شئ، ولا له فيها ممتد ظل ولا فيّ، لم يكن له من الخلافة إلا رسمها، ولا من الممالك إلا أن يضاف إليه اسمها، قد شبع مما لا يستطيب، وقنع باسمه على سكة نقاش ومنبر خطيب، وكان في الخلافة كأنه سر مخفي، وعلى المنابر اسم شئ غير مرئي، ما فرح بأن ينفذ له أمر وراء بابه، ولا حكم حتى ولا في أسبابه، فما له ذكر خارج حجابه، ولا شئ يتحدث به عند حجابه، قد جعل قصره محبسه، وقيده مجلسه، وأكثر ما يتحصل له من أجل بلاده، مقدار ملء خاصرته من زاده، بل كان في بعض الأوقات ربما راجع من حجر عليه في نزر به يتوسع، ونزر منه يتجرع، فوقتا يعطى، ووقتا يمنع، سوى أنه ما منح في العطاء، ولا فسح له في كثرة الخلطاء، وكان عليه مما يعد ولا يستطيع، ولا يمكنه إلا أن يكون لما يقال له السامع ولما يؤمر به المطيع، إلا أنه طالت مدته وهو على هذه الحال المقضي، والأمر غير المرضي، ولا عير له ولا نكير، ولا توسيع له في مجال الحيلة ولا تفكير، ثم كانت آخرته أن خلع نفسه وولى ابنه، وخلى فكره مما كان فيه، وأخلى ذهنه، ثم ما عاش إلا أياما، وخلف أولاده أيتاما، ونساءه أيامى.
ثم:
٧٨ - دولة الطّائع للّه
أبي بكر عبد الكريم (١) بن الفضل المطيع، ولم يكمل السنتين، ولم يعمل
стр. 7667
بأمره إلا فيما وقعت عليه نواظر المقلتين، وكانت دولته بعد دولة أبيه ثانية اثنتين، وهو وأبوه سواء في الحالتين، فما قطع ولا وصل، ولا اتصل به أحد ولا انفصل، وكان يحدث بأساه أنه يهم ثم يحدث له أنه لا يتم، وكان المتبوع التابع، والمطاع الطائع، لا يكلف حمل عبء، ولا يكفل إخراج خبء، بل هو معهم على قدره الكبير كالبعير، كيف ما صرفوه انصرف، ومهما قارفوه به اقترف، إن وقفوه لا يتهمم للحرك، وإن مشوه مشى [ص ١٦٩] وإن برّكوه برك، وكان شاهدا كأنه غائب، وزاهدا إلا أنه راغب، ثم خلع وسمل وسجن، ومكث نحو عشرين سنة في داره حيّا قد دفن، إلى أن أتاه الموت المريح، ونقلوه من قبر إلى آخر، من داره إلى الضريح.
ثم:
٧٩ - دولة القادر بالله
أبي العباس أحمد (١) بن إسحاق بن جعفر المقتدر، بويع بالمشاورة وأبوه
стр. 7668
حي، وأومئ إليه بالإشارة وما أقفر حي، وكان لما أجمعت عليه الشورى وحنت إليه الآراء إربا وشورى، قد لبس بالبطائح ثياب طائح، فجهز إليه الشعار الخليفيّ، وأتاه بالسواد في حلية الشباب الفتيّ، ومما بعث إليه من الإرث الأبوي، والأثر النبوي، فلما قدم تلقي بإجلال الخلفاء، وحمالة المواكب بالسادات والشرفاء، حتى إذا دخل القصر من سعة الفضاء إلى ضيق الحصر، وطالت سني ملكه، حتى جاوزت إحدى وأربعين، وتغيرت دول الملوك ولا يجد من على الأرب يعين، فكان كلما أتى آت سلك سبيل من كان قبله من التضييق، وتركه من قبله في قصره المتسع في مضيق، وكان في صباه مقصورا على جوب وهيام، وحور مقصورات في الخيام، له كلف بالجواري والعذارى الهيف، ذات كل ردف ثقيل وخصر لطيف، وله بكؤوس المدام اهتمام، وبكوب السابقين إلى حل الغرام التيام، وبما ينفق من عمره من غير الندام اغتمام، فكان لا يبرح صريع جام ملآن، أو في استجمام لرحيق ريق فلانة أو أم فلان، فما نهضت له قط كلمة، ولا قط بالسيف رأس عدوه ولا قلمه، فكان مدة ولايته لا يضر ولا ينفع، لا ولا يرشح، لأنه يأمر لا ولا أن يشفع، فما كان على شئ كما قال قادرا، ولا وفيا ولا غادرا، ثم مات حتف أنفه، ولا شكر الناس من لينه، ولا شكوا من عنفه (١).
ثم:
٨٠ - دولة القائم بأمر بالله [ص ١٧٠]
أبي جعفر عبد الله (٢) بن أحمد القادر، ولي بعد أبيه القادر، وعهد زمانه
стр. 7669
يعد فيه أمور كلها في النادر، ولي مرتين، وسار فيها سيرتين، فأما الأولى:
فكان فيها لصيد وقنص، وأما الثانية فكان فيها لقصيد (١) وقصص، وامتدت أيامه أكثر من أبيه، وكثر فيها تخليط أعدائه ومحبيه، وكان أرضى من أبيه نبا، وأمضى سنا، وأهب صبا، وأشب إلى العلو على صبى، وكانت همته ملوكية، وإن لم يجد سبيلا إلى اقتداح زنادها، ولا رسيلا إلى قراح عهادها (٢)، وكان لا يقنع إلا بما كان عليه أوله، ويقرع باب عزائمه، والأقدار لا تنوله، وكان لا يزال يشم من نفسه دخان أواره، ويظهر على وجهه شعاع ما لم يواره، ويكتم حاله والله مبديه، ويخاف الناس والله أحق أن يخافه ولا يخفيه، وكان ربما ألم بهبة من الطرب ونغبة (٣) لا ترويه من ماء العنب، فكان ربما بسطه المدام فتحدث، ونشطه من عقال المداراة فعجل ولم يتلبث، وكانت عليه عيون موكلة بما ترى، ومسامع لا تكذب خبرا، فأغرى به قلب من كان في يديه موقرا كالمرتهن، ولديه موفرا كالممتهن، وأعان عليه حاشية سوء كانوا حوله، وأعوان سيئة لا تطيق قوته ولا حوله، وكان منهم ابن رئيس الرؤساء، وكان عدوا لأرسلان البساسيري (٤)، وهما للخلافة فالا قفي أو سيري، فظفر ابن رئيس الرؤساء
стр. 7670
بأرسلان البساسيري، وملك فلم يسجح، وأفسد ولم يصلح، وكان الأولى بمثله وهو رب القلم، وذاك رب السيف، أن يعفو إذا قدر، ويصفو إذا كدر، إلى ما هو به جدير، ولا عاقب إلا معاقبة ضعيف لا قدير، فنكل به أشد التنكيل، ومثّل به أقبح التمثيل، وبسط عليه العذاب الأليم، وسلط العقاب على الحريم، وفعل في ذلك فعل من طنخ (١) ونوّخ بعيرا فلم ينخ، فما قنعت تلك الشوكة إلا بخلع الخليفة، والقبض عليه وإرجافه بالخيفة، وتعويقه من سما عليه في دار بالحديثة، [ص ١٧١] وسعت في أعضاء خوله تلك الشوكة الخبيثة، وخطب ببغداد والعراق للمستنصر (٢) أبي تميم معد بن الطاهر العبيدي، خليفة مصر، وحمل على أعناق المنابر ثقل ذلك الإصر (٣)، إلى أن تقضّت سنة، وما غمضت مقلا سنة (٤)، ثم انتحى له ملوك المشرق، وردوا زمانه المشرق، ومدوا ظل عصره الموفق، فتوجوا رؤوس المنابر والمرفق وأعيد إلى بغداد وأعلامه تثنّى ارتياحا وترسل للبشرى بين يديها رياحا، فدخل إلى قصره، وتوقل (٥) رتبته، وخل في صدرها، وحلّى جيده بدررها، وجل به منصب الخلافة، على ما كان أو أسنا، وجدّ حتى ظفر بأعدائه، وبلغ ما تمنى، وانقرضت في أيامه دولة العجم، وانقضت بغير عود من النصال عجم، فطلع طالع الخلفاء ونجم، وصار مستقلا لو أراد الولوج على الأسد لهجم، أو العروج إلى السحاب لصار وصاب وانسجم،
стр. 7671
وأما ابن رئيس الرؤساء، فإنه أكل مما طبخ، وأرق بما نفخ، هذا قبل أن يدال القائم، ويدار له الدور على الظالم، لكن البساسيري لم يلج في تقاضي دينه، ولا كفر بهلاكه ريب رينه (١)، بل قنع بالاقتدار بأنه أظهره، ولبّسه طرطورا (٢) وركبه على جمل وأشهره، ثم لما ثبت ملك القائم، عهد إلى ابنه ذخيرة الدين أبي العباس محمد، فعجل الزمان بإنفاق الذخيرة، وقدر بانتقالها إلى الله الخيرة، فأودع القائم ربه من الذخيرة ما كان ذخر، وودع إلى الضريح قلبه وما كان به قد فجر، ورجع البكاء ثم استرجع من ابنه المقتدي لين الذخيرة أشياعه الأخر، وعهد إليه وعقد، لنجم سما، وغيث همى، وبحر زخر.
ثم:
٨١ - دولة المقتدي بأمر بالله
أبي القاسم عبد الله (٣) بن محمد الذخيرة بن القائم، وكان تحت كنف بني بويه، كأنه صبي ضرب الحجر عليه، مع ما كان فيه من عقل وسكينة، وفضل يصلح دنياه ودينه، وكان لإفراط التضييق عليه، لا يأخذ لقلبه فضاء، ولا ينفذ حكما ولا قضاء، ثم غضّى على ما تكره عينه، ولم يدر كيف يتقاضى دينه، إلا [ص ١٧٢] أنه استروح بمراسلة يوسف بن تاشفين، وبرد حرقه بمكاتباته وما
стр. 7672
شفين وهيهات، بينهما عرض الأرض، ومر البر، ونحر البحر، وملوك العبيديين بمصر بين بحريهما حاجز، وحائل بينهما لا يزيله عاجز، وإنما كان يعلل نفسه بالمنى، ويؤمل مدد النصر من هنا ومن هنا، فلم تنقطع بينهما المكاتبات، ولا حجبت أرواح الابتداآت والمجاوبات، ولا يرغد عيشنا بعلالتها، ويتملأ ريا ببلالتها، وربما كتب إلى ملوك ما وراء النهر، فعومل الرسول بالرد والنهر، وقيل له: لو قمتم بأمور الدين، وتركتم أباطيل السفه، وأقاويل الشبه، وأخذتم بما تبين لا بما اشتبه، وبما تحتم من الحق أو الخير لما تسلطت عليكم حكام الجائرين، ولا سطت بكم أيدي الحكام المجاورين، لكنكم فعلتم وفعلتم، وعلمتم وحهلتم، وعدّد عليهم قبائح ما ارتكبوا وفضائح ما احتقبوا، وكان المقتدي ممن يرتاح للندى، ويلتاح نجم هدى، وله هدي مأثور، يفاوح أرج المنشور، كأنه بالعنبر نسخ، وبرشاش ماء الورد نفخ، يؤثر الخير ولا يلتقي عليه مساعدا، ويؤثر الجود ولا يخلف عليه مواعدا، ويقارب حال السلف ولا يكون مباعدا، ويقارن هام الغمام ولا يقدم راعدا، وكان أبوه أبو العباس محمد الذخيرة قد مات، كما ذكرنا في زمان أبيه القائم، وتلقى من رضوان ربه تحية القادم، فلم يكن للقائم دأب إلا تأديب المقتدي، وقراءة سير الخلفاء الصالحين عليه، كعمر بن عبد العزيز، والمهتدي، وإعلامه بأحوال الدول، مسيئها ومحسنها، وأمره بتصفحها، والأخذ بأحسنها، حتى كان لو تمكن ناذره، وخاتمة لأول الغيث أو بادره، وقد ذكر ابن الأثير (١) أنه مات فجأة، قال: كان قد أحضر عنده تقليد السلطان بركياروق ليعلم فيه، فقرأه وتدبره وعلم [بما] فيه، ثم قدم إليه طعام، فأكل منه وغسل يديه، وعنده قهرمانته شمس النهار، فقال لها: ما لهؤلاء الأشخاص [ص ١٧٣] الذين قد دخلوا عليّ بغير إذن؟ قالت: فالتفت فلم أر شيئا، ورأيته
стр. 7673
قد تغيرت حالته، واسترخت يداه ورجلاه، وانحلت قوته، وسقط إلى الأرض، فظننتها غشية لحقته، فحللت ثوبه فوجدته عليه إمارات الموت، فتماسكت وقلت لجارية عندي: ليس هذا وقت إظهار الجزع والبكاء، فإن صحت قتلتك، فأحضرت الوزير فأعلمته الحال، فشرعوا في البيعة لولي العهد، وكانت أيامه كثيرة الخير، واسعة الرزق، وعمرت محال بغداد، وتوفي في [يوم السبت خامس عشر المحرم سنة سبع وثمانين وأربع مائة] (١)
ثم:
٨٢ - دولة المستظهر بالله
أبي العباس أحمد (٢) بن عبد الله المقتدي، ولم يكن مثل أبيه في تأبّيه، بل كانت له يقظة نبيه، وكان مقبلا على لهوه، مشتملا على زهوه، يميل إلى الخمر، ويميل به سكرا، ويميد بمعطفه، فيسجد ثملا لا شكرا، لا يعرف راحة إلا موصولة براح، ولا اقتداح مسرة إلا بأقداح، فلا يعطل حبب الكؤوس، ولا حبب عقد العجوز العروس، أوقاته كلها طرب وانتشاء، وحرب في كؤوس تدور بها أيدي بدور بكرة وعشاء، وكان ذا حظ من الأدب، وحضّ إليه وندب، وباسمه ألف أبو محمد القاسم بن محمد الحريري كتاب المقامات، بأمر وزيره
стр. 7674
شرف الدين أبو شروان بن خالد، وكان ابن جهور يقول: إن الذي أشار عليه بها في قوله، فأشار من إشارته حكم، وطاعته غنم، إنه المستظهر، قال ابن الشريشي: وكان للمستظهر رعية في الطلب، وعناية بأهل العلم، قال: وحدث ابن جهور أنه دخل بغداد في أيامه، وبها ألف وخمس مائة رجل حامل علم، وكلهم قد أثبت أسماءهم السلطان في الديوان، وأجرى على كل واحد من المال بقدر حظه من العلم، قال: وكان ابن جهور يحدث أن الحريري ألف المقامات كلها على الركاب، وذلك أن المستظهر لما أمره بصنعها، خرج كالحافظ على العمال، وكان يخرج في الأبردين، يتشهى [ص ١٧٤] في ضفتي دجلة والفرات، يصقل خاطره بنظر الخضرة والمياه، فلم ينقض فصل العمل إلا وقد اجتمع له مائتا مقامة، فخلص منها خمسين وأتلف الباقي، وصدر الكتاب ورفعه، فبلغ عنده أعلا المراتب، انتهى كلامه.
قلت: وفي أيام المستظهر أخذت الفرنج بيت المقدس وأكثر بلاد الشام، وظهر التهتك بالقبائح وقلة الاحتشام، وفشا أمر الربا وشرب الخمر والزنا، فكثرت الملاهي، وقلت النواهي، وعظمت تلك الدواهي، فعجل لهم العقاب، وعذبوا بأخذ البلاد منهم، وهو أخف العذاب، وكان المستظهر ذا نادرة، كتب إليه الأبيوردي (١) قصة، وكتب على رأسها: الخادم المعاوي، فكشط الميم، فصارت العاوي.
ثم:
стр. 7675
٨٣ - دولة المسترشد بالله
أبي منصور الفضل (١) بن أحمد المستظهر، وكان مع الملوك كشأن الخلفاء قبله، وعلى ما كان عليه من كان مثله، وكان الغالب عليه جمال الدولة سنجر عليه من يحجب ويحجز، والمسترشد يظهر إعراضا في ابتغاء، ويسر حسوا في ارتغاء (٢)، كأنه زند النار، ظاهره حجر، وباطنه أوار، وبقي يتربص بسنجر الدوائر، ويوقد له النوائر، وسنجر لا يقع في حبالته، ولا يلين له جانب حالته، إلى أن قدر لسنجر أجل أجله وأتيح، وألقي في مرط أمله وأطيح، فخفّ عن صدر المسترشد ثقل ذلك الطود، وأمن تحطم ذلك العود، وقام نور الدولة مسعود بن سنجر، ولم يكن المسترشد ممن يتقيه ولا يخافه، ويجد في توقيه، فطمح إلى الوقوف على أمر مملكته، وعمل على موت مسعود وهلكته، ليخلو له الجو، ويتبع الأسد الذاهب بالبو (٣)
قال الشريف الغرناطي: فصنع المسترشد دعوة عظيمة لنور الدولة مسعود بن
стр. 7676
سنجر، ووجوه الدولة، وينوي قتلهم، ففطن لذلك مسعود، فدخل عليه في [ص ١٧٥] رجلين من قرابته، وأومى إلى تقبيل يده، فجبذه بها جبذة شديدة ألقاه بها عن السرير إلى الأرض، وألقى عمامته في عنقه، وأراد خنقه، ثم كف عنه وخرج، وفي قلبه منه ما فيه.
قلت: وبقيا على ازورار البغضاء، وانحراف يقلهما على مثل الرمضاء، ثم قتل بعد ذلك بأيدي الباطنية، (١) وأورد أجل المنية، قتل بأرض الأعاجم، ودخل عليه الأجل الهاجم، وكانت قتلته بحي أصفهان القديمة، وثوت بها ركائبه المقيمة، وكان يمنّي نفسه الاستقلال بالخلافة من غير تشريك، ولا مزاحمة تكون لمليك، وكان المسترشد ينشد عند تزايد كربه، وترافد الرجال في حربه:
[الطويل]
أنا الأشقر الموعود بي [في] الملاحم
وكان هكذا أشقر أبيض، كأنّ لؤلؤا على صفحاته ترقص، وأتى نعيه بغداد، فأظلم جوّها لملمّ مماته، وأظل أهلها غم وفاته، وارتجت لمهلكه أكناف العراق، وفاضت دجلة بالدموع التي تراق، ولم يبق بها ناحية، إلا وبها نائحة، ولا جارحة إلا وفيها جارحة، لما فقدت من بعد سوقه، وعدل أمات العدو بخوفه.
وحكى مؤيد الدولة أسامة بن منقذ قال: كان المسترشد يلحق بالصدر الأول من سلفه، في علو الهمة وحسن السيرة والإقدام العظيم، فإنه لما التقى هو وعماد الدين زنكي بن آقسنقر في المصاف بعقرقوب (٢)، وأنا حاضر المصاف، ضرب له
стр. 7677
خيمة من أطلس أسود (١)، ووضع له فيها تخت، وجلس عليه، والخيل تطرد فكسر عسكر زنكي في يوم الاثنين السابع والعشرين من رجب سنة ست وعشرين وخمس مائة، فاستولى على ما فيه، وانهزم زنكي إلى الموصل، وذلك الإقدام سبب تلفه، وأنشد القاضي جمال الدين محمد بن واصل للمسترشد:
[الطويل]
أنا الأشقر الموعود بي في الملاحم … ومن يملك الدنيا بغير مزاحم [ص ١٧٦]
ستبلغ أرض الروم خيلي وتنتضي … بأقصى بلاد الصين بيض صوارمي
ثم إن المسترشد حاصر في العشرين من رمضان سنة سبع وعشرين وخمس مائة مدينة الموصل، فقصد باب المسترشد جماعة من الأمراء السلجوقية وخدموه وقوي بهم، واتفق اشتغال السلاطين بالحلف الواقع بينهم، فأرسل المسترشد أبا الفتوح الأسفراييني الواعظ، إلى جمال الدين زنكي، برسالة فيها خشونة، وزادها أبو الفتوح زيادة في الخية (٢)، ثقة بقوة الخليفة، وناموس الخلافة، فقبض عليه عماد الدين زنكي وأهانه، ثم دام الحصار على الموصل نحو ثلاثة أشهر، فلم يظفر منها بشئ، فعاد إلى بغداد.
وحكى الأمير سديد الدولة أبو محمد بن الأنباري، كاتب الإنشاء، قال:
وقع بين السلطان محمود بن محمد بن ملكشاه، وبين المسترشد خلف، وخرج المسترشد لقتاله مرتين وكسر، فلما مات السلطان محمود، وولي أخوه السلطان مسعود بن محمد، استطال نوابه بالعراق، وعارض الخليفة في خاصه، فوقعت بينهما وحشة، وتجهز المسترشد للخروج، وجدّ في ذلك، فدخل إليه الوزير شرف الدين علي بن طراد الزينبي، وكمال الدين صاحب المخزن، وأنا معهما،
стр. 7678
وكان المسترشد قد طرد نواب السلطان عن البلاد، ورتب صاحب المخزن للنظر في المظالم، فلما دخلنا قال له الوزير: يا مولانا، في نفس المملوك (١) شئ، فهل يؤذن له في المقال؟ فقال: قل، فقال: إلى أين نمضي وبمن نعتضد، وإلى من نلتجئ، ومقامنا ببغداد أمكن لنا، ولا يقصدنا أحد، والعراق ففيه لنا الكفاية، فإن الحسين بن علي ﵉، لما خرج إلى العراق، جرى عليه ما جرى، ولو أقام بمكة، ما اختلف عليه أحد من الناس، فقال لي الخليفة: ما تقول يا كاتب؟ فقلت يا مولانا، الصواب المقام، وليت العراق يبقى لنا، فقال لصاحب المخزن: يا وكيلي، ما تقول؟ فقال ما في نفسي، وأنشد الخليفة قول المتنبي: (٢)
[الخفيف] [ص ١٧٧]
وإذا لم يكن من الموت بدّ … فمن العار أن تموت جبانا
وخرج، وخرجنا معه، فلما قاربنا همذان وقع المصاف بين الخليفة والسلطان مسعود بن محمد، بمكان يسمى داي مرك قرب همذان، فلما اصطفت العساكر فر من معسكرنا جميع الأتراك إلى ناحية السلطان، ثم وقع القتال، فانهزم الخليفة وأرباب المناصب، وحمل الوزير وصاحب المخزن وأنا ونقيب العلويين إلى قلعة سرجهك قريب قزوين، وبقي الخليفة مع السلطان، وسار معه في بلاد أذربيجان، إلى أن وصلوا إلى مراغة، فهجم على الخليفة ثلاثة نفر من الملاحدة والباطنية، وهو في خيمته، فقتلوه، وقتلوا معه ابن سكينة، وكان يصلي به، وذلك في يوم الخميس لأربع بقين من ذي القعدة سنة تسع وعشرين وخمس مائة، فلما قتل الخليفة أظهر السلطان مسعود الجزع العظيم والحزن الكثير، ودفن
стр. 7679
الخليفة بمراغة، ووصل الخبر بذلك إلى العراق، فحزن الناس عليه حزنا عظيما، وبويع بالخلافة ولده الراشد (١) ببغداد، واستقرت خلافته بها.
وذكر الشريف الغرناطي أن المسترشد عهد إلى الراشد حين بلغ، وإنه بلغ لتسع سنين، وإنه لو كان يمكن أعادها سفاحية منصورية. قلت: ثم قدم السلطان مسعود (٢) وضرب عنق دبيس بن مزيد صاحب الحلة.
قال ابن الأنباري: لما قتل المسترشد أحضرنا السلطان مسعود وقال: ما التدبير في أمر الخلافة، وبمن ترون؟ فقال الوزير: الخلافة لولي العهد، يعني الراشد، وقد بايعه الناس ببغداد، وجلس واستقر، وبويع له من قبل قتل أبيه بولاية العهد، وبويع له الآن بالخلافة، فقال السلطان: ما لي إلى هذا سبيل أبدا، ولا أقره عليها، فإنه تحدثه نفسه بالخروج مثل أبيه، كان قد خرج على أخي محمود مرتين، وعليّ مرة، وهذه أخرى، فتم عليه ما تم، وبقيت علينا شناعة عظيمة، وسبّة إلى [ص ١٧٨] آخر الدهر، فإنه يقال: قتلوا الخليفة وهم كانوا السبب في عود الخلافة إلى هذا البيت، ولا أريد أن يلي الأمر إلا رجل لا يدخل في غير أمور الدين، ولا يجند، ولا يجمع، ولا يخرج عليّ، ولا على أهل بيتي، وفي دار الخلافة جماعة، فاعتمدوا على شيخ منهم صاحب عقل ورأي وتدبير، يلزم نفسه ما يجب من طاعتنا، ولا يخرج من داره. قال ابن الأنباري: وأرسل السلطان مسعود إلى عمه السلطان سنجر بن ملكشاه يستشيره فيمن يولي الخلافة، فأرسل إليه يقول: لا تولي الخلافة إلا من يضمنه الوزير صاحب المخزن، وكاتب الإنشاء، فلما وصل السلطان همذان، اجتمع بنا، وأشار بهارون بن المقتدي، وعرفنا بما أمره به عمه السلطان سنجر، فقال الوزير: إذا كان الأمر
стр. 7680
يلزمنا فنحن نولي من نريد، وهو الزاهد الدّيّن الذي ليس في الدار مثله، فقال السلطان: من هو؟ فقال: الأمير أبو عبد الله محمد بن المستظهر، فقال:
وتضمن ما يجري منه، فقال الوزير: نعم، وكان الأمير أبو عبد الله صهر الوزير على ابنته، وأنها دخلت يوما الدار في خلافة المستظهر، فرآها الأمير أبو عبد الله فطلب من أبيه تزويجها، فزوجه بها، فدخل بها، وبقيت عنده، ثم توفيت، فقال السلطان: ذلك إليكم، وكتموا الحال لئلا يشتهر الأمر فيقتله الراشد، ثم رحل السلطان والجماعة نحو بغداد، فأما الراشد فإنه لما بويع ببغداد بالخلافة بعد مقتل أبيه المسترشد بالله، أرسل إلى الأمير عماد الدين زنكي آقسنقر يستدعيه ليحدثه، وضمن له أن تكون السلطنة والملك للملك ألب أرسلان بن محمود بن محمد بن ملكشاه الذي عند أتابك، وأن تكون أتابكة السلطنة والخلافة بحكم عماد الدين.
ثم:
٨٤ - دولة الرّاشد بالله
أبي جعفر منصور (١) بن الفضل المسترشد، وكان بأبيه يسترشد، وعلى نحو ما قرره يحل ويعقد [ص ١٧٩] ويعد وينقد، ووجد لمهلك أبيه مالا قدر بملك
стр. 7681
ناره، ونسب إلى مسعود بن محمد قتلته، وأنه الذي قرر غيلته، وهو لا يجد سبيلا، ولا يستجد قبيلا، خشية أن يتفطن لمرامه فيعاجل قبل إبرامه، ثم صرفه القدر عما أراد، وأبكى السيف والنجاد، وبويع بعد أبيه المسترشد، وكان لتأبّيه لم ينشد، وضلالته لا تعان بولي مرشد، وضالته لا تعرف لناشد ولا ينشد، فكان يبيت على مثل حسك السعدان، ويتململ كلما حضر الأبردان، وفطنت الملوك لما تتناجى به وساوسه، وتتنادى به ضمائره وهواجسه، وكان طائشا عجولا، يركب معارف وهجولا (١)، فخافت ابتداره، وخشيت إذا تمكن اقتداره، لأنه أسد أهيج، وأرقم حرك لأمر مريج، فما تمكن ولا تفرغ، لأن يساور ولا يلدغ، بل خلع خلع الرداء، وألقى إلقاء الذراع للأمة الحصداء (٢)، وأثبت عليه محضر بأنه فسق، ولولا الملة لقالوا إنه مرق، وفارق الدين وقطع حبله من حيث رق، وقد تقدم في ترجمة أبيه المسترشد الخبر الغريب في سرعة البلوغ مبالغ الرجال، وما كان من مبايعته بعد مقتل أبيه، وإباء السلاجقة له، لإفراط خوفهم منه، وجرأة الراشد وتسرعه وحدة نفسه، وأهمّ السلاجقة أمره، وجعلوه نصب عينهم، ومن الغرائب أن المسترشد كان أعطاه عدة جواري، فحملت منه جارية حبشية صفراء وهو إذ ذاك ابن تسع سنين، فأنكر المسترشد هذا، ثم أمر بأن يطأ جارية حمّلت قطنا، فوطئها فلما قام عنها أخرج القطن وعليه المني، فأرى المسترشد، ثم أمر بأن يفعل كذلك في جارية أخرى، فكان الأمر كذلك، فحينئذ أيقن ببلوغه، وألحق الولد.
ثم:
стр. 7682
٨٥ - دولة المقتفي بأمر بالله
أبي عبد الله محمد (١) بن أحمد المستظهر، وكان ممن يبطن، خلاف ما يظهر، كان يظهر قبل مصير الخلافة إليه [ص ١٨٠] الانقطاع والعبادة، وملازمة السجود والسجادة، مع سوء معتقد وطوية، وقبح عقد ونية، وظلم لا يأمن معه برئ، وتسلط كالأسد الجرئ، لم يكن فيه ثراء للمعتفي، ولا كان لأمر الله المقتفي، بل كان يتخفى ببوائقه ولا يختفي، ويخرج ويشره إلى خارج قصره ولا يكتفي، وهو مع ذلك يصانع ويداري، ويستر العار بالعواري، ولا يظهر له من ريبة ثوبا، ولا ينتظر له بتوبة أوبا، بل هو في دنس لا ينقى، وذنوب لا توقى، وملازمة زخارف لا تبقى، وسماع ملاه لا تلقى، بين ضروب ملاح بريقهنّ يستقى، ولهيب راح لا يصلاها إلا الأشقى، هذا إلى ما فيه من نكوب عن الرشاد، ونكول عما شيّد سلفه وشاد، ولم يكن بعيدا من أبيه المستظهر في مواصلة اللهو ومواقيته، والخمر وترصيع أوانيه بيواقيته، لكنه كان يزيد عليه بأنه كان ظالما عسوفا، حاكما جائرا عنيفا، طالت مدته وثقلت، وقطعت أعمار الخلق حتى انفصلت، هذا كله وعارضه أشيب، وقد آن له على أنه أيّد من عون
стр. 7683
الدين أبي المظفر يحيى بن هبيرة بوزير لا يصادمه شيئان، رأيه وصارمه، وشتان مواصله ومصارمه، ما قرر مثله أبو مسلم في خراسان، ولا فعل نظيره في الأندلس عبد الرحمن، ولا قام مثله في أول الدولة فتى شيبان، ولا في مملكة الفرس رستم بن دستان، ولا سلك إلا سبيل آصف تبع سليمان، فكان نعم العون، في منع الصون، فقد كان يجهد ولا يعيى، ويميب الأعداء وهو يحيى، فستر عوار المقتفي وواراه، وقدح زناد سعادته وأوراه، حتى وطئ ملوك آل سلجوق، ووطد ملوك الدول ودوّخها، ومحا بصباح رأيه آية ليلها ونسخها، فأعاد إلى رؤوس الدولة العباسية نخوتها وأعزها شيما، وبقية قريش احوتها، ثم لما مات المقتفي، وقام بعده ابنه أبو عبد الله محمد، وتلقب بالمأمون، فما تمت بيعته ولا سالمته المنون، عاش بعده [ص ١٨١] نحو شهر وما كمله، ولا تمّ له منذ ذكر ما أمّله، بل لم يزل الحبل محمولا (١) على غاربه، طرفه بيده والطرف الآخر بيد جاذبه، حتى بويع أخوه المستنجد، ودفع الأمر إلى المنجد.
قال ابن الأنباري: ولما كان يوم الأحد سابع عشر ذي القعدة سنة ثلاثين وخمس مائة، مضينا مع الوزير ابن طراد الزينبي (٢) إلى دار السلطان مسعود بن محمد، ونحن معه، فأخذ السلطان خطوطنا بالضمان، ثم أصبحنا فحضرنا عند الأمير أبي عبد الله محمد بن المستظهر، وشرطنا عليه مطاوعة السلطان على ما
стр. 7684
ضمناه عليه، فرضي به، ثم مضينا إلى السلطان فأعلمناه بما كان، فأمر بمبايعته، فلما كان من الغد، صعدنا إلى الدار فأخرجنا منها أشياء لآلات الغناء وما لا يليق، وشهد جماعة من أهل الدار أن الراشد كان يشرب الخمر، فأفتى الفقهاء بخلعه، وحكم القضاة بذلك فخلعوه، ودخلت إلى الأمير أبي عبد الله محمد، أنا والوزير وصاحب المخزن، وتحدثنا معه، وناولته رقعة فيها ما يلقب به، فكان فيها: المقتفي لأمر الله، والمستضئ بنور الله، والمستجير بالله، فقال الخليفة:
ذلك إليكم، ثم قال لي الخليفة: ما ذا ترى؟ فقلت: المقتفي لأمر الله، فقال:
مبارك، ثم مد يده، فأخذها الوزير وقبلها، وقال: بايعت سيدنا ومولانا الإمام المقتفي لأمر الله أمير المؤمنين، على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ واجتهاده، ثم أخذها صاحب المخزن، وقبلها وبايعه على مثل ذلك، ثم أخذت يده وقبلتها، ثم قلت: بايعت سيدنا ومولانا الإمام المقتفي لأمر الله أمير المؤمنين، على ما بايعت عليه آباءه وأخاه وابن أخيه في ولاية عهده، ثم قمت من عنده، ودخل الأمراء والقضاة والعلماء وأكابر الناس فبايعوه، ثم حضر السلطان مسعود عنده، وكلمه المقتفي بكلام وعظه فيه، ثم عرفه ما يلزمه من طاعة الخليفة، وأمره بالرفق [ص ١٨٢] بالرعية والإحسان إليهم، وخوّفه عاقبة الظلم، فبايعه السلطان، وقبّل يد الخليفة، ورجع إلى دار السلطنة، وأما الراشد فإنه أقام بالموصل مع عماد الدين أتابك زنكي، ثم أرسل زنكي إلى بغداد القاضي كمال الدين محمد بن الشهرزوري، فلما حضر قيل له: بايع أمير المؤمنين، فقال: أمير المؤمنين عندنا بالموصل، وله في أعناق الخلق بيعة متقدمة، وطال الكلام، ثم عاد إلى مثله، فلما كان الليل، جاءته امرأة عجوز سرا وأبلغته رسالة عن المقتفي مضمونها عتابه، فقال: غدا أخدمه خدمة يظهر أثرها، فلما كان الغد، أحضرت إلى الديوان، وقيل لي في معنى البيعة، فقلت:
стр. 7685
أنا رجل قاض، ولا يجوز لي أن أبايع إلا بعد أن يثبت عندي خلع المتقدم، فأحضروا الشهود، وشهدوا عنده بما أوجب خلعه، فقال: هذا قد ثبت، ولكن لابد لنا في هذه الدعوة من نصيب، لأن أمير المؤمنين قد حصلت له خلافة الله في أرضه والسلطان فقد استراح ممن كان يقصده، فنحن بأي شئ نعود، فرفع الأمر إلى الخليفة، فأمر بأن يقطع عماد الدين زنكي صريفين (١) ودرب هارون، وجرى ملكا وهي من خاص الخليفة، وأن يزاد في ألقابه، وقال: هذه قاعدة لم يسمح بها لأحد من زعماء الأطراف أن يكون له نصيب من خاص الخليفة، وعاد وقد حصل على جملة صالحة من الأموال والتحف، وكان المقتفي من ذوي الهمم العالية والآراء السديدة، والسياسة الوازعة من رجال بني العباس الأفراد، مكث في الخلافة أربعا وعشرين سنة، بها سبع عشر سنة في مداراة الملوك السلجوقية وسبع سنين وشهورا، مستندا بنفسه مقارعا للسلاطين، قامعا لمردة أولئك الشياطين، مدوخا للبلاد، قامعا للخوارج عليه، وحضر مصافاة عدة، وثبت في حصار بغداد، وكان ذلك شهورا يجري في كل يوم منها مصافاة، وهو رابط الجأش ثابت الجنان، منشرح الصدر، منبسط الأمل، وكان في [ص ١٨٣] نفسه قساوة وغلظة، وأيد بوزيره عون الدين أبي المظفر يحيى بن محمد بن هبيرة، وزره رابع ربيع الأول سنة أربع وأربعين وخمس مائة، وهذا وزير لو كان كالوزراء لذكرته كأحدهم، ولكنه كان أجل، وفعله دليل عليه، وما ذكرته مع الوزراء في الإنصاف لا أسوة لهم للسميّة، ولكنه يعد من عظماء الخلفاء وكبراء الملوك، لعظيم ما فعل، وجليل ما صنع، وهو الوزير الذي أنطق الدولة العباسية
стр. 7686
بعد الخرس، وأجرى في عودها الماء بعد اليبس:
[الكامل]
ومعرّف الخلفاء أن حظوظهم … في حيّز الإسراج والإلجام
فورى به زناد المقتفي وشد أزره فيما كان يعتلج في صدره، ويتمناه من علو قدره، ولم يزل يشخت (١) الدولة السلجوقية سحب المبادرة، ويدلف لها في أري النحل سم الأساود، وينبه ولاة الأطراف على ما فرض الله عليهم من نصر الأئمة، ويوقظ مصابيح بصائرهم في كشف ليالي الفتن المدلهمة، وتوبيخهم على ما قنعت به هممهم الدنية، وما نشبهم من الذل والصغار في طاعة السلجوقية، حتى شذب عن دولة العجم من كان ينصرها على الخلفاء، ويفعل في تفريق تلك الجموع، ولا فعل قصير مع الزباء (٢) حتى صار كل من كان للسلجوقية على الخلافة عونا، قد أصبح للخلافة على من عاداها عينا، وهو يسلك في ذلك إلا المسالك المرضية، ولا يدعو إلا بالنصائح الوعظية، ولا يحض على نصر كتاب الله وسنة نبيه المثلى، ولا يبعث الهمم إلا لتكون كلمة الله هي العليا، ولا يخضع بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض (٣)، ولا يرسل سهم قول فيقنع بما دون الغرض إلا لانتهاك محارم الله وتعدي حدوده، ولا ينهى عن منكر إلا محذرا لمرتكبه من عذاب الله ووعيده، ولا ينجح له سعي فينسب النعمة إلى غير الله تعالى، ولا يقوم مقاما فينسب له مع التبرير مقالا ولا [ص ١٨٤] فعلا، ولا رئي، ولا سمع برجل ولي عظائم الأمور الدنيوية، والممالك السلطانية،
стр. 7687
وحزم الجيوش خائضا لغمراتها، معرضا وريده لاستنهاء وطباتها، كان أشد تبريا إلى الله من حول نفسه وقوتها، ولا أكثر اعترافا لفعل الله فيه فيما يصدر بالمباشرة عنه، فما ادعى لنفسه فعلا ولا قولا، ولا اعتقد لها قوة ولا حولا، لكنه يذكر كفاية الله التي جبرت نقصه، وقومت خطاه، وقدمت على المشرفية سطاه ويقول: ما رأيت في هذا الأمر الذي لابسته أنفع من دعاء وجدته في مجموع لابن سمعون، ولا أبلغ من ذكر رأيته في كتاب فضائل الأعمال لابن أبي الدنيا (١)، ولا كان في قلبي أوثق من ركعات تعلمتها من فلان المجاور بجامع المهدي، وذكره الوزير أبو غالب عبد الواحد بن مسعود الشيباني بهذا وقال:
لقد كان لهذه المحاسن من أفعاله وأقواله هيئة وصنعة، لا تنهض العبارة بأدائها، ولا تؤدي الحكاية جزءا من أجزائها، وللصدق عليها شواهد من جنس ما تسميه الصوفية ذوقا لا يدركه إلا من خالطه، ورأى هديه وسكينته وخضوعه لله واستكانته، وإعزازه بالله في كل مقام تتخاذل فيه القوى، وتنفصم فيه إلا من استمسك بالله العرى:
[الكامل]
وهو مع الله على علاته … ماض مضاء المشرفيّ الصارم
وقصد السلطان مسعود بن محمد بغداد سنة خمس وأربعين وخمس مائة، وتلقاه ابن هبيرة بالنهروان، وأبلغه سلام الخليفة واستبشاره بمقدمه، وانتظاره لتقدمه، ثم عاد وقد ملأ الصدور بما شاهده أرباب الدولتين من قوة جنانه، وطلاقة لسانه، ومهابته التي ظهرت على السلطان مسعود إعظامها، وهان عليه
стр. 7688
ملك ممالك أهل بيته ونظامها.
قال أبو الفضل:
[الطويل]
ولما رأى السلطان عزتك التي … هي السعد أغشاه عن اللحظ نورها
وما زال من فرط المهابة مطرقا … بعينيه حتى ما يكاد يديرها [ص ١٨٥]
ثم باكر إليه ثاني يوم دخوله مهنيا بالاستقرار والإياب الذي قربه القرار، ثم خطب خطبة أبلغ فيها موعظة السلطان وتذكيره بآخرته، وتمثيل مقامه بين يدي الله ومساءلته، وعدد ما له فرض الله عليه لخليفته وخليقته، وما طوقه من فخار الملك دون حقيقته، وشرح له المظالم التي تلزمه إثمها، وإن غاب عنه علمها، ويناط به وزرها، وإن خفي عنه أمرها، وختم ذلك بدعاء له بالصلاح والهداية، والنجاح والكفاية، فظن كل من حضر ذلك الموقف أنه لا يسلم من بطشه، ولا يسام من إثارة البلاء له ونبشه، حتى توهم قوم أن موجدته منه سيتعدى إلى الخليفة ضررها، ويستطيل في الدولة شررها، فلما استتم كلامه، رفع السلطان طرفه وقال: (عهدي بعيد بسماع هذا الكلام، وأرجو أن يظهر على بركتك، فلا تقطع عني تذكيرك في كل وقت)، وانصرف، وأتبعه السلطان بحلل وقماش وخيل ومماليك أتراك، وجارية تركية، فوصلت إليه الهدية وهو جالس في داره، بين سمّار مجلسه وحضاره، وفرقها كلها عليهم، ولم يمسك لنفسه شيئا سوى الجارية، ثم بعث إليه هدية يسيرة لا يكون لبعضها مجازية، وقصد البقش كونخر في أمراء السلجوقية فسأل المقتفي، فخرج إليهم ومعه ابن هبيرة، وبان فيها من هذا الوزير وإقدامه، وزئير ضرغامه، لا صرير أقلامه، ما أقام الهيبة في صدور الأعداء، وحسم الداء بالداء، فإنه خاض تلك الحروب، وتلقى الأسنة بنحره، يرتب الميامن والمياسر، ويبوّئ مقاعد الحرب بين
стр. 7689
يديه تلك العساكر، شاهرا سيفه بجأش رابط، وعزم ضابط، وطليعة كل نجم صاعد لا هابط، بتدبير صائب، وتدمير على الأعداء لا يرعى صحبة صاحب، وكانت النصرة للخليفة وعساكره، وتردت برد التهاني ببشائره، ونهب عسكر الخليفة مالا يتناوله الحصر ولا يتأوله [ص ١٨٦] إلا النصر.
قال الوزير أبو غالب: حتى كان الفرس الجيد يباع ببغداد بدينار، والبغل الجيد بدينارين، فأما الغنم فبلغت كل عشرين شاة بدينار، ودامت بهذا الرخص والكثرة نحو شهرين، ثم عاد الخليفة وقد خشع بصر الأعداء لمهابته، واتسع أمله باعتزازه على العدو وإهانته، ثم في سنة خمس وخمس مائة، وصل سليمان شاه بن محمد شاه إلى خدمة المقتفي، ملتجئا إليه، فأكرمه ووسع ضيافته، وصدق في قبوله بفراسته وعيافته (١)، ومال الخليفة إلى تمليكه، ولم يكن ذلك من رأي ابن هبيرة، وعاود الخليفة فيه مرارا، وقال: هذا أمر دفع الله عن الخليفة شره، وكشف عنهم ضره، فلا تجدد ما اطمأنت النفوس على تعطيله، وسكنت إلى ما جهدت في تبطيله، فقال الخليفة: هذا قد لجأ إلينا، وسلك غير مذاهب أهل بيته، في الاستكانة والخضوع، ولو أراد جمع عسكرا وفسادا في الأرض لقدر عليه، وحيث قد أتى الأمر من بابه، فلا بد من إجابته، فاستدعي إلى باب الخلافة، وجلس له الخليفة جلوسا عاما في مجلس عظيم، حضره أرباب الدولة والمناصب، والأمراء والخدام والقراء والفقهاء، كلهم متأهبون بالسواد، وجلس الخليفة من وراء شباك، وقام ذلك الجمع بين يديه سماطين طويلين، ووقف الوزير ابن هبيرة على كرسي بين يدي الخليفة، وحضر سليمان شاه، فقبل الأرض ثم عدل به إلى بيت أفيضت عليه الخلع فيه بالطوق والسوارين والتاج والخلع التامة،
стр. 7690
وقدم له فرس الخليفة بمركبه، وقلد بسيفين، وعقد له لواء ان، وأقيمت له الخطبة على منابر ولاية الخليفة كلها، وبعث بغياث الدنيا والدين قسيم أمير المؤمنين، وعاد إلى دار السلطنة التي بأعلى بغداد، وحمل الخليفة إليه من الثياب والمال، والخيل والبغال، والأعلام والسلاح، ما لا حدّ له، وكذلك حمل إليه الأمراء. وكانت وفاة المقتفي بعلة التراقي، وهو خراج من كتفيه، مكث [ص ١٨٧] به خمسة عشر يوما، ومات في يوم الأحد، ثاني ربيع الأول سنة خمس وخمسين وخمس مائة، ودفن ثاني يوم، وصلى عليه ابن هبيرة.
ومما يحكى أنه كان قد أخرج عشر حبات أطلس لتطرى من المخزن المقتفوي، فسلمت إلى المطري ولم تثبت في دساتير الديوان، وسهوا عنها، حتى طلبت في السنة التالية، فأحضر المطري وتوعد وهدّد، فاعترف أنه باعها، وجهز بها بنتين له، فكتب إلى المقتفي، فوقع لهم: لا ذنب للذيب حيث افترس، وإنما الذنب للراعي حيث نعس، والذي صرفها المطري في حقه، أحق من أربابها، فيفرج عنه ولا يتعرض إليه، والسلام.
قال ابن واصل: كان المقتفي فاضلا حسن العقيدة، وله شعر حسن، من جملته:
[السريع]
قالت أحبك قلت كاذبة … غرّي بذا من ليس ينتقد
قالت فمن أدراك قلت لها … الشيخ ليس يحبه أحد
ثم:
стр. 7691
٨٦ - دولة المستنجد بالله
أبي المظفر يوسف (١) بن عبد الله المقتفي، كان أبوه احتفر أوزارها، واحتقب سلمتها وإزارها، لم يهب أن هجر الفحشاء أوزارها، ولا خاف مهاجمة الأسود أو زارها، تحلى بالعدل ولزمه، وتجلى في الوبل كالازمة، فلم يزل يكفّر سيئات تلك الذنوب، ويغسل أدناس تلك العيوب بالذنوب، إلى أن نسيت القروح، وأسيت الجروح، وتداول الناس شكر المستنجد، وتحدث به المغير والمنجد، فكأنما بعث للأدواء مسيحا، ومن اللأواء (٢) مريحا، وللآلاء مميحا، وكان يتأمل القصص ويوقع عليها بيده، لحق يحقه بكلماته، وباطل يبطله بإزالة ظلاماته، يقوم الليل ويحييه بتهجده، ولا ينتقل إلا من موضع سريره إى مسجده، لا يعدو يمينه، ولا يعد ما ملكت يمينه مع اقتصار، وقصر طمع واختصار، لا يطلب الدنيا إلا لبذلها [ص ١٨٧]، ولا يجمع الأموال إلا لتشتيت شملها، وهو في هذا كله بقدر محدود، وظل لا ينقبض ولا ممدود، بل لا يأخذ شيئا إلا من حلّه، ولا يصرفه إلا في أهله، لا جرم أنه ضرب به المثل الشرود، وسحب له أمثل البرود، مع أنه استفاد من عدوه وانتقم، وشرب دمه والتقم، إلا أنه كان يغلب حلمه على غضبه، وجده على لعبه، فلهذا قيل إنه فريد وقته، ولم يمثل بعد سمت ذي وقار إلا بسمته، بويع يوم موت أبيه، فقبض على
стр. 7692
جماعة من أهل الظلم، وأسقط ما استجد من المكوس، وأذهب لسعود أيامه النحوس، وكان المستنجد قد نشأ مع الأتراك وتكلم بلغتهم، ولعب معهم الصوالجة، وبعد خلافته بشهرين اصطدم في الميدان هو وقائماز الأرجواني أمير الحاج، فوقع قائماز وفرسه ميتين، وتوفي ابن هبيرة سنة ستين بالفالج، واستولى عضد الدين أبو الفرج بن المظفر بن رئيس الرؤساء بعده على الدولة، وأجرى على إقطاعه، وكان مائة ألف دينار، وتوفي على فراشه يوم السبت تاسع ربيع الآخر سنة ست وستين وخمس مائة، قيل مات على فراشه، وقيل إن بعض من كان أحفظهم من الأمراء بإمساك من كان أمسك من أصحابهم لتمهد دولته وتسلط ابن البلدي في ظلم الناس، راقبوا المستنجد حتى مرض، فهجموا عليه، وحملوه بفراشه إلى حمام وأغلقوها عليه وأوقدوها، فمات، ثم أخذ ابن البلدي ومثّل به، وألقيت جثته في دجلة.
ثم:
٨٧ - دولة المستضئ بأمر بالله
أبي محمد الحسن (١) بن يوسف المستنجد، دولة أضاءت الأيام بإشراقها، وصحت الدنيا بأفراقها، وانجابت الظلماء لدعوتها، وأجابت مصر وجميع
стр. 7693
الأمصار لدعوتها، وقومت عوج اليماني، وأقامت ميل الرديني، وغزت الأعداء بغير كتائب، وركبت إلى الهيجاء سوى الجنائب، وعاجت على الديار لإبلاء صدور الركائب، وما قنعت هممها بالشرق وممالكه الفساح [ص ١٨٩] والعراق وسكانه الفصاح، وما في بلاده من جنوب وشمال، واتساع ما فيه من كور أعمال وعمال، وما حواه البحران، ودنا دونه النهران، حتى استعاد بالتقدمات النورية إخذته، واسترد ذخيرته وخيرته، وفتح مصر واسترجع منها ما كان في أيدي العبيديين، ونسخ بالدين المحمدي ذلك الدين، وغلب منها على ما لاوت عليه الدهور، حتى فنيت مددها، وبليت على الجدين جددها، وقهر الخليفة السوء وزراؤه، ورزي بملكه، وسر الناس إرزاؤه، وكان صلاح الدين إذ ذاك الوزير، وحل في لبدته أسد مزير، فخلا القصر من شياطينه، وبدل رعاعه بسلاطينه، وغلب الدست لانحصار شاته بفرازينه (١)، وظهور الحق على تسويل إبليسه وتزيينه، وذهبت تلك الدولة ببقايا السقم وقد أضنت، وبلايا النقم وقد عنت، وانتقم الله ممن جاذبه رداء كبريائه، وخلص الخلاص الهاشمي من وضر أدعيائه، ورميت عن سلافة العصر حثالة ذلك العصر، وطفئت لأهل القصر نار ترمي بشرر كالقصر، وتجردت العزيمة النورية لكشف لمم يلمها، وكشط غمائم غمّها عار، فأزالت عنها غمّ ذلك النسب حتى كفت الدولة العباسية أمرهما، ونفت ما نسب من الدناءة إلى ابن عمها، فأزالت عنها عار ذلك النسب المدخول، والحسب المعروف المجهول، وأصبحت مصر في حلل الشعار العباسي ترفل إلى أقاصيها، وتخطر في حلية الشباب ما شاب من لمم نواصيها، ثم شرع التصميم الصلاحي في بلاد الفرنج، وسرة فم قوسه لاكل بلادهم، واستعد منجل سيفه لحصادهم، وتنازل رمحه لحمل رؤوسهم لا أجسادهم، وتحطمت
стр. 7694
قروم مجانيقه لدك أطوادهم، ولو كان هذا موضع استقصائه لأتينا العجائب في قصّه، وبيّنا على الهلال مقدار زيادتها ونقصه، وبويع المستضئ بالله ثاني يوم موت أبيه، واستوزر عضد الدين بن رئيس الرؤساء بعد عظائم جرت بسببه، ثم أراد عضد الدين الحج فقفز عليه شيخ متصوف [١٩٠] فقتله، وقفز آخر على صاحب الباب فقتله، وقتل ابن عضد الدين بيده قاتل أبيه، وفي سنة سبع وتسعين أتته البشرى بقطع خطبة العاضد العبيدي بمصر، وإقامة الخطبة له، ومات المستضئ في أواخر شوال سنة خمس وسبعين وخمس مائة.
ثم:
٨٨ - دولة النّاصر لدين اللّه
أبي العباس أحمد (١) بن الحسن المستضئ، وهو الذي شد الخلافة وقوّاها، وعدّل الدولة وسوّاها، وتداركها وهي رمق فأنعشها، ولحقها وهي دفين فنبشها، وخاشن الملوك ونابذهم في الحفاظ، وواخذهم حتى بالألفاظ، وناقشهم
стр. 7695
في لقب، ونافسهم وما ارتقب، وأظهر قوة من ضعف، ورسم خلافه كأنه لم يعف، وكان قد أخذ الناس بالأرصاد، وتعمد أخبارهم بالاقتصاد، فكان يكاد لا يخفى عليه بواطن أمورهم، وما يخفى بحيطان دورهم، ثم يحدثهم بها كأنه يكاشف، أو كأنه بخبايا أسرارهم عارف، لكنه كان طامح النظر إلى الحريم، لا تقنعه ظباء الحريم، ولا يرده حور الخلدان بحور في بغداد حور، وولد مع تشيع، إلا أنه ليس برفض وتسبّع، لو خلي لأكل الأرض، وكان بادي الرأي، له في كل يوم عزل وولاية، وبه عزّ وذل إلى غاية، وعهد إلى ولده الظاهر أبي نصر محمد، ثم عزله، ورفع اسمه على المنابر، ثم أنزله، وكان السبب في هذه، تميزه عليه خلقا وخلقا، وعلما وعدلا ورفقا، وبأسا صارع به بحضرة أبيه الجاموس، وضارع لو شاء الليث العبوس، كان قد خرج الناصر وهو معه إلى البطائح، فرأى جاموسا عصّب رأسه الهوى وهو طائح، وقد أوى إلى بطيحة اشتبك شجرها، واحتبك ماؤها ومحجرها، فقال لا يعرض أحد إلى هذا الجاموس، فإنه لا يخلو من بادرة وبوس، وكان جاموسا قد تأسد، لو عاث لأفسد، فنزل إليه الظاهر غير مكترث، وأبرم له عزما، غير منتكث، فلما رآه [ص ١٩١] الجاموس، صوّب إليه روقيه، وطأطأ ينطحه بقرنيه، فجرد الظاهر سيفه وتقدم إليه، وضربه ضربة قطع بها عنقه إلى ظلفيه، فحقدها عليه الناصر ونقمها، وأراده بها، ودفع الله نقمها، مع ما كان يؤثره الناصر من تقديم ابنه الثاني عليّ عليه، والله يؤخره ويهيئ الأمر للظاهر ويدخره، ومع هذا فما قدر الناصر على شئ أكثر من أنه عزله عن ولاية العهد وصرفه، ثم أحوجه الله إليه فولاه وصرفه، ثم تذكر بقية حال الناصر تفنّى وتفقه في هذا وأفتى، ووضع ترتيب الرفاق، ورضع معهم كؤوس الوفاق، ولبّس السراويل ولبّسه لأهل ذلك الجيل، ورمى البندق وبرز له، واختط الخطة ورمى الوجهين، ووضع له في أحكامه المقترح، واستباح في تشريعه ما لم يبح، وادعى
стр. 7696
في الرمي وادعي له، وسلك مدة في هذا سبيله، لا يخلي الطير حينا من الحين، ولا يزال قسي بندقه ينظرها طائرة في السماء، فيصيبها بالعين، قد جعل الجلاهق (١) حد سلاحيه، لا يدع الصباح والعشاء من اغتباق راحيه، لا يريح الرفاق من رواحيه، ولا طائرا يطير بجناحيه، وقصد السرداب (٢) المعد عليه النوبة للمنتظر، ووقف عليه ونادى لو أسمع، وقال: أنا ابن عمك بغير مدفع، ودينك ديني، وما بعد اقتداري في الأرض وتمكيني، فهذا أوان ظهورك، فاخرج فأنا القائم بأمورك، فلما لم يجب، ولا قام من غير قلبه بما وجب، علم بطلان ما كان يخيل له من خرافات تلك المخاريق، وضلالات ما خرج به عن الطريق، فترك سوء ذلك التشيع، وتقلل من التكثر في التروي بها والتشيع، ثم ما كان إلا متسننا، وفي مذاهب أهله متفننا، ومات ولده عليّ، ووجد عليه وجدا كاد يذهب بحبله، وينتزع من صدره سويداء قلبه، وأعاد الظاهر إلى ولاية عهده، وقدم من صهوة المنبر ما لا يصلح إلا للبده، بويع يوم موت، ونثرت الدنانير والدراهم يوم [ص ١٩٢] بيعته، ومدحه الشعراء، فممن أجاد ابن التعاويذي بقوله:
[الحفيف]
ورأى الغانيات شيبي فأعرضن … وقلن الشباب خير لباس
كيف لا يفضل السواد وقد أضحى … شعارا على بني العباس
أمناء الله الكرام وأهل الجود … والعلم والتقى والباس
ولقد رتبت الخلافة منهم … بإمام الهدى أبي العباس
стр. 7697
ملك جلّ قدسه عن مثال … وتعالت آلاؤها عن قياس
يا لها بيعة أجدت من الإسلا … م بالي رسومه الأدراس
ولي الله أمرها فله المنّ … ة فيها عليه لا للناس
ثم أخذ أمره بالحزم، إلا أنه كان له اختلاط بالعوام، لبس الفتوة من عبد الجبار مقدم الفتيان، وله رفاق، كان متدينا صالحا، وبنى له صومعة بباب كلواذى (١)، ومضى قاصدا الحج، فدرج (٢)، ودفن في المعلاّ (٣)، ورمى الناصر البندق وخالط قدماه، ووضع في أيامه: المقترح (٤) في تشريع الرمي والرماة، وكان الناصر بصيرا بالأدب، له اليد الطولى إن نظم أو كتب، كتب إليه سعد الدين بن شبيب صاحب المخزن، يذكر حال مجد الدين ابن الصاحب، قبل أن ينقم عليه، وقال: إنه صبي يجهل الأمور لعدم خبرته بها، والدول تحتاج إلى الشيخ الحول القلب وما يناسب هذا المعنى، فوقع الناصر عليها:
[المديد]
كم بذي الدوح أثلة من قضيب
ثم أوقع بعد ذلك بابن الصاحب، ثم استوزر جلال الدين بن يونس، وخلع عليه، ومشت القضاة وأرباب الدولة في خدمته، وكتب إليه ...... (٥)
стр. 7698
الأنصاري: إن المملوك قديما ولي أمير المؤمنين، وقد تاب على يد ابن الجوزي، وترك الخدمة، فوقع عليها: (ما يصلح للمولى على العبد حرام) وكتب إليه رجل يسأل المساواة بابن ساوا، فوقع عليه: (ابن ساوا لا يساوى)، ثم إنه نقم عليه، وقتله شر قتلة، وكتب إليه عن السلطان [ص ١٩٣] صلاح الدين:
[المديد]
الفتى في لظى فإن أحرقتني … فتيقن أن لست بالياقوت
كل من جاءك يدّعي النسج لكن … ليس داود فيه كالعنكبوت
فكتب جوابه:
[المديد]
نسج داود لم يفد صاحب الغا … ر وكان الفخار للعنكبوت
وبقاء السمند في حومة النا … ر مزيل فضيلة الياقوت (١)
واستبصر في بعض أوقاته بمن أجابه إلى موعد أخلفه في ميقاته، فكتب إليه بيتي أسامة بن منقذ:
[الكامل]
ومماذق رجع النداء جوابه … فاذا عرا خطب فأقعد من دعي (٢)
مثل الصدى يخفى عليّ مكانه … أبدا ويملأ بالإجابة مسمعي
وقد ذكره ابن واصل قال: كان الناصر عظيم الهيبة، عالي الهمّة، وافر العقل، حسن السياسة، متيقظا لا يفوته أمر مما يجري في بلاده وغيرها من بلاد الإسلام، وكان له أصحاب أخبار يطالعونه بما يحدث من الأمور في كل صقع،
стр. 7699
فخافه الناس خوفا شديدا وهابوه، وكان الإنسان في العراق، لا يجسر أن يجري في بيته وخلوته ما يخاف الإنكار عليه منه، حتى كان يتوهم من أهل بيته وأخص الناس به، أن ينقل خبره إلى الخليفة، وفتح في أيامه فتوحات كثيرة، واتسع ملكه جدا، واستولى على خوزستان والجبل، وفتح كثيرا من بلاد العجم، وقامت للدولة العباسية حشمة لم يكن مثلها موجودا إلا في الزمن القديم قبل استيلاء الملوك على العراق، لكن الفقهاء أهينوا في زمانه، إهانة بالغة، لاستظهار الشيعة به عليهم، فقال صاحب المخزن:
[الكامل]
أحبابنا نوب الزمان كثيرة … وأمرّ منها رفعة السفهاء
هل يستفيق الدهر من سكراته … وأرى التهوّد بذلة الفقهاء
وفي جمادى سنة اثنتين وثمانين وخمس مائة، حكم أهل النجامة أنه يكون هواء [ص ١٩٤] عظيم يهلك أكثر الناس فيه، وترمى الجدران، لاقتران الكواكب في برج الميزان، فدخل للناس منه رعب عظيم، واستعد بعض الملوك لعمل سراديب تحت الأرض، وأعد فيه الأقوات والعطر لأجل وخم الهواء، فقضى الله بأن الهواء انقطع تلك الليالي البتة، حتى إن ضوء الشمع ما كان يميل، فقال ابن المعلم شعرا منه:
[البسيط]
قل لأبي الفضل قول معترف … مضى جمادى وجاءنا رجب
وما جرت زعزع كما حكموا … ولا بدا كوكب له ذنب
يقضي عليها من ليس يعلم ما … يقضي عليه هذا هو العجب
فارم بتقويمك فالاصطر … لاب خير من صفره الخشب
стр. 7700
ثم:
٨٩ - دولة الظّاهر بأمر اللّه
أبي نصر محمد (١) بن أحمد الناصر، وتقدم له في ذكر أبيه أرج لا يركد نسيمه، وتحرك روض لا يمل شميمه، ووصف طود لا يرقى صاعده، وبحر لا يتعب وارده، وسحاب لا يعيى رائده، ومقسط يأتي يوم القيامة على منبر من نور، ومنصف لو أبهم عليه وجه الحق، لشق عن سنا فجره قلب الديجور، كان إمام عدل، وغمام وبل، وقيم دين، وضيغم عرين، وكافلا بإزالة كل شنيعة، وكاسرا لصولة بدع الشيعة، وكل شيعة، كشف على تمويهات المذاهب ونقب، وأتي على ما أخّر أبوه من رقيق غيمها وعقب، برأي رام لا تخطئ صوائبه، وذكاء فطن لا تلتبس مذاهبه، وكان لله منه جانب لا يضيعه، وسر كالمسك يجتهد في كتمانه فيذيعه، وقد أومينا بطرف الإشارة إلى ما كان من مصارعته بحضور أبيه الجاموس، حتى أكمن له هذا في قلب أبيه غلاّ من الحقد، وأمكن لأجله من ساقه قيدا كالخلخال، ومن عنقه كالعقد، مع ما كان في نفس أبيه من تقديم أخيه عليّ على هواه، ومباينته [ص ١٩٥] في المعتقد، لما طواه،
стр. 7701
لأن الظاهر كان على خلاف الباطن من عقيدة أبيه، كان كل منهما في طرف لا يخادع فيما عرف، فأما الابن فاستقام على الطريقة، وأما أبوه فانحرف، فأمسكه وكبّله بالحديد، وثقفه وألقى عن عاتقه نجاد ولاية العهد، ونزع مطرفه، ثم لما مات أخوه عليّ، وأقفر بيت أبيه من ولد له يلي، وارجحنّ عقله الذاهب، وكان أثرا لمصائب، كأنه قد كان بلي بذهاب لبه، وأصيب بكل عقله، لا ببعض قلبه، أعاد تقليد ولده الظاهر ولاية العهد، وأعد له المنبر كمينة النهد هئ له، والسرير ما لم يكن إلا له، من حين فارق حجور المراضع، وقاطع ذروة المهد، وخطب له ببغداد، ثم صار إلى الأمصار، وضرب اسمه على السلك، وأنار وجه الدرهم والدينار، وهو مع هذا كله مرتهن عند أبيه في التعويق، مثقّف في الحديد بالقيد الوثيق، موكلا به في دار ترك عنده جارية، ورتب له فيها كفاية جارية، قد أيقظ عليه عيونالا تهجع، حتى توقظ أخرى، ورقيا لا تغفل شفقا ولا فجرا، حتى شاء الله أن يشق صدفته عن درتها، وتتصدع صخرته عن زبرتها، وتنفرج أفنان غابته عن قسورتها، وتتمحّص مدرة أرضه ليخرج مدرتها، فمات أبوه ورغم معطس من كان يأباه، يريد أن لا يكون أخوه، وخرج من معتقله خروج الأسد من وجاره (١)، والكوكب الدري من حجب أفوله، والبدر التمام من خدور سراره، وانتضى انتضاء المشرفي المرهف، وخلص من السقيف خلوص السمهري المثقف، وأصفقت الأيدي على مبايعته بالإمامة، ورقى ذروة المنبر وعليه لواء الكرامة، وهيّأ الله له ما أراده من الخير، وأحسن له الحسنى، وأحل الغير بالغير، وأعادها عمرية ليس فيها جناح، وقمرية خدم فيها البدر من العشاء إلى الصباح، ولم يكن في حظ زمانه أن تدوم وأن تتم، وعدله قمرها المنبر، وعيون أخباره النجوم، فكنت [ص ١٩٦] لا ترى في مدته إلا سنّة
стр. 7702
وكتابا، وإماما ومحرابا، وسيئة محيت وبدلت ثوابا، وعدلا فتح له بابا، وظلما سد له بابا، وقائلا يهدي وقائلا (١) كان في حر الهجير أطل عليه ندى، ورفقا أرأف بالأمة من الوالدات على الفطيم، ولطفا يصد سموم الشمس فيأذن للنسيم، وشكرا يروع العذارى فيلمس جانب العقد النظيم، وقد ذكر الوزير أبو غالب نسخة من كتب عن الناصر بخلع ولده الطاهر لما خلعه، بخط المكين ابن العلقمي (٢)، ومنه: (وقد كان أمير المؤمنين قلّد ولده أبا نصر محمدا ولاية عهده، ورشحه من بعده، مؤملا منه التخلق بشريف أخلاق أمير المؤمنين التي هي من أخلاق آبائه مقتبسة، وعلى أساس التقوى مبنية ومؤسسة، فلما أن وقت بكامل رشده، رأى من نفسه القصور عن التزام شروط هذا الأمر، واستقال منه، وسئل أمير المؤمنين نزع لباسه عنه، وكتب خطه عن ذلك وتركه، وحل ما عقد له منه وفكه، وتيقن من حاله وأمره، أنه لا يصلح لخلافة المسلمين في الحاضرة، ولا في بقية عمره، وأشهد بذلك عليه، وخلع نفسه عما كان فوّض إليه، وأمير المؤمنين لم يخل في كل وقت باعتبار طرائقه واستقرائها، وتتبع خلائقه واستبرائها، إلى أن استبان ما كان من أحواله يلوح، وتألق نجمه من مراصد الوضوح، فلم يسع أمير المؤمنين إلا استخارة الله في إقالته، وطلب رضاه سبحانه في حل عقد ولايته، وأقال ولده، وحل ماله من ولاية العهد في المسلمين عقده، ونقض ما إليه عهده، وأسقط ذكره من الخطب، ومحا اسمه من السكك، اجتنابا من تقلد أوزاره، وتحمل أثقال إثمه وآصاره (٣)، وأمير المؤمنين قد شهد لله بما علمه، وإن كان على ولده، ولم تأخذه لومة لائم في لزوم منهج الحق وجدده، (٤)
стр. 7703
قال الله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ اَلْوالِدَيْنِ وَاَلْأَقْرَبِينَ﴾ (١)، وحيث أقال أمير المؤمنين أبا نصر محمدا وخلعه، ونضا عنه جلباب [ص ١٩٧] ولا [ية] عهده ونزعه، لم ير أن يعين على أحد يعينه تحوبا لاحتساب ما تحمل الأوزار، وتوخيا لما هو أسلم من الأخطار).
ثم:
٩٠ - دولة المستنصر بالله
أبي جعفر المنصور (٢) بن محمد الظاهر، جهد في طريقة أبيه وما بلغها، وحام على مناهله وما سوغها، لكنه قارب معناها، وقام حتى داناها، وأسغب شهواته من المظالم وفطمها، وزمّ نظراته عن المحارم وخطمها، وأظهر السنّة وأقامها، وسمك في أعلا السماء مقامها، فكان لا يكبر رأس متشيّع إلا رضّه، ولا يتشاوس نظر مبتدع إلا غضّه، ولا يستكثر رافضي إلا رفضه، وحل عقد سبعه وفضه، سوى أنه أفرط في كبرياء الحجاب، وخالف أباه لا آباءه في فرط الإعجاب، وكانت الملوك تحب المستنصر وتستطيل أمد عوارفه ولا تستقصر، وكأنما جاء عقيب جده الناصر، لأن أيام آبائه كانت كأن لم تكن، لأنه ما بزغ
стр. 7704
قمره حتى غاب، ولا أصحر ضيغمه حتى واراه الغاب، فأراح من تجني الناصر تعب خواطرهم، ومن تعني الرسل بينهم وبينه نظر نواظرهم، وكان قد أمر بوظائف الرسل، ورتب لطائف الأنزال في السبل، فسارت إليه بهم ركائبهم الذلل الصعاب، وتحدرت إليه قصاده بطون الأودية وشعاف الشعاب، ثم انتقل إلى الله مبوّأ في لحده الكرامات، ممرضا بعده الصبر والكرى مات.
ثم:
٩١ - دولة المستعصم بالله
أبي أحمد عبد الله (١) بن المنصور المستنصر، وهو آخر الخلفاء في بغداد، بل آخرهم في سائر البلاد بالاستبداد، وكان محدثا سنيّا، محمدا سنيّا، تفقه على مذهب أحمد، وتشبّه في أوله في كل ما هو أحمد، وكان من ذوي العقول، إلا أنّ باريه كاده، والبصائر إلا أن الله أعماه ليمضي مراده، وأغري باللعب [ص ١٩٨] بالحمام، فجلب على المسلمين جالب الحمام، جمع منها
стр. 7705
عشرين ألف طائر، إلا أنها كانت مياشيم أكثرها قلابات، قلبت الدولة، وانتهكت الحريم، ومني بوزير بل كلب خنزير، رافضي خبيث، غير مأمون حتى ولا على حديث، فرتع في سوام المال ذيبه، ونفق على الخليفة كذبه لا تكذيبه، وجلب بمواطأته التتار ما أضر بالأمم قتله لا تعذيبه، ولم يجد حمد كمده ريح فطنة تحلله ولا تذنبه، فغطى على بصر الإسلام تلبيس تدليسه، وغط دماء آلامه تسليط أباليسه، فكان في دبيبه أرقما، وسقى كؤوس الضراء لطعم أبيه علقما، فلا كان العلقمي (١) وما ولد، لقد ولد أفعى، وألقى عصا قلمه فإذا هي حية تسعى، لقد أتى شيئا نكرا، وأطعم الناس من طعامه العلقمي مرّا، فحسّن للخليفة جمع المال، وكاتب التتار سرا ومد لهم الآمال، وبقي يقطع ألفا فألفا من الجند ويوفر مالهم للديوان، وإنما يريد إضعاف جانب الخليفة، وإرجاف جوانب الأرض، يوهن قوته الضعيفة، فلما فلّ حدّ العسكر، وقلّ عديدهم الأكثر، استقدم عسكر العدو وترسله وتكتبه، واستدعى بره الفسيح بوهاده وكثبه، فجاء من لا قوة للبلاد بحمل بعضهم، ولا طاقة للتخوم بمثار ركضهم، ففرق جدول الإسلام في تيارهم، وأحرق نور الإيمان بنارهم،