← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11790

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط المجمع الثقافي

ابن فضل الله العمري

Полный текст (8 839 стр.). Показаны 7806–7845 · переход к 7811.

стр. 7806

وقد كان من آثق بني أبيه تمتعا، حتى شمّر وأنف إخوانه تمنعا حتى تأمّر، فلما ولي ولي بتلك الزخارف، ولوى ورقات تلك المطارف وسئل عن مذاهب الراشدين ثم ما تعداها، وتجلبب تلك الخلائق الطاهرة وترداها، وأول ما بدأ به أمره أن بدّل سبّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اَللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَاَلْإِحْسانِ﴾ (١)، وأبدل تلك السيئة بهذه الحسنة الباقية الإحسان (٢)، وأزال تلك السيئة ومحاها، وأزاح ليلها الداجي بارتفاع ضحاها، فخلصت الذمم من إرهاقها، واستراحت المنابر مما كانت تحمله من إثم [ص ٢٧٩] الخطيئة في أعناقها، وقنع بالقليل من القوت، طلبا لحلّه، وسببا لتخفيف حمله، وهجر النساء منذ ولي، وقال لزوجته: إن رضيت بهذا وإلا فاعتزلي، ثم أمرها أن تردّ إلى بيت المال ما كان أبوها عبد الملك نحلها، وألزم بمثل هذا سائر بني أمية واستعاد نفلها، وقال: هذه فواضل أموال لبيت المال لا تجوز أن تحتجز، ولا أن يؤخذ بأيديكم عبثا وتكتنز، ولقد أعطاكموها أئمة جور، أعطت ما لم تملك، وأعدت بالهلاك بها ما لم تهلك، وأخلص لله كل عمله، وخلاّ كل أمله، وكان يبرد البريد إلى المدينة لإبلاغ سلامه لساكنها عليه أفضل الصلاة والسلام، لا لشغل آخر له غيره خاصة، ولا لعامة الإسلام، ودام حميدا حتى وفي وما بلغ الأربعين، وأنشد باب الخير فلا له فاعل ولا عليه معين، ما طالت مدت، فما سلم حتى ودع، ولا أومض بارقه حتى انطوى، وكأنه لم يلمع، دفن بخناصرة (٣)، وغيب الحق في ذلك الثرى ناصره، ولم يقم بعده ملك لا إمام،

стр. 7807

ولم يتم مثله في موضعه سقاه الغمام، وأمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، واسمها ليلى، وأمها بنت الأمراء، التي كانت تمذق اللبن بالماء، وكان عمر بن الخطاب ﵁ ينهاها فتنتهي بمحضره، ثم تعاود فعلها في مغيبه، وحديث ابنتها معها مشهود، وهو كان سبب تزويج عاصم بن عمر بها برأي أبيه عمر. قال البلاذري: ولّى سليمان بن عبد الملك عمر بن عبد العزيز الخلافة، وكتب كتابا سمّاه فيه ويزيد بن عبد الملك إن كان من بعده، فلما مات سليمان أخرج رجاء بن حيوة الكتاب، وأظهر اسمه، وبايعه الناس بدابق، فقال لرجاء ذبحتموني بغير سكين، وكان عمر بن عبد العزيز أشج، ضربه حمار وهو بمصر، فلما رآه أخوه الأصبغ (١)، قال: هذا والله أشج بني أمية الذي يملأ الأرض عدلا، وكانت خلافته ثلاثين شهرا، ووفاته وهو ابن تسع وثلاثين سنة، وتوفي في سنة إحدى ومائة، ودفن بدير سمعان (٢)، وكان نزوله بخناصرة من عمل جند قنسرين، وبها وفاته، وصلى عليه رجاء بن حيوة الكندي، ويقال مسلمة

стр. 7808

بن عبد الملك، ولما ولي عمر بن عبد العزيز صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «أيها الناس، من صحبنا فليصحبنا بخير، يبلغنا حاجة من لا يستطيع إبلاغها، ويدلنا من العدل على ما لم نهتد له، ويؤدي الأمانة إذا حملها، ويعيننا على الخير ويدع ما لا يعنيه، فمن كان كذلك فحي هلا به، ومن لم يكن كذلك فلا يقربنا». قال أبو سنان ضرار: فحجبوا والله دونه، قال: وهذا والله أول كلام تكلم به حين استخلف. ولما ترعرع عمر بن عبد العزيز استأذن أباه في إتيان المدينة وقال: أحب أن أكتب العلم، وأحضر قبر رسول الله ﷺ ، ويقرب عليّ الحج، فأذن له في ذلك، فأتى المدينة. وقال الواقدي: أذن له أبوه في إتيان المدينة وقال له: اجتنب آل عبد الرحمن بن عوف، وآل سعيد بن العاص، فإن ثمّ شرارة وشرارة وسوء أخلاق، فكان يجالس أهل الفقه والورع. قال المدائني: أوصى عبد العزيز لعمر بأربعين ألف دينار، ودفعها إلى ابن رمانة، مولى لبعض أهل المدينة، فلما توفي عبد العزيز أتاه المال فقبضه، ثم ذهب ابن رمانة فحدث بذلك أبا بكر بن عبد العزيز، فغضب وكتب إلى عمر: إنك أخذت هذا المال دوننا، ثم شخص عمر من المدينة فقدم الشام، فلما استخلف الوليد بن عبد الملك وهو صهره، كانت أم البنين بنت عبد العزيز عنده، ولاه الوليد المدينة فأحسن السيرة، إلا أنه كان لبّاسا عطرا، وإنما تقشف بعد ذلك، فكان يعمل له ثوب الخز بمائة دينار فيستحسنه، ثم إنه كان يؤتى بالثوب الخشن بأقل من دينار أو بدينار، فيقول: ما أصنع بهذا، ايتوني بأخشن منه وأقل ثمنا، وكان ابن رمانة لمغاضبته إياه يرفع على عماله ويقع فيهم حين عزل عن المدينة، فقال عمر: لو أشاء أن آخذ كتاب الوليد إلى عامل المدينة في ضرب ابن رمانة مائة سوط، وحلق رأسه ولحيته، فقلت: ولكني رأيته يتقي الله منجّى، وفي ولاية عمر المدينة يقول

стр. 7809

الأحوص: (١) [ص ٢٨١] [الكامل] وأرى المدينة إذ وليت أمورها … أمن البريء بها وخاف المذنب وقال أيضا: وأرى المدينة حين كنت أميرها … أمن البرئ بها ونام الأعزل وأراك تفعل ما تقول وبعضهم … مذق الحديث يقول ما لا يفعل (٢) وكان عمر يساير سليمان بن عبد الملك، فرعدت السماء وبرقت، فقال عمر: يا أمير المؤمنين، هذه قدرة الله عند الرحمة، فكيف بها عند العذاب. وقال عمر لرجل: من سيد قومك، فقال: أنا، قال: لو كنت كذلك ما قلته. وقال المدائني: جمع عمر بني مروان، فقال: يا بني مروان، إني أظن نصف جميع مال الأمة عندكم، فأدوا بعض ما عندكم إلى بيت مال المسلمين، فقال هشام: لا يكون والله ذاك حتى تذهب أرواحنا، فغضب عمر وقال: أما والله يا بني مروان، إن لله فيكم ذبحا، ولولا أن تستعينوا عليّ بمن أطلب هذا المال منه لأضرعت خدودكم. وقال المدائني: كتب بعض عمال عمر بن عبد العزيز إليه: إن مدينتنا تحتاج إلى مرمّة، فكتب إليه: «أما بعد، فقد بلغني كتابك، وفهمت ما ذكرت فيه، فحصن مدينتك بالعدل، ونقّها من الظلم، والسلام». وقال: كتب عمر إلى عبد الحميد (٣) بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب عامله على الكوفة:

стр. 7810

اجتنب الحاجات عند حضور الصلوات، والسلام. وقيل لعمر: أي الجهاد أفضل، قال: جهاد المرء هواه. وقال المدائني، قال رجاء بن حيوة: كنت عند عمر فكاد المصباح يطفى، فقمت لأصلحه، فقال: مه، إن جهلا بالرجل أن يستخدم ضيفه، ثم قام، فوجد غلامه نائما فلم يوقظه، وتولى صلاح المصباح، ثم عاد، فقال: قمت وأنا عمر بن عبد العزيز، وقعدت وأنا ذاك. قالوا: وكان عبد الملك (١) ابنه زاهدا خيّرا، فقال له: يا بني: لأ [ن] تكون في ميزاني أحبّ إلى أن أكون في ميزانك، فقال: ولأن تكون ما تحب، أحبّ إليّ من أن تكون ما أحب، فلما مات عبد الملك خرج عمر إلى الناس وقد اكتحل، فسئل عنه فقال: [ص ٢٨٢] قد سكن ورجاه أهله، وما كان في حال أحب إليّ من حاله، ثم علم بموته، فقيل له: فعلت ما فعلت وقد مات، فقال: أحببت أن أرغم الشيطان، وانصرف من جنازته، فرأى قوما ينتضلون، فقال لبعضهم: أخطأت، فافعل كذا، فقيل له في ذلك، فقال: ليس في موت عبد الملك ما يشغل عن نصيحة المسلم، وكان سعيد بن مسعود المازني عاملا لعدي بن أرطاة على عمان، فأخذ رجلا من الأزد مائة سوط في ناقة أرادها منه، فأتى إلى عمر، وشكا إليه، وأنشده قول كعب الأشقري: (٢)

стр. 7811

[الكامل] إن كنت تحفظ ما يليك فإنّما … عمّال أرضك بالعراق ذئاب لن يستقيموا للذي تدعو له … حتى تضرب بالسيوف رقاب بأكفّ منصلتين أهل بصائر … في رفعهن مواعظ وعقاب لولا قريش نصرها ودفاعها … أمسيت منقطعا بي الأسباب فقال عمر: لمن هذا الشعر، فقال: لرجل من أزد عمان يقال له كعب فقال: ما كنت أظن أهل عمان يقولون بمثل هذا الشعر، فكتب إلى عدي بن أرطاة (١): إن استعمالك سعيد بن مسعود قدر من الله قدره عليك، وبلية ابتلاك بها، فإذا أتاك كتابي، فابعث إليه من يعزله، وابعث به إليّ مشدودا موثقا، فعزله واستعمل عبد الرحمن بن قيس، وحمل سعيدا إلى عمر، فلما دخل عليه، كلمه عمر فقال: أصلحك الله، أتكلمني وأنا موثق، أطلق عني حتى أتكلم بحجتي، فأطلق عنه، وقال للأزدي اضربه، فقال قمير بن سعيد: أنا الذي ضربته، ولم يضربه أبي، قال: فاعط الأزدي سوطا، وقال عمر: قم فاجلده كما جلدك، فجلد قميرا مائة سوط، فقال له أبوه: يا قمير اصرر أذنيك إصرار الفرس الجموح، وعضّ على نواجذك، واذكر أحاديث عدو أتاك، وذكر الله فإنه معجزة. وقال المدائني، قال عمر: ما قرن شئ إلى شئ أحسن من علم إلى حلم، وعفو إلى مقدرة. قال، وقال عمر: تعلموا العلم فإنه زين للغني، وعون [ص ٢٨٣] للفقير، لا أقول إنه يكسب به، ولكنه يدعوه إلى القناعة. وقال البلاذري: قدم

стр. 7812

وفد على عمر من العراق، فنظر إلى شاب منهم يتهيّأ للكلام، فقال عمر: ليتكلم أكبركم سنا، فقال الفتى: يا أمير المؤمنين، ليس الأمر بالسن، ولو كان كذلك، لكان في المسلمين من هو أسنّ منك، قال: صدقت، فتكلم، فقال: إنّا لم نأتك رغبة ولا رهبة، أما الرغبة فأتتنا في بلادنا، ودخلت علينا منازلنا، وأما الرهبة فإنّا قد أمناها بعدلك، قال: فما أنتم، قال: نحن وفد الشكر، فنظر محمد بن كعب القرظي إلى وجه عمر يتهلل، فقال: يا أمير المؤمنين، لا يغلبن جهالة القوم، بل معرفتك بنفسك، فإن من الناس ناسا غرهم الستر، وخدعهم حسن الثناء، وأنا أعيذك بالله أن تكون منهم، فبكى عمر ﵀. وقال البلاذري: وفد جرير على عمر بن عبد العزيز، فغبر حينا لا يصل إليه، ثم رأى ذات يوم عون (١) بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، يريد الدخول عليه، وقال: وكان قارئا، فقام إليه جرير فقال له: [البسيط] يا أيها القارئ المرخي عمامته … هذا زمانك إني قد مضى زمني أبلغ خليفتنا إن كنت لاقيه … إني لدى الباب كالمقرون في قرن فقال له عون: إن أمكنني ذلك فعلت إن شاء الله، فلما دخل عون على عمر، سلم وجلس، حتى فرغ من حوائج الناس، ثم أقبل عون عليه فقال: يا أمير المؤمنين، إن ببابك جرير بن عطية الشاعر، وهو يطلب الإذن، فقال عمر: أويمنع أحد من الدخول عليّ؟ قال: لا يا أمير المؤمنين، ولكنه يطلب إذنا خاصا

стр. 7813

ينشدك فيه، فقال: يا غلام، ادخل جريرا، فأدخل عليه، وعون جالس، فأنشد جرير: (١) [البسيط] أأذكر الجهد والبلوى التي شملت … أم أكتفي بالذي أبليت من خبري كم بالمواسم من شعثاء أرملة … ومن يتيم ضعيف الصوت والنظر ممّن ترجّى له من بعد والده … كالفرخ في العش لم ينهض ولم يطر فبكى عمر حتى بلّت دموعه لحيته، وأمر بصدقات تفرق على الفقراء [ص ٢٨٣]، فقال جرير: هذي الأرامل قد قضّيت حاجتها … فمن لحاجة هذا الأرمل الذكر فقال له: يا جرير، أأنت من المهاجرين الأولين؟ قال: لا، قال: أفمن أولاد الأنصار؟ قال: لا، قال: أفمن أولاد التابعين بإحسان؟ قال: لا، قال: أفمن فقراء المسلمين فنجزيك على ما نجزي عليه الفقراء؟ قال: قدري فوق ذلك، فقال: يا جرير، ما أرى لك بين الدفتين حقا، فولى جرير، فقال عون: يا أمير المؤمنين، إن الخلفاء كانت تعوّد الإحسان، وإن مثل لسانه يتّقى، فقال عمر: ردّه، فردّ، فقال: يا جرير، إن عندي من مالي عشرين دينارا، وأربعة أثواب، فأقاسمك ذلك؟ فقال: بل نوفر يا أمير المؤمنين ونحمد، فلما خرج تلقاه الناس فقالوا: ما وراءك، قال: خرجت من عند رجل يعطي الفقراء، ويمنع الشعراء، وإني له لحامد، ولم يذكره بسوء، ورثاه حين مات. وقال البلاذري: كتب عدي بن أرطاة إلى عمر يستأذنه في عذاب قوم من عمال الخراج امتنعوا في أداء ما عليهم، فكتب عليه: «أما بعد، فالعجب كل العجب من استئذانك إياي في عذاب البشر، كأني جنّة لك من عذاب الله، أو

стр. 7814

كأنّ رضاي ينجيك من سخط الله، فمن أعطاك ما قبله عفوا فاقبله منه، ومن قامت عليه البيّنة، فخذه بما تثبت البينة عليه، ومن أنكر فاستحلفه، فوالله لأن تلقوا الله بجناياتهم، أحب إليّ من أن ألقاه بعذابهم، والسلام». وقال كاتبه إسماعيل بن أبي حكيم (١): ما كتبت له قط في أكثر من شبر، حتى خرج من الدنيا. ودخل عليه مسلمة بن عبد الملك (٢) في مرضته التي مات فيها، فقال: ألا توصي بمعروف يا أمير المؤمنين؟ قال: بم أوصي، والله ليس لي مال، قال مسلمة: هذه مائة ألف فمر فيها بما أحببت، قال: أو تفعل؟ قال: نعم، قال: ترد على من أخذت منه ظلما، فبكى مسلمة وقال: رحمك الله، لقد ألنت منّا [ص ٢٨٥] قلوبا قاسية، وأبقيت لنا في الصالحين ذكرا. [ثم]: ١٠٧ - دوّلة يزيد بن عبد الملك بن مروان أبي خالد (٣)، عريق في العظام البالية، حقيق بالملك، أبواه مروان ومعاوية، بايعه بالعهد أخوه سليمان، وقد كان همّ بهذا أبوه عبد الملك بن مروان، وقال

стр. 7815

سليمان: إذ عهد إليه بعد عمر بن عبد العزيز: لولا إني أخاف اختلاف بني مروان ووقوع الفتنة، ما وليت يزيد، ولاقتصرت على عمر بن عبد العزيز، وقال عمر حين احتضر: لو اخترت للأمة غير يزيد كان ذلك أولى، ولكني أخاف إن أخرجها من بني عبد الملك أن تقع فتنة وفرقة، وأنا أولي سليمان ما تولى (١)، والمسلمون أولى بالنظر في أمرهم. وهو (٢) أول من غالى بالقيان، وعالى بتشييد هذا البنيان، وما منع هواه عن قينة، ولا قطع في غير مناه آونة ولا فينة، وانعكف على اللهو والطرب، والزهو بخرائد العرب، ولبث مدة ملكه بين النساء يجر ذيول الغانيات، ويسرهن باينات ودانيات، عشق سلامة (٣) وحبابة (٤)، وطفق على المدامة والصبابة، فظل

стр. 7816

يرتشف ثغر قدح أو جارية، لا يطبي شيخ ولا جازية، كأنّ العرب ليسوا من آبائه، أو بالعرب ليسوا على آبائه، وعمد يزيد إلى كلما صنعه عمر بن عبد العزيز مما لا يوافق رأيه، ولا يوافق تنكبه عن الحق ولاءه، فرده إلى ما كان عليه قبل عمر، وعدّه من إحسان ما أمر، ولم يخف فيه إثما في دنيا ولا آخرة، ولا كلما ظلما تبع به أوائله واستلحق أواخره إصرارا على الحنث العظيم، واغترارا بالله الحليم، هذا وهو كريم يقفى على منهجه، ويعفى صنايع السحاب بانصباب خلجه، وله فتوة ما أخلق انهماكه على الطرب بردها، ولا أخلف عهدها، لما خلق في عنصره القرشي طباعا، وأطبق على جوهره الأموي شعاعا. حكى المدائني عن محمد بن خالد، قال: [ص ٢٨٦] كان لسعيد بن خالد بن عبد الله بن خالد بن أسد قصر بحيال قصر يزيد بن عبد الملك، فكان يزيد إذا ركب إلى الجمعة، توافيا إلى موضع واحد، فقال له يزيد في بعض الجمع: ما أراك تخل في جمعة واحدة، فقال له سعيد: إن قصري بحيال قصرك، فاذا ركبت ركبت فتلاقينا في هذا الموضع، فقال يزيد: فإن لي إليك حاجة، قال: إذا لا يرد عليها أمير المؤمنين، قال: تهبني قصرك، قال: هو لك يا أمير المؤمنين، قال يزيد: فلك به خمس حوائج، قال سعيد: أن تردّ قصري عليّ، قال: نعم قد فعلت، فاذكر الأربع، فذكرها سعيد، فقضاها له يزيد. وها أنا أذكر شيئا من أمره مع سلامة وحبابة: أما سلامة فكانت لرجل من أهل الكوفة اشتراها سهيل الزهري، ثم اتصلت بيزيد، وكان يعرف بسلامة

стр. 7817

القس، لأنه كان يهواها صفوان بن أمية الجمحي العابد المسمى بالقس (١) لعبادته، هوى لا يكدره أثام، ولا يغيره إن هواؤه مرت ريحه على حرام، وله فيها شعر منه: [الكامل] ما بال قلبك لا يزال يهيجه … ذكرى عواقب غيهنّ سقام باتت تعللنا وتحسب أنّنا … في ذاك أيقاظ ونحن نيام حتى إذا سطع الصباح لناظر … فإذا وقربك بيننا أحلام قد كنت أعذر في السفاهة أهلها … فاعجب بما تأتي به الأيام فاليوم أعذرهم وأعلم أنما … سبل الضلالة والهدى أقام وأما حبّابة فكانت تسمى العالية، كانت لرجل من الموالي بالمدينة، ثم اشتراها يزيد وكان بكل واحدة منها كلفا هائما لا يقبل فيها عاذلا ولا لائما، قد قصر على مجالستهما زمانه، وعلى مؤانستهما بيانه، صادف هواهما قلبه فارغا فتمكن في سويدائه، وتوطن به شغفه بهما حتى صار أكبر دائه. [ثم] ١٠٨ - دوّلة هشام بن عبد الملك أبي العباس [ص ٢٨٧] ملك همام (٢)، وفلك لا يطاوله يذبل ولا

стр. 7818

شمام (١)، بعزمة لا يفرى فريها، وهمة لا يقصر عبقريها، هو الأحول الحوّل، المنوّه والمنوّل، وهو واحد القوم ولا لوم، لم يكن في القوم أحوط منه حزما، ولا أحوج إلى أن لا يجد عزما، بما طاوعته المقادير وتابعته، لا يلوي بالمعاذير، ومنه البقية الأموية الداخلة إلى الأندلس أيام السفاح الداخرة، لخوفها في قصوره تحت العمد والصفاح، حتى هبّت ريحها، وذهبت فيحها، وإنما كانت بقية من سعادته ردت على الأعقاب، وردت ملابس الملك الجدد للأعقاب، حتى توقد جمرهم الخامد. وكان هشام فحل بني مروان، عزمة لا يفت في عضدها، وهمة لا يفوت حصول مقصدها، ولقد كان المنصور على اتساع علمه، وإجماع الناس على حزمه، يعظم شأن هشام إذا ذكره، وإذا ذكر في مجلسه شكره، ولا يكشف العوائد إلا من دواوينه، وثوقا بضبطه، ووقوفا في أمور الملك على شرطه، وجمع هشام من الأموال ما طاول جدر الخزائن اعتلاء، وأخرج صدور البيوت امتلاء، وأحوج الشمس أن لا يظهرها اجتلاء، إلا أنه كان مفرطا في البخل، لو تخيّل أن له شبيها في ضنانته بخل، كانت يده مغلولة، ومدده كلها لا يرى له فيها صرّة محلولة، ما عرفت أنامله يوما بسطا، ولا نائله مكانا إليه يتخطى، إلا أن رأيه

стр. 7819

كان يصيب المقاتل، ويصيد المخاتل، بتوفيق ما خانه منذ عاهده، ولا حل رأيه بتأييده منذ عاقده، فما حال حائل بينه وبين من عانده، ولا حوّل حتى راجع ما أراده وعاوده. وكانت خلفاء بني العباس تؤامر دواوينه، وتداوم قوانينه، وثوقا بحزمه الذي لم يكن فيه مطمع، وعزمه الذي ما رآه السيف إلا أوى إليه بالسجود وانحنى ليركع. قال البلاذري: كنيته أبو الوليد، وكان أحول بخيلا، وأمه أم هشام بنت الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، ويقال: عائشة بنت هشام، ويقال: مريم بنت هشام، وكانت أمه حمقاء، وكانت تثني الوسادة ثم تركبها [ص ٢٨٨] وتزجرها، فطلقها عبد الملك، وسار إلى مصعب وهي حامل، فلما قتله، بلغه مولد هشام فسماه منصورا تفاؤلا بذلك، وسمته أمه هشاما باسم أبيها، وولد هشام بن عبد الملك عام قتل مصعب سنة اثنتين وسبعين، وأتته الخلافة وهو بالزيتونة (١)، ومات بالرصافة التي بقرب الرقة في شهر ربيع الآخر لست خلون منه سنة خمس وعشرين ومائة، وصلى عليه ابنه مسلمة، وكانت خلافته عشرين سنة إلا خمسة أشهر، ومات ليلة الأربعاء لسبع خلون من شهر ربيع الأول سنة خمس وعشرين ومائة، وهو ابن ثلاث وخمسين سنة. قال المدائني: لما خلع يزيد بن المهلب (٢)، وجه إليه يزيد بن عبد الملك

стр. 7820

مسلمة بن عبد الملك، والعباس بن الوليد بن عبد الملك (١)، وقال: أمير الجيش مسلمة، فإن حدث به حدث، فالعباس بن الوليد، فقال العباس: يا أمير المؤمنين، إن أهل العراق قوم غدر كثيرا زحافهم، وأنت توجهني محاربا، والأحداث تحدث، ولا آمن أن يزحف أهل العراق ويقولوا: مات أمير المؤمنين ولم يعهد، فيفت ذلك في أعضاد أهل الشام، ويدخلهم له الوهن والفشل، فلو بايعت لعبد العزيز بن الوليد، قال: غدا إن شاء الله، وبلغ مسلمة ذلك، فدخل على يزيد فقال: يا أمير المؤمنين، أولد عبد الملك أحب إليك، أم ولد الوليد؟ قال: ولد عبد الملك إخوتي وأحب إليّ، قال: أفابن أخيك أحب إليك وأحق بالخلافة من أخيك؟ قال: لا، قال: أفتبايع لعبد العزيز؟ قال: لا، غدا أبايع لهشام أخي، وبعده للوليد ابني، وبلغ عبد العزيز قوله، وأتاه مولى له وهو لا يعرف الخبر، فقال: يا أبا الأصبغ، غدا نبايع لك، فقال عبد العزيز: هيهات، أفسد ذلك علينا مسلمة ونقضه، فلما كان الغد، بايع لهشام، ومن بعده لابنه الوليد بن يزيد، فكان يزيد إذا نظر إلى الوليد قال: الله بيني وبين من جعل هشاما [ص ٢٨٩] بيني وبينك.

стр. 7821

وقال المدائني: كتب سليمان بن هشام إلى أبيه: إن بغلتي عجزت عني، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأمر لي بدابة، فكتب إليه: «قد فهم أمير المؤمنين كتابك، وقد ظن أمير المؤمنين أن عجز بغلتك عنك من قلة تعهدك لها، وإن علفها يضيع، فتعهد دابتك وقم عليها، وسيرى أمير المؤمنين رأيه في حملانك إن شاء الله، والسلام». وقال: كتب بعض عمال هشام إليه: قد بعثت إلى أمير المؤمنين بسلة فيها درّاقن، يعني الخوخ، فليكتب إليّ بوصولها، فكتب إليه: «قد بلغ أمير المؤمنين كتابك، ووصل إليه الدراقن وأعجبه، فزد أمير المؤمنين منه واستوثق من الوعاء الذي توعيه إياه، والسلام». قال: وكتب إلى بعضهم: «قد أتت أمير المؤمنين الكمأة التي بعثت بها إليه، وهي خمسون، وقد تغير بعضها، ولم يؤت ذلك إلا من قبل حشوها، فاذا بعثت إلي أمير المؤمنين بشئ من الكمأة، فأجد الحشو في طرفه بالرمل حتى لا يضطرب، ولا يصيب بعضها بعضا إن شاء الله». قال: وقال الأبرش، وهو سعيد بن الوليد بن عبد عمرو، لهشام وكان جليسه وأنيسه: يا أمير المؤمنين، لو ينادي رجل في عرض الناس: يا مفلس، فسمع رجل من جلسائك نداه، ما ظن أنه عني غيره. ودخل أبو النجم العجلي (١) على هشام فقال له: كيف رأيك في النساء؟ قال: ما لي عندهن خبر، ولا لهن عندي خبر فقال: ما ظنك بأمير المؤمنين، قال: مثل ظني بنفسي، فبعث هشام إلى جواريه فأخبرهن بما قال أبو النجم، فقلن: كذب عدو

стр. 7822

الله، ما منا جارية تصلي صلاة حتى تغتسل، فوهب لأبي النجم جارية منهن، ثم سأله عما صنع، فأنشده: (١) [الكامل] نظرت فأعجبها الذي في درعها … من حسنه ونظرت في سرباليا فرأت لها كفلا ينوء بخصرها … ثقلا وأخثم في المجسة رابيا ورأته منتشر العجان مقلصا … رخوا حمائله وجلدا باليا [ص ٢٩٠] أدني له الرّكب الحليق كأنّما … أدني إليه عقاربا وأفاعيا وهمّ هشام أن يكتب إلى عامله على المدينة بإشخاص أشعب الطامع إليه، فقال له الأبرش: تتحدث الناس بأنك كتبت إلى (٢) عاملك بمدينة رسول الله ﷺ ، فأشخص منها مضحكا لتلهو به، فقال: امسكوا امسكوا، فإنها وصمة عظيمة، ثم قال بيتا زعموا أنه لم يقل قط بيتا غيره، ويقال إنه تمثل به: (٣) [الطويل] إذا أنت لم تعص الهوى قادك الهوى … إلى بعض ما فيه عليك مقال فقال المدائني: رأى عبد الملك بن مروان كأن ابن هشام بن إسماعيل فلقت رأسه، فلطعت منه عشرين لطعة، فغمّه ذلك، فأرسل إلى سعيد بن المسيب من قصّها عليه، فقال: تلد غلاما يملك عشرين سنة، فولدت له هشاما. وقال المدائني: كان هشام يتكلم بكلمات في العيدين في خطبة لا يقولهن

стр. 7823

في غير هذين اليومين، ثم يخطب بعد ذلك: «الحمد لله الذي ما شاء صنع، وما شاء أعطى، وما شاء منع، ومن شاء خفض، ومن شاء رفع، ومن شاء ضر، ومن شاء نفع». وقال المدائني وغيره: قال مسلمة بن عبد الملك لهشام، وتلاحيا في شئ: كيف ترجو الخلافة وأنت جبان بخيل، فقال: لأني عفيف حليم. وقال المدائني: كان المنصور يذكر هشاما فيقول: كان رجل القوم. قال: وبعث هشام إلى أبي حازم الأعرج (١)، فأبطأ عليه، ثم أتاه فقال: ما منعك من إتياني، قال: والله لولا مخافة شرّك ما أتيتك، قال: ما ترى في إنفاق هذا المال، قال: إن أخذته من حلّه ووضعته في حقّه سلمت، وإلا فهو ما تعلم. قال: وكان هشام إذا حدّث قال: القوا عنّي مؤونة التحفظ. قال: وكان المنصور إذا ذكر بني مروان يقول: أما عبد الملك فكان جبّارا، لا يبالي ما أقدم عليه، وأما الوليد فكان مجنونا [ص ٢٩١]، وأما سليمان فكان همّه بطنه وفرجه، وأما عمر بن عبد العزيز فكان أعور بين عميان، ورجل القوم هشام. قالوا: وكان الجعد بن درهم (٢) مؤدب مروان بن محمد ومعلمه، وكان

стр. 7824

دهريا، ويقال له معتزليا، شهد عليه ميمون بن مهران (١)، وعدة شهدوا عند هشام على الجعد بن درهم بالكفر، وطلبه هشام فهرب إلى حرّان، ثم إنه ظفر به، فحمل إلى هشام، فأخرجه من الشام إلى العراق، وكتب إلى خالد بن عبد الله القسري، وهو عامله على العراق بأن يحبسه، فلم يزل محبوسا حينا، ثم إن امرأته رفعت إلى هشام في أمره، تعلمه بطول حبسه وسوء حال عياله، فقال: أو حيّ هو، وكتب في خالد في قتله، فقال خالد في يوم أضحى: أيها الناس، انصرفوا إلى أضاحيكم، فإني مضح بعدو الله الجعد بن درهم. قالوا: وكان غيلان يقول: كلمت جعدا فوجدته معطّلا. قال المدائني: وكان عقال بن شبة يقول: دخلت على هشام، فدخلت على رجل محشو عقلا. قال البلاذري: بعث يوسف بن عمر إلى هشام بياقوتة حمراء، يخرج طرفاها من الكف، وحبة لؤلؤ من أعظم ما يكون من الحب، قال الرسول: فدخلت على هشام، فدنوت منه فلم أر وجهه من السرير وكثرة الفرش، فلما تناول الحجر والحبة قال: كتب معك بوزنهما، ومن أين يوجد مثلهما؟ قلت: يا أمير المؤمنين، هما أجل بأن يكتب بوزنهما، ومن أين يؤخذ مثلهما، قال: صدقت، وكانت الياقوتة لرابعة جارية خالد بن عبد الله القسري اشتراها بثلاثة وتسعين ألف دينار.

стр. 7825

ومات هشام بالذبحة، فروي عن سالم أبي العلاء أنه قال: خرج علينا هشام يوما وهو كئيب، يعرف ذاك فيه، مسترخي الثياب، قد أرخى عنان دابته، فقال: ادعوا الأبرش، فدعي فسار بيني وبين الأبرش، فقال الأبرش: يا أمير المؤمنين، لقد رأيت منك ما غمّني، قال: ويحك يا أبرش، وكيف [ص ٢٩٢] لا أغتم وقد زعم أهلي أني ميت إلى ثلاثة وثلاثين يوما، قال الأبرش: فلما انصرفت إلى منزلي كتبت: زعم أمير المؤمنين أنه يسافر يوم كذا، فلما كانت ليلة اليوم الذي كمل الثلاثة والثلاثين، أتاني رسول هشام، فقال: أجب واحمل معك دواء الذبحة، وقد كانت الذبحة عرضت له مرة فتداوى بذلك الدواء فانتفع به، قال: فأتيته ومعي الدواء، فتغرغر به، فازداد الوجع شدة ثم سكن، فقال: قد سكن بعض السكون، فانصرف إلى أهلك، وخلف الدواء عندي، فما استقررت في منزلي حتى سمعت الصراخ، فقالوا: مات أمير المؤمنين، فلما مات أغلق الخزّان الأبواب، فطلبوا قمقما يسخن فيه ماء لغسله فما وجدوه حتى استعاروا قمقما. وكان الوليد شخص عن الرصافة لكثرة عبث هشام به، وخلف عياض بن مسلم مولى عبد الملك بن مروان، وهو كاتبه بالرصافة، وأمره أن يكتب إليه الأخبار، فعتب عليه هشام فضربه وحبسه، وأفاق هشام إفاقة فطلب شيئا، فمنعه، فقال: أرانا إنما كنا خزّانا للوليد، ثم مات من ساعته، فخرج عياض من الحبس وختم أبواب الخزائن، وأمر بهشام فأنزل عن فرشه وحازها فما وجد له كفن، حتى كفنه غالب مولى هشام، فتّبا لدنيا متاعها قليل، وعزيزها ذليل، بينما المرء خليفة فإذا به جيفة. ومن كلام هشام: اثنان يتعجلان النصيب، ولعلهما أن لا يظفرا بالبغية، الحريص في حرصه، ومعلم البليد مالا يبلغه فهمه. [ثم]:

стр. 7826

١٠٩ - دوّلة الوليد بن يزيد بن عبد الملك الجبار العنيد (١)، لقبا ما عداه، ولقما سلكه فما هداه، حقيقة تمهجها، وطريقة تهجمها، فرعون ذلك العصر الذاهب، والدهر المملوء بالمعايب، يأتي يوم القيامة يقدم قومه فيوردهم النار، ويرديهم العار، فبئس [ص ٢٩٣] الورد والمورود، والبرد المودي في ذلك الموقف المشهود، رشق المصحف بالسهام، وفسق ولم يخف الآثام، وكفن وهو يدعى بالإمام، يسعى بما لم يحمده الله ولا الأنام، وأبرز جارية وطئها لتصلي بالناس في زي غلام، ورضيها استخفافا من بذلك المقام، لكنه كان فتى من فتيان قريش، يرتاح للندى، ويلتاح قمرا إذا بدا، لم يكن في بني مروان أفخم منه وسامة، ولا أفخر إذا لبس العمامة، يعطي الألاّف الآلاف، ولا يبالي في التلاف، جودا خلق من عنصره، وخلّق وهو نطفة من عنبره، استنشد طوائف الشعراء وأجازهم، واستقدم أهل الغناء ليكمل به مجلسه، وما عازهم، وما سمع بفتاة ذات جمال إلا هام بها، وهان عليه ما

стр. 7827

يبذل بسببها لإفراط ولعه بالقيان، ونزوعه إلى المشاهدة لهن والعيان، هوى سلمى وسعدى، وفني بهما تيتما ووجدا، خطبهما في آل عثمان أختين كلف بكل واحدة منهما كلفا، انتهب خلبه، وشغف شغفا سلب من صدره قلبه، حتى كانت تلك الميتة ميتته، وتلك البيتة التي صبح في غداتها بيتته، ولحب عليه الدار، ولحّت عداته في طلبه بالدمار، فلما علم أن الموت قد أبرز له من خبّ الضلوع دفائنه، وأنشب به من مدى الأعداء براثنه، تاب حين لا متاب، وعتب حين لا ينفع الإعتاب، ولا يسمع العتاب، وأخذ المصحف وقعد يقرأ القرآن، ويدرأ الحد بالتظاهر بالإيمان، وبعد عن نفسه حين لا ينفع نفسا إيمانها، ولا يكفر سيئات إحسانها، ظنا أنه يقيه الإيمان ويقول يوم كيوم عثمان، وهيهات وقد حضرت المنية، ونظرت إلى مواضعها في بيوته الرزية، ونضحت على وريده رشاش البلية، وإنما عوقب بحق واضح، وحوب فاضح، انتهك حرمة الإسلام، فأخذ تلك الأخذة الرابية. وحكى ابن الأثير: أن الوليد هذا قال: الغناء يزيد في الشهوة، ويهدم المروءة، وينوب عن الخمر، ويفعل ما لا يفعل السكر، فإن كنتم [ص ٢٩٤] ولابد فاعلين، فجنبوه النساء، فإن الغناء فيه الزنى، وإني لأقول ذلك على أنه أحب إليّ من كل لذة، وأشهى لنفسي من الماء إلى ذي الغلّة، ولكن الحق أحق أن يتّبع. حكى البلاذري قال: وكانت عنده ابنة سعيد بن خالد بن عمرو بن عثمان، فزارتها أختها سلمى بنت سعيد، وكانت من أحسن الناس وجها، فبصر بها الوليد فأعجبته، وذلك قبل الخلافة، فطلّق أختها، ثم خطبها إلى أبيها، فامتنع عليه وقال: إنك (١) تريد مني أن أتخذك فحلا لبناتي، فكان يهجوه، ثم ما زال

стр. 7828

يشكو حبّها حتى افتضح، وفيها يقول: (١) [الوافر] تذكر شجوه القلب القريح … فدمع العين منهمل سفوح ألا طوقتك بالبلقاء سلمى … هدوّا فالمطي بنا جنوح فبتّ بها قرير العين حتى … تكلّم ناطق الصبح الفصيح وبلغه أن هشاما همّ بخلعه، واجتثاث أصله وقلعه، فقال: (٢) [الطويل] خذوا ملككم لا ثبّت الله ملككم … بيانا يساوي ما حييت قبالا ذروا لي سلمى والطلاء وقينة … وكأسا ألا حسبي بذلك مالا أبا لملك أرجو أن أعمّر فيكم … ألا ربّ ملك قد أزيل فزالا إذا ما مضى عيشي برملة عالج … وعانقت سلمى لا أريد بدالا قالوا: ولما ولي الخلافة بعث إلى سعيد بن خالد، فقسره على أن زوّجه بسلمى ابنته، فلما حملت إليه من المدينة، اعتلّت في الطريق، وماتت ليلة أدخلت عليه، ولم يزل على هذا حتى وثبت اليمانية فقتلوه، وبايعو يزيد بن الوليد بن عبد الملك، وكان على هناته مدره جدال، وندرة رجال، لا يقطع باحتجاج، ولا يقنع بما دون الحجاج. قال له هشام يوما كالعاتب به، المعير بمدامه، اللابث على شربه: ما شرابك يا أبا العباس؟ قال: شرابك يا أمير المؤمنين وقام مغضبا، فقال هشام: أهذا الذي تزعمون أنه أحمق، ما هو والله بأحمق، ولكني أظنه على غير الملة.

стр. 7829

ومن حديث المدائني قال: [ص ٢٩٥] دخل الوليد يوما، فجلس [مجلس] هشام، ثم أقبل هشام، فما كاد الوليد يتزحزح له عن صدر المجلس، فزحل قليلا، وجلس هشام، فقال: كيف أنت يا وليد، قال: صالح، قال: ما فعلت برابطك، قال: معلمه، قال: فكيف ندماؤك؟ قال: لعنهم الله إن كانوا شرا من جلسائك، فغضب هشام، وقال: أوجئوا عنقه، فلم يفعلوا، ودفعوه دفعا رفيقا، فقال الوليد: (١) [البسيط] أنا الوليد أبو العباس قد علمت … عليا معدّ مدى كري وإقدامي أكون في الذروة العلياء إن نسبوا … مقابلا بين أخوالي وأعمامي وقال: (٢) [الطويل] أنا ابن أبي العاصي وعثمان والدي … ومروان جدي ذو الفعال وعامر أنا ابن عظيم القريتين وعزّها … ثقيف وفهر والرجال الأكابر نبيّ الهدى خالي ومن يك خاله … نبيّ الهدى يعل النهى في المفاخر ولما زاد ضرر هشام به، ونظر إلى ما يغشاه من قطيعته وسبّه، كتب إليه يقول: (٣) [الطويل] رأيتك تبني جاهدا في قطيعتي … فلو كنت ذا عقل لهدمت ما تبني

стр. 7830

ستترك للباقين عني ضغينة … وويل لهم إن متّ من شرّ ما تجني (١) وقال الهيثم بن عدي: كان الوليد يسمى البيطار، لأنه كان يصيد الحمر الوحشية، فيسمها بالوليد، ثم يخليها، فوجدت في أيام السفاح والمنصور موسومة باسمه. وكان يحب دخول الكوفة والحيرة، فخرج كالمسدي (٢)، ثم أتى الكوفة، فنادمه سراعة ومطيع بن إياس، وحماد الراوية، وحماد عجرد، واك (٣) عبد الله بن مطيع، وكان ممن سمع بها فأعجبه غناء قينتين لعبد الله بن هلال الهجري، المعروف بصديق إبليس، فقال (٤): [الكامل] يا أهل بابل ما نفست عليكم … من عيشكم إلا ثلاث خلال خمر العراق وليل قيظ بارد … وسماع مسمعتين لابن هلال [ص ٢٩٥] وروى البلاذري عن إسحاق بن محمد قال: دخلت على منصور بن جمهور (٥) وعنده جاريتان من جواري الوليد، فقال: اسمع ما يحدثانك به، فقالتا: كنا آثر جواريه عنده، فوطئ هذه، فجاء المؤذن يؤذنه بالصلاة، فأخرجها

стр. 7831

وهي جنب متلثمة، فصلت بالناس. وحكى أن نقش خاتمة كان: (أؤمن بالله مخلصا)، وإنه كان يقول عقب كل حوب: استغفر الله. قال البلاذري: كان الوليد شديد البطش، طويل أصابع اليدين والرجلين، توتد له سكة الحديد وفيها خيط، ويشد الخيط في رجله، ويؤتى بالدابة فيثب عليها، فينزع السكة، ويركب ما يمس الدابة بيده. وروى مسلمة بن محارب، أن أيوب السختياني قال حين بلغه مقتل الوليد: ليتهم تركوا لنا خليفتنا فلم يقتلوه. قلت: وإنما قال ذلك خوفا من الفتنة. وقال المهدي يوما وقد ذكر الوليد ﵀، ولا رحم قاتله، فإنه قد كان إماما مجمعا عليه، فقيل له إن الوليد كان زنديقا، فقال: إن خلافة الله [أجل] (١) من أن يوليها من لا يؤمن به. قلت: ولئن صح أن المهدي قال هذا، مع سوء رأي القوم في أخبار بني أمية، كيف في شرارهم، فإنما قاله إقامة لحرمة الخلافة أن تنتهك. وللوليد: (٢) [الطويل] وأقسم ما أدنيت كفّي لريبة … ولا حملتني نحو فاحشة رجلي ولا قادني سمعي ولا بصري لها … ولا دلني رأيي عليها ولا عقلي وأعلم أني لم تصبني مصيبة … من الدهر إلا قد أصابت فتى مثلي [ثم]:

стр. 7832

١١٠ - دولة يزيد بن الوليد بن عبد الملك أبي خالد (١)، وكان أقبل وأمه ساهقريد بنت فيروز بن يزدجر بن شهريار، مقابل في الملك بين أبيه وأمه، وعربه (٢) وعجمه، تطرف بجلبابي تقى ونسك، وخلافة وملك، يحاذيه طرفا شرف، حل فيهما وما حل في طرف [ص ٢٩٧] وكان يلقب بالناقص، لأنه نقّص في العطاء، وغصّص على البعداء والخلطاء، وما أراد إلا مناقضة الوليد ومعارضة سفاهته بالرأي السديد، فكره على عظيم شرفيه، وكريم فخاره الملتقيين من طرفيه، وما كان موسوما به من الجمال الفائق، ومعلوما منه من الكمال اللائق، ومعروفا به من النسك والتأله، وموصوفا به من التخلق بأخلاق السلف الأول والتشبه، فأداه فعله إلى خلاف ما يريد، وعداه الغرض في الاقتصاد إلى التسديد (٣)، وإفراطه في التواضع، حتى كأنه ما امتاز عن الناس، ولا حاز ما يشمخ بدونه الراس، على أنه تذكر يوما سلفه، فذكر شرفه فقال (٤):

стр. 7833

[الرجز] أنا ابن كسرى وأبي مروان … وقيصر جدي وجدي خاقان قلت: وإنما جعل قيصر وخاقان جديه، لأن أم فيروز بن يزدجرد بن كسرى شرويه أم أبيه، وأمها ابنة قيصر، وأم شيرويه ابنة خاقان ملك الترك، ذكره ابن الأثير (١)، وكان أبوه الوليد بن عبد الملك يذكر ولده فيقول: «عبد العزيز سيدهم، والعباس أفرسهم، ويزيد ناسكهم، وروح عالمهم، وعمر نجلهم، وبشر فتاهم. ولقي يزيد بن الوليد أيوب السختياني في السنة التي حج فيها، فكتب عنه، وكان كثير الصلاة طول الليل. وقال ابن الأثير عنه: قيل إنه كان قدريا، وكان أسمر طويلا صغير الرأس جميلا، وقال: إنه أول من خرج بالسلاح يوم العيد، خرج بين صفين عليهم السلاح، وقال: وكان آخر ما تكلم به، يعني عند موته، وا حسرتاه وا أسفاه. وكان نقش خاتمه (العظمة لله). ولما ولي الخلافة عاتبته امرأته هند الكلبية، التي تدعى بنت الحضرمية، فقالت: أوسع علينا، فقال لها: لقد فسدت عليّ فيمن فسد، أما لو علمت أنكم تميلون إلى الدنيا هذا الميل، لكان أن أخرّ من السماء إلى الأرض أحبّ إليّ من أن أتلبّس بما تلبست به، وما لك في هذا المال إلا ما لسوداء أو حمراء من المسلمين، ولكن ايتيني بثيابي، فجاءت تنحب، فقال لها: هذه ثياب كنت أتزين بها، فشأنك فخذيها [ص ٢٩٨] فإنه لا حاجة لي اليوم بها، فأما مال المسلمين، فلا حق لي ولك فيه إلا مثل ما للمسلمين. ولما ولي خطب الناس فقال: «أيها الناس، إني والله ما خرجت بطرا، ولا

стр. 7834

حرصا على الدنيا، ولا رغبة في الملك، وما أقول هذا إطراء لنفسي، إني لظلوم لها إن لم يرحمني ربي، ولكن خرجت غضبا لله ودينه، وداعيا إلى الله وكتابه، وسنة نبيه، لما هدمت معالم الدين، وعفا أثر الحق فأطفأ نور الهدى، وظهر الجبار العنيد، المستحل لكل حرمة، الراكب لكل بدعة، مع أنه والله ما كان يصدق بالكتاب، ولا يؤمن بيوم الحساب، وإنه لابن عمي في النسب، وكفيّي في الحسب، فلما رأيت ذلك، استخرت الله في أمره، حتى أراح الله منه، بحول الله وقوته، لا بحولي وقوتي، أيها [الناس] إن لكم أن لا أضع حجرا على حجر، ولا لبنة على لبنة، ولا أكري فيكم نهرا، ولا أبني قصرا، ولا أكنز مالا، ولا أوثر به زوجة ولا ولدا، ولا أنقل مالا من بلد إلى بلد، حتى أسد ثغره، وخصاصة أهله بما يغنيهم، فإن فضل فضل، نقلته إلى البلد الذي يليه، مما هو إليه أحوج، وعليكم أن لا أغلق بابي دونكم فيأكل قويكم ضعيفكم، ولا أحمل على أهل جزيتكم ما يجليهم عن بلادكم، وعندي إدرار عطاياكم في كل سنة، وأرزاقكم في كل شهر، حتى تستدر المعيشة بين المسلمين، فيكون أقصاهم كأدناهم، فإن أنا وفيت لكم بما قلت، فعليكم السمع والطاعة، وحسن المؤازرة، وإن أنا لم أفعل، فلكم أن تخلعوني». ثم لما مات يزيد بن الوليد، انبثقت البيوق (١)، وكثرت الخوارج، ودعا كلّ إلى نفسه. ١١١ - دولة إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك أبي إسحاق (٢)، وكان مغلّبا لا يغلب، ومضعّفا لا يرغب ولا يرهب، عدما

стр. 7835

في ذي وجود، ومعدما في مثل ذي مال وجنود، بايعه الناس لما ولي أخوه يزيد بالعهد بعده، وعقدوا له عقده، وما أحكموا شده، فلما مات يزيد، جدّدت له بيعة ما تمّت، وجنّدت له قلوب ما خصّت مولاتها ولا عمّت، وكان [ص ٢٩٩] بدمشق ما نفذ له أمر وراء سورها، بل ولا جاز فناء دورها، وكان يخاطب تارة بالخلافة، وتارة بالإمارة، وهو كالبعير لا عير لديه ولا نكير، ولا رمح صرير، ولا سيف شهير، ولا اتباع مأمور، ولا متابعة أمير. وقد كان حين وثب أخوه على الوليد حصاة لا يستلينها نفس بازغ، لكنه مني بعوائق الخذلان، ورمى سوابق الخلاّن، خذله أصحابه، وهزله أربابه، فما همّ بأمر، فقدر عليه، ولا قهر سواه، حتى وصل إليه، ولم تكن متابعته إلا شقوة طبع بطابعها، وهفوة ضربت عنقه بأسياف مطامعها، ودام ملك بني أمية على هذا الهوان، حتى ملك مروان ورفع بالسيف هذا العار، ونزع ما جللهم من شبه هذا الرداء المعار. وقال البلاذري، قالوا: بويع إبراهيم - وهو المخلوع، وأمه أم ولد - بالخلافة في أول سنة سبع وعشرين ومائة، بعد موت يزيد أخيه الناقص، وكان نقش خاتمه (إبراهيم يثق بالله)، وكان مروان بن محمد بن مروان حين قتل الوليد، قدم الجزيرة فدعا إلى نفسه سرا، وسمي الوليد الخليفة المظلوم، وأظهر أنه يطلب بدمه، وقال: إنما قتلته قدرية غيلانية، فبايعه خلق من أهل الجزيرة، ثم أظهر

стр. 7836

أمره بعد بيعة إبراهيم بنحو شهر بحرّان (١)، وقال: أمري شبيه بأمر معاوية، حين طلب بدم الخليفة المظلوم عثمان، ثم إنه سار بأهل الجزيرة وقنسرين وحمص يريد إبراهيم، وبعث إلى الناس أن انهضوا لمحاربة هذا القدري أخي القدري الغيلاني، المبتز لأمور الناس بالبدعة والضلالة، فإن جهاده واجب على كل مسلم، فقد كنت على مجاهدة أخيه، فسبقني به أجله، فوجه إليه إبراهيم أخويه بشرا ومسرورا ابني الوليد، فأسرهما وفض عسكرهما، فوجه إليه إبراهيم بن سليمان بن هشام بن عبد الملك [ص ٣٠٠] في خيول أهل دمشق، فالتقيا بعين الجر (٢) من البقاع من عمل بعلبك، في صفر سنة سبع وعشرين، فتناوشوا يومهم، ثم بكروا على الحرب، فاقتتلوا أشد قتال، فانهزم سليمان ومن معه فلحق بإبراهيم. وكتب مروان إلى وجوه أهل دمشق يعلمهم أن الذين بايعوا يزيد الناقص شرارهم ورعاعهم وغواتهم، ودعاهم إلى طاعته ووعدهم ومناهم على الوفاء والإحسان، فانتقضوا على إبراهيم، ونزل مروان بن محمد الغوطة (٣)، فخرج إليه خلق فبايعوه، فلما رأى ذلك عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك، ويزيد بن خالد بن عبد الله القسري، أخذا عثمان والحكم ابني الوليد فقتلاهما في محبسهما، وخافا أن يتخلصا، فكان الناس يقولون: يا معشر الفتيان أين الحكم وعثمان، وقال الشاعر حين أقبل مروان:

стр. 7837

[الرجز] أتاك مروان شبيه مروان … يجر جيشا غضبا للرحمن بتغلب الغلبا وقيس عيلان ووهن أمر إبراهيم واستخفى، ثم أخذ له الأمان، وظهر فكان مع مروان في طاعته، ولم يزل حيا حتى قتله عبد الله بن علي بن عبد الله بن العباس (١)، مع من قتل من بني أمية. وكانت أيام إبراهيم أربعة أشهر، ويقال ثلاثة أشهر، وبعضهم يقول: أربعين يوما. ولما دخل مروان دمشق، طلب عبد العزيز بن الحجاج ويزيد بن خالد القسري، فظفر بهما فقتلهما، بعثمان والحكم، وصلبهما على باب الجابية (٢)، أو باب الفراديس (٣). ١١٢ - دولة مروان بن محمّد أبي عبد الملك (٤) المنبوز بالجعدي، وبالحمار، أما قولهم الجعدي، فنسبة إلى

стр. 7838

الجعد بن الدرهم، لأنه كان على مثل رأيه المبهم، وأما قولهم الحمار، فقيل: لشدة في الحرب، تشبيها بحمار الوحش، إذ كان أحمى حام لسربه، ومحام عن أجمة [ص ٣٠١] الغرايب له في شربه. وكان مروان بن محمد رجل الدهر، إلا أنه خانه، وبطل الكتيبة، إلا أن الحظ ما أعانه، كان بالجزيرة ورعى كلأها، وهو بأطراف الأسنة وبيل وحمى ملأها، وما لمدارج الرياح إليها سبيل، ثم كان بأرمينية يسد ثغرها، وهو يهتمه ويشد أمرها وهو يهدمه، ثم آب إلى دمشق وفي ظنه لمّ شعثها، ويرمّ منتكثها، حتى تفرقت بها الآراء المجتمعة، وتمزقت الأمراء في طلب الدعة، وقوي هيج الرعايا للرعاع، وموج الثعالب الحقيرة لأكل السباع. وكان أبو جعفر المنصور إذا ذكره شكره وقال: هو فحل القوم، وإنما غلبناه بالجد لا باليد. وكان عبد الملك بن صالح رجل بني العباس، أمه أم ولد، كانت لمروان بن محمد، ثم صارت إلى صالح بن علي، فولدت له عبد الملك، ويقال: إنها حملت به من مروان وولدته على فراش صالح، فلما كان من توهم الرشيد منه ما كان، قال له يوما كالمعير له: أنت لمروان، لست لصالح، فقال: لا أبالي لأي الفحلين كنت، فلما غاب عنه قال الرشيد: لعمري إنه لا يبالي لأيهما كان.

стр. 7839

وقدم مروان دمشق، وقد تضرمت فتنها وتضررت بحمل الحقود إحنها، فهدى به اضطرابها، وبالغت به بنو أمية وبدا اقترابها، ولكن بعد دماء طلّها، ودأماء (١) ساوى بالقتلى مطلها، فلما ظن أن السيف له قد دوخ، والمغير عليه قد نوّخ، واطمأنّ به وساده القلق، وعفي بالمسالمة عن جفنه الأرق، ثارت عليه من خراسان تلك الثائرة، وانقلبت عليه تلك الدائرة، وأظلت عليه الرايات العباسية، ليالي تطلع بدورا، ولمم شبيبة تتلألأ بها الوجوه نورا، فتراكم بسواد الشعار العباسي السيل، وأدبر بياض العلم المرواني في النهار، لإقبال الليل. قال البلاذري: أم مروان كردية، أخذها أبوه من عسكر [ص ٣٠٢] ابن الأشتر، وكان مروان بخيلا، وبويع لأربع عشرة ليلة خلت من صفر سنة سبع وعشرين ومائة. وكان أبيض أحمر أزرق، أهدل الشفة، لا يخضب، ولم يكن بالذاهب طولا، وكنت إذا استدبرته ظننت أن على كتفيه رجلين جالسين، واسع الصدر. وكان يقول: اللهم لا تبلني بطلب ما لم تجعل لي فيه رزقا، وكان يقول في خطبته: اللهم اعلم بولينا وعدونا منا، فكن لنا وليا وحافظا، وكان غيورا جدا، وجد كتابا إلى جارية له من أمها، فقال: من أدخل هذا الكتاب، فقال خصي له: أنا، رحمت أمها لبكائها، فأخذت كتابها، فقطع يد الخصي. وعرض الجند، فشكوا في حلية رجل فأسقطه، فقال: هلا بعين الجر خليتني، لما توافى القوم في الخندق فأجازه، وهو أول من حلى الجند، وفيه يقول الشاعر: [الرجز] يا أيها السائل عن مروانا … دونك مروان بعسقلانا (٢) يجيد ضرب القوم والعطانا … حتى ترى قتلاهم ألوانا

стр. 7840

قال البلاذري: لما سار مروان بجند أهل الجزيرة، وتفرق أصحاب بشر ومسرور من غير قتال، وجه إبراهيم المخلوع سليمان بن هشام (١)، فنزل بعين الجر في خلق كثير، فنزل مروان بدير الأبرش، في زهاء سبعين ألفا، وبينهما ثلاثة أميال، وكتب مروان كتابا منه إلى أهل فلسطين: «إني نزلت بدير الأبرش، وسليمان بعين الجر، وطالعت عسكره بنفسي، فرأيت جمعا كثيفا، وأنا متوجه إليكم في طريق كذا»، ودفع الكتاب إلى رجل وقال له: تعرض لهم، ففعل، فأخذ وأتي به سليمان، فلما قرأ الكتاب قال: أنا أبو أيوب، هرب مروان، والله لأحولن بينه وبين ذلك، وقال مروان لابنه: إني مرتحل غدوة، فان ارتحل سليمان من هذا المنزل، فانزله وخلفه في غيضة هناك، كامنا في ألفين، وأصبح مروان يوم الأربعاء قعدا متوجها في طريق العرب، وخرج سليمان زعم يبادره إلى الطريق التي ذكر مروان في كتابه [ص ٣٠٣] أنه يسلكها، وأقبل ابن مروان فنزل معسكره، وسرح إلى أبيه رسولا يعلمه ذلك، فلما أعلمه الرسول، رجع وقد سار ستة أميال، فصار في عسكر سليمان، فقال سليمان: مكر بنا مروان، وإنما فعل مروان ذلك، لأن عسكر سليمان أخصب وأحصن وأكثر مياها، فقاتلهم مروان فظفر بهم، وقتل منهم مقتلة عظيمة، يقال: عشرة آلاف، ومضى

стр. 7841

سليمان منهزما إلى دمشق، فأخذ مالها وقسمه، ثم كان ما كان من انتهاء الأمر من يد المخلوع إبراهيم إلى مروان، وكان دخوله دمشق من باب الجابية، وأتاه إبراهيم وخلع نفسه، فأمّنه، وجاء سليمان بن هشام فأمّنه، ثم حمل مروان ما كان بدمشق من الأموال، وتحوّل إلى الجزيرة، فنزل حران، وأقام بها ثلاثة أشهر أو أربعة، ثم بلغه أن ثابت بن نعيم عامله على فلسطين قد خلع، فسار يريده. قالوا: وكان (١) سبب خلع ثابت بن نعيم، أن عطية بن الأسود (٢) قال: [البسيط] يا ثابت بن نعيم دعوة جمعت … عقّت أباها وعقّت أمها اليمن أتارك أنت مال الله تأكله … عير الجزيرة والأشراف تمتهن أوقد على مضر نارا يمانية … تشفي العليل وتحيا بعدها السنن قلت: وأقبل ثابت في زهاء خمسين ألف من لخم وجذام وغيرهم، فحضروا طبرية مدينة الأردن (٣)، وبها الوليد بن معاوية بن مروان بن عبد الملك عامل مروان، فسار إليه أبو الورد، فلما التقوا خرج إليهم الوليد عامل طبرية في أهل الأردن، فهزموا ثابتا وقتلوا أصحابه، وتفرق من بقي منهم عنه، ومضى ثابت إلى فلسطين وأتبعه الورد، ولحق ثابت بجبال الشراة (٤)، فظفرت به خيل

стр. 7842

لمروان، قد كان وجهها مادة لأبي الورد، فأخذوه وأتوا به مروان، وهو بدير أيوب، فقتله، وأفلت ابنه رفاعة. ثم كانت من أحوال مروان المتناقضة وأموره المتعارضة، وخلافته المحلولة المعاقد، ومملكته المتجاذبة بأيدي الثواير، وجنوده المختلفة الآراء، وبنوده [ص ٣٠٤] المنكسة بالخذلان ما كان، حتى ابتزت منه الدولة العباسية الخلافة قهرا بالسيف. وحكى الحسن بن زيد بفرغانة (١)، قال: بلغني أن مروان بن محمد، مر على راهب في صومعة، وهو هارب من جيش أبي مسلم، فأشرف عليه الراهب، فسلم عليه فقال له: يا راهب، هل عندك علم بالزمان؟ قال: نعم، عندي من تلونه ألوان، قال: هل تبلغ الدنيا من الحر أن تجعله مملوكا؟ قال: نعم، قال: كيف؟ قال: هل تحبها؟ قال: نعم، قال: فأنت مملوك لها، قال: فكيف السبيل إلى العتق؟ قال: تبغضها والتخلي منها، قال: هذا ما لا يكون، قال الراهب: أما تخليها منك فسيكون، فبادر بالهرب منها قبل أن تبادرك، قال: هل تعرفني؟ قال: نعم أنت ملك العرب مروان، تقتل في بلاد السودان، وتدفن بلا أكفان، ولولا أن الموت في طلبك لدللتك على موضع هربك. قلت: ولمروان شعر، يروى منه: (٢) [الطويل] وما زال يدعوني إلى الصبر ما أرى … فآبى ويدنيني الذي لك في صدري

стр. 7843

سأبكيك لا مستبقيا فيض عبرة … ولا طالبا بالصبر عاقبة الصبر ويقال: إن نقش خاتمه كان: (رضيت بالله العظيم)، وقتل مروان ببوصير (١)، وصار آخره إلى ذلك المصير على ما هو ملمح في ترجمة أبي العباس السفاح (٢) وملمع بخلوق دمه درع ذلك الصباح، وبهزيمة مروان على الزاب (٣) زال عن جمهور المعمور ميسم بني مروان، وطالما افترّ بدولتهم مبسم الزمان، إلا أنها الأيام لا يطمئن إلى خداعها، ولا يوثق بعواري متاعها، لا تبقي أحدا ولا تثبت على حالة أبدا، ومهما نوّلت في اليوم، سلبت غدا، فسبحان الباقي بلا زوال. ولما قتل مروان قصد عامر بن إسماعيل قاتله الكنيسة التي فيها حرم مروان، وكان قد وكل بهن مروان خادما له وأمره أن يقتلهن بعده، فأخذه عامر، وأخذ نساء مروان وبناته فسيرهن إلى صالح بن علي، فلما دخلن عليه تكلمت ابنة مروان الكبرى فقالت: يا عم أمير المؤمنين [ص ٣٠٥]، حفظ الله من أمرك ما تحب أن تحفظ، نحن بناتك، وبنات أخيك وابن عمك، فليسعنا من عفوكم ما وسعكم من جورنا، قال: إذا لا أستبقينّ منكن واحدة، ألم يقتل أبوك ابن أخي إبراهيم الأشتر، ألم يقتل هشام بن عبد الملك زيد بن علي بن الحسين، وصلبه في الكوفة، ألم يقتل الوليد بن يزيد يحيى بن زيد وصلبه بخراسان، ألم يقتل

стр. 7844

زياد الدعي مسلم بن عقيل، ألم يقتل يزيد بن معاوية الحسين بن علي، ألم يخرج إليه بحرم رسول الله ﷺ سبايا، فوقفهن موقف السبي، ألم يحمل إليه رأس الحسين فقرع دماغه، فما الذي يحملني على الإبقاء عليكن، قالت: فليسعنا عفوكم، قال: أما هذا فنعم، وإن أحببت زوجتك ابني الفضل، قالت: وأي حين عرس هذا، بل تلحقنا بحران، فحملهن إليها مكرمات، فلما دخلنها ورأين منازل مروان، رفعن أصواتهن بالبكاء. قلت: وهيهات البكاء، والبكاء لا يرد الغائب، ولا ينقع الغليل، فأفّ للدنيا، وتبّا لخدع الغرور، مرت ببني مروان ونسفت ملك آل أبي سفيان، وخضبت دما شيب عثمان، وفعلت ببني آمنة ما فعلت وتفعل بسائر أبناء الزمان. وإذا انتهينا إلى آخر دولتهم التي لم يبق لهم بعدها إلا ما برقت لهم به بارقة بالأندلس، فنقول وبالله التوفيق: ثم كانت: الدولة الأموية بالأندلس نهض غدها وهو عاثر، ونظم عقدها وهو متناثر، وأضاء خلل الرماد لها وميض جمر (١)، وأطل لها نهوض أمر، وذلك بدخول عبد الرحمن بن معاوية بن هشام إلى الأندلس، مصمما، كالمشير بالعضب، متمما رقى ذلك الهضب، بهمّة لو قذف بها البحر لما عبّ زاخره، أو الفلك الأعلى لما دارت دوائره،

стр. 7845

ووجد بالأفق العربي مواليه، ومن مر النسب العزي من يواليه، من صدم بهم صدور الخيل الشزّب، حتى أدفا صدور الرحال العزّب، واجتلى النصر [ص ٣٠٦] تبرق أسرته، وتحدق مسرته، وتعبق بأطراف الأسنة رائحته، وتعلق بأطراف الأعنة بساتينه، واقتطع من المعمورة، ذلك الإقليم الجليل، وصيّره له دار خلافة، طالت ذوائبها، وصالت كتائبها، ودان له أهل تلك الجهة وذلت له مناكبها، وظلت تقدم لها منابرها، ويعلن باسمه خاطبها، خلافة ابتزّها من بني العباس، قهرا بالأيد وقسرا بالكيد، ونصرا لم تحتج إلى سلم، ولم يحتج إلى زيد ولا عمرو، أخذها غصبا من أفواههم الفاغرة، ونهبا من أيديهم وأعناقهم صاغرة، بعزائم ما فلّت السيوف ضرابها، ولا ملّت السيول غلابها، حتى اجتمعت له دائرتها، وارتفعت به نائرتها، وخشعت الدولة العباسية خوفا لا تهب الدولة الأموية وتثور ثائرتها. وها أنا أذكر هذه الدولة ما زخر به في الأندلس بحرها، وفخر بما تحلى به من مآثرهم نحرها، وأولها الباني لها، وموج المنايا حولها متلاطم، وفوج الرزايا ببابها متزاحم، المنقض بأفقها عقابه القشعم، المنبت بأرضها شجاعه الأرقم. هي: ١١٣ - دولة عبد الرّحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان الداخل (١) الحق المطرّف، رجل العالم، وبطل بني آدم، خلص من لهوات
следующие страницы →