← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11790

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط المجمع الثقافي

ابن فضل الله العمري

Полный текст (8 839 стр.). Показаны 7736–7775 · переход к 7741.

стр. 7736

[الطويل] أتاك سهيل وابن حرب وفيهما … رضى لك يا هند الهنود ومقنع فما منهما إلا كريم مرزّأ … وما منهما إلا أغرّ سميدع فدونك فاختاري، فأنت بصيرة … ولا تخدعي إن المخادع يخدع قالت: فسّر لي خصالهما، فبدأها بذكر سهيل، فقال: أما إحداهما ففي ثروة وسيطة من العشيرة، إن تابعته يأتيك، وإن ملت عنه حط إليك تحكمين عليه في ماله وأهله، وأما الآخر فموسع عليه، منظور إليه في الحسب الحسيب، والرأى الأريب، مدره أرومته، وغرّة عشيرته شديد الغيرة كثير النظرة، لا ينام عن ضبعه، ولا يرفع عصاه عن أهله، قالت: أما الأول، فسيد مصناع للحرة، فما عست أن تلين بعد إبائها، تابعها بعلها فأشرت، وخافها أهلها فأمنت، فساءت عند ذلك وقبح هناك دلالها، فإن جاءت بولد من هذا أجمعت، وإن نجبت فعن خطأ ما أنجبت، فاطو ذكر هذا عنّي، وأما الآخر فبعل الفتاة الخريدة الحرة العفيفة، وإني التي لا تريب له عشيرة فتغيره، ولا يصيبه مذعر فيضيره، فزوجنيه، فزوجها من أبي سفيان، ويقال إنه أهديت [ص ٢٢٥] للكعبة جزر من أحد ملوك الهند، وقال: لا ينحرها إلا أعز من بمكة، فقالت له هند وهو في سابعها، اخرج لئلا يسبقك أحد إلى هذه الكرامة، فقال لها: دعيني وشأني، والله لا ينحرها أحد إلا نحرته، فربطت الجزر بفناء الكعبة حتى خرج أبو سفيان من سابعه فنحرها. وأما ما كان بين عليّ ومعاوية ﵄، فلا حاجة لنا إلى ذكره لشهرته، إلا أن الإجماع على أن عليا ﵁، قاتل الفئة الباغية حزب معاوية، ولما استثبت له الأمر، دخل عليه سعد بن أبي وقاص (١) ﵁،

стр. 7737

فقال: السلام عليك أيها الملك، فضحك معاوية وقال: ما كان عليك يا أبا إسحاق رحمك الله، لو قلت يا أمير المؤمنين، فقال: أتقولها جذلان ضاحكا، والله ما أحب أني وليتها بما وليتها به. وقال معاوية: لو وزنت بالدنيا لرجحت بها، ولكني وزنت بالآخرة فرجحت بي، ويقال إنه [أول] من حول الخلافة ملكا، وأول من ترك حدا من حدود الله، ترك رجلا وجب عليه القطع، وأما بعد غوره، فقد حكي أنه قال لعمرو بن العاص (١): أينا أدهى، قال: أما في البديهة فأنا، وأما في الأناة فأنت، قال معاوية: اصغ لي أسارك بشئ، فأدنى رأسه، وكانا خلوين يتساران، فقال له معاوية غلبتك. أيها الداهية، هل هاهنا أحد أسارّك دونه، وقال له يوما: ما بلغ

стр. 7738

من دهائك؟ فقال: لم أدخل في أمر إلا خرجت منه، قال معاوية: لكني لم أدخل في أمر فاحتجت إلى طلب الخروج منه، وحكي أنه أسر رجل من قريش فحمل إلى صاحب القسطنطينية، فكلمه ملك الروم، فأجابه بجواب لم يوافقه، فقام إليه رجل من بطارقته فوكزه، فقال القرشي: وا معاويتاه فقد أعقلت أمورنا وأضعتنا، فأتاه الخبر، فطوى عليه، حتى احتال في فدائه، فلما وصل سأله عن اسم البطريق، فلما عرفه أرسله إلى رجل من قواد صور، وكان من قواد البحر المشاهير بالنجدة والبأس، وقال له: أنشئ مركبا يكون له مجاذيف [ص ٢٢٦] في جوفه وسافر إلى بلاد الروم، على أنك سافرت مستترا منا، وتوصل بملك الروم ومكّنه، واحمل الهدايا إلى جميع أصحابه، ولا تعرض لفلان، يعني الذي لطم القرشي، واعمل كأنك لا تعرفه، فإذا كلمك وقال لك: لأي معنى تهادي أصحابي وتتركني، اعتذر إليه وقل له، أنا رجل أدخل إلى هذه المواضع متسترا ولا أعرف إلا من عرفت به، فلو عرفت بك لهاديتك كما هاديت أصحابك، ولكني إذا انصرفت إليكم مرة أخرى سأعرف حقك، فلما انصرف إليهم ثانية هاداه وألطفه، وأربى في هديته على أصحابه، حتى اطمأن إليه البطريق، ثم قال له: كنت أحب أن تجلب إليّ من بلاد المسلمين بساط ديباج يكون على ألوان الزهر، فقال له: نعم، ثم رجع إلى معاوية فأخبره بما طلب، فأمر أن يشترى له بساط على ما وصف له، وقال له: إذا دخلت وادي القسطنطينية أخرج البساط وابسطه على ظهر المركب، وتربص حتى يصل إليه الخبر، لعله يحمله الشره على الدخول إليك، فاذا حصل عندك، عرّفت رجالك بالإمارة ليخرجوا المجاذيف المخبأة وتكر به راجعا إلى بلاد الإسلام، ففعل ما أمره به، فلما بسط ذلك البساط على مركبه، وأتى البطريق الخبر، فحمله الحرص والنشاط إلى أن دخل إليه، فلما حصل في المركب أظهر الإمارة التي كانت بينه وبين رجاله، وكرّ به راجعا إلى بلاد الإسلام، حتى وصل به إلى معاوية، فأحضر معاوية القرشي، وقال له: هذا

стр. 7739

صاحبك؟ قال: نعم، قال: فقم فاصنع به مثل ما صنع بك ولا تزد، فقام القرشي فوكزه كما كان فعل به العلج، ثم قال معاوية للعلج: ارجع إلى ملكك وقل له: تركت ملك الإسلام يقتص ممن حولك، ثم قال للذي أتى به انصرف به إلى أول أرض الروم واتركه واترك له البساط، وكل ما سألك أن تحمله إليه من هدية، فانصرف به إلى فم وادي القسطنطينية فوجد ملك الروم قد صنع [ص ٢٢٧] سلسلة على فم الوادي، ووكل بها الرجال، فلا يدخل أحد الوادي إلا بإذنه، فأخرج به العلج وكل من كان معه ومن معه، فلما وصل إلى ملكه وصف له ما صنع به معاوية، قال: هذا ملك كثير الحيلة، فعظم معاوية في أعينهم، وفي نفوسهم، فوق ما كان. ومن حيله التي انعكست عليه أمر زينب بنت إسحاق زوج عبد الله بن سلام القرشي، وكان واليا على العراق لمعاوية، وكانت زينب مثلا في نساء زمانها، جمالا ومالا وشرفا وأدبا، وكان يزيد بن معاوية قد سمع بما هي عليه، ففتن بها، فلما عيل صبره فاستراح بالحديث إلى بعض خصيان أبيه، وكان ذلك الخصي خاصا بمعاوية، فذكر له ذلك، فبعث معاوية إلى يزيد، فسأله، فبث له حاله، فقال: مهلا يا يزيد، فقال: أتأمرني بالمهل وقد عيل الصبر، فقال: اكتم يا بني أمرك، فإن البوح به غير نافعك، والله بالغ أمره فيك، ثم أخذ معاوية في الحيلة ليزيد، فكتب إلى عبد الله بن سلام أن أقبل حين تنظر كتابي هذا لأمر فيه حظك، فلما قدم عليه ابن سلام، أمر معاوية أن ينزل منزلا قد هيأه له، وأعد فيه نزله، ثم قال لأبي هريرة وأبي الدرداء، وكانا يومئذ عنده: إن الله قد قسم بين عباده نعما أوجب عليهم فيها شكرها، وحتم عليهم حفظها، فحباني منها بأتم الشرف ليبلوني، أشكر أم أكفر، وأول ما ينبغي للمرء أن ينفّذه أمر من لا غناء به عنه، وقد بلغت لي ابنة أريد إنكاحها، وقد رضيت لها عبد الله بن سلام القرشي، لشرفه ودينه وفضله، ثم قال لهما، ألا فاذكرا ذلك له، وكنت قد

стр. 7740

جعلت لها في نفسها شورى، غير أني أرجو أن لا تخرج من رأيي، فأتيا ابن سلام، فذكرا ذلك له، ثم دخل على ابنته فقال لها: إذا دخل إليك أبو هريرة وأبو الدرداء، فعرضا عليك أمر ابن سلام، قولي لهما: عبد الله كفء كريم، وقريب حميم، غير أن تحته زينب [ص ٢٢٧] بنت إسحاق، وأنا خائفة أن يعرض لي من الغيرة ما يعرض للنساء، فأتناول منه ما يسخط الله فيه، ولست بفاعلة حتى يفارقها، فلما ذكرا ذلك لابن سلام قال لهما: حبذا ذلك، ومن لي به، فجاءا معاوية فذكرا له ما قال، [قال]: فدخلا إليها فاستأمراها، فلما دخلا إليها، قالت لهما ذلك القول، فقال: اذهبا فأعلماه، فلما أتياه فأعلماه، ظن أنه لا يمنعها منه إلا فراق زينب، أشهدهما بطلاقها وبعث بهما إليه خاطبين، فلما أتياه أظهر الكرامة لفعله، وقال: ما كنت لأستحسن له طلاق امرأته، فانصرفا إلى غد ثم استأذناها، ثم كتب إلى ابنه يزيد بالخبر، ثم شرع في مطل ابن سلام والأخذ به من يوم إلى يوم، ثم أبت بنت معاوية إلا المنع، فعلم أنه إنما خدع، فقال: ليس لأمر الله راد، ولا لما لابد منه صاد، فإن المرء وإن كمل له حلمه، واجتمع له عقله، واستد (١) رأيه ليس بدافع عن نفسه قدرا برأي ولا كيد، ولعل ما سولوا به، واستجدلوا به (٢)، لا تدوم لهم سروره، ولا يصرف عنهم محذوره، فلما انقضت أقراؤها، وجه معاوية أبا الدرداء (٣) إلى العراق خاطبا

стр. 7741

لزينب على ابنه يزيد، خرج حتى قدمها، وبها يومئذ الحسن بن علي ﵄، فبدأ أبو الدرداء بزيارته، فلما رآه قام إليه وصافحه إجلالا لصحبته، ثم قال له: ما أتى بك يا أبا الدرداء؟ قال: وجهني معاوية خاطبا على ابنه يزيد، زينب بنت إسحاق، فقال له الحسن، لقد كنت أريد نكاحها، وما أخرته إلا لينقضي إقراؤها، فاخطب رحمك الله عليّ وعليه، وابذل لها من المهر مثل ما بذل لها معاوية عن ابنه، فقال: أفعل، فلما دخل عليها أعلمها بما كان، فقالت: يا أبا الدرداء، لو أن هذا الأمر جاءني وأنت غائب، لأشخصت فيه الرسل إليك واتبعت فيه رأيك ولم أقطعه دونك، فأما إذا كنت أنت المرسل، فقد فوضت أمري بعد الله إليك، وجعلته في يديك، فاختر لي أرضاهما لديك، والله شاهد عليك، فاقض في قصدي بالتحري ولا يصدّنّك اتباع هوى، فليس أمرهما عليك خفيا، ولا أنت عما طوقتك [ص ٢٢٩] غنيّا، فقال أبو الدرداء: أيتها المرأة، إنما عليّ إعلامك، وعليك الاختيار لنفسك، قالت: عفا الله عنك، إنما أنا ابنة أخيك، ولا غنى لي عنك فلا يمنعك رهبة أحد من قول الحق فيما طوقتك، فقد وجب عليك أداء الأمانة فيما حملتك، والله خير من روعي وخيف، إنه بنا خبير لطيف، فلما لم يجد بدّا من القول قال: أي بنية، ابن بنت رسول الله ﷺ أحب إليّ، والله أعلم بخيرهما لك، وقد رأيت رسول الله ﷺ واضعا شفتيه على شفتي حسن، فضعي شفتيك حيث وضع رسول الله ﷺ شفتيه، قالت: قد اخترته، فتزوجها الحسن ﵇، وساق لها مهرا عظيما، وبلغ معاوية ما فعل أبو الدرداء فتعاظمه جدا، ولامه شديدا، وقال: من يرسل ذا بله وعمى ركب خلاف ما يهوى، وكان عبد الله بن سلام قد استودعها مالا قبل شخوصه إلى الشام، مالا عظيما، فلما طال مكث ابن سلام بدمشق، جفاه معاوية لقوله فيه إنه خدعه، فشخص إلى العراق، وهو لا يظن إلا جحودها الوديعة لطلاقه لها من

стр. 7742

غير ما سبب، وبقي لا يعرف ما يصنع، فأتى الحسن ﵁، فأخبره بخبر الوديعة ليقول لها، فلما أتاها قال لها إن ابن سلام أتاني فذكر لي أنه كان استودعك مالا فأد إليه أمانته، فإنه لم يقل إلا صدقا، ولم يطلب إلا حقا، قالت: لعمري لقد صدق، ولقد أودعني مالا لا أدري ما هو، فادفعه إليه بطابعه، فأثنى عليها الحسن خيرا، ثم قال لها: ألا أدخله عليك حتى تبرئي إليه منه كما دفعه إليك، ثم لقي عبد الله وقال له ما قالت، فادخل عليها وتوفّ مالك منها، ثم أخذه ودخل به عليها، فأخرجت إليه المال، فشكر وأثنى، ثم أعطاها بعضه وقال: خذي فهذا مني، فبكيا حتى علت أصواتهما بالبكاء أسفا على ما ابتليا به من الفراق، فرقّ الحسن لهما ثم قال: اللهم [ص ٢٣٠] أنت تعلم أني لم استنكحها رغبة في مالها، ولا جمالها، ولكن أردت إحلالها لبعلها، وأنا أشهدك أنها طالق ثلاثا، فشكراه، فسألته زينب أن تعيد إليه ما كان ساق إليها، فأبى، فلما انقضى إقراؤها تزوجها ابن سلام، ثم بقيا زوجين متصافيين إلى أن فرّق الموت بينهما، وحرمها الله يزيد بن معاوية. وكان معاوية يقول: لا أضع سيفي حين يكفيني سوطي، فإذا لم أجد بدا من السيف ركبته، ومما روي من حلمه أنه كلّم الأحنف (١) يوما كلاما عاتبه

стр. 7743

فيه، فقال له الأحنف: مهلا يا أمير المؤمنين، فإن القلوب التي أبغضناك بها بين جنوبنا، وإن السيوف التي قاتلناك بها لفي عواتقنا، وإن الخيل التي طاردناك بها لعلى مرابطنا، وإن الرجال الذين دهمناك بهم لحول بيوتنا، فإياك وما يردها فتية، فقال: عذرا يا أبا بحر. وبعث معاوية إلى رجل من الأنصار بخمس مائة دينار فاستقلها، فأقسم على ابنه أن يأتي معاوية فيضرب بها وجهه، فانطلق حتى أتاه، فقال: ما جاء بك يا ابن أخي، قال: يا أمير المؤمنين، إن لأبي طرّة، وقد قال لي كيت وكيت وعزمة الشيخ على ما قد علمت، فوضع معاوية يده على وجهه، وقال: افعل ما أمرك به أبوك، وارفق بعمك، فرمى بالدنانير، وأمر معاوية للأنصاري بألف دينار، وبلغ الخبر يزيد، فدخل على معاوية مغضبا، فقال: لقد أفرطت في الحلم حتى خفت أن يعدّ ذلك منك ضعفا، فقال: أي بني، إنه لا يكون مع الحلم ندامة ولا مذمة. وذكر [أبو] عمرو بن العلاء أن جابر بن عبد الله الأنصاري، وفد على معاوية فاستأذن، فأبطأ عليه الأذن، ثم أذن له، قال له: ويلك يا معاوية، أما سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من حجب ذا حاجة وفاقة حجبه يوم حاجته وفاقته)، فقال له معاوية: وأنت [أما] سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ستلقون بعدي يا معاشر الأنصار أثرة)، فلم لا صبرت يا جابر [ص ٢٣١]، فخرج جابر مغضبا، فركب ناقته يريد المدينة، فأقبل يزيد على أبيه وقلّ ما تكلم بخير، قال: بعيد الشقة أتى للزيارة أتاك فحجبته

стр. 7744

وتجهمته، قال: لم أصبر عندما سمعت كلامه، قال: الحقه، فأعطه خمس مائة دينار، فلحقه يزيد، فقال له: إن أبي يقرأ عليك السلام ويقول لك: استعن بهذه على بعض سفرك، فقال له جابر، ارددها عليه وقل له: [الطويل] وإني لأختار الحياء على الغنى … إذا اجتمعا والصبر بالبارد المحض وأنزع أثواب الغنى ولقد أرى … مكان الغنى ألا أهين لها عرضي فجاء يزيد فأخبر أباه بشعره فقال: ارجع إليه فارددها عليه، وقل له: سأمنحكم عرضي ولو شئت مسكم … قوارع تبري العظم من كلم مضّ ولا أحرم المعترّ إن جاء طالبا … ولا البخل فعل من سمائي ولا أرضي فعاد يزيد فأخبر جابرا بشعر أبيه، فقال: ارددها عليه وقل له: ما كنت أرى يا بن آكلة الأكباد في صحيفتك حسنة أنا سببها. وبلغ معاوية أن يزيد ضرب غلاما له، فقال: يا بني كيف طوعت لك نفسك قتل من لا يستطيع امتناعا منك. ولما قدم عبد الرحمن بن حسان على معاوية، طال مقامه، فقال شعرا شبّب فيه بأخت معاوية، فغضب يزيد بن معاوية، فقال لمعاوية: يا أمير المؤمنين، اقتل عبد الرحمن بن حسان، قال: ولم يا بني؟ قال: لأنه شبّب بأختك، قال: وما قال، قال قال: [الخفيف] طال ليلي وبتّ كالمحزون … ومللت الثواء في جيرون قال: وما علينا من طول ليله وحزنه أبعده الله، قال: إنه يقول: ولذاك اغتربت بالشام حتى … ظنّ أهلي مرجمات الظنون قال: وما علينا من ظن أهله، قال: إنه يقول [ص ٢٣٢]

стр. 7745

وهي زهراء مثل لؤلؤة الغوّا … ص ميزت من جوهر مكنون قال: صدق يا بني، وإنها لمن جوهر مكنون، قال: وإنه يقول: وإذا ما نسبتها لم تجدها … في سناء من المكارم دون قال: بحمد الله هي كذلك، قال: إنه يقول: ثم خاصرتها إلى القبّة الخضرا … ء تمشي في مرمر مسنون قال: ولا كل هذا، وضحك، وقال: ما قال أيضا، قال قال: فيه من مراجل ضربوها … عند برد الشتاء في قيطون (١) عن يساري إذا دخلت من البا … ب وإذا كنت خارجا عن يميني تجعل النّد والألوة والمس … ك صلاء لها على الكانون وقباب قد أسرجت وبيوت … يطيفوها [كذا] بالآس والزرجون قال: يا بني، لا يجب القتل في هذا، والعقوبة دون القتل تغريه فيزيد في قوله، ولكن نلقه بالتجاوز والصلة، فوصله وصرفه. وعن زيد بن عياض قال قال معاوية: الأرض لله، وأنا خليفة الله، فما أخذت فلي، وما تركته للناس فالفضل منّي، قال صعصعة بن صوحان: (٢) بل أنت وأقصى الأمة سواء، ولكن من ملك استأثر، فغضب معاوية وقال:

стр. 7746

لهممت بك، فقال صعصعة: ما كل من همّ فعل، قال: ومن يحول بيني وبينك، قال: الذي يحول بين المرء وقلبه، قال له: صدقت. ولم يعرض له. ودخل عليه أبو الأسود الدؤلي (١)، فإنه ليحدثه إذ حبق، فقال: يا أمير المؤمنين، أنا عائذ بالله وبسترك، ثم خرج، ودخل عمرو بن العاص فحدثه، فبلغ أبا الأسود، فأتاه فقال: يا معاوية، إن الذي قد كان مني قد كان مثله منك ومن أبيك، ومن لم يؤمن على ضرطة لجدير أن لا يؤمن على أمر الأمة. وأتى معاوية رجل، فسأله بالرحم، فقال معاوية: ذكرتني رحما بعيدة [ص ٢٣٣]، فقال: يا أمير المؤمنين، إن الرحم شنّة إن بللتها ابتلّت، وإن تركتها تقصفت، ثم أخذ يغلظ القول، فقال له معاوية: دع عنك هذا وسل حاجتك، قال: مائة ناقة متبع، وألف شاة ربيّ، فأمر له بذلك. وعن عنبر القسيم قال معاوية: ما شئ أعجب إليّ من غيظ أتجرعه، أرجو بذلك ثواب الله . وزوّج معاوية ابنته رملة من عمرو بن عثمان بن عفان، فسمعت مروان بن الحكم يقول له وقد عاده: إنما ولي معاوية الخلافة بذكر أبيك، فما يمنعك من النهوض لطلب حقك، فنحن أكثر من آل حرب عددا، فما أظهرت (٢) أنها

стр. 7747

تسمع، ومكثت إلى أن خرج عمرو بن عثمان حاجا، فاستأذنته في زيارة أبيها، فأذن لها، فأتته فقال لها: ما لك، أطلقك زوجك؟ قالت: الكلب أضنّ بشحمته، وحدثته حديث مروان واستكباره إلى آل أبي العاص، واستقلاله آل حرب، فكتب معاوية إلى مروان: [الطويل] أواضع رجل فوق رجل تعدّنا … كعدّ الحصا ما إن نراك تكاثر وأمكم تزجي تؤاما لبعلها … وأمّ أخيكم نزرة الولد عاقر ثم لم يحقدها عليه. ودخل أعرابي المسجد ومعاوية يخطب، فقال: أيها المتكلم اسكت أنشد جملي، فسكت معاوية، فقال الأعرابي: أيها الناس، أيها الناس، من دعا إلي جمل عليه قتب، فردد القول مرارا، فقال معاوية: أيها الأعرابي، حله حلية سوى القتب، فلعل القتب قد ضاع، ثم مضى في خطبته. ودخل على معاوية عدي بن حاتم (١)، وعنده ابن الزبير، فقال ابن الزبير: إن عند هذا الأعور جوابا فأحركه؟ قال: نعم، فقال له: يا عدي، أين ذهبت عينك؟ قال: يوم ذهب أبوك هاربا، وضربت أنت على قفاك موليا، وأنا يومئذ مع الحق [ص ٢٣٤]، وأنت على الباطل.

стр. 7748

وعن حبيب بن مسلمة الفهري قال: ركب معاوية وأنا معه، فبينا نحن نسير إذ طلع علينا رجل جميل الهيئة، فلم أره أكبر معاوية ولا اكترث له، وأكبره معاوية وأعظمه إعظاما شديدا، ثم قال: أجئت زائرا أم طالب حاجة، قال: لم آت لشئ من ذلك، ولكني جئت مجاهدا، وأرجع زاهدا، فمضى معاوية عنه، فقلت: من هذا يا أمير المؤمنين، قال: هذا عقبة بن عامر الجهمي، قلت: ما أدري ما أراد بقوله، خيرا أم شرا، قال: دعه، فلعمري إن كان أراد الشر إن الشر لعائد بالسوء على أهله، قلت: سبحان الله، ما ولدت قرشية أذل منك، فقال: يا حبيب أأحلم عنهم ويجتمعون خير، أم أجهل ويتفرقون، قلت: بل تحلم ويجتمعون، ثم قال: امض، قلما ولدت قرشية قرشيا له مثل قلبي، قلت: إني أخاف أن يكون ما تصنع ذلا، قال: وكيف وقد قاتلت عليا فصبرت على مناوأتهم وبغضهم. وعن سحيم بن حفص قال: كانت لعبد الله بن الزبير أرض إلى جانب أرض معاوية، فاقتتل غلمان معاوية وغلمان ابن الزبير، فكتب ابن الزبير إلى معاوية: أما بعد، فقد غلبتنا بحمرانك وسودانك، ولو قد التقت حلقتا البطان (١)، فاستوت بنا وبك الأقدام، علمت أن حمرانك وسودانك لا يغنون عنك شيئا، فقرأ معاوية الكتاب ثم رمى به إلى ابنه يزيد فقال: ما عندك؟ قال: تبعث إليه من يقتله فتستريح من حمقه وعجبه، قال: يا بني، له بنون وعشيرة تمنعه إن بعثت بمائة رجل، أعطيت كل رجل ألفا، فبلغ ذلك مائة ألف، ولا أدري على من تكون الدائرة، فإن غلبوا بعثت ألفا وأعطيتهم ألف ألف، ولكنني أكتب إليه: من معاوية أمير المؤمنين إلى عبد الله بن الزبير، أما بعد، فقد جاءني

стр. 7749

كتابك، تذكر أنّا غلبناك بحمراننا وسوداننا [ص ٢٣٥]، وأنه إن التقت حلقتا البطان واستوت بنا وبك الأقدام، علمت أن حمراننا وسوداننا لا يغنون عنا شيئا، وإني قد وهبتك ذلك المال بحمرانه وسودانه، فخذه خضرا نضرا، والسلام. فكتب إليه: لعبد الله معاوية أمير المؤمنين من عبد الله ابن الزبير، أما بعد، فقد غلبتنا بحلمك، وجدت لنا بمالك، فجزاك الله يا أمير المؤمنين خيرا، فلما أتى الكتاب معاوية قال ليزيد: يا بني، أهذا خير، أم ما أردت. وأنشد معاوية رجل شعرا قاله عبد الله بن همام السلولي: (١) [الوافر] حشينا الغيظ حتى لو سقينا … دماء بني أمية ما روينا لقد ضاعت رعيتكم وأنتم … تصيدون الأرانب غافلينا فقال: ما ترك ابن همام شيئا، وذكر أنه لو شرب دماءنا ما اشتفى، اللهم اكفناه. وعن المدائني قال، قال معاوية: إني لأرفع نفسي عن أن يكون ذنب أعظم من عفوي، وجهل أكبر من حلمي، وعورة لا أواريها بستري، وإساءة لا تمحوها حسناتي. وكان يقول: لو أن بيني وبين الناس شعرة لما انقطعت، قيل له كيف؟ قال: إن جبذوها أرسلتها، وإن خلوها جذبتها.

стр. 7750

ومما يؤثر عنه أنه قال لابنه يزيد: اتخذ المعروف عند ذوي الأحساب، لتستميل به مودتهم، وتعظم به في أعينهم، ويكف به عنك عاديتهم، وإياك والمنع فإنه مفسدة للمروءة، وإزراء بالشرف. ونظر معاوية إلى الهجار العدوي في عباءة فازدراه، فقال: يا أمير المؤمنين، إن العباءة لا تكلمك، وإنما يكلمك من فيها. وقال يوما: أعنت على عليّ بكتمان سري، وفشي أسراره، وبطاعة أهل الشام لي، ومعصية أصحابه له، وبذلي المال، وإمساكه إياه. وكان معاوية أكولا نهما، وهو أول من نوّع في [ص ٢٣٦] هذه الأمة المطاعم. وحج معاوية، فلما كان بالأبواء (١)، خرج يستقري مياه كنانة، حتى إذا صار إلى عجوز، فقال لها: من أنت، فقالت: من الذين يقول فيهم الشاعر: [الطويل] هم منعوا جيش الأحابيش عنوة … وهم نهنهوا عنهم غزاة بني بكر فقال لها معاوية: فإذن أنت دؤلية، قالت: فإني دؤلية، قال: أعندك قرى؟ قالت: عندي خبز خمير، وحيس (٢) كثير، ولبن حزير (٣)، وماء نمير، فأناخ وجعل يأخذ الفلذة من الخبز فيملؤها من الحيس فيغمسه في اللبن ثم يأكل، حتى إذا فرغ قال: حاجتك؟ قالت: حوائج الحي، فنودي فيهم فأتاه الأعراب فرفعوا حوائجهم فقضاها، وامتنعت العجوز أن تأخذ شيئا لنفسها،

стр. 7751

وقالت: لا آخذ لقراي ثمنا. وكان معاوية يجوع في رمضان جوعا شديدا، فشكا ذلك إلى ابن أثال الطبيب، فاتخذ له الكنافة، فكان يأكلها في السحور، فهو أول من اتخذها. وحكي أن أبا هريرة ﵁ حضر صفين، فكان يصلي خلف عليّ، ويأكل على سماط معاوية، فاذا قامت الحرب اعتزل الفئتين، وقعد على تل هناك ينظر إليهما، فقيل له: ما رأينا رجلا يصنع مثل صنيعك، فقال: الصلاة خلف عليّ أفضل، وطعام معاوية أدسم، والقعود فوق التل أسلم وكان يقال: إنه على سعة كرمه ربما بخل على الطعام. حكي أن رجلا أكل معه فنظر معاوية إلى الرجل فرأى شعرة في لقمة تناولها من الطعام، فال له: أزل الشعرة، فألقاها من يده، ثم أبى أن يأكل، وقام وهو ينشد: [الطويل] وللموت خير من زيارة باخل … يلاحظ أطراف الأكيل على عمد وأكل معه صعصعة بن صوحان، فتناول شيئا بين يديه، فقال له معاوية: لقد أبعدت النجعة، فقال: من أجدب انتجع. وتغدى [ص ٢٣٧] معه يوما عبيد الله بن أبي بكر، ومعه ابنه بشير، فأكثر ابنه من الأكل، ومعاوية يلحظه، فلما خرج ابن عبيد الله لامه أبوه على ما صنع، ثم عاد عبيد الله وليس معه ابنه، فقال له معاوية: ما فعل ابنك التلقامة، قال: قد علمت أن أكله سيورثه داء. ولد قبل مبعث رسول الله ﷺ بخمس سنين، وتوفي في رجب سنة ستين، ومدة عمره ثمان وسبعون سنة تقريبا، ومدة خلافته تسع عشرة سنة وأشهر، وقبره خارج باب الصغير بدمشق.

стр. 7752

ثم ٩٨ - دولة ابنه يزيد بن معاوية أبي خالد (١) فتى ألف صباه، وكلف بنجد وصباه، ونام على فراش الرفاهة، ونادم أهل الفكاهة، وهام بما يهيم به الكلف، ويدوم عليه الشعف (٢)، لا يرد عن جماع غوايته، ولا يرتد عن طماح غايته، وعمر أيام الشبيبة بالمام الحبيبة، وتيم قلبه بالنساء، تتيم ذي الرمة بالخنساء (٣)، ووجد بكل غانية سمع بها وجد الفرزدق بنوار، وعمرو بعرار، وكان من دمشق في عرايش الكروم، وعرائس الدوم، من جني أعناب كأنّ عصارتها جني عنّاب، فعكف عليها مثواه، وعطف إليها هواه، وثوى يهتصر قطوفها، ويعتصر صنوفها، وزفّها أوقات أنسه عروسا، وحفّها حول مجلسه شموسا، وأقام لا يريم بين كأس وريم، لا يرى إلا بنانا مخضوبا بالعنم، أو بحمراء صافية كالعلم، ويروى له شعر أكثره لا يصح له بكبره من جهله، وكان أبوه يؤثره، ويعظم قليله ويكثره، يتوسم مخايل نجابته،

стр. 7753

ويتسم لدلائل أجابته، فمهد له في تقدمه، ووطد أكناف السرير لقدمه، ولما خاف ألا يتم له ما أراد، ولا يلم فيه رأيه بالمراد، بذل له جهد سيفه ودرهمه، فكفّ جهل عذاله ولوّمه، ولم يبق إلا ثلاثة قريش شرفا وسؤددا، وسلفا يخرس لددا، الحسين بن عليّ، وعبد الله بن عمر [ص ٢٣٨] وعبد الله بن الزبير، فجدّ في مداراتهم فما قدر، وجهد على إرادتهم وما قسر، فنصب مصايد حيله، ومكايد طيله، وأمر بأن يجمع الناس بالمدينة وفيهم أولئك الأماجد، وأوقف على رؤوسهم رجالا بأيديهم السيوف جرايد ثم أمر بأخذ البيعة ليزيد، وأخذ من خالف الأخذ الشديد، وقال: من كلّم هؤلاء، وأشار إلى الثلاثة، واضرموا بحدوة السيف حنقه، فلما اجتمع الناس قام فيهم مروان وقال: (١) أيها [الناس] إن هؤلاء رؤوسكم وسادتكم، وقد أعطوا البيعة، فقوموا فبايعوا، فما منهم إلا من بايع ومن تابع، إلا أولئك النفر، إلا أنهم ما استطاعوا أن يتكلموا، ولا استطالوا إلى أكثر من أن يتألموا، ثم كان من خروج الحسين وابن الزبير ما كان، هذا إلى العراق وهذا إلى مكة، وما فينا فيما يزعزع ملكه، إلا أن الحمام عاجل سيد الشهداء الحسين، وأدلى له الحين، وفزع ابن الزبير لمنابذته، وقرع ظبة الحرب لمؤاخذته، ثم لم يتمكن من قتاله، ولم يتبين له وجه احتياله، فأخرها إلى أوانها، وادخرها إلى إبّانها، ثم وثب إليها وثوب الفهد، ودأب لها دؤوب الفرس النهد، وأما ابن عمر، فدخل فيما أجمع الناس عليه وبايع، وجمع أطراف قومه وما نازع، ثم كان من مصرع الحسين ما صرع الدموع، وصدع الضلوع، وكسر القلوب كسرا لا يجبر، وأمات للإسلام ميتا لا يقبر، فآها لها رزية فتّت العضد، وفلّت السيف والغمد، لقد أنضبت

стр. 7754

الثّمد، وأنضت بطلاب مثلها المهرية الأجد (١)، فيا لها فجيعة، ويالها من مصيبة وجيعة، لعمر أبيه لقد نبذ غير مليم، ولقد عكفت الطير منه على لحم كريم، وقد تقدم منه طرف في ذكره وهذا الآن موضع شرحه، وسنذكر منه ما يزيد القلب قرحا على قرحه، ويتبعه وما اندمل الأول جرحا على جرحه [ص ٣٢٩] وصفا الأمر ليزيد، ليته ما صفا، واشتفى ليته لو كان أصبح على شفا، فكم أساء على قصر مدة أيامه مرة، وأذاب القلوب وأسال عن المدامع الحرة، فأما كربلاء، فتلك كرب وبلاء، وبالطف ما طف، وكم بوارق بات يوقدها، وبوائق مات وهو يحقدها، هذا كله من وراء تخلف لا كفاية، وتعسف لابد راية، كان يلعب بالنرد، وينادم القرد، ويشتري لهو الحديث بمال الله لا بماله، ويسخط الله بعمله هذا وسائر أعماله، ودام على قبيح فعلاته، وفضوح ضلالاته، حتى مات، وليته لا ولد ولا ولا عرف، فلا ذم ولا حمد، أتاه وهو بحوارين (٢) [نعي] أبيه معاوية، فجاء وقد دفن، فقال: (٣) [البسيط] جاء البريد بقرطاس يحثّ به … فأوجس القلب من قرطاسه فزعا قلنا لك الويل ما ذا في صحيفتكم … قال الخليفة أمسى مثبتا وجعا فمادت الأرض أو كادت تميد بنا … كأن أغبر من أركانها انقلعا ثم ابتعثنا على خوص مزممة … نرمي العجاج بها لا نأتلي سرعا

стр. 7755

وما نبالي إذا بلّغن أرحلنا … ما مات منهن بالبيداء أو ظلعا لما انتهينا وباب الدار منصفق … لصوت رملة ريع القلب فانصدعا ثم ارعوى القلب منّي بعد طيرته … والنفس تعلم أن قد أثبتت جزعا أودى ابن هند وأودى المجد يتبعه … كانا جميعا خليطا قاطنين معا أغرّ أبلج يستسقى الغمام به … لو قارع الناس عن أحسابهم قرعا ثم صعد الضحاك بن قيس الفهري (١) المنبر، وفي يده أكفان معاوية، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إن معاوية أمير المؤمنين، كان عود العرب، وحدها ونابها، قطع الله به الفتنة، وجمع به الكلمة، وملّكه حرايم العباد، وفتح له البلاد، إلا أنه قد مات، وهذه أكفانه، ونحن مدرجوه فيها، ثم مدلجوه قبره، ومخلون بينه وبين ربه، ثم هو الهرج (٢) إلى يوم [ص ٢٤٠] القيامة، فمن كان يريد أن يشهده فليحضر عند الظهر، ثم أتى يزيد بن معاوية قبر معاوية وترحم عليه، ثم أتى المنبر فخطب، ثم قال: إن معاوية كان عبدا من عبيد الله، أنعم عليه، ثم قبضه إليه، وهو خير ممن بعده، ودون من قبله، ولا أزكيه على الله، فهو أعلم به، فإن عفا عنه فبرحمته، وإن عاقبه فبذنبه، وإني لن آبى عن طلب، ولا أعتذر

стр. 7756

من تفريط، وعلى رسلكم، إذا أراد الله شيئا كان. فقام إليه عطاء بن أبي صيفي الثقفي فقال: يا أمير المؤمنين، إنك رزيت الخليفة، وأعطيت الخلافة، قضى معاوية نحبه، فغفر الله ذنبه، ووليت الرياسة، وأنت أحق بالسياسة، فاحتسب عند الله عظيم الرزية، واشكره على حسن العطية، أعظم الله على أمير المؤمنين أجرك، وأحسن على الخلافة عونك. ثم أتاه عبد الله بن همام السلولي فقال: يا أمير المؤمنين، أعظم الله أجرك في الخليفة، وبارك لك في الخلافة، ثم أنشد: [البسيط] اصبر يزيد فقد فارقت ذا ثقة … واشكر عطاء الذي بالملك أصفاكا أصبحت لا رزء في الأقوام تعلمه … كما رزيت ولا عقبى كعقباكا أعطيت طاعة أهل الأرض كلهم … فأنت ترعاهم والله يرعاكا وفي معاوية [الآتي] لنا خلف … إذا قعدت ولا نسمع بمنعاكا (١) وأرسل يزيد إلى الوليد بن عقبة (٢) بأخذ البيعة على الحسين وابن عمر وابن الزبير، ثم سائر الناس، فقال لمروان: ما عندك في هذا؟ قال: اطلبهم ليلا

стр. 7757

وخذهم بالبيعة، فإن بايعوا وإلا فاضرب أعناقهم، فطلبهم ليلا فأتوه، فطلبهم بالبيعة، فخاف ابن الزبير أن يهنأ، فبدر فقال: ما عندنا خلاف، ولكن يقال إنما بايعوا خوفا، وإنما ادعوا الناس إلى المسجد لنبايع، تشهد الناس وبايع الناس، فقال: أفعل، فأوتي إليه مروان أن اضرب أعناقهم، فأبى، وخرجوا من عنده، فقال له مروان: والله لا أصبح منهم بالمدينة أحد [ص ٢٤١]، فكان هكذا، خرجوا ليلتهم تلك من المدينة، فأما ابن عمر فذهب إلى مال له، وبعث يقول: إذا اجتمع الناس بايعت، فتركوه لعلمهم بزهده، وأما ابن الزبير فانطلق إلى مكة، وأما الحسين فألهاهم عنه طلبهم لابن الزبير، ثم سار الحسين يريد مكة، فقال: ما كنت لأنطلق على مكان به ابن عمر ولا أراه، فأتاه فأعلمه أن أهل العراق بعثوا له كتبا وقر جمل، فقال: إياك وهم، فهم أهل غدر، ولقد كان أبوك أكرم عليهم منك وما وفوا له، فلما أتى عانقه وقال: استودعك الله من قبيل، ثم أتى الحسين عبد الله بن مطيع العدوي، فقال له نحو قول ابن عمر، فأبى وأتى مكة، فرأى ابن الزبير انه لا يتم له مع وجود الحسين، فحسّن له قصد العراق، حتى ذهب فقتل كما تقدم في ذكره (١)، ثم قام ابن الزبير يذكر مقتله، ويلعن قتلته، ويدعو إلى الشورى، ويستر أمره ويقول: أنا عائذ بهذا البيت، ثم باح ومد يديه للمبايعة فبويع. واعر له يريد الحيس (٢)، ثم لم تحن منيته إلا في زمن عبد الملك، على ما يأتي ذكره. وحكى البلاذري عن يزيد أنه أول من أظهر شرب الشراب، والاشتهار بالغناء والصيد، واتخاذ القيان والغلمان، والتفكه بما يضحك منه المترفون من القرود والمعاقرة بالكلاب والديكة، ثم جرى في زمنه قتل الحسين ابن علي

стр. 7758

﵉، وقتل أهل الحرة، ورمي البيت وإحراقه، وكان مع هذا صحيح العقيدة، ماضي العزيمة، لا يهمّ بشئ إلا ركبه، ووقع بين غلمانه وغلمان عمرو بن سعيد الأشدق فأغضبه ذلك وأمر بإحضار أولئك الغلمان، فلما أتي بهم قال: خلوا سبيلهم، ثم قال: إن القدرة تذهب الحفيظة. وأخطأ يزيد في شئ وهو صغير، فقال له مؤدبه: أخطأت يا غلام، قال يزيد: الجواد يعثر، قال المؤدب: اي والله ويضرب، قال يزيد: اي والله ويرمح سائسه فيحطمه. وكان يزيد على علاته جوادا كريما، فيما روي أنه أجار عبد الله بن جعفر ﵄ أربعة آلاف ألف درهم، وكان لا يعد وعدا بكرم إلا أنجزه، وفيه يقول [ص ٢٤٢] عبيد بن حصين الراعي: (١) [البسيط] راحت كما راح أو تغدو بغدوته … عنس وخود عليها راكب يفد تنتاب آل أبي سفيان واثقة … بسيب أبلج منجاز لما يعد وكان أيام أبيه معاوية خير من يحضره من جلسائه. حكي أن عقيل بن أبي طالب (٢) دخل يوما على معاوية وقد كفّ بصره،

стр. 7759

فأجلسه إلى جانبه على سريره، ثم جاء بعده عتبة (١) أخو معاوية، فأجلسه بينه وبين عقيل، فلم يره، فقال له معاوية: أنتم يا معشر بني هاشم لم تصابون في أبصاركم، فقال عقيل: كما تصابون يا معشر بني أمية في بصائركم، فتنحنح عتبة ليتكلم بشر، فأومأ إليه معاوية أن اسكت، فقال عقيل: من هذا الذي أجلسته يا معاوية إلى جانبي، فقال معاوية: هو أخوك وابن عمك عتبة، فقال عقيل: لئن كان أقرب مني إليك، فإني أقرب منه ومنك إلى رسول الله ﷺ ، وأنتم مع رسول الله ﷺ تحت سماء، وكان يزيد غلاما واقفا في الشبيبة، فابتدر فقال: يا عم، أنت كما وصفت، ورسول الله ﷺ فوق ما ذكرت، وأمر أمير المؤمنين عالم بحقك، ولك عندنا مما تحب أكثر مما لنا عندك مما تكره، فأسكت عقيلا، وكان لسان قريش. وولد يزيد [سنة خمس أو ست وعشرين] (٢)، وركب (٣) فرسا فرداه، فمات يوم الاثنين لأربع عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول سنة أربع وستين، ومدة عمره تسع وثلاثون سنة، وقيل ست وثلاثون، ومدة ولايته ثلاث سنين وتسعة أشهر تقريبا، وقبره بحوارين، وقيل إنه نقل إلى مقبرة دار الصغير بدمشق.

стр. 7760

ثم: ٩٩ - دولة معاوية بن يزيد بن معاوية أبي عبد الرحمن، (١) ويعرف بأبي ليلى، وهو در تكشف عنه صدف، وفجر تكشط عنه سدف، وتبر أخرجه رغام، وزهر أنبته ركام [ص ٢٤٣]، أتى وبنو حرب قد أسرت على الرقاب ظباهم، وعقدت على الملك حباهم، فما أهمّه زخرفهم، وما أعظمه أن أعرضوا مصرفهم، فكان عجبا في أولئك، وعجلا إلى الاتكاء على الأرائك، زهد فيما رغب فيه بنو أمية، وغرب نجمه وما طلع على ما كانوا فيه، أتته الدنيا منقادة فردها، وجاءته مواصلة فصدها، فما غرّه بردها القشيب، ولا سرّه وردها قبل المشيب، عصمة من الله، وقته سهام عواديها، وكفته سهام أعاديها، وكان أجله قصيرا، ما أجله إلا يسيرا، أقام أربعين يوما، ثم انتقل وتزوّد شكرا، ولا لوما، ومات ولم يعهد، ومال سريره ولم يشهد، ولقد قالت له أمه: يا بني اعهد، فبالغ في ردّها، وقال: ما كنت لأذهب بحرّها، ويذهب بنو حرب ببردها، فأبى أن يتطوق بها، لا حيا ولا

стр. 7761

ميتا، أو يتعلق بها لا منجزا ولا موقنا، وبموته انقضت دولة بني حرب، ونقضت حبالها في كل شرق وغرب، ثم لم تقم لهم قائمة إلا من نجم وما طلع، وتحامل فأعجزه الظلع، إلا ما وضعه خالد بن يزيد، أن سيكون لهم دولة يقوم بها قائم يسمى السفياني، أراد بهم أن لا تنقطع منهم الأماني، ولقد خرج منهم بأطراف الشام من تسمّى بهذا، ثم ما طار حتى وقع، ولا أسفر محياه حتى امتقع، ولا أشرف رأسه حتى خضع، ولا أسرف حتى بطل، ما خلد خالد وما وضع. ذكر البلاذري أن أباه يزيد بن معاوية، كان قد مرض بعد ولايته بسنتين من كبده، فلما برئ واستقل، أتاه ابنه معاوية، وأمه أم هاشم بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس عنده، وكانت امرأة برزة عاقلة، فقالت له: لو عهدت إلى معاوية، فقال: هكذا أفعل، ثم قال لحسان بن مالك بن بحدل: إني أريد البيعة لمعاوية بن يزيد [ص ٢٤٤]، فقال: افعل، فدعاه يزيد فصافقه (١) بولاية العهد، وبايع له حسان بن مالك والناس، وهو كاره، وكان معاوية بن يزيد فتى صالحا متألها، كثير الفكر في أمر معاده، ولا يكاد يلتفت إلى أمر الدنيا، ولا يبالي كيف تقضت به، وإنما كني أبا ليلى للينه، وهي كنية كل ضعيف، ثم جدد يزيد له البيعة حين احتضر، فلما مات بايعه الناس، وأتته بيعة الآفاق، إلا ما كان من ابن الزبير، ولما أفضى الأمر إليه، قام خطيبا فقال: أيها الناس، إن يكن هذا الأمر خيرا فقد استكثر منه آل أبي سفيان، وإن يكن شرا، فما أولاهم بتركه، والله ما أحب أن أذهب إلى الآخرة وأدع لهم الدنيا، ألا فليصل بكم حسان بن مالك، وتشاوروا في أمركم، عزم الله لكم الرشد، والخيرة في قضائه، ثم نزل فأغلق بابه وتمارض فلم ينظر في شئ، ولم يعزل معاوية أحدا من عمال أبيه، ولا حرّك شيئا، ولا أمر ولا نفى، وكان حسان يصلي بالناس، وهم منكرون

стр. 7762

لأمرهم حتى مات، ولما مرض قيل له: لو بايعت لأخيك خالد بن يزيد، فإنه أخوك لأبيك وأمك، فقال: يا سبحان الله، كفيتها حياتي وأتقلدها بعد موتي، يا حسان بن مالك، اضبط ما قبلك، وصل بالناس، إلى أن يرضى المسلمون بإمام يجتمعون عليه، واخلعوني فأنتم في حل من بيعتي. فقالت له أمه أم هاشم: لوددت يا بني أنك كنت نسيا منسيا، قال: وددت والله أني كنت نسيا منسيا ولم أسمع بذكر جهنم، ثم دخل عليه مروان بن الحكم، وكان قد قدم من دمشق، فقال له: لقد أعطيت من نفسك ما يعطى الذليل المهين، ثم رفع صوته فقال: من أراد أن ينظر في حالته إلى حرب بن أمية فلينظر إلى هذا، فقال له معاوية: يا بن الزرقاء اخرج عني، لا قبل لك عذرا يوم القيامة. ويقال: إنه لما مات، قام مروان على قبره وقال: أتدرون من دفنتم؟ [ص ٢٤٥] قالوا: نعم، معاوية بن يزيد، قال: بل دفنتم أبا ليلى، فعرف فيما بعد بها. ثم كانت لبني أسد بن عبد العزّى دولة قام بها: ١٠٠ - عبد اللّه بن الزّبير ﵁ وكانت دولة صلاح (١)، ومدة فلاح، وزمان ملك شجاع، غير كريم، زنده شحاح، وعهده ما فيه سوى صوب دم سحاح، وهو أول مولود ولد في الإسلام بالمدينة للمهاجرة، وضجت بالتكبير لمولده أرجاء تلك الحاضرة، وقد كانت يهود زعمت أنه لا يولد لهم ولا ينتج طير طيبة نسلهم (كذا)، وكان [الزبير] زعيم يوم الجمل، وكان هو الذي يصلي عن أم المؤمنين عائشة ﵂ في مدة تلك الوقيعة الدائرة بمحنها والنوبة التي أشابت نواصي الليالي أيام فتنتها،

стр. 7763

ثم كانت مقدمة لبلية صفين، وشفاء صدور قوم ما شفين، ودامت مدته ثم لم تزل إلا على يد الحجاج زمان عبد الملك بن مروان، ستذكر عند انتهائها في ذلك الأوان، ثم لما انقضت دولة بني حرب، وفرغت منها الأيام، ونزعت في صدور الزمان شياطين أنصارها اللئام، أعقبتها الدولة المروانية، تنزوا قردتهم على المنابر، ويعلوا صغارهم مكان الأكابر، إلا فرد رجل واحد غلب عليه شيمة خاله لا عمه، وما مال إلى جده لأبيه إلا لأمه. وأولها: ١٠١ - دولة مروان بن الحكم ابن أبي العاص (١) بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، أبو عبد الملك،

стр. 7764

كان أبوه الحكم طريد رسول الله ﷺ ، إلى أن تلقى عثمان الأمر وتسلم، وهو أحد ما انتقد على عثمان، وحقد على أبي سفيان، كان معاوية [ص ٢٤٦] يعاقب بينه وبين سعيد بن العاص، ويراقب منه سطوة الأسد على القناص، خوفا من توثبه، وخوضا في حديث كان يخشى تسببه، فكان يداريه ويدرأ حده بشبهة أنه يوليه، ولم يزل مذ كان عيبه عناد وغيبة، ما توارى في زناد يقدح كل شر، ويجدح حماه كل ضر، ويقسو في موضع اللين، ويعتو في متبع الدين، إلا أنه كان من رجال قريش حزما لا يغلط، وعزما لا يغمط، ملقح حرب حيال، وملحق ترح بحي حلال، يلف آخر الخيل بأولها، ويدير مدبرها على مقبلها، تعرض للحرب حتى صلي بها، وبلي لما بلي عجم عيدانها بصليبها، أخرجه عمال ابن الزبير على المدينة في بني أمية، وأحوجه الاستعجال إلى الخروج على عمّيه، فخرج أجرأ من ابن سميّة (١)، وأجرأ من عمرو بن أمية، قال منتهكا وآب ملكا، ما برح يسول له القيام ويناجي ضمائره، وينادي سرائره، حتى أخرج هذا المخرج، خرج لضائقة المخرج، فسار يريد الشام، وهو لا يعرف كيف يسير، ولا على رشد يمشي أم تغرير، فلما كان بالطريق، وهن لقلة ناصره، وذلة أهل أواصره، فهمّ أن يعطي بالمبايعة يده، ويعرى من لبوس المقارعة حسده، فقال له رجال: أو مثلك وأنت شيخ بني عبد مناف ترضى أن تكون لفتى من بني أسد مربوبا، ومعه هذه الرماح ما قصف من صلبها أنبوبا، وهذه الأسنّة تتقد ولا تدع جمر الحرب مشبوبا، فحينئذ ألوى بأنفه الشمم، وبعطفه التيه على منابت اللمم، ودعا إلى نفسه، وسعى كالأرقم بكشر أنيابه لنهشه،

стр. 7765

وكان الأمر قد كاد يتم لابن الزبير ويدوم من أجمع على خير، ومما دان له دمشق وسائر الشام، إلا حمص، ولم يكونوا على نزاعه أهل حرص، إلا أن عامل بني أمية كان بها متماسكا، وبزمام حزبها ماسكا، هذا مع ما كان قد اجتمع له من طاعة أهل الحجاز والعراق، وقلة [ص ٢٤٧] طماعه من تظاهر له بالشقاق، وإنما مروان قام غير متكل، بسير ولا ضجر ولا وكل، وعضده من ذوي قرابته، رجال بل نصال، لا مجال معها لانفصال، وقامت اليمانية معه على القيسية، وصوب كل قبيل إلى الآخر سهامه وقسيه، وكانت اليمانية أموية، والقيسية زهرية بلا مثنوية، ودخل مروان دمشق، ثم أتى تل راهط، يحاشي حل كل رابط، هنالك كان موعد اللقاء، ومورد عدم البقاء، وشبت الحرب العوان، وشبّت بعد المشيب همّة مروان، حتى أحرز من الملك ما ورثه بنوه بعده، ومات وأورثه ولده، وأمه آمنة بنت علقمة الكناني، وأمها الزرقاء التي يعيرون بها، وهي مارية بنت موهب الكندي، وكان موهب قينا، وكان مروان يسمى خيط باطل لطوله ودفّته، شبّه بالخيط الأبيض الذي يرى في الشمس، وكان قارئا للقرآن حازما حزما. كان كما قلنا رأس كل هوى، وأسّ كل بلوى، ولما نهضت سمعة ابن الزبير، كتب إلى عبد الله بن مطيع (١)، وكان عامله على المدينة، في نعي بني أمية، ومروان يومئذ شيخهم، وابنه عبد الملك ناسكهم وموضع رأيهم، وكان بعبد

стр. 7766

الملك جدري، قد ظهر به، فوجدوا مشقة عظيمة لمخرجهم، فحمل عبد الملك على جمل شدّ عليه شدا، وأكبر قريش هذا على ابن الزبير، وقالوا له: إنما بعثت عليك أراقم لا يرقى سليمها، فكتب إلى ابن مطيع بإقرارهم بالمدينة، فبعث يردهم، فأبوا أن يردوا، وقد سول لمروان الأمر، فأتوا الشام وقد بايع الناس لمعاوية، وهو كاره لذلك، ثم لم يلبثوا أن مات معاوية، وظن ابن الزبير أن قد صفا له الأمر، وبث ولاته، وأطاعه أكثر أهل الشام، إلا حسان بن مالك بن بحدل (١) وقوما معه، فإنهم دعوا لخالد بن يزيد، فقال له ابن غضاة الأشعري: أراك تريد هذا الأمر لخالد بن يزيد [ص ٢٤٨] وهو حديث السن، فقال: إنه معدن الملك، ومقر السياسة والرياسة، فأتى ابن غضاة خالدا فوجده نائما ضحى نهار، فقال: يا قوم، أنجعل نحورنا أغراض للأسنة والسهام لهذا الغلام وهو نائم في هذه الساعة، وإنما صاحب هذا الأمر المجد المشمر الحازم المتيقظ، فأتى مروان بن الحكم، فألفاه في فسطاط، وإذا درعه إلى جنبه، وعليه سيفه والرمح مركوز بفنائه، وفرسه مربوط إلى جانب الفسطاط، والمصحف بين يديه، وهو يقرأ القرآن، فقال ابن غضاة: يا قوم هذا صاحبنا الذي يصلح له الأمر، فرجعوا إلى حسان بن مالك، فأخبروه بخبر خالد ومروان، وأعلموه أنهم مجمعون على مروان، فقال ابن بحدل: رأيي لرأيكم تبع، إنما كرهت أن تخرج الخلافة من أهل هذا البيت، ثم قام حسان خطيبا، فحمد الله، ثم ذكر مروان وأثنى عليه، وقال: قوموا فبايعوا، فقاموا فبايعوه، وأقبل الضحاك حتى نزل مرج راهط (٢)

стр. 7767

داعيا إلى ابن الزبير، وقد اجتمعت بنو أمية بالجابية (١)، فقال مالك بن هبيرة (٢) للحصين: هلم نبايع لخالد بن يزيد، فقد عرفت مرتبتنا كانت من أبيه، فقال الحصين: لا والله، لا يأتينا الناس بشيخ ونأتيهم بصبي، فقال مالك: ويحك، إن مروان وآل مروان يحسدونك على سوطك وشراك نعلك وظل شجرة تظل بها، وهو أبو عشرة وأخو عشرة وعم عشرة فإن بايعتموه كنتم عبيدا لهم، فقال: مروان شيخ قريش ومن يديرنا ويسوسنا، خير ممن نديره ونسوسه، فأجمعوا على مروان على أن يكون بعده خالد بن يزيد، ثم عمرو بن سعيد، فبويع مروان ولم يقع لهما اسم معه، فلما دان لمروان أصحابه، سار بهم يريد تل راهط، وعلى ميمنته عمرو بن سعيد، وعلى ميسرته عبيد الله بن زياد، وجعل الضحاك على ميمنته زياد بن عمرو العقيلي، وعلى ميسرته زحر بن أبي شمر الهلالي، وثار يزيد بن أبي اليمن على دمشق، فغلب عليها [ص ٢٤٩]، ودام القتال بين مروان والضحاك (٣) عشرين ليلة، وكان مروان يرتجز فيها ويقول:

стр. 7768

[الرجز] لما رأيت الأمر أمرا صعبا … سيرت للقوم سراة غلبا لا يأخذون الملك إلا غصبا … فإن دنت قيس فقل لا قربى ثم كانت آخر تلك الأيام ونهاية ذلك القتال اللزام، أن انجلت سحابة الحرب العوان عن تبلج النصر على قسمات مروان، ودخل دمشق فبايع له أهلها، واستوسق له الشام والجزيرة، وأنشده بعض الأنصار: [السريع] الله أعطاك التي لا فوقها … وقد أراد الملحدون عوقها عنك ويأبى الله إلا سوقها … إليك حتى قلدوك طوقها وأنشده زياد الأعجم: (١) [الوافر] رأيتك أمس خير بني لؤي … وأنت اليوم خير منك أمس وأنت غدا تزيد الضعف خيرا … كذاك تكون سادة عبد شمس فأجازه ألف دينار، وقيل بل كان إنشاده إياهما بالمدينة، ولما انجلت نوبة تل راهط عن نصرة مروان، فرّ زفر بن الحارث (٢) إلى قرقيسياء (٣)، فدخلها وجعل

стр. 7769

يرثي قتلى راهط، فمن ذلك قوله: [الطويل] لعمري لقد أبقت وقيعة راهط … لمروان صدعا بيننا متساويا أتذهب كلب لم تنلها رماحنا … وتترك قتلى راهط هي ما هيا وقد ينبت المرعى على دمن الربى … وتبقى حزازات النفوس كما هيا أبعد ابن صقر وابن عمرو تتابعا … ومصرع همّام أمنّا الأمانيا فأجابه ابن مخلاة الكلبي: [الطويل] لعمري لقد أبقت وقيعة راهط … على زفر فردا من الداء باقيا تبكّي على قتلى سليم وعامر … وذبيان معروفا تبكّي البواكيا [ص ٢٥٠] ومما قال زفر أيضا: [الطويل] ويوم ترى الرايات بيضا كأنها … حوائم طير مستدير وواقع مضى أربع بعد اللقاء ورابع … وثول أطلته السيوف القواطع (١) طعنا زيادا باسته وهو مدبر … وقد جدّ من يمنى يديه الأصابع ونجّى حبيبا ملهب ذو غلالة … وقد جدّ من يمنى يديه الأصابع وقد شهد الصفّين عمرو بن مخدم … فضاق عليه المرج والمرج واسع ثم استخلف مروان ابنه عبد الملك بدمشق، فسار إلى مصر، وكان عليها عامل ابن الزبير، فافتتحها، ثم تزوج أم خالد ليغضّ من ابنها خالد بن يزيد، وكان هو وعمرو بن سعيد يدعيان أن الأمر لهما بعد مروان، فكلم حسان بن

стр. 7770

مالك في ذلك وقال: إني أريد أن أعهد إلى ابني عبد الملك ثم عبد العزيز، فقال: أنا أكفيك هذا الأمر، فلما اجتمع الناس عند مروان، قام ابن بحدل فقال: إنه يبلغنا أن رجالا يتمنون أماني، ويدعون أباطيل، فقوموا فبايعوا لعبد الملك ابن أمير المؤمنين بالعهد، ولعبد العزيز من بعده، فقام الناس مسارعين من عند آخرهم، وكان مروان قال لحسان: بلغني أنك تقول أنك اشترطت على مروان أن يولي خالد بن يزيد الخلافة بعده، فحداه ذلك على الجد، وتبعه عبد الملك ما أبلغ مروان عنه، ثم عقد مروان لعبيد الله بن زياد على العراق والجزيرة، ووجهه فقتل بالموصل قتله إبراهيم بن الأشتر، وبعث إلى ابن الزبير جيشا عليه يوسف بن الحكم الثقفي، ومعه يومئذ ابنه الحجاج، فأتوا وادي القرى (١)، فهرب عامل ابن الزبير عليها، ووضعوا عليها ضريبة أدوها إليهم، ثم نزلوا بذي المروة (٢) فلقي أهلها منهم عنتا، وبلغ أهل المدينة ما نابهم، فبعث بشر من الصالحين، وقيل لسعيد بن المسيب (٣): لو تغيبت أو أتيت البادية، فقال: فأين فضل الجماعة، والله لا رآني الله والناس أخوف عندي منه، ثم ساروا [ص ٢٥١] حتى أتوا المدينة، ثم صعد يوسف بن الحكم الثقفي المنبر، فقال: يا أهل المدينة، يقول الله تعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ اَلْمُنافِقُونَ وَاَلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾

стр. 7771

والمرجفون في المدينة لنغرينّك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا) (١)، فكيف رأيتم ما صنع الله بكم، والله لا يتكلم أحد منكم بكلمة إلا ضربته بسيفي هذا، ثم لاقوا بالربذة (٢) جيشا كان قد أقدمه ابن الزبير من البصرة، وكانت الدائرة على جيش مروان، وفر يوسف الثقفي ورديفه ابنه الحجاج على فرس، وكان الحجاج يقول: ما أقبح الهزيمة، لقد كنت ورجل آخر - يعني أباه - فانهزمنا على فرس، فركضنا ثلاثين ميلا، حتى قام بنا الفرس، وإنه ليخيل إلينا أن رماح القوم في أكتافنا، وجعل ابن الزبير لمن يأتيه بيوسف الثقفي وابنه جعلا، فلم يقدر عليهما. ثم كان بين مروان وبين خالد بن يزيد (٣) كلام، فقال له يا ابن الرطبة، فقال خالد: والله لقد أضعت الأمانة، وفضحت الستر، ثم دخل عليها فقال: يا أماه، ما ذا ألحقت بي من العار، قالت: وما ذاك يا بني، فقال لها ما كان من قول مروان، فقالت: أما والله لا تسمع منه شيئا تكرهه بعدها أبدا، فلما دخل عليها (٤) مروان، قال لها: قد كان مني إلى خالد كلام، فهل قاله لك، فقالت: أنت يا أمير المؤمنين أجل في صدر خالد وأكبر في عينه من ذلك، ثم تركته

стр. 7772

حتى نام، وعمدت إلى مرفقة محشوة ريشا، فجعلتها على وجهه وجلست عليها حتى مات غمّا، ثم صرخت وجواريها وقلن: مات أمير المؤمنين فجأة، وقيل: بل كان يعجبه اللبن فجاءته بلبن مسموم، فقال: ايتوني به إذا أفطرت، فلما أفطر أتوه به فشربه، فاعتقل لسانه، وصرخ جواريها، وأقبل يشير إلى من اجتمع إليه من ولده وغيرهم، أنها قتلتني، وجعلت هي تقول: أما ترونه يوصيكم بي ويشير إليكم بحفظي [ص ٢٥٢]. وولد مروان لثلاث من الهجرة، وتوفي في رمضان سنة خمس وستين، وهو في ثلاث وستين سنة، ومدة خلافته تسعة أشهر وأيام، وقبره بدمشق. ثم: ١٠٢ - دوّلة ابنه عبد الملك بن مروان ابن الحكم (١)، أبو الوليد، الفحل الذي لم يخطم، والرمح الذي لم يحطم، سهم لا تعدله خطا، وسيف لا يحدث لنبوته نبا، ثارت عليه ثوار فوطئهم بميسمه، وأبكاهم دما بدوام تبسمه. كان ابن الزبير بمكة، وأخوه مصعب بالعراق، وخرج عليه عمرو بن

стр. 7773

سعيد (١) بدمشق، وكاد يصيبه الرشق، ويصل إليه من تغريق الخطبة المشق، وأحاط به البلاء، وادّاركت عليه النّوب الولاء، وظن أنه قد أخذ، وأن ملكه قد تمزق، وهو مع هذا جمل تحمل ما حمل، وجبل لو تقسمه أهل الأرض ما حوّل، فجثا على ركبتيه، وجفا المنام مقلتيه، وادّكر تحيف القوم لممالكه، وتحيّن الأوقات لمهالكه، فشمر لطلابها، وضمّر خيله لغلابها، وبدأ بالعود إلى دمشق وخادع عمرو بن سعيد حتى استنزله عن سريرها، واستقلّه أن يبيت ضجيع سرورها، وما زال به حتى استدعاه خاليا، واستدناه مماليا، حتى إذا كان قريبا منه وثب عليه، وبث سر حنقه إليه، ثم أشرف فهاله تجمع أصحابه بداره ليوقع ما به وبداره، وكان لا طاعة له على جمعهم، ولا طاقة له بدفعهم، فوجد الحيلة أنصر له وأقدر على هدر دم من قتله، فكأنما كان سكر أصحابه، فألقى رأسه إلى أصحابه، مقرونا بنثار من الذهب، شغلهم لقطه عن أخذ ثأر من ذهب، فراح دمه مطلولا، وطاح لا يجد عنه سائلا ولا مسئولا، ثم يطلب الاثنين ولم يبد اكتراثه، ولا قال: وما شر الثلاثة (٢)، فوجه الحجاج نحو ابن

стр. 7774

الزبير، يمحو بقية ذلك الخير، ففعل تلك القبائح [ص ٢٥٣] وأكثر بمكة لا بمنى تلك الذبايح، من دماء محرمات سفكها، وحرمات انتهكها، ورمى بخطارة المنجنيق، حجارة البيت العتيق، نصبها على أبي قبيس وقيقعان (١)، ورمى الكعبة فتحامتها الحجارة، ورامتها فما أومى إليها بناؤها بإشارة، وحمت الملائكة حماها، وصانت عن تقبيل ثغور تلك الحجارة لماها، ففطن أن الملائكة تدفع عن أركانها، وتمنع من مكانها، فلطخ الحجارة بالعذرة، وألقاها إذ كانت الملائكة تتوقاها، فأصاب جدارها، وأصار إلى الأرض أحجارها، فأحل من الحرم ما لم يحل، واستحل ما لا يجوز لمستحل، وبث الأضاليل، ونصب حبائل الأباطيل، وقصد بيت الله بأشد مما قصده إبرهة عام الفيل، إلا أن حرمة تسميته بالإسلام، دفعت عنه عاجل البلاء، وأخّرته وما تقول إنها سامحته، ولكنها أنظرته، ثم لما قتل ابن الزبير، أمر له بجذع فنصب، ومنّ به إليه فصلب، وكانت أمه قد قالت له: يا بني لأن تقتل خير من أن تختل (٢)، فقال: أخشى أن يمثلوا بي، فقد نمي إليّ أنهم تقبّلوا له بصلبي، فقالت: يا بني لا يضرك هرير النبح، فالشاة لا يؤلمها السلخ، بل الذبح، وكان ابن عمر ﵄ يقول: جنبوني خشبة ابن الزبير وتجنّبها، ويحس بها ولا يقربها، فعبر ليلة عليها فوقف عليه مترحما، وقال: والله لقد عهدتك صوّاما قوّاما، وإنما أعجبتك بغلات معاوية، وولى ودموعه هاوية. وذلك بعد أن نهد عبد الملك إلى مصعب، ونهض كأنه جمل مصعب، فسار يتقدم فرسانه، ويتخطم في أرسانه، ولم يثن همّته فيما يصان به عرينها حصان عليها عقد در يزينها، إذ كان من قوم من عهد لؤي بن غالب، ما لوى به

стр. 7775

غالب، إذا حاربوا شدوا دون النساء مآزرهم، وشد بصدق الحفيظة موازرهم، وأعمل الحيلة على مصعب، بكتب إلى أصحابه كتبها، وأعاجيب كذب كذبها [ص ٢٥٤] وكان الملتقى، فخذل مصعبا أصحابه، وخزل جمعه حتى خلت منهم رحابه، فتركوه وأسلموه، وخلوه لمضارب السيوف وسلموه، وكان عبد الملك يكنى بأبي الذباب لبخره، كانت لثته تدمى دائما فيتغير ريحها، وكان مظفرا على أعدائه، فإنه غلب في أيامه على عدة رجال أكابر كلهم كانوا في زمانه يبارونه في السلطان، مثل عبد الله بن الزبير، والمصعب أخوه، وعمرو بن سعيد الأشدق، وعبد الرحمن بن الأشعث، فكل واحد منهم ما قام له معه قائمة، وكلهم قتل وحكم قاضية، ومع هذا فلم ينفعه ولا أغنى عنه شيئا، حتى تمت أيامه، وأتاه حمامه، ويؤيد هذا خبر الرجل الذي ورد على معاوية وكان من أهل الكتاب والعلم بالحدثان، فقال له معاوية، أتجدني في شئ من كتاب الله، قال: أي والله، حتى لو كنت في أمة من الأمم لوضعت يدي عليك من بينهم، قال: فكيف تجدني، قال: أول من يحول الخلافة ملكا، والخشونة لينا، ثم إن ربك من بعدها لغفور رحيم، قال له معاوية: ثم يكون ما ذا، قال: ثم يكون منك رجل شرّاب للخمر، سفّاك للدماء، يصطنع الرجال، ويحتجن الأموال، ويجنب الخيول، ويبيح حرمة الرسول، قال: ثم ما ذا، قال ثم تكون فتنة تتشعب تقوم حتى يفضى الأمر إلى رجل أعرفه بعينه، يبيع الدار الآخرة الدائمة بحظ من الدنيا مخسوس فيجتمع عليه من آلك، وليس منك، لا يزال لعدوه قاهرا، وعلى من ناوأه ظاهرا، ويكون له قرين أمين مبين، قال: أفتعرفه إن رأيته، قال: أشد ما أراه من بني أمية بالشام، قال: ما أراه هاهنا، فوجهه إلى المدينة مع ثقات من قومه، فبينما هو يمشي في أزقة المدينة إذ رأى عبد الملك يلعب بطائر على يده، قال: ها هو ذا، ثم صاح به، أبو من، فقال: أبو الوليد، فقال: يا أبا الوليد، إن بشّرتك ببشارة تسرك ما [ص ٢٥٥] يكون لي عندك، فقال: وما
следующие страницы →