم أعاده إلى صاحبه، عناية منه به، وكانت وفاة العاضد سنة سبع وستين وخمس مائة. [دولة الحسينيين] ٤٥ - ذكر دولة الزّيّديّ القائم بالكوفة وهو أبو عبد الله محمد بن محمد (١) بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵁، أقامه أبو السرايا (٢) بالكوفة بعد ابن طباطبا،

стр. 7532

وأقامه على منبر الخلافة خاطبا، غلب على الكوفة وسادها، واستوثق له أمر رعيتها وأجنادها، وقام أبو السرايا ينفذ الأمور بأمره، ويعمل لمكايد الحرب جهد فكره، ثم إن الحسن بن سهل (١) لما بلغه هزيمة زهير، وعزيمة أبي السرايا على قذفه بموج الضير، جهز إليه جيشا أمّر عليه عبدوس بن محمد، وأمره بقتاله، فأقبل حتى نزل قرب الكوفة، وزحف إليه أبو السرايا واقتتلوا قتالا شديدا فأسر عبدوس وقتل جميع من كان معه، وأحضر أبو السرايا عبدوس (٢) وضرب عنقه،

стр. 7533

وملك جميع ما كان معه وفرقه، ثم أقبل أبو السرايا حتى نزل قصر ابن هبيرة، وبث عساكره إلى البصرة وواسط ودخلوها واستباحوهما، فوجه إليه ابن سهل هرثمة بن [ص ٧٨] أعين (١) في جيش عظيم، وبلغ أبا السرايا قدوم هرثمة، فسار بمن معه حتى نزل صرصر (٢)، وجاء هرثمة حتى نزل من العدوة الأخرى والنهر بينهما، وكان علي بن سعيد معسكرا بكلواذا (٣)، فخرج منها ثاني شوال، فقاتل أصحاب أبي السرايا وهزمهم، ورجع أبو السرايا إلى قصر ابن هبيرة، وهرثمة في اتباعه، فأدرك جماعة كثيرة من أصحابه فقتلهم وبعث رؤوسهم إلى الحسن بن سهل، ثم نزل على أبي السرايا بقصر ابن هبيرة فقاتله، وقتل كثيرا من أصحابه، فلما رأى أبو السرايا أنه لا طاقة له بهرثمة، خرج إلى الكوفة فدخلها، وقد كان هذا الزيدي ومن معه من العلويين قد وثبوا على من بالكوفة من العباسيين ومواليهم، فنهبوهم وأحرقوا ديارهم بالنار وجلوهم عن

стр. 7534

الكوفة، وأتوا أمورا قبيحة ثم إن أبا السرايا لما دخل الكوفة وجّه حسين الأفطس (١) الآتي ذكره إلى مكة ليقيم للناس الحج، ثم إن ابن هرثمة ناشب أبا السرايا الحرب بقرية شاهي (٢)، حيث حاربه زهير بن المسيب (٣)، فدارت الهزيمة أول النهار على هرثمة، ثم دارت آخره على أبي السرايا، فقتل أصحابه وفلّ عزمه، ودخل هرثمة الكوفة ليلة الأحد السادسة عشرة من المحرم، ومضى أبو السرايا هاربا إلى القادسية (٤)، ولم يتعرض هرثمة لأهل الكوفة بمكروه، بل أمنهم وأقام بالكوفة يوم الأحد إلى العصر، وخرج إلى عسكره، واستعمل عليها غسان بن الفرج (٥)، فنزل إلى دار أبي السرايا، ثم إن أبا السرايا خرج من

стр. 7535

القادسية متوجها إلى واسط، فعبر دجلة أسفل منها ثم توجه إلى السوس فنزل بها، وأقام بها أربعة أيام، وأعطى الجند أرزاقهم، ألف للفارس، وخمس مائة للراجل، فلما كان اليوم الرابع، أتاه من الحسن بن علي المعروف بابن المأموني (١)، أن اخرج من عملي، فأبى أبو السرايا إلا قتاله، فتقاتلا، فانهزم أبو السرايا واستبيح عسكره، وجرح جراحا كثيرة، ففر يريد رأس العين (٢)، فأخذه حماد الكندغوسي (٣) بجلولاء (٤)، وأخذ معه رجلين من أصحابه، أحدهما [ص ٧٩] محمد بن محمد الزيدي (٥)، والآخر رجل يقال له أبو الشرك، وحملهم إلى الحسن بن سهل، فأمر بضرب عنق الزيدي فضربت عنقه بالنهروان (٦) يوم

стр. 7536

الخميس عاشر ربيع الأول سنة مائتين، فكانت مدته ثمانية أشهر وعشرة أيام، ثم قدم بعده أبو السرايا ليضرب عنقه، فخرج جزعا شديدا، واضطرب اضطرابا عظيما، ثم ضربت عنقه، وبعثت برءوسهما إلى المأمون، وحملت أجسادهما إلى الجسر، فصلبا على الجسر، فكانت أيامه عشرة أشهر. ٤٦ - ذكر دولة محمّد بن جعفر الصّادق ابن محمد الباقر (١) علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ويكنى بأبي عبد الله، بويع بمكة في ربيع الآخر سنة مائتين لما زاد اجتراء الحسين بن الحسن الأفطس بن علي بن الحسين بالناس، وافتراء من حوله من سفالة الأجناس، وكان هذا محمد بن جعفر شيخا صالحا فاضلا عالما، يحدث عن أبيه، وقد روى من منهله، وتضوّأ بكوكبه، وكان قد تأبى وامتنع حتى ألزمه بها بنوه وأهله، ومن ملّ سيرة الجور وغلب عليه ابنه علي، وما كان كأبيه ولا له مثل هديه، وكان حوله من ذوي قرابته من يبعد بينه وبينهم تباين الأخلاق، ثم إن الحسن بن

стр. 7537

سهل أغزاه جيشا عليه إسحاق بن موسى (١)، فخندق محمد بن جعفر على مكة، وحشد الأعراب وقاتلهم إسحاق بن موسى أياما، ثم كره قتالهم، فرحل عائدا إلى العراق، فلقيه ورقاء بن جميل (٢) في أصحابه، وأصحاب الجلودي، فقالوا له: ارجع ونحن نكفيك قتالهم، فرجع معهم حتى نزلوا المشاش (٣)، وجمع محمد بن جعفر جمعه، ونهد بهم إلى بئر ميمون (٤)، وتلاقوا، ثم انهزم محمد بن جعفر، وجمع جمعا زحف به إلى المدينة المشرفة، فخرج إليه واليها هارون بن المسيب، فاقتتلوا، فأصيبت عين محمد بن جعفر بنشابة، فكر راجعا إلى مكة، واستأمن إلى [ص ٨٠] واليها عيسى بن زيد الجلودي (٥) ابن عم ابن سهل، فأمّنه وصعد المنبر فخلع نفسه وبايع المأمون، ثم خرج الجلودي إلى العراق، فأسلمه إلى الحسن بن سهل، وكان آخر العهد به.

стр. 7538

٤٧ - ذكر دولة الزّنجيّ وعزيز عليّ والله أن أذكره في هذا النسب الشريف، وإن كان من شئ في هذا البيت فهو الكنيف، حاشى لله أن يكون هذا الرجس من أولئك، أو يعد فيهم، إلا كما يعد إبليس في الملائك، عجبا لهذه القعدة بالأرض كيف يطول، وكيف يكون هذا الرجس من أهل البيت، والله يقول: ﴿إِنَّما يُرِيدُ اَللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ اَلرِّجْسَ أَهْلَ اَلْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ (١) أما هو فادّعى أنه علي بن محمد (٢) بن جعفر بن الحسن بن طاهر بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ويكنى أبا الحسن. وقال نسابتهم أنه من ولد العباس بن علي ﵇، والصحيح أنه من عبد القيس، ولا يبعد أن يكون من ولد الشيطان الرجيم، وإبليس الأثيم، لفعله الذميم، وعقله السقيم، راصدا لله بكل مرصد، وعقد الخلاف للقرآن في كل مقصد، وأراد مناقضة الإسلام ومناقلة المشرع عليه أفضل الصلاة والسلام، وشبّ لهذه الأمة نارا على كل ثنية، وصب إلى كفران هذه الملة كل عقد ونية، وقعد كالشيطان للدين صراطه المستقيم، واقتحم بأتباعه نار

стр. 7539

الجحيم، فله في الدنيا خزي، وله في الآخرة عذاب عظيم، فكبكب فيها هو والغاوون، وجنود إبليس أجمعون، أضل جبلاّ كثيرا، وظل للبلايا مثيرا، وأصله من قرية من أعمال الري، ومولده بطبرستان، ثار على المهدي سنة ست وخمسين ومائتين، وكان يرى رأي الأزارقة، ويستبيح الدماء والأموال والفروج، ولا يردّ القتل عن صغير ولا كبير ولا بهيمة، ويرى الذنوب كلها شركا، ويلعن المتشرف بالادعاء إليه عليا ﵇، ومعاوية بن أبي سفيان [ص ٨١] وعائشة أم المؤمنين، وطلحة والزبير، وكل من شهد الجمل (١) وصفين، ويتعدى هذا إلى جميع الصحابة ﵃، ثم يتعرض إلى الجناب الشريف زاده الله شرفا، ويتعرض في أمور، وكان أموره وقيامه في اثني عشر رجلا من الزنج، كانوا يعملون في غابة البصرة نفوسهم، وانضاف إليه أهل الفساد، وكان بالبصرة ثلاثون ألف جنان (٢) في كل جنان أسود وأسودان وثلاثة وأكثر، فاجتمعوا إليه، فلهذا سمي الزنجي، فتتبع الخلق بالقتل والفتك في الحرمة وافتضاض الأبكار، حتى بلغ القتل مائتي ألف، وخلت الديار من أهلها، وتخفّى من سلم في الآبار والسروب (٣)، وكانوا يخرجون بالليل يطلبون الكلاب والسنانير ليأكلوها، ومن مات منهم أكله أهله، ومن قدر على أحد قتله وأكله، حتى إن امرأة قاربت الموت فاستبطأ أهلها موتها، فقطعوها وأكلوها، فخرجت أختها برأسها تغسله في الفرات، فقيل لها ما هذه الرأس (٤) فقالت رأس أختي، أهلي ظلموني لم يعطوني منها إلا هذه الرأس، ومن مثل هذا كثير. قال الشريف الغرناطي: وكانت المرأة الشريفة من ذرية الحسن أو الحسين أو

стр. 7540

العباس، ينادى عليها في السوق: هذه فلانة الحسنية أو الحسينية أو العباسية بدرهمين أو ثلاثة، فيشتريها الزنجي برسم النكاح، وكان الزنجي الواحد يكون له من هذه النسيبات نحو العشرة والعشرين والثلاثين، والأقل والأكثر يخدمن الزنجيات، فجهز المعتمد لحربه جيشا كثيفا مع قائد اسمه مفلح، فقاتله قتالا كثيرا، فظهر مفلح عليه، ثم أصاب سهم صدغ مفلح فقتله، ثم جهز المعتمد أخاه الموفق (١) في جيش آخر، فقاتله مرات، وواقفه مواقفا كثيرة، وأصاب الموفق سهم في صدره، فكتمه أياما، وعالجه حتى أخذ في البرء، ثم خرج لمحاربة الزنجي، ولم يزل الموفق إلى أن قتله في صفر سنة سبعين ومائتين، وكانت مدة هذا الزنجي الخبيث [ص ٨٢] أربع عشرة سنة وأربعة أشهر، وأدخل رأسه بغداد في جمادى الآخرة من هذه السنة، وأراح الله من كفره وفتنته وطائفته اللعينة وفتنه، واختلف الناس في مقدار ما قتل في مدة فريه (٢)، فمنهم المكثر والمقلل، قال الغرناطي: فأما المقل فقال: أفنى خمس مائة ألف ألف وخمس مائة، ألف، وأما المكثر فقال: أفنى ما لا يعلم عدده إلا الله تعالى، فسبحان الحكيم الذي له في كل مقدر حكمة قد تلتبس على البصير وتنعمي، وكل شئ عنده إلى أجل مسمى، لا إله إلا هو عليه توكلنا وإليه المصير.

стр. 7541

٤٨ - ذكر دولة القرامطة وأوّلهم ذكر فرية قرمط وهم أضر طائفة (١) خرجت على بني العباس، بل شر دولة أخرجت للناس، أخذهم الله بمكرهم، وأخذهم بكفرهم، ولكن بعد حروب شمرت عن ساقها، وأثمرت برءوس لم تتصل بأعناقها، هم الكفرة الملاعين، والأعادي الطواعين، بئس الملة وسوس الأمة، كانوا على ذهاب هذه الملة أحرص من حوافي النمل، وفي تعطيل منابتها أشد من سوافي الرمل، ما زالوا في مسارب الملك كالأفاعي ساعين، وإلى غير كلمة الحق، كالنواقيس داعين، وألصقوا بهذا البيت الطاهر دعوتهم، وألفوا في هذا الفناء الشريف عقوتهم (٢)، وبينهما من البون مثل ما بين الفساد والكون، وإنما ذكرتهم هنا، لادعائهم، كما ذكرت الزنجي، على أنهما كسراب بقيعة، أو كظلمات في بحر لجيّ، كان ظهور هؤلاء بسواد الكوفة سنة ثمان وتسعين ومائتين في السنة التي مات فيها الموفق، اسمه الفرج زكرويه بن يحيى ويدعى بقرمط (٣)، أصله من بصرى من الشام، وإنما قال الخراساني،

стр. 7542

ويكني بأبي زكرياء، منهم بالنهروان، فأظهر الزهد والتقشف وأكثر الصلاة، وكان يأكل من عمل يده، وإذا جلس إليه إنسان زهده في الدنيا وأعلمه أن المفترض عليه خمسون صلاة في اليوم والليلة [ص ٨٣] وأنه يدعو إلي إمام من أهل البيت، فاستهوى خلقا كثيرا، وكانت لرجل معروف يقال له الهيصم ضياع، فأعلم أن القائمين عليها اشتغلوا عنها برجل صفته كذا ويقول كذا، وأخبر خبر الرجل، فسار إليه وأخذه، وحلف ليضربن عنقه، ثم جعله في بيت ورمى عليه قفلا، وألقى المفتاح تحت وساده، وشرب فلما سكر ونام، أخذت جاريته المفتاح وفتحت البيت وأخرجت الرجل وأطلقته، وردت المفتاح في موضعه، فلما قام من سكره وفتح البيت فلم يجد الرجل، فأصابه وهم، وقال: هذا الرجل صالح، وأشاع الأمر، فتسارع الناس إلى الرجل، فعظم شأنه، واستفحل أمره، وصنع لهم دينا وقرآنا أوحاه إليه شيطان، ومما تضمنه قرآنه: يقول الفرج بن عثمان وهو من قرية يقال لها بصرى إنه داعية المسيح عيسى بن

стр. 7543

مريم، وهو الكلمة وهو المهدي، وهو أحمد بن محمد بن الحنفية، وهو جبريل، وإن المسيح تصور له في صورة إنسان فقال له: أنت الداعية وأنت الحجة، وأنت روح القدس، وأنت يحيى بن زكريا، وأن الصلاة ركعتان (١) قبل طلوع الشمس، وركعتان قبل غروبها، وأن الأذان: الله أكبر الله أكبر أربعا، أشهد أن لا إله إلا الله أربعا، أشهد أن محمدا رسول الله أربعا، أشهد أن موسى رسول الله أربعا، أشهد أن رسول الله، (٢) أشهد أن محمد بن الحنفية رسول الله أربعا، والقراءة في الصلاة بسورة الافتتاح المنزلة على محمد بن الحنفية، وهي الحمد لله بكلمته تعالى، باسمه المستحمد لأوليائه، والأهلّة مواقيت للناس ظاهرها، لتعلموا عدد السنين والحساب، وباطنها لأوليائي الذين عرفوا عبادتي، واتقون يا أولي الألباب، فأنا الذي أسأل عما أفعل، وهم يسألون، وأنا العليم الحكيم، وأنا الذي أبلو عبادي، وأمتحن خلقي، فمن صبر في بلائي ومحنتي واختياري، ألقيته في جنتي، وأدخلته في نعمتي، ومن مال عن أمري وكذب رسلي، ألقيته مهانا في عذابي، وأنا الذي أتممت أجلي، وأظهرت أمري على ألسنة رسلي، وأنا الذي لم يعل عليّ جبار، إلا وضعته، ولا عزيز إلا أذللته، وليس [ص ٨٤] مثوى الذي أصرّ على أمره، ودام على جهالته، وقال لن نبرح عليه عاكفين إلا في النار أولئك هم الكافرون، ثم يركع فيقول في ركوعه: سبحان رب العزة تعالى عما يقول الظالمون، يقولها مرتين ثم يسجد، فيقول في سجوده: الله أعظم، الله أعظم، يقولها مرتين، ومن أحكامهم أن القبلة إلى بيت المقدس، وإليه حجهم، وأن الصيام يومان في السنة، وهما يوم النيروز (٣)،

стр. 7544

ويوم المهرجان (١)، وأن لا غسل من الجنابة إلا الوضوء فقط، وإن الخمر والزنا واللواط حلال، والنساء كلهن أمهات وبنات وأخوات حلال، وبويع هذا زكرويه بأنه الخليفة القائم بالحق سنة ثمان وسبعين ومائتين، ويسمى القائم بالحق، وكان يرى رأي الخوارج والأزارقة (٢) ويلعن الصحابة، ويرى قتل المسلمين رجالهم ونسائهم وصبيانهم وشيوخهم وزمناهم، فعتا في الأرض، وسفك الدماء، وسبى الذرية، ونهب الأموال، واشتد بلاؤه على المسلمين، وكان يقول لأعوانه وأجناده: من لم يتبعني فاقتلوه، واسبوا أهله، وكان ابتداء أمره في أيام المعتمد، ثم قاتله جيش المعتضد، فقتل في حدود سنة أربع وثمانين ومائتين. ثم قام بعده ابنه: ٤٩ - يحيى بن قرمط وكنيته أبو القاسم، وبويع يوم قتل أبيه، وكان قتل الأمة المحمدية كلها، وسار بسيرة أبيه، وأصاب شكلها، وكان هو وشياطينه المردة في الأرض، وعقاربه المبددة في البلاد، إذا علوا على قرية قتلوا أهلها حتى البهائم، كالحمير والقطط والكلاب، وحاصر دمشق فصالحه أهلها على مال يؤدونه، وأي أمر جاءه منهم يعتمدونه، وكان يقول: لا أشير بيدي إلى ناحية إلا فتحت، ولا تكر جنودي على صفقة بلاد إلا خسرت وربحت، فلما ولي المكتفي خرج إليه في جنوده

стр. 7545

وعساكره، فقتل رجاله وفرق أحزابه أيدي سبأ، وأخذ اللعين أسيرا، وسيق إلى بغداد خاسئا حسيرا. ثم قام بعده أخوه: ٥٠ - الحسين بن قرمط زكرويه [ص ٨٥] ويلقب بالمهدي (١)، وتكنى بأبي علي، ثم تسمى بأحمد بن عبد الله، وتكنى بأبي العباس، قاله الطبري، بويع بالخلافة بوصية أخيه يحيى، وكان شرا منه، وكان يقول: أنا المدثر الذي في القرآن، وحاصر مدينة هجر أربع سنين إلى أن دخلها عنوة بالسيف، وقتل منها ثلاث مائة ألف، وعتا في الأرض، يقتل هو وأشياعه يمينا وشمالا، وينكحون الأبكار، ويذبحون النساء والأطفال والشيوخ والبهائم، فقاتلهم المكتفي كرّة أخرى، فقتلهم وكسر

стр. 7546

مهديهم الضال، وأمسك جماعة من شيعة أهل الضلال، وأدخلهم مقرنين في الأصفاد، والمهدي على فيل لتراه الناس، ثم قطع يديه ورجليه وضرب رقبته ورقاب أصحابه، سنة إحدى وتسعين ومائتين، وفي ذلك يقول ابن المعتز يمدح المكتفي ويذكر جميل فعله، يقول: (١) [مجزوء الرمل] لا ورمان النهود … فوق أغصان القدود وعناقيد من أصدا … غ وورد من خدود وبدور من وجوه … طالعات بالسعود (٢) ورسول جاء بالمي … عاد من بعد الوعيد وبشير بوصال … قد نفى طول الصدود ما رأت عينيّ كظبي … زارني في يوم عيد في قباء فاختيّ ال … لون من لبس الجدود كلما قاتل جنديّ … بسيف وعمود قتل الناس بعيني … ن وجفنين وجيد قد سقاني الراح من في … هـ على غيظ الحسود وتعانقنا كأني … وهو في عقد شديد نقرع الثّغر بثغر … طيّب عذب الورود [ص ٨٦] مرحبا بالملك القا … دم بالجدّ السعيد يا مذلّ البغي يا قا … تل حيّات الحقود

стр. 7547

عش ودم في ظلّ عزّ … خالد باق جديد فلقد أصبح أعدا … ؤك كالزرع الحصيد ثم [قد] صاروا حديثا … مثل عاد وثمود جاء هم بحر حديد … تحت أعلام البنود فيه عقبان خيول … فوقها أسد جنود وردوا الحرب فهدّوا … كلّ خطيّ مديد وحسام شره الحدّ … إلى قطع الوريد فاحمد الله فإنّ الحم … د مفتاح المزيد ثم قام بعده ابنه: ٥١ - أحمد بن الحسين الملقب زكرويه (١)، ويكنى بأبي غانم، قام بقرية يقال لها زابوقة (٢) من سواد

стр. 7548

الكوفة، وكان معلما للصبيان، ودعا إلى نفسه، وبايعه خلق كثير، فسار بسيرة أبيه في العتو والاستكبار، ثم قتل وحمل رأسه إلى كيداح عامل المكتفي سنة أربع وتسعين ومائتين، ومن سخافاته وتمويهه وشعوذته وتشبيهه، ما كتب به إلى بعض عماله: من عبد الله أحمد بن عبد الله حسين المهدي المنصور بالله، الناصر لدين الله، العالم بأمر الله، الحاكم بحكم الله، الداعي إلى كتاب الله، الذاب عن حريم الله، من ولد رسول الله، أمير المسلمين، وإمام المؤمنين، ومذل المنافقين، وخليفة الله على العالمين، ومبيد الظالمين، وقاصم المعتدين، ومهلك الملحدين، وقاتل القاسطين، وسراج المتبصرين، وضياء المستضيئين، صلى الله عليه وعلى أهل بيته الطيبين، وسلم كثيرا، إلى جعفر بن محمد الكردي، سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، وأسأله أن يصلي على جدي رسول الله، أما بعد، فإنّه نمي إليّ ما حدث [ص ٨٧] قبلك من أخبار أعداء الله الكفرة، وما فعلوه بناحيتك، وأظهروا من الظلم والعنت، فأعظمنا ذلك، وأردنا أن ننفذ ما هنالك من جيوشنا، من ينتقم الله من أعدائه الظالمين، الذين يسعون في الأرض فسادا، وقد أنفذنا جماعة من المؤمنين إلى مدينة حمص، وأمددناهم بالعساكر، ونحن في اثرها، ونرجو أن يجزينا الله في أعداء الله على أفضل عوائده عندنا في أمثالهم، فشد قلبك وقلوب من معك من أوليائنا، وبادر إلينا بأخبار الناحية كل حين، إن شاء الله، سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام، وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على جدي رسول الله، وشرّف وكرّم وحيّا وسلّم. ثم قام:

стр. 7549

٥٢ - الحسن بن بهرام الجنّابيّ القرمطيّ أبو سعيد (١)، ثار بمدينة الأحساء (٢) واستوطنها، وعتا وأفسد وسفك الدماء، وخرّب البلاد، وأباح قتل كل من خالف مذهبه، وكان ظهوره سنة ست وتسعين ومائتين، وغلب على بلاد اليمن، وحبّبت إليه الأموال، وكثرت جموعه، وعظمت جيوشه، وأباح الزنا واللواط والخمر، وكان يتعشق غلاما خصيا، وهو الذي قتله سنة إحدى وثلاث مائة، وكانت مدته ست سنين. ثم قام ابنه: ٥٣ - سليمان بن الحسن بن بهرام الجنّابيّ القرمطيّ ويكنى بأبي طاهر (٣)، وكان أحد المفسدين في الأرض، وأسرع من المقراض

стр. 7550

في القرض، بويع بالأحساء يوم موت أبيه، ثم جددت له البيعة سنة سبع عشرة وثلاث مائة، وكان أظلم وأغشم وأجور وأفسق ممن تقدّمه، ولم يزل يطوي البلاد طيّا، يقتل ويسبي وينهب إلى أن صار من بغداد على ستة أميال، فخافه أهلها، ثم دخل، فدخل الرحبة وغيرها من البلاد الفراتية سنة خمس عشرة وثلاث مائة، ثم عاود ما وراءه من البلاد فدمّرها وأخذ منها [ص ٨٨] أموالا عظيمة، أوسق (١) منها مائتين من الإبل وأوقرها ثم دخل مكة المعظمة سنة سبع عشرة وثلاث مائة، فقتل في الحرم وجوانب مكة من الحاج وغيرهم زهاء ثلاثين ألفا، واستحر القتل في الشعاب وقنن الجبال، وبطون الأودية والظواهر، حتى قتل أكثر من مائة ألف، وسبى النساء والصبيان، وردم زمزم بجثث ورؤوس القتلى، وفرش المسجد بأجسادهم، وأخلى جمعا ومعرّفا ومكة، حتى لم يكن من الحجون إلى الصفا (٢)، ووقف على الكعبة وأنشد:

стр. 7551

[الرمل] أنا لله ولله أنا … يخلق الخلق وأفنيهم أنا وذلك يوم الأحد سابع ذي الحجة، ثم رحل عنها في المنتصف، وحمل معه الحجر الأسود وقناديل الكعبة، وكانت من ذهب وفضة، وقرن كبش الذبيح، وكان مغشى بالذهب، مكللا بالجواهر والياقوت، وميزاب الرحمة، وكان وزنه ثلاثة قناطير من الفضة، والدرة اليتيمة، وكان وزنها أربعة عشر مثقالا، وكانت في جوف الكعبة، ثم لم يرجع من ذلك كله شئ إلا الحجر الأسود، فإنه أعيد إلى مكانه على ما أشير إليه، وكانت إعادته في خامس ذي القعدة سنة تسع وثلاثين وثلاث مائة، وكانت مدة غيبته عن البيت الحرام اثنتين وعشرين سنة، ثم توجه هذا القرمطي اللعين بجيوشه من مكة إلى البحرين، فنزل الأحساء، وما أبقى فيما أساء، ثم ابتلاه الله بداهية في جسده فتقطت أعضاؤه، ومات في السابع والعشرين من رمضان سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة، وهو ابن ثلاثين سنة. ثم قام بعده: ٥٤ - الأعصم وهو الحسن بن أبي منصور (١) أحمد بن أبي سعيد الحسن بن بهرام الجنّابي،

стр. 7552

ويكنى بأبي محمد، ثار بالأحساء وزحف لقتال المصريين وطردهم من المقام سنة ستين وثلاث مائة، فخرج إليه من مصر [ص ٨٩] جعفر بن فلاح الكتامي (١)، فالتقيا يوم الأربعاء الخامس من ذي القعدة سنة ستين وثلاث مائة، فقتل جعفر وكثير ممن معه به، وملك الأعصم الشام كله، إلا يافا، ثم زحف إلى مصر ونزل الحب غرة ربيع الأول سنة إحدى وستين وثلاث مائة، فهلك من المصريين خلق كثير حتى أشرفوا على الهلاك، فغدرت العرب بالأعصم، وأخذوا فساطيطه، فانهزم راجعا إلى الأحساء، ثم عاد على أثره إلى الشام، ولم يزل بها إلى أن وصل المعز من القيروان إلى القاهرة يوم الأربعاء سادس رمضان سنة اثنتين وستين وثلاث مائة، فخرج لحرب الأعصم بنفسه، فهزمه الهزيمة الشنعاء التي شردهم بها عن المقام، وذلك يوم الخميس سادس شعبان سنة ثلاث وستين وثلاث مائة، ومات الأعصم في طريق الأحساء في هذا الشهر، فحمل ودفن بالأحساء، وحل بجهنم، وقيل له اخسأ. فهذه مشاهير الدول المنسوبة إلى الحسين بن علي ﵄، تشتمل على حملة النسب، والدعي، والسقيم المائل، والصحيح السوي، وبها ثم ما

стр. 7553

أشد من العصابة العلوية وقدمتهم على بني العباس لما تقتضيه الأولوية. فأما خلافة الاجماع والإمامة التي ختمت كالشمس، ومدت أطناب الشعاع، فهي بعد خلافة الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي والحسن ﵃، الدولة الأموية، ثم الدولة العباسية، وما سواهما كالشذوذ، وكل عقد إلا لهما فهو في حقيقة الحال منبوذ. وأول ما نبدأ بذكر الدولة العباسية، فإنها وإن كانت المعقبة لبني أمية والآتية بعدها على ما قد كان، فأبتدئ بالأقرب مخرجا من النبعة النبوية، والأدنى إلى مناسبها الزكية، ونحن نذكر إن شاء الله تعالى دولها الشهيرة ثم نصلها بما وصل إلى مصر في أيام ملوك الأتراك وتعلل فيها دماؤهم حتى مات وقبر هناك، ثم نذكر الدولة الأموية [ص ٩٠] ونصلها بمن دخل الأندلس وكان بها، حتى انكدر أفقهم، وطمس وهوى منهم الرفيع ودرس، إن في ذلك لعبرة، وإن فيه لما يجري للعبرة، وهي عوائد عوادي النوب، أخمدت نار كسرى، ورمت تاج قيصر قسرا، وأماتت افراسياب على شاطئ النهر قهرا، أذلت عزة بني عبد المدان، وحطت تخت تبّع من رأس غمدان (١)، وكان الأول في ذكر سكان الأرض أن تقدم في صدر الملة الإسلامية هاتان الدولتين، ونعزل مما أناف لآل عبد المناف الذروتين، لأن أهل هاتين الدولتين من بني أمية ثم من بني العباس هم الخلفاء حقا بعد الراشدين وصدقا، لولا كذب ادعاء المعاندين، وقد ذكرنا سكان الأرض، وهذا الاسم أصدق ما أطلق على الخلفاء، لقوله ﷺ : (لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم لسان) (٢)، فهذا نص على أنهم ولاة

стр. 7554

أمر الناس، وجميعهم لهم أتباع، وإذا كان هذا الأمر لقريش فلابد أن يكون منهم واحد يجمع أمرهم، وهو الإمام، وما من البشر مطيعهم وعاصيهم في مشارق الأرض ومغاربها إلا مأموم به، وإن كان منهم عصاة أو خالع لربقة الطاعة، فإنه يلزمهم حكمه بشريعة الدين وعقيدة الإسلام، ولا يقدر يخالف في هذا أحد من المسلمين ولا ينازع مؤمن أنه داخل في إمرة أمير المؤمنين، فحينئذ الأئمة هم سكان الأرض وبقية من فيها ضميمة لهم أو كالضميمة، وعلى هذا الرأي بنينا هذا القسم من أوله، وبيّنا كثيرا من تفاصيله وجمله، فذكرنا ما نقل إلينا مما كان من بداء الخلق، ومن كان في زمان كل من الأنبياء صلوات الله عليهم والملوك المؤمنين والكفار، فإن قال قائل: فلم ذكرت الملوك قبل الإسلام مع وجود الأنبياء، ومن أولئك الملوك كفار، لا بل غالبهم، ولم نذكرهم مع الخلفاء، والأنبياء أعلا درجة من الخلفاء، وملوك الإسلام خير من ملوك الكفار؟ الجواب: أن النبي كان يبعث إلى قومه خاصة، ولا [ص ٩١] تتعدى دعوته مكان بعثته، والأرض مملوءة بالملوك، ومنهم من لم يرسل في ذلك الوقت إليه، ولا إلى قومه، فاحتجنا إلى أن نذكر الملوك لهذا السبب، إذ كنا بصدد ذكر سكان الأرض، وليس في أولئك الأنبياء من له دعوة عامة، فإذا ذكر هو أو خليفة اكتفي به عن سائر الناس، ونبينا ﷺ دعوته عامة، فإذا ذكر هو أو خليفته اكتفي به عن سائر الناس، كما قال تعالى مخاطبا عنه: ﴿يا أَيُّهَا اَلنّاسُ إِنِّي رَسُولُ اَللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً﴾ (١)، فلما كانت دعوته عامة، كانت دعوة خلفائه عامة، فلهذا لم يبق مقتض لذكر أحد معهم، فإن قال: كيف تتكلم في سكان الأرض، وإنما أنت تتكلم في واحد منهم؟ فالجواب: إنّا لو أردنا ذكر الناس رجلا رجلا، لأردنا ما ليس في الإمكان، وإنما إذا ذكرنا الخلفاء نكون كأنا ذكرنا

стр. 7555

كل سكان الأرض لأنهم نواب الله في أرضه وخلفاء نبيه ﷺ في أمته، وهو المبعوث إلى الأسود والأحمر، والقاصي والداني، وهم القومة بدينه، والدعاء بدعوته العامة، وجميع أهل الأرض ملزمون بها، من آمن منهم أو كفر، فلهذا وجب إفرادهم بالذكر، وأطلق على الجزء منهم اسم الكل، وبالله التوفيق. وأما الملوك شكر الله عن الإسلام سعيهم، وبوّأهم المغفرة والرضوان، فإنه سيأتي ذكرهم في قسم التاريخ وهو أمسّ بهم، لأنه أكثر ما دار على ذكر أيامهم، ونوب الدهر بيّنة، وفيهم من جاهد في الله وقاتل في سبيله، وسهّد جفونه في جهاد أعدائه، وأغضّ الكفر وأماته بدائه، وضارب حتى ملّت السيوف مضاربها، وكرهت الخيل الماء وعافت بالدماء مشاربها، وحامى عن رأيه وإمامه، وواصل طلائع راياته وآرائه، وأعملوا سيوفهم وأقلامهم في تمهيد البلاد، وتوطيد الملك فناضلوا وناظروا وجالدوا وجادلوا، وفعلوا ما قدرت عليه مكنة هممهم، وظفرت به أيدي مطالبهم، وسروا السرايا لإفاضة هذه الدعوة النبوية، وإفاءة الأرض بظلال [ص ٩٢] عصائبها المحمدية، وسنذكر من هذا مما نثبته في موضعه ونبينه في مواضعه، ونبيع زهره لمطالعه، وزهره بمطالعه، ونشرح به صدر رائيه وقاريه وسامعه، فأما ما ذكرنا من بني إسماعيل، فإنما أردنا به في النسب الشريف النبوي زاده الله شرفا اتصال سببه وإيضاح كيف كان نور مظهره، ليعرف تقدم آبائه في النسب اللباب، وخروج درته اليتيمة من قرارة ذلك البحر العباب. وهذه الدّولة العبّاسيّة سقاها الله صوب رحمته، ولقاها نضرة نعمه، وأول ما نبدأ بذكر العباس بن

стр. 7556

عبد المطلب (١) كان ﵀ بهيا جميلا رئيسا في الجاهلية، كريما مهيبا، وكان لا يرفع مائدته حتى تأكل منها الطير والسباع، وكانت له ثياب للعاري، ومائدة للجائع، وسوط للسفيه، وجاء الإسلام وهو على ذلك، وكان جهوري (٢) الصوت، ربما صاح بالأسد فتفطر مرارة كبده، وصاح يوما: وا صباحاه، فأسقطت الحوامل، وفي الحديث (عم الرجل صنو أبيه)، وكان أبو بكر وعمر ﵄ إذا رأياه نزلا له إلى الأرض وسلّما عليه، واستسقى به عمر بن الخطاب ﵁، وكان أسن من رسول الله ﷺ بعامين، وقيل: من أكبر أنت أم رسول الله ﷺ ؟ فقال: أنا أسن وهو أكبر مني، وقال أكثم بن صيفي (٣): حججت سنة فرأيت بني عبد المطلب كأنهم بروج فضة، فقلت: من هؤلاء؟ قيل: بنو عبد المطلب، فقلت: هؤلاء غرس الله لا غرس البشر، وكان أجلّ بنيه حبر هذه الأمة عبد الله بن العباس

стр. 7557

﵄، وفي الحديث: (اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل) (١)، والبيت في ولده علي، وسماه علي بن أبي طالب باسمه وكناه بكنيته، وكان يدعى زين العابدين، وكان مجتهدا في العبادة، وكان عبد الملك [ص ٩٣] بن مروان يكرمه ويعظمه، ثم البيت في ولده محمد بن علي، وهو الذي أصار عليه ابن الحنفية الأمر، ثم ظهرت شيعة بني هاشم بخراسان، ووجه محمد بن علي مولى له اسمه سلام بن العاري، وأمره أن يبثّ خبرهم هناك ففعل حتى تحدث به الكبير والصغير، ولم يسم الإمام ولا أين هو، وكان بالحميمة (٢)، فتبع سلاما كثير منهم، ثم مات سلام، فلم يعرفوا أين الإمام، فأتوا جعفر الصادق (٣) فقال: أخطأتم المقصد، اقصدوا الحميمة فيها شيخنا وابن عمنا، وهذا الأمر فيه وفي عقبه، فأتوه فأكرمهم وقال: أنا ضالتكم المنشودة، وبغيتكم المقصودة، ثم تأملهم فلم يجد فيهم صفة أبي مسلم، فعلم أنه سيأتي، ثم بعث معهم أبا عكرمة بن زياد بن دوهم داعيا، ثم أتى أسد بن عبد الله القسري واليا على خراسان لبني أمية، فقبض عليه وقتله وتتبّعهم بالقتل والعقاب، وهم لا يزدادون إلا غلوا، وكتبوا إلى الإمام بمقتل أبي عكرمة، فبعث مكانه كثير بن سعد، ثم أقدمه وبعث مكانه عمار بن داود فغير اسمه فتسمى خداش بن زيد، فأخذه

стр. 7558

أسد القسري وقطع لسانه، وسجن سليمان بن كثير، فانفلت من السجن، ولحق بالإمام، فبعث عليهم بكر بن وائل، ثم أخذه القسري في قوم من أصحابه وقررهم على الإمام، فلم يقروا، ثم قدّم الإمام أبا سلمة الخلال، واسمه حفص بن سليمان، ثم قدمت الشيعة وفيهم أبو مسلم، فلما عرفه بصفته، وكان اسمه عبد الرحمن بن عثمان العجلي السراج (١)، وكان يعمل السروج، وسنه يومئذ ثمانية عشر سنة فقال لهم الإمام: هذا سيدكم والقائم مقامي فيكم، ثم استخلف ابنه إبراهيم وأوصاه بأخويه أبي العباس وأبي جعفر، وأخبره أنه ميت، وأن إبراهيم يموت بعده، وأن علامة القائم مع أبي مسلم، ثم خلا به وعرفه بما يكون، فما استقر بهم القرار بخراسان حتى بلغهم موت الإمام، يقال إن هشاما أدخل رأسه في جراب نورة حتى مات، فأقاموا العزاء، فصبّرهم أبو مسلم، وجمع مالا عظيما وطرفا جليلة [ص ٩٤] وقدم بها على الإمام إبراهيم بن محمد، فقرر أمره، ثم عاد وعزل أسد بن عبد الله القسري وولى نصر بن سيار، فوقع إليه كتاب من أبي مسلم إلى الإمام فبعث به مع حامله إلى مروان فاستصلح مروان حامل الكتاب وأمره بأن يذهب به إلى الإمام إبراهيم، ثم يأتيه بجوابه، فأتاه بجوابه إلى أبي مسلم ويحثه فيه على الحرب، والأخذ بالجد، ثم كتب فيه: [الرجز] دونك أمرا قد بدت أشراطه إن السبيل واضح سراطه لم يبق إلا السيف واختراطه فبعث مروان من أتى به فحبسه بحراب وبقي مسجونا سنتين، ثم لما أيقن

стр. 7559

مروان بزوال أمره، قتله نحو قتلة أبيه سنة ثلاثين ومائة، ثم لما سمع أبو مسلم بحبس الإمام، جمع شيعته وخطبهم وقال: لا خفاء بعد اليوم، فعقد اللواء المسمى بالسحاب، وكان أسود مكتوبا عليه بالذهب: (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وأن الله على نصرهم لقدير) (١)، وكان الإمام محمد بن علي (٢) أعطاه له، وجنّد الجنود وأظهر الدعوة ولبس السواد هو وشيعته، ثم ظهر بمرو (٣) في يوم عيد وصلى بالناس، وخطب ولعن بني أمية، ودعا لعلي ﵁، ودعا لبني العباس، وكانت أول خطبة أقيمت لهم، ثم وجه قحطبة بن شبيب، وبث جنوده في البلاد، ثم جهز نصر بن سيار جيشا إلى أبي مسلم، وكتب إلى مروان بن محمد كتبا آخرها قال فيه (٤): [الوافر]

стр. 7560

أرى خلل الرماد وميض جمر … ويوشك أن يكون له ضرام فإن النار بالعودين تذكى … وإن الحرب أولها الكلام فإن لم يطفها عقلاء قوم … يكون وقودها جثث وهام أقول من التعجب ليت شعري … أأيقاظ أميّة أم نيام فإن لم يطفئوها تجن حربا … مثمرة يشيب لها الغلام [ص ٩٥] فلم يفد هذا بني أمية تيقظا ولا هاج لهم حفيظة ولا تحفظا، ثم إن أبا مسلم جهّز مالكا الخزاعي للقاء نصر بن سيّار (١)، فسار في عدة قليلة، والنصر يقدمه، والسعود تخدمه، فالتقوا قريب سمرقند (٢)، فما كان إلا أن تراءى الجمعان، فولّى جيش ابن سيار الأدبار قتلا ذريعا، وأخذ قائد الجيش أسيرا، وحمل إلى الخزاعي، فحمل إلى أبي مسلم، فمنّ عليه وأعاده إلى ابن سيار مكرما، فجعل يتحدث بمحاسن أبي مسلم، فمال إليه أكثر الناس، ثم خرج على ابن سيار رجل بكرمان، وكان سببا لتمام أمر [أبي] مسلم، لأنه اشتغل به عنه، فكتب يستمد مروان، فكتب إليه: إن حاجتنا بأهل الشام، فاكتف (٣) بما

стр. 7561

عندك، فأيقن نصر بالخذلان، وقال: ذهبت والله خراسان، وسيذهب مروان، ثم خرج أبو مسلم إلى مرو لقتال ابن سيار، حتى إذا قاربها فتح خزائنه، وفرق أمواله على رجاله تفريقا خرق به عادته، فسمع بذلك جند ابن سيار فتساقطوا عليه تساقط الفراش، وتسارعوا إليه لطلب المعاش، فأعطاهم مثل ما أعطى رجاله، وبسط يده بالإعطاء، واستدعى بكرمه حركات البكاء، ثم قدم عليه ابن الكرماني، وكان نصر قد قتل أباه، ثم إنه كان مختصا به اختصاص الكف بالبنان، والنطق باللسان، فضاقت بنصر الأرض بما رحبت، وجزم بأن طائفته غلبت، وقدّم أبو مسلم ابن الكرماني، وأمره بمحاربة ابن سيار لأخذ ثأر أبيه، فحاربه محاربة فات معها نصرا النصر، ثم جاء أبو مسلم فدخل مرو على حين غفلة، وأخذ البيعة على أهلها، ورتب وظائف الملك، وأما ابن سيار فإنه فرّ إلى الجبال واستوطنها، ثم إن أبا مسلم قتل ابن الكرماني، وجهز قحطبة لقتال نصر، فأخرج عامله من طوس (١) وقتل مقاتلتها، ثم طلب ابن سيار فأخرج له ابنه تميما في جيش عظيم، فلما رآه جزع، فلما تلاقت الجيوش قتل، وخرج ابن سيار هاربا إلى قومس (٢)، ثم إلى جرجان (٣)، ولقاه قحطبة (٤) فهزمه [ص ٩٦]، وهرب ابن

стр. 7562

سيار إلى الري (١)، وأتبعه قحطبة بن الحسن، فكتب ابن سيار إلى مروان: [السريع] كنّا نرجّيها وقد مزّقت … فاتّسع الخرق على الراقع كالثوب إذ أنهج فيه البلى … أعيا على ذي الحيلة الصانع ثم مات ابن سيار بعد كتابة هذا بيومين وتفرّق أصحابه، ودخل الحسن بن قحطبة الري، فخرج إليه ابن هبيرة، وكان على العراق. هذا ما كان من هؤلاء. وأما ما كان من بني العباس، فإنهم لما أمسك الإمام، فروا إلى أحياء العرب، فمروا بماء لهم متجسسين فإذا هما (٢) بامرأتين مقبلتين، فوقفتا عليهم، وقالتا: ما رأينا أكرم ولا أصبح من خليفة وأمير، فانتهرهما عبد الله بن علي، فقالتا: لا وأبيكم، إن هذا لخليفة، وأشارتا إلى السفاح، وهذا الأمير، وأشارتا إلى المنصور، فانتهروهما، وساروا إلى الكوفة، فلقيهما داود بن علي وابنه موسى، وهما متفرقان في موال لهما من العراق إلى الحميمة، فأخبروه أنهم يريدون الكوفة للوثوب عليها، فقال داود: فكيف ومروان بن محمد في جنوده مطل على العراق، وشيخ العرب يزيد بن عمرو بن هبيرة عامل العراق، فقال له: يا عم، من أراد الحياة ذل، فقال داود لموسى: يا بني صدق ابن عمك، ارجع بنا معه، فانصرفا معهم، فلما أتوا الكوفة سألوا عن أبي سلمة، وأتوه، فأخلى لهم دارا وأنزلهم فيها في صفر سنة اثنين وثلاثين ومائة، وأجرى عليهم الأرزاق، ومنعهم من التصرف، فكانوا إذا أرادوا الظهور منعهم، وقال لهم: ابن هبيرة قريب منا،

стр. 7563

وأمير المؤمنين واصل إلينا مكرا بهم، لميله إلى الطالبيين. وأما أبو مسلم (١)، فإنه بعث أبا النجم إلى الكوفة ليتعرف له خبر السفاح، فأتاها، وأتى أبا سلمة عنه فأنكره ليدير في صرف الأمر إلى عبد الله بن الحسن بن الحسن، فتوسل أبو النجم ابن السفاح وأعلمه أن أبا محمد مسلم كتب إلى قحطبة أن يسير إلى الكوفة ويسأل عن الصغير من ولد الإمام محمد الذي اسمه عبد الله وكنيته أبو العباس، فإذا وجده يبايع له بالخلافة، فهو الإمام، أحب أبو مسلم أو كره [ص ٩٧] فجهزه السفاح إلى ابن قحطبة، فسارع في خمسة آلاف، فدخل الكوفة ليلا، وأتى الدار فقال: أيكم أبو العباس، فقالوا: كلنا أبو العباس، وكان كل منهم طامع فيها لنفسه، فقال: أيكم (٢) بنو محمد بن علي، فيئس منها جميعهم وطمع فيها بنوه الثلاثة: السفاح والمنصور

стр. 7564

ويحيى، فقالوا: نحن، فقال: من منكم عبد الله؟ فيئس يحيى وطمع الاثنان، فقالا: كلانا عبد الله، فقال: أيكما ابن الحارثية؟ فيئس منها المنصور، وقال: هذا ابن الحارثية، وأشار إلى أخيه، فقال: أكشف لي عن ظهرك حتى أرى العلامة التي فيه، فكشف له عن ظهره فرآها وقبلها، ثم قال له: امدد يدك أبايعك، فمد يده فبايعه إخوته وأهل بيته ورجاله، ثم ألبسه السواد، وركبه فرسا أشهب، وأركب أهله الخيل ملتئمين (١) بالسلاح، ثم أتى به المنبر يوم الجمعة، فمنع الخطيب الصعود، وصعد أبو العباس السفاح، ومعه عمه داود دونه بدرجة، فلما أراد السفاح الكلام أرتج عليه، فخطب عمه داود خطبة بليغة، ثم أخذ الناس بالمبايعة، وأهله حوله بالسيوف مسلولة بأيديهم، ثم أقام ثلاثة أيام، وخرج في جيش عظيم، فنزل الهاشمية، ثم فرّق جيشه، فأرسل أخاه أبا جعفر مع الحسن بن قحطبة إلى واسط لقتال ابن هبيرة، ووجه موسى بن عيسى إلى المدائن مع حميد بن قحطبة، واستخلف عمه داود على الكوفة. وأما ما كان من مروان، فإنه لما أتاه الخبر خرج من حرّان (٢)، فنزل منزلا سأل ما اسمه؟ فقالوا: بلوى، فتطير منه، فقال: بل بشرى، ثم سار حتى أتى الموصل، فأتى السفاح الخبر، فجمع أهله وقال: من يلقى مروان دوني؟ فقال له عمه عبد الله بن علي: أنا له كفء، فقال: صدقت وبذلك أخبر الإمام إبراهيم، فعقد له لواء أسود، وألبسه السواد، وأنهده إليه، ثم أنشد السفاح مرتجلا: [البسيط] يا آل مروان إن الله مهّلكم … ومبدل منكم خوفا وتشريدا [ص ٩٨]

стр. 7565

لا عمّر الله من أنسابكم أحدا … وبثّكم في بلاد الله تطريدا ودفعها إلى رجل حصيف، وقال له: تحيّل في إنشادها في عسكر مروان من حيث لا يعلمون، كأنك هاتف، وسار عبد الله بن علي، وجرت بينهم حروب، ثم إن ذلك الرجل الذي حمّله السفاح البيتين، تحيّل في سرب (١) احتفره حتى نفذه إلى قرار شجرة في معسكر مروان، واتخذ منها حروفا خفية يخرج الصوت، ثم قام بهما ليلا ينشدهما، وظنوه هاتفا هتف بهم، فتفللت عروتهم، وكان ذلك مع تقدير الله سبب الهزيمة، ويقال: إن مروان لما رأى المسودة خارت عزائمه، فقال له كاتبه عبد الحميد بن يحيى: ما هذا الذي أراه منك؟ أطربت للقاء أم جزعت من الموت؟ فقال له: والله لوددت أني في قلهم ويكون لي سعدهم، وما يغني هذا العسكر العظيم مع الإدبار، ولئن قاتلونا بعد الزوال، فهي لنا، وإن قاتلونا قبل الزوال، فهي لهم، فناجزهم عبد الله بن علي القتال، وكانت له، وانهزم مروان إلى الجسر، فغرق أكثر من معه، وانهزم مروان، فعقد عبد الله بن علي على الجسر، وعبر النهر، وهو يقرأ: ﴿وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ اَلْبَحْرَ فَأَنْجَيْناكُمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ (٢)، ثم أتى مضارب مروان فنزلها، واستولى على ما فيها، ثم كتب إلى السفاح بالخبر، وكتب فيه: [البسيط] لجّ الفرار بمروان فقلت لهم … عاد الظلوم ظليما همّه الهرب (٣) أين الفرار وترك الملك إذ ذهبت … بك الهوينى فلا دين ولا حسب شبيه فرعون في ظلم وفي غرق … وفي بذاءة كلب ما [به] كلب (٤)
следующие страницы →