لأن الظاهر كان على خلاف الباطن من عقيدة أبيه، كان كل منهما في طرف لا يخادع فيما عرف، فأما الابن فاستقام على الطريقة، وأما أبوه فانحرف، فأمسكه وكبّله بالحديد، وثقفه وألقى عن عاتقه نجاد ولاية العهد، ونزع مطرفه، ثم لما مات أخوه عليّ، وأقفر بيت أبيه من ولد له يلي، وارجحنّ عقله الذاهب، وكان أثرا لمصائب، كأنه قد كان بلي بذهاب لبه، وأصيب بكل عقله، لا ببعض قلبه، أعاد تقليد ولده الظاهر ولاية العهد، وأعد له المنبر كمينة النهد هئ له، والسرير ما لم يكن إلا له، من حين فارق حجور المراضع، وقاطع ذروة المهد، وخطب له ببغداد، ثم صار إلى الأمصار، وضرب اسمه على السلك، وأنار وجه الدرهم والدينار، وهو مع هذا كله مرتهن عند أبيه في التعويق، مثقّف في الحديد بالقيد الوثيق، موكلا به في دار ترك عنده جارية، ورتب له فيها كفاية جارية، قد أيقظ عليه عيونالا تهجع، حتى توقظ أخرى، ورقيا لا تغفل شفقا ولا فجرا، حتى شاء الله أن يشق صدفته عن درتها، وتتصدع صخرته عن زبرتها، وتنفرج أفنان غابته عن قسورتها، وتتمحّص مدرة أرضه ليخرج مدرتها، فمات أبوه ورغم معطس من كان يأباه، يريد أن لا يكون أخوه، وخرج من معتقله خروج الأسد من وجاره (١)، والكوكب الدري من حجب أفوله، والبدر التمام من خدور سراره، وانتضى انتضاء المشرفي المرهف، وخلص من السقيف خلوص السمهري المثقف، وأصفقت الأيدي على مبايعته بالإمامة، ورقى ذروة المنبر وعليه لواء الكرامة، وهيّأ الله له ما أراده من الخير، وأحسن له الحسنى، وأحل الغير بالغير، وأعادها عمرية ليس فيها جناح، وقمرية خدم فيها البدر من العشاء إلى الصباح، ولم يكن في حظ زمانه أن تدوم وأن تتم، وعدله قمرها المنبر، وعيون أخباره النجوم، فكنت [ص ١٩٦] لا ترى في مدته إلا سنّة
стр. 7702
وكتابا، وإماما ومحرابا، وسيئة محيت وبدلت ثوابا، وعدلا فتح له بابا، وظلما سد له بابا، وقائلا يهدي وقائلا (١) كان في حر الهجير أطل عليه ندى، ورفقا أرأف بالأمة من الوالدات على الفطيم، ولطفا يصد سموم الشمس فيأذن للنسيم، وشكرا يروع العذارى فيلمس جانب العقد النظيم، وقد ذكر الوزير أبو غالب نسخة من كتب عن الناصر بخلع ولده الطاهر لما خلعه، بخط المكين ابن العلقمي (٢)، ومنه: (وقد كان أمير المؤمنين قلّد ولده أبا نصر محمدا ولاية عهده، ورشحه من بعده، مؤملا منه التخلق بشريف أخلاق أمير المؤمنين التي هي من أخلاق آبائه مقتبسة، وعلى أساس التقوى مبنية ومؤسسة، فلما أن وقت بكامل رشده، رأى من نفسه القصور عن التزام شروط هذا الأمر، واستقال منه، وسئل أمير المؤمنين نزع لباسه عنه، وكتب خطه عن ذلك وتركه، وحل ما عقد له منه وفكه، وتيقن من حاله وأمره، أنه لا يصلح لخلافة المسلمين في الحاضرة، ولا في بقية عمره، وأشهد بذلك عليه، وخلع نفسه عما كان فوّض إليه، وأمير المؤمنين لم يخل في كل وقت باعتبار طرائقه واستقرائها، وتتبع خلائقه واستبرائها، إلى أن استبان ما كان من أحواله يلوح، وتألق نجمه من مراصد الوضوح، فلم يسع أمير المؤمنين إلا استخارة الله في إقالته، وطلب رضاه سبحانه في حل عقد ولايته، وأقال ولده، وحل ماله من ولاية العهد في المسلمين عقده، ونقض ما إليه عهده، وأسقط ذكره من الخطب، ومحا اسمه من السكك، اجتنابا من تقلد أوزاره، وتحمل أثقال إثمه وآصاره (٣)، وأمير المؤمنين قد شهد لله بما علمه، وإن كان على ولده، ولم تأخذه لومة لائم في لزوم منهج الحق وجدده، (٤)
стр. 7703
قال الله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ اَلْوالِدَيْنِ وَاَلْأَقْرَبِينَ﴾ (١)، وحيث أقال أمير المؤمنين أبا نصر محمدا وخلعه، ونضا عنه جلباب [ص ١٩٧] ولا [ية] عهده ونزعه، لم ير أن يعين على أحد يعينه تحوبا لاحتساب ما تحمل الأوزار، وتوخيا لما هو أسلم من الأخطار).
ثم:
٩٠ - دولة المستنصر بالله
أبي جعفر المنصور (٢) بن محمد الظاهر، جهد في طريقة أبيه وما بلغها، وحام على مناهله وما سوغها، لكنه قارب معناها، وقام حتى داناها، وأسغب شهواته من المظالم وفطمها، وزمّ نظراته عن المحارم وخطمها، وأظهر السنّة وأقامها، وسمك في أعلا السماء مقامها، فكان لا يكبر رأس متشيّع إلا رضّه، ولا يتشاوس نظر مبتدع إلا غضّه، ولا يستكثر رافضي إلا رفضه، وحل عقد سبعه وفضه، سوى أنه أفرط في كبرياء الحجاب، وخالف أباه لا آباءه في فرط الإعجاب، وكانت الملوك تحب المستنصر وتستطيل أمد عوارفه ولا تستقصر، وكأنما جاء عقيب جده الناصر، لأن أيام آبائه كانت كأن لم تكن، لأنه ما بزغ
стр. 7704
قمره حتى غاب، ولا أصحر ضيغمه حتى واراه الغاب، فأراح من تجني الناصر تعب خواطرهم، ومن تعني الرسل بينهم وبينه نظر نواظرهم، وكان قد أمر بوظائف الرسل، ورتب لطائف الأنزال في السبل، فسارت إليه بهم ركائبهم الذلل الصعاب، وتحدرت إليه قصاده بطون الأودية وشعاف الشعاب، ثم انتقل إلى الله مبوّأ في لحده الكرامات، ممرضا بعده الصبر والكرى مات.
ثم:
٩١ - دولة المستعصم بالله
أبي أحمد عبد الله (١) بن المنصور المستنصر، وهو آخر الخلفاء في بغداد، بل آخرهم في سائر البلاد بالاستبداد، وكان محدثا سنيّا، محمدا سنيّا، تفقه على مذهب أحمد، وتشبّه في أوله في كل ما هو أحمد، وكان من ذوي العقول، إلا أنّ باريه كاده، والبصائر إلا أن الله أعماه ليمضي مراده، وأغري باللعب [ص ١٩٨] بالحمام، فجلب على المسلمين جالب الحمام، جمع منها
стр. 7705
عشرين ألف طائر، إلا أنها كانت مياشيم أكثرها قلابات، قلبت الدولة، وانتهكت الحريم، ومني بوزير بل كلب خنزير، رافضي خبيث، غير مأمون حتى ولا على حديث، فرتع في سوام المال ذيبه، ونفق على الخليفة كذبه لا تكذيبه، وجلب بمواطأته التتار ما أضر بالأمم قتله لا تعذيبه، ولم يجد حمد كمده ريح فطنة تحلله ولا تذنبه، فغطى على بصر الإسلام تلبيس تدليسه، وغط دماء آلامه تسليط أباليسه، فكان في دبيبه أرقما، وسقى كؤوس الضراء لطعم أبيه علقما، فلا كان العلقمي (١) وما ولد، لقد ولد أفعى، وألقى عصا قلمه فإذا هي حية تسعى، لقد أتى شيئا نكرا، وأطعم الناس من طعامه العلقمي مرّا، فحسّن للخليفة جمع المال، وكاتب التتار سرا ومد لهم الآمال، وبقي يقطع ألفا فألفا من الجند ويوفر مالهم للديوان، وإنما يريد إضعاف جانب الخليفة، وإرجاف جوانب الأرض، يوهن قوته الضعيفة، فلما فلّ حدّ العسكر، وقلّ عديدهم الأكثر، استقدم عسكر العدو وترسله وتكتبه، واستدعى بره الفسيح بوهاده وكثبه، فجاء من لا قوة للبلاد بحمل بعضهم، ولا طاقة للتخوم بمثار ركضهم، ففرق جدول الإسلام في تيارهم، وأحرق نور الإيمان بنارهم،
стр. 7706
وبدأت الخلافة (١) بعبد الله السفاح، وختمت بعبد الله المستعصم، ولم تدر الملة لمن تستخصم، وأخذ ﵀ وقتل، وهو جمت بغداد، وقتل الرجال، وسبي النساء والأولاد، وألقت الهاشميين في دجلة بأرواحها، وارتجت النواحي بنواحها، وكاد الإسلام يذهب بجملته، والدين المحمدي يطوي ملاءة ملته، وانقرضت الدولة العباسية، إلا بقية أتت مصر، ونويض (٢) سراجها ثم انطفى، وأومض بريقها في أخريات الليل ثم اختفى، وكان المستعصم يسكن إلى وزيره المؤيد ابن العلقمي ويسيل بضبعه ويميل إلى اعتلاء قدره ورفعه، ولا يزال يلاطفه [ص ١٩٩] ويهاديه، ولا يقطع مكاتباته، إما يجاوبه أو يباديه، أهدى إليه مرة قصب أقلام، وكتب معها: بعثنا إلى الوزير أعزه الله بقصب يراع، مؤذنة بأنه لدينا في المحل الأقصى لا يراع، فليكتب بها مشرفا، وفي الأرض وسكانها على رغم من يشناه مصرفا، فلما أتت ابن العلقمي، قام لها وقبّل الأرض وقبّلها، واعتقل خطيها المتفقة وأسلها، ثم كتب: (قبل المملوك شكرا للإنعام عليه بأقلام قلمت أظفار الحدثان، وقامت له في حرب صرف الزمان، مقام عواسل المران (٣)، وأجنته ثمار الأوطار من أغصانها، وحازت له قصبات المفاخر يوم رهانها، فيالله كم عقد ذمام في عقدها، وكم بحر سعادة أصبح من مدادها ومددها، وكم منآد خط استقام بمثقفاتها، وكم صوارم خطوب قلت مضاربها بمطروف مرهفاتها، فالله تعالى ينهض المملوك بمفروض دعائه، ويوفقه للقيام بشكر ما أولاه من جميل رأيه وجزيل حبائه).
وكانت آفته بل آفة الإسلام وزيره، ولما قدم هولاكو لإزاحة الباطنية عن
стр. 7707
قلاعهم، امتد إلى استكمال البلاد ووطأه ذلك الوزير الذميم، حتى طوى البلاد إلى العراق، ثم أوهم المستعصم أنه قد أكد له سبب الصداقة معه، فخرج لملتقاه في الفقهاء والأدباء وأهل الشرف في يوم الاثنين، سابع عشر صفر سنة ست وخمسين وست مائة، فلما رآه أمر به فرفس حتى مات، فديس بحوافر الخيل، ثم وقع السيف، وعظم الخطب، وامتهنت المصاحف حتى عملت للخيل معالف، وهدمت المساجد، ولم يبق متظاهر بالصلاة إلا حائط جدار ساجد، وخلت المنابر والأسرة، وخلع الخلافة خلع النعل، وطفي نور الحق، وطمس معلم الهدى، وكور الليل على النهار، وغال خوف الشموس والأقمار، ولو شاء ربك ما فعلوه، وولد المستعصم (١) [سنة تسع وست مائة]، وقيل في [ص ٢٠٠] [ ...... ] وكان عمره [إحدى وثلاثون سنة]، ومدته [ست عشرة سنة]، ثم لم يبق للخلافة بقية ذكر، إلا لمن وصل منهم إلى مصر، واتصل بالظاهر بيبرس البندقداري بها، وها أنا أذكرهم.
فأولهم
[الخلفاء العباسيون في مصر]
٩٢ - المستنصر بالله
أبو القاسم أحمد (٢) بن محمد الظاهر بن أحمد الناصر، وصل إلى مصر
стр. 7708
وبايعه قاضي القضاة، تاج الدين عبد الوهاب العلامي المعروف بابن بنت الأغر، ثم الظاهر بيبرس، ثم عامة العلماء، وأهل الشرف، ووجوه قريش، وعامة أرباب الدولة، وكان شهما لا يطاق، وشيهما ما لسمه درياق، وراميا رام أن يصمي بسهمه من مصر من بالعراق، وضاق الظاهر به لما رأى منه ومن وقاره المبثوث في نفوس الخلق، فما صدق أن وردت على المستنصر كتب أهل العراق باستقدامه، فجهزه في جيش استخدمه له، وخرج معه إلى دمشق، وكان الظاهر يركب إلى خدمته في كل يوم، ثم سار إلى العراق في دولة كاملة، بأرباب الوظائف، والشعار الكامل، ففتح كثيرا من البلاد الفراتية، حتى أتى العراق، فجاءه أهلها، وتلك شميتهم من قديم، ونصرهم لكل قائم بدعوة حق، وخرج له التتار فقاتلهم وثبت حتى قتل، واستحر القتل في عسكره، إلا من عجل الهزيمة، وكان قدومه مصر [سنة ٦٥٩ هـ] ...... (١) ومبايعته في [العام نفسه] ...... (٢)
ثم:
٩٣ - الحاكم بأمر اللّه
أبو العباس أحمد (٣) بن محمد بن الحسن علي بن الحسن بن الراشد بن
стр. 7709
المسترشد، ومن هناك يلتقي بعمود النسب المستعصمي، وكان غاية في الخير، والفضل والثبات، ولما قدم أتى الحسام البرؤلي وقد تملك البيرة، فبايعه واستخدم له، ثم أتى عيسى بن مهنا أمير آل فضل، فقام في ناصره، وقاد له جمهور عسكره، فخاف الظاهر بيبرس عاقبته، وخال أنه يجتثّ باقيته، فلاطف عيسى بن مهنا، وراسله في تجهيزه إلى مصر ليبايعه، وأنه [ص ٢٠١] لا يجد حرجا في صدره أن يطاوعه، وكان للظاهر على عيسى بن مهنا يد يرعاها، ولكتبه عنده نجاح لا يخيب مسعاها، ورأى في هذا صلاحا للناس وجمعا لكلمة الإسلام، فعمل على هذا، وقدم الحاكم مصر وبايعه الظاهر بيبرس، إلا أنه يحجر عليه، وبعد مدة أسقط اسمه من السكة، وأبقاه في الخطبة، ودام مكرما إلا أنه ممنوع، وموسعا عليه، إلا أنه مضيق له بالنسبة إلى ما يستحق، فلما أتى اللهب الدولة الشريفة الملكية الأشرفية الصلاحية، سقى الله عهدها، فسح له، وأخلى له قصر الكبش، وبوّأه منزله، وكان العزم الأشرفي كله مصروفا إلى استفتاح العراق وإعادة الخلافة إلى مقرها في صدر ذلك الرواق، وتصريف حكم الحاكم في البلاد وإقامة الدولة العباسية على ما كانت عليه، بالأمراء والوزراء والأجناد، ثم توفي.
ثم قام ابنه:
٩٤ - المستكفي بالله
أبو الربيع سليمان (١)، [قام] بعهد أبيه، وكان حسن الجملة، لين الحملة،
стр. 7710
مع فروسية كانت فيه، لو وجد لها حين إبراز، أو أضفي حد لإحراز، إلا أنه لم يجد لغصته مساغا، ولا لقصته بلاغا، فكان لا يرى لسهولة الجانب، ومداهنة المجانب، إلا أوطأ من رمله، وأضعف من نمله، وأكثر توقيا ممن عرفت عليه عمله، عهد إليه أبوه الحاكم بالخلافة بعد ابنه المستمسك، الأمير أبي عبد الله محمد، حين توفي المستمسك وتجرع أبوه صاب مصابه، وطوى حوائجه على داء أوصابه، ثم جعل بعده العهد إلى إبراهيم ولد المستمسك، ظنا أنه يصلح لأن يصرح باسمه على المنابر، ويجيء على أذيال آبائه الأكابر، فلما توفي الحاكم وخرج سلار كامل الممالك، فمن دونه في جنازته، وقاموا نحو كرامته وغرارته، بويع المستكفي بيعة طوقت الرقاب، وطولت له ذيل الخلافة على الأعقاب، وكان هو وسلطاننا كأنهما أخوان، لما بينهما من إلفة جامعة، ومودة لفراق الأعداء قامعة، وحضر نوبة مرج الصفر، وكان [ص ٢٠٢] على عهد الله المظفر، سار سلطاننا به فأيّد الله بهما هذه العصابة، وكان يومهما بمرج الصفر باني يوم الصحابة، كل منهما هدّ أركان العدو، وهدم بنيان أهل العتو، ثم لم يزل به لدم الخلافة آثار باقية، وشئ يحفظ به تلك البقية المتلاشية، حتى كان من نزول السلطان عن الملك سنة ثمان وسبع مائة ما كان، وحصل الاجتماع على المظفر بيبرس، فقلده المستكفي وسوّره، وصيّره حيث صيره، فنقمها عليه
стр. 7711
السلطان، وأسرّها، ثم لما قام السلطان لاسترجاع ضالته، وإنباه المظفر من كرى ضالته، استجاش المظفر بالمستكفي يجدد له الولاية، ونسبت في السلطان أقوال إليه، حملت السلطان على التحامل عليه، فلما عاود الزمان عقله، وحل من الحظ الناصري عقله، وعاد السلطان سنة تسع وسبع مائة إلى تخته، وعاد ما ألّف من بخته، أعرض عن المستكفي كل الإعراض، ودبّت بينهما الأمراض، فلم يزل يكدر على المستكفي المشارب، ويقف دونه في وجوه المآرب، حتى تركه في برج في القلعة، في بيته وحرمه، وخاصة من يلوذ بحرمه، وبقي على هذا مدة، حتى قام قوصون، ورجل آخر معه لا أسميه، ولم يزالا يلاطفان السلطان حتى أنزله إلى داره، وأطلع هلاله، نضوا من سراره، ثم نسب إلى ابنه صدقة، التعلق ببعض خاصة السلطان، وتردد ذلك الغلام إليه، فنفي الغلام، وأصعد بالخليفة إلى قوص، فقدمت إليه مطايا السفين، وأنزل معه بعض حرمه وقد حفين، ثم أقلعت بهم تلك السواري، وعادوا أجنة في بطون تلك الجواري، إلا أنه لم ينقص من روايته، ولا أسقط اسمه عن المنابر، وغبر عن هذا مدة، يعلل فيها نفسه، إلى أن علقت بابنه صدقة أشراك المنون، وجالت في منيته الظنون، فجزع عليه جزعا شديدا، استخف وقاره، وحركه بل أطاره، ثم لم تطل به المدة، ولا بقي إلا قليلا بعده، وكانت وفاته سنة أربعين وسبع مائة، ودفن بقوص، وذلك بعد أن أذن إلى ابنه الحاكم أبي العباس، لكنه لم يجد عهده راعيا، ولا [ص ٢٠٣] ابنه بعده لوصيته واعيا.
ثم قام ابن أخيه:
٩٥ - الواثق بالله
إبراهيم (١) بن المستمسك، أبي عبد الله محمد بن الحاكم، وقد تقدم القول
стр. 7712
فيما أصاره إليه جده، من العهد بعد المستكفي، ظنا أن يكون صالحا، أو يجيب لداعي الخلافة صالحا، فأنشأ إلا في تهتك، ولا دان إلا بعدم تنسك، أغري بالقاذورات، وفعل ما لم تدع إليه الضرورات، وعاشر السفلة الأراذل، وهان عليه من عرضه ما هو باذل، وزين له سوء عمله فرآه حسنا، وعمي عليه فلم ير مسنا إلا محسنا، وغوي باللعب بالحمام، ومشترى الكباش للنطاح، والديوك للنقار، والمنافسة في المعز الزرابية الطوال الآذان، وأشياء من هذا ومثله، ما يسقط المروءة، ويثل عرش الوقار، إلى أن صار لا يعد [إلا] في سفلة الناس، هذا إلى سوء معاملة، ومشترى سلع لا يوفي أثمانها، واستيجار آدر لا يقوم بأجرها، وتحيل على درهم يملأ به كفه، وسحت يجمع به فمه، وحرام يطعم منه ويطعم حرمه، حتى كان عرضه عرضة للهوان، وأكله لأهل الأوان، فلما توفي المستكفي، والسلطان عليه في حدة غضبه، وتيّاره المتحامل عليه في شدة غليه، طلب هذا الواثق المعتر، والمائق إلا أنه غير المضطر، وكان ممن يمشي إلى السلطان في عمه بالنميمة، ويعقد مكايده على رأسه عقد التميمة، فحضر إليه، وأحضر معه عهد جده فتمسك السلطان في مبايعته بشبهته، وصرف وجه الخلافة إلى جهته، وكان قد تقدم بعض ذلك العهد ونسخ ذلك العقد، وقام قاضي القضاة أبو عمرو بن جماعة، في صرف رأي السلطان على إقامة الخطبة باسم الواثق، فلم يفعل، فاتفق الرأيان على ترك الخطبة للاثنين، واكتفى فيها بمجرد اسم السلطان،
стр. 7713
فترجل بموت المستكفي اسم الخلافة عن المنابر، كأنه ما علا ذروتها، وخلا الدعاء للخلفاء من المحاريب، كأنه ما فرغ بابها ومروتها، فكأنما كان آخر خلفاء بني العباس، وشعارها عليه لباس الحداد، وعمود تلك [ص ٢٠٤] السيوف الحداد، ثم لم يزل الأمر على هذا، حتى حضرت السلطان الوفاة، وقرع الموت صفاه، فكان مما أوصى به، رد الأمر إلى أهله، وإمضاء عهد المستكفي لابنه، وقال:
الآن حصحص الحق، وحنا على مخلفيه ورقّ، وعزل إبراهيم وهزل، وكان قد رعى رعي الهمم، وستر اللوم بثياب أهل الكرم، وتسمن وشحمه ورم، وتسمى بالواثق، وأين هو من صاحب هذا الاسم، الذي طالما سرى رعبه في القلوب، وأمنت هيبته العيوب، وهيهات لا يقد من النسر التماثيل، ولا الناموسة وإن طال خرطومها كالفيل، وإنما سوء الزمان قد ينفق ما كسد، والهر يحكي انتفاخا صولة الأسد، وقد عاد الآن بعضّ يديه، ومن يهن يسهل الهوان عليه.
ثم قام:
٩٦ - الحاكم بأمر اللّه
أبو العباس أحمد ابن المستكفي (١)، إمام غصنها، وغمام مصرنا، قام على غيظ العدى، وعرف بفيض الندى، صارت به الأمور إلى مصائرها، وسبقت أمل مصابرها، فأحيا رسوم الخلافة، ورسم بما لم يستطع أحد خلافه، وسلك
стр. 7714
مناهج آبائه وقد طمست، وأحياها بمناهج أنبائه وقد درست، وجمع شمل بني أبيه وقد طال بهم الشتات، وأطال غرزهم وقد اختلفت الشيات، ورفع اسمه على ذرى المنابر، وقد غبر مدة لا تطلع إلا في آفاقه تلك النجوم، ولا يسح من سحبه تلك الغيوم والسجوم، طلب بعد موت سلطاننا تغمده الله برحمته، وأنفذ حكم وصيته في تمام مبايعته، والتزام متابعته، وكان أبوه قد أحكم له بالعهد المتقدم عقدها، وحفظ له عند ذوي الأمانة عهدها، ثم سلطن الملك المنصور أبا بكر بن السلطان، وعمّر له من تحت الملك الأوطان.
قلت: وقد كان حين طار الخبر إلى مصر بموت أبيه، أشيع أنه لم يعهد إليه، وإنما الناس قد يقع اجتماعهم عليه، فكتب صورة مبايعة له، وهي:
[صورة المبايعة للحاكم]
بسم الله الرحمن الرحيم، ﴿إِنَّ اَلَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اَللّهَ، يَدُ اَللّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ، فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ، وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اَللّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾ (١)، هذه بيعة [ص ٢٠٥] رضوان، وبيعة إحسان، وجمعة رضى، يشهدها الجماعة، ويشهد عليها الرحمن، بيعة يلزم طائرها العنق، وتحوم بشائرها، وتحمل أنباءها البراري والبحار، مشحونة الطرق، بيعة يصلح الله بها الأمة، ويمنح بسببها النعمة، وتتجازى الرفاق، ويسري الهناء في الآفاق، وتتزاحم زمر الكواكب على حوض المجرة الدفاق، بيعة سعيدة ميمونة، بيعة شريفة بها السلامة في الدين والدنيا مضمونة، بيعة صحيحة شرعية، بيعة ملحوظة مرعية، بيعة تسابق إليها كل نية، وتطاوع كل طوية، ويجمع عليها شتات البرية، بيعة يستهل بها الغمام، ويتهلل البدر التمام، بيعة متفق على الاجماع عليها، والاجتماع لبسط الأيدي إليها، انعقد عليها الاجماع، فاعتقد
стр. 7715
صحتها من سمع لله وأطاع، وبذل في تمامها كل امرئ ما استطاع، حصل عليها اتفاق الأبصار والأسماع، ووصل بها الحق إلى مستحقه، وأقر الخصم وانقطع النزاع، يضمها كتاب مرقوم، يشهده المقربون، وتلقاه الأئمة الأقربون، و (الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله) (١)، ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس، والينا ولله الحمد وإلى بني العباس أجمع على هذه البيعة أرباب العقد والحل، وأصحاب الكلام فيما قل وجل، وولاة الأمور والحكام، وأرباب المناصب والأحكام، وحملة العلم والأعلام، وحماة السيوف والأقلام، وأكابر بني عبد مناف، ومن انخفض قدره وأناف، وسروات قريش، ووجوه بني هاشم، والبقية الطاهرة من بني العباس، وخاصة الأئمة، وعامة الناس، بيعة ترى بالحرمين خيامها، وتخفق بالمأزمين أعلامها، وتتعرف عرفات بركاتها، وتعرف بمنى، ويؤمن عليها يوم الحج الأكبر، ويؤم ما بين الركن والمقام والقبر، ولا ينبغي بها إلا وجه الله الكريم ......... (٢) بيعة لا يحل عقدها، ولا ينبذ عهدها، لازمة جازمة، دائبة دائمة، تامة عامة، شاملة كاملة، صحيحة صريحة، متعبة مريحة، [ولا من يوصف بعلم] (٣) ولا قضاء ولا من يرجع إليه في إيقاف ولا إمضاء، ولا إمام مسجد ولا خطيب، ولا [ص ٢٠٦] ذو فتوى يسأل فيجيب، ولا من جنبي المساجد، ولا من تضمهم أجنحة المحاريب، ولا من يجتهد في رأي فيخطئ أو يصيب، ولا محدث بحديث، ولا متكلم في قديم أو حديث، ولا معروف بدين وصلاح، ولا فرسان حرب وكفاح، ولا راشق بسهام، ولا طاعن برماح، ولا ضارب بصفاح، ولا ساع بقدم، ولا طائر بجناح،
стр. 7716
ولا مخالط للناس، ولا قاعد في عزلة، ولا جمع كثرة ولا قلة، ولا من يستقل بالجوزاء لواؤه، ولا من يقل فوق الفرقد ثواؤه، ولا باد ولا حاضر، ولا مقيم ولا سائر، ولا أول ولا آخر، ولا مسرّ في باطن، ولا معلن في ظاهر، ولا عرب ولا عجم، ولا راعي أبل ولا غنم، ولا صاحب أناة ولا بدار، ولا ساكن في حضر وبادية بدار، ولا صاحب عمد (١) ولا جدار، ولا ملجلج في البحار الزاخرة، والبراري القفار، ولا من يتوقل صهوات الخيل، ولا من يسبل على العجاجة الذيل، ولا من تطلع عليه شمس النهار، ونجوم الليل، ولا من تظله السماء وتقله الأرض، ولا من تدل عليه الأسماء على اختلافها، وترفع درجات بعضهم على بعض، حتى أمن بهذه البيعة وأمّن عليها، وأمن بها، ومنّ الله عليه وهداه إليها وأقرّ بها وصدق، وغضّ له بصره خاشعا، وأطرق ومد إليها يده بالمبايعة، ومعتقده بالمتابعة، ورضي بها وارتضاها، وأجاز حكمها على نفسه، وأمضاها، ودخل تحت طاعته، وعمل بمقتضاها، وقضى بينهم بالحق، وقيل الحمد لله رب العالمين.
وإنه لما استأثر الله بعبده سليمان أبي الربيع الإمام المستكفي بالله، أمير المؤمنين، كرم الله مثواه، وعوضه عن دار السلام، بدار السلام، ونقله مزكّي يديه عن شهادة الإسلام، بشهادة الإسلام، حيث آثره بقربه ومهد لجنبه، وأقدمه على ما قدمه من مرجو عمله وكسبه، وخار له في جواره فريقا، وأنزله مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا، الله أكبر ليومه يوما لولا محلفه، كانت تضيق الأرض بما رحبت، وتجزى كل نفس بما كسبت، وتنبّأ كل سريرة ما ادخرت [ص ٢٠٧] وما جنت، لقد اضطرم سعير، إلا أنه في الجوانح، لقد اضطرب منبر وسرير، لولا خلفه الصالح،
стр. 7717
لقد اضطر مأمور وأمير لولا الفكر بعده في عاقبة المصالح، لقد غاضت البحار، لقد غابت الأنوار، لقد غالت البدور وعوارض ما يلحق الأهلة من المحاق، وتدرك البدور من السرار، نسفت الجبال نسفا، وخبت مصابيح النجوم وكادت تطفى، وجاء ربك والملك صفا صفا، لقد جمعت الدنيا أطرافها، وأزمعت على المسير، وخضت الأمة لهول المسير، وزاغت يوم موته الأبصار، إنّ ربّهم يومئذ لخبير، وقفت الألباب حيارى، وتوقفت تارة تصدق وتارة تتمارى، لا تعرف قرارا، ولا على الأرض استقرارا، إن زلزلة الساعة شئ عظيم، يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت، وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى، ولم يكن في النسب العباسي، ولا في جميع من في الوجود، ولا في البيت المسترشدي، ولا في غيره من بيوت الخلفاء من بقايا آباء لهم وجدود، ولا من بلدة أخرى الليالي وهي عاقر غير ولود، من تسلم إليه أمة محمد ﷺ عقد نياتها، وسر طوياتها، إلا واحد، وأين ذاك الواحد، هو والله من انحصر فيه استحقاق، ميراث آبائه الأطهار، وتراث أجداده، ولا شئ هو إلا ما اشتملت عليه رداء الليل والنهار، وهو ولد المنتقل إلى ربه، وولد الإمام الذاهب لصلبه المجمع على أنه في الأيام، فرد هو الأنام، وواحد وهكذا في الوجود الإمام، وإنه الحائز لما زرت عليه جيوب المشارق والمغارب، والفائز بملك ما بين المشارق والمغارب، الراقي في صفح السماء، هذه الذروة المنيفة، الباقي بعد الأئمة الماضين، ونعم الخليفة المجتمع فيه شروط الإمامة، المتضع لله، وهو ابن بيت لا يزال الملك فيهم إلى يوم القيامة، الذي يفضح السحاب نائله، والذي لا يغره عاذره، ولا يعيره عاذله، والذي ما ارتقى صهوة المنبر، بحضرة سلطان زمانه، إلا قال ناصره، وقام قائمه، ولا قعد على سرير الخلافة إلا وعرف أنه [ص ٢٠٨] ما خاف مستكفيه، ولا غاب حاكمه، نائب الله في أرضه، والقائم مقام رسوله ﷺ ، وخليفته وابن عمه، وتابع عمله الصالح،
стр. 7718
ووارث علمه، سيدنا ومولانا عبد الله ووليه أبو العباس الإمام الحاكم بأمر الله، أمير المؤمنين أيد الله ببقائه الدين، وطوق بسيفه الملحدين، وكبت تحت لوائه المعتدين، وكتب له النصر إلى يوم الدين، وكبّ بجهاده على الأذقان طوائف المفسدين، وأعاذ به الأرض مما لا بدين، وأعاد بعدله أيام آبائه الخلفاء الراشدين، والأئمة المهديين، الذين قضوا بالحق، وبه كانوا يعدلون، وعليه كانوا يعملون، ونصر أنصاره، وقدر اقتداره، وأسكن في القلوب سكينته ووقاره، ومكن له في الوجود، وجمع له أنظاره.
ولما انتقل إلى الله ذلك السيد، ولقي أسلافه، ونقل إلى سور الجنّة عن سرير الخلافة، وخلا القصر من إمام يمسك ما بقي من نهاره، وخليفة يغالب مزيد الليل بأنواره، ووارث نبي بمثله ومثل آبائه، استغنى الوجود بعد ابن عمه، خاتم الأنبياء ﷺ ، عن نبي يقفي على آثاره، ونسي ولم يعهد، فلم يبق إذ لم يوجد النص إلا الإجماع، وعلته كانت الخلافة، بعد رسول الله ﷺ بلا نزاع، اقتضت المصلحة الجامعة عقد مجلس كل طرف به معقود، وعقد بيعة عليها الله والملائكة شهود، وجمع الناس له، وذلك يوم مجموع له الناس، وذلك يوم مشهود، فحضر من لم يعبأ بعده بمن تخلف، ولم يربأ معه وقد مدّ يده طائعا، لمن مدها، وقد تكلف، وأجمعوا على رأي واحد، استخاروا الله فيه فخار، وأخذ يمين تمد لها الأيمان، وتشدّ بها الإيمان، وتعطى عليها المواثيق، وتعرض أمانتها على كل فريق، حتى تقلد كل من حضر في عنقه هذه الأمانة، وحط على المصحف الكريم يده، وحلف بالله وأتم أيمانه، ولم يقطع ولا استثنى، ولا تردد، ومن قطع عن غير قصد أعاد وجدد، وقد نوى كل من حلف، أن النية في يمينه، نية من عقدت له هذه البيعة، ونية من [ص ٢٠٩] حلف له وتذمم بالوفاء له في ذمته، وتكفله على عادة أيمان
стр. 7719
البيعة وبشروطها، وأحكامها المرددة، وأقسامها المؤكدة، بأن يبذل لهذا الإمام المفترض الطاعة، ولا يفارق الجمهور، ولا يظهر عن الجماعة، وغير ذلك مما تضمنته نسخ الأيمان، المكتتب فيها أسماء من حلف عليها، مما هو مكتوب بخطوط من يكتب منهم، وخطوط العدول والثقات، عن من لم يكتبوا وأذنوا أن يكتب عنهم، حسبما يشهد به بعضهم على بعض، ويتصادق عليه أهل السماء والأرض، بيعة تم بمشيئة الله تمامها، وعم بالصوب المغدق غمامها، وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن، ووهب لنا الحسن، ثم الحمد لله الكافي عبده، الموافي لمن يضاعف على كل موهبة حمده، ثم الحمد لله على نعمة يرغب أمير المؤمنين في ازديادها، ويرهب ألا يقاتل أعداء الله بأمدادها، ويرأب بها من أثر في منابر ممالكه، ما بان من مباينة أضدادها، نحمده والحمد لله، ثم الحمد لله، كلمة لا نمل من تردادها، ولا يخل بما يفوت السهام من سدادها، ولا يطل إلا على ما يوجب تكثير أعدادها، وتكبير أقدار أهل ودادها، وتصغير التحقير لا التحبيب لأندادها.
ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة تتقايس دماء الشهداء وإمداد مدادها، وتتنافس طرر الشباب، وغرر السحاب على استمدادها، وتتجانس رقومها المدبجة وما تلبسه الدولة العباسية من شعارها، والليالي من دثارها، والأعداء من حدادها، صلى الله عليه وعلى جماعة أهله، ومن سلف من أبنائها، وسلف من أجدادها، ورضي الله عن الصحابة أجمعين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد، فإن أمير المؤمنين لما أكسبه الله من ميراث النبوة، ما كان لجده، ووهبه من الملك السليماني، ما لا ينبغي لأحد من بعده، وعلمه منطق الطير، بما يتحمله حمائم البطائق من بدايع البيان، وسخّر له من البريد على متون
стр. 7720
الخيل، ما سخره [ص ٢١٠] من الريح لسليمان، وآتاه من خاتم الأنبياء، ما امتد به أبوه سليمان وتصرف، وأعطاه من الفخار به، ما أطاعه كل مخلوق ولم يتخلف، وجعل له من لباس بني العباس ما يقضي له سواده بسؤدد الأجداد، وينفض على كحل الأهداب ما فضل عن سويداء القلب، وسواد البصر من السواد، ويمد ظله على الأرض وكل مكان حله، دار ملك وكل مدينة بغداد، وهو في ليله السجاد، وفي نهاره العسكري، ومن كرمه جعفر وهو الجواد، يديم الابتهال إلى الله في توفيقه، والابتهاج بما يغص كل عدو بريقه.
ونبدأ يوم هذه المبايعة بما هو الأهم من مصالح الإسلام، وصالح الأعمال، فيما تتحلى به الأيام، ويقدّم التقوى أمامه، ويقرر عليها أحكامه، ويتبع الشرع الشريف ويقف عنده، ويوقف الناس، ومن لا يحمل أمره طائعا على العين، يحمله غصبا على الرأس ويعجل أمير المؤمنين بما تستقر به النفوس، ويرد به كيد الشيطان وإنه يؤوس، ويأخذ بقلوب الرعايا، وهو غني عن هذا، ولكنه يسوس، وأمير المؤمنين يشهد الله وخلقه عليه بأنه أقرّ ولي كل أمر من ولاة أمور الإسلام على حاله، واستمر به في مقيله، تحت كنف ظلاله، على اختلاف طبقات ولاة الأمور، وطرقات الممالك والثغور، برا وبحرا وسهلا ووعرا، وشرقا وغربا، وبعدا وقربا، وكل جليل وحقير، وقليل وكثير، وصغير وكبير، وملك ومملّك وأمير، وجندي، يبرق له سيف شهير ورمح ظهير، ومع من هؤلاء من وزراء وقضاة وكتاب، ومن له تدقيق في إنشاء، وتحقيق في حساب، ومن يتحدث في بريد وخراج، ومن يحتاج إليه، ومن لا يحتاج، ومن في التدريس والمدارس، والربط والزوايا والخوانق، ومن له أعظم التعلقات وأدنى العلائق، وسائر أرباب المراتب، وأصحاب الرواتب، ومن له من مال الله رزق مقسوم، وحق مجهول أو معلوم، استمرارا بكل أمر على ما هو عليه، حتى يستخير الله تعالى، ويتبين له ما
стр. 7721
[ص ٢١١] بين يديه، فمن ازداد تأهيله، زاد تفضيله، وإلا فأمير المؤمنين لا يريد إلا وجه الله، ولا يحابي أحدا في دين، ولا يحابي في حق، فإن المحاباة في الحق مداجاة على المسلمين، وكل ما هو مستمر إلى الآن، مستقر على حكم الله، مما فهمه الله له، وفهّمه سليمان، لا يغير أمير المؤمنين في ذلك، ولا في بعضه مغيرا، شكرا لله على نعمه، وهكذا يجازي من شكر، ولا يكدر على أحد موردا نزه الله نعمه الصافية به عن الكدر، ولا يتأول في ذلك متأول، إلا من جحد النعمة أو كفر، ولا يتعلل متعلل، فإن أمير المؤمنين نعوذ بالله، ونعيذ أيامه من الغير، وأمر أمير المؤمنين، أعلى الله أمره، أن يعلن الخطباء بذكره وذكر سلطان زمانه على المنابر في الآفاق، وأن يصرف باسمهما النقود وتسير بالإطلاق، ويوشح بالدعاء لهما عطف الليل والنهار، ويصرح منه بما يشرق وجه الدرهم والدينار، وتتهيأ به وتتناهى المنابر ودور الضرب هائل يرفع اسمهما على أسرة مهودها، وهذه أعلا أسارير يقودها، فالخطب والذهب معدنهما واحد، وبهما يذكر الله، فهما مساجد، وهذه تقام بسببها الصلاة، وتلك تدام بها الصلات، وكلاهما مما تستمال به القلوب، ولا تلام على ما تعيه الآذان وتوعيه، وما منهما إلا ما تحذف بجواهره الأحداق، وتميل إليه الأعناق، وتبلغ به المقاصد، وكلاهما أمر مطاع، وإذا لمعت بارقة الخطب، طار للذهب شعاع، ولولا [هـ] ما اجتمع جمع ولا انضم، ولا عرف الإمام ممن يأتم، ولولا الأعمال ما رتبت الأموال، ولولا الأموال ما وليت الأعمال، ولأجل ما بينهما من هذه النسبة، قيل إن الملك له السكة والخطبة، وقد أسمع أمير المؤمنين في هذا المجمع المشهود ما يتناقله كل خطيب، ويتداوله كل بعيد وقريب، ومختصره أن الله أمر بأوامر، ونهى بنواه، وهو رقيب، وستفرع الألباب لها [ص ٢١٢] السجايا، وتفرع الخطباء لها شعوب الوصايا، وتتكمّل بها المزايا، وتخرج من المشايخ الخبايا من الزوايا، ويسمر بها السمار، ويترنم الحادي والملاح، ويرق
стр. 7722
سحرها في الليل المقمر، ويرقم على جبين الصباح، وتعطر بها مكة بطحاءها، ويحيا بحدائها قباه، ويلقنها كل أب فهّم ابنه، ويسأل كل ابن يجيب أباه، وهو لكم أيها الناس من أمير المؤمنين مرشد وعليكم بيّنة، وإليكم ما دعاكم به إلى سبيل ربه من الحكمة والموعظة الحسنة، ولأمير المؤمنين عليكم الطاعة، ولولا قيام الرعايا ما قبل الله أعمالها، ولا أمسك بها البحر، ودحا الأرض، وأرسى جبالها، ولا اتفقت الآراء على من يستحق، وجاءت إليه الخلافة تجر أذيالها، وأخذها دون بني أبيه، ولم تك تصلح إلا له، ولم يك يصلح إلا لها.
وقد كفاكم أمير المؤمنين السؤال بما فتح الله (١) لكم من أبواب الأرزاق، وأسباب الارتزاق، وأجراكم على وفاقكم، وعلمكم مكارم الأخلاق، وأجراكم على عوائدكم ولم يمسك خشية الإملاق، ولم يبق لكم على أمير المؤمنين إلا أن يسير فيكم بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ويعمل بما يسعد به من يحيا (٢) أطال الله بقاء أمير المؤمنين من بعده، ويزيد على من تقدم، ويقيم فروض الحج والجهاد، ويقيم الرعايا بعدله الشامل في مهاد أمير المؤمنين، يقيم على عادة آبائه موسم الحج في كل عام، ويشمل ببره سكان الحرمين الشريفين، وسدنة بيت الله الحرام، ويجهز السبيل على ضاله، ويرجو أن يعود على حاله الأول في سالف الأيام، وتتدفق في هذين المسجدين (٣) بحره الزاخر، ويرسل إلى ثالثهما في البيت المقدس ساكب الغمام ويقيم بعدله (٤) قبور الأنبياء، صلوات الله عليهم أين ما كانوا، وأكثرهم في الشام، والجمع والجماعات هي فيكم على
стр. 7723
قديم سننها، وقويم سننها، وستزيد في أيام أمير المؤمنين لمن يضمّ إليه، وفيما يتسلم من بلاد الكفار، ويسلم منهم على يديه.
وأما الجهاد فكفى باجتهاد القائم عن [ص ٢١٣] أمير المؤمنين بمأموره، المقلد عنه جميع ما وراء سريره، وأمير المؤمنين قد وكّل منه - خلد الله ملكه وسلطانه - عينا لا تنام، وقلد سيفا لو أغفت بوارقه ليلة واحدة عن الأعداء سلت خياله عليهم الأحلام، فإنه حقه، وسيؤكد أمير المؤمنين في ارتجاع ما غلب عليه العدى، وانتزاع ما بأيديهم من بلاد الإسلام، فإنه حقه، وإن طال عليه المدى، وقد قدم الوصية بأن يوالي غزو العدو المخذول برا وبحرا ولا يكف عمن ظفر به منهم قتلا وأسرا، ولا يفك أغلالا ولا إصرا، ولا ينفك يرسل عليهم في البر من الخيل عقبانا، وفي البحر غربانا، يحمل كل منهما من كل فارس صقرا، ويحمي الممالك ممن يتخوف أطرافها بإقدام، ويتجول أكنافها بأقدام، وينظر في مصالح القلاع والحصون والثغور، وما يحتاج إليه من آلات القتال، ويحتاج به الأعداء، وتعجز حيلة المحتال، وأمهات الممالك التي هي مرابط البنود، ومرابض الأسود والأمراء والعساكر والجنود، وترتيبهم في الميمنة والميسرة والجناح الممدود، وتفقد أحوالهم بالعرض، بما لهم من خيل تعقد ما بين السماء والأرض، وما لهم من زرد موصوف، وبيض مسها ذائب ذهب، فكانت كأنها بيض مكنون، وسيوف قواضب، ورماح بسيب دوامها من الدماء خواضب، وسهام تواصل القسي وتفارقها، فتحنّ حنين مفارق، وتزمجر القوس زمجرة مغاضب.
وهذه جملة أراد أمير المؤمنين بها إطابة قلوبكم، وإطالة ذيل التطول على مطلوبكم، ودماؤكم وأموالكم وأعراضكم في حماية إلا ما أباح الشرع المطهر، ومزيد الإحسان إليكم، على مقدار ما يخفي منكم ويظهر، وأما جزئيات الأمور فقد علمتم بأن من بعد عن أمير المؤمنين غني عن مثل هذه الذكرى، ومنى حقا
стр. 7724
لا تستغل بتطلب شئ نكرا، وفي ولاة الأمور، ورعاة الجمهور لمن هو سداد عمله، ومزاد أمله، ومراد من هو منكم معشر [ص ٢١٤] الرعايا، وأنتم على تفاوت مقاديركم عندهم وديعة أمير المؤمنين، ومن خوله، وأنتم وهم فما منكم من سيعرف أمير المؤمنين ويمشي في مراضي الله على خلقه، وينظر ما هو عليه، ويسير سيرته المثلى في طاعة ولي خلقه، وكلكم سواء في الحق عند أمير المؤمنين، وله (١) عليكم أداء النصيحة وإبداء الطاعة بسريرة صحيحة، فقد دخل كل منكم في كنف أمير المؤمنين وتحت رقّه، ولزمه حكم بيعته، والتزم طائره في عنقه، وسيعمل كل منكم في الوفاء بما أصبح به عليما، ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا [عظيما].
هذا قول أمير المؤمنين، وقال: وهو يعمل في ذلك كله بما تحمد عاقبته من الأعمال، وتحمل منه ما يصلح له به المال، وعلى هذا عهد إليه وبه يعهد، وما سوى هذا فجور لا يشهد به عليه ولا يشهد، وأمير المؤمنين يستغفر الله على كل حال، ويستعيذ به من الإهمال، ويسأل أن يمده لما يحب من الآمال، ولا يمد له حبل الإمهال، ويختم أمير المؤمنين قوله بما أمر الله به من العدل والإحسان، والحمد لله، وهو من الخلق أحمد، وقد آتاه الله ملك سليمان، والله ممتع أمير المؤمنين بما وهبه، ويملكه أقطار الأرض، ويورثه بعد العمر الطويل عقبه، فلا يزال على سدّة العلياء قعوده، ولدست الخلافة به أبهة الجلالة، كأنه ما مات منصوره، ولا أودى مهديه، ولا ذهب رشيده ...... (٢). [ص ٢١٥] أدام الله أيام الديوان العزيز المولوي السيدي النبوي الإمامي الحاكمي، ونصر به جمع الأيمان، وبشر به بأيامه الزمان، ومتعه بالملك السليماني الذي لا ينبغي لأحد من بعده،
стр. 7725
بما ورثه من سليمان، ولا زال يخضع لمقامه كل جليل، ويعرف لأيامه كل وجه جميل، ويعترف بشرفه كل معترف بالتفضيل، ويشهد بنفاذ أوامره من ذي نسبه الشريف كل أخ وخليل، ولا كان إلا كرمه المأمول، ودعاؤه المقبول، وعدوه المصروع، ووليه المحمول، ولا برحت طاعته يعقد عليها كل جمع، ومراسمه ينصت إليها كل سمع، وطوائف الذين كذبوا لا يتلى عليهم آياته، إلا تولوا وأعينهم تفيض من الدمع ..... (١) المماليك يقبلون الأرض بالأبواب الشريفة، التي هي خطة شرفهم، ومكان تعبد القدماء منهم ومن سلفهم، ويلوذون بذلك المقام، ويعودون بذلك الحزم الذي لا يبعد نسبه من البيت الحرام، ويؤملون ذلك الكرم الذي ما منهم إلا من سعد به طائره، وجاءته به في وجه الصباح أشايره، وفي وجه العشاء بشائره، فنالوا به أقصى المرام، وقضوا به من العمر ما إذا قالوا يا سعد لا يعنون إلا تلك الأيام، وينتهون إلى ما ورد به المرسوم الشريف الذي ما من المماليك إلا من ثبت لديه تقديم عبوديته ورقه، وسارع إلى طائره الميمون وحمله بسيفه، فتح له عينه، وظن أنه حاكم، وامتثلوا أمره، وكيف لا تهتبل الرماة أمر الحاكم، لا سيما ابن عم سيدنا رسول الله ﷺ الإمام الحاكم، وأجلوه عن رفعه على العين، إذ كانت تلك منزلة الحاجب، وقدموا إليه خوافق قلوبهم الطائرة، وما علموا إن كانوا قاموا بالواجب، ووقفوا على أحكام حاكمه، فما شكوا أن زمان هذا الفتى بحياة ناصره في بغداد قد عادوا مثاله الممثل في سواد الحدق، مما حملته أيامه العباسية من شعار السواد، وعلموا ما رسم به في معنى محمد بن الحمص الذي [ص ٢١٥] ما نورت الليلة الظلماء أكاريخه، ولا بعدت في الإقعاد له تواريخه، بل أخمدت دموع ندمه نيرانه المشعلة، وأصبح به لا يحمل القوس في يده، إلا على أنه مشعلة، وما كان أنهاه
стр. 7726
بالديوان العزيز ما لم يذكر الخواطر الشريفة بأنه فيه المقتدري، وأنه صاحب القوس إلا أنه ماله سعادة المشتري، وأنه موه تمويه الجاحد، وتلون مثل قوس قزح، وإلا فقوس البندق قوس واحد، وأدلى بغروره وعرض المحضر الذي حمله على تغريره، وذلك في غيبة الأمير بهاء الدين أرسلان البندقدار الحاكمي، الذي لو كان حاضرا لكان نبّأ بخبره وأحسن بالإعلام بسوء محضره، وتحيل لأخذ الخط الشريف الذي لو عقل لكان حجة عليه، ومؤكد الأبطال رميه وقوسه وبندقه في يديه، لما تضمّنه الخط الشريف المقيد اللفظ بعد الاسوله (١) المكتتب على المصطلح الساحب ذيل فخاره على المقترح، الذي هدي إلى الخير، وبدا به ما وهب من الملك السليماني الذي أوتى من كل شئ، وعلم منطق الطير، فإنه لم يلبث إلا بأن يرمى على الوجه المرضي، واستبقى شروط البندق، والخروج من جميع الأشكال، عملا بقواعده، وهذا الذي كتب له يكتب ويستمر قعوده، ويبكت ويعلم به أنه ما رعي حق قدمته، ولا فعل في الباب العزيز ما يجب من التحلي بشعار الصدق في خدمته، وأنه خالف عادة الأدب، وأخطأ في الكل لكنه ندب، وذلك بعد أن عمل جمع برماة البندق، وسئل فأجاب بأنه سالم من كل إشكال يشكل، وأنه بعد أن أقعد رمى، وحمل وحمل فشهد عليه السادة الأمراء ولاة العهد إخوة أمير المؤمنين، ومن حضر وكتبوا خطوطهم في المحضر، وما حصل الآن عند عرض قصة المماليك بالمواقف المقدسة، ووضوح قضيته المدنسة من التعجب من اعتراف المماليك، لكونهم زموا معه بعد أن رأوا الخط الشريف، وهو لفظ مفيد، وأمر أيد فيه رأي الإمام الحاكم بأمر الله، المسترشد بالله والمؤيد، وكل ما أمر به أمير المؤمنين لا معدل عن صرفه، ولا جدال إلا به، إذا ألزم كل [ص ٢١٧] أحد طائره في عنقه، وأمر أمير المؤمنين بحر لا مدد إلا
стр. 7727
من علمه، وهو الحاكم، ولا راد لحكمه، وإنما ابن الحمص المذكور عدم السداد، وخالف جاري العادة، فإنه الذي سلق في الافتراء بألسنة حداد، ولم يوقف المماليك من الخط الشريف إلا على بعضه، ولا رآهم من برقه المهلك غير ومضه، والذي أوقفهم عليه من أن يرمي محمد الحمص، ويرمى معه، وكلمة أمير المؤمنين مسمعة، ومن اسمه متبعة، وإذا تقدم كان كل الناس تبعه، غير أن المذكور بدت منه أمور قطع بها الأمير صارم الدين صارجا الحاكم في البندق، كان في حقه، وأقعده عن قدمته التي كان يمت فيها بسيفه، وانتقل عنه غلمانه، وثقل عنه زمانه، ونودي عليه في جمع كبير يزيد على تسعين قوسا، وخرج بخطإ بندقه جرحا لا يوسى، ثم بعد مدة سنين توسل لولد الأمير المرحوم سيف الدين تنكز إلى أبيه، وتوصل به إلى مراميه، فأمر بأن يرمى معه، وهدد المخالف بالضرب ولم يرم معه أحد برضاه، إلا خوفا أن توقد عليه نار الحرب، فلما مضت تلك الأيام وانقضت تلك الأحلام، جمع مملوك الأبواب العالية الأمير علاء الدين أبي الأبوبكري الحاكم الآن في البندق من رماة البندق جمعا كثيرا، واهتم به اهتماما كبيرا، وذكر أمر المذكور، وأحضر محضره المسطور، فلم يكن عليه تعويل، ولا في حكم الحاكم المتقدم تعليل، ولا عند هذا الحاكم الذي ادعى له، وادعى عنده بحور الأباطيل، وتحقق أن الحق فيما حكم به عليه فسمع، وترجح أن لا يقام معه من أقعد، ولا يوصل ما قطع، فنفذ حكم الحاكم المتقدم واستمر بقعوده المتحتم، ووافقه على هذا سائر الرماة بالبلاد الشامية وحكامها، ومن يرجع إليه في الرماية وأحكامها، وبطلت قدمة المذكور التي ذهب فيها عمره ضائعا، وزمانه الذي لو اشتريت منه ساعة بالعمر لم يكن بائعا، ولما ورد الآن هذا المرسوم الشريف، زاده الله شرفا، قبلوا الأرض لديه، وأوقفوا عليه حاكمهم المسمى، فوقف له وعليه، وجمع له [ص ٢١٨] جمعا لم يدع فيه من الرماة
стр. 7728
معتبرا، ولا من يلقم القوس وترا، ولا من إذا فقد كالعين جرى ما جرى، ثم قرأ عليهم ما تضمن، ودعوا لأمير المؤمنين ولم يبق منهم إلا من دعا أو أمّن، وتضاعف سرورهم بحكمه الذي دفع الخلل، وقطع الجدل، وقالوا لا عدمنا أيام هذا الحاكم الذي أنصف، والإمام الذي عدل، وبقي ابن الحمص مثلة، ونودي عليه أنه من رمى معه كان متخطيا مثله، ووقرت هذه المناداة في كل مسمع، وقرت استقرارا انفصل عليه المجمع، وذلك بما فهم من أمير المؤمنين، ونص كتابه المبين، وبما قضى الله به على لسان خليفته الحاكم، والله أحكم الحاكمين، وطالعوا بها، وأنهوا صورة الحال، ووجهوا في إمضائه الآمال، لا زالت سعادة أمير المؤمنين منزهة عن الشبه، آخذة من خير الدارين كل اثنين في وجه، تحصل كل رمية عن كثب، ولا يرى في كل أمنية إلا كل مصطحب، ما عبّ في السماء المرزم، ووقع العقاب على ثنية، يقرع سنه ويتندم، وعلا السن الطائف، والواقع على آثاره، وسائر طيور النجوم الحوّم ..... (١) [ص ٢١٩]، يقبل اليد الشريفة، لا زال اعتناؤها أحد النجاحين، وأحد السلاحين، وأقوى القوادم، إذا جنى الحين حص (٢) الجناحين، وتقدم شكرا يعجله لما يؤمله من نواله قبل سؤاله، ويرجوه بإمامه بجاهه، أو بما له بسبب ناصر الدين محمد بن الحمص أحد قدماء البندق، فقد علم ما جرى له مع رفاقه وكساده عندهم بعد نفاقه، وأنهم نتفوا ريشه، ثم عادوا عليه ورشقوه، وأوقدوا له النار، ثم جابوا الحمص الحزين وسلقوه، ثم إنهم لما سلقوه، أكلوه بألسنتهم الحداد، وطحنوه بسواعدهم الشداد، وهو المعتر الآن بينهم في غاية الإضامة، وقد تنقّلوا بعرضه وجعلوه قضامة، وما تكلم في الجمع الذي جمع له، حاشا مولانا الا فشّروه، وقالوا نحن
стр. 7729
أخبر بك يا حمص، ثم إنهم قشّروه، وعملوا معه عمل رماة البندق، حتى رموه في وسط الموجلة، وقرعوا من كل أحد وخلّوه لهم مشغلة، وما رئي من الريحة الحمص إلا الصارخ، ولا عرفوا قدره إلا بالكسرة فحصّلوا القدرة، وقدموا النافخ، وقد مضى عليه زمان وهو كبير الجماعة وجائل القدر بينهم، قبل أن يأكلوا الحمص بينهم هذا الأكل من المجاعة، وما فطن لهم، وقد حطبوا عليه هذا التحطيب فرّط، وأوقدوا جمرته وغطوا عليه القضية حتى طخوا (١) قدرته، وصادفوا كل الطير بمعاداته، واستراحوا من الملق بابطال عاداته، وقد زمن المسكين من طول القعود، وندس لما لم يخرج إلى البرزات في الربيع، وقد دب الماء في العود، وقد قتله طول الاختشاء، وذهب عمره وما سرّ له قلب في وجه صباح، ولا وجه عشاء، وكلما أراد أن ينطق، قيل له اسكت لا تتكلم، واستمرّ قاعدا مكانك لا تتقدم، والمذكور له منذ طار بجناح المولى نجاح، وقد أصيب وله سوابق، فيحمل بالسبق وبالجناح، وقد آن لهذا الزّمن المقعد أن يقف على قدمه، ولهذا الطير المذبوح بلا سكين أن يسكن مما يتخبط في دمه، وسيقف مولانا على ما يرد من الجواب، وما فيه وارد، ويرى كيف [ص ٢٢٠] تجمعت الرماة عليه ورموه عن قوس واحد (٢)، ويعوزه عناية تمد لها هذه الطيور أعناقها، وتعجل له من أحواله المسترقة أعناقها، وذلك بجمع يجمع بالديار المصرية، بحضرة الإمامة، ومكان لا يغمّ على أحد فيه إلا أوقات الهجير ظل الغمامة، فقد ضجر هذا الذاهب المهجر في حب البندق، مما يصبر ومما يؤجر، وقد يبس قوسه، وصار حطبة مما هو مفكوك ما يوتر، وهو مما لا ينقلب من غير مرامي البندق إلى أهله مسرورا، وممن يهون عليه إذا أخذ قوسه أن يفقد عينيه ويكون موتورا، وقد قنع من المملوك بالشفاعة، وبان يتلطخ بندقه بالدم ويقنع
стр. 7730
بالشناعة، فقد شكا في هذه المدة لعدم الحمل كمندانه (١) وقعوده وقد برز إلى البر جماعة أخدانه، وهو الآن مما طحنوه مثل هشيم المحتضر، وقوسه قد التوى عنقه، لكن إلى صوب مولانا لما ينتظر، وفي الحديث: (استعينوا على كل صنعة بصالح أهلها)، وهذا في صنعة البندق هو الصالح الفاسد، وله في كثرة رمي البندق ما لا تنكره الحاسة، وأعجب الأشياء أن اللحم بعده قد قل، ومع هذا الحمص كاسد، وعلى هذا فقد طالت على هذا الشيخ الصالح كما تقدم الخلوة، فقد نضج الحمص، وأما السلق الذي دقوا به قفاه، فبعد عليه غلوه، وقد مزقوا جلده أضعاف ما قدّ لعلائق جراوته من السيور، ودقّ دقا ناعما مثل القضامة (٢) وجعل في معالف الطيور، ولا يرد المولى له الشفيع المشفع، ويخفف ما به، فكله حتى عين قوسه بكاء ما يجف لها مدمع.
стр. 7731
وهذه الدولة الأموية
وانساق فيها ذكر ابن الزبير، لأن أيامه تخللتها وشغلتها مدة ما أخلتها، وأتينا بهذه الدولة الأموية مؤخرة هنا، وهي مقدمة [ص ٢٢١] في الزمان على حسب النسب، والكل من جوهر منه ما طفا، ومنه ما رسب.
٩٧ - دولة معاوية بن أبي سفيان
صخر بن حرب بن أمية (١)، الأمية الأصغر بن عبد شمس بن عبد مناف، وزعم قوم أن لهم ألقابا مثل ألقاب بني العباس، يجري إلقاؤها بينهم على القياس، وهذا لمن كان منهم بدمشق، ولا يدعي في هذا قول حق، فأما من كان منهم في الأندلس، فإنهم تعرفوا بعواري أعلامها، وتشرفوا بطوارق أحلامها، ونحن لا نذكر معهم أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁، إذ لم يكن لذكره هنا معنى، ولا مع الخلفاء الراشدين مجنى، وإنما نذكر دولة بني حرب
стр. 7732
ومروان من لدن معاوية إلى آخر أوان.
كان معاوية صاحب رسول الله ﷺ ، وكاتب الوحي منذ أسلم، ثم كانت له منزلة قريبة وصلة بأم حبيبة، أسلم يوم فتح مكة، وفتّ في مهاب الكفر شركه، وكان يقول إنه أسلم من قبل، وإنما كان يكتم إسلامه ويظهر لأبيه مطاوعته واستسلامه، وإنما هي دعوى الله أعلم بغيبها، وأحكم بما فيها جلاء ريبها، وإنما إجماع المحدثين والقديمين والمحدّثين على أنه هو وأبوه وأخوه وذووه من مسلمة الفتح قولا ثبتا، وقطعا بتا، طلقاء الفتح، وعتقاء الصفح، أخذ العباس ﵁ لأبي سفيان الأمان، وأتى به رسول الله ﷺ ، فقبل إسلامه على ما كان، وكرّمه بأمور منها أنه كل من دخل دار أبي سفيان على ما تقدم من السيرة، ثم كانت إلى الله السريرة، فأما الظاهر فإنهم من المؤلفة قلوبهم، والمؤلّبة على أول الإسلام وآخره حروبهم، وكان معاوية ﵁ كثير السؤدد لا يخف كالجبل القردد (١) بحر لا يدرك قراره، وطود لا يدهك (٢) وقاره، وفحل لا يرد نفاره [ص ٢٢٢]، ومنصل لا يحد غراره، طبع الحلم فيه غريزة، ووضع السداد فيه نحيزة (٣)، ولم يكن أوسع منه بطانا ولا أمنع منه سلطانا، لا يؤثر ذنب في غزير حلمه، ولا يؤاخذ مسيئا بكبير جرمه، لو أن أمله في النجم لبلغه، أو في اليم لسوغه، بحيل أصيد من الفخاخ، وأجول في الفضاء من الرخاخ (٤)، بتلطف لو أراد لتشرب في مسام الزجاج، وعذب به مذاق البحر الأجاج، أمّره أمير المؤمنين عمر ﵁
стр. 7733
بعد أخيه يزيد، وقرره على الشام كما يريد، فقرت بها قرارته، وأقمرت فيها دارته، وتحبّب إلى أهلها حتى كأنه بينهم ربي، أو لهم خبي، لتألفه لأهوائهم، وتعرفه لأدوائهم، بما دخل به على قلوبهم، لسد خلل مطلوبهم، فاستحمل طوياتهم، واستعبد نياتهم، حتى اتخذهم شيعة، وأنفذهم سهاما في كل وقيعة، واستمر حتى قتل أمير المؤمنين عثمان ﵁، فقام يطلب بدمه، ويبدي التغصص بندمه، وشهر بالبكاء دمعته، وشهر بالانتكاء سمعته، وقال:
أنا ولي عثمان، لا أرجع بأربع ولا بثمان، لا أبيع دمي بالأثمان، ولا أتبع قدمي إلا المضرج بدمه ذلك الجمان، وذلك دين لم يقره أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه على الشام واليا، ولم يقله للإسلام كاليا.
قال ابن عباس ﵁: يا أمير المؤمنين، ولّه شهرا واعزله دهرا، فقال: (وما كنت متخذ المضلين عضدا) (١)، وكذلك قد كان، قال له المغيرة (٢)، وهو أحد العرب دهاء، وأحق بحد لا يطرف عنه عينه التهاء، فأجابه بنحو فحوى ذلك الجواب، وكان سوى ما قصد الصواب، فلما رأى المغيرة أنه لا يقبل رأيه، تركه وصوب له رأيه وهو مهلكه، فأتاه ابن عباس والمغيرة قد خرج
стр. 7734
من عنده وما حرج نار رأيه من زنده، فلما دخل عليه قال له: ما قال لك المغيرة وما أجبته؟ فلما قص عليه القصص، قال: ولم خالفته وقد [ص ٢٢٣] نصحك والله أولا، وغشك ثانيا، وقرب له الرأي فلم يكن له مدانيا، فلما أتى كتاب عليّ معاوية ألقاه، وقبله صدر الحيل ولقاه، وأيّد بعمرو بن العاص ﵁، وأدرج طلب الخلافة في أمر القصاص، فنشاب تلك الحروب السجال، والحرور المتلفة لمهج الرجال، حتى كادت تأتي على الإسلام، وتحوي في حضانه السيوف من لم يبلغ الاحتلام، وبإجماع العلماء أن حزب الشام هم البغاة الناطق كتاب الله بحربهم المصيب عليّ ﵁ في قتال حزبهم، ولا يعدّ أهل الحق لمعاوية خلافة، إلا منذ سلم إليه الحسن، فسلم من الفتن.
وكانت أمه هند (١) بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس عند الفاكه بن المغيرة المخزومي، وكان له بيت للأضياف يغشاه الناس فيه بغير إذنه، فقعد فيه يوما ومعه هند، ثم خرج عنها وتركها به نائمة، فجاء بعض من كان يغشى البيت فدخل عليها، وخرج فجاء الفاكه ونبهها وقال لها: من هذا الذي خرج من عندك؟ قالت له ما انتبهت حتى نبهتني، فقال لها: الحقي بأهلك، فخاض الناس في أمرهم، فقال لها أبوها: أتبيني شأنك؟ فقالت: والله يا أبة إنه لكاذب، فخرج
стр. 7735
به وهند معه ليحاكمه إلى بعض كهان اليمن، فلما قاربوه تغير وجه هند، فقال أبوها: ألا ذلك قبل أن يشتهر خروجنا في الناس، قالت: والله ما ذلك لمكروه قبلي، ولكنا نأتي بشرا يخطئ ويصيب، ولعله يسمني بميسم يبقى عليّ، قال: صدقت، وسأختبره، فأصفر لفرسه فأدلى، فعمد إلى حبّة برّ فأدخلها في إحليل الفرس، ثم أوكأ (١) عليها، فلما نزلوا على الكاهن قال له: إنّا قد أتيناك في أمر وقد خبّأت لك شيئا أختبرك به، فما هو؟ قال: ثمرة في كمرة، قال:
أبن (٢) ما هذا؟ قال: حبة بر في إحليل مهر، قال: صدقت، فانظر في أمر هؤلاء النسوة، فجعل يمسح على رأس كل امرأة منهن ويقول: قومي لشأنك، حتى بلغ هندا [ص ٢٢٣] مسح على رأسها وقال: قومي غير رشحاء ولا زانية، وستلدين ملكا اسمه معاوية، فلما خرجت أخذ الفاكه بيدها، فأزالت يدها من يده وقالت: والله لأحرصن أن يكون من غيرك، فتزوجها أبو سفيان فولدت له معاوية.
وعن أبي السائب قال: كان رأس معاوية كبيرا، فقال أبو سفيان: والله ليسودنّ قريشا، فقالت هند: ثكلته إن لم يسد (٣) العرب قاطبة، وحكي أن هندا لما فارقها الفاكه ورآها الكاهن اليمني، قالت لأبيها: إنك زوجتني ولم تؤامرني في نفسي، فعرض ما ترى، فلا تزوجني أبدا زوجا حتى تعرض عليّ خصاله، فخطبها بعد ذلك سهيل بن عمرو وأبو سفيان بن حرب، فدخل عليها أبوها فقال:
стр. 7736
[الطويل]
أتاك سهيل وابن حرب وفيهما … رضى لك يا هند الهنود ومقنع
فما منهما إلا كريم مرزّأ … وما منهما إلا أغرّ سميدع
فدونك فاختاري، فأنت بصيرة … ولا تخدعي إن المخادع يخدع
قالت: فسّر لي خصالهما، فبدأها بذكر سهيل، فقال: أما إحداهما ففي ثروة وسيطة من العشيرة، إن تابعته يأتيك، وإن ملت عنه حط إليك تحكمين عليه في ماله وأهله، وأما الآخر فموسع عليه، منظور إليه في الحسب الحسيب، والرأى الأريب، مدره أرومته، وغرّة عشيرته شديد الغيرة كثير النظرة، لا ينام عن ضبعه، ولا يرفع عصاه عن أهله، قالت: أما الأول، فسيد مصناع للحرة، فما عست أن تلين بعد إبائها، تابعها بعلها فأشرت، وخافها أهلها فأمنت، فساءت عند ذلك وقبح هناك دلالها، فإن جاءت بولد من هذا أجمعت، وإن نجبت فعن خطأ ما أنجبت، فاطو ذكر هذا عنّي، وأما الآخر فبعل الفتاة الخريدة الحرة العفيفة، وإني التي لا تريب له عشيرة فتغيره، ولا يصيبه مذعر فيضيره، فزوجنيه، فزوجها من أبي سفيان، ويقال إنه أهديت [ص ٢٢٥] للكعبة جزر من أحد ملوك الهند، وقال: لا ينحرها إلا أعز من بمكة، فقالت له هند وهو في سابعها، اخرج لئلا يسبقك أحد إلى هذه الكرامة، فقال لها: دعيني وشأني، والله لا ينحرها أحد إلا نحرته، فربطت الجزر بفناء الكعبة حتى خرج أبو سفيان من سابعه فنحرها.
وأما ما كان بين عليّ ومعاوية ﵄، فلا حاجة لنا إلى ذكره لشهرته، إلا أن الإجماع على أن عليا ﵁، قاتل الفئة الباغية حزب معاوية، ولما استثبت له الأمر، دخل عليه سعد بن أبي وقاص (١) ﵁،
стр. 7737
فقال: السلام عليك أيها الملك، فضحك معاوية وقال: ما كان عليك يا أبا إسحاق رحمك الله، لو قلت يا أمير المؤمنين، فقال: أتقولها جذلان ضاحكا، والله ما أحب أني وليتها بما وليتها به.
وقال معاوية: لو وزنت بالدنيا لرجحت بها، ولكني وزنت بالآخرة فرجحت بي، ويقال إنه [أول] من حول الخلافة ملكا، وأول من ترك حدا من حدود الله، ترك رجلا وجب عليه القطع، وأما بعد غوره، فقد حكي أنه قال لعمرو بن العاص (١): أينا أدهى، قال: أما في البديهة فأنا، وأما في الأناة فأنت، قال معاوية: اصغ لي أسارك بشئ، فأدنى رأسه، وكانا خلوين يتساران، فقال له معاوية غلبتك. أيها الداهية، هل هاهنا أحد أسارّك دونه، وقال له يوما: ما بلغ
стр. 7738
من دهائك؟ فقال: لم أدخل في أمر إلا خرجت منه، قال معاوية: لكني لم أدخل في أمر فاحتجت إلى طلب الخروج منه، وحكي أنه أسر رجل من قريش فحمل إلى صاحب القسطنطينية، فكلمه ملك الروم، فأجابه بجواب لم يوافقه، فقام إليه رجل من بطارقته فوكزه، فقال القرشي: وا معاويتاه فقد أعقلت أمورنا وأضعتنا، فأتاه الخبر، فطوى عليه، حتى احتال في فدائه، فلما وصل سأله عن اسم البطريق، فلما عرفه أرسله إلى رجل من قواد صور، وكان من قواد البحر المشاهير بالنجدة والبأس، وقال له: أنشئ مركبا يكون له مجاذيف [ص ٢٢٦] في جوفه وسافر إلى بلاد الروم، على أنك سافرت مستترا منا، وتوصل بملك الروم ومكّنه، واحمل الهدايا إلى جميع أصحابه، ولا تعرض لفلان، يعني الذي لطم القرشي، واعمل كأنك لا تعرفه، فإذا كلمك وقال لك: لأي معنى تهادي أصحابي وتتركني، اعتذر إليه وقل له، أنا رجل أدخل إلى هذه المواضع متسترا ولا أعرف إلا من عرفت به، فلو عرفت بك لهاديتك كما هاديت أصحابك، ولكني إذا انصرفت إليكم مرة أخرى سأعرف حقك، فلما انصرف إليهم ثانية هاداه وألطفه، وأربى في هديته على أصحابه، حتى اطمأن إليه البطريق، ثم قال له: كنت أحب أن تجلب إليّ من بلاد المسلمين بساط ديباج يكون على ألوان الزهر، فقال له: نعم، ثم رجع إلى معاوية فأخبره بما طلب، فأمر أن يشترى له بساط على ما وصف له، وقال له: إذا دخلت وادي القسطنطينية أخرج البساط وابسطه على ظهر المركب، وتربص حتى يصل إليه الخبر، لعله يحمله الشره على الدخول إليك، فاذا حصل عندك، عرّفت رجالك بالإمارة ليخرجوا المجاذيف المخبأة وتكر به راجعا إلى بلاد الإسلام، ففعل ما أمره به، فلما بسط ذلك البساط على مركبه، وأتى البطريق الخبر، فحمله الحرص والنشاط إلى أن دخل إليه، فلما حصل في المركب أظهر الإمارة التي كانت بينه وبين رجاله، وكرّ به راجعا إلى بلاد الإسلام، حتى وصل به إلى معاوية، فأحضر معاوية القرشي، وقال له: هذا
стр. 7739
صاحبك؟ قال: نعم، قال: فقم فاصنع به مثل ما صنع بك ولا تزد، فقام القرشي فوكزه كما كان فعل به العلج، ثم قال معاوية للعلج: ارجع إلى ملكك وقل له: تركت ملك الإسلام يقتص ممن حولك، ثم قال للذي أتى به انصرف به إلى أول أرض الروم واتركه واترك له البساط، وكل ما سألك أن تحمله إليه من هدية، فانصرف به إلى فم وادي القسطنطينية فوجد ملك الروم قد صنع [ص ٢٢٧] سلسلة على فم الوادي، ووكل بها الرجال، فلا يدخل أحد الوادي إلا بإذنه، فأخرج به العلج وكل من كان معه ومن معه، فلما وصل إلى ملكه وصف له ما صنع به معاوية، قال: هذا ملك كثير الحيلة، فعظم معاوية في أعينهم، وفي نفوسهم، فوق ما كان.
ومن حيله التي انعكست عليه أمر زينب بنت إسحاق زوج عبد الله بن سلام القرشي، وكان واليا على العراق لمعاوية، وكانت زينب مثلا في نساء زمانها، جمالا ومالا وشرفا وأدبا، وكان يزيد بن معاوية قد سمع بما هي عليه، ففتن بها، فلما عيل صبره فاستراح بالحديث إلى بعض خصيان أبيه، وكان ذلك الخصي خاصا بمعاوية، فذكر له ذلك، فبعث معاوية إلى يزيد، فسأله، فبث له حاله، فقال: مهلا يا يزيد، فقال: أتأمرني بالمهل وقد عيل الصبر، فقال: اكتم يا بني أمرك، فإن البوح به غير نافعك، والله بالغ أمره فيك، ثم أخذ معاوية في الحيلة ليزيد، فكتب إلى عبد الله بن سلام أن أقبل حين تنظر كتابي هذا لأمر فيه حظك، فلما قدم عليه ابن سلام، أمر معاوية أن ينزل منزلا قد هيأه له، وأعد فيه نزله، ثم قال لأبي هريرة وأبي الدرداء، وكانا يومئذ عنده: إن الله قد قسم بين عباده نعما أوجب عليهم فيها شكرها، وحتم عليهم حفظها، فحباني منها بأتم الشرف ليبلوني، أشكر أم أكفر، وأول ما ينبغي للمرء أن ينفّذه أمر من لا غناء به عنه، وقد بلغت لي ابنة أريد إنكاحها، وقد رضيت لها عبد الله بن سلام القرشي، لشرفه ودينه وفضله، ثم قال لهما، ألا فاذكرا ذلك له، وكنت قد
стр. 7740
جعلت لها في نفسها شورى، غير أني أرجو أن لا تخرج من رأيي، فأتيا ابن سلام، فذكرا ذلك له، ثم دخل على ابنته فقال لها: إذا دخل إليك أبو هريرة وأبو الدرداء، فعرضا عليك أمر ابن سلام، قولي لهما: عبد الله كفء كريم، وقريب حميم، غير أن تحته زينب [ص ٢٢٧] بنت إسحاق، وأنا خائفة أن يعرض لي من الغيرة ما يعرض للنساء، فأتناول منه ما يسخط الله فيه، ولست بفاعلة حتى يفارقها، فلما ذكرا ذلك لابن سلام قال لهما: حبذا ذلك، ومن لي به، فجاءا معاوية فذكرا له ما قال، [قال]: فدخلا إليها فاستأمراها، فلما دخلا إليها، قالت لهما ذلك القول، فقال: اذهبا فأعلماه، فلما أتياه فأعلماه، ظن أنه لا يمنعها منه إلا فراق زينب، أشهدهما بطلاقها وبعث بهما إليه خاطبين، فلما أتياه أظهر الكرامة لفعله، وقال: ما كنت لأستحسن له طلاق امرأته، فانصرفا إلى غد ثم استأذناها، ثم كتب إلى ابنه يزيد بالخبر، ثم شرع في مطل ابن سلام والأخذ به من يوم إلى يوم، ثم أبت بنت معاوية إلا المنع، فعلم أنه إنما خدع، فقال: ليس لأمر الله راد، ولا لما لابد منه صاد، فإن المرء وإن كمل له حلمه، واجتمع له عقله، واستد (١) رأيه ليس بدافع عن نفسه قدرا برأي ولا كيد، ولعل ما سولوا به، واستجدلوا به (٢)، لا تدوم لهم سروره، ولا يصرف عنهم محذوره، فلما انقضت أقراؤها، وجه معاوية أبا الدرداء (٣) إلى العراق خاطبا