← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11790

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط المجمع الثقافي

ابن فضل الله العمري

Полный текст (8 839 стр.). Показаны 7561–7600 · переход к 7566.

стр. 7561

عندك، فأيقن نصر بالخذلان، وقال: ذهبت والله خراسان، وسيذهب مروان، ثم خرج أبو مسلم إلى مرو لقتال ابن سيار، حتى إذا قاربها فتح خزائنه، وفرق أمواله على رجاله تفريقا خرق به عادته، فسمع بذلك جند ابن سيار فتساقطوا عليه تساقط الفراش، وتسارعوا إليه لطلب المعاش، فأعطاهم مثل ما أعطى رجاله، وبسط يده بالإعطاء، واستدعى بكرمه حركات البكاء، ثم قدم عليه ابن الكرماني، وكان نصر قد قتل أباه، ثم إنه كان مختصا به اختصاص الكف بالبنان، والنطق باللسان، فضاقت بنصر الأرض بما رحبت، وجزم بأن طائفته غلبت، وقدّم أبو مسلم ابن الكرماني، وأمره بمحاربة ابن سيار لأخذ ثأر أبيه، فحاربه محاربة فات معها نصرا النصر، ثم جاء أبو مسلم فدخل مرو على حين غفلة، وأخذ البيعة على أهلها، ورتب وظائف الملك، وأما ابن سيار فإنه فرّ إلى الجبال واستوطنها، ثم إن أبا مسلم قتل ابن الكرماني، وجهز قحطبة لقتال نصر، فأخرج عامله من طوس (١) وقتل مقاتلتها، ثم طلب ابن سيار فأخرج له ابنه تميما في جيش عظيم، فلما رآه جزع، فلما تلاقت الجيوش قتل، وخرج ابن سيار هاربا إلى قومس (٢)، ثم إلى جرجان (٣)، ولقاه قحطبة (٤) فهزمه [ص ٩٦]، وهرب ابن

стр. 7562

سيار إلى الري (١)، وأتبعه قحطبة بن الحسن، فكتب ابن سيار إلى مروان: [السريع] كنّا نرجّيها وقد مزّقت … فاتّسع الخرق على الراقع كالثوب إذ أنهج فيه البلى … أعيا على ذي الحيلة الصانع ثم مات ابن سيار بعد كتابة هذا بيومين وتفرّق أصحابه، ودخل الحسن بن قحطبة الري، فخرج إليه ابن هبيرة، وكان على العراق. هذا ما كان من هؤلاء. وأما ما كان من بني العباس، فإنهم لما أمسك الإمام، فروا إلى أحياء العرب، فمروا بماء لهم متجسسين فإذا هما (٢) بامرأتين مقبلتين، فوقفتا عليهم، وقالتا: ما رأينا أكرم ولا أصبح من خليفة وأمير، فانتهرهما عبد الله بن علي، فقالتا: لا وأبيكم، إن هذا لخليفة، وأشارتا إلى السفاح، وهذا الأمير، وأشارتا إلى المنصور، فانتهروهما، وساروا إلى الكوفة، فلقيهما داود بن علي وابنه موسى، وهما متفرقان في موال لهما من العراق إلى الحميمة، فأخبروه أنهم يريدون الكوفة للوثوب عليها، فقال داود: فكيف ومروان بن محمد في جنوده مطل على العراق، وشيخ العرب يزيد بن عمرو بن هبيرة عامل العراق، فقال له: يا عم، من أراد الحياة ذل، فقال داود لموسى: يا بني صدق ابن عمك، ارجع بنا معه، فانصرفا معهم، فلما أتوا الكوفة سألوا عن أبي سلمة، وأتوه، فأخلى لهم دارا وأنزلهم فيها في صفر سنة اثنين وثلاثين ومائة، وأجرى عليهم الأرزاق، ومنعهم من التصرف، فكانوا إذا أرادوا الظهور منعهم، وقال لهم: ابن هبيرة قريب منا،

стр. 7563

وأمير المؤمنين واصل إلينا مكرا بهم، لميله إلى الطالبيين. وأما أبو مسلم (١)، فإنه بعث أبا النجم إلى الكوفة ليتعرف له خبر السفاح، فأتاها، وأتى أبا سلمة عنه فأنكره ليدير في صرف الأمر إلى عبد الله بن الحسن بن الحسن، فتوسل أبو النجم ابن السفاح وأعلمه أن أبا محمد مسلم كتب إلى قحطبة أن يسير إلى الكوفة ويسأل عن الصغير من ولد الإمام محمد الذي اسمه عبد الله وكنيته أبو العباس، فإذا وجده يبايع له بالخلافة، فهو الإمام، أحب أبو مسلم أو كره [ص ٩٧] فجهزه السفاح إلى ابن قحطبة، فسارع في خمسة آلاف، فدخل الكوفة ليلا، وأتى الدار فقال: أيكم أبو العباس، فقالوا: كلنا أبو العباس، وكان كل منهم طامع فيها لنفسه، فقال: أيكم (٢) بنو محمد بن علي، فيئس منها جميعهم وطمع فيها بنوه الثلاثة: السفاح والمنصور

стр. 7564

ويحيى، فقالوا: نحن، فقال: من منكم عبد الله؟ فيئس يحيى وطمع الاثنان، فقالا: كلانا عبد الله، فقال: أيكما ابن الحارثية؟ فيئس منها المنصور، وقال: هذا ابن الحارثية، وأشار إلى أخيه، فقال: أكشف لي عن ظهرك حتى أرى العلامة التي فيه، فكشف له عن ظهره فرآها وقبلها، ثم قال له: امدد يدك أبايعك، فمد يده فبايعه إخوته وأهل بيته ورجاله، ثم ألبسه السواد، وركبه فرسا أشهب، وأركب أهله الخيل ملتئمين (١) بالسلاح، ثم أتى به المنبر يوم الجمعة، فمنع الخطيب الصعود، وصعد أبو العباس السفاح، ومعه عمه داود دونه بدرجة، فلما أراد السفاح الكلام أرتج عليه، فخطب عمه داود خطبة بليغة، ثم أخذ الناس بالمبايعة، وأهله حوله بالسيوف مسلولة بأيديهم، ثم أقام ثلاثة أيام، وخرج في جيش عظيم، فنزل الهاشمية، ثم فرّق جيشه، فأرسل أخاه أبا جعفر مع الحسن بن قحطبة إلى واسط لقتال ابن هبيرة، ووجه موسى بن عيسى إلى المدائن مع حميد بن قحطبة، واستخلف عمه داود على الكوفة. وأما ما كان من مروان، فإنه لما أتاه الخبر خرج من حرّان (٢)، فنزل منزلا سأل ما اسمه؟ فقالوا: بلوى، فتطير منه، فقال: بل بشرى، ثم سار حتى أتى الموصل، فأتى السفاح الخبر، فجمع أهله وقال: من يلقى مروان دوني؟ فقال له عمه عبد الله بن علي: أنا له كفء، فقال: صدقت وبذلك أخبر الإمام إبراهيم، فعقد له لواء أسود، وألبسه السواد، وأنهده إليه، ثم أنشد السفاح مرتجلا: [البسيط] يا آل مروان إن الله مهّلكم … ومبدل منكم خوفا وتشريدا [ص ٩٨]

стр. 7565

لا عمّر الله من أنسابكم أحدا … وبثّكم في بلاد الله تطريدا ودفعها إلى رجل حصيف، وقال له: تحيّل في إنشادها في عسكر مروان من حيث لا يعلمون، كأنك هاتف، وسار عبد الله بن علي، وجرت بينهم حروب، ثم إن ذلك الرجل الذي حمّله السفاح البيتين، تحيّل في سرب (١) احتفره حتى نفذه إلى قرار شجرة في معسكر مروان، واتخذ منها حروفا خفية يخرج الصوت، ثم قام بهما ليلا ينشدهما، وظنوه هاتفا هتف بهم، فتفللت عروتهم، وكان ذلك مع تقدير الله سبب الهزيمة، ويقال: إن مروان لما رأى المسودة خارت عزائمه، فقال له كاتبه عبد الحميد بن يحيى: ما هذا الذي أراه منك؟ أطربت للقاء أم جزعت من الموت؟ فقال له: والله لوددت أني في قلهم ويكون لي سعدهم، وما يغني هذا العسكر العظيم مع الإدبار، ولئن قاتلونا بعد الزوال، فهي لنا، وإن قاتلونا قبل الزوال، فهي لهم، فناجزهم عبد الله بن علي القتال، وكانت له، وانهزم مروان إلى الجسر، فغرق أكثر من معه، وانهزم مروان، فعقد عبد الله بن علي على الجسر، وعبر النهر، وهو يقرأ: ﴿وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ اَلْبَحْرَ فَأَنْجَيْناكُمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ (٢)، ثم أتى مضارب مروان فنزلها، واستولى على ما فيها، ثم كتب إلى السفاح بالخبر، وكتب فيه: [البسيط] لجّ الفرار بمروان فقلت لهم … عاد الظلوم ظليما همّه الهرب (٣) أين الفرار وترك الملك إذ ذهبت … بك الهوينى فلا دين ولا حسب شبيه فرعون في ظلم وفي غرق … وفي بذاءة كلب ما [به] كلب (٤)

стр. 7566

ثم سار يريده، وما مرّ ببلد إلا وأطاعه، وأتى دمشق، فخرج إليه عاملها الوليد بن معاوية بن عبد الملك، في وجوه أهلها، فبايعوه، وامتنع من كان بها من بني أمية، فقاتلهم ودخلها بالسيف، واعتقل الوليد بن معاوية ومن كان خرج معه من بني أمية، وقتل العصاة وصلبهم، ثم سار في طلب [ص ٩٩] مروان، وما مر ببلد إلا وفتحه، حتى أدركه ببوصير قوريدس (١) من صعيد مصر، فبينا هو نازل إذا بالمسودة قد غشيته، فسير مروان يقول لعبد الله: الله الله في حرمي، فقال: قل له، لنا الحق في دمك، وعلينا في حرمك، وكان مروان إذ ذاك في جند كثيف، فأسلموه وفروا، فقاتل فيمن بقي معه حتى قتل، وخرج من سرادق مروان شيخ مسن فقال: أيكم الأمير؟ فأرشد إليه، فأتى بهم موضعا في الرمل بعيدا من القرية، فاحفروه فأخرجوا منه القضيب والبردة والقعب والمخضب، واحتز رأس مروان (٢)، وجهر به وبمكان دفنه إلى السفاح، ثم أحسنت

стр. 7567

حياطة أهله وحرمه، فلما أتى السفاح رأس مروان، سجد شكرا، ثم أنشأ يقول: [الطويل] تناولت ثأري من أميّة عنوة … وحزت تراثي اليوم عن سلفي قسرا وألقيت ذلاّ عن مفارق هامهم … وألبستها عزّا ولم آلها فخرا فهذه جملة جميلة من أخبار هذه الدولة حتى قامت، وهذا ذكر خلفاء هذه الدولة واحدا واحدا، إلا إبراهيم بن المهدي وعبد الله بن المعتز، فإني لا أذكرهما إلا في أخبار المأمون والمقتدر، إذ كان وثوبهما في ذينك الخليفتين، وأولها: ٥٥ - دولة السّفّاح أبي العباس (١) عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، وهو أول

стр. 7568

خلفاء بني العباس، وهو أول من تلقى بصدره الباس، ولبس الشعار العباسي، فزرر ليله على قمره، وعقد ظفائر أعلامه السود على فرسان عسكره، وكشف كما ذكرنا قناعه لمجاهرته لبني أمية، وثار وقد توقدت به الحمية، وخرج فيمن قل من عمومته وأهله في شفق نهار، والشمس قد فتحت في ساعة الأصيل وردتها في خده الأسيل، وسار حتى أتى الكوفة وصعد منبرها، وأرتج عليه فخطب عمه داود - وهو واقف دونه بدرجة - خطبة بليغة، اقتضبها بديها، ثم وافت عساكر أبي مسلم [ص ١٠٠] الخراساني تنسف رمل الأرض جيادها، ويخطف بصر البرق ومض حدادها، وصرّح الشر فأمسى هو عريان (١)، وأصبح ومقل أسنته ترمق وجه العدو وهو خزيان (٢) ثم كانت وقعة الزاب (٣)، وغلب الشيطان وانهزمت تلك الأحزاب، وولى عسكر الشام، وقد تفلل مضاؤه، وتفلل جمعه وضو ضاؤه، وحاق بمروان بن محمد مكره، وحار فكره، ورأى الأرض أضيق عليه من مفحص القطاة، وأقصر عن مدى خطاه، وأدرك كما ذكرنا مروان ببوصير، واستقر به فيها

стр. 7569

المصير، ثم لم تحوجه الأقدار بعدها إلى تجهيز جيش، ولا استعمال أناة ولا طيش، وكان السفاح يسفح نوالا، ويرى ألا يرد سؤالا، مع ما كان فيه من وفاء جرى إليه سيوقا، وشمخ غصنه الرطيب سموقا مع مكارم أخلاق فاقت أشباهها، وراقت أمواهها، فما شاءه طلب بلوغا، ولا لاواه نزوغا، ولا بدأ بأمر إلا وأتمه فروغا، ولا أهمه مهم إلا وعاجل نجمه بزوغا، وقد كانت ملوك بني أمية ترى أنه سيكون الأمر في رجل من بني العباس أمه من بنات الحارث بن عبد المدان، فكانت تمنعهم من الزواج إليهم، حتى كان عمر بن عبد العزيز، فاستأذنه علي بن عبد الله في التزوج بريطة، فقال له: تزوج بمن شئت، فأولدها أبا العباس السفاح. وحكى ابن ظفر: أن أبا سلمة الخلال وسلمان بن كثير كانا يفدان في كل عام على إبراهيم الإمام، فيأتيانه بهدايا أهل الدعوة وبكتبهم ويستأمرانه، ولم يكن أحد من أهل بيته يعرفهما ولا يعرف الأمر الذي يأتيان فيه، فقدما سنة من السنين فرأيا أبا العباس وأبا جعفر أخوي إبراهيم الإمام، وهما إذ ذاك غلامان، فأعجباهما، فقال سليمان بن كثير لأبي سلمة: إني مسر إليك أمرا مهما، فاحلف لي على كتمانه، فحلف له أبو سلمة بأيمان رضيها، فقال له سليمان بن كثير: إني أرى عند هذين الصبيين من إمارات الاستقلال ما لا كفاء له، فقال له أبو سلمة: هما والله أولى من صاحبنا، يعني إبراهيم [ص ١٠١] الإمام (١)، فقال

стр. 7570

له سليمان: ما منعني من ذكر هذا إلا التقية والتستر، وبينا هما يتفاوضان في هذا مرّ أبو العباس وأبو جعفر وهما يضربان كربا (١)، فدعاهما أبو سلمة، فأتياه فقال لهما: إني أنشدت صاحبي شعرا أنا به معجب، فلم يرضه، وقد رضينا بحكمكما فيه، فقالا: انشده، فأنشدهما: [الطويل] أمسلم فاسمع يا ابن كل خليفة … ويا فارس الهيجا ويا جبل الأرض شكرتك إن الشكر حبل من التقى … وما كل من أوليته نعمة يقضي ونوهت من ذكري وما كان خاملا … ولكن بعض الذكر أنبه من بعض فقال له أبو جعفر: من يقول هذا؟ قال: يقوله أبو نخيلة (٢)، قال: فعض أبو جعفر على اصبعه وقال: أأمن هذا العبد أن تدول لبني هاشم دولة فيولغوا

стр. 7571

الكلاب دمه، فقال له أبو العباس: مه يا أخي، فإنه كان يقال: من أظهر غضبه ضعف كيده، ثم أقبل أبو العباس على أبي سلمة، فقال له: هذا شعر أحمق في أحمق، كيف يقول لرجل هو في سلطان غيره وتابع له: يا جبل الأرض مرسيها وممسكها، فلا يصح أن يقال هذا لمن هو في سلطان غيره وتابعا له، وأين يقع تعظيمه وتفخيمه من نقص اسمه، وانطلق أبو العباس فقال له أبو جعفر: هلمّ يا أخي نلعب، فقال أبو العباس: هل أو لغت الكلاب دم أبي نخيلة؟ قال: لا، ولكنك آذيتني فتأذيت، وذهبا، فقال أبو سلمة لسليمان: بمثل هذا يطلب الملك ويدرك الثأر، وما زالا بإبراهيم الإمام حتى عهد إلى أبي العباس، ويقال إنه وعدهما أن يعهد إليه ولم يفعل حتى قبض عليه مروان فأمضى العهد لأبي العباس. قال: ثم إن أبا نخيلة وفد على أبي العباس السفاح عندما أفضت الخلافة إليه، فلما مثل بين يديه استأذنه في الإنشاد، فقال له: من أنت؟ قال: عبدك وشاعرك أبو نخيلة، فقال أبو العباس: لا قرب الله من أبعد نوى ولعنه، ألست القائل: آمسلم فاسمع يا بن كل خليفة. وأنشده الأبيات، فقال أبو نخيلة: [الرجز] كنّا أناسا نرهب الأملاكا … ونركب الأعجاز والأوراكا من كل شئ ما خلا الإشراكا … وكلما قد قلت في سواكا زور فقد كفّر هذا ذاكا … إنّا انتظرنا زمنا إياكا ثم انتظرنا بعده أخاكا … ثم انتظرنا لهما أباكا فكنت أنت للرجاء ذاكا فعفا عنه أبو العباس السفاح ووصله.

стр. 7572

وعن سعيد بن سالم البابلي قال: حدثني من حضر مجلس السفاح، وهو أحفل ما يكون بوجوه قريش وبني هاشم والشيعة، وأعيان الناس، فدخل عبد الله بن حسن (١) وبين يديه مصحف، فقال: يا أمير المؤمنين، اعطنا حقّنا الذي جعله الله لنا في هذا المصحف، قال: فأشفق من أن يعجل السفاح بشئ إليه، فلا يريدون ذلك في شيخ من بني هاشم، أو يعيى بجوابه فيكون ذلك نقصا له وعارا عليه، فأقبل السفاح عليه غير مغضب ولا مزعج وقال له: إن جدك عليّا (٢) ﵇، وكان خيرا مني وأعدل، ولي هذا الأمر فأعطى جديك الحسن والحسين وكانا خيرا منك شيئا؟ وكان الواجب أن أعطيك مثله، فإن كنت فعلت فقد أنصفتك، وإن كنت زدتك فما هذا جزائي منك، فما رد عليه عبد الله جوابا وانصرف، والناس يعجبون من حسن جوابه. وذكر الغرناطي قال: كان السفاح أبيض (٣) طويلا جميلا معبل الجسم (٤) أقنى الأنف أكحل العينين، كث اللحية مستديرها، سريع الغضب، قريب الرضى، كثير الجود، سديد الرأي، وصولا للرحم شجاعا، تقصّى في قتل بني أمية، قتل منهم ومن أتباعهم أربعين ألفا، وأما جملة من قتل أبو مسلم فألف

стр. 7573

ألف وست مائة ألف، وأخذ السفاح نفسه بمحو (١) آثار بني أمية وهدم ديارهم، ونبش عبد الله بن علي قبورهم، إلا قبر عمر بن عبد العزيز، وكان السفاح يقول: [ص ١٠٣] ما أبالي بالموت متى طرقني، وقد نلت أملي في بني أمية، أحرقت هشاما بابن عمي زيد بن علي، وقتلت مروان بأخي الإمام إبراهيم، ثم ينشد: (٢) [البسيط] لو يشربون دمي لم يرو شاربهم … ولا دماؤهم للغيظ ترويني ثم كان إذا ذكرهم أنشد قول جده العباس بن عبد المطلب: [الطويل] أبى قومنا أن ينصفونا [فأنصفت] … قواطع في أيماننا تقطر الدما (٣) إذا خالطت هام الرجل تركتها … كبيض نعام في الوغى قد تحطّما وأمر يوما بجمع من بقي من بني أمية فجمعوا، وفيهم عمر بن عبد الملك بن مروان، فأكرمه وأجلسه معه على سريره، فغاظ ذلك أبا مسلم، فأمر سديفا (٤) فأنشده شعرا منه: [الخفيف] لا يغرّنك ما ترى من رجال … إنّ تحت الضلوع داء دويّا

стр. 7574

فضع السيف وارفع الصوط حتى … لا ترى فوق ظهرها أمويّا (١) فتنفس السفاح الصعداء ثم التفت إلى عمر بن عبد الملك وقال له: كيف رأيت هذا الشاعر، فأنطقه الحين فقال: شاعرنا أشعر منه حيث قال فينا: [البسيط] شمس العداوة حتى يستقاد لهم … وأرجح الناس أحلاما إذا قدروا فغضب السفاح وكل من حضره من أهل بيته، وقالوا: تحدثهم أنفسهم بالأمر، فألقى السفاح قلنسوة الأموي، وأمر العبيد فوضعوا فيهم السيوف وقتلوهم عن آخرهم، ثم التفت إلى عمر وقال له: ما أظن الأمير يحب البقاء بعدهم، فقال: لا، فأمر بإقامته، فأقيم، وضربت عنقه، وجروا بأرجلهم حتى ألقوا في رحبة القصر، وعليهم سراويلات الوشي، ثم إن سليمان بن هشام قدم على السفاح، وكان قد فرّ منه إلى السند، فأكرمه وأعظمه وقربه وصيّره في جلسائه، لظرفه [ص ١٠٣] وعقله وآدابه وفصاحته ودماثة خلقه، فحسده أبو مسلم، فأمر سديفا فأنشده: [الخفيف] أظمأتنا بنو أمية حتى … ما غبطنا مسوغا للحياة كيف بالعفو عنهم وقديما … قتلونا بالضرب والمثلات أين زيد وأين يحيى بن زيد … يا لها من مصيبة وترات والإمام الذي أصيب بحرّان … إمام التقى ورأس الهداة لا تزال الصدور آلمة ما … لم تنل من أميّة الثارات فتنفس السفاح الصعداء، ثم أمر بسليمان وابنيه فقتلوا، ثم إن شاعرا من

стр. 7575

بني أمية صنع هذه الأبيات، وتلطف في إيصالها إليه، وهي: [الرمل] ولقد أبصرت لو تنقضي عبرا … والدهر يأتي بالعجب أين زرقاء عبد شمس أين هم … أين أهل الباع منهم والحسب كلّ سامي الجد محمود الجدا … واضح الغرّة بدر منتجب لم يكن أندبهم عندكم … ما فعلتم يالعبد المطلب إن تجدّوا الأصل منهم سفها … يا لقومي للزمان المنقلب إنّ هذا الدهر لابد له … بخيار الناس يوما ينقلب فغض السفاح من فعله وألان جانبه وفلّ غرب سطوته، ومولده سنة خمس ومائة، وتوفي بالجدري سنة ست وثلاثين ومائة، وعمره واحد وثلاثون سنة، ومدته أربع سنين وتسعة شهور وأيام، وقبره بالأنبار. ثم: ٥٦ - دولة المنصور أخيه أبي جعفر عبد الله بن محمد (١)، وكان منصور اللواء، مقصور الرأي

стр. 7576

على دفع اللأواء، لا ينثني عوده بالالتواء، ولا يستحوذ عليه بالاحتواء، لا يمل طول الثواء ولا يلم برده على تأخير الدواء، لا تزعجه تظافر الأشياء والأسواء، ولا تردعه تغاير الأهواء، أوقع على مقاصده من مواطن [ص ١٠٥] الأنواء، وأبصر بمصالحه من نواظر الصحة عداوة الأدواء، لا يفكر في عباد يهلكها، لبلاد يملكها، ولا يستأثر بدماء يسفحها لنعماء يمنحها، حتى توطدت قواعد ملكه، وتوطنت فرائد الأقاليم في سلكه، فما أعجزه مرام، ولا أعجزه حافز أمر عن تمام، ولم يكن في بيته أقوى منه شكيمة، ولا أورى زناد عزيمة، ولا أغزر علما، ولا أوفر حلما، إلا أنه كان مبخلا لا يرشح له صلد تبدى، ولا يفيض له بحر بجدا، ونجمت في مدته خوارج فرماها بغوائله، وماراها حتى شفى منها صدور مناهله، فاستقام له غويها، ودخل في ذمام طاعته عصيّها، ومن نأت عليه أنهد إليها جيوشه فأوطاها أحداثا، وأوطنها أجداثا، ثم بعث إلى الأطراف فسدد ثغورها، وشد سعورها، وبنى المدن ومدنها، وسجن المعاقل وحصنها، وكان لا يطمع في اهتبال غرته، واحتلال أسرته، فما لانت حصاته لماضغ، ولا هانت حصانته على رائغ، فلم يتخلص من قبضته نازغ، ولا قصده إلا من عاد بقلب ملآن فارغ، ودام الملك في بيته تتوارثه، وينتقل إليهم عنه موارثه، وهاهم إلى اليوم في بقايا نعمه التي أحرزها، وذخائره وهي الخلافة التي في بيته أكثرها، وهو داهية القوم وقلّبته الأحوال أكثر من كل بني أبيه، واضطر في دولة بني أمية إلى أنه قصد شيعتهم بالعراق، فمر في طريقه بقصر خالد بن عبد الله القسري (١)، فلما رآه خالد لم

стр. 7577

يكن يعرفه، طالبه وسأله عن نسبه وأين يريد، فأخفى نسبه وقال: إني أريد العراق لدين عليّ، وحقوق لزمتني، فأمر له بمال جليل وأعاده، فراعاها له أبو جعفر، فلما أفضت إليه الخلافة رد على آل خالد بن عبد الله نعمتهم (١)، وألجأته الضرورة إلى أنه تزوج امرأة من الأزد، وأكرى نفسه مع الملاحين، يمد في الحبل، وأولد تلك الامرأة ولدا كتب في دولة أبي جعفر عند أبي أيوب المورباني، وهو [ص ١٠٦] لا يدري ولا الصبي أنه ابن أبي جعفر، فرآه أبو جعفر، فهفت إليه نوازعه، فسأله عن أبيه فقال: رجل شريف تزوج بأمي، فسأله عن أمه وأهله ومكانه، فعرفه وعرف أنه ابنه، فأمره بحمل أمه وأهله إليه، فلما سافر لهذا، بعث أبو أيوب من تتبعه وقتله غيلة، خوفا منه لما كان اطلع عليه من معابثه؟ وأمسك أبو جعفر المنصور في آخر سلطان بني أمية بسبب مال، وضربه عامل البصرة بالسياط، وكان أبو أيوب المورياني يكتب لعامل البصرة، فقام وأكب على أبي جعفر وخلصه، وكان أبو جعفر يرعى له هذا الود، ثم كان منه ما كان إليه، على ما يأتي في موضعه، ولما مات السفاح خرج عليه عبد الله بن علي (٢) بالشام، وكان ليه من قبل السفاح، وقال إن السفاح عهد قبل موته إن

стр. 7578

الأمر لقاتل مروان، وأنا قاتله، فقالوا صدقت وبايعوه، فبعث إليه المنصور أبا مسلم، فالتقوا ببلاد نصيبين، وكانت بينهم حروب عظيمة دامت شهورا، ثم انهزم أصحاب عبد الله بن علي إلى البصرة، وكان عليها أخوه سليمان بن علي، فأنزله وأخبر المنصور فأمره بحبسه، ثم كان آخر العهد به، ثم إن أبا مسلم شمخ بنفسه فأرسل إليه المنصور يقطين بن موسى ليقبض ما أصاب، فرده ردا قبيحا، ثم سار أبو مسلم من الجزيرة وقد أزمع على الخلاف، وبلغ الخبر المنصور وهو بالمدائن فاغتم لذلك، وسار إلى مدينة رومية، وكتب إليه أني أريد أن أشاورك في أمر لا أستطيع أن أكتمه، فأتني مسرعا، فلم يلتفت على الكتاب، فدس عليه صاحبا له، فأتى به فقتله على الصورة المعروفة، ولما قتله التفت إليه، ثم قال يرحمك الله أبا مسلم، لقد بايعتنا وبايعناك، وعاهدتنا وعاهدناك، ووافيتنا ووفينا لك، وإنا بايعناك على أن لا يخرج علينا أحد في هذه الأيام إلا قتلناه، فخرجت علينا فقتلناك. وحكي أن أبا مسلم كان يجد خبره في الكتب [ص ١٠٧] السابقة وأنه مميت دولة ومحيي دولة، وأنه يقتل ببلد الروم وهي من المدائن من العراق، ولما ضربه المنصور أول ضربة، قال له: استبقني يا أمير المؤمنين لأعدائك، فقال: لا أبقاني الله إن أبقيتك، وأي عدو أعدى لي منك، وكان مقتله سنة سبع وثلاثين ومائة، وهو ابن إحدى وثلاثين سنة، ذكره الغرناطي، ولما رآه المنصور طريحا بين يديه قال:

стр. 7579

[السريع] زعمت أنّ الدّين لا يقتضى … فاستوف بالكيل أبا مجرم واشرب بكأس كنت تسقي بها … أمرّ في الحلق من العلقم فاضطرب أصحاب أبي مسلم، فنثرت (١) عليهم الأموال وأعلموا بقتله، فأمسكوا رغبة ورهبة، ومضى أبو مسلم لسبيله لم يغن عنه كثرة قبيله، ولا توقد بصر كان يسري بقنديله، ولا نجاة بعد غور كانت السفن تغرق في ضحضاحه، وتدلج ولا تظفر بصباحه، فلم ينفع بحذار، ولم يدفع بحذر لمقدار، وحكت سلامة أم منصور قالت: رأيت حين حملت به أسدا خرج من قبلي فأقعى وزأر وضرب الأرض بذنبه، فاجتمعت إليه الأسود، وكان كلما جاءه أسد سجد له، وكان المنصور فقيها عالما حافظا، قال مالك بن أنس: ما اجتمعت قط بأبي جعفر المنصور إلا احتقرت نفسي، وادّعت الراوندية (٢) فيه الألوهية، وخرج لدفعهم، فأرادوا قتله، وقالوا: نريد يخرج الجزء الإلهي من هذا الناسوت، فخافهم، فاختط مدينة بغداد وانتقل من الهاشمية إليها، وقد تقدم ذكر بغداد في موضعه من تقسيم الأقاليم، وكان أبو حنيفة ممن على عملها. وعن عمير المديني قال: قدم علينا المنصور المدينة ومحمد بن عمران الطلحي على قضائه، وأنا كاتبه، فاستعدى الحمالون عليه في شئ ذكروه، فأمرني أن أكتب إليه كتابا

стр. 7580

بالحضور معهم وإنصافهم، فقلت: تعفيني [ص ١٠٨] من هذا فإنه يعرف خطي، فقال: اكتب، فكتبت ثم ختمه، فقال: لا يمضي به والله غيرك، فمضيت به إلى الربيع (١)، وجعلت إليه اعتذر، فقال (٢): لا عليك، فدخل عليه بالكتاب، ثم خرج الربيع فقال للناس: أمير المؤمنين يقول لكم: إني قد دعيت إلى مجلس الحكم، فلا أعلمن أحدا قام إلىّ إذا خرجت أو بدأني بالسلام، ثم خرج والمسيب بين يديه، والربيع وأنا خلفه، فسلم على الناس، فما قام إليه أحد، ثم مضى حتى بدأ بالقبر فسلم ثم التفت إلى الربيع وقال: يا ربيع ويحك، أخشى إن رآني عمران أن يدخل قلبه لي هيبة فيتحول عن مجلسه، وتالله إن فعل لا ولي لي ولاية أبدا، فلما رآه وكان متكئا، أطلق رداءه عن عاتقه ثم احتبى به، ودعا بالخصوم وبالحمالين، ثم دعا بالمنصور فسوّى بينهم، ثم ادعى عليه القوم، فقضى لهم، فلما دخل الدار قال للربيع: اذهب فاذا قام وخرج من عنده الخصوم فادعه، فقال: يا أمير المؤمنين، إنه ما دعا بك الا بعد أن فرغ من أمور الناس، فمضى ودعاه، فلما دخل عليه سلم فقال له: جزاك الله عن دينك وحسبك وعن خليفتك أحسن الجزاء، قد أمرت لك بعشرة آلاف دينار فاقبضها، فكانت عامة أموال محمد بن عمران من تلك. وحكى البلاذري قال: ما كان المنصور يستصبح إلا بالزيت في القناديل،

стр. 7581

وإنما خرج إلى المسجد ومعه من يحمل سراجا بين يديه، ثم إنه حمل بين يديه ما فيه الرطل والمن، وكان إذا أراد قراءة الكتب أو كاتبها أحضر شمعة في تور (١)، ثم إذا فرغ رفعها، وكان لا يرى إلا الاقتصاد في كل أموره، والاقتصار على الضروري الذي لابد منه، وكان أبو عبيد الله الكاتب يقول: كان المنصور يعطي الناس في حق، وأعلمهم (٢) بحرمه، وأشدهم شكيمة على عدو، وكان أمره جدا كله، وسمع المنصور جلبة في داره، فقال: ما هذا؟ فاذا خادم له قد جلس وغلمة حوله وهو يضرب لهم بطنبور (٣) وهم يضحكون منه، فأخبر بذاك، فقال: وما الطنبور؟ فوصفه [ص ١٠٩] له عماد التركي، فقال له: وما يدريك به؟ فقال: رأيته بخراسان، فقال: نعم، ودعا بنعله وقام يمشي رويدا حتى أشرف على الغلمان، فلما أبصروه تفرقوا، فقال: خذوا الخادم فاكسروا ما معه على رأسه، ثم قال: يا ربيع، أخرجه من قصري، وابعث إلى حمران النخاس حتى يبيعه، فوجه به الربيع من ساعته فبيع. وعن رجل من حشم المنصور قال: كان المنصور يقسم علينا الأرزاق وما في الخزائن حتى القانيد (٤) والدرياق (٥)، وركب المنصور يوما نحو باب قطربل (٦) حتى دخل من ناحية باب حرب (٧)، فأساء بعض أحداث مواليه، وسار في ناحية

стр. 7582

مثيرا، لا يسير فيها أحد كراهة للغبار، فالتفت إلى عيسى بن علي وهو يسايره، فقال: والله ما ندري يا أبا العباس ما نصنع بهولاء الأحداث، إن حملناهم على الأدب وأخذناهم بما نحب ليقولن جاهل لم يحفظ أباهم فيهم، وإن تركناهم وركوب أهوائهم ليفسدنّ علينا غيرهم وسئل عنه إسحاق بن مسلم [قال]: لقد سبرت (١) أبا جعفر فوجدته بعيد الغور، وعجمت عوده فوجدته صلب المكسر، ولمسته فوجدته خشن الملمس، وذقته فوجدته مر المذاق، وإنه وما حوله لكما قال ربيعة: (٢) [الطويل] سما بي فرسان كأنّ وجوههم … مصابيح تبدو في الظلام مزاهر يقودهم كبش أخو مصمئلة … حليف سرى قد لوّحته الهواجر (٣) وقال: يقول للمهدي: يا بني استدم النعمة بالشكر والقدرة بالعفو والطاعة بالتألف، والنصر بالتواضع لله، والرحمة للناس، ولما أتاه مخرج محمد بن عبد الله (٤) بالمدينة سن عليه درعه، وتقلد سيفه، ولبس خفّه، وصعد المنبر، فحمد

стр. 7583

الله وأثنى عليه، ثم قال: [البسيط] ما لي أدافع عن سعد ويشتمني … ولو شتمت بني سعد لقد سكنوا (١) جهلا عليّ وجبنا عن عدوهم … لبئست الخلتان الجهل والجبن [ص ١١٠] أما والله، لقد عجزوا عمّا قمنا به، فما عضدوا الكافي، ولا شكروا المنعم، فماذا حاولوا، أأشرب رنقا على غصص، وأبيت منهم على مضض، كلا والله، إني لا أصل ذا رحم بقطيعة نفسي، وإن لم يرض بالعفو مني ليطلبن مالا، يوجد عندي، ولأن أقتل معذورا أحبّ إليّ أن أحيا مستذلا، فليبق ذو نفس على نفسه قبل أن يقضي نحبه، ثم لا أبكي عليه، ولا تذهب نفسي حسرة لما ناله، ثم دقّ بيده على صدره، وأنشد:

стр. 7584

[الوافر] فكم من غارة ورعيل خيل … تداركها وقد حمي اللقاء فردّ رعيلها حتى ثناها … بأسمر ما يرى فيه التواء ثم أنشد: [الكامل] ونصبت نفسي للرماح دريئة … إنّ الرئيس لمثل ذاك فعول (١) ثم لم يلبث أن أتاه الخبر بمخرج إبراهيم بن عبد الله (٢) إثر أخيه، جمع المنصور بني أبيه وقال: ما ترون؟ فقالوا: توجه موسى بن عيسى، فقال: يا ولدي على ما أنصفتم وجهت إياه وأوجه ما يجوز، قالوا: فوجه عبد الله بن علي واصطنعه، قال: هيهات، أبعث عليّ حربا أخرى، إن خافني مالأ عدوي عليّ، وإن ظفر أعاد الحرب بيني وبينه خدعة، وقد سمعتكم تذكرون أن له أربعة آلاف مولى يموتون تحت ركابه، فأي رأي هذا، والله لو دخل عليّ إبراهيم بسيف مسلول لكان أهون عليّ من تقبيل عبد الله بن علي رأسي، ثم جهز إليه موسى بن عيسى (٣).

стр. 7585

وحكى المنصور قال: رأيت كأني حول الكعبة، فنادى مناد من جوف الكعبة: أبا العباس، فنهض أخي فدخل الكعبة، ثم خرج وبيده لواء، فمضى فنادى مناد: يا عبد الله، فنهضت أنا وعمي عبد الله بن علي نبتدر، فلما استوينا على الدرجة العليا دفعته عن الدرجة فهوى، ودخلت الكعبة، فإذا برسول الله ﷺ جالس، فعقد لي لواء طويلا على قناة، وقال: خذها حتى تقاتل بها [ص ١١١] الدجال. وحكى عنه شبيب بن شبة الأهتمي التميمي قال: حججت في العام الذي ولد فيه الوليد بن يزيد، فبينا أنا مريح ناحية من المسجد، إذ طلع من بعض أبوابه فتى كأن عينيه لسانان ناطقان، يخلط أبّهة الأملاك بزي النساك، فما ملكت نفسي أن نهضت في إثره سائلا عن خبره، فسبقني فتحرم بالطواف، فلما سبّع (١) قصد المقام فركع، ثم نهض منصرفا، فكأنّ عينا أصابته، فكبا كبوة ذهب لها إصبعه، فقعد لها القرفصاء، فدنوت منه متوجعا له، أمسح عن رجله التراب فلا يمتنع، فشققت حاشية ثوبي فعصبت بها إصبعه، فما تأفف، ثم نهض متوكئا عليّ، حتى أتى دارا بأعلى مكة، فابتدره رجلان تكاد صدورهما تنفرج من هيبته، ففتحا له الباب، فاجتذبني، فدخلت بدخوله، ثم خلى يدي وأقبل على القبلة، فصلى ركعتين أوجزهما في تمام، وصلى على النبي ﷺ أتم صلاة وأطيبها، ثم قال: لم تخف عني مكانك بعد اليوم ولا فعلك بي، فمن تكون يرحمك الله؟ فسميت له نفسي، فرحّب وقرّب، ووصف قومي بخير، فقلت له: أنا أجلّك يرحمك الله عن السؤال،

стр. 7586

وأحبّ المعرفة، فتبسم وقال: لطف أهل العراق، أنا عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس، فقلت له: بأبي أنت وأمي، ما أشبهك بنسبك، وأدلك على منصبك، ولقد سبق إلى قلبي من محبتك ما لا أبلغه بوصفي لك، قال: فاحمد الله يا أخا بني تميم، إنما يسعد الله من أحببنا بحبه، ويشقى ببغضنا من أبغضه، ولن يصل الإيمان إلى قلب أحدكم حتى يحب الله ورسوله وأهل بيته، ومهما ضعفنا عن جزائه قوّى الله على أدائه، قلت إن أيام الموسم ضيقة، وشغل أهل مكة كثير، وفي نفسي أشياء أحب أن أسأل عنها أتأذن فيها؟ فقال: نحن من أكثر الناس مستوحشون، وأرجو أن يكون للسر موضعا وللأمانة واعيا، فإن كنت كما رجوت فافعل [ص ١١٢]، فقدمت من وثيق القول والأيمان ما سكن إليه، وتلا قوله تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْ ءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اَللّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ (١)، ثم قال: سل عما بدا لك، قلت: ما ترى فيمن على الموسم؟ وكان محمد بن يوسف الثقفي (٢)، فتنفس الصعداء، وقال: أعن الصلاة خلفه تسألني؟ أم كرهت أن يتأمر علينا أهل البيت؟ قلت: عن كلا الأمرين، قال: إن هذا عند الله لعظيم، فأما الصلاة ففرض الله تعبد بها خلقه، فأدّ ما فرض عليك في كل وقت مع كل أحد، فإنه لو كلفك أن لا تؤدي نسكا إلا مع أكمل المؤمنين إيمانا، لضاق عليك الأمر، فاسمح يسمح لك، ثم سألته عن أشياء من أمور ديني، فما

стр. 7587

احتجت أن أسأل أحدا بعده، ثم قلت: يزعم أهل العلم أنه سيكون لكم دولة، قال: لا شك فيها تطلع طلوع الشمس وتظهر ظهورها، فنسأل الله خيرها، ونعوذ بالله من شرها، فخذ بحظ لسانك ويدك منها إن أدركتها، قلت: وإنه يبتلى بكم من أخلص المحبة، قال: قد روي أن البلاء أسرع إلى محبينا من الماء إلى قراره، قال: فقلت له إني لأخاف ألا أراك (١) بعد اليوم، قال: أرجو أن أراك وتراني كما تحب إن شاء الله، قلت: عجل الله ذلك، قال: آمين، فقلت: ووهبني السلامة منكم، فإني من محبيكم، قال: آمين، وتبسم، ثم قال: لا بأس عليك ما أعاذك الله من ثلاث، قلت: ما هن؟ قال: قدح في الملك، دهنك في الدين، أو تهمة في حرمه، ثم قال: احفظ عني: لا تجالس عدونا وإن أخطبناه، فإنه مخذول، ولا تخذل ولينا فإنه منصور، واصحبنا بترك المماكرة، وتواضع إذا رفعوك، وصل إذا قطعوك، ولا تخطب الأعمال، ولا تتعرض للأموال، وأنا رائح من عشية، فهل من حاجة، فنهضت لوداعه، فلما خرجت أتبعني مولى له بكسوة، وافترقنا، فوالله ما رأيته، إلا وحرسيان قابضان عليّ يدنياني منه في جماعة من قومي لأبايعه، فلما نظر إليّ قال: خليا عمّن صحت مودته، وتقدمت [ص ١١٣] خدمته، وأخذت قبل اليوم بيعته، ثم قال: أين كنت عني أيام أخي العباس، فذهبت أعتذر، فقال: أمسك فإن لكل شئ وقتا لا يعدوه، فاختر بين رزق يشغلك، أو عمل يرفعك، قلت: أنا حافظ لوصية أمير المؤمنين، قال: إنما نهيتك أن تخطب الأعمال، ولم أنهك عن قبولها، قلت: الرزق مع قبول أمير المؤمنين أحب إليّ، قال: هو أجمّ لقلبك، وأحب إليّ لك، ثم قال: قد ألحقنا عيالك بعيالنا، وخادمك بخادمنا، وفرسك بأفراسنا، ثم ضمه إلى المهدي، فكان معه.

стр. 7588

ورأى المنصور قبل موته بيسير أعاجيب كثيرة مؤذنة بهلاكه، منها أنه لما دخل آخر منزل نزله من طريق مكة، نظر في صدر البيت الذي نزله، فاذا فيه مكتوب: [الطويل] أبا جعفر حانت وفاتك وانقضت … سنوك وأمر الله لا بد واقع أبا جعفر هل كاهن أو منجم … لك اليوم من حر المنية مانع فأقرأ متولي المنزل البيتين، فقال: ما أرى شيئا فأقرأ حاجبه فقال كذلك، قال: اقرأ آية من كتاب الله تشوقني إلى الغاية، فقرأ: ﴿وَسَيَعْلَمُ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ (١) فقال له: أما وجدت آية غيرها، قال: والله لقد محي القرآن من قلبي غيرها، وهتف به هاتف قبلها بهذه الأبيات: [البسيط] أما وربّ السكون والحرك … إنّ المنايا كثيرة الشّرك ما اختلف الليل والنهار ولا … دارت نجوم السماء في الفلك إلا لنقل السلطان من ملك … قد انتهى ملكه إلى ملك ثم رأى بعد ذلك كأنّ منشدا ينشده: [مجزوء الكامل] أأخي حفص من مناكا … فكأنّ يومك قد أتاكا ولقد أتاك الدهر من … تصريفه ما قد أتاك [ص ١١٤] وإذا رأيت الناقص … العبد الذليل فأنت ذاكا ملّكت ما ملّكته … والأمر فيه إلى سواكا

стр. 7589

وذكر عنه أنه كان في مجلس من أعلا باب خراسان إذ جاء سهم عائر (١) فسقط بين يديه، فذعر وجعل يقلبه، فاذا بين الريشتين مكتوب: [الوافر] أتطمع في الحياة إلى المعاد … وتحسب أنّ مالك من نفاد ستسأل عن ذنوبك والخطايا … وتسأل بعد ذاك عن العباد ثم قرأ عند الريشة الثانية: [البسيط] أحسنت ظنّك بالأيام إذ حسنت … ولم تخف سوء ما يأتي به القدر وسالمتك الليالي فاغتررت بها … وعند صفو الليالي يحدث الكدر ثم قرأ عند الريشة الثالثة: [البسيط] هي المقادير تجري في أعنّتها … فاصبر فليس لها صبر على حال يوما تريك خسيس الناس ترفعه … إلى السماء ويوما تخفض العالي وإذا على جنب السهم: رجل من همدان مظلوم في حبسك، فبعث من فوره، ففتش عليه، فوجده، فأنصفه وأزال ظلامته، ولما رأى ما رأى من العجائب المنذرة بهلاكه، قال لحاجبه الربيع: إني أتخوف على هذا الأمر، قال له: من يا أمير المؤمنين؟ تعني عيسى بن موسى (٢) وهو معك بالحضرة، فأمرني فيه بأمرك حتى أنفذه، فقال: كلا يا ربيع، رجل ما أعطى الله عهدا إلا وفى به،

стр. 7590

وإنما أتخوف صاحب الشام عبد الوهاب بن إبراهيم الإمام (١)، ثم رفع يديه إلى السماء فقال: اللهم اكفني عبد الوهاب، قال الربيع: فلما مات المنصور ودليته في القبر، وعرضت عليه الحجارة، سمعت هاتفا يهتف من القبر: مات عبد الوهاب وأجيبت الدعوة، قال الربيع: فهالني ذلك الصوت، وجاء الخبر بعد سابعة بوفاة عبد الوهاب، ومولده (٢) سنة خمس وتسعين، وتوفي في ذي الحجة لست خلون منه سنة ثمان وخمسين ومائة، وعمره ثلاث وستون سنة، ومدته [ص ١١٥] نحو اثنتين وعشرين سنة، وقبره ببئر ميمون قرب مكة المعظمة. ويروى له من الشعر قوله: [مجزوء الكامل] المرء يهوى أن يعي … ش وطول عيش قد يضره تفنى بشاشته ويب … قى بعد حلو العيش مرّه وتصرف الأيام حت … ى ما يرى شيئا يسرّه

стр. 7591

كم شامت بي إن هلك … ت وقائل لله درّه ثم: ٥٧ - دولة المهديّ أبي عبد الله محمد بن المنصور (١)، وكان أبوه قد قرر أموره، وقرّب له مد الخلافة، وما مات حتى أكد له البيعة، ووثق له أسباب الملك، وكان مما بالغ فيه من التمهيد له، أنه آثره دونه بحسن السمعة، وخلاص الذمة، فإنه أخذ أموالا حسنة من الناس وأودعها (٢) بيت المال في أكياسها، وكتب على كل مال اسم صاحبه، ثم لما عزم على الحج، قال له: يا بني، إذا أنا متّ ردّ كل مال على صاحبه ليحبّوك، فلما مات رد الأموال على أهلها. وقالوا: ظلمنا أبوه وأنصفنا هو، فأحبّوه وتيمنوا بأيامه، ولما ولي نفّس خناق الناس، وحل عقد أبيه، وأزال تشدده، وأطلق ما أمسك به يده، ولم يحرم طالب ثواب ولا آخذ بطائل عقاب، وكانت أيام هدوء وأعوام خصب، رقت بها حواشي الحنو، وردت الأمة مناهلها صفوا، وردت نقمها عفوا، وورفت ظلال حلمها، فلم يدع هفوا،

стр. 7592

وأكثر نقلة الأخبار على أنه كان لا يرتضع كأسا، ولا يكاثر لهوا، ولا يقبل فيما ينشد لغوا، يربأ بنفسه أن يتشاوس نظره زهوا، ويأبى أن يقارف عزيمته، وكان قويا مهيبا متوسطا في أموره، متناسبا في أحواله، وفي المهدي يقول ربيعة الرقي: (١) [السريع] قد بسط المهديّ كفّ الندى … للناس والعفو عن الظالم [ص ١١٦] فالراحل الصادر عن بابه … مبشّر للوارد القادم وكان المنصور يريد أن يجعل العهد إليه، وكان إلى عيسى بن موسى، فتحيّل له بأنواع الحيل حتى جعله إليه، وعوض عيسى بن موسى بعشرة ألف ألف درهم، وجعله بعد المهدي ( ........ ) (٢): [الرجز] قل للأمين الواحد الموحد … إنّ الذي ولاّك ربّ المسجد ليس وليّ عهدنا بالأسعد … عيسى فردها إلى محمد فرواها الخدم والبطانة وبلغوها بإذنه المنصور، فدعي به في مجلس حافل وفيه عيسى بن موسى، فاستنشده فأنشده إياها، وكان فاتحة لكلام المنصور، ثم إن عيسى بن موسى دسّ على أبي نخيلة من قتله وسلخ وجهه. وعن سوّار قال: انصرفت يوما من دار المهدي إلى منزلي، فدعوت بالغداء،

стр. 7593

فجاشت نفسي، فدعوت بالنرد، فلم تطب نفسي، فدخلت القائلة، فلم يأخذني النوم، فنهضت فركبت بغلة لي وخرجت، فاستقبلني وكيل لي بألفي درهم، فقلت دعها معك واتبعني، ثم خليت رأس البغلة حتى انتهيت إلى باب دار لطيف عليه شجرة، وعليه خادم، فوقفت وقد عطشت، فقلت للخادم: أعندك ماء؟ قال: نعم، وقام فأخرج قلّة نظيفة طيبة الرائحة، عليها منديل، فشربت، وحضرت العصر، فدخلت مسجدا هناك، فصليت فيه، فلما قضيت صلاتي، إذا أنا بأعمى يلتمس، فقلت: ما تريد يا هذا؟ قال: إياك أريد، فقلت: وما حاجتك؟ فقال: أرأيت باب هذا القصر؟ قلت: نعم، قال: هذا قصر كان لأبي فباعه وخرج إلى خراسان، وخرجت معه، فزالت عنا النعم، فأتيت صاحب الدار لأسأله شيئا يوصلني إلى سوّار فإنه كان صديقا لأبي، فقلت: ومن أبوك؟ قال: فلان، فعرفته، فقلت: إن الله قد أتاك بسوار، منعه الطعام والنوم حتى جاء به إليك، ثم أخذت الدراهم من الوكيل [ص ١١٧] فدفعتها إليه، وقلت له: إذا كان غد فصر إلى المنزل، ثم أتيت المهدي، فطرفته بحديثه، فأعجبه، وأمر له بألفي دينار، فنهضت فقال لي: أعليك دين؟ قلت: نعم، قال: كم؟ قلت: خمسون ألف دينار، فأمسك، وجعل يحدثني ساعة، ثم أتيت منزلي، فإذا خادمه معه خمسون ألف دينار، قال: يقول لك أمير المؤمنين، اقض بها دينك، ثم لما كان الغد أبطأ عليّ الأعمى، وأتاني رسول المهدي يدعوني، فجئته، فقال: فكرت في أمرك، فقلت: يقضي دينه ثم يحتاج إلى العوض، وقد أمرت لك بخمسين ألف دينار أخرى، فقبضتها وانصرفت، فأتاني الأعمى، فقلت له: قد رزق الله بكرمه بك خيرا كثيرا، فأعطيته صلة المهدي، ومن عندي مثلها. وعن هشام الكلبي قال: طلبني المهدي فلما صرت إليه، أقرأني كتابا،

стр. 7594

فألفيته يتضمن شتمه وسبّه، فألقيته من يدي، ولعنت كاتبه، وقلت: من كاتب هذا الملعون الكذاب؟ فقال: هذا الأموي صاحب الأندلس، فقلت: فهو وآباؤه وأمهاته، والله أهل لذلك، فسرّ بقولي، ثم قال: أقسمت عليك لما أمللت مثالهم كلهم على هذا، وأشار إلى كاتب من كتاب السر فأمللته، ولم أبق شيئا، فلما فرغت منه عرضته عليه، فأظهر السرور، ثم ختم الكتاب وجعله في خريطة، ودفعه إلى صاحب البريد، وأمره بتعجيله إلى الأندلس، ثم أمر لي بألفي دينار وعشرين ثوبا وبغلة شقراء بسرجها ولجامها من مراكبه، وأقطعني أرضا بالبصرة، ثم قال: اكتم ما سمعت. وعن عبد العزيز بن الماجشون (١) قال: سألني المهدي فقال: ما قلت حين فقدت أصحابك، يعني الفقهاء، قال قلت: [البسيط] يا من لباك على أصحابه جزعا … قد كنت أحذر ذا من قبل أن يقعا فليصنع الدهر بي ما شاء مجتهدا … فلا زيادة شيء فوق ما صنعا فقال: والله لأعيننك، فأجازه بعشرة آلاف دينار، فقدم بها [ص ١١٨] المدينة فأنفدها في السخاء والكرم. وعن واضح قهرمان المهدي قال: كنت معه بما سبذان (٢)، فلم أزل معه إلى بعد العصر، ثم انصرفت إلى مضربي، فلما كان وقت السحر الأكبر، ركبت

стр. 7595

لإقامة الوظائف، فسرت منفردا من غلماني، فلقيني أسود عريان على فرد رجل، فدنا مني ثم قال: أعظم الله أجرك في مولاك المهدي، فهممت أن أعلوه بالسيف، فغاب عني، فلما انتهيت لقيني مسرور، فأعلمني بموته، فدخلت فإذا به مسجى، وقيل: مات لأنه طرد ظبيا، فاقتحم خربة، فدخلها ورآه، فدق ظهره باب الخربة فمات، ومولده سنة سبع وعشرين ومائة، ووفاته في المحرم سنة تسع وستين ومائة، وعمره اثنتان وأربعون سنة، ومدته عشر سنين (١) وشهر وأيام، وقبره بما سبذان من ( ..... ) (٢) ولما قارب دنو أجله، رأى قائلا ينشده، يسمع صوته ولا يشهده: [الطويل] كأني بهذا القصر قد باد أهله … وأوحش منه ربعه ومنازله وصار عميد القوم من بعد بهجة … وملك إلى قبر عليه جنادله ولم يبق إلا ذكره وحديثه … ينادى عليه معولات حلائله فما بقي إلا عشرة أيام ومات، واختطفه عقاب الملمات، كنّ حظاياه قد بكرن في الوشي وقت الصبوح، ثم عدن قبل الظهيرة وعليهن المسوح، فقال أبو العتاهية: (٣) [مجزوء الرمل] رحن في الوشي وأقبل … ن عليهن المسوح كلّ نطّاح من الدن … يا له يوم نطوح لست بالباقي ولو عم … رت ما عمّر نوح

стр. 7596

فعلى نفسك نح إن … كنت لابدّ تنوح ثم: ٥٨ - دولة الهادي أبي محمد (١) موسى بن محمد المهدي [ص ١١٩]، كان كريما غيورا حاد المزاج، شرس الخلق، له بادرة لا تؤمن، وإقدام لا يطمئن به، وقد أراد الرشيد على خلع نفسه من ولاية العهد، وراود في ذلك يحيى بن خالد غير مرة، وهو ممتنع عليه، ويقيم له الأدلة على زيف رأيه في ذلك، على ما سيأتي ذكره في مواضعه من هذا الكتاب، ولم يطل بالهادي فسيح أجل، ولا تراخى به عنان مهل، حتى ساورته المنون، وسارعته الشهور لا السنون، فمال عرشه في أقرب وقت، ومات وأبقى له المقت، واختلف في موته بأي سبب كان، فقيل: أكل رمانا فشرق منه بحبة فمات، وقيل: وقع على قصب فارسي فدخل في دبره فمات، وقيل: مرض أياما ومات، وقيل: غمّته أمّه الخيزران (٢) لإفراط تحجره عليها، وتبرمه من

стр. 7597

شفاعاتها، ولما أراد عليه أخاه هارون الرشيد، وكان هارون أحبّ إليها وأكرم منه عليها، فطلبت في الحال يحيى بن خالد ونعته إليه، نعي غير ثكلى ولا فاقد، وكان يحيى عنده محبوسا، فبادر إلى هارون بخبر موسى، فصادف خادما يريد يبشره بولادة مولود ذكر، ولد له تلك الليلة، وهو المأمون، فسابقه في الدخول عليه وبادره بالسلام وقال: أهنيك بالخلافة وغلام. وعن الحسن بن معاذ بن مسلم وكان رضيع الهادي، قال: رأيتني أخلو مع موسى الهادي ولا أجد له هيبة في قلبي، لما كان يبسطني، وربما صارعني فأصرعه غير هائب له، وأضرب به الأرض، فاذا ابليس لبسه الخلافة، ثم جلس مجلس الأمر والنهي، قمت على رأسه، فوالله ما أملك نفسي من الرعدة والهيبة. وقال إبراهيم المؤذن إن الهادي كان يثب على الدابة وعليه درعان، لا يضع رجله في الركاب، وكان مقتفيا لآثار أبيه في تطلب الزنادقة والإيقاع بهم، لأن أباه أوصاه بذلك، وكان كريما خرقا، وذكر الطبري في حكاية طويلة أنه وهب عبد الله بن مالك، وكان على شرطته أربع مائة بغل دراهم، وعن أبي محمد اليزيدي، قال: دخلت على الهادي فإذا بين يديه سيف عريض كأنه بغلة (١)، فقلت يا أمير المؤمنين، ما هذا؟ [ص ١٢٠] قال هذا سيف عمرو بن معديكرب (٢)

стр. 7598

الصمصامة، فاستحسنته، فقال لي: قد كنت سألت المهدي أن يهب لي هذا السيف، فضن به عني ومنعنيه، فآليت إن بلغني الله أملي أن أمتحنه، وقد عزمت على أن أدعو غلامي طرخان الخزري، وهو جيد الذراع أن يحضر لي صخرة سوداء طولانية من حجارة القصارين، فأتقدم إليه أن يجمع يديه في السيف ثم يضرب به الرأس الدقيق من الصخرة، فإن سلم سلم، وإن يقطع تقطع، قال: فلم أزل أسأله إعفاء السيف من الامتحان، وأقول شرف من شرف العرب، وسيف لا يوجد مثله، فأبى ودعا غلامه طرخان، فجاء بالصخرة، فقلت: يا أمير المؤمنين، فإذا لم تطعني فاعمل له ما تبقي على الدهر، تدخل من بالباب من الشعراء حتى يحضروا امتحانه، فإن سلم وصفوه، وإن تقطع رثوه، فأمر بإحضارهم، ثم أمر طرخان بامتحانه، فحسر عن ذراعيه وهزه، وجمع يديه في قائمه، ثم ضرب به الصخرة فمضى فيها، حتى قطعها، ولم يصبه شئ، فلم يقل أحد أرضى من قول أبي الغول، قال: [الخفيف] حاز صمصامة الزبيدي عمرو … من جميع الأنام موسى الأمين سيف عمرو وكان فيما علمنا … خير ما أغمدت إليه الجفون أخضر اللون بين حدّيه برد … من دباج تميس فيه المنون أوقدت قومه الصواعق نارا … ثم شابته بالذعاف القيون

стр. 7599

وكأنّ الفرند والرونق الجا … ري في صفحتيه ماء معين ما يبالي إذا الضريبة خانت … أشمال سطت به أم يمين فوصله بعشرة آلاف درهم، وخلع عليه وحمله، ثم أمر لكل واحد من الشعراء خمسة آلاف درهم. وأدخل عليه رجل جعل يقرره بذنوبه ويتهدده، فقال الرجل اعتذاري مما تقول رد عليك وإقراري به يوجب عليه ذنبا، ولكني أقول: إن كنت ترجو في العقوبة رحمة فلا تزهدنّ عند [ص ١٢١] المعافاة في الأجر، فأمر بإطلاقه. وعن علي بن يقطين قال: إني لعند الهادي مع جماعة إذ أتاه خادم، فساره بشئ، فنهض سريعا وقال: لا تبرحوا، ومضى، ثم جاء وهو يتنفس، فاستلقى على فراشه، ثم قال لخادم معه، على يده طبق مغطى بمنديل: ضع ما معك، فوضع الطبق وكشف المنديل، فاذا رأسا جاريتين، لم أر والله أحسن من وجوههما، ولا من شعورهما، وإذا على رؤوسهما الجوهر المنظوم على الشعر، وإذا رائحة الطيب تفوح، فأعظمنا ذلك، فقال: تدرون ما شأنهما؟ قلنا: لا، قال: بلغنا أنهما يتحابان، فوكلت هذا الخادم بهما ينهي إليّ أخبارهما، فجاءني فأخبرني أنهما قد اجتمعا، فجئت فوجدتهما في لحاف واحد، فقتلتهما، ثم قال: يا غلام، ارجع بالرأسين، قال: ثم رجع في حديثه كأن [لم] يصنع شيئا. وعن عمر بن شبّة أن علي بن الحسين بن الحسن بن علي، تزوج رقيّة بنت عمرو العثمانية، وكانت تحت المهدي، فبلغ ذلك الهادي، فأرسل إليه فحمله، فقال: أعياك النساء إلا امرأة أمير المؤمنين، فقال: ما حرم الله على خلقه إلا نساء جدي ﷺ ، فأما نساء غيره فلا ولا كرامة، فشجه بمخصرة كانت في يده، وأمر بضربه خمس مائة سوط، فضرب، وأراده أن يطلقها، فلم يفعل، فحمل في نطع وألقي ناحية، وكان في يده خاتم كسرى، فرآه بعض

стр. 7600

الخدم، وقد غشي عليه من الضرب، فأهوى إلى الخاتم، فقبض على يد الخادم فدقها، فصاح فأتى موسى فأراه، فاستشاط وقال: أتفعل هذا بخادمي مع استخفافك بأبي وقولك لي، فقال: سله ومره أن يضع يده على رأسك وليصدقك، ففعل فصدقه الخادم، فقال: أحسن والله، وأنا أشهد أنه ابن عمي، ولو لم يفعل لانتفيت منه، ثم أمر بإطلاقه ووصله. وذكر سعيد بن سالم قال: كنت مع الهادي بجرجان، فأتاه نعي المهدي والخلافة، فركب البريد إلى بغداد في قوم معه، فسرنا بين بساتين جرجان، فسمع صوتا فيها من رجل يتغنى، فقال لصاحب شرطته: عليّ بالرجل [ص ١٢٢] الساعة، قال: فقلت ما أشبه قصة هذا الخائن بقصة سليمان بن عبد الملك، بينما هو في متنزه له ومعه حرمه، فسمع في بستان آخر صوت رجل يتغنى، فدعا صاحب شرطته، فقال: عليّ بصاحب الصوت، فأتي به، فلما مثل بين يديه، قال: ما حملك على الغناء، وأنت إلى جنبي ومعي حرمي، أما سمعت أن الرماك (١) إذا سمعت صوت الفحل حنت إليه؟ يا غلام جبه، فجبّ الرجل، فلما كان في العام المقبل، رجع سليمان إلى ذلك الموضع فجلس مجلسه الذي جلس فيه، فذكر الرجل وما صنع به فقال: عليّ بالرجل الذي كنا جببناه، فأحضروه، فلما مثل بين يديه قال: إما بعت فوفيناك، وإما وهبت فكافأناك، قال: فو الله ما دعاه بالخلافة، ولكنه قال: يا سليمان، إنك قطعت نسلي، وذهبت بماء وجهي، وحرمتني لذتي، ثم تقول: إما وهبت فكافأناك أو بعت فوفيناك، لا والله حتى أقف بين يدي الله، فقال الهادي: يا غلام، ردّ صاحب الشرطة، فرده، فقال: لا تعرض للرجل. وولد الهادي سنة ست وأربعين ومائة، وتوفي سنة سبعين ومائة، وعمره أربع
следующие страницы →