← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11790

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط المجمع الثقافي

ابن فضل الله العمري

Полный текст (8 839 стр.). Показаны 7771–7810 · переход к 7776.

стр. 7771

والمرجفون في المدينة لنغرينّك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا) (١)، فكيف رأيتم ما صنع الله بكم، والله لا يتكلم أحد منكم بكلمة إلا ضربته بسيفي هذا، ثم لاقوا بالربذة (٢) جيشا كان قد أقدمه ابن الزبير من البصرة، وكانت الدائرة على جيش مروان، وفر يوسف الثقفي ورديفه ابنه الحجاج على فرس، وكان الحجاج يقول: ما أقبح الهزيمة، لقد كنت ورجل آخر - يعني أباه - فانهزمنا على فرس، فركضنا ثلاثين ميلا، حتى قام بنا الفرس، وإنه ليخيل إلينا أن رماح القوم في أكتافنا، وجعل ابن الزبير لمن يأتيه بيوسف الثقفي وابنه جعلا، فلم يقدر عليهما. ثم كان بين مروان وبين خالد بن يزيد (٣) كلام، فقال له يا ابن الرطبة، فقال خالد: والله لقد أضعت الأمانة، وفضحت الستر، ثم دخل عليها فقال: يا أماه، ما ذا ألحقت بي من العار، قالت: وما ذاك يا بني، فقال لها ما كان من قول مروان، فقالت: أما والله لا تسمع منه شيئا تكرهه بعدها أبدا، فلما دخل عليها (٤) مروان، قال لها: قد كان مني إلى خالد كلام، فهل قاله لك، فقالت: أنت يا أمير المؤمنين أجل في صدر خالد وأكبر في عينه من ذلك، ثم تركته

стр. 7772

حتى نام، وعمدت إلى مرفقة محشوة ريشا، فجعلتها على وجهه وجلست عليها حتى مات غمّا، ثم صرخت وجواريها وقلن: مات أمير المؤمنين فجأة، وقيل: بل كان يعجبه اللبن فجاءته بلبن مسموم، فقال: ايتوني به إذا أفطرت، فلما أفطر أتوه به فشربه، فاعتقل لسانه، وصرخ جواريها، وأقبل يشير إلى من اجتمع إليه من ولده وغيرهم، أنها قتلتني، وجعلت هي تقول: أما ترونه يوصيكم بي ويشير إليكم بحفظي [ص ٢٥٢]. وولد مروان لثلاث من الهجرة، وتوفي في رمضان سنة خمس وستين، وهو في ثلاث وستين سنة، ومدة خلافته تسعة أشهر وأيام، وقبره بدمشق. ثم: ١٠٢ - دوّلة ابنه عبد الملك بن مروان ابن الحكم (١)، أبو الوليد، الفحل الذي لم يخطم، والرمح الذي لم يحطم، سهم لا تعدله خطا، وسيف لا يحدث لنبوته نبا، ثارت عليه ثوار فوطئهم بميسمه، وأبكاهم دما بدوام تبسمه. كان ابن الزبير بمكة، وأخوه مصعب بالعراق، وخرج عليه عمرو بن

стр. 7773

سعيد (١) بدمشق، وكاد يصيبه الرشق، ويصل إليه من تغريق الخطبة المشق، وأحاط به البلاء، وادّاركت عليه النّوب الولاء، وظن أنه قد أخذ، وأن ملكه قد تمزق، وهو مع هذا جمل تحمل ما حمل، وجبل لو تقسمه أهل الأرض ما حوّل، فجثا على ركبتيه، وجفا المنام مقلتيه، وادّكر تحيف القوم لممالكه، وتحيّن الأوقات لمهالكه، فشمر لطلابها، وضمّر خيله لغلابها، وبدأ بالعود إلى دمشق وخادع عمرو بن سعيد حتى استنزله عن سريرها، واستقلّه أن يبيت ضجيع سرورها، وما زال به حتى استدعاه خاليا، واستدناه مماليا، حتى إذا كان قريبا منه وثب عليه، وبث سر حنقه إليه، ثم أشرف فهاله تجمع أصحابه بداره ليوقع ما به وبداره، وكان لا طاعة له على جمعهم، ولا طاقة له بدفعهم، فوجد الحيلة أنصر له وأقدر على هدر دم من قتله، فكأنما كان سكر أصحابه، فألقى رأسه إلى أصحابه، مقرونا بنثار من الذهب، شغلهم لقطه عن أخذ ثأر من ذهب، فراح دمه مطلولا، وطاح لا يجد عنه سائلا ولا مسئولا، ثم يطلب الاثنين ولم يبد اكتراثه، ولا قال: وما شر الثلاثة (٢)، فوجه الحجاج نحو ابن

стр. 7774

الزبير، يمحو بقية ذلك الخير، ففعل تلك القبائح [ص ٢٥٣] وأكثر بمكة لا بمنى تلك الذبايح، من دماء محرمات سفكها، وحرمات انتهكها، ورمى بخطارة المنجنيق، حجارة البيت العتيق، نصبها على أبي قبيس وقيقعان (١)، ورمى الكعبة فتحامتها الحجارة، ورامتها فما أومى إليها بناؤها بإشارة، وحمت الملائكة حماها، وصانت عن تقبيل ثغور تلك الحجارة لماها، ففطن أن الملائكة تدفع عن أركانها، وتمنع من مكانها، فلطخ الحجارة بالعذرة، وألقاها إذ كانت الملائكة تتوقاها، فأصاب جدارها، وأصار إلى الأرض أحجارها، فأحل من الحرم ما لم يحل، واستحل ما لا يجوز لمستحل، وبث الأضاليل، ونصب حبائل الأباطيل، وقصد بيت الله بأشد مما قصده إبرهة عام الفيل، إلا أن حرمة تسميته بالإسلام، دفعت عنه عاجل البلاء، وأخّرته وما تقول إنها سامحته، ولكنها أنظرته، ثم لما قتل ابن الزبير، أمر له بجذع فنصب، ومنّ به إليه فصلب، وكانت أمه قد قالت له: يا بني لأن تقتل خير من أن تختل (٢)، فقال: أخشى أن يمثلوا بي، فقد نمي إليّ أنهم تقبّلوا له بصلبي، فقالت: يا بني لا يضرك هرير النبح، فالشاة لا يؤلمها السلخ، بل الذبح، وكان ابن عمر ﵄ يقول: جنبوني خشبة ابن الزبير وتجنّبها، ويحس بها ولا يقربها، فعبر ليلة عليها فوقف عليه مترحما، وقال: والله لقد عهدتك صوّاما قوّاما، وإنما أعجبتك بغلات معاوية، وولى ودموعه هاوية. وذلك بعد أن نهد عبد الملك إلى مصعب، ونهض كأنه جمل مصعب، فسار يتقدم فرسانه، ويتخطم في أرسانه، ولم يثن همّته فيما يصان به عرينها حصان عليها عقد در يزينها، إذ كان من قوم من عهد لؤي بن غالب، ما لوى به

стр. 7775

غالب، إذا حاربوا شدوا دون النساء مآزرهم، وشد بصدق الحفيظة موازرهم، وأعمل الحيلة على مصعب، بكتب إلى أصحابه كتبها، وأعاجيب كذب كذبها [ص ٢٥٤] وكان الملتقى، فخذل مصعبا أصحابه، وخزل جمعه حتى خلت منهم رحابه، فتركوه وأسلموه، وخلوه لمضارب السيوف وسلموه، وكان عبد الملك يكنى بأبي الذباب لبخره، كانت لثته تدمى دائما فيتغير ريحها، وكان مظفرا على أعدائه، فإنه غلب في أيامه على عدة رجال أكابر كلهم كانوا في زمانه يبارونه في السلطان، مثل عبد الله بن الزبير، والمصعب أخوه، وعمرو بن سعيد الأشدق، وعبد الرحمن بن الأشعث، فكل واحد منهم ما قام له معه قائمة، وكلهم قتل وحكم قاضية، ومع هذا فلم ينفعه ولا أغنى عنه شيئا، حتى تمت أيامه، وأتاه حمامه، ويؤيد هذا خبر الرجل الذي ورد على معاوية وكان من أهل الكتاب والعلم بالحدثان، فقال له معاوية، أتجدني في شئ من كتاب الله، قال: أي والله، حتى لو كنت في أمة من الأمم لوضعت يدي عليك من بينهم، قال: فكيف تجدني، قال: أول من يحول الخلافة ملكا، والخشونة لينا، ثم إن ربك من بعدها لغفور رحيم، قال له معاوية: ثم يكون ما ذا، قال: ثم يكون منك رجل شرّاب للخمر، سفّاك للدماء، يصطنع الرجال، ويحتجن الأموال، ويجنب الخيول، ويبيح حرمة الرسول، قال: ثم ما ذا، قال ثم تكون فتنة تتشعب تقوم حتى يفضى الأمر إلى رجل أعرفه بعينه، يبيع الدار الآخرة الدائمة بحظ من الدنيا مخسوس فيجتمع عليه من آلك، وليس منك، لا يزال لعدوه قاهرا، وعلى من ناوأه ظاهرا، ويكون له قرين أمين مبين، قال: أفتعرفه إن رأيته، قال: أشد ما أراه من بني أمية بالشام، قال: ما أراه هاهنا، فوجهه إلى المدينة مع ثقات من قومه، فبينما هو يمشي في أزقة المدينة إذ رأى عبد الملك يلعب بطائر على يده، قال: ها هو ذا، ثم صاح به، أبو من، فقال: أبو الوليد، فقال: يا أبا الوليد، إن بشّرتك ببشارة تسرك ما [ص ٢٥٥] يكون لي عندك، فقال: وما

стр. 7776

مقدارها حتى أرى ما يكون مقدارها من الجعل، قال: أن تملك الأرض، قال: مالي من مال، ولكن أرأيت إن تكلفت لك جعلا أتاني ذلك قبل وقته، قال: لا، قال: إن حرمتك أيؤخر ذلك عن وقته، قال: لا، قال: فحسبك. وكان عبد الملك من أكثر الناس علما وأبرعهم أدبا، وأحسنهم ديانة في شبيبته، وكان يواضب المساجد حتى سمي حمامة المساجد، وكان لا يعيى بجواب إلا إن كلم أخاه عبد العزيز. حكي أن عبد الملك استقبل أخاه عبد العزيز حين رجع من مصر على ألف جمل، فقال له: على كم كانت البدأة، فقال: على مائة، فقال عبد الملك: ما عير أحق بأن يقال لها: ﴿أَيَّتُهَا اَلْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ﴾ (١) من عيركم هذه، فقال له عبد العزيز: ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ (٢). وحكي عن عبد الملك أنه لما أراد الخروج إلى مصعب، تعلقت به عاتكة بنت يزيد بن معاوية، وجعلت تبكي، حتى بكى لبكائها حشمها، فقال: قاتل الله كثيرا، كان يرى موقفنا هذا حيث يقول: (٣) [الطويل] إذا همّ بالأعداء لم يثن همّه … حصان عليها عقد درّ يزينها نهته فلما لم تر النّهي عاقه … بكت فبكى مما شجاها قطينها ثم خرج يريد مصعبا وكثيّر في موكبه، فقال: يا أبا جمعة، ذكرتك الساعة بيتين من شعرك، فإن أصبتهما فلك حكمك، قال: نعم، أردت الخروج فبكت عاتكة بنت يزيد، وبكى حشمها، فذكرت قولي، وأنشده البيتين، قال:

стр. 7777

نعم، وأعطاه ما طلب، ثم نظر إليه في عرض الناس مفكرا، فقال: عليّ بأبي جمعة، فجئ به، فقال: إن عرفتك بفكرتك فيم هي فلي حكمي؟ قال: نعم، قال: قلت في نفسك: أنا في شر حال، خرجت مع رجل من أهل النار، وليس على نحلتي، وربما أصابني سهم غرب (١) فأتلفني لغير معنى، قال: والله يا أمير المؤمنين، ما أخطأت ما في نفسي، قال: فاحتكم، قال: حكمي أن آمر لك بعشرة آلاف درهم [ص ٢٥٦] وأردك إلى منزلك، ففعل به ذلك، فمدح كثير عبد الملك، فمما قال فيه: (٢) [الطويل] يجيئون بسّامين طورا وتارة … يجيئون عبّاسين شوس الحواجب من النفر البيض الذين إذا انتجوا … أقرّت لنجواهم لؤي بن غالب كريم يؤول الراغبون ببابه … إلى واسع المعروف جزل المواهب إمام هدى قد سدد الله رأيه … وقد أحكمته ماضيات التجارب والتقى عبد الملك ومصعب (٣) بالجاثليق، فبقي مصعب كلما قال لرجل:

стр. 7778

احمل في خيلك، اعتل عليه، ولحق غالبهم بعبد الملك وبقي مصعب في شرذمة قليلة، وحمل عليه عبد الله بن زياد بن ظبيان، فرفع يده ليضربه، فبدره مصعب فضربه على البيضة، فنشب السيف في البيضة، فجاء غلام لعبيد الله فضرب مصعبا فقتله، ثم جاء عبيد الله برأسه إلى عبد الملك، فخرّ ساجدا، فقال عبيد الله: ما ندمت على شئ ندمي على عبد الملك حين سجد، إذ لم أضرب عنقه، فأكون قد قتلت ملكي العرب في يوم واحد، وفي ذلك يقول: [الطويل] هممت ولم أفعل وكدت وليتني … فعلت فأدمنت البكا لأقاربه فأوردتها في النار بكر بن وائل … وألحقت من قد خرّ شكرا بصاحبه وأما حديث قتل عمرو بن سعيد الأشدق، وأبوه سعيد بن العاصي، وكان يقال لعمرو لطيم الشيطان، فهو أن مروان لما قام بطلب الأمر عضده عمرو بن سعيد، واتفق معه على أن يكون له الأمر بعده، فلما كبر أمر مروان، صيّر الأمر لابنيه عبد الملك ثم عبد العزيز، على أن يصير الأمر لعمرو بعدهما، فلما كاتب أهل العراق عبد الملك خرج نحوهم، وكان في العراق مصعب، فقال له عمرو: إن الأمر كان لي بعد مروان، ثم صيّره لك، ولكن اكتب لي أنت به بعدك، فسكت عنه عبد الملك، وخرج لوجهه نحو مصعب، فلما كان من دمشق على ثلاث مراحل، كرّ عمرو راجعا في الليل إلى دمشق، وغلق أبوابها في وجه عبد الملك، وتسمى بالخلافة، فرجع عبد الملك [ص ٢٥٧] حتى نزل على دمشق وحاصرها، فصالحه عمرو على أن يكون له الأمر من بعده، وأله مع كل عامل عاملا، ففتح دمشق، وكان بيت المال بيد عمرو، فأرسل إليه عبد الملك، أن أخرج أرزاق الحرس، فقال عمرو: إن كان له حرس، فإن لنا لحرسا، قال: وأخرج لحرسك أيضا، فلما كان ذات يوم، أرسل عبد الملك إلى عمرو أن ايتني يا أبا

стр. 7779

أمية حتى أدبر معك أمرا، فقالت له امرأته: لا تذهب إليه، فإني أخافه عليك، فقال: أبو ذبّان، والله لو كنت نائما ما أيقضني، فقالت: والله ما آمنه عليك، وإني لأجد ريح دم، فما زالت به حتى ضربها بقائم سيفه فشجها، وقام فلبس درعه تحت ثيابه، فلما أراد الخروج عثر بالبساط، ثم مضى، وكان معه أربعة آلاف في السلاح، وكان عمرو عظيم الكبر، لا يلتفت وراءه ولو انطبقت الأرض إعجابا وزهوا، فلما وصل القصر الذي فيه عبد الملك، غلّقت الأبواب، فلم يدخل معه إلا غلام، وهو لا يدري، فلما حصل لعبد الملك قال لغلامه: اذهب للناس ما به بأس، فقال عبد الملك: تريد أن تخدعني، خذوه، فلما أخذوه، قال له عبد الملك: إني أقسمت أن أعمل في عنقك جامعة، وهذه جامعة من فضة، أريد أن أبر بها قسمي، فطرحها في عنقه، ثم جذبه إلى الأرض بيده، فضرب فمه في جانب السرير، فانكسرت ثنيته، فجعل عبد الملك يتأملها، فقال عمرو: لا عليك يا أمير المؤمنين، عظم انكسر، ثم قال له: سألتك بالله يا أمير المؤمنين لا تخرجني إلى الناس على هذه الحالة، فقال له: مكرا أبا أمية، وأنت في الحديد، فبينما هو في ذلك، إذ جاءه المؤذن يؤذنه بالصلاة، فقام إليها، وقال لأخيه عبد العزيز: اقتله، فقال عمرو: يا عبد العزيز، لا تكن أنت من بينهم قاتلي، فتركه، فلما رآه عبد الملك جالسا، فلام عبد العزيز، ثم أخذ الحربة بيده وقال: قربوه إليّ، فقال عمرو: فعلتها يا بن الزرقاء [ص ٢٥٨]، فقال له عبد الملك: لو علمت أنك تبقى ويسلم لي ملكي لفديتك بدم النواظر، ولكن قلّ ما اجتمع فحلان على مذود (١) إلا بغى أحدهما على صاحبه، ثم ضرب بالحربة في صدره فلم تغن شيئا، فضرب بيده على عاتقه، فأصاب الدرع تحت ثيابه، فقال: لقد كنت معتدا أبا أمية، اضربوا به الأرض، فصرع له، ووقف على صدره فذبحه، ولما

стр. 7780

لم يخرج عمرو إلى الصلاة، قاتل أصحابه البوابين، وشج الوليد بن عبد الملك، فلما رأى ذلك قبيصة بن أبي ذؤيب، قال لعبد الملك: ارم لهم بالرأس وانثر الدنانير عليهم ليشتغلوا ويتفرقوا، ففعل، وكان الأمر على ما قال ابن أبي ذؤيب، وذهب دم عمرو هدرا. ويحكى أنه لما قتل عمرو بن سعيد وتسمى بالخلافة سلم عليه (١) أول تسلمه، فالمصحف في حجره، فأطبقه وقال: ﴿هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ (٢)، وكان في عنفوان نسكه، صديق من أهل الكتاب يقال له يوسف، وكان قد أسلم، فقال له عبد الملك يوما، وقد مضت جيوش يزيد بن معاوية مع مسلم بن عقبة المري يريد المدينة الأخيل عدو الله، كيف يقصد حرم رسول الله ﷺ ، فقال له يوسف: حسبك والله إلى حرم الله أكبر من جيشه إلى حرم رسول الله، فقال عبد الملك: عياذا بالله، (٣)، فقال له يوسف: والله ما قلت شاكا ولا مرتابا، وإني لأجدك بجميع أوصافك، قال عبد الملك: فيكون ما ذا، قال: يتداولها رهطك إلى أن تخرج الرايات السود من خراسان. وأما: ١٠٣ - عبد اللّه بن الزّبير ﵁ وكان يكنى أبا بكر (٤)، ويكنيه من ذمه أبا خبيب، فإنه لما قتل أخوه

стр. 7781

مصعب، وبايع الناس عبد الملك، ودخل الكوفة، قال له لحجاج: يا أمير المؤمنين، إني رأيت في المنام كأني أسلخ ابن الزبير من رأسه إلى قدمه، فقال له عبد الملك: أنت [ص ٢٥٩] صاحبه، فأخرج معه الجيوش، فسار بها حتى نزل على مكة، ونصب المجانيق على أبي قبيس وعلى قيقعان، وما زال يحاصره ويضيق عليه، فلما كان في الليلة التي قتل في صبيحتها، جمع القرشيين، فقال لهم: ما ترون؟ فقال رجل من بني مخزوم: والله لقد قاتلنا معك حتى لا نجد مقتلا، والله لئن صرنا معك ما نزيد على أن نموت، وإنما هي إحدى خصلتين، إما أن تأذن لنا فنأخذ الأمان لأنفسنا ولك، وإما أن تأذن لنا فنخرج، فقال له رجل: اكتب إلى عبد الملك، قال: كيف أكتب، من عبد الله أمير المؤمنين إلى عبد الملك بن مروان، فو الله لا يقبل هذا أبدا، أو أكتب لعبد الله عبد الملك بن مروان أمير المؤمنين، من عبد الله بن الزبير، فو الله، لئن تقع الخضراء على الغبراء أهون عليّ من ذلك، فقال له عروة بن الزبير، وهو جالس معه على السرير: يا أمير المؤمنين، قد جعل الله لك أسوة، قال: ومن هو، قال: الحسن بن علي، خلع نفسه وبايع معاوية، فرفع عبد الله رجله وركضه في رجله أرماه عن السرير، وقال: يا عروة، قلبي إذا مثل قلبك، والله لو قلتها ما عشت إلا قليلا، وقد أخذتني الدنية، ولئن أضرب بسيف من عز، خير من أن ألطم في ذل، فلما أصبح دخل على امرأته أم هاشم بنت منظور، وهي التي يقول فيها الفرزدق، إذ نافرته زوجته النوار إلى عبد الله بن الزبير، فنزل الفرزدق على حمزة بن عبد الله بن الزبير، ونزلت زوجته النوار على بنت منظور بن زبان، فكان كلما أصلح

стр. 7782

حمزة من شأن الفرزدق عند أبيه نهارا، أفسدته زوجته أم هاشم ليلا، حتى غلبته النوار، ففي ذلك يقول: [البسيط] أما البنون فلم تقبل شفاعتهم … وشفّعت بنت منظور بن زبّانا ليس الشفيع الذي يأتيك مؤتزرا … مثل الشفيع الذي يأتيك عريانا [ص ٢٦٠] فلما دخل ابن الزبير على أم هاشم قال لها اصنعي لي طعاما، فلما صنعت له ذلك، أخذ منه لقمة فلاكها ثم لفظها، وقال: اسقوني لبنا ثم اغتسل وتحنط وتطيّب، ثم أتى أمه أسماء ذات النطاقين، فقال: ما ترين يا أماه، فقد خذلني الناس، فقالت: لا يلعب بك صبيان بني أمية، عش كريما، ومت كريما، قال لها: إني أخشى أن يمثّل بي بعد الموت، فقالت: إن الشاة لا تألم بالسلخ بعد الذبح، فقبّل بين عينيها وودعها وخرج، وأسند ظهره إلى الكعبة، وجعل يقاتل، فلا يؤم جمعا إلا هدّه، فقال رجل شامي اسمه خليوب: ألا يمكنكم أخذه إذا ولّى، قيل له: فخذه أنت إذا ولّى، قال: نعم، وهو يريد أن يحتضنه من خلفه، فعطف عليه فقطع ذراعيه، فصاح فقال: اصبر خليوب، ثم جعل يقول: (١) قد جدّ أصحابي ضرب الأعناق … وصارت الحرب بينهم على ساق فبينا هو يقاتل جاءه حجر من حجارة المنجنيق [وهم] يرتجزون: خطّارة مثل الفنيق المزبد … يرمى بها عوّاذ أهل المسجد ولما صرعه حجر المنجنيق، اقتحم عليه أهل الشام، فحملوه فذهبوا به إلى

стр. 7783

الحجاج (١)، فدعا بالنطع وحزّ رأسه بيده، وبعث به إلى عبد الملك، ثم أتى الحجاج أمه ليعزيها فيه، قالت له: يا حجاج أقتلت عبد الله، قال لها: يا بنة أبي بكر، إني قاتل الملحدين، قالت له: قاتل الموحدين، قال لها: كيف رأيتني صنعت بابنك، قالت: رأيتك أفسدت عليه دنياه، وأفسد عليك آخرتك، ولا ضير إن الله أكرمه على يديك، وقد أهدي رأس زكريا إلى بغي من بغايا بني إسرائيل. وروى هشام بن عروة عن أبيه قال: كان عثمان بن عفان قد استخلف عبد الله بن الزبير على الدار، فبذلك ادّعى الخلافة. ثم لما صلب ابن الزبير كان عبد الله بن عمر يقول لقائده: جنبني خشبة ابن الزبير، فوقف ودعا له وقال: إن علتك رجلاك - وكان [ص ٢٦١] منكسا - لطالما وقفت عليهما في صلاتك، وإن قوما كنت شرهم لقوم كلهم أخيار، ثم قال لأصحابه: أما والله، ما عرفته إلا صوّاما قوّاما، ولكن ما زلت أخاف عليه مذ رأيته أعجبته بغلات معاوية الشهب، وكان معاوية قد حج، فدخل المدينة وخلفه خمس عشرة بغلة شهباء عليها رحائل الأرجوان، فيها الجواري، عليهن الحلي والمعصفرات، ففتنت الناس. وإذا انتهينا في ذكر ابن الزبير، فلنعد إلى تتمة أخبار عبد الملك بن مروان:

стр. 7784

قال المدائني: دخل عبد الملك على يزيد بن معاوية فقال له: يا أمير المؤمنين، إن لك أرضا بوادي القرى لا غلة لها، فإن رأيت أن تأمر لي بها، فقال يزيد: إنا لا نخدع عن صغير، ولا نبخل بكبير، قال: فإنها تغل كذا وكذا، قال: هي لك، فلما ولّى قال يزيد: هذا الذي يقال إنه يلي بعدنا، فإن كان ذلك باطلا، فقد وصلناه، وإن كان حقا، فقد صانعناه. وعن ذكوان قال: كان فقهاء المدينة يعدون أربعة منهم عبد الملك بن مروان. وعن نافع قال: لقد رأيت المدينة وما بها شاب أشد تشميرا، ولا أملك لنفسه، ولا أظهر مروءة، من عبد الملك، قال: وكان يقال لعبد الملك حمامة المسجد لعبادته. وشكى بعض العمال إلى ابن عمر، وعبد الملك يصلي إلى سارية، فقال ابن عمر: لو وليهم عبد الملك هذا ما رضوا به، يضرب به المثل في الفضل والصلاح. قال الشعبي: دخلت على عبد الملك فقلت: أنا الشعبي يا أمير المؤمنين، فقال: لو لم نعرفك لم نأذن لك، فلم أدر ما أقول، ثم قال: علّم بني الشعر، فإنه ينجدهم ويمجدهم. وقال: وفدت على عبد الملك، فما أخذت بحديث أرى أنه لم يسمعه، إلا سبقني إليه، وربما غلطت في الشيء وقد علمه، فيتغافل عني تكرما. وقال عبد الملك: شممت الطيب حتى ما أبالي رائحة ما وجدت، وأتيت النساء [ص ٢٦٢] حتى ما أبالي أرأيت امرأة أم حائطا، وأكلت الطعام، حتى ما أبالي ما أكلت، وما بقيت لي لذة إلا في محادثة رجل ألقي التحفظ بيني وبينه. وأوصى أهل مكة فقال: يا بني مروان، ابذلوا معروفكم، وكفوا أذاكم، واعفوا إذا قدرتم، ولا تبخلوا إذا سئلتم، ولا تلحفوا إذا سألتم، فإنه من ضيّق ضيّق عليه، ومن وسّع وسّع عليه.

стр. 7785

وقيل له: لقد شبت يا أمير المؤمنين، فقال: وكيف لا أشيب وأنا أعرض عقلي على الناس في كل جمعة، يعني الخطبة. وقال وقد قيل له هذا مرة أخرى: لقد شيبتني قعقعة لجام البريد، وصرير أعواد المنابر. وعن جويرية بن أسماء قال: كان لعبد الملك بيت مال لا يدخله إلا مال طيب، لم يظلم فيه مسلم ولا معاهد، قد عرف وجوهه، فكان يصدق منه النساء، ويشتري منه الإماء اللاتي يتخذهن أمهات أولاد، ويقول: لا أستحل أنكح إلا طيّبا، فإن ذلك في الأولاد. وحكى البلاذري أن عبد الملك كان يشتو بالصنبرة (١) من الأردن، فاذا انسلخ الشتاء نزل الجابية (٢)، فإذا مضت أيام من آذار دخل دمشق، حتى إذا حان حمّارة القيظ أتى بعلبك، فأقام بها، حتى تهيج رياح الشتاء، فيرجع إلى دمشق، فإذا اشتد البرد، خرج إلى الصنبرة. وعن المدائني قال: رأى عبد الملك كأنه بال في الكعبة، فبعث إلى سعيد بن المسيب من سأله عنه، وقال له: لا تخبره أنني رأيته، فقال له الرجل: رأيت كذا، فقال له سعيد: مثلك لا يرى هذه الرؤيا، فرجع إلى عبد الملك فأخبره فقال: ارجع إليه فأخبره أني رأيتها، فرجع إليه فأخبره، فقال: يخرج من صلبه من يلي الخلافة. وعن حبيب بن منيع قال: جلست إلى سعيد بن المسيب يوما، والمسجد خال، فجاء رجل فقال: يا أبا محمد، رأيت في النوم كأني أخذت عبد الملك بن مروان، فوتدت في ظهره أربعة أوتاد، وتدا بعد وتد، فقال: ما أنت [ص ٢٦٣]

стр. 7786

رأيت هذه الرؤيا، فأخبرني من رآها، قال: ابن الزبير، قال: الآن صدقت، وإن صدقت الرؤيا قتل عبد الملك عبد الله بن الزبير، وخرج من صلب عبد الملك أربعة كلهم يكون خليفة، قال: فرحلت إلى عبد الملك فدخلت عليه، وهو في الخضراء بدمشق، فأخبرته الخبر، وسألني عن ابن المسيب، ثم سألني عن ديني، فقلت: أربع مائة دينار، فأمر لي بها من ساعته، ومائة دينار أخرى، وإبل أحملني عليها، وحمّلني طعاما وزيتا وكساء، فانصرفت راجعا إلى المدينة. وقال عبد الملك بن مروان لسعيد بن المسيب: يا أبا محمد، صرت أعمل الخير فلا أسرّ به، وأفعل الشر فلا أسأله، قال: الآن تكامل فيك موت القلب. وكان يقال: معاوية أحلم، وعبد الملك أحزم، وكان على ديوان الصدقة حتى كانت الفتنة. وذكر البلاذري أنه لما ورد كتاب الحجاج على عبد الملك في أمر ابن الأشعث (١)، نزل عن سريره، وبعث إلى أبي هاشم خالد بن يزيد، فأقرأه

стр. 7787

الكتاب، فلما رأى ما به من الجزع والارتياع قال: إنما نخاف الحدث من خراسان وهذا الحدث من سجستان فلا تخفه، ثم خرج عبد الملك على الناس، فقام خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إن أهل العراق قد استطالوا عمري، فاستعجلوا قدرتي، فسلّط اللهم عليهم سيوف أهل الشام حتى تبلغ رضاك. وصار الحجاج إلى البصرة فأقام بها، وعزم على لقاء ابن الأشعث، وجعل فرسان أهل الشام يأتونه أرسالا، في اليوم المائة والعشرة وأقل من ذلك وأكثر، وسار الحجاج فنزل الأهواز، وتلاقت المقدمتان، فانتصرت مقدمة الحجاج، فلما رأى ابن الأشعث ما فعل بأصحابه، عبر إلى أصحاب الحجاج، فاقتحم الناس خيولهم في دجيل (١)، حتى صاروا إلى موضع الوقعة في يوم ضباب، لا يكاد الرجل يتبين فيه صاحبه، فهزم ابن الأشعث أصحاب الحجاج، ودخل ابن الأشعث البصرة، ونزل الحجاج الزاوية (٢)، ثم اقتتلوا، وكان النصر لأصحاب الحجاج، وفقد ابن الأشعث [ص ٢٦٤]، فأمر الحجاج فرفعت راية أمان، فأتوه طائعين، ودخل البصرة، وخطب خطبة قال فيها: إن الله لم ينصركم بأهل الشام على عدوكم، ولكنكم كنتم أهل الطاعة، وهم أهل المعصية، فنصركم

стр. 7788

بغير حول منكم ولا قوة، فاحمدوا الله على نعمه، ولا تبغوا ولا تظلموا، وإياكم وأن يبلغني أن رجلا منكم دخل بيت امرأة، فلا يكون له عندي عقوبة إلا السيف»، ثم أتى الحجاج بآل الأشعث، فلم يقتل إلا عبد الرحمن بن محمد الأشعث وابن عمه عبد الله بن إسحاق. ودخل البراء بن قبيصة الثقفي على عبد الملك، وكان الحجاج قد طلبه لخروجه مع ابن الأشعث، فأنشده قوله: [الطويل] أرى كل جار قد وفى بجواره … وجار أمين الله في الأرض يخذل فما هكذا كنتم إذا ما أجرتم … وما هكذا كانت أمية تفعل فقال عبد الملك: صدقت، وأمر الحجاج أن يمسك عنه. وكان عبد الله بن أنس قد قتل مع الجارود، وكان شجاعا شديد البطش، حمل بخراسان بدرة بفمه فعبر بها نهرا، فلما بلغ الحجاج خبر مقتله، قال: لا أرى أنسا إلا بعين عليّ (١)، فلما دخل البصرة استصفى مال أنس، فلما دخل عليه قال: لا مرحبا ولا أهلها إيها يا شيخ ضلالة، جوال في الفتن مع أبي تراب مرة، ومرة مع ابن الزبير، ومرة مع ابن جارود، أما والله لأجردنّك جرد القضيب، ولأعصبنّك عصب السّلمة، ولأقلعنّك قلع الصمغة، فقال أنس: من يعني الأمير؟ قال: إياك، أصمّ الله صداك، فرجع أنس فأخبر [عبد الملك] بما لقي من الحجاج، فأجابه عبد الملك جوابا لطيفا، وكتب إلى الحجاج: «أما بعد، يا بن أم الحجاج، فإنك عبد طمّت بك الأمور حتى عدوت طورك، وتجاوزت قدرك، وأيم الله يا بن المستعجمة بالزبيب، لأغمرنّك غمرة كبعض غمرات الليوث للثعالب، ولأخطبنّك خطبة تود لها أنك رجعت في مخرجك من بطن أمك، أما تذكر

стр. 7789

حال آبائك بالطائف [ص ٢٦٥] حيث كانوا ينقلون الحجارة على ظهورهم، ويحتفرون الآبار بأيديهم في أوديتهم ومناهلهم، أم نسيت حال آبائك في اللؤم والدناءة في المروة والخلع، وقد بلغ أمير المؤمنين الذي كان منك إلى أنس بن مالك جرأة وإقداما، وأظن أنك أردت أن تسبر ما عند أمير المؤمنين في أمره، فتعلم إنكاره أو إغضاءه عنه، فإن سوّغك ما كان منك مضيت عليه إقداما فعليك لعنة الله من عبد أخفش (١) العينين، أصك الرجلين، ممسوح الجاعرتين (٢)، ولولا أن أمير المؤمنين يظن أن الكاتب كثر في الكتاب من الشيخ إلى أمير المؤمنين فيك، لأتاك من يسحبك على ظهرك وبطنك، حتى يأتي بك أنسا فيحكم فيك، فأكرم أنسا وأهل بيته، واعرف له حقه، وخدمته رسول الله ﷺ ، ولا تقصر في شئ من حوائجه، ولا يبلغنّ أمير المؤمنين عنك خلاف ما تقدم فيه إليك من أمر أنس وبرّه وإكرامه، فنبعث إليك من يضرب ظهرك، ويهتك سترك، ويشمت بك عدوك، والقه في منزله متنصلا إليه، وليكتب إلى أمير المؤمنين برضاه عنك إن شاء الله، والسلام». وبعث بالكتاب مع إسماعيل بن عبد الله مولى بني مخزوم، فأتى إسماعيل أنسا بكتاب عبد الملك إليه فقرأه، ثم أتى الحجاج بالكتاب إليه، فجعل يقرأه ووجهه يتغير ويتمعر (٣)، وجبينه يرشح عرقا وهو يقول: يغفر الله لأمير المؤمنين، فما كنت أظنه يبلغ مني هذا كله، ثم قال لإسماعيل: انطلق بنا إلى أنس، قال إسماعيل، فقلت: يأتيك، قال: فقم أذا، فأتى أنسا، فأقبلا جميعا حتى دخلا على الحجاج، فرحب به الحجاج وأدناه، وقال: يا أبا حمزة، عجلت يرحمك الله باللائمة والتنكية (٤) إلى أمير المؤمنين قبل أن يعلم كل الذي لك عندي، إن

стр. 7790

الذي فرط مني إليك عن غير نية ولا رضى بما قلت، ولكني أردت أن يعلم أهل العراق إذ كان من ابنك ما [ص ٢٦٦] كان إذا بلغت منك ما بلغت كنت بالغلظة والعقوبة أسرع، فقال أنس: ما شكوت حتى بلغ الحقد، وقد زعمت أننا الأشرار، وسمانا الله جل وعز الأنصار، وزعمت أنا أهل النفاق، ونحن الذين تبوّءوا الدار والإيمان، وسيحكم الله بيننا وبينك، فهو أقدر على العز لا يشبه الحق عنده الباطل، ولا الصدق الكذب، وزعمت أنك اتخذتني ذريعة وسلما إلى مساءة أهل العراق باستحلال ما حرم الله عليك مني، ولم يكن لي عليك قوة، فوكلتك إلى الله وإلى أمير المؤمنين، فحفظ من حقي ما لم تحفظه، فوالله إن النصارى على كفرهم، لو رأوا رجلا خدم المسيح عيسى بن مريم ﵇ يوما واحدا، لعرفوا من حقه ما لم تعرفه من حقي، وقد خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين، وبعد فإن رأينا خيرا حمدنا الله عليه، وإن رأينا غير ذلك صبرنا والله المستعان، فرد الحجاج عليه ما كان قبض من أموالهم. وأراد عبد الملك أخاه عبد العزيز على أن يخلع نفسه، فأبى، فكتب إليه يعتبه ويقول: احمل إليّ خراج مصر، فكتب إليه: يا أمير المؤمنين، إنّا قد بلغنا سنا لم يبلغها أحد من أهل بيتك إلا كان بقاؤه بعدها قليلا، وإنّا لا ندري أينا يأتيه الموت أولا، فإن رأيت ألا تغثت (١) عليّ بقية عمري فافعل، فرق له عبد الملك وقال: لعمري لا فعلت ذلك ولا سؤت أخي، وقال لبنيه: إن يرد الله يعطكم إياها، ثم لم يلبث أن أتاه نعي عبد العزيز، فاسترجع وبكى، ووجم ساعة ثم قال: رحم الله عبد العزيز، فقد مضى لسبيله، ولابد للناس من علم يسكنون له وقائم يقوم بالأمر بعدي، وكان مؤثرا للوليد من بنيه على حبه لكلهم، وكان الحجاج يكتب إليه بأن يعهد إلى الوليد، فعهد إلى الوليد ثم إلى

стр. 7791

سليمان، وكتب ببيعته إلى المدينة وسائر الآفاق [ص ٢٦٧]. ثم مرض عبد الملك مرض موته، فقال بعض الأطباء إن شرب الماء مات، فاشتد عطشه، فقال: يا وليد اسقني، قال: لا أعين عليك، فقال: يا فاطمة اسقني، فقامت لتسقيه فمنعها الوليد، فقال للوليد (١) لتدعنها أو لأخلعنك، فقال: لم يبق بعد هذا شئ، فسقته، فخمد، وكان عبد الملك قد كرب للموت، فقال: اصعدوا بي أعلا الدار، فصعد، فرأى من كوة فيها قصّارا وحوله حمار له يرتع، فقال: يا ليتني كنت قصارا، يا ليتني كنت حمار القصار، فأتى الوليد يسأل عنه، وفاطمة بنت عبد الملك تبكي، ففتح عبد الملك عينه وأنشد: [الطويل] ومستخبر عنّا يريد لنا الردى … ومستخبرات والدموع تسيل ثم طلب ابنه الوليد وقال له: إذا أنا مت فضعني في قبري ولا تعصر عينيك عصر الأمة، ولكن شمّر وابرز والبس للناس جلد نمر، فمن قال برأسه كذا، فقل بسيفك هكذا، فقلّ ما اجتمع فحلان في ذود (٢) إلا بغى أحدهما على الآخر، فكن أنت الباغي، ثم بقي بمنتبهه يقول: إنه لا يجتمع فحلان في ذود، ولا سيفان في غمد. ولد عبد الملك في رمضان سنة عشرين، وتوفي في نصف شوال سنة ست وثمانين، وعمره ثلاث وستون سنة، ومدة ولايته بعد مقتل ابن الزبير، وهي الخلافة المجمع عليها، ثلاث عشرة سنة، وثلاثة أشهر، وخمسة عشر يوما، وكانت الفتنة نحو تسع سنين، وقبره خارج باب الجابية بدمشق. وقال شاعر يرثيه:

стр. 7792

[الطويل] سقاك ابن مروان من الغيث مسبل … أجشّ سماحيّ يجود ويهطل فما في حياة بعد موتك رغبة … لحر وإن كان الوليد يؤمّل ثم: ١٠٤ - دوّلة ابنه الوليد بن عبد الملك أبي العباس (١)، عمّر بيوت الله التي أذن أن ترفع، وسطر في صحفه من أجرها [ص ٢٦٨] ما ينفع، عمّ المساجد الثلاثة التي تشدّ لها الرحال، ولمّ شعثها في أيسر حال، وعني بمسجد دمشق، حتى انتاش من أيدي النصارى شطره، وكمل بالمساجد قطره، فقوّم شقه المائل، واستسلم كافره المتحايل، فقام المؤذن لا يشوش عليه صوت ناقوس، والإمام لا يخلط عليه ترنم قسوس، وحسم في الشق المائل منه العلة، ونصب وجه المذبح إلى القبلة، وأصبح الدين كله لله من بعد ما أعرض ونأى بجانبه، وساء كفره جهد مناصبه، وعوض النصارى بما كان للمسلمين من نصف كنيسة مريم، وعوّل على ما رآه، وصمم ثم أغرب بناءه، وأغرب سماءه، حتى رفع على السماك سمكه، ووضع بإزاء السماء حبكه، ولو

стр. 7793

كان هذا موضع القول لأطلت وأطنبت وأمللت، إلا أن الوليد كان يعاب لبه بالفراغ، ورأسه بخفة الدماغ، كان أخف من خطرة نسيم، وأطيش من نار في هشيم، وكان يتلجلج لحنا، ويتحرج ولا يقول كلاما لا معنى لغالبه، مثل كلام النائم أو السكران، هي ألفاظ إلا أنه لا يفهمها الإنسان، فكان خفيفا لحّانا، لا يقيم لسانه خطاء، ولا عقله امتحانا، وكان على هوجه الشديد، وعوجه عن النهج السديد، شديد المهابة مجيد الإصابة، سعادة أخدمته بها الأقدار، وقدمته إليها أضعاف المقدار، وكان معظما لجانب الحجّاج، حتى إنه كان أمكن عنده بما كان عند أبيه عقدة، وأقرب مكانا ومودة، وإمكانا في رخاء وشدة، وكان الوليد إذا ذكره قال: هو الذي مهّد لمنابرنا، وسهّد جفونه لنوم أكابرنا، يعدد صنعه السالف، وردعه المخالف، ويرى أنه من أكرم زلفه، وأعظم ما جاءه الدهر به من تحفه، وكذلك كان الحجاج له صدق ولاء لا يكذب، وإجماع لا يشذب، حتى إنه لما احتضر كتب إليه كتابا أودعه، ما فارقه به وودعه، زعم فيه أن رضى الوليد سبب مفازه، وموجب دخوله إلى الجنة وجوازه، وقال فيه: [ص ٢٦٩] [الطويل] إذا لقيت الله عني راضيا … فإنّ سرور النفس فيما هنالك ولما رجع الوليد من جنازة أبيه، صعد المنبر، فحمد الله واثنى عليه، ثم قال: «لم أر مثلها مصيبة، ولم أر مثله ثوابا، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون، لعظم المصيبة، والحمد لله على حسن العطية، إني قد كفيت ما كانت الخلفاء قبل تتكلم به، فمن كان في قلبه خبّ (١) فليمت بدائه، ومن مال أدبه أملنا رأسه». وولى عمر بن عبد العزيز المدينة، وأمره أن يبني مسجدها ويجعله مائتي

стр. 7794

ذراع، وبعث بالفعلة من الشام، وكتب إلى ملك الروم بأن يعينه في بنائه، فبعث إليه بمائة ألف مثقال ذهب، ومائة فاعل، وأربعين حملا فسيفساء (١) مذهبة، وبعث إلى عامله بمكة في عمل الفسيفساء، وترخيم الجدر بالمسجد، وبعث في عمارة المسجد الأقصى، وشرع هو في عمارة مسجد دمشق، وقال لأصحابه: أقسمت عليكم لما أتاني كل واحد منكم بلبنة، فجعل رجل من أهل العراق يأتيه بلبنتين، فقال له: ممن أنت؟ قال من أهل العراق، فقال: يا أهل العراق، تفرطون في كل شئ حتى في الطاعة. وقد ذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة أصبغ بن محمد بن محمد بن لهيعة السكسكي، أن الوليد حين بنى مسجد دمشق، مر برجل ممن يعمل فيه وهو يبكي، فقال: ما قصتك؟ فقال: يا أمير المؤمنين، كنت رجلا جمّالا فلقيني يوما رجل فقال لي: أتحملني إلى مكان كذا، وذكر لي موضعا في البرية، فقلت: نعم، فلما سرنا بعض الطريق التفت إليّ فقال: إن بلغنا الموضع الذي ذكرته لك وأنا حي أغنيتك، وإن متّ فاحمل جثتي إلى حيث أصف لك، فإن ثمّ قصرا خرابا، فإذا بلغته فامكث إلى ضحوة نهار، ثم عد سبع شرفات من القصر، واحفر تحت ظل السابع قدر قامة، تجد بلاطة، فاقلعها تجد مغارة، ترى فيها سريرين على أحدهما رجل ميت، فاجعلني على السرير الآخر، واحمل ما معك مالا من المغارة وارجع إلى بلدك، فمات الرجل في الطريق، ففعلت ما أمرني به، وكان معي أربعة جمال وحمارة، فأوسقتها كلها مالا [ص ٢٧٠] من المغارة، وسرت بعض الطريق، وكانت معي مخلاة، نسيت أملأها، وداخلني الشره، فرجعت بها، وتركت الجمال والحمارة، فلم أجد المكان، ورجعت فلم أجد الدواب، فبقيت أدور أياما، فلما يئست رجعت إلى دمشق، ولم أحصل على

стр. 7795

شئ، واضطرني الأمر إلى ما ترى أعمل في التراب كل يوم بدرهم، وكلما ذكرت حالي لم أملك نفسي أن أبكي، فقال الوليد: لم يقسم الله لك من تلك الأموال شيئا، وإليّ صارت وبنيت بها هذا المسجد. وعزل المجذمين في مكان، وأعطاهم، وقال: لا يسألوا الناس، وأعطى كل مقعد خادما، وكل ضرير قائدا، وكان صاحب بناء واتخاذ مصانع، وكان عند أهل الشام من أفضل خلفائهم. قال ابن الأثير: وفتح في ولايته فتوحات عظام، منها الأندلس وكاشغر والهند، ثم قال: يمر بالبقال فيقف عليه يأخذ حزمة بقل فيقول: بكم هذه، فيقول: بفلس، فيقول: زد فيها. قلت: وقد قيل إنه أول من تجبّر من الخلفاء، وقال الوليد: أنا أنفق على الكعبة وأكسوها وأطيبها، فعلام يأخذ بنو شيبة هداياها، لأمنعنّهم إياها العام فأرمضهم، وخرج الوليد حاجا، فخرجوا يتلقونه، فوجدوا الحجاج معه، فقالوا له: أنت وإن كنت معزولا عنا، فإنك محمود عندنا، وحرمتنا ما لا تنكر، وقد بلغنا كذا، ففزعنا إليك، فقال: إذا دخلتم على أمير المؤمنين فتجنبوني عنده، ثم سلموا عليه خالي الوجه، ودعوني أكفيكموه، ففعلوا، فلما خرجوا قال الحجاج: على ما يدع هؤلاء وهدايا الكعبة، قال: قد أجمعت على أخذها، قال: فافعل، فاني أشرت بهذا على أمير المؤمنين عبد الملك فقال: أنا أبرأ إلى الله من هذا، فقال الوليد: أنا أبرأ مما برأ منه أمير المؤمنين عبد الملك، وتركها لهم. واستعمل عاملا له فأتاه رجل بنصيحة، قال: إن كانت لك رددناها عليك، وإن كانت لنا، فلا حاجة لنا فيها، قال: جار لي أخلّ بمركزه، فقال: بئس الجار أنت، نحن ناظرون فيما ذكرت، فإن كنت صادقا [ص ٢٧١] مقتناك، وإن كنت كاذبا عاقبناك، وإن أحببت أن نعفيك عفيناك، قال: اعفني، قال: قد فعلت. وعن عامر بن عبد الأعلى، قال: حدّث الوليد أن جمع بين هند بنت الحسن

стр. 7796

العميلقي، وبين جمعة بنت عابس الإيادي، فقيل لجمعة: أي الرجال أحبّ إليك، [قالت]: الغليظ الكتد (١)، الظاهر الجلد، الشديد الحدب المسد، ثم قيل لهند: أي الرجال أحب إليك، قالت: القريب الأمد، الواسع البلد، الذي يوفد إليه ولا يفد، فقال الوليد: من هذا الرجل، فقال له هشام بن عبد الأعلى الفزاري: أنت يا أمير المؤمنين. وحكى المدائني قال: مرض الوليد بن عبد الملك فرهقته غشية، فمكث عامة يومه عندهم ميتا، فبكي عليه، وخرجت البرد بموته، فقدم رسول على الحجاج بذلك، فاسترجع ثم أمر بحبل فشد في يده، ثم أوثق إلى اسطوانة، ثم قال: اللهم لا تسلط عليّ من لا رحمة له، فطالما سألتك أن تميتني قبل أمير المؤمنين، فبينا هو كذلك، إذ قدم عليه بريد بإفاقته، فخرّ ساجدا، وأعتق كل مملوك له، وتصدق بصدقة كبيرة، ولم يكن أحد أسرّ بعافيته من الحجاج، وبعث إليه كتابا بالتهنئة، ومعه من تحف الهند وخراسان، ثم لم يمت الحجاج، حتى ثقل على الوليد، فقال خادم للوليد: إني لأوضّيه يوما لصلاة الغداة، إذ مد يده، فجعلت أصب عليها الماء وهو ساه، والماء يسيل، ولا أقدر أن أتكلم، ثم نضح الماء في وجهي وقال: أناعس أنت، ثم رفع رأسه إليّ فقال: ويلك، أتدري ما جاء الليلة؟ قال: ويلك مات الحجاج، فاسترجعت، فقال: اسكت، فما يسر مولاك أن في يده تفاحة يشمها، وأنه لم يمت، ثم قال: رحم الله الحجاج، لقد كان منا أهل البيت. وحج الوليد فوافاه محمد بن يوسف أخو الحجاج من اليمن، وحمل هدايا للوليد، فقالت أم البنين بنت عبد العزيز امرأة الوليد: اجعل لي هدية محمد بن يوسف، فأمر [ص ٢٧٢] بصرفها إليها، فجاءت رسل أم البنين إلى محمد بن

стр. 7797

يوسف بقبض الهدايا، فأبى وقال: لا أسلمها حتى يراها أمير المؤمنين، فغضبت ودخلت على الوليد فقالت: [لا حاجة] (١) لي في هدايا محمد، فإنه بلغني أنه أخذها من الناس ظلما وغصبا، وإنه يسخرهم لعملها، فلما حملها إلى الوليد قال له: بلغني أنك اغتصبتها الناس وكلفتهم عملها وظلمتهم، فقال: معاذ الله، فأحلفه خمسين يمينا بين الركن والمقام أنه ما ظلم أحدا، ولا أصابها إلا من طيب، فحلف فقبلها الوليد، وبعث بها إلى أم البنين. ومات محمد بن يوسف باليمن، أصابه داء انقطع منه. واستند [الوليد] إلى حائط يلي زمزم، والفضل بن عباس بن أبي لهب يستسقي من زمزم ويقول: [الرجز] يا أيها السائل عن عليّ … تسأل عن بدر لنا بدريّ مردد في المجد أبطحيّ … زمزم يا بوركت من طويّ بوركت للساقيّ والمسقيّ … أسقي على مأثرة النبيّ ثم أتى الوليد منها بماء فشربه ومسح منه على وجهه، ولم ينكر عليه قوله، إلا أنه لم يصله حتى كلّم فيه. وعن مدرك بن حجوة، أن قوما دخلوا على الوليد وعنده أخوه مسلمة، فشكوا أمرا من أمرهم، فلم يبينوا ولا أحسنوا العبارة، فتكلم رجل منهم فأفصح وأوضح، وعبر عن نفسه وعن القوم، فقال مسلمة: ما شبهت كلام هذا الرجل إلا بسحابة لبدت عجاجا. ولما مرض الوليد بن عبد الملك ذكر له موسى بن نصير طبيبا قدم معه من المغرب روميا، فأدخله عليه، وعنده ابن رأس البغل، ويقال:

стр. 7798

ابن رأس الحمار (١) طبيب عمه عبد العزيز بن مروان، وكان من أهل الإسكندرية، فتراطنا بالرومية، فقال أحدهما لصاحبه: ما تؤوّله؟ قال: السلّ، قال: صدقت، ودعا له صاحب موسى بفرخ، فطبخ، وألقى عليه مرقة دواء، وحشّاه منه جرعا، فلم يثبت في جوفه وقاءه، وقال: لا أرى هذا وافقك، وعندي [ص ٢٧٣] ما هو أسهل منه، وأنا آتيك به غدا، فخرج من عنده وقال: والله لا يصبح حيا، فمات في السحر، وتوفي سنة ست وتسعين، وهو ابن تسع وأربعين، وملك تسع سنين، ودفن خارج باب الصغير بدمشق، وكان نقش خاتمه: اذكر الموت يا وليد، وقيل: بل كان: يا وليد إنك ميت. ثم: ١٠٥ - دوّلة سليمان بن عبد الملك بن مروان أبي أيوب (٢)، وكان ألذ من غفوة النّوم، وحفوة اللّوم، لطيب زمانه، ووطي المخاوف بأمانه، وكان مفرط الغيرة، يؤاخذ بالظنون، وينابذ بريب المنون، سمع رجلا يرجّع في الغناء فتوجّع وقال: هذا رائد الزنا، وأمر بأن يخصى فجذ أنثييه، وبذ السوابق بما جنى عليه، وكان مدة أبيه عبد الملك، وأخيه

стр. 7799

الوليد مغرى بعيب الحجاج، معنّى منه بما يكثر ريب اللجاج، وكان ينوي إن صارت إليه نوبة الخلافة، له نومة كل آفة، فمات قبل ذلك الحجاج، وفات الحجاج، فسبقت نية سليمان فعله، وسيفه عدله، وكان سليمان نهما لا يشبع، ملتهما يأكل مع اللقمة الإصبع، حتى استأسد واستسبع، وأكل ما طار بجناح أو مشى على أربع، وأمه وأم الوليد ولادة بنت العباس بن جزي العبسي، نشأ في أخواله بني عبس، ونأى في أحواله عن اللبس، وكان أبيض جعدا، كاد محياّه يندى، نظر يوما إلى المرآة وقد لبس حلة خضراء، رفل في سندسها، ونحل نوار الخمائل من أنواره ضوء مشمسها، فقال: أنا الملك الفتى، أو قال: أنا الملك الشاب، لما داخله بالملك الإعجاب، ومرّ في خروجه إلى مصلاه بجارية له كان بها كلفا، وبحبها شغفا، فلما قال لها هذا القول قالت: [الخفيف] أنت نعم المتاع لو كنت تبقى … غير أن لا بقاء للإنسان [ص ٢٧٤] ليس فيما علمته فيك عيب … كان في الناس غير أنك فان فتطير من قولها وتشاءم، وراجع الفكر في هذا وداوم، ثم أتى المنبر فخطب فأسمع، ثم تقدم إلى المحراب، وصوته لا يتعدى له خرق مسمع، فعاد إلى منزله ساكنا يتوجع، وطلب تلك الجارية كالمنكر عليها، فأقسمت أنها لم تره ذلك اليوم أجمع، فعلم أنه نعي، وأنه إنما خرج ليودع، وكان ملك حسن وإحسان، وخليفة يمن وأمان، ولي سنة ست وتسعين، فجاء جميل المذهب، كأنما أيامه الطراز المذهب، أبقى من حسن السيرة ذكرا لا يبلى، وأثرا لا يذهب، ملك أمره فما شعّث ولا تشعب، وأنصف من الظالم فأخمد سورة من تشغب، وأخرج من الحبوس، ونزع عن المستورين لباس البوس، وكساهم حلل الكرامة، وأنساهم بعدله ما مسّهم من السآمة، ورد عنه بردهم الملامة، وأخذ الظلامة، وراقب الله

стр. 7800

كأنما يتمثل وقوفه بين يديه يوم القيامة. وكان الوليد أخوه ولاه فلسطين فأحدث مدينة الرملة، وبنى مسجدها، وأتاه نعي الوليد، وكان ولي العهد بعده، فخرج من فلسطين إلى دمشق، فكانت ولايته سنتين وثمانية أشهر، فأسف الرعايا على ملكه القصير، وزمانه الغض النضير، ولكن ليالي الوصل فيهن تقصير، ومات بدابق، ودفن بها وكفّن، ثم وسّد في مضاجع تربها، وذلك في سنة تسع وتسعين، وكان يوم مات ابن خمس وأربعين، وحسبه من حسن الخاتمة في الدنيا والإمارة الدالة على تنقله في الدرجات العليا، أن صلى عليه الرجل الصالح عمر بن عبد العزيز ﵀، ورحل من حرم الخلافة المستباح، إلى حرز الله الحريز، وكان له أولاد، منهم أيوب المكنى به، وكان من قريش عفافا وأدبا، وكان أبوه قد بايع له بالعهد، وكان مؤدبه وحاضنه عبد الله بن عبد الأعلى الشاعر، وقال فيه جرير: [البسيط] إن الإمام الذي ترجى فواضله … بعد الإمام ولي العهد أيوب [ص ٢٧٥] وهلك في حياة أبيه، ورثاه عبد الله بن عبد الأعلى، بقصيدة يقول فيها: [الكامل] قد بان أيوب الذي لفراقه … سرّ العدوّ غضاضتي وتخشّعي أيوب كنت تجود عند سؤالهم … وتظل منخدعا وإن لم تخدع قال البلاذري: خرج سليمان إلى دابق (١) ليغزي منها، فأغزاهم وعليهم ابنه أيوب، ومعه مسلمة بن عبد الملك، وكان أيوب ولي عهده، فلما احتضر

стр. 7801

سليمان قال: إن ابني أيوب بإزاء عدو، ولا أدري ما يحدث به، فإن أهمل الأمر إلى قدومه ضاع وانتشر، ولم تؤمن الفتنة على الناس في جميع الأقطار، ولعل الحدثان أن يكون قد غاله، على أني قد وليته العهد وأنا أظن أن عمري يطول وهو حدث، فولى عمر بن عبد العزيز، ولقد وفق في نظره الوجيه ورأيه الوجيز، فارق الناس على وجه جميل، واختار لهم إماما لا يمين مع الهوى ولا يميل، عمر وما أدراك ما عمر، نزع من جده عمر بن الخطاب ﵁ أمير المؤمنين، إلى أحسن السير، وعهد سليمان بعد عمر بن عبد العزيز إلى يزيد بن عبد الملك ثم أيوب إن كان بعد يزيد، وكره أن يخرجها من ولد عبد الملك فيختلفوا، وصوّب رجاء بن حيوة (١) رأيه في ذلك، وقوّى عزمه وهو هالك، وتوفي أيوب في غزاته، وقيل إن أباه علم بمماته قبل وفاته، ففعل ما فعل، وما عسى يغني قول ليت أو لعل. وقال المدائني: دخل رجل على سليمان بن عبد الملك فتكلم، فإذا أن يسبر عقله، فإذا هو مضعوف، فقال سليمان: زيادة منطق على عقل خدعة، وزيادة عقل على منطق هجنة، وأحسن ذلك ما زان بعضه بعضا، ومن كلامه: الحسود لا يسود. وقال سليمان ليزيد بن أبي مسلم: ما تقول في الحجاج، قال: يأتي يوم القيامة بين أبيك وأخيك، فضعه حيث شئت. وقال المدائني: دخل أيوب بن سليمان على أبيه فقال: ما لك يا بني، قال: خدرت رجلي، فقال: يا بني اذكر أحب الناس إليك، فقال: صلى الله [ص ٢٧٦] على محمد، فقال سليمان:

стр. 7802

ابني سيد، وإني عنه لفي غفلة، فولاه عهده. وتذاكر هو ورجل كان يأنسه الملاذ، فقال سليمان: والله لقد أكلنا الطيب، ولبسنا اللين، وامتطينا الصافن، وأتينا العذراء، فلم يبق من لذتي إلا صديق أطرح فيما بيني وبينه مؤونة التحفظ. وضم سليمان عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود إلى ابنه أيوب، فأتاه فحجبه، فجلس في بيته، فعتب أيوب عليه، فعاتبه عون، فغضب وشكاه إلى أبيه ولامه، فقال: ضممتني إلى رجل إن أتيته حجب، وإن جلست عنه عتب، وإن عاتبته غضب. وكان سليمان يؤتى في كل يوم صلاة الغداة بعشر رقاقات وخروفين عظيمين ودجاجتين سمينتين، فيأكل ذلك كله [لم] يخل فيه مرى. وحجّ سليمان، فقال لقيّمه على طعامه: اطعمني من خرفان المدينة، أو قال من جدائها، ودخل الحمام ثم خرج، وقد شوي له أربعة وثمانون خروفا، أو جديا، فجعل القيّم يأتيه بواحد واحد فيتناول جرما جزّه، ويضرب بيده إلى شحم كليته، فأكل أربعة وثمانين جرما زجه بشحم أربعة وثمانين كلية، ثم قال: ادع يا غلام عمر بن عبد العزيز، وأذن للناس، ووضع الطعام فأكل معهم كما أكلوا. وأتى الطائف، فلقيه ابن أبي زهير الثقفي، رجل من أهلها، فسأل أن ينزل عليه، قال: إني أخاف أن أنهمك، قال: قد رزق الله خيرا كثيرا، فنزل عليه، فجعل يأتيه من حائطه وهو فيه بخمس رمانات خمس رمانات، حتى أكل مائة وسبعين رمانة، ثم أتي بخروف وست دجاجات، فأكل، ثم أتي بمكوك (١) زبيب فأكله ثم وضع الطعام فأكل وأكل الناس، وفتح ابن أبي زهير أبواب الحيطان، فأكل الناس من الفاكهة، فقال سليمان: قد أضررنا بالرجل، وأقام بالطائف سبعا ثم صار إلى مكة، فقال: الحقني، فلم يفعل، فقيل له لو لحقته، قال: أقول ما ذا،

стр. 7803

أعطني ثمن طعامي. وأتاه وهو بدابق رجل نصراني كان منقطعا [ص ٢٧٧] إليه من قبل الولاية، فقال له: هل أهديت لي شيئا، قال: نعم، وأتاه بزنبيل مملوءا بيضا مطبوخا، وزنبيل ملؤه تينا، فجعل يقشر له البيض، فيأكل بيضة بتينة، حتى أتى على الزنبيلين، ثم أتوه بقصعة مملوءة مخا مخلوطا بسكر، فأكل ذلك ومرض فمات. وقال سليمان وقد ذكر عنده تشقيق الخطب والإسهاب: من أكثر القول وأحسن، قدر على أن يقل فيحسن، وليس من قصر فأحسن بقادر على أن يطيل فيحسن. وقام إليه رجل وهو يأكل فقال: إني زوجت ابني، وليس عندي ما أجمع به أهله إليه، فاسلفني من بيت المال، فقال: ما يزال ماص لبظر أمه يقوم إلينا فيفسد علينا طعامنا، فتنحى الرجل وجلس، فلما فرغ من طعامه قال: قلت ما ذا لله أبوك، فرد عليه مسألته، فقال: فكم عطاؤك؟ قال: مائتا دينار، فقال: يا قسامة، أعطه مائتي دينار، ومائتي دينار، ومائتي دينار، وطوّل نفسه وطوّل نفسه حتى انقطع، فنظر فاذا جميع ذلك قيمة اثنين وسبعين ألف درهم، ثم قال: أيا رجل رضيت؟ قال: نعم، فرضي الله عنك يا أمير المؤمنين، فقال: يا قسامة، اضعفها له، فأخذ مائة ألف وأربعين ألف درهم. وحدّث محمد بن سعد عن الواقدي قال: انصرف سليمان من صلاة الجمعة، فأكل شحم كلي أربعين جديا، وصحيفة مملوءة مخا، وغير ذلك ثم جامع، فقام (١) عن الجارية موعوكا، فمات بدابق. وقال جرير: فياقوم، ما بالي

стр. 7804

وبال ابن نوفل وبال بكائي نوفل بن مساحق (١)، ولكنها كانت سوابق عبرة على نوفل من كاذب غير صادق: [الطويل] فهلا على قبر الوليد سفحتها … وقبر سليمان الذي عند دابق قال المدائني: الثبت أن أيوب بن سليمان توفي بالشام، ولم يكن غازيا، إنما كان الغازي مسلمة بن عبد الملك، وكان سليمان أراد أن يغزيه [ص ٢٧٨] على الجيش فمرض، فلما احتضر أيوب، دخل عليه وهو يجود بنفسه، ومعه عمر بن عبد العزيز ورجاء بن حيوة، فجعل ينظر في وجهه فتخنقه العبرة فيردها، فلما قضى نحبه ودفن، وقف على قبره وقال: [الطويل] وقفت على قبر مقيم بقفرة … متاع قليل من حبيب مفارق ثم قال: السلام عليك يا أيوب: [السريع] كنت لنا أنسا ففارقتنا … فالعيش من بعدك مرّ المذاق ثم ركب دابته وقال:

стр. 7805

[البسيط] فإن صبرت فلم ألفظك من جزع … وإن جزعت فعلق منفس ذهبا [ثم]: ١٠٦ - دوّلة عمر بن عبد العزيز ابن مروان (١)، أبي حفص، ناهيك بفرد (٢) لا يقرن بتوأم، وملك كانت أيامه كالمنام، ورعاياه نوّم تقابل في منابت أبيه وأمه، وتماثل بمناصب خاله وعمه، تكنّفه من قبل الأبوّة النسب الأموي، ومن قبل الأمومة الحسب العدوي، فطابت تبعته وطافت الأرض بأغضر الأنفاس سمعته، وأخذ نفسه بسلوك سيرة جده لأمه عمر بن الخطاب ﵁، فقارب فعل سميّه، وقارن منهم ذلك الولي بوسميه (٣)، وجدّ فما قصّر، ووجد محاسن ما تبصّر،

стр. 7806

وقد كان من آثق بني أبيه تمتعا، حتى شمّر وأنف إخوانه تمنعا حتى تأمّر، فلما ولي ولي بتلك الزخارف، ولوى ورقات تلك المطارف وسئل عن مذاهب الراشدين ثم ما تعداها، وتجلبب تلك الخلائق الطاهرة وترداها، وأول ما بدأ به أمره أن بدّل سبّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اَللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَاَلْإِحْسانِ﴾ (١)، وأبدل تلك السيئة بهذه الحسنة الباقية الإحسان (٢)، وأزال تلك السيئة ومحاها، وأزاح ليلها الداجي بارتفاع ضحاها، فخلصت الذمم من إرهاقها، واستراحت المنابر مما كانت تحمله من إثم [ص ٢٧٩] الخطيئة في أعناقها، وقنع بالقليل من القوت، طلبا لحلّه، وسببا لتخفيف حمله، وهجر النساء منذ ولي، وقال لزوجته: إن رضيت بهذا وإلا فاعتزلي، ثم أمرها أن تردّ إلى بيت المال ما كان أبوها عبد الملك نحلها، وألزم بمثل هذا سائر بني أمية واستعاد نفلها، وقال: هذه فواضل أموال لبيت المال لا تجوز أن تحتجز، ولا أن يؤخذ بأيديكم عبثا وتكتنز، ولقد أعطاكموها أئمة جور، أعطت ما لم تملك، وأعدت بالهلاك بها ما لم تهلك، وأخلص لله كل عمله، وخلاّ كل أمله، وكان يبرد البريد إلى المدينة لإبلاغ سلامه لساكنها عليه أفضل الصلاة والسلام، لا لشغل آخر له غيره خاصة، ولا لعامة الإسلام، ودام حميدا حتى وفي وما بلغ الأربعين، وأنشد باب الخير فلا له فاعل ولا عليه معين، ما طالت مدت، فما سلم حتى ودع، ولا أومض بارقه حتى انطوى، وكأنه لم يلمع، دفن بخناصرة (٣)، وغيب الحق في ذلك الثرى ناصره، ولم يقم بعده ملك لا إمام،

стр. 7807

ولم يتم مثله في موضعه سقاه الغمام، وأمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، واسمها ليلى، وأمها بنت الأمراء، التي كانت تمذق اللبن بالماء، وكان عمر بن الخطاب ﵁ ينهاها فتنتهي بمحضره، ثم تعاود فعلها في مغيبه، وحديث ابنتها معها مشهود، وهو كان سبب تزويج عاصم بن عمر بها برأي أبيه عمر. قال البلاذري: ولّى سليمان بن عبد الملك عمر بن عبد العزيز الخلافة، وكتب كتابا سمّاه فيه ويزيد بن عبد الملك إن كان من بعده، فلما مات سليمان أخرج رجاء بن حيوة الكتاب، وأظهر اسمه، وبايعه الناس بدابق، فقال لرجاء ذبحتموني بغير سكين، وكان عمر بن عبد العزيز أشج، ضربه حمار وهو بمصر، فلما رآه أخوه الأصبغ (١)، قال: هذا والله أشج بني أمية الذي يملأ الأرض عدلا، وكانت خلافته ثلاثين شهرا، ووفاته وهو ابن تسع وثلاثين سنة، وتوفي في سنة إحدى ومائة، ودفن بدير سمعان (٢)، وكان نزوله بخناصرة من عمل جند قنسرين، وبها وفاته، وصلى عليه رجاء بن حيوة الكندي، ويقال مسلمة

стр. 7808

بن عبد الملك، ولما ولي عمر بن عبد العزيز صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «أيها الناس، من صحبنا فليصحبنا بخير، يبلغنا حاجة من لا يستطيع إبلاغها، ويدلنا من العدل على ما لم نهتد له، ويؤدي الأمانة إذا حملها، ويعيننا على الخير ويدع ما لا يعنيه، فمن كان كذلك فحي هلا به، ومن لم يكن كذلك فلا يقربنا». قال أبو سنان ضرار: فحجبوا والله دونه، قال: وهذا والله أول كلام تكلم به حين استخلف. ولما ترعرع عمر بن عبد العزيز استأذن أباه في إتيان المدينة وقال: أحب أن أكتب العلم، وأحضر قبر رسول الله ﷺ ، ويقرب عليّ الحج، فأذن له في ذلك، فأتى المدينة. وقال الواقدي: أذن له أبوه في إتيان المدينة وقال له: اجتنب آل عبد الرحمن بن عوف، وآل سعيد بن العاص، فإن ثمّ شرارة وشرارة وسوء أخلاق، فكان يجالس أهل الفقه والورع. قال المدائني: أوصى عبد العزيز لعمر بأربعين ألف دينار، ودفعها إلى ابن رمانة، مولى لبعض أهل المدينة، فلما توفي عبد العزيز أتاه المال فقبضه، ثم ذهب ابن رمانة فحدث بذلك أبا بكر بن عبد العزيز، فغضب وكتب إلى عمر: إنك أخذت هذا المال دوننا، ثم شخص عمر من المدينة فقدم الشام، فلما استخلف الوليد بن عبد الملك وهو صهره، كانت أم البنين بنت عبد العزيز عنده، ولاه الوليد المدينة فأحسن السيرة، إلا أنه كان لبّاسا عطرا، وإنما تقشف بعد ذلك، فكان يعمل له ثوب الخز بمائة دينار فيستحسنه، ثم إنه كان يؤتى بالثوب الخشن بأقل من دينار أو بدينار، فيقول: ما أصنع بهذا، ايتوني بأخشن منه وأقل ثمنا، وكان ابن رمانة لمغاضبته إياه يرفع على عماله ويقع فيهم حين عزل عن المدينة، فقال عمر: لو أشاء أن آخذ كتاب الوليد إلى عامل المدينة في ضرب ابن رمانة مائة سوط، وحلق رأسه ولحيته، فقلت: ولكني رأيته يتقي الله منجّى، وفي ولاية عمر المدينة يقول

стр. 7809

الأحوص: (١) [ص ٢٨١] [الكامل] وأرى المدينة إذ وليت أمورها … أمن البريء بها وخاف المذنب وقال أيضا: وأرى المدينة حين كنت أميرها … أمن البرئ بها ونام الأعزل وأراك تفعل ما تقول وبعضهم … مذق الحديث يقول ما لا يفعل (٢) وكان عمر يساير سليمان بن عبد الملك، فرعدت السماء وبرقت، فقال عمر: يا أمير المؤمنين، هذه قدرة الله عند الرحمة، فكيف بها عند العذاب. وقال عمر لرجل: من سيد قومك، فقال: أنا، قال: لو كنت كذلك ما قلته. وقال المدائني: جمع عمر بني مروان، فقال: يا بني مروان، إني أظن نصف جميع مال الأمة عندكم، فأدوا بعض ما عندكم إلى بيت مال المسلمين، فقال هشام: لا يكون والله ذاك حتى تذهب أرواحنا، فغضب عمر وقال: أما والله يا بني مروان، إن لله فيكم ذبحا، ولولا أن تستعينوا عليّ بمن أطلب هذا المال منه لأضرعت خدودكم. وقال المدائني: كتب بعض عمال عمر بن عبد العزيز إليه: إن مدينتنا تحتاج إلى مرمّة، فكتب إليه: «أما بعد، فقد بلغني كتابك، وفهمت ما ذكرت فيه، فحصن مدينتك بالعدل، ونقّها من الظلم، والسلام». وقال: كتب عمر إلى عبد الحميد (٣) بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب عامله على الكوفة:

стр. 7810

اجتنب الحاجات عند حضور الصلوات، والسلام. وقيل لعمر: أي الجهاد أفضل، قال: جهاد المرء هواه. وقال المدائني، قال رجاء بن حيوة: كنت عند عمر فكاد المصباح يطفى، فقمت لأصلحه، فقال: مه، إن جهلا بالرجل أن يستخدم ضيفه، ثم قام، فوجد غلامه نائما فلم يوقظه، وتولى صلاح المصباح، ثم عاد، فقال: قمت وأنا عمر بن عبد العزيز، وقعدت وأنا ذاك. قالوا: وكان عبد الملك (١) ابنه زاهدا خيّرا، فقال له: يا بني: لأ [ن] تكون في ميزاني أحبّ إلى أن أكون في ميزانك، فقال: ولأن تكون ما تحب، أحبّ إليّ من أن تكون ما أحب، فلما مات عبد الملك خرج عمر إلى الناس وقد اكتحل، فسئل عنه فقال: [ص ٢٨٢] قد سكن ورجاه أهله، وما كان في حال أحب إليّ من حاله، ثم علم بموته، فقيل له: فعلت ما فعلت وقد مات، فقال: أحببت أن أرغم الشيطان، وانصرف من جنازته، فرأى قوما ينتضلون، فقال لبعضهم: أخطأت، فافعل كذا، فقيل له في ذلك، فقال: ليس في موت عبد الملك ما يشغل عن نصيحة المسلم، وكان سعيد بن مسعود المازني عاملا لعدي بن أرطاة على عمان، فأخذ رجلا من الأزد مائة سوط في ناقة أرادها منه، فأتى إلى عمر، وشكا إليه، وأنشده قول كعب الأشقري: (٢)
следующие страницы →