الخلافة بسرج ثقيل ذهب مرصع بالجوهر واللؤلؤ الثمين، وقاد خلفه سبعة أفراس، وعمل له موكبا يحمل فيه السلاح والعمد والطبرزينات (١) والتراس والخزانة، وغير ذلك من شعار الملوك، وخاطبه بملك الأمراء [ص ١٤٤]، وكذلك صنع ببابك الخرمي في التعظيم والتكريم، حتى اطلع على سوء معتقده، فجعله همّه، حتى أصاره إلى ما صار، وأحله وبعض ما يستحق دار البوار.
وعن محمد بن القاسم قال: دخل المعتصم يوما إلى خاقان يعوده، فرأى ابنه الفتح وهو صغير لم يتعد، فمازحه ثم قال: أيما أحسن دارنا أم داركم، فقال الفتح: يا سيدي، دارنا إذا كنت فيها أحسن، فقال المعتصم: لا أبرح أو ينثر عليه مائة ألف درهم، فأحضرت ونثرت عليه.
وحكى علي بن الحسين بن عبد الأعلى: أن عبد الله بن طاهر أهدى إلى المعتصم شهرس (٢) ملمع من ذكران خراسان لم يخرج مثلهما، فسأله بغا (٣) أن يحمله على أحدهما، فأبى وقال: تخيّر غيرهما ما شئت فخذه، قال: فخرجنا ولم نأخذ شيئا، فلما صرنا بطبرستان (٤) عرض له قوم من أهلها، فقالوا له: إن في بعض هذه الغياض سبعا قد استكلب على الناس وأفناهم، فقال: إذا أردت الرحيل غدا كونوا معي حتى أقف على موضعه، فأخذوه في عشرين فارسا من
стр. 7632
غلمانه، ومعه قوسه ونشابتان في منطقته، فصاروا به إلى مكانه، وثار السبع في وجهه، فحرك فرسه من بين يديه، وأخذ نشابة من النشابتين فرماه في لبّته، فمرّ السهم فيها إلى الريش، وركب السبع رأسه، قال: وعاد بغا إليه فما اجترأ أحد على النزول إليه، حتى نزل بغا فوجده ميتا، قال: فشبرناه فكان من رأسه إلى رأس ذنبه ستة عشر شبرا، ووجدناه أحص الشعر (١)، إلا معرفته (٢)، قال:
فكتبنا بخبره إلى المعتصم، فلحقنا جواب كتابنا بحلوان (٣) يذكر فيه أنه قد تفاءل بقتل السبع أن يكون من علامات الطف ببابك، ووجه إلى بغا بالشهرس وسبعة أفراس من خاصة مراكيبه بمراكب يقال من الذهب، وسبعة خلع من خاصة خلعه، وخمس مائة ألف درهم صلة له وجزاء على قتله السبع.
قال زنام الزامر (٤): أفاق المعتصم في علته التي مات فيها [ص ١٤٥] فركب في الزلال (٥) في دجلة، وأنا معه فمر بإزاء منازله، فقال: يا زنام ازمر لي:
[السريع]
يا منزلا لم تبل أطلاله … حاشا لأطلالك أن تبلى
стр. 7633
لم أبك أطلالك لكنني … بكيت عيشي فيك إذ ولّى
والعيش أولى ما بكاه الفتى … لابد للمحزون أن يسلى
قال: فما زلت أزمر هذا الصوت وأكرره، وقد تناول المعتصم منديلا بين يديه، فما زال يبكي وينتحب حتى كاد بدموعه ينتقب، ثم رجع إلى منزله فاحتضر، وجاءه من الموت أمر قد قدر، وجعل يقول: ذهبت الحيلة، ليست حيلة، إلى أن مات لثمان عشرة مضت من ربيع الأول سنة سبع وعشرين ومائتين بسامراء، ومدته ثمان سنين وثمانية أشهر ويومان، ومولده سنة سبع وتسعين ومائة، ولما مات صنع للواثق لحنا وغنى به فيه وهو:
[الوافر]
أبت دار الأحبّة أن تبينا … أجدك ما رأيت بها معينا
تقطّع حسرة من حبّ ليلى … نفوس ما أثبن وما جزينا
ثم:
٦٣ - دولة الواثق بالله
أبي جعفر هارون (١) بن محمد المعتصم، ولما ولي استمر بعوائد أبيه وعمه
стр. 7634
المأمون، ولاب على موارد المحنة، ولاث مفارق من خالفه بعصائبه المهينة، واشتد في التحرج بهذا المذهب، والتولج في ظلمة هذا الغيهب، وكان كريما جوادا وله اعتلاء في الأدب واعتناء به، ينسل إليه أهله من كل حدب، وكان له صنعة في الموسيقى، وروي له فيها أعمال تحرك الصخور، وتحرض سامعها على اغتنام أيام السرور، وكان مع هذا مهيبا موقرا في الصدور، موقى بمهابة أمنع من النسور، وكانت له على الأتراك حرمة خطرت على خواطرهم الخطرات، وقصرت لواحظهم تحت سجف العبرات، وكان إذ اذكر لهم تريع بهم أوهامهم وترتعد [ص ١٤٦] مفاصلهم فما تقلهم أقدامهم.
وحكى ابن أبي داود (١) عنه كلاما معناه: حضرته وهو قاعد يتنفش، وبيد بعض الغلمان مرآة كأنها درهم في كف مرتعش والغلام يتجلل فرقا، ويتكلل جبينه عرقا، كأنه في عقابيل حمّى، أو في وبيل حمّى سقي به سما، قد نكس إلى الأرض كأنه راعف، أو كأنه ينظر موضع مصرعه وهو واقف، وحكي أنه مات وأكلت السنور عينه، وغلمانه صفوف وقوف على بعد منه، فما منهم من تجاسر أن يتقدم إليه ويكشف خبره، ولا يرفع إليه طرفه ويتحقق نظره.
وعن أبي مالك جرير بن أحمد بن أبي دواد قال: قال الواثق يوما لأبي تضجرا بكثرة حوائجه، يا أحمد، قد اختلت بيوت الأموال بطلباتك للائذين بك، والمتوسلين إليك، فقال: يا أمير المؤمنين، نتائج شكرها متصلة بك، وذخائر أجرها مكتوبة لك، وما لي من ذلك إلا عشق إيصال الألسن بحلو المدح فيك، قال: يا أبا عبد الله، والله لا يمنعك ما يزيد في عشقك، ويقوي من
стр. 7635
همتك فينا ولنا، ثم لم يتضجر بعدها بحاجة يعرضها عليه.
وحكي أنه لما ثقل في علته التي مات فيها خيّل إلى الأتراك وقد أغمي عليه أنه قضى، فدنا منه تركي يقال له إيتاخ ليعلم هل مات أم لا، فلما دنا منه فتح عينيه ونظر إلى إيتاخ فرجع القهقرى، فانتشب طرف سيفه بالباب فاندق وسقط إيتاخ على قفاه لما نظره هيبة له، ورعبا لما داخله من النظر إليه، ثم لم يمر على الواثق إلا ساعة حتى مات، فأخذ وجعل في بيت، فما أقام إلا يسيرا فوجد وقد أخرجت الفارة عينه، فسبحان القادر الفعال لما يريد، لا إله إلا هو، ثم كان بموته قوة شوكة الأتراك.
ثم:
٦٤ - دولة المتوكّل على اللّه
أبي الفضل جعفر (١) بن محمد المعتصم، بدأ أمره بكشف المحنة، ودحا مجاري سبيلها، ومحا آية ليلها، وأطلق من ضاقت بهم السجون من المصرّين على إنكارها، والمصرحين [ص ١٤٧] بسوء آثارها، ونزه القرآن الكريم، وقال:
إنه منزل غير مخلوق، وصفة من صفات الله القديمة سابقا، غير مسبوق، فأيد
стр. 7636
الحق ونصره، وسدد إليه رأيه وبصره، إلا أنه كان مزورا عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، ويرمى ببغضه، ويغري من لا خلاق له بحط مقداره وغضه، حتى قيل إنه كان يأمر مخنثا كان عنده اسمه عبادة، أن يصنع له بطنا تشبها بعلي ﵁، ثم يأمره بأن يرقص ويغني له بما ننزه كتابنا عن ظلمه، وندع قائله وما باء بإثمه، وكان يتمضمض بذكره بكذب يضعه، واختلاق يرفعه الله به، كلما أراد أنه يضعه، حتى قيل إن ابنه المنتصر كان يحرج قلبه هذا الاستهتار، ويقدح عنده نارا طار منها ذلك الشرار، وأنه دخل عليه يوما وذلك الممسخر قد تلبس بهذه الحال، ونمق وقته بزخرف ذلك المحال، والمتوكل قد استغرب ضحكا، واستعذب بذوقه السقيم ما يحكى فنهى الممسخر وزجره، ثم تقدم إلى أبيه ولامه وما عذره، وقال له: يا أمير المؤمنين، إنما هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ولو لم يكن له ما له من الفضل لكان ابن عمك، وإنما تأكل قطعة من لحمك، ثم وعظه ونهاه ونصحه، لو قبل نصحه، أو وعاه فما صبر إلا ريثما ولى، ثم أمر ذلك الممسخر الطرف الوضيع الساقط، أن يغني ويقول:
[مجزوء الكامل]
غضب الحبيب لابن عمّه … رأس الفتى في كس أمه
قد قال تأكل لحمه … فأجبته يا طيب لحمه
وأمره أيضا أن يغني ويقول:
غار الفتى لابن عمه … رأس الفتى في حرّ أمه
فلما قتل المتوكل والفتح بن خاقان، قتل معهما ذلك الساقط الحقير، وعجل بروحه إلى النار وبئس المصير، وكان المتوكل مغرى بالبناء، وأنفق [ص ١٤٨] فيه خزائن آبائه، وأسرع فيه دبيب الفناء، فبنى من المنازل قصورا تتضاءل لها المنازل قصورا، ولما أزال المحنة جمع الناس على مذهب مالك بن أنس ﵀، وإنما
стр. 7637
كان في الانحراف عن علي كرم الله وجهه في الغاية التي ما بعدها، وأمر بهدم قبر السيد الحسين بن علي ﵉، وخراب ما حوله من المساكن، وأن تحرث وتزرع، فعمل فيه الناس أشعارا، من أحسن قول بعضهم:
[الكامل]
تالله إن كانت أمية قد جنت … قتل ابن بنت نبيها مظلوما
فلقد رماه بنو أبيه بمثلها … أضحى حسين قبره مهدوما
أسفوا على ألا يكونوا شاركوا … في قتله فتتبعوه رميما
ولد في ( ............ ) (١) وقتل ليلة الأربعاء لأربع خلون من شوال سنة سبع وأربعين ومائتين بالسيوف في مجلس الشراب، باتفاق مع ابنه المنتصر وبغا التركي.
ثم:
٦٥ - دولة المنتصر بالله
أبي جعفر محمد (٢) بن جعفر المتوكل، انتصر لابن عم نبيه، وانتصب له انتصاب حمي الأنف أبيّه، وانتصف لذي قرابته من أبيه، وأرتعه في وبيل
стр. 7638
المرعى وبيّه (١)، وانتضى له سر العهد والعمد، وطوقه بجنيه، وأوطى عليه صوارم الأتراك، ووالى إليه عزائم الإدراك، حتى قتل تلك القتلة، وبرد غيظه، وشفى الغلة، لهذا منّي بالهلك بعده، وما هنّئ بالملك ولا طالت له مدة، فكانت قضيته شبيهة بقضية شيرويه (٢)، كلاهما قتل أباه، فما قبل الملك بملكه وأباه، فما سعى إلى السرير السرير حتى قصرت خطوة أجله، وقصرت سطوة المنايا على عجله، فحقرت كتب التهاني بالتعازي، ووسمت سمة فعله بالمحاسن والمخازي، فمن حمله على أنه غار لله لابن عم رسوله شكره، ومن حمله على أنه غال أباه للملك لم يكفر له ذنوبه المعذرة، ومن يوم مدت الأيدي بالمبايعة إليه قال الناس: هذا لا تزيد أيامه على مدة [ص ١٤٩] شيرويه، وكان من غريب الاتفاق أنه بسط في ذلك اليوم بساط، جاءت قدام مقعد المنتصر صورة مصورة، وحولها أسطر مسطرة، فأحضر من قرأ له ذلك الخط وعرّبه، فوجد مضمون أحرفه المكتتبة، هذه صورة شيرويه قتل أباه، فما دامت أيامه، ولا هنّئ بالملك بعده، فتطير المنتصر من ذلك، وتقرر عنده أنه هالك، فلما هلك، عجب الناس من ذلك الوفاق، حتى ظن بعضهم أن هذا وقع بالقصد لا بالاتفاق.
وحكى أحمد بن الخصيب، خرج يوما مسرورا، فقال: إن أمير المؤمنين رأى كأنه صعد درجة، حتى انتهى إلى خمس وعشرين مرقاة، ثم قيل له قف، هذا آخر عمرك، فتأولها ابن الخصيب الخلافة، وإنما كانت جميع عمره، فعاش بعد
стр. 7639
ذلك أياما ومات، وحسب عمره فكان قد أكمل خمسا وعشرين سنة حصل له ورم حار فيه البتة من نزلة حادثة، فمات بعد ثلاثة أيام، وذلك يوم الجمعة لخمس خلون من ربيع الأول سنة ثمان وأربعين ومائتين، وكانت خلافته ستة أشهر ويومين، وعمره خمسا وعشرين سنة ونصفا، وكان أعين أقنى قصيرا مهيبا، عظيم الجثة من حدوثها، وقيل، وهو الأكثر، إنه وجد حرارة ففصد بمبضع مسموم، فمات، ومن العجب أن الطبيب الذي فصده احتاج إلى الفصد، فأمر تلميذه بفصده، فأخرج له مباضع، وفيها ذلك المبضع المسموم، وقد نسيه، ففصده به فمات، وقيل: بل أصابته علة في رأسه فقطر الطبيب ابن طيفور في أذنه دهنا، فورم رأسه ومات، وقيل: غير هذا، وكان ينشد لما اشتدت به العلة:
[الطويل]
فما فرحت بدنيا أخذتها … ولكن إلى الرب الكريم أصير
وما كان ما قدمته رأي فلتة … ولكن بفتياها أشار مشير
ويروى أنه قال لابنه لما أحس بالموت: عالجت فعولجت.
ثم:
٦٦ - دولة المستعين بالله
أبي العباس أحمد (١) بن محمد المعتصم [ص ١٥٠] ولي بالمشاورة، وبلي
стр. 7640
بالمساورة، وغالبه المعتز حتى غلبه، وناصبه حتى ابتز منه الملك وسلبه، وكان ألثغ اللسان لا ينعش الألفاظ من عثراتها، ولا ينعم النظر في تجنب معراتها، وكان يجعل الشين ثاء، وزبد كلامه الغث كله زبدا غثاء، وكان من سفلة الخلفاء، لا يصعد به جده هاشم، ولا جده الذي هو لمعاطس الأعداء مرغم ولوجوههم هاشم، لا يطاوعه على الحزم الرأي الرائن (١) والعزم الخائب الحائن (٢)، وكان أردى في هذا من الأمين حالا، وأكدى محالا، واستوزر وزيرا ناسبه في هذه الأحوال، وحاسبه على فعله حالا فحال، حتى انحل سياج دولته، وانفل جيش صولته، وآل أمر المستعين إلى ما آل، ومال إلى سوء رأيه في سوء مآل، وكان مع هذا غير مقبول الصورة، ولا مأمول السورة، إلا أنه لم يخل من مجالس أنس، وندمان ونفس تبادر ببذل المال صرف الزمان، فكان يهب البدر (٣)، ويعد بأمثالها إذا قدر، وكان لا يمل ود الصديق، ولا يميل إلى من وشى به إصغاء التصديق، فكان فيه مما يحمد هاتان الخلتان، والحسنتان الحسنتان، وكان ينظم الشعر، إلا أنه من سقط المتاع، ويجيء به بلا كلفة، إلا أنه مما تجود به الطبيعة، وكان قد بويع بالخلافة يوم الاثنين لست خلون من ربيع
стр. 7641
الآخر سنة ثمان وأربعين ومائتين، ثم بايع الأتراك أخاه المعتز، فأرسل المعز أخاه الموفق، فنزل بغداد وحاصرها، فلم يزل أمر المستعين يضعف، وأمر المعتز يقوى، فبعث إلى المعتز.
يسأله أن يعطيه خمسين ألف دينار، ويقيم حيث شاء، وعلى أن يكون بغا ووصيف اللذين كانا صنيعة له أحدهما على الحجاز وما والاه، والآخر على الجبل وما والاه، ثم خلع سنة اثنتين وخمسين، وأراد أن ينزل البصرة، فقيل: إنها حارة، فقال: أتراها أحر من فقد الخلافة، ثم اختار نزول واسط، فلما صار بقرب سر من رأى، تلقاه سعيد الحاجب، فباتا بها، فأصبح المستعين ميتا [ص ١٥١] ولا أثر به، وقيل غير هذا، فقال جنيد الكاتب المعروف بباذنجانة:
[الكامل]
إيها بني العباس إنّ سبيلكم … في قتل أعبدكم سبيل ممنع
رقّعتم دنياكم فتمزقت … بكم الحياة تمزقا لا ترقع
ثم:
٦٧ - دولة المعتزّ بالله
أبي عبد الله الزبير (١) بن جعفر المتوكل، وقد أشرنا في ذكر المستعين إلى أن
стр. 7642
المعتز ناصبه حتى ابتز منه الملك، واهتز له اهتزاز سيف لا يعوقه المسك، ناصبه على الأمر حتى قوم أوده، ونصبه وقدم مدده إليه ونصبه، وجهز إليه أخاه الموفق فكسر، ثم أجهز عليه فنصر بعد حروب أفنيا فيها الأعمار، وبنيا فيها صروحا تسلق عليهما منها الأغمار، لكثرة ما طاح بينهما من جائل مهج، وطاف من حائل رهج، وطيّب المعتز سقام الملك، وشفى وصبه، وكفى عصبه، فاستعاد سلطانه ممن غصبه، واستقاد شيطانه المريد ورجمه بشهب نباله وحصبه، ورجمه فأنفاه، ثم بدا له فشفى غليله، وإن كان قد قطع عصبه، وكان المعتز أحسن خليفة رئي كأن البدر طالع من طوق قبائه، والظبي راتع حول خبائه، برز يوما في ثوب أخضر مذهب، فأشبه غصنا وريقا تلص إليه الأصيل، ولم يذهب، وكان يتعشق يونس بن بغا، وكان مثله في حسنه وحسناه، ونظيره في سنه وسناه، حتى كان يقال إنه ما رأى أحد مثلهما عاشقا ومعشوقا، توافقا جمالا وتناسقا كمالا، وتقارضا شغفا وتقاربا كلفا، فكانا غصنين سمقا، وبدرين اتسقا، وكلف المعتز به حتى كان لا يقدر يصبر عنه لحظة، ولا يضيع مع غيره لفظة، واشتغل به عن كل ما سواه، وجد به وجدا قل من قاربه فيه أو ساواه، وغاب عنه ساعة يرى فيها أمه وهي تموت، فقال: [مجزوء المتقارب]
تغيب فلا أفرح … فليتك لا تبرح [ص ١٥٢]
وإن جئت عذبتني … بأنك لا تسمح
فأصبحت ما بين ذين … ولي كبد تجرح
على ذلك يا سيدي … دنوك لي أصلح
وقد قيل إن اسمه الزبير، وكان يوصف بالحزم والعزم على صغر سنه، فلما
стр. 7643
ولي الخلافة صغيرا استقل بأعبائها، وكان قد بويع بعده لأخويه المؤيد ثم الموفق، ثم اجتمع الأتراك عليه وطالبوه أن يخلع نفسه، ولم يزالوا يضربونه (١) حتى أجاب إلى الخلع، وكتبوا بذلك كتابا على نفسه، ثم أدخلوه على المهتدي، فقال له أخلعت نفسك، قال: بل خلعت، فوجئ في قفاه حتى سقط، ثم أقيم فقال: خلعت نفسي وسلمت ورضيت، ثم أخرج في الحر حافيا، فطلب نعلا فلم يعطاه، فأرخى سراويله ومشى عليه، ثم عذب بأنواع العذاب، وأدخل حماما وهو عطشان، ثم أخرجوه فطلب ماء فجئ بماء مثلوج فشربه فمات، وذلك يوم الأربعاء لثلاث بقين من رجب سنة خمس وخمسين ومائتين، ومدة خلافته أربع سنين وسبعة أشهر، وكان عمره أربعا وعشرين سنة، وكان أبيض اللون أسود الشعر جميل الصورة.
ثم:
٦٨ - دولة المهتدي بالله
أبي عبد الله محمد (٢) بن هارون الواثق، وكان كلقبه مهتديا، وبالسلف الصالح مقتديا، وللعفاف تابعا، وبالكفاف قانعا، نحا منحى عمر بن عبد
стр. 7644
العزيز، وسلك مسلكه الحريز، فما تكثر من الدنيا ولا تكبر بالعليا، وأقبلت عليه الأيام فما اغتر بخداعها، ولا اعتز بمتاعها، ولا أصباه بديع رونقها، ولا سباه صنيع تأنقها، وأخرج ما اكتنز الخلفاء من آنية الذهب والفضة وضربها نقودا، وفرقها حقوقا لا جودا، وأمر بالعدل، ورجع إليه قضاياه، وطبع عليه سجاياه، فلم يوافق صلاحه زمانه الفاسد، ولا نفّق إصلاحه سوقه الكاسد [ص ١٥٣]، ولم يكن من أرباب الدولة إلا منهمك في فساد، ومنسلك في سلك لا يطمئن به الوساد، فكرهوا أيامه، وودوا لو انقضت وأنها لا تكون قد أقبلت حتى مضت، فعابوه بما فعل مما يمدح، وقالوا إنه لا يستصلح، وقد حكى عنه بعض العلماء قال:
حضرت المهتدي يوما من رمضان بعد العصر، وطال مجلسي عنده، فلما أردت القيام قال: قد حانت المغرب وآن فطور الصيام، فهل لك في أن تفطر عندي الليلة، فما وسعني إلا أن أجبت قوله، فلما أذّن المؤذن أجابه، ثم دعا بكوز ماء فشرب منه وسقاني، ثم قمنا إلى الصلاة فأديناها وأعقبناها بركعتي السنة، وذيلناها، ثم قال: يا جارية العشاء، فجاءت بسكرجتين (١) في إحداهما جريش ملح، وفي الأخرى زيت وخل، ومعهما رغيفان، فتقدم وقال: كل ثم قال:
باسم الله، ثم أكل وأكلت، وأنا أظنه شيئا قدمه قبل طعامه، فرفعت يدي، فقال لي: ألست كنت صائما، فقلت: نعم، فقال: أولست تصبح غدا صائما، فقلت: بلى، قال: فما هذا الأكل، فقلت: يا أمير المؤمنين، أوهذا هو طعامك، فقال: نعم، فإن الحلال المحض لا يحتمل أكثر من هذا، فدعوت له وأكلت، ثم انصرفت، وقد استحوذ على قلبي استحواذا، ثم أذنت العشاء الآخرة، فقمنا إلى الصلاة، فصلينا المكتوبة، وما معها، ثم قمنا بالتراويح، فكملناها أجمعها، ثم أخذت مضجعي، ثم بقيت أنتبه الفينة بعد الفينة،
стр. 7645
فأجده قائما في مكانه يصلي، فوالله ما زال هكذا حتى أصبح.
قال عبد الله بن إبراهيم الإسكافي: حبس المهتدي للمظالم، فاستعداه رجل على ابن له، فأمر بإحضاره، فأحضر، وأقامه إلى جانب خصمه ليحكم بينهما، فقال الرجل للمهتدي: والله ما أنت إلا كما قال القائل: [السريع]
حكمتموه فقضى بينكم … أبلج مثل القمر الزاهر
لا يقبل الرشوة في حكمه … ولا يبالي عنت الخاسر [ص ١٥٤]
فقال له المهتدي: أما أنت أيها الرجل، فأحسن الله مقالتك، وأما أنا فما جلست حتى قرأت: ﴿وَنَضَعُ اَلْمَوازِينَ اَلْقِسْطَ لِيَوْمِ اَلْقِيامَةِ﴾ (١)، قال: فما رأيت باكيا أكثر من ذلك اليوم، وكان يقول: ألا يستحي بنو العباس أن [لا] يكون فيهم مثل عمر بن عبد العزيز، ولما ولي اطرح الملاهي وحرّم الغناء والشراب، ومنع أصحاب السلطان عن الظلم، ﵀.
ثم:
٦٩ - دولة المعتمد على اللّه
أبي العباس أحمد (٢) بن جعفر المتوكل، وكان أخوه
стр. 7646
الموفق (١) أبو أحمد طلحة بن المتوكل الملقب بالناصر قائما بأمر الدولة كلها، قائلا في برد ظلها، والمعتمد ليس له من الأمر شئ، كأنه ميت وهو حي قد وطئه الموفق على أم رأسه، وغلب على ملكه وناسه، وغل يده على ما أشغلها به نكل [في الأصل الكلمة غير معجمة ولعلها النكل بمعنى القيد] جواريه وكاسه، وكان هم الموفق جيوشا يجهزها، وممالك يحرزها، وأمور لا يكنزها، وأعمالا ملوكية يرقم بها السير ويطرزها، وهم المعتمد تنميق بناء وتأنيق غناء، وارتياد روضة غناء، واعتقاد كأس مدام وجارية حسناء، ثم ندم المعتمد حيث لا ينفعه الندم، وعلم أن وجوده كالعدم، فبقي يتنفس تنفس المصدور، ويتأوه تأوه المحرور، ويهم بأمر الحزم لو يستطيعه، ويحاول حالا ولا يجد من يطيعه، وكتب سرا إلى ابن طولون وإلى صاحب أفريقية يشكو إليهما حاله مع أخيه، ثم مع ابن أخيه، ويصف لهم سوء حاله وما هو فيه، فهموا بما حالت بينهم وبينه عوارض القدر وشقة البعد، وكان الموفق لا يفك عنه وثاق حجره، ولا يرفع يد قهره، وذكر ابن الأثير عنه، أنه احتاج إلى ثلاث مائة دينار فلم يجدها، فقال: (٢)
[الوافر]
أليس من العجائب أن مثلي … يرى ما قل ممتنعا عليه
стр. 7647
ويوكل باسمه الدنيا جميعا … وما من ذاك شئ في يديه [ص ١٥٥]
إليه تحمل الأموال طرا … ويمنع بعض ما يجنى إليه
قال: وكان آخر من سكن من الخلفاء بسر من رأى، ثم لم يسكنها بعده أحد منهم.
قلت: دام على ما به مدة أيام أخيه الموفق، ثم مات الموفق، وقام ابنه المعتضد، فكان أشد شجى في حلق المعتمد، وما مضت سنة حتى سمّه وكفاهم همّ الدنيا، واكتفى همّه، يقال: إن المعتضد سمّه، وقيل بل أفرغ في حلقه رصاصا مذابا، وقيل: لا، بل ملأ له حفرة من ريش، ورماه فيها، فمات غما.
ثم:
٧٠ - دولة المعتضد بالله
أبي العباس أحمد (١) بن الموفق أبي أحمد طلحة بن المتوكل، كان أبوه في
стр. 7648
خلافة المعتمد قد اعتقله لما خافه واعتمده حذرا أن يسابقه إلى الخلافة، وذلك لسعي إسماعيل بن بلبل الوزير بينهما بالنمائم، ووعى قلب الموفق عليه بالسمائم (١)، وما شعر أن أمامه منصب الإمامة، وإن الخلافة لا ينبغي خلافه، وأن الملك معصم لا ينزل منه بغير سوار، ومعقل لاعلى منه بلا أسوار، فلبث في الاعتقال مضيقا عليه، في مكان أقصر من طول العقال، وبيض له المعتقل ليبهر نظره البياض، ويخطف بصره بالإيماض، حتى تحيل له مشرف العماير، فلبس سراويل أخضر (٢)، ودخل المعتقل على أنه يتفقد العمارة، فتفقدها، ثم دخل الطهارة فنزع ذلك السراويل وخرج، فلما وجده المعتضد سر به وابتهج، فكان يدعه على عينيه، ويعده بينه وبين الحائط، وينظر إليه، فوجد بحوة (٣) لونه حفا لصحوة عينيه، ولم يكن عنده إلا فرد غلام لا يغني في رد كلام، وكان المعتضد يشغل وقته بمصحف يقرأ منه القرآن العظيم، ودعاء يقرع به باب السميع الكريم، ودخل عليه الوزير ابن بلبل يوما، والمعتضد يقرأ، فوضع إلى جانبه المصحف، وأخذ بأنه يخضع للوزير [ص ١٥٦] ويتلطف، وكان يدخل عليه ليجد ما ينم به، وينمي أحاديث كذبه، وكان الموفق قد خرج إلى الجبل فزاد خوف المعتضد من غرّة فيه تهتبل، وكان يتخوف دخوله عليه على غفلة، ويشفق لا يكاتب أباه عنه بكذب يعجل نقله، ويجعل نظره إليه نسله، ويخلي به مثله مثلة، فيأمر بقتله ولا يكشفه، ولا يجد من يثنيه عنه ولا يصرفه، قال المعتضد ما معناه: وكان ابن بلبل يجيئني في كل يوم مراعيا خبري، وساعيا في قص أثري، ويظهر أنه يتردد إليّ خدمة يؤديها، وإنما يردد نقمة يردّيها، فلما دخل عليّ ذلك اليوم قال: إيها، أعطني المصحف لأتفاءل لك إن كنت تبلغ مؤملك،
стр. 7649
فلم أجبه بشئ، ولم أجبه بموافقة ولا لي، فأخذ المصحف وفتحه فكان أول سطر تصفحه: ﴿عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي اَلْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ (١) فاسودّ وجهه واربد حتى كان كالليل أو شبهه، ثم أطبق المصحف وفتحه ثانيا، فخرج منه باديا: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى اَلَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا فِي اَلْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ اَلْوارِثِينَ﴾ (٢)، فازداد قلقا واضطرابا واضطر أن يفتح بابا، ثم فتح المصحف ثالثا فوجد عاجلا لا نائيا: ﴿وَعَدَ اَللّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا اَلصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي اَلْأَرْضِ كَمَا اِسْتَخْلَفَ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ اَلَّذِي اِرْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً﴾ (٣)، فوضع المصحف والخوف قد جلله، وألحف ثم قال: أيها الأمير، أنت والله الخليفة بلا شك، فما حق بشارتي وحال قبولك لإشارتي، فقلت: الله الله في دمي، وما عليك ألا تكون السبب في عدمي وأسأل الله أن يبقي أمير المؤمنين، والأمير الناصر الموفق، وما أنا وهذا، ولم أزل به أوثق وأقول: مثلك في عقلك لا يطيق القول بمثل هذا الاتفاق، وأنا أحوج منك إلى غير هذا من الارتفاق فأمسك عني، وقد كان يأخذني منى، ثم ما زال يحادثني ويخرجني من حديث ويدخلني في آخر إلى أن جرى حديث ما بيني وبين أبي، وأنه ربما كان يؤاخذه بسببي، ثم أقبل يحلف بالأيمان الغليظة [ص ١٥٧] أنه ما سعى عليّ بمكروه، وأنه ممن لم يحرجوا صدره عليّ، ولم يغروه، فصدقته خوفا أن تزيد وحشته مني فيسرع إلى التدبير في تلفي، وأريته من الود ما لم يكن له في، ثم صار كلما جاء أخذ معي الاعتذار والتنصل، كأنما أبلغه مني الإنذار، وإنما أظهر له التصديق وأبسط معه مباسطة الصديق حتى سكن قلق راحته، وما
стр. 7650
شك أني أعتقد براءة ساحته، وما كان بأسرع من أن جاء الموفق من الجبل وقد اشتدت به علته، ومات، وأخرجني الغلمان من الحبس وأروني مكانه، وأورثوني سلطانه، وقاد الله الخلافة إليّ، ومكنني من ابن بلبل، فأخذت ثأري بيدي، وكان المعتضد ملكا مهيبا، إذا اغتاظ توقد لهيبا، وبويع بالخلافة وقد تمزقت كل ممزق، وتوزع ملكها وتفرق، وقد صار كل طرف بيد ثائر، وكل إقليم تحقق عليه نبذ كل ملك جائر، واضمحلت الحرمة كأنها لم تكن، وصعبت الأمة كأنها لم تهن، فقام حتى جمع شلوها المبدد، ومنع أديمها المقدد، وكان في الغنية مثل موافقه في الكنية أبي العباس السفاح في تعريض وجهه للكفاح، وكل منهما أقام دولة أبي العباس، وأقاد لها أنف كل ذي باس، وكلاهما كانت خلافته للخلافة العباسية بانية، ذاك أوله وهذا ثانيه، وكانت له على الأتراك وأرباب دولته سطوة تخاف بها أبصارهم أن تختطف، وأعمارهم أن تقتطف، حذرا من ضيغمة المفترش المفترس، وأرقمة المنتهش المنتهس، وعقابه الخطوف الكاسرة، وعقابه الممثل بعذاب الآخرة، فإنه كان أليم العذاب، عقيم العقاب، وكان يدلي عليهم الحرس، ويذكر لهم من أمورهم وبيوتهم ما يلجمهم بالخرس، وما عرف أحد بعد المعتصم أخف منه إلى العدو ركابا، ولا أمد على بلد انسكابا، ولا يحط له سرج، ولا يحل له عن موكب طوق ورهج، وقد حكى ابن ظافر في سياسة الملوك أنه كان لا يبرز إلا مخفا، ولا [ص ١٥٨] يستصحب ثقلا ولا خفا، وقرر النوروز (١)، وأقر عليه رزق الجند المفروز، وتبعه عليه من بعده من الخلفاء ووفوه حسابه، وما قدروا على الوفاء، وكان غاية في الحزم والعزم، حكى شارح العبدونية قال: لم تزل الأتراك مذ مات الواثق يتحكمون عليهم في
стр. 7651
خلافتهم، يعني تحكم الرجال على صبيانهم، حتى كان أيام المعتضد فغلبهم الغلبة التي يجب أن تكون لمثله على مثلهم وأذلهم وردهم إلى مراتبهم من العبودية، وكان المعتضد مهيبا لا يقدم أحد على أمر من أموره إلا مغرورا، وكان يسمى السفاح الثاني، لأنه جدد ملك بني العباس ووطده بعد أن كانت أخلقته الأتراك، وفي ذلك يقول ابن الرومي: (١)
[الطويل]
هنيئا بني العباس إن إمامكم … إمام الهدى والجود في ذاك يشهد
كما بأبي العباس أسس ملكهم … كذا بأبي العباس أيضا يجدد
ولقد اتفق في أيامه أمر فظيع (٢) كشفه الله له فعظم في نفوس أتباعه، فإنه كان لا يتجرأ أحد منهم أن يكتمه ما في نفسه مخافة صولته، وكان أحد كبراء دولته قد بنى بناء عاليا مشرفا على منازل جيرانه، فلم يقدر أحد يعارضه، فأشرف منه فرأى جارية بارعة الجمال، فسأل عنها، فقيل: ابنة تاجر، فخطبها إلى أبيها، فأبى أن يزوجها من تاجر مثله، فلم يزل يغريه (٣) ويأبى، فزوّر كتاب تزويج بشهادة عشرة من المعدلين، ثم أخذها بظاهر الشرع، فتحيّل أبوها حتى دخل في زي فعلة البناء في قصر كان المعتضد قد شرع فيه، فأتاه يوما يشرف عليه، فوقف له وذكر له حاله، فأرسل في طلب الزوج والشهود، وسألهم كيف كان الحال، فما استطاع أحد منهم أن ينكره، فوضع ذلك الزوج في جلد ثور طري، وضرب بالأرازب (٤) حتى اختلط لحمه ودمه، ثم أمر به فأفرغ بين يدي
стр. 7652
نمور عنده، ثم [أمر] بالشهود فصلبوا، وأمر لذلك الرجل بالبيت وبجميع ما تركه زوجها [ص ١٥٩] من صامت وناطق، وكان بما لا يحصر.
وحكى ابن ظفر: أن قطر الندى (١) بنت خمارويه بن أحمد بن طولون، لما زفت إلى المعتضد أغرم بها، فوضع رأسه في حجرها يوما فنام، فأزالته عن فخذها بلطف، ووسدته وخرجت من البيت، فاستيقظ المعتضد فذعر وناداها فأجابته من قرب، فقال لها: أسلمت إليك نفسي فذهبت عني، فقالت: لم أذهب عن أمير المؤمنين، ولم أزل كالئة له، قال: فما أخرجك؟ قالت: إن مما أدبني به أبي أن لا أجلس مع النيام، ولا أنام مع الجالسين، فاستحسن ذلك منها.
وحكى صافي الحرمي: أنه لما مات المعتضد كفنه في ثوبين قوهي (٢) قيمتها ستة عشر قيراطا وولد، ولما حضرته الوفاة قال، وأراه له:
[الطويل]
تمتّع من الدنيا فإنّك لا تبقى … وخذ صفوها ما إن صفت ودع الرّنقا
ولا تأمننّ الدهر إني أمنته … فلم تبق لي حالا ولم ترع لي حقّا
قتلت صناديد الرجال فلم أدع … عدوّا ولم أمهل على ظنّة خلقا
فلما بلغت النجم عزّا ورفعة … وصارت رقاب الخلق أجمع لي رقّا
رماني الردى سهما فأخمد جمرتي … فها أنا ذي في حفرتي عاجلا ألقى (٣)
стр. 7653
فياليت شعري بعد موتي ما أرى … إلى نعمة لله أم ناره ألقى
ثم:
٧١ - دولة المكتفي بالله
أبي محمد علي (١) بن أحمد المعتضد، وكانت له مما أبقى أبوه جيوش تضيق بها جيوب العراق، وتضيع بها هبوب النسيم في الآفاق، خلا أنه كان عقير عقار، وسمير دفوف وأوتار، وأليف ندمان، وحليف إدمان، لا يخلع عنه ثوب عناق، ولا يخدع عن النفاق ساق بساق، لم يؤخذ الملاح من مقلتيه ولا كؤوس الراح من شفتيه، دأبه في هوى، وآدابه في جوى، لا يقصر عن حبّ أغيد وغيداء، وأجيد وجيداء، فلهذا ما عسكر إلى الأعداء رأيا ولا راية [ص ١٦٠]، ولا أثر جنانا ولا جناية، على كثرة الفتوق في جيب ملكه، والانفراط في جيب سلكه، فتسلطت القرامطة، وتبسطت في البلاد بلا رابطة، وصرخت تلك الدعوة في أذان الأنام، وزادت في أذان الإسلام، ثم فعلت تلك الفعلة في الحجر الأسود، وابتزت خاله من وجنة البيت الحرام، مع أنه قاتل القرامطة مرتين، وكرّ عليهم جيشه الحويل كرتين، وعاد بالنصر في كل مرة، لكنه لم يجتثهم، ولا قطع نسلهم وحرثهم.
стр. 7654
ثم:
٧٢ - دولة المقتدر بالله
أبو الفضل جعفر (١) بن أحمد المعتضد، بويع صغيرا، وتوبع أمره وهو غرير (٢)، وكانت أمه هي التي تصدر الأمور، والقهرمانة أم موسى تدبر المعمور، وجلست في دار العدل، وقرئت عليها القصص، وأوقرت الصدور بالغصص، وكان الوزير إذا قيل له في شئ، قال: حتى أراجع السيدات، والتواقيع تخرج إليه عنهن، وأكثرها بالسيئات، فكانت أيامه دولة النساء، ودولة السفلة لا الرؤساء، فكان الناس كأنهم فوضى لا يعرف خليفة، تتبرض له ثمدا ولا حوضا، لا تجد إلا ضياعا، ولا تردّ يد تملكت أرضا ولا ضياعا، أعراض موهوبة، وأعراض منهوبة (٣)، وشكايا (٤) مرقوعة، وبلايا موضوعة، وخلائق تتظلم،
стр. 7655
وخلائف سلف كريم تتألم، وكان المقتدر عقله عقل أمثاله من الصغار لا ينتخي لملكه ولا يغار، مشغولا وراء حجبه، مشغوفا بلعبه، يتشبه في ملكه العقيم بالسوقة، ويتخذ له من جوارية معشوقة، ويقف تحت طاقتها يغمزها، ويترقب لها غفلات رقباء ينتهزها، وربما وقف اليوم الكامل وهي لا تجيبه، ورأى جارية فاختفى كأنه وافى إليه رقيبه، فمرة تصله، ومرة تهجره، وآونة تتعرف به، وآونة تنكره، وتارة تتعذر بزوجها، وتارة يتستر بأوجها، كل هذا شئ افتعله، وظنه لذة له ففعله، وكان ربما ركب حمارا وأردفها وراءه، ومر بسوق عمله في قصره، وأسكنه الجواري وأوطنه كواعب كالدراري، وجعل عندهن أنواع الطعام، ومنهن الخباز والطباخ واللحام [ص ١٦١] والخمار، وعنده الخمارة والمدام، فيقف على الحانوت ويشتري قدر ما يحتاجه من القوت، وكذلك ما يريد من الخمر، فإذا اكتفى حمل الكل في الخرج ومر، ثم ينطلق إلى مكان اتخذه في القصر شبيها بالقرية، ونزل به، وقضى معها يومه كله في أكله وشربه، ثم إما تجئ جارية على أنها عاشق لتلك الجارية الأخرى التي يتعشقها، يريد ما أراده منها، فيقوم يدرأ عنها، فتارة غلب، وتارة يغلب، وتارة تجئ جارية على أنها صاحب الشرطة، فيأخذهما ويذهب، ثم يأمر بالمقتدر بأن يطاف به في شوارع بغداد، فيطاف به في رحاب القصر، وينادى عليه: هذا جزاء من يتظاهر بالمحرمات، في مثل هذا العصر. وكان المقتدر منقطعا إلى أمثال هذا اللعب، ما اجتهد في سواه ولا رغب، ولهذا اختلت حاله مرات، وخلع ثم عاد كرات، لكنه مع هذا اللهو المفرط، واللعب وهو ما بلغه منبسط، ولا لحقه بعده منتهك، ولا سبقه إليه قبله سوقة ولا ملك، كان سعيدا محظوظا، شديدا أدرك من المرام حظوظا، وكان واسع النفقات، شائع الصدقات، ودانت له الآفاق شرقها وغربها، وبعدها وقربها، ولم يبق شئ مما كان في ملك الخلفاء الأول إلا مذعنا لأمره، ممعنا للتأهب لنصره، لا تحمي أطرافها إلا بعسكره، ولا تشمخ أسرّة ملوكها إلا بالخضوع
стр. 7656
لمنبره.
واتفق في أيامه عجائب وغرائب، منها أنه بعث له من مصر طرائف، منها تيس يحلب منه اللبن، وبعث إليه من عمان طائر صيني أسود يتكلم بالهندية والفارسية أفصح من الببغاء، وورد عليه البريد الدينور يذكر أن بغلة له وضعت فلوة، ونسخة الكتاب: «الحمد لله الموقظ بعبره قلوب الغافلين، والمرشد بآياته بصائر العارفين، الخالق ما يشاء بغير مثال، ذلك الباري المصور، له الأسماء الحسنى، ومما قضاه الله المصور في الأرحام ما يشاء، أن الموكل بخبر التطواف ذكر أن بغلة لرجل يعرف بأبي [ص ١٦٢] بردة، وضعت فلوة، ووصف اجتماع الناس لذلك وتعجبهم مما عاينوه، فوجهت من أحضرني الفلوة والبغلة، فوجدتها كميتا، ورأيت الفلوة سرية الخلق، تامة الأعضاء، منسدلة الذنب، يشبه ذنبها أذناب الذئاب، فسبحان الذي لا معقب لحكمه، وهو سريع الحساب» (١) قال شارح القصيدة العبدونية (٢): وقد حكي أنه اتفق مثل هذا سنة خمسين وخمس وأربع مائة بطليطلة (٣)، وكانت البغلة شهباء، كانت لإنسان سقّاء، وفلوها إلى الصفرة. قلت: وحكى لي صهرنا الصاحب شمس الدين محمد بن الشيرازي، أن مثل هذا اتفق في بعض بلاد حلب، وسمى لي المكان وأنسيته، قال: ورأيت ذلك بعيني، وأثبت به محضر على الحاكم، ومما اتفق في زمان المقتدر أنه وجد بمصر كنز قديم ومعه ضلع إنسان طوله أربعة عشر شبرا، وعرضه شبر.
стр. 7657
٧٣ - وأمّا خروج عبد اللّه بن المعتزّ عليه
وكان سببه (١) أنه لما ولي المقتدر، استصغر، فجاء محمد بن داود الوزير فأخرجه من داره إلى دار إبراهيم الماذرائي، ووجهوا إلى القاضي محمد بن يوسف، يوم السبت العشرين من ربيع الآخر سنة ست وتسعين ومائتين، وحضر جماعة العلماء والقواد، فخلعوا المقتدر وبايعوا ابن المعتز إلا بعضهم، ولقب بالمنتصف بالله، المنتصف بالله، فلما أذنت المغرب ضربت الدبادب (٢) له، وضربت من قصر المقتدر، واشتغل الوزير بكتب الكتب إلى النواحي، وكاد الأمر أن يتم لو أراده الله، فنقض العزائم وأبطل التدبير، لأن سوسن الحاجب كان قد عاقد ابن المعتز على أن يكون حاجبه ويمكنه من المقتدر، فبلغه في تلك الليلة أن ابن المعتز استخلص يمنا الكيفوني فجاء به، فانتقض سوسن عليه، وأحكم الأمر للمقتدر، فلما أصبح ابن المعتز خرج قاصدا قصر المقتدر، فلما بلغ الحسنى خرج عليه العبيد والرجالة فمنعوهم، وأعانهم العامة، فرجع ابن المعتز إلى داره، وعلم من أين أصيب، ثم أن المقتدر جهز جيشا غريبا في الخيل والرجال، فأحاطوا [ص ١٦٣] بدار ابن المعتز، ففر من كان فيها، وبقي ابن المعتز وحده، فتسلل هو ووزيره، وثبت الحسين بن حمدان (٣)، فقاتلهم إلى الظهر، فأصابه سهم، ففر إلى
стр. 7658
داره، وأخذ منها ما يريد، ثم خرج إلى سر من رأى، وأما ابن المعتز فإنه هرب، وأتى دار ابن الجصاص الجوهري، وكان ممن بايعه، فعرف خادم، فنمّ به، فأخذ وألقي في صهريج ثلج فمات به، وهو ذو الأدب الغض والتشبيه المصيب، ومن بدائعه قوله: (١)
[الطويل]
وجردت من أعمال كلّ مرهف إذا ما … انتضته الكفّ كاد يسيل
ترى فوق متنيه الفرند كأنما … تنفس فيه القين وهو صقيل
وقوله: (٢)
[البسيط]
ظبي مخلّى من الأحزان ودعني … ما يعلم اللهف من حزن ومن قلق
كأنه وكأنّ الكأس في يده … هلال أول شهر غاب في شفق
وقوله: (٣)
[المنسرح]
قد انقضت دولة الصيام وقد … بشّر سقم الهلال بالعيد
стр. 7659
يتلو الثريا كفاغر شره … يفتح فاه لأكل عنقود
وقوله: (١)
[المتقارب]
إذا ما طعنا بطون الدنا … ن سال دم الكرم منهنّ سورا
كأنّ خراطيمها في الزجاج … خراطيم نحل ينقّين نورا
وقوله: (٢)
[الطويل]
ولما تلاقينا وهزت رماحنا … وجرّد منها كلّ أبيض باتر
رأوا معشرا لا يبصر الموت غيرهم … فما برحوا إلا برجم الحوافر
ولما بويع ابن المعتز، دخل على أبي جعفر الطبري، فقال له: كيف تركت الناس؟ قال: بويع عبد الله بن المعتز، قال: فمن رشح للوزارة؟ فقال: محمد بن داود الجراح [ص ١٦٤]، قال: فمن ذكر للقضاء؟ قال: الحسن بن المثنى، فأطرق قليلا ثم قال: هذا أمر لا يتم ولا ينتظم، فقيل له: وكيف؟ قال: لأن كل واحد من هؤلاء متقدم في معناه على أبناء جنسه، والزمان مدبر، والدنيا مولية، وكان هذا على ما قال، ولم يكن في ابن المعتزما يعاب به سوى نقص حظه، وكمال أدبه.
وكان سبب قتل المقتدر بموضع يعرف بالتل، فجعل يوجه نحو باب الشماسية (٣) أن يأتيه جنده منها والناس في ذلك يتسللون نحو
стр. 7660
مؤنس (١)، وكان مؤنس قد جاء ليصرفه المقتدر في مهماته، غير أنه من كان يحسبه مؤنسا، أغروه به، وقالوا له: إنما جاء ليقتلك، ولكن غلب عليه عبيده، وكانوا قد غضوا بمؤنس، وقالوا له إما أن تخرج لقتاله، وإلا أخذناك وسلمناك إليه، فخرج وهو مكره، وقد كانت أمه تمنعه، فلما لم ير بدّا من الخروج ودع أمه، وتمثل بقول ابن الرومي: (٢)
[الكامل]
طامن حشاك فانّ دهرك موقع … بك ما تحبّ من الأمور وتكره
وإذا حذرت من الأمور مقدرا … فهربت منه فنحوه تتوجه
فلما خرج إليه جعل أصحابه يتسللون منه، حتى بقي وحده، فقصده عبد أسود، فضربه على عاتقه، فصاح: ما هذا ويلك، ثم تعاوده حتى قتله بالضرب، ثم أمسك مؤنس قاتله وقتله، إذ لم يكن غرض مؤنس قتله، وإنما غرضه أن يكون صاحب أمره، وإنما المقادير تنفذ أحبّ العبد أم كره. (٣)
ثم:
٧٤ - دولة القاهر بالله
أبي المنصور محمد (٤) بن أحمد المعتضد، كان [لا] يستقل لسانه من
стр. 7661
عوج، ولا زمانه من هوج، ولم يكن له يوم بويع ما يلبس، حتى ألبسه جعفر بن ورقاء (١) ثيابه، وقدمه للمبايعة، وتقدم، وطفق الناس في المتابعة، وكان أحط رتبة من إخوته [ص ١٦٥] وأرفع رتبة في نخوته، لولا طيش لا ترفع معه منار، وتهافت أوقع به من الفراش على النار، قدام مدة خلافته وأيامه سنون، وأحكامه جنون، وتصديقه ظنون، وتحقيقه منون، لا يقف مع تدبير سوس، ولا يتوقف في تدمير نفوس، وكان يتطاول إلى فعل آبائه بهمة خانها الرأى الثاقب، وعزمة أنها لا تفكر بالعواقب، فعاجل أقواما ما كان لو طاولهم، وأكمن لهم حتى استأصلهم، لكنه كان خائر العزيمة، خائف الفوات على أول ما يظفر به من الغنيمة، يورطه عظيم تهوره، وتسلطه على ما يريد سقيم تصوره، فأدى به تفريطه إلى أنه خلع وسمل، ثم الحق بسخط الراضي وشمل، ثم عطف عليه فتعرض لأمر اطّرح به وأهمل، وكان في داره ماله رزق يقيته، ولا رزء يميته، فقام يستعطي في المسجد الجامع، حتى أعطي ما لو أنه الحياة لما أمسكت بها الأرماق، أو الدمع لما بلّت به الآماق.
ثم:
стр. 7662
٧٥ - دولة الرّاضي بالله
أبي العباس محمد (١) بن جعفر المقتدر، وكان مطاعا صؤولا، قطاعا وصولا، وهو آخر من جمع من الخلفاء شعره في ديوان، وجلس لهم جلوسا عاما في إيوان، وقام خطيبا على المنبر، وفعل أفعال من برّ، وحاضر الندماء، وسامره منهم كواكب ثقلها الأرض لا السماء، وكان يتحرى عوائد سلفه في ترتيب الخلائف، وتبويب الوظائف، وكان عارفا بلغة العرب، عاكفا على ما لا حرج فيه من الأرب، مولعا بالأدب، ولوع القشيري (٢) بريّا، والمغيري (٣) بالثريا، وجميل بن معمر ببثينة، ومصعب بن الزبير بسكينة (٤) وله فيه تفنن ينسي به حبيب، وينسج نظرته ما ذكر عن عريب، مما لو يوصف بأكثر منه علي بن جريج، ولا صنف في أحسن منه إسماعيل بن سريج، وكان جوادا طلق اليمين، يهب الآلاف الذهب لا المئين، مع ما أوتي من خلق وصبى، وخلق رضى، وكان الراضي لا يرى بسخط أحد ساخطا [ص ١٦٦]، ولا لضغن بين
стр. 7663
جنبيه ضاغطا فلا يشوب له نعماء، ولا يزال الراضي راضيا بموهبة من أفاد المعاني لأسماء.
وحكي عن أبي الحسن العروضي مؤدب الراضي أنه قال: غدا عليّ الراضي يوما وفي يده درج، فوضعه، وأقبل على ما كنت وظفته له، فأسرع يحصله، ثم انحاز عني، وأخذ ذلك الدرج يتصفحه، فقلت له: ما درجك أيها الأمير، فقال: حكمة من حكم الفرس مما ترجم لأمير المؤمنين أبي جعفر المنصور، وانتسخته، فقلت: أسمعني ما فيه، فقرأ عليّ أنه لا يضر فساد الملك مع صلاح وزرائه، كما لا ينفع مع فساد وزرائه كبير نفع، وينبغي للملك أن يسوس وزراءه بثقة يكمن فيها احتراس لا يوجد معه حذر، وليس (١) تسوء به هيبته، وليحذر كل الحذر من اختصاص بعضهم دون بعض، وتفضيل بعضهم على بعض، فالوزراء للملك كالطبائع للجسم، صلاح الجسم باعتدال طبائعها وتساويها في القوة، كما أن عطبها في قوة بعضها على بعض. قال العروضي، فقلت: أيها الأمير إنك اليوم غير محتاج إلى هذا وشبهه، فقال: كلا إني إليه لمحتاج، وإن كان عندك علم منه فأفدناه، وإن لم يكن عندك فاستفده لكي تفدناه. قال: فعلمت بذلك سمو همته، وثقوب فطنته.
وحكي عن العروضي أنه قال: أمليت على الراضي في صباه كلاما لقتيبة (٢)، وهو أن قتيبة شاور أصحابه في رجل يؤّمره على جيش أراد أن يبعث به لمحاربة بعض من جاور خراسان من الكفار، فقيل له: هل لك في فلان؟ فقال: ذاك رجل ذو كبر، ومن تكبر أعجب برأيه، ومن أعجب برأيه لم يؤامر نصحاءه، ومن تحلى بالإعجاب، ودبر بالاستبداد، كان مع الصنع بعيدا، ومن
стр. 7664
الخذلان قريبا، ومن تكبر على عدو احتقره، ومن احتقر عدوه [قل] احتراسه منه، ومن قل احتراسه كثر عثاره، وما رأيت محاربا قط تكبّر على عدوه، إلا كان مخذولا مهزوما مفلولا، لا والله حتى يكون أسمع من فرس، وأبصر من عقاب، وأهدى من [ص ١٦٧] قطاة، وأحذر من عقعق، وأجرأ من أسد، وأوثب [من] فهد، وأحقد من جمل، وأزوغ من ثعلب، وأسخى من ديك، وأشح من صبي، وأخرس من كركي، وألح من كلب، وأصبر من ضب، وأحمل من نمل، فإن النفس إنما تسمح بالعناية على مقدار الحاجة، وإنما نعني بالتحفظ على مقدار الخوف، وقد قيل: على وجه الدهر ليس لمعجب رأي، ولا لمتكبر صديق، ومن أحب أن يحبّ تحبب. قال العروضي: فكتب الراضي ذلك بخطه، وعكف على دراسته حتى حفظه في مجلسه ذلك، فلما حصله ارتاح وطرب، وأقبل عليّ وقال: لعل الزمان أن يبلغ بي إلى أن أتأدب بهذه الآداب.
ثم:
٧٦ - دولة المستكفي بالله
أبي القاسم عبد الله (١) بن علي المكتفي بن المعتضد، كان لا يكف ذيله عن فجور، ولا يعف ليله عما لا يصح له ديجور، لا ينفك في غيابة ظلام، ولا
стр. 7665
ينتقل عن بطن جارية، إلا على ظهر غلام، ولا تزال يده مقرّطة بمنديل، متوجة بكأس، إلا أنها غير سلسبيل، وكان مجلسه معمورا بالقيان مغمورا بالدنان، كأنه حانة نباذ، أو في قطربل (١) لا بغداد، وكان ربما لم يكتف بمن عنده، فيطلب له من نساء المدينة العواهر، ومن أبناء أهلها من يكلفه عمل النساء الفواجر، لا يعرف برا ولا حنثا، ولا يخف محمله عن ذكر ولا أنثى، هذا مع عدم قدرة على حكم ولا سماع لأمره، إلا إذا سمعت الصم البكم، وكان في جميع أموره، كأنه لم يرعه واعظ دين، ولم يردعه من له معتقد به بدين، حتى كان شبّه من بني أمية بالوليد بن يزيد (٢)، وما ينقص عما يريد بل يزيد، وتلاشت في أيامه الخلافة واضمحلت، وانتكثت عقدتها الوثيقة وانحلت، فأصبحت واهية القوى، ضعيفة لا تتماسك من شدة الجوى، أما قمرها فسقط، وأما نجمها فهوى.
ثم:
٧٧ - دولة المطيع للّه
أبي القاسم (٣) الفضل [ص ١٦٨] بن جعفر المقتدر، ولم يكن له من الأمر
стр. 7666
شئ، ولا له فيها ممتد ظل ولا فيّ، لم يكن له من الخلافة إلا رسمها، ولا من الممالك إلا أن يضاف إليه اسمها، قد شبع مما لا يستطيب، وقنع باسمه على سكة نقاش ومنبر خطيب، وكان في الخلافة كأنه سر مخفي، وعلى المنابر اسم شئ غير مرئي، ما فرح بأن ينفذ له أمر وراء بابه، ولا حكم حتى ولا في أسبابه، فما له ذكر خارج حجابه، ولا شئ يتحدث به عند حجابه، قد جعل قصره محبسه، وقيده مجلسه، وأكثر ما يتحصل له من أجل بلاده، مقدار ملء خاصرته من زاده، بل كان في بعض الأوقات ربما راجع من حجر عليه في نزر به يتوسع، ونزر منه يتجرع، فوقتا يعطى، ووقتا يمنع، سوى أنه ما منح في العطاء، ولا فسح له في كثرة الخلطاء، وكان عليه مما يعد ولا يستطيع، ولا يمكنه إلا أن يكون لما يقال له السامع ولما يؤمر به المطيع، إلا أنه طالت مدته وهو على هذه الحال المقضي، والأمر غير المرضي، ولا عير له ولا نكير، ولا توسيع له في مجال الحيلة ولا تفكير، ثم كانت آخرته أن خلع نفسه وولى ابنه، وخلى فكره مما كان فيه، وأخلى ذهنه، ثم ما عاش إلا أياما، وخلف أولاده أيتاما، ونساءه أيامى.
ثم:
٧٨ - دولة الطّائع للّه
أبي بكر عبد الكريم (١) بن الفضل المطيع، ولم يكمل السنتين، ولم يعمل
стр. 7667
بأمره إلا فيما وقعت عليه نواظر المقلتين، وكانت دولته بعد دولة أبيه ثانية اثنتين، وهو وأبوه سواء في الحالتين، فما قطع ولا وصل، ولا اتصل به أحد ولا انفصل، وكان يحدث بأساه أنه يهم ثم يحدث له أنه لا يتم، وكان المتبوع التابع، والمطاع الطائع، لا يكلف حمل عبء، ولا يكفل إخراج خبء، بل هو معهم على قدره الكبير كالبعير، كيف ما صرفوه انصرف، ومهما قارفوه به اقترف، إن وقفوه لا يتهمم للحرك، وإن مشوه مشى [ص ١٦٩] وإن برّكوه برك، وكان شاهدا كأنه غائب، وزاهدا إلا أنه راغب، ثم خلع وسمل وسجن، ومكث نحو عشرين سنة في داره حيّا قد دفن، إلى أن أتاه الموت المريح، ونقلوه من قبر إلى آخر، من داره إلى الضريح.
ثم:
٧٩ - دولة القادر بالله
أبي العباس أحمد (١) بن إسحاق بن جعفر المقتدر، بويع بالمشاورة وأبوه
стр. 7668
حي، وأومئ إليه بالإشارة وما أقفر حي، وكان لما أجمعت عليه الشورى وحنت إليه الآراء إربا وشورى، قد لبس بالبطائح ثياب طائح، فجهز إليه الشعار الخليفيّ، وأتاه بالسواد في حلية الشباب الفتيّ، ومما بعث إليه من الإرث الأبوي، والأثر النبوي، فلما قدم تلقي بإجلال الخلفاء، وحمالة المواكب بالسادات والشرفاء، حتى إذا دخل القصر من سعة الفضاء إلى ضيق الحصر، وطالت سني ملكه، حتى جاوزت إحدى وأربعين، وتغيرت دول الملوك ولا يجد من على الأرب يعين، فكان كلما أتى آت سلك سبيل من كان قبله من التضييق، وتركه من قبله في قصره المتسع في مضيق، وكان في صباه مقصورا على جوب وهيام، وحور مقصورات في الخيام، له كلف بالجواري والعذارى الهيف، ذات كل ردف ثقيل وخصر لطيف، وله بكؤوس المدام اهتمام، وبكوب السابقين إلى حل الغرام التيام، وبما ينفق من عمره من غير الندام اغتمام، فكان لا يبرح صريع جام ملآن، أو في استجمام لرحيق ريق فلانة أو أم فلان، فما نهضت له قط كلمة، ولا قط بالسيف رأس عدوه ولا قلمه، فكان مدة ولايته لا يضر ولا ينفع، لا ولا يرشح، لأنه يأمر لا ولا أن يشفع، فما كان على شئ كما قال قادرا، ولا وفيا ولا غادرا، ثم مات حتف أنفه، ولا شكر الناس من لينه، ولا شكوا من عنفه (١).
ثم:
٨٠ - دولة القائم بأمر بالله [ص ١٧٠]
أبي جعفر عبد الله (٢) بن أحمد القادر، ولي بعد أبيه القادر، وعهد زمانه
стр. 7669
يعد فيه أمور كلها في النادر، ولي مرتين، وسار فيها سيرتين، فأما الأولى:
فكان فيها لصيد وقنص، وأما الثانية فكان فيها لقصيد (١) وقصص، وامتدت أيامه أكثر من أبيه، وكثر فيها تخليط أعدائه ومحبيه، وكان أرضى من أبيه نبا، وأمضى سنا، وأهب صبا، وأشب إلى العلو على صبى، وكانت همته ملوكية، وإن لم يجد سبيلا إلى اقتداح زنادها، ولا رسيلا إلى قراح عهادها (٢)، وكان لا يقنع إلا بما كان عليه أوله، ويقرع باب عزائمه، والأقدار لا تنوله، وكان لا يزال يشم من نفسه دخان أواره، ويظهر على وجهه شعاع ما لم يواره، ويكتم حاله والله مبديه، ويخاف الناس والله أحق أن يخافه ولا يخفيه، وكان ربما ألم بهبة من الطرب ونغبة (٣) لا ترويه من ماء العنب، فكان ربما بسطه المدام فتحدث، ونشطه من عقال المداراة فعجل ولم يتلبث، وكانت عليه عيون موكلة بما ترى، ومسامع لا تكذب خبرا، فأغرى به قلب من كان في يديه موقرا كالمرتهن، ولديه موفرا كالممتهن، وأعان عليه حاشية سوء كانوا حوله، وأعوان سيئة لا تطيق قوته ولا حوله، وكان منهم ابن رئيس الرؤساء، وكان عدوا لأرسلان البساسيري (٤)، وهما للخلافة فالا قفي أو سيري، فظفر ابن رئيس الرؤساء
стр. 7670
بأرسلان البساسيري، وملك فلم يسجح، وأفسد ولم يصلح، وكان الأولى بمثله وهو رب القلم، وذاك رب السيف، أن يعفو إذا قدر، ويصفو إذا كدر، إلى ما هو به جدير، ولا عاقب إلا معاقبة ضعيف لا قدير، فنكل به أشد التنكيل، ومثّل به أقبح التمثيل، وبسط عليه العذاب الأليم، وسلط العقاب على الحريم، وفعل في ذلك فعل من طنخ (١) ونوّخ بعيرا فلم ينخ، فما قنعت تلك الشوكة إلا بخلع الخليفة، والقبض عليه وإرجافه بالخيفة، وتعويقه من سما عليه في دار بالحديثة، [ص ١٧١] وسعت في أعضاء خوله تلك الشوكة الخبيثة، وخطب ببغداد والعراق للمستنصر (٢) أبي تميم معد بن الطاهر العبيدي، خليفة مصر، وحمل على أعناق المنابر ثقل ذلك الإصر (٣)، إلى أن تقضّت سنة، وما غمضت مقلا سنة (٤)، ثم انتحى له ملوك المشرق، وردوا زمانه المشرق، ومدوا ظل عصره الموفق، فتوجوا رؤوس المنابر والمرفق وأعيد إلى بغداد وأعلامه تثنّى ارتياحا وترسل للبشرى بين يديها رياحا، فدخل إلى قصره، وتوقل (٥) رتبته، وخل في صدرها، وحلّى جيده بدررها، وجل به منصب الخلافة، على ما كان أو أسنا، وجدّ حتى ظفر بأعدائه، وبلغ ما تمنى، وانقرضت في أيامه دولة العجم، وانقضت بغير عود من النصال عجم، فطلع طالع الخلفاء ونجم، وصار مستقلا لو أراد الولوج على الأسد لهجم، أو العروج إلى السحاب لصار وصاب وانسجم،