فعلى نفسك نح إن … كنت لابدّ تنوح
ثم:
٥٨ - دولة الهادي
أبي محمد (١) موسى بن محمد المهدي [ص ١١٩]، كان كريما غيورا حاد المزاج، شرس الخلق، له بادرة لا تؤمن، وإقدام لا يطمئن به، وقد أراد الرشيد على خلع نفسه من ولاية العهد، وراود في ذلك يحيى بن خالد غير مرة، وهو ممتنع عليه، ويقيم له الأدلة على زيف رأيه في ذلك، على ما سيأتي ذكره في مواضعه من هذا الكتاب، ولم يطل بالهادي فسيح أجل، ولا تراخى به عنان مهل، حتى ساورته المنون، وسارعته الشهور لا السنون، فمال عرشه في أقرب وقت، ومات وأبقى له المقت، واختلف في موته بأي سبب كان، فقيل: أكل رمانا فشرق منه بحبة فمات، وقيل: وقع على قصب فارسي فدخل في دبره فمات، وقيل:
مرض أياما ومات، وقيل: غمّته أمّه الخيزران (٢) لإفراط تحجره عليها، وتبرمه من
стр. 7597
شفاعاتها، ولما أراد عليه أخاه هارون الرشيد، وكان هارون أحبّ إليها وأكرم منه عليها، فطلبت في الحال يحيى بن خالد ونعته إليه، نعي غير ثكلى ولا فاقد، وكان يحيى عنده محبوسا، فبادر إلى هارون بخبر موسى، فصادف خادما يريد يبشره بولادة مولود ذكر، ولد له تلك الليلة، وهو المأمون، فسابقه في الدخول عليه وبادره بالسلام وقال: أهنيك بالخلافة وغلام.
وعن الحسن بن معاذ بن مسلم وكان رضيع الهادي، قال: رأيتني أخلو مع موسى الهادي ولا أجد له هيبة في قلبي، لما كان يبسطني، وربما صارعني فأصرعه غير هائب له، وأضرب به الأرض، فاذا ابليس لبسه الخلافة، ثم جلس مجلس الأمر والنهي، قمت على رأسه، فوالله ما أملك نفسي من الرعدة والهيبة.
وقال إبراهيم المؤذن إن الهادي كان يثب على الدابة وعليه درعان، لا يضع رجله في الركاب، وكان مقتفيا لآثار أبيه في تطلب الزنادقة والإيقاع بهم، لأن أباه أوصاه بذلك، وكان كريما خرقا، وذكر الطبري في حكاية طويلة أنه وهب عبد الله بن مالك، وكان على شرطته أربع مائة بغل دراهم، وعن أبي محمد اليزيدي، قال: دخلت على الهادي فإذا بين يديه سيف عريض كأنه بغلة (١)، فقلت يا أمير المؤمنين، ما هذا؟ [ص ١٢٠] قال هذا سيف عمرو بن معديكرب (٢)
стр. 7598
الصمصامة، فاستحسنته، فقال لي: قد كنت سألت المهدي أن يهب لي هذا السيف، فضن به عني ومنعنيه، فآليت إن بلغني الله أملي أن أمتحنه، وقد عزمت على أن أدعو غلامي طرخان الخزري، وهو جيد الذراع أن يحضر لي صخرة سوداء طولانية من حجارة القصارين، فأتقدم إليه أن يجمع يديه في السيف ثم يضرب به الرأس الدقيق من الصخرة، فإن سلم سلم، وإن يقطع تقطع، قال: فلم أزل أسأله إعفاء السيف من الامتحان، وأقول شرف من شرف العرب، وسيف لا يوجد مثله، فأبى ودعا غلامه طرخان، فجاء بالصخرة، فقلت:
يا أمير المؤمنين، فإذا لم تطعني فاعمل له ما تبقي على الدهر، تدخل من بالباب من الشعراء حتى يحضروا امتحانه، فإن سلم وصفوه، وإن تقطع رثوه، فأمر بإحضارهم، ثم أمر طرخان بامتحانه، فحسر عن ذراعيه وهزه، وجمع يديه في قائمه، ثم ضرب به الصخرة فمضى فيها، حتى قطعها، ولم يصبه شئ، فلم يقل أحد أرضى من قول أبي الغول، قال:
[الخفيف]
حاز صمصامة الزبيدي عمرو … من جميع الأنام موسى الأمين
سيف عمرو وكان فيما علمنا … خير ما أغمدت إليه الجفون
أخضر اللون بين حدّيه برد … من دباج تميس فيه المنون
أوقدت قومه الصواعق نارا … ثم شابته بالذعاف القيون
стр. 7599
وكأنّ الفرند والرونق الجا … ري في صفحتيه ماء معين
ما يبالي إذا الضريبة خانت … أشمال سطت به أم يمين
فوصله بعشرة آلاف درهم، وخلع عليه وحمله، ثم أمر لكل واحد من الشعراء خمسة آلاف درهم.
وأدخل عليه رجل جعل يقرره بذنوبه ويتهدده، فقال الرجل اعتذاري مما تقول رد عليك وإقراري به يوجب عليه ذنبا، ولكني أقول: إن كنت ترجو في العقوبة رحمة فلا تزهدنّ عند [ص ١٢١] المعافاة في الأجر، فأمر بإطلاقه.
وعن علي بن يقطين قال: إني لعند الهادي مع جماعة إذ أتاه خادم، فساره بشئ، فنهض سريعا وقال: لا تبرحوا، ومضى، ثم جاء وهو يتنفس، فاستلقى على فراشه، ثم قال لخادم معه، على يده طبق مغطى بمنديل: ضع ما معك، فوضع الطبق وكشف المنديل، فاذا رأسا جاريتين، لم أر والله أحسن من وجوههما، ولا من شعورهما، وإذا على رؤوسهما الجوهر المنظوم على الشعر، وإذا رائحة الطيب تفوح، فأعظمنا ذلك، فقال: تدرون ما شأنهما؟ قلنا: لا، قال: بلغنا أنهما يتحابان، فوكلت هذا الخادم بهما ينهي إليّ أخبارهما، فجاءني فأخبرني أنهما قد اجتمعا، فجئت فوجدتهما في لحاف واحد، فقتلتهما، ثم قال: يا غلام، ارجع بالرأسين، قال: ثم رجع في حديثه كأن [لم] يصنع شيئا.
وعن عمر بن شبّة أن علي بن الحسين بن الحسن بن علي، تزوج رقيّة بنت عمرو العثمانية، وكانت تحت المهدي، فبلغ ذلك الهادي، فأرسل إليه فحمله، فقال: أعياك النساء إلا امرأة أمير المؤمنين، فقال: ما حرم الله على خلقه إلا نساء جدي ﷺ ، فأما نساء غيره فلا ولا كرامة، فشجه بمخصرة كانت في يده، وأمر بضربه خمس مائة سوط، فضرب، وأراده أن يطلقها، فلم يفعل، فحمل في نطع وألقي ناحية، وكان في يده خاتم كسرى، فرآه بعض
стр. 7600
الخدم، وقد غشي عليه من الضرب، فأهوى إلى الخاتم، فقبض على يد الخادم فدقها، فصاح فأتى موسى فأراه، فاستشاط وقال: أتفعل هذا بخادمي مع استخفافك بأبي وقولك لي، فقال: سله ومره أن يضع يده على رأسك وليصدقك، ففعل فصدقه الخادم، فقال: أحسن والله، وأنا أشهد أنه ابن عمي، ولو لم يفعل لانتفيت منه، ثم أمر بإطلاقه ووصله.
وذكر سعيد بن سالم قال: كنت مع الهادي بجرجان، فأتاه نعي المهدي والخلافة، فركب البريد إلى بغداد في قوم معه، فسرنا بين بساتين جرجان، فسمع صوتا فيها من رجل يتغنى، فقال لصاحب شرطته: عليّ بالرجل [ص ١٢٢] الساعة، قال: فقلت ما أشبه قصة هذا الخائن بقصة سليمان بن عبد الملك، بينما هو في متنزه له ومعه حرمه، فسمع في بستان آخر صوت رجل يتغنى، فدعا صاحب شرطته، فقال: عليّ بصاحب الصوت، فأتي به، فلما مثل بين يديه، قال: ما حملك على الغناء، وأنت إلى جنبي ومعي حرمي، أما سمعت أن الرماك (١) إذا سمعت صوت الفحل حنت إليه؟ يا غلام جبه، فجبّ الرجل، فلما كان في العام المقبل، رجع سليمان إلى ذلك الموضع فجلس مجلسه الذي جلس فيه، فذكر الرجل وما صنع به فقال: عليّ بالرجل الذي كنا جببناه، فأحضروه، فلما مثل بين يديه قال: إما بعت فوفيناك، وإما وهبت فكافأناك، قال: فو الله ما دعاه بالخلافة، ولكنه قال: يا سليمان، إنك قطعت نسلي، وذهبت بماء وجهي، وحرمتني لذتي، ثم تقول: إما وهبت فكافأناك أو بعت فوفيناك، لا والله حتى أقف بين يدي الله، فقال الهادي: يا غلام، ردّ صاحب الشرطة، فرده، فقال: لا تعرض للرجل.
وولد الهادي سنة ست وأربعين ومائة، وتوفي سنة سبعين ومائة، وعمره أربع
стр. 7601
وعشرون سنة (١)، وكانت مدته سنة وأربعة أشهر، وقيل دونها، وقبره ببغداد.
ثم:
٥٩ - دولة الرّشيد
أبي جعفر هارون بن محمد المهدي (٢)، وهو الذي لم يستقص لأحد من الخلفاء مثله، ولا شاع نظيره، حتى إن العامة تنسب إليه كل حكاية تحكى عن الخلفاء الأمويين والعباسيين، وتنتحل له ما فعله غيره، وتتمحل له ما لا فعله هو ولا أحد سواه، وما ذاك إلا لكثرة محاسن أيامه، ومن كان فيها من أفاضل الناس، كالبرامكة في الكرماء ومالك والشافعي وأحمد ونظرائهم في العلماء، وغير هؤلاء مما لا يسع هذا الموضع استقصاؤهم، ولا يدع عددهم الجم أن يمكن إحصاؤهم، من أعيان الكبراء وحذاق الشعراء والمجودين في الغناء والمجدين من أهل النجدة والغنى، وكانت أيام دولته مجمع الأفاضل [ص ١٢٣] ومطلع نجم كل
стр. 7602
فاضل، وكان أول من سنّى الجوائز، وسنّ عوائد الكرم، وقسم للخير زمانه، ووسم في غرر الدهر إحسانه، كان لا يزال في حج أو جهاد، ولا يزل عن ذرى مطية أو جواد، قد ضرب بسهم في كل فضيلة، وقسم من كل جميلة، وقد ذكر ابن عبدوس أن الكلف كانت قليلة في أيامه، فإنه ما زاد المقررات كبير زيادة على ما كان، إلا أنه كان يهب هبات لا ينهض بها عبء إمكان، فإذا أعطى استوصلت البحار، واستبسلت بعجزها الأمطار، ووسع عقود المنن، ووسّع برود دولته بمحاسن السنن، وآثاره في غزو بلاد الروم ظاهرة، وأخباره فيها لوامع في أيامه الزاهرة، وكذلك لم يخل الترك من غزوات سلت في وجوههم السيف، وسلطت عليهم حتى الطيف، إلا أن قضية البرامكة جرحت القلوب ونفّرتها، وقرحت العيون وأسهرتها، ثم ندم عليهم ندما أكل عليه يديه، وقرع سنّه مما جرى بسببهم عليه، على أن الندم لا يرد به فائت، ولا يصح به من هو في القبور بائت.
وذكر أن الرشيد كان يصلي في كل يوم مائة ركعة إلى أن فارق الدنيا، إلا أن تعرض له علة، وكان يتصدق من صلب ماله في كل يوم بألف درهم بعد زكاتها، وكان إذا حج أحج معه من الفقهاء وأبنائهم، فإذا لم يحج أحج ثلاث مائة رجل بالنفقة السابغة، والكسوة الطاهرة، وكان يقتفي أخلاق المنصور، إلا في بذل المال، فإنه لم ير خليفة قبله كان أعطى منه لولي، ثم المأمون بعده، وكان لا يضيع عنده إحسان محسن، ولا يؤخر ذلك في كل ما يحب ثواب، وكان يحب الشعراء والشعر، ويميل إلى أهل الأدب والفقه، ويكره المراء في الدين، ويقول: هو شئ لا نتيجة له، وبالأولى أن لا يكون فيه ثواب، وكان لا يحب إلا المديح، ولا سيما من شاعر فصيح، ويشتريه بالثمن الغالي الربيح، ودخل عليه مروان بن أبي حفصة فأنشده شعره الذي يقول فيه: (١) [ص ١٢٤]
стр. 7603
[الطويل]
وسدّت بهارون الثغور فأحكمت … به من أمور المسلمين المرائر
وكلّ ملوك الروم أعطاه جزية … على الرغم قسرا عن يد وهو صاغر
لقد ترك الصفصاف هارون صفصفا … كأن لم يدمّثه من الناس حاضر
تسوق يداه من قريش كرامها … وكلتاهما بحر على الناس زاخر
أمور بميراث النبي وليتها … فأنت لها بالحزم طاو وناشر
عليّ بني ساقي الحجيج تتابعت … أوائل من معروفكم وأواخر
فأصبحت قد أيقنت أن لست بالغا … مدى شكر نعمائكم وإني لشاكر
حصون بني العباس في كل مارق … صدور العوالي والسيوف البواتر
فطورا بهارون القواطع والقنا … وطورا بأيديهم تهزّ المخاصر
بأيدي عظام النفع والضر لا يني … بهم للعطايا والمنايا بوادر
ليهنكم الملك الذي أصبحت بكم … أسرته مختالة والمنابر
أبوك ولي المصطفى دون هاشم … وإن رغمت من حاسديك المناخر
فأعطاه خمسة آلاف دينار، وكساه خلعة، وأمر له بعشرة من رقيق الدوم، وحمله على فرس من خاص مراكبه.
وذكر أنه كان مع الرشيد ابن أبي مريم المدائني، وكان مضحكا له محادثا فكها، كان لا يصبر عنه، ولا يمل محادثته، وبوّأه منزلا من قصره، فجاء ذات ليلة وهو نائم وقد طلع الفجر، وقام الرشيد إلى الصلاة، فألفاه نائما، فكشف اللحاف عن ظهره وقال: كيف أصبحت؟ وقال: يا هذا ما أصبحت بعد، اذهب إلى عملك، قال: ويلك قم إلى الصلاة، قال: هذا وقت صلاة أبي الجارود، وأنا من أصحاب أبي يوسف القاضي، فمضى وتركه نائما، وتأهب الرشيد للصلاة، فجاءه غلامه فقال: يا أمير المؤمنين قد قام إلى الصلاة، فقام
стр. 7604
وألقى عليه ثيابه ومضى نحوه، فإذا الرشيد يقرأ في صلاة الصبح، فانتهى إليه وهو يقرأ: (وما لي لا أعبد الذي فطرني) (١) فقال ابن أبي مريم: لا أدري والله، وقد ملكك الدنيا كلها، فما تمالك الرشيد أن ضحك في صلاته [ص ١٢٥]، ثم التفت إليه وهو كالمغضب وقال: يا ابن أبي مريم، في الصلاة أيضا، قال: يا هذا وما صنعت، قال: قطعت عليّ صلاتي، قال: والله ما فعلت، وإنما سمعت منك كلاما غمني حين قلت: وما لي لا أعبد الذي فطرني، وقد ملكك الدنيا، فقلت لا أدري والله، فضحك الرشيد، ثم قال له: إياك والقرآن والدين، ولك ما شئت بعدهما.
وذكر زيد بن علي الحسيني أن الرشيد [أراد] أن يشرب دواء فقال له يا بن أبي مريم هل لك أن تجعلني حاجبك إذا أخذت الدواء وكل شئ أكتسبه بيني وبينك، فقال: أفعل، وبكر ابن أبي مريم ووضع له الكرسي، وأخذ الرشيد الدواء، فجاء رسول أم جعفر يسأل عنه، فأوصله إليه، وعرفه حاله وانصرف بالجواب وقال: اعلم السيدة بما فعلت في الإذن لك قبل الناس، فأعلمها فبعثت إليه بمال كثير، ثم جاء رسول يحيى بن خالد، ففعل به مثل ذلك، ثم جاء رسول جعفر والفضل، ففعل ذلك، فبعث إليه كل واحد من البرامكة بصلة جزيلة، ثم جاء رسول الفضل بن الربيع فرده، وجاءت رسل القواد والعظماء، فما سهل إذن أحد منهم، إلا بصلة جزيلة، فما صلى العصر حتى صار إليه ستون ألف دينار، فلما نقي الرشيد، فقال له: ما صنعت في يومك هذا؟ قال:
يا سيدي، كسبت ستين ألف دينار، فقال: أين حاصلي، قال: معزول، قال:
لا وقد وهبته لك، ولكن اهد لي عشرة آلاف تفاحة.
وذكر مصعب بن عبد الله الزبيري، عن أبيه: أن الرشيد قال له: ما تقول
стр. 7605
في الذين طعنوا على عثمان؟ قال: قلت يا أمير المؤمنين، طعن عليه ناس، وكان معه ناس، فأما الذين طعنوا عليه فتفرقوا عنه، وأما الذين كانوا معه، فهم أهل الجماعة إلى اليوم، فقال لي: ما أحتاج أن أسأل بعد اليوم عن هذا، وذكر عنه قال: سألني الرشيد: كيف كانت منزلة أبي بكر وعمر من رسول الله ﷺ ، قال فقلت: كانت منزلتهما منه في حياتهما منزلتهما [ص ١٢٦] في مماته، فقال:، كفيتني فيما أحتاج إليه، وسئل مالك بن أنس عن هذا أيضا فقال له مثل هذا القول: منزلتهما منه في حياته مثل منزلتهما منه في مماته، فقال له: شفيتني يا مالك شفيتني يا مالك.
وذكر الليث بن عبد العزيز الجوزجاني عن بعض الحجبة، أن الرشيد دخل الكعبة، وقام على أصابعه وقال: اللهم يا من يملك حوائج السائلين، ويعلم ضمير الصامتين، فإن لكل مسألة منك ردا حاضرا، وجوابا عتيدا، وبكل صامت منك علم محيط ناطق بمواعيدك الصادقة، وأياديك الفاضلة، ورحمتك الواسعة، صلّ على محمد وعلى آل محمد، واغفر لنا ذنوبنا، وكفّر عنا سيئاتنا، يا من لا تضره الذنوب، ولا تخفى عليه العيوب، ولا تنقصه مغفرة الخطايا، يا من كبس الأرض على الماء، وسد الهواء بالسماء، واختار لنفسه الأسماء الحسنى، صلّ على محمد وعلى آل محمد، وخر لي في جميع أموري، يا من خشعت له الأصوات بأنواع اللغات، يسألونك الحاجات، إن من حاجتي عندك أن تغفر لي إذا توفيتني، وصرت في لحدي، وتفرق عني أهلي وولدي، اللهم لك الحمد حمدا يفضل كل حمد، كفضلك على جميع الخلق، اللهم صلّ على محمد صلاة تكون له رضى، وصلّ على محمد صلاة تكون له جزاء وأجزه عنا الجزاء الأوفى، اللهم أحينا سعداء، وتوفنا شهداء، واجعلنا سعداء مرزوقين، ولا تجعلنا أشقياء محرومين، وكان يقول: والله إني لأعرف في عبد الله، يعني
стр. 7606
المأمون حزم المنصور، ونسك المهدي، وعز نفس الهادي، ولو شئت أنسبه إلى الرابع لفعلت، يعني نفسه، وفي ذلك يقول:
[الطويل]
لقد بان وجه الرأي لي غير أنني … غلبت على الأمر الذي كان أحزما
وكيف يردّ الدّر في الضرع بعدما … توزع حتى صار نهبا مقسما
أخاف التواء الأمر بعد استوائه … وأن ينقض الحبل الذي كان أبرما
واصطبح الرشيد قرب رمضان وقد قرب أن يرسي به زورق هلاله، فكتب إلى جعفر بن يحيى: [ص ١٢٧] [الخفيف]
سل عن الصوم ابن يحيى تجده … راحلا نحونا من النهروان
فأتنا نصطبح ونله جميعا … لثلاث بقين من شعبان
فأجابه في رقعة كتبها، ثم ركب إليه واستصحبها، فلما قرأها الرشيد استطار قلبه، واستبشر بها ساعفه (١) (ساعة) قربه، وكان فيها:
[الخفيف]
إنّ يوما كتبت فيه إلى عب … دك يوم يسود كلّ زمان
فاغتبق واصطبح فقد صانني … الله إذا صنتني من الحدثان
وكان الرشيد بعد هذا يقول لما قتله تلك القتلة التي شوّه بها الجود، ونبه بها دمه للطلول بسلاف العنقود، والله ما صانه الله لي من الحدثان، بل كمنت له كمون الأفعوان في أصول الريحان، فلما تعرض للشم قابله بالسم، وسيأتي ذكر جعفر في موضعه، وكان الرشيد قد حبس أبا العتاهية وجعل عليه عينا يأتيه
стр. 7607
بما يقول، فأخبره يوما أنه كتب على الحائط: (١)
[الوافر]
أما والله إنّ الظلم لوم … وما زال المسيء هو الظلوم
إلى ديّان يوم الدين نمضي … وعند الله تجتمع الخصوم
فاستحضره الرشيد واستحله وأعطاه ألف دينار، ثم أمر بمجلس فزخرف، وبالطعام فأحضر، وأحضر أبا العتاهية فقال له: صف ما نحن فيه من نعيم هذه الدنيا، فقال: (٢)
[مجزوء الكامل]
عش ما بدا لك سالما … في ظل شاهقة القصور
يسعى عليك بما اشتهيت … لذي الرواح وفي البكور
فقال: ثم ما ذا، فقال:
وإذا النفوس تقعقعت … في ضيق حشرجة الصدور
فهناك تعلم موقنا … ما كنت إلا في غرور
فبكى الرشيد، فقال الفضل بن يحيى: بعث إليك أمير المؤمنين لتسره فأحزنته، فقال: يا فضل، دعه، وإنّا في عمى، فكره أن يزيدنا.
وعن القاضي [ص ١٢٨] أبي يوسف (٣) قال: بينا أنا البارحة قد أويت إلى
стр. 7608
فراشي، فإذا هرثمة بن أعين (١) يدق الباب دقا شديدا، فكلمته فقال: أجب أمير المؤمنين، فسألته الإمهال إلى غد، فقال: ما إلى هذا سبيل، فاغتسلت وتحنطت، ثم صرنا إلى الرشيد، وإذا بعيسى بن جعفر بن المنصور على يمينه، فسلمت، فرد السلام، ثم قال: أظننا روعناك، قلت: إي والله وكذلك من خلفي، قال: اجلس، فجلست حتى سكن روعي، ثم التفت إليّ فقال: أتدري لم دعوتك؟ فقلت: لا، قال: دعوتك لأشهدك على هذا، إني سألته جارية عنده أن يهبها لي فامتنع، فسألته أن يبيعها فأبى، ووالله لئن لم يفعل لأقتلنّه، فالتفت إلى عيسى وقلت: وما تبتغي بجارية تمنعها أمير المؤمنين؟ فقال: عجلت عليّ قبل أن تعرف ما عندي، قلت: فما الذي عندك؟ قال: إنّ عليّ يمينا بالطلاق والعتاق وصدقة ما أملك أن أبيع هذه الجارية ولا أهبها، فقلت: تهب له نصفها وتبيعه نصفها فتكون لم تهب ولم تبع، فقال: أشهدك أني وهبته نصفها وبعته نصفها بمائة ألف دينار، ثم أتى بالجارية وأخذ المال، فقال الرشيد:
بقيت واحدة، فقلت: ما هي يا أمير المؤمنين؟ قال: إنها مملوكة ولابد لها من الاستبراء، ووالله إن لم أبت معها ليلتي، إني أظن أنّ نفسي ستخرج، قلت: يا
стр. 7609
أمير المؤمنين، تعتقها وتتزوجها، فإنّ الحرة لا تستبرأ، قال: قد أعتقتها، فمن يزوجنيها؟ قلت: أنا، قال: افعل، فدعا بمسرور وحنين الخادمين، فخطبت فحمدت الله ثم زوجته بها على عشرين ألف دينار، ودفع إليه المال، ثم قال:
انصرف الآن، وأمر لي بمائتي ألف درهم، وعشرين تختا ثيابا، فحمل ذلك معي، فالتفت إليّ هرثمة وقال: فأين حقي؟ فقلت: خذ العشر، ثم إذا بعجوز فدخلت فقالت: يا أبا يوسف، إن ابنتك تقرئك السلام وتقول: لك ما وصل إليّ من أمير المؤمنين إلا المهر، وقد حملت إليك النصف وتركت الباقي لما تحتاج إليه، فو الله لا قبلته، أخرجتها من الرق وزوجتها [ص ١٢٩] أمير المؤمنين وترضى لي بهذا، فلم تزل بي الجماعة حتى قبلت، وأمرت لهرثمة منها بألف دينار أخرى.
وذكر محمد بن علي، عن أبيه قال: دخلت على الرشيد في دار عون العبادي، فإذا هو في هيئة الصيف في بيت مكشوف، وليس فيه فرش وغلالة رقيقة عليه وإزار عريض الأعلام، وكان لا يجلس في بيت الخيش، لأنه كان يؤذيه إفراط الهواء، ولكنه كان يجلس ظاهره فيأتيه برد الخيش، وكان له تغار من فضة يعمل فيه الطيب والزعفران والأفاويه وماء الورد، ثم يدخل إلى بيت مقيله، ويدخل سبع غلائل قصب رشدية تقطيع النساء تغمس الغلالة في ذلك الطيب، ويؤتى في كل يوم بسبع جوار، فيخلع عن الجارية ثيابها ثم يخلع عنها غلالة، ويجلس على كرسي مثقب، فيرسل الغلالة على الكرسي متحللة، ثم يبخر من تحت الكرسي بالعود المدرج في العنبر ابدا حتى يجف القميص عليها، يفعل ذلك بهن ويغلق البيت فيعبق بالبخور والطيب.
وذكر بعضهم أنهم كانوا مع الرشيد بالرقة، فخرج يوما إلى الصيد، فعرض له رجل من النساك، فقال: يا هارون، اتق الله، فقال لابن نهيك: خذه إليك حتى أنصرف، فلما رجع هارون أمر أن يطعم الرجل من خاص طعامه، فلما أكل
стр. 7610
وشرب، دعا به فقال: يا هذا، انصفني في المخاطبة والمسألة،
قال: قل ما تحب، قال: فأخبرني أيما أشر (١) وأخبث، أنا أم فرعون، قال:
بل فرعون قال أنا ربكم الأعلى، وما علمت لكم من إله غيري، قال:
صدقت، قال: فأخبرني فمن خير أنت أم موسى بن عمران، قال: موسى كليم الله وصفيه اصطنعه لنفسه، وائتمنه على وحيه، وكلمه من خلقه، قال:
صدقت، أفما تعلم أنه لمّا بعثه الله وأخاه إلى فرعون قال لهما: فقولا قولا لينا، وهذا في عتوه وجبروته (٢) على ما قد علمت، وأنت جئتني وأنا بهذه الحال التي تعلم أكثر فرائض الله أؤديها ولا أعبد سواه، أقف عند أكثر حدوده [ص ١٣٠] فوعظتني بأغلظ الألفاظ وأبشعها، وأخشن الكلام وأفظعه، فلا بأدب الله تأدبت، ولا بأخلاق الصالحين أخذت، فما كان يؤمنك أن أسطو بك، فإذا أنت قد عرضت نفسك لما كنت عنه غنيا، فقال الزاهد: أخطأت يا أمير المؤمنين وأنا استغفر الله، قال: قد غفر الله لك، وأمر له بعشرين ألف درهم، فقال: لا حاجة لي بالمال، فزجره هرثمة، فقال له الرشيد: أمسك عنه، ثم قال له: لم نعطك المال لحاجتك إليه، ولكن من عادتنا ألا يخاطب الخليفة أحد إلا وصله، فاقبل من صلتنا ما شئت، فضعها حيث أحببت، فأخذ من المال ألفي درهم، وفرقها على من حضره.
وذكر ابن بختيشوع (٣) قال:
стр. 7611
كنت مع الرشيد بالرقة (١)، وكنت أول من يدخل عليه فأتعرف خبره في ليلته، ثم ينبسط فيحدثني بخبر جواريه ومجلسه وشربه، ثم يسألني من أخبار العامة وأحوالها، فدخلت عليه في غداة يوم، فرأيته عابسا مفكرا مغموما، فوقفت بين يديه مليا وهو على تلك الحال، فلما طال ذلك أقدمت عليه فقلت:
يا سيدي، جعلني الله فداك، ما حالك هكذا، فأخبرني بها، فلعله يكون عندي دواؤه، فقال: ويحك يا جبريل، ليس غمي وفكري لشئ مما ذكرت، ولكن لرؤيا رأيتها في ليلتي هذه فأفزعتني، وملأت صدري، وأقرحت قلبي، فقلت: فرّجت عني يا أمير المؤمنين، فدنوت فقبلت رجله وقلت: هذا الهمّ كله لرؤيا، والرؤيا إنما تكون في خاطر أو من بخارات ردية من تهاويل السوداء، وإنما هي أضغاث أحلام بعد هذا كله، فقال: أنا أقصها عليك، رأيت كأني جالس على سريري إذ بدت من تحتي ذراع أعرفها، وكف أعرفها، لا أفهم اسم صاحبها، وفي الكف تربة حمراء، فقال لي قائل أسمعه ولا أرى شخصه: هذه التربة التي تدفن فيها، فقلت: وأين هذه التربة، فقال: بطوس وغابت اليد، وانقطع الكلام، فقلت (٢): يا سيدي أحسبك لما أخذت مضجعك فكرت في خراسان، وما ورد عليك من انتقاضها، قال: قد [ص ١٣١] كان ذلك، قال فقلت:
فلذلك رأيت هذه الرؤيا، وما برحت أطيب نفسه بضروب من الحيل حتى سلا وانبسط، وأمر بإعداد ما يشتهيه ذلك اليوم في لهوه، ومرت الأيام، فنسي ونسينا تلك الرؤيا، فما خطرت لأحد منا ببال، ثم قدر مسيره إلى خراسان حين تحرك رافع، فخرج فلما صار في بعض الطريق ابتدأت به العلة، فلم تزل تزيد
стр. 7612
حتى دخلنا طوس، فنزل في منزل لحميد بن عبد الحميد، في ضيعة له تعرف بسر آباد، فبينا هو يمرض في البستان في ذلك القصر، إذ ذكر تلك الرؤيا، ووثب متحاملا، يقوم ويسقط، فاجتمعنا إليه، كل يقول له: يا سيدي ما حالك، وما دهاك، فقال: يا جبريل، تذكر رؤياك بالرقة في طوس، ثم رفع رأسه إلى مسرور، فقال: جئني من تربة هذه الأرض، فجاءه بها في كفه، حاسرا عن ذراعيه، فلما نظر إليه قال: هذه والله الذراع التي أريتها في منامي، وهذه والله الكف بعينها، وهذه والله التربة الحمراء، ما خرمت شيئا، وأقبل على البكاء والنحيب، ثم مات بعد ثالثة، ودفن في ذلك البستان.
وذكر علي الربعي عن أبيه قال: لما وصل الرشيد إلى طوس قال: احفروا لي قبرا قبل أن أموت، فحفر له، فقال: احملني، فحملته في قبّة أقود به، حتى إذا نظر إليه قال: يا بن آدم، تصير إلى هذا، قالوا: ولما فرغ من حفر القبر أنزل فيه قوما فقرأوا فيه القرآن، حتى ختموا، وهو في محفة على شفير القبر.
قال الطبري: ومات هارون وفي بيت المال تسع مائة ألف ألف ونيّف، وقال أبو الشيص يرثي الرشيد: (١)
[مجزوء الرمل]
غربت في الشرق شمس … فلها العينان تدمع
ما رأينا قطّ شمسا … غربت من حين تطلع
وقال أبو نواس:
[مجزوء البسيط]
جرت جوار بالسعد والنّحس … فنحن في مأتم وفي عرس [ص ١٣٢]
стр. 7613
القلب يبكي والسنّ ضاحكة … فنحن في وحشة وفي أنس
يضحكنا القائم الأمين وتبكينا … وفاة الرشيد بالأمس
بدران بدر أضحى ببغداد … وبدر بطوس في الرمس
ومولده سنة خمسين ومائة، وتوفي سنة ثلاث وتسعين ومائة، وعمره أربع وأربعون سنة، ومدته اثنتان وعشرون سنة، وأربعة أشهر، وقبره بقرية سناباد من طوس.
ثم:
٦٠ - دولة الأمين
أبي موسى محمد (١) بن هارون الرشيد، وما قدمه أبوه إلا لإرضاء أمه أم جعفر (٢) وخؤولته على أنه يكلف أخاه حمل مؤونته، وكان من
стр. 7614
نوكى (١) القوم، وأولى أهل بيته باللوم، لا يقيل رأيه من عثراته، ولا يجمّ جفنه لمقيل عبراته، فانهمك في اللذات، وانتهك حرمة الملك واللدات، وحفر لأخيه المأمون قليبا (٢) وقع فيها قريبا، وكان ذا أيد وقوة، حكي أنه وثب على أسد فصرعه وقرب مصرعه، ولكنه لم يؤيد بحزم يحوط به تدبيره، ويحول بينه وبين ما قضى تدميره، ولكن الله إذا أراد أمرا بلغه، ومن قصد أخاه بسوء دمر الله عليه ودمغه، وكان كريما يهب البدر بالمئين، ولا يسمح أن يمد إلى مائدته يمين، وكان يبخل بالطعام، وينحل في الشح أخلاق الطغام، وكان عنده رغيف الخبز كرغيف الأسد، لا يطاق مهاجمته، ولا يستطاع أن يقتحم أجمته.
وقال علي بن إسحاق: لما أفضت الخلافة إلى الأمين وهدأ الناس، أصبح صبيحة السبت بعد بيعته بيوم، فأمر ببناء ميدان حول قصر أبي جعفر في المدينة للصوالجة واللعب، وأمر جواريه بأن تهدي إليه غزلان تسيّب فيه، فأهديت له، فقال شاعر من أهل بغداد:
[السريع]
بنى أمين الله ميدانا … وصيّر الساحة بستانا
стр. 7615
فكانت الغزلان فيه بأن … تهدى إليه فيه غزلانا
وذكر محمد بن يحيى النيسابوري قال: لما نعي علي بن عيسى (١) وقتله إلى الأمين [ص ١٣٣] وكان في وقته ذلك على الشط يصيد السمك [في الأصل:
الضمد، ولم أجد لها معنى] فقال للذي أخبره، ويلك فإن كوثرا قد أصاب سمكتين، وأنا ما صدت شيئا بعد، وذكر أن أحمد بن مزيد لما أراد الشخوص للقاء جيش المأمون، دخل على الأمين فقال: ليوصني أمير المؤمنين، قال: أوصيك بخصال عدة، إياك والبغي فإنه عقال النصر، ولا تقدم رجلا إلا باستخارة، ولا تشهر سيفا إلا بعد إنذار، ومهما قدرت عليه باللين فلا تنفذه إلى الشدة، وأحسن صحابة من معك من الجند، وطالعني بأخبارك في كل يوم، ولا تخاطر بنفسك طلب الزلفة عندي، ولا تستبقها فيما يتخوف رجوعه علي، وكن لمن تقدمك أخا، ولا تخذله إذا استنصرك، ولا تبطئ عليه إن استصرخك، ولتكن أيديكما واحدة، وكلمتكما متفقة، ثم قال: سل حوائجك وعجل السراح إلى عدوك، فدعا له أحمد بن مزيد وقال: يا أمير المؤمنين، بكر لي في الدعاء ولا تقبل فيّ قول باغ، ولا ترفضني قبل المعرفة بذنبي، ولا تنقص على ما استجمع من رأي، ومنّ عليّ بالصفح عن ابن أخي عبد الله بن حميد، وكان قد أمره الأمين بالخروج فتشرط فحبسه.
وحكي أنه لما كان محصورا، خرج يوما خادمه كوثر، وكان مضنى به حبا
стр. 7616
كلفا به غراما، فأصابته جراحة أدمت حر وجهه، ونثرت ورد دمه على ياسمين خده، فقال:
[مجزوء الرمل]
ضربوا قرة عيني … ومن أجلي ضربوه
أخذ الله لقلبي … من أناس جرحوه
وكان أبو نواس قد اعتقله الرشيد على كلمة قالها تعرض فيها إلى النقص بقريش، فلما ولي الأمين وكانت لأبي نواس به ذمة قديمة، فقال: [الطويل]
تذكر أمين الله والعهد يذكر … مقامي وإنشاديك والناس حضّر
ونثري عليك الدرّ يا درّ هاشم … فيا من رأى درا على الدر ينثر
أبوك الذي لم يملك الناس مثله … وعمك موسى عدله متخيّر [ص ١٣٤]
وجدك مهدي الهدى وشقيقه … أبو أمك الأدنى أبو الفضل جعفر
وما مثل منصوريك منصور هاشم … ومنصور قحطان إذا عدّ مفخر
فمن ذا الذي يرمي بسهمك في العلى … وعبد مناف والداك وحمير
فغنت جارية بهذه الأبيات بين يدي الأمين، فقال: لمن هذه الأبيات، فقيل له: لأبي نواس، قال: وما فعل، فقيل له: محبوس، قال: ليس عليه بأس، قال: فبعث إليه رجل من المجلس يعلمه بما قال، وقال:
[الوافر]
أرقت وطار عن عيني النعاس … ونام الساهرون ولم يواسوا
أمين الله قد ملّكت ملكا … عليك من التقى فيه لباس
كأنّ الخلق في تمثال روح … له جسد وأنت عليه راس
أمين الله إن السجن بأس … وقد أرسلت ليس عليك باس
стр. 7617
فلما أنشدته قال: صدق والله، عليّ به، فجيء به في الليل، فكسرت أقياده وأخرج حتى أدخل عليه، فأنشده:
[الخفيف]
مرحبا مرحبا بخير إمام … صيغ من جوهر الخلافة نحتا
يا شبيه المهدي بذلا وجودا … وشبيه المنصور هديا وسمتا
ثم كان في صحبته حتى أخذ من السفين، وأودع أحشاء الأرض منه الدفين.
وذكر عمر بن شبة أن أحمد بن محمد الهاشمي حدثه أن لبابة بنت علي بن المهدي قالت حين قتل الأمين وكانت تحته ولم يكن دخل بها ولا ضمها فراش حظي فيه بقربها ووضعت له سجوف نقبها:
[البسيط]
أبكيك لا للنعيم والغرس … بل للمعالي والرمح والفرس
أبكي على هالك فجعت به … أرملني قبل ليلة العرس
وولد في شوال سنة إحدى وسبعين ومائة، وتوفي في المحرم سنة ثمان وتسعين ومائة، وعمره سبع وعشرون سنة، ومدته أربع سنين وتسعة أشهر، وقبره ببغداد.
ثم:
٦١ - دولة المأمون
أبي العباس [ص ١٣٥] عبد الله (١) بن هارون الرشيد، هو أجمع القوم
стр. 7618
لفضل، متنوع من العلم والحلم، والكرم والشجاعة والوفاء، والنظم والنثر والآداب، إماما مقدما في كل هذه الفضائل، ومعظما في علوم المتأخرين والأوائل، مع ما طبع الله عليه من كرم الأخلاق، وخصه به من تمام السعادة، ومضاء المهابة، لا يعدله في القوم نظير فيما جمع من المناقب الثاقبة، والخلائق الجميلة، أربى علمه على اليونان، وحلمه على ثهلان، وكرمه على ابن مامة، وشجاعته على فارس النعامة، ووفاؤه على السموأل، وشعره على جرول، ونثره على سحبان، وآدابه على ملوك آل ساسان، وقد صفح عن عمه إبراهيم بن المهدي (١)، وقد واثبه في خطواته، وابتز الخلافة من لهواته، ولما ظفر به تغمده
стр. 7619
بحلمه، وتعهده بالعفو على علمه، وعمل في هذا ما لم يسمع مثله قبله ولا بعده، وخلد له ذكرا لا يبلى لديباجة جده، وكذلك عامل أم جعفر بإكرام برّد حرارة حزنها، وخفف حزازة شجنها، حتى سلّ سخيمة صدرها، وحل عقدة الحزن عن فكرها، وألهاها ببره لها عن ابنها، ونهاها نهى حلمه عن تشويش الدموع في جفنها، فأسلاها مصاب ولدها، وأنساها ذهاب قطعة من كبدها، فأخذها في أمره بالمغالطة، واستدرك لها بالمجالسة مهجته الفارطة، فتسلت به سلوة الحزين، وتعوضت ببقاء المأمون عن الأمين، فعاودت مقلتها هجوع الكرى، وقالت: وفي الحي بالميت الذي غيّب في الثرى، وسارت سيره وصارت لا يمل منها مطالعها، ولا يحل بأنه كلما فارقها نظره يراجعها، يصبح حيث أمسى في سطورها المحبرة، وصدورها المجوهرة، ويرود منها روضة أدبية تتحير فيها من مشارق التصنيف حتى الأنوار، ويتحير بها لؤلؤ الطل في حدق النوار، وعهد إلى علي الرضا، وأصارها علوية، ثم عاجله الموت، وما كان في سعادة الناس تمام تلك القضية، إلا أنه أبلى الناس بالمحنة [ص ١٣٦] في القول بخلق القرآن، ولم تطهر منها أيامه، ولها قرؤ ولا قرآن، وذلك عن نظر نظره، ورأي نبه على نفسه خطره، ومن أخباره أنه لما خرج من خراسان شيعه حميد الطوسي (١)، فسار معه فراسخ، فالتفت إليه المأمون وقال: ارجع أنا غانم:
стр. 7620
[الكامل]
عجبا لقلب متيّم أحبابه … ساروا وخلف كيف لا يتضرع
ارجع فحسبك ما تبعت ركابنا … إن المتيم لا محالة يرجع
وشكى اليزيدي (١) إلى المأمون دينا لحقه فقال له ما عندنا في هذه الأيام ما إن أعطيناكه بلغت ما تريد، فقال: يا أمير المؤمنين إن غرمائي قد أرهقوني، قال:
انظر لنفسك أمرا تنال به نفعا، قال: يا أمير المؤمنين، إن لك ندماء فيهم من إن حركته نلت به نفعا، قال: أفعل، قال: إذا حضروا إليك مر فلانا الخادم يوصل إليك رقعتي، فإذا قرأتها فأرسل إليّ دخولك في هذا الوقت متعذر، ولكن اختر لنفسك من أحببت، قال: أفعل، فلما علم اليزيدي بجلوس المأمون مع ندمائه بعث إليه مع خادم رقعة فيها:
[السريع]
يا خير إخواني وأصحابي … هذا الطفيلي على الباب
فصيّروني واحدا منكم … أو فأخرجوا لي بعض أترابي
فقرأها المأمون عليهم، فقالوا: ما ينبغي يدخل علينا على هذه الحال، فأرسل إليه المأمون:
دخولك متعذر فاختر لنفسك من أحببت، فقال: ما أريد إلا عبد الله بن
стр. 7621
طاهر (١)، فقال له المأمون: قد اختارك فصر إليه، فقال: يا أمير المؤمنين، أكون شريك الطفيلي، فقال المأمون: ما يمكنني رد أبي محمد عن أمرين، فإن أحببت أن تخرج إليه، وإلا فافتد نفسك منه، فقال: عشرة آلاف درهم، قال:
لا تقنعه، فما زال يزيد عشرة عشرة، والمأمون يقول: لا تقنعه، حتى بلغ مائة ألف، فقال له: عجلها، فكتب بها إلى وكيله ووجّه معه رسولا، وأرسل إليه المأمون: اقبض هذه الدراهم في هذه الساعة فهي أصلح لك [ص ١٣٧] من منادمته وأنفع لك.
وعن محمد بن عمر الواقدي (٢) قال: أوصلت إلى المأمون رقعة أشكو فيها الدين فوقّع عليها: فيك خلتان، الحياء والسخاء، فأما السخاء فهو الذي أخرج ما في يديك، وأما الحياء فهو الذي قطعك عن إطلاعنا على حالك، وقد أمرت لك بمائة ألف درهم، فإن كانت فيها بلغة فذاك، وإن يكن غير ذلك، فهذه ثمرة ما جنيت على نفسك، فأنت حدثتني وأنت قاض للرشيد، عن محمد بن
стр. 7622
إسحاق عن الزهري، عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ ، أنه قال: مفاتيح الرزق بها متوجهة نحو العرش، فينزل الله تعالى على الناس أرزاقهم على قدر نفقاتهم، فمن كثر كثر له، ومن قلل قلل له، قال الواقدي: وكنت قد أنسيت هذا الحديث حتى حدثني به المأمون، فكان أحظى عندي من الصلة.
وألّف سهل بن هارون (١) كتابا يمدح فيه البخل ويذم الكرم، ليظهر قدرته على البلاغة (٢)، ورصع درته في ألطف الصياغة، ثم قدمه إلى المأمون على يد الحسن بن سهل، فوقّع عليه: لقد مدحت ما ذمه الله، وحسّنت ما قبح، وما يقوم صلاح لفظك بفساد معناك، وقد جعلنا نوالك عليه قبول قولك فيه.
وقال ظفر: وبلغني أن الرشيد أمر جماعة من العلماء بمبايعة المأمون وهو غلام، ليقتبس من آدابهم وعلومهم، فبات عنده ليلة الحسن بن زياد اللؤلؤي، فبينا هو يحادثه نعس المأمون، فقال له اللؤلؤي: نمت أيها الأمير، فاستيقظ وقال: سويقي ورب الكعبة، يا غلام خذ بيده، وأخرجه، فبلغ ذلك الرشيد فأعجبه، وقال متمثلا:
[الطويل]
وهل ينبت الخطيّ إلا وشيجه … وتغرس إلا في منابتها النخل
стр. 7623
قال محمد: إنما فعل ذلك المأمون لسوء أدب اللؤلؤي، ووجه الأدب مع الرئيس إذا نام أن يتنحى عنه جلساؤه، فيكونوا بموضع يقرب منه.
قال ابن ظفر: ومما قيل إن الكسائي كان لا يفتح على ولد الرشيد إذا غلطوا، إنما كان ينكس طرفه، فاذا غلط أحدهم نظر إليه، وربما ضرب الأرض [ص ١٣٨] بخيزرانة في يده، فإن سدد القاري للصواب مضى، وإلا نظر في المصحف، فافتتح المأمون عليه يوما سورة الصف، فلما قرأ: ﴿يا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ (١)، نظر إليه الكسائي، وتأمل المأمون، فإذا هو مصيب، فمضى في قراءته، ولما انقلب إلى الرشيد، قال: يا أمير المؤمنين، إن كنت وعدت الكسائي وعدا فإنه يستنجزه، قال: إنه كان استوصلني للقراء فوعدته، فهذا هو الذي قال لك، فقال المأمون: إنه لم يقل لي شيئا، وأخبره بالأمر، فتمثل الرشيد بقول القائل في ثابت بن عبد الله بن الزبير بن العوام:
[الطويل]
ورثت أبا بكر أباك ثباته … وسيرته في ثابت وشمائله
وأنت امرؤ ترجى بخير وإنما … لكل امرئ ما أورثته أوائله
وقيل: إن الرشيد ناظر يحيى بن خالد فيمن يعهد إليه من ولده أولا، وعلم يحيى ميله إلى زبيدة أم الأمين، وأنه يؤثر هواها، فحطب في حبلها، فأحضر الرشيد الأمين والمأمون وهما صبيان، فأغرى بينهما، فأسرع الأمين إلى المأمون فنال منه، وكان المأمون أحلمهما، ثم إنه أمرهما أن يتصارعا، فوثب الأمين ولزم المأمون مكانه، فقال له الرشيد: ما لك لا تقوم يا عبد الله، أخفت ابن الهاشمية، أما إنه أيّد، فقال المأمون: وهو على ما ذكره أمير المؤمنين، ولكني لم أخفه،
стр. 7624
وإنما قبض يدي عنه ما قبض لساني حين أسمعني، فقال له الرشيد: فما الذي قبض يدك ولسانك عنه، قال: قول الأموي لبنيه يوصيهم:
[الكامل]
اتقوا الضغائن بينكم وتواصلوا … عند الأباعد والحضور الشّهد
فصلاح ذات البين طول بقائكم … ودماؤكم بتقطّع وتفرّد
فلمثل ريب الدهر والكف بينكم … بتعاطف وترحم وتودد
حتى تلين جلودكم وقلوبكم … لمسوّد منكم وغير مسوّد
إن القداح إذا جمعن فرامها … بالكسر ذو حنق وبطش أيّد
عزّت فلم تكسر وإن هي بددت … فالوهن والتكسير للمتبدد [ص ١٣٩]
فرقّ الرشيد رقة شديدة، واغرورقت عيناه بالدموع فكفكفها، ثم أقبل على الأمين فقال: يا محمد، ما أنت صانع إن صرف الله إليك أمر هذه الأمة؟ فقال: أكون مهديا يا أمير المؤمنين، فقال الرشيد: إن تفعل فأهل ذاك أنت، ثم أقبل على المأمون فقال: يا عبد الله، ما أنت صانع إن صرف الله إليك أمر هذه الأمة، فابتدرت دموع المأمون، وفطن الرشيد لما أبكاه ولم يملك عينيه، فأرسلهما، وبكى يحيى، فلما قضى من البكاء إربا عاد الرشيد لمسألة المأمون، فقال: اعفني يا أمير المؤمنين، قال الرشيد: عزمت عليك أن تقول، فقال: إن قدر الله ذلك جعلت الحزن شعارا، والحزم دثارا، واتخذت سيرة أمير المؤمنين مشعرا لا تستحل حرماته، وكتابا لا تبدل كلماته، فأشار الرشيد إلى الأمين والمأمون بالانصراف، ثم ذهبا، ثم أقبل على يحيى وأنشده بيت صخر بن عمرو:
[الطويل]
أهم بأمر الحزم لو أستطيعه … وقد حيل بين العير والنزوان
стр. 7625
فقال له يحيى: قد هيّأ الله لأمير المؤمنين من أمره رشدا، وكان محبا في لعب الشطرنج، وكان يقول: هو فكري يشحذ الذهن، ولم يكن فيه حاذقا، وكان يقول: أدير أمر الدنيا فأتسع فيه وأضيق في تدبير شبرين في شبرين، وفيه يقول:
[البسيط]
أرض مربعة حمراء من أدم … ما بين إلفين مخصوصين بالكرم
تذاكرا الحرب فاحتالا لها مثلا … من غير أن يأثما فيها بسفك دم
وأما خروج عمه إبراهيم بن المهدي عليه، فكان سببه أن المأمون لما أراد أن يصرف الخلافة إلى علي بن موسى الرضا (١)، وبدّل السواد بالخضرة، نقم عليه بنو أبيه، فلما كان بخراسان خلع أهل بغداد طاعته وبايعوا ابن المهدي، ولقبوه بالمبارك، فلما تمهد له الأمر أساء إلى الجند ومنعهم أرزاقهم، فاضطربوا عليه وخلعوه يوم الجمعة سنة ثلاث ومائتين، وكانت [ص ١٤٠] مدته نحو سنة، واختفى، وبلغ المأمون الخبر فأتى بغداد فدخلها يوم السبت سادس عشر صفر سنة أربع ومائتين، ولم يزل ابن المهدي مختفيا إلى أن خرج متنقبا على هيئة امرأة بين امرأتين ليلة السابع عشر من ربيع الآخر سنة عشرة ومائتين، فأخذه
стр. 7626
الحرس على أنهم عواهر، فأعطاهم خاتما من ذهب فصه ياقوت يساوي مالا عظيما فأنكروا ذلك وحملوه إلى صاحب الشرطة فعرفه، وحمله إلى المأمون فأمر به، فجعل في مكان، فلما كان من الغد أخرج وأظهر للناس على ما أمسك عليه، فقال له المأمون: هيه يا إبراهيم، فقال: يا أمير المؤمنين، إن ولي الثأر محكم في القصاص، والعفو أقرب للتقوى، وقد جعلك الله فوق كل ذنب، كما جعل كل ذنب دونك، فإن عاقبت فبحقك، وإن عفوت فبفضلك، فقال له المأمون: بل نعفو يا إبراهيم، فكبّر، ثم خرّ ساجدا، فلما رفع رأسه أنشده:
[الطويل]
يا خير من وخدت به شدنية … بعد الرسول لآيس أو طامع
متيقظا حذرا وما يخشى العدى … يقظان من وسنات يوم الهاجع
ملئت قلوب الناس منك مخافة … وتبيت تكلؤهم بقلب خاشع
نفسي فداؤك أن تضيق معاذري … والود منك بفضل حلم واسع
أملا لفضلك والفضائل شيمة … رفعت ثناءك بالمحل النافع
فبذلت أفضل ما تضيق ببذله … وسع النفوس من الفعال البارع
وعفوت عن من لم يكن عن مثله … عفو ولم يشفع إليك بشافع
إلا العلو عن العقوبة بعد ما … ظفرت يداك بمستكن خاضع
ورحمت أطفالا كأفراخ القطا … وعويل عانسة كقوس النازع
الله يعلم ما أقول فإنها … جهد الألية من حنيف راكع
ما إن عصيتك والغواة تقودني … أسبابها إلا بنية راجع
حتى إذا علقت حبائل شقوتي … بردا إلى حفر المنية هانع [ص ١٤١]
لم أدر أنّ لمثل جرمي غافر … فوقفت أنظر أي حتف صارعي
ردّ الحياة عليّ بعد ذهابها … ورع الإمام القادر المتواضع
стр. 7627
أحياك من ولاّك أطول مدة … ورمى عدوك في الوتين بقاطع
أسمام ما أدلى إليك بحجة … إلا التضرع من مقر خاضع
كم من يد لك لم تحدثني بها … نفسي إذا ثابت إليّ مطامعي
أسديتها عفوا إليّ هنيئة … فشكرت مصنعها لأكرم صانع
إن الذي قسم الخلافة حازها … في صلب آدم للإمام السابع
جمع القلوب إليك جامع أمرها … وحوى رداؤك كل خير جامع
فلما فرغ منها قال له: (لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين) (١)، ثم أمر بالخلع فخلعت عليه، وصرف عليه أمواله وضياعه، فأنشده:
[البسيط]
رددت مالي ولم تبخل عليّ به … وقبل ردّك مالي قد حقنت دمي
فبؤت عنك وما كافأتها بيد … هما حياتان من موت ومن عدم
البرّ منك وطّا العذر عندك لي … فيما أتيت فلم تعدل ولم تلم
وقام علمك بي فاحتج عندك لي … مقام شاهد عدل غير متهم
تعفو بعدل وتسطو إن سطوت به … فلا عدمناك من عاف ومنتقم
ثم شفعت فيه بوران، فقربه ونادمه، ولم يزل مكرما مبرورا إلى آخر عمره.
وكان سبب موت المأمون أنه كان على نهر البذندون (٢) مدليا ساقيه في الماء،
стр. 7628
قال: ما رأيت أبرد من هذا الماء، ثم ذاقه وقال: ما أطيب طعمه، ثم التفت إلى سعيد بن الصلاف قال: أي شئ يصلح أن يؤكل عليه، قال: أمير المؤمنين أعلم، قال: الرطب الأزاد، قال: أنّى لنا به في بلاد الروم، فما تم كلامه حتى سمع لجم البريد، فالتفت فرأى على أعجازها أحقاب فيها ألطاف، ومنها رطب أزاد، فحمد الله هو ومن كان معه، فما قام أحد ممن أكله إلا محموما، فكان ذلك أول علته، ثم ظهرت له في رقبته نفخة، كانت تعتاده، فأخطأ [ص ١٤١] الطبيب في فتحها قبل النضج فهلك، ويقال إنه لما خرج في تلك الغزاة، صاح في أحد تلك الليالي لغلام اسمه سقير، وقال له: ويلك من يغني، قال: ما يغني أحد، قال: ثم تسمعت فلم أسمع شيئا، فقلت: ما أسمع حسا، قال:
بلى والله إنه كان يغني:
[الوافر]
ألم تعجب لمنزلة ودور … خلت بين المشقر والحرور
كأنّ بقيّة الآثار فيها … بقايا الخطّ من قلم الزبور
ثم اعتل في الليلة الثالثة. وحكى ابن المهدي قال: رأيت في منامي كأن جارية من جواري الرشيد، وفي يدها عود، وهي على منبر رسول الله ﷺ تنشد:
[الخفيف]
سوف يأتي الرسول من بعد شهر … بنعيّ الخليفة المأمون
قال: فقلت هذه مفسرة، فجاء نعيه بعد شهر، وولد سنة سبعين ومائة، وتوفي سنة ثمان عشر ومائتين، وعمره ثمان وأربعون سنة وشهور، ومدته عشرون سنة وستة أشهر، وقبره على البذندون بطرسوس من بلاد الروم.
стр. 7629
ثم:
٦٢ - دولة المعتصم بالله
أبي إسحاق محمد (١) بن هارون الرشيد، عهد إليه أخوه المأمون وشهد بأهليته هو والمسلمون، ونطقت أسنة السنة فما كذبت، وصدقت مضارب سيوفه فما نبت، وكان فارسا شجاعا بطلا مناعا، راميا محاميا بصيرا بمواقع الحرب، وترتيب الجيوش، وقتل الأعداء، وحملهم من رماحه على النفوس، وكان كما يوسم اخوه مخيلة عارضه الهتون، وخميلة أرضه الهرون، واستكثر من الغلمان الأتراك، وأحل كبراء هم منه بمكان الاشتراك، حتى حدث بعده منهم ما حدث، وأحدثوا ما لو شعر به لقام لا يواريه حدث، فإنهم فعلوا ما كانوا دون قدره، وقتلوا من بنيه من يلوث بدمه الصباح وهاطراطيشه (٢) على شفق فجره، فأما في زمان المعتصم، فإنهم كانوا في مزيد الاستطاعة
стр. 7630
عبيد [ص ١٤٣] الطاعة، إلا أن منهم من قسا ووكل السيف في عقابه لما أسى، ويكفي المعتصم نوبة عمورية (١)، وما ظهر فيها من عزيمته المصممة، وشكيمته المهيمنة، وأنه لما هتفت باسمه تلك المرأة مرة، هفت إليها طلائع الممرة، وقال:
لا يكشف الغمى إلا ابن حرة، وقاد إليها عسكرا يتشكى الشتاء البارد حره، فأتى عمورية وهو يرى غمرات الموت، ثم يزورها وقاسم أهلها سيوفه، فكانت في عساكره غواشيها، وفيهم صدورها، حتى يسر الله له فتحها، وقدر له منحها، ويقال إنه افتر في يوم شديد البرد من أيامه عليها أربعة آلاف قوس، ورمى على كل قوس منها سهما، وكان يوما يود بياض نهاره لو كان لوقود النار فحما، ولم يكن المعتصم يعاب إلا بأمية فيه، وبأنه عمل في المحنة بوصية أخيه، فأخذ الناس بها، وواخذ من امتنع ودعاهم إليه بالسيف والسوط، وجرى زمانه كله لا يني على هذا الشوط، حتى ألزم بكلمتها، وشوه وجوه أيامه البيض بظلمتها، على أنه لم يكن إذا علم عمل به فاتبعه، وعلم أنه الحق فشرعه، إلا أنه سمع قولا ظنه الصدق فأيده، وتلقى وصيته عن أخيه فعمل بها وقلده، وسئل أحمد بن حنبل (٢) فأيده الله بالقول الثابت، وأبلاه بأنواع البلاء وهو بمواجهته بالإنكار لقوله متكلم لا ساكت.
وكان مغرى بالاستكثار من الأتراك، ما مات حتى كمل ثلاثين ألفا منهم، وكان معظما لهم موفرا نصيبهم، حكي أنه أجلس مملوكه أشناس إلى جانبه على كرسي، وتوجه بتاج من ذهب، ووشحه بوشاحي ذهب مرصعين بالجواهر، وطوّقه بطوق ذهب مجوهر بقطع يواقيت أصغرها زنة عشرة مثاقيل، وسؤّره بسواري ذهب، وعقد له ثلاثة ألوية، وحمله على فرس أدهم أغر من مراكيب
стр. 7631
الخلافة بسرج ثقيل ذهب مرصع بالجوهر واللؤلؤ الثمين، وقاد خلفه سبعة أفراس، وعمل له موكبا يحمل فيه السلاح والعمد والطبرزينات (١) والتراس والخزانة، وغير ذلك من شعار الملوك، وخاطبه بملك الأمراء [ص ١٤٤]، وكذلك صنع ببابك الخرمي في التعظيم والتكريم، حتى اطلع على سوء معتقده، فجعله همّه، حتى أصاره إلى ما صار، وأحله وبعض ما يستحق دار البوار.
وعن محمد بن القاسم قال: دخل المعتصم يوما إلى خاقان يعوده، فرأى ابنه الفتح وهو صغير لم يتعد، فمازحه ثم قال: أيما أحسن دارنا أم داركم، فقال الفتح: يا سيدي، دارنا إذا كنت فيها أحسن، فقال المعتصم: لا أبرح أو ينثر عليه مائة ألف درهم، فأحضرت ونثرت عليه.
وحكى علي بن الحسين بن عبد الأعلى: أن عبد الله بن طاهر أهدى إلى المعتصم شهرس (٢) ملمع من ذكران خراسان لم يخرج مثلهما، فسأله بغا (٣) أن يحمله على أحدهما، فأبى وقال: تخيّر غيرهما ما شئت فخذه، قال: فخرجنا ولم نأخذ شيئا، فلما صرنا بطبرستان (٤) عرض له قوم من أهلها، فقالوا له: إن في بعض هذه الغياض سبعا قد استكلب على الناس وأفناهم، فقال: إذا أردت الرحيل غدا كونوا معي حتى أقف على موضعه، فأخذوه في عشرين فارسا من
стр. 7632
غلمانه، ومعه قوسه ونشابتان في منطقته، فصاروا به إلى مكانه، وثار السبع في وجهه، فحرك فرسه من بين يديه، وأخذ نشابة من النشابتين فرماه في لبّته، فمرّ السهم فيها إلى الريش، وركب السبع رأسه، قال: وعاد بغا إليه فما اجترأ أحد على النزول إليه، حتى نزل بغا فوجده ميتا، قال: فشبرناه فكان من رأسه إلى رأس ذنبه ستة عشر شبرا، ووجدناه أحص الشعر (١)، إلا معرفته (٢)، قال:
فكتبنا بخبره إلى المعتصم، فلحقنا جواب كتابنا بحلوان (٣) يذكر فيه أنه قد تفاءل بقتل السبع أن يكون من علامات الطف ببابك، ووجه إلى بغا بالشهرس وسبعة أفراس من خاصة مراكيبه بمراكب يقال من الذهب، وسبعة خلع من خاصة خلعه، وخمس مائة ألف درهم صلة له وجزاء على قتله السبع.
قال زنام الزامر (٤): أفاق المعتصم في علته التي مات فيها [ص ١٤٥] فركب في الزلال (٥) في دجلة، وأنا معه فمر بإزاء منازله، فقال: يا زنام ازمر لي:
[السريع]
يا منزلا لم تبل أطلاله … حاشا لأطلالك أن تبلى
стр. 7633
لم أبك أطلالك لكنني … بكيت عيشي فيك إذ ولّى
والعيش أولى ما بكاه الفتى … لابد للمحزون أن يسلى
قال: فما زلت أزمر هذا الصوت وأكرره، وقد تناول المعتصم منديلا بين يديه، فما زال يبكي وينتحب حتى كاد بدموعه ينتقب، ثم رجع إلى منزله فاحتضر، وجاءه من الموت أمر قد قدر، وجعل يقول: ذهبت الحيلة، ليست حيلة، إلى أن مات لثمان عشرة مضت من ربيع الأول سنة سبع وعشرين ومائتين بسامراء، ومدته ثمان سنين وثمانية أشهر ويومان، ومولده سنة سبع وتسعين ومائة، ولما مات صنع للواثق لحنا وغنى به فيه وهو:
[الوافر]
أبت دار الأحبّة أن تبينا … أجدك ما رأيت بها معينا
تقطّع حسرة من حبّ ليلى … نفوس ما أثبن وما جزينا
ثم:
٦٣ - دولة الواثق بالله
أبي جعفر هارون (١) بن محمد المعتصم، ولما ولي استمر بعوائد أبيه وعمه
стр. 7634
المأمون، ولاب على موارد المحنة، ولاث مفارق من خالفه بعصائبه المهينة، واشتد في التحرج بهذا المذهب، والتولج في ظلمة هذا الغيهب، وكان كريما جوادا وله اعتلاء في الأدب واعتناء به، ينسل إليه أهله من كل حدب، وكان له صنعة في الموسيقى، وروي له فيها أعمال تحرك الصخور، وتحرض سامعها على اغتنام أيام السرور، وكان مع هذا مهيبا موقرا في الصدور، موقى بمهابة أمنع من النسور، وكانت له على الأتراك حرمة خطرت على خواطرهم الخطرات، وقصرت لواحظهم تحت سجف العبرات، وكان إذ اذكر لهم تريع بهم أوهامهم وترتعد [ص ١٤٦] مفاصلهم فما تقلهم أقدامهم.
وحكى ابن أبي داود (١) عنه كلاما معناه: حضرته وهو قاعد يتنفش، وبيد بعض الغلمان مرآة كأنها درهم في كف مرتعش والغلام يتجلل فرقا، ويتكلل جبينه عرقا، كأنه في عقابيل حمّى، أو في وبيل حمّى سقي به سما، قد نكس إلى الأرض كأنه راعف، أو كأنه ينظر موضع مصرعه وهو واقف، وحكي أنه مات وأكلت السنور عينه، وغلمانه صفوف وقوف على بعد منه، فما منهم من تجاسر أن يتقدم إليه ويكشف خبره، ولا يرفع إليه طرفه ويتحقق نظره.
وعن أبي مالك جرير بن أحمد بن أبي دواد قال: قال الواثق يوما لأبي تضجرا بكثرة حوائجه، يا أحمد، قد اختلت بيوت الأموال بطلباتك للائذين بك، والمتوسلين إليك، فقال: يا أمير المؤمنين، نتائج شكرها متصلة بك، وذخائر أجرها مكتوبة لك، وما لي من ذلك إلا عشق إيصال الألسن بحلو المدح فيك، قال: يا أبا عبد الله، والله لا يمنعك ما يزيد في عشقك، ويقوي من
стр. 7635
همتك فينا ولنا، ثم لم يتضجر بعدها بحاجة يعرضها عليه.
وحكي أنه لما ثقل في علته التي مات فيها خيّل إلى الأتراك وقد أغمي عليه أنه قضى، فدنا منه تركي يقال له إيتاخ ليعلم هل مات أم لا، فلما دنا منه فتح عينيه ونظر إلى إيتاخ فرجع القهقرى، فانتشب طرف سيفه بالباب فاندق وسقط إيتاخ على قفاه لما نظره هيبة له، ورعبا لما داخله من النظر إليه، ثم لم يمر على الواثق إلا ساعة حتى مات، فأخذ وجعل في بيت، فما أقام إلا يسيرا فوجد وقد أخرجت الفارة عينه، فسبحان القادر الفعال لما يريد، لا إله إلا هو، ثم كان بموته قوة شوكة الأتراك.
ثم:
٦٤ - دولة المتوكّل على اللّه
أبي الفضل جعفر (١) بن محمد المعتصم، بدأ أمره بكشف المحنة، ودحا مجاري سبيلها، ومحا آية ليلها، وأطلق من ضاقت بهم السجون من المصرّين على إنكارها، والمصرحين [ص ١٤٧] بسوء آثارها، ونزه القرآن الكريم، وقال:
إنه منزل غير مخلوق، وصفة من صفات الله القديمة سابقا، غير مسبوق، فأيد