← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11790

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط المجمع الثقافي

ابن فضل الله العمري

Полный текст (8 839 стр.). Показаны 7841–7880 · переход к 7846.

стр. 7841

سليمان منهزما إلى دمشق، فأخذ مالها وقسمه، ثم كان ما كان من انتهاء الأمر من يد المخلوع إبراهيم إلى مروان، وكان دخوله دمشق من باب الجابية، وأتاه إبراهيم وخلع نفسه، فأمّنه، وجاء سليمان بن هشام فأمّنه، ثم حمل مروان ما كان بدمشق من الأموال، وتحوّل إلى الجزيرة، فنزل حران، وأقام بها ثلاثة أشهر أو أربعة، ثم بلغه أن ثابت بن نعيم عامله على فلسطين قد خلع، فسار يريده. قالوا: وكان (١) سبب خلع ثابت بن نعيم، أن عطية بن الأسود (٢) قال: [البسيط] يا ثابت بن نعيم دعوة جمعت … عقّت أباها وعقّت أمها اليمن أتارك أنت مال الله تأكله … عير الجزيرة والأشراف تمتهن أوقد على مضر نارا يمانية … تشفي العليل وتحيا بعدها السنن قلت: وأقبل ثابت في زهاء خمسين ألف من لخم وجذام وغيرهم، فحضروا طبرية مدينة الأردن (٣)، وبها الوليد بن معاوية بن مروان بن عبد الملك عامل مروان، فسار إليه أبو الورد، فلما التقوا خرج إليهم الوليد عامل طبرية في أهل الأردن، فهزموا ثابتا وقتلوا أصحابه، وتفرق من بقي منهم عنه، ومضى ثابت إلى فلسطين وأتبعه الورد، ولحق ثابت بجبال الشراة (٤)، فظفرت به خيل

стр. 7842

لمروان، قد كان وجهها مادة لأبي الورد، فأخذوه وأتوا به مروان، وهو بدير أيوب، فقتله، وأفلت ابنه رفاعة. ثم كانت من أحوال مروان المتناقضة وأموره المتعارضة، وخلافته المحلولة المعاقد، ومملكته المتجاذبة بأيدي الثواير، وجنوده المختلفة الآراء، وبنوده [ص ٣٠٤] المنكسة بالخذلان ما كان، حتى ابتزت منه الدولة العباسية الخلافة قهرا بالسيف. وحكى الحسن بن زيد بفرغانة (١)، قال: بلغني أن مروان بن محمد، مر على راهب في صومعة، وهو هارب من جيش أبي مسلم، فأشرف عليه الراهب، فسلم عليه فقال له: يا راهب، هل عندك علم بالزمان؟ قال: نعم، عندي من تلونه ألوان، قال: هل تبلغ الدنيا من الحر أن تجعله مملوكا؟ قال: نعم، قال: كيف؟ قال: هل تحبها؟ قال: نعم، قال: فأنت مملوك لها، قال: فكيف السبيل إلى العتق؟ قال: تبغضها والتخلي منها، قال: هذا ما لا يكون، قال الراهب: أما تخليها منك فسيكون، فبادر بالهرب منها قبل أن تبادرك، قال: هل تعرفني؟ قال: نعم أنت ملك العرب مروان، تقتل في بلاد السودان، وتدفن بلا أكفان، ولولا أن الموت في طلبك لدللتك على موضع هربك. قلت: ولمروان شعر، يروى منه: (٢) [الطويل] وما زال يدعوني إلى الصبر ما أرى … فآبى ويدنيني الذي لك في صدري

стр. 7843

سأبكيك لا مستبقيا فيض عبرة … ولا طالبا بالصبر عاقبة الصبر ويقال: إن نقش خاتمه كان: (رضيت بالله العظيم)، وقتل مروان ببوصير (١)، وصار آخره إلى ذلك المصير على ما هو ملمح في ترجمة أبي العباس السفاح (٢) وملمع بخلوق دمه درع ذلك الصباح، وبهزيمة مروان على الزاب (٣) زال عن جمهور المعمور ميسم بني مروان، وطالما افترّ بدولتهم مبسم الزمان، إلا أنها الأيام لا يطمئن إلى خداعها، ولا يوثق بعواري متاعها، لا تبقي أحدا ولا تثبت على حالة أبدا، ومهما نوّلت في اليوم، سلبت غدا، فسبحان الباقي بلا زوال. ولما قتل مروان قصد عامر بن إسماعيل قاتله الكنيسة التي فيها حرم مروان، وكان قد وكل بهن مروان خادما له وأمره أن يقتلهن بعده، فأخذه عامر، وأخذ نساء مروان وبناته فسيرهن إلى صالح بن علي، فلما دخلن عليه تكلمت ابنة مروان الكبرى فقالت: يا عم أمير المؤمنين [ص ٣٠٥]، حفظ الله من أمرك ما تحب أن تحفظ، نحن بناتك، وبنات أخيك وابن عمك، فليسعنا من عفوكم ما وسعكم من جورنا، قال: إذا لا أستبقينّ منكن واحدة، ألم يقتل أبوك ابن أخي إبراهيم الأشتر، ألم يقتل هشام بن عبد الملك زيد بن علي بن الحسين، وصلبه في الكوفة، ألم يقتل الوليد بن يزيد يحيى بن زيد وصلبه بخراسان، ألم يقتل

стр. 7844

زياد الدعي مسلم بن عقيل، ألم يقتل يزيد بن معاوية الحسين بن علي، ألم يخرج إليه بحرم رسول الله ﷺ سبايا، فوقفهن موقف السبي، ألم يحمل إليه رأس الحسين فقرع دماغه، فما الذي يحملني على الإبقاء عليكن، قالت: فليسعنا عفوكم، قال: أما هذا فنعم، وإن أحببت زوجتك ابني الفضل، قالت: وأي حين عرس هذا، بل تلحقنا بحران، فحملهن إليها مكرمات، فلما دخلنها ورأين منازل مروان، رفعن أصواتهن بالبكاء. قلت: وهيهات البكاء، والبكاء لا يرد الغائب، ولا ينقع الغليل، فأفّ للدنيا، وتبّا لخدع الغرور، مرت ببني مروان ونسفت ملك آل أبي سفيان، وخضبت دما شيب عثمان، وفعلت ببني آمنة ما فعلت وتفعل بسائر أبناء الزمان. وإذا انتهينا إلى آخر دولتهم التي لم يبق لهم بعدها إلا ما برقت لهم به بارقة بالأندلس، فنقول وبالله التوفيق: ثم كانت: الدولة الأموية بالأندلس نهض غدها وهو عاثر، ونظم عقدها وهو متناثر، وأضاء خلل الرماد لها وميض جمر (١)، وأطل لها نهوض أمر، وذلك بدخول عبد الرحمن بن معاوية بن هشام إلى الأندلس، مصمما، كالمشير بالعضب، متمما رقى ذلك الهضب، بهمّة لو قذف بها البحر لما عبّ زاخره، أو الفلك الأعلى لما دارت دوائره،

стр. 7845

ووجد بالأفق العربي مواليه، ومن مر النسب العزي من يواليه، من صدم بهم صدور الخيل الشزّب، حتى أدفا صدور الرحال العزّب، واجتلى النصر [ص ٣٠٦] تبرق أسرته، وتحدق مسرته، وتعبق بأطراف الأسنة رائحته، وتعلق بأطراف الأعنة بساتينه، واقتطع من المعمورة، ذلك الإقليم الجليل، وصيّره له دار خلافة، طالت ذوائبها، وصالت كتائبها، ودان له أهل تلك الجهة وذلت له مناكبها، وظلت تقدم لها منابرها، ويعلن باسمه خاطبها، خلافة ابتزّها من بني العباس، قهرا بالأيد وقسرا بالكيد، ونصرا لم تحتج إلى سلم، ولم يحتج إلى زيد ولا عمرو، أخذها غصبا من أفواههم الفاغرة، ونهبا من أيديهم وأعناقهم صاغرة، بعزائم ما فلّت السيوف ضرابها، ولا ملّت السيول غلابها، حتى اجتمعت له دائرتها، وارتفعت به نائرتها، وخشعت الدولة العباسية خوفا لا تهب الدولة الأموية وتثور ثائرتها. وها أنا أذكر هذه الدولة ما زخر به في الأندلس بحرها، وفخر بما تحلى به من مآثرهم نحرها، وأولها الباني لها، وموج المنايا حولها متلاطم، وفوج الرزايا ببابها متزاحم، المنقض بأفقها عقابه القشعم، المنبت بأرضها شجاعه الأرقم. هي: ١١٣ - دولة عبد الرّحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان الداخل (١) الحق المطرّف، رجل العالم، وبطل بني آدم، خلص من لهوات

стр. 7846

القواضب، وهفوات العدو المغاضب، وعبر الفرات يشقها عوما بذراعه، ثم الفلاة يقطعها فردا من أصحابه وأتباعه، حتى أتى المغرب، وبلغه اختلاف المضرية واليمانية بالأندلس، فبعث بدرا مولاه، ليستميل أي الفريقين والاه، فأتى اليمانية إثر نوبة كانت للمضرية عليهم، فاستمالهم، ووعدهم عنه، ومنّى آمالهم، ولما أراد الحرب عقد نقيبه عبد الله بن خالد لواءه، وكان أبوه خالد عقد لواء مروان بن الحكم يوم المرج، فكشف لأواه فتيمن بتلك النقيبة ولهذا خص بعقد اللواء نقيبه. وخرج يوسف بن عبد الرحمن (١) فيمن بقي من طاعته،

стр. 7847

ووفى بأس التفرق من جماعته، وكان الزمان ربيعا [ص ٣٠٧] جاء إثر جدب، ما مر النسيم على مخلصه، ولا رم شعث الناس إلا ما كل نقله، وسارا على نهر أشبيلية (١)، كل منهما على ضفة منه، ثم تقابلا مقابلة كادت تكون اجتماعا وتراسلا، لا لشئ إلا خداعا، وكان ذلك يوم عرفة، فبات يوسف بن عبد الرحمن همّه ذبح الجزر وتهيئة الطعام، وعبد الرحمن الداخل همّه في تسوية الصفوف، وإثارة القتام، فلما أصبح يوم الأضحى جازت خيل عبد الرحمن النهر، وجادت بالحديد مثقلة الظهر، وتناوش الفريقان الحرب، يشعبون شعب رماحهم، ويهيجون شعب صفاحهم. وكان عبد الرحمن على فرس سابق، فخاف أهل معسكره أن ينهزم، (٢) وحار من كان له بينهم، وقالوا: شاب غر وتحته فرس يرمي به المرامي، نخاف إن عضت الحرب أن يطير عليه على بعض الموامي، فلما نمي إليه هذا الخبر، استدعى بغلا أشهب كان معه، وركب عليه لا يفارق موضعه، فاطمأنوا إلى الثبات، وارجحنوا كالجبال لولا الوثبات، فانهزم يوسف هزيمة لم ير بعدها جدا مقبلا، ولا حدا إلا مقللا، ودخل الداخل قرطبة، وحل بها صدر المرتبة، ثم كان آخر أمر يوسف بن عبد الرحمن مع عبد الرحمن أنه انتظم في جنده، وارتطم بالأرض خضوعا تحت بنده.

стр. 7848

قال صاحب المقتبس: ولما كان يوم المضارة واستحر القتل، مشى العلاء بن جابر العقيلي إلى الصميل بن حاتم (١)، وكلاهما من عسكر يوسف بن عبد الرحمن، فقال له: يا أبا جوشن، اتق الله، فوالله ما أشبه هذا اليوم إلا بيوم المرج (٢)، وإن عاد ذلك لباق علينا إلى اليوم، وإن الأمور لنهتدي إليها بالأشباه والأمثال، أموي وفهري، وقيس ويمن، ووزير الفهري ذلك اليوم قيسي وهو زفر بن الحارث، ووزير هذا اليوم أنت، وأنت قيسي، ويوم عيد في يوم جمعة، ويوم المرج يوم عيد في يوم جمعة، الأمر والله علينا ما أشك فيه، فاتق الله واغتنم بنا تلافيه، فلم يفد كلامه. وفي هذه الوقعة يقول ابن السنبسية: [الكامل] أهداك ربك رحمة لعباده … لما تضرّمت البلاد وقودا [ص ٣٠٨] فسلقت أطراف الأسنة في العدى … حتى روين فما يرون مزيدا والخيل تعثر بالقنا وكأنّما … فوق السنابك إذ حنين قيودا والمشرفية لن تبيد صقالها … مثل الكواكب يتّقدن وقودا حتى أطرن جماجما مكنونة … تحت المغافر فانكفأن سجودا

стр. 7849

كان عبد الرحمن يدعو إلى أبي جعفر المنصور، حتى دخل الأندلس عبد الملك بن عمر بن مروان بن الحكم، ووافى عبد الرحمن فآواه وعززه وكرم مثواه، فلما حضر له الجمعة وسمع الدعاء لأبي جعفر المنصور أنكره، وقال: إن من الحكم جهلا، وأي هوادة بيننا وبين هؤلاء عدوا علينا فلم يرقبوا إلا ولا ذمة، واستحلوا منا كلّ حرمة، وأخرجونا من أرض الله الواسعة فألجأوا فلّنا إلى هذه القاصية الشاسعة، ثم ها نحن الآن نسايرهم فيها ونمد لهم خيط باطلهم بالدعاء لهم، أعطي الله عهدا، لئن لم تحول الدعوة لهم إلى البراءة منهم، لأنقلبن على وجهي مبادرا في هذه الأرض العريضة، وقد كان من هوى عبد الرحمن الداخل، إلا أنه آثر الأناة إلى أن استضاء برأي ابن عمه، فترك الخطبة لأبي جعفر وتفرد بالدعاء لنفسه، وذلك بعد سنة من دخوله الأندلس. ثم شرع في تعظيم قرطبة (١)، فجدد مغانيها وشيد مبانيها، وحصّنها بالسور حتى أشرف بناؤه، وابتنى بها قصر الإمارة والمسجد الجامع، وكان سلف المسلمين قد اقتصروا عند افتتاحهم لقرطبة، حتى اتخاذهم مسجدهم الجامع، فيما خصهم من سطر الكنيسة العظمى بها المعروفة بشنت، بحيث كما كان بدمشق، ودام الأمر على هذا تهالك الولاة بالأندلس على الإمارة، وهويهم في ضلال الشحناء إلى أن جمع شتاتهم عبد الرحمن الداخل، وسمت نفسه إلى ما تسمو إليه أنفس الخلفاء، فصالح النصارى على شطرهم بمواضع مما كان أخذ

стр. 7850

بالعنوة من كنائسهم، وذلك سنة تسع وستين ومائة، ثم لما وسع قناءه، ووسع بناءه، تخطى بنظره إلى مساجد الكور بالأندلس، ثم ابتنى منية الرصافة (١) متنزها له، تشبها [ص ٣٠٩] بجده هشام، واتخذها قصرا حسنا، ودحا بها جنانا واسعة، نقل إليها غرائب الغراس وأكارم الشجر، من كل ناحية مما أتت به رسله من الشام، فمثلت أشجارا معتمة أثمرت بغرائب الفواكه، وعجائب الثمرات، ورأى أول ما نزل هذه الرصافة نخلة فذة ذكرته باغترابها غربته، وبنأيها عن أشباهها أحبته، فقال: (٢) [الطويل] تبدّت لنا وسط الرصافة نخلة … تناءت بأرض الغرب عن بلد النخل فقلت شبيهي في التغرب والنّوى … وطول انثنائي عن بنيّ وعن أهلي نشأت بأرض أنت فيها غريبة … فمثلك في الإقصاء والمنتأى مثلي سقتك غوادي المزن من صوبها الذي … يسحّ ويستمري السماكين بالوبل وحكى صاحب المقتبس ما معناه: أن عبد الرحمن الداخل في سنة ثلاث وستين ومائة، أشاع الرحيل إلى الشام لانتزاعها من يد الدولة العباسية وإدراك ثأره، وذكر أن كتب جماعة ممن بها من أهل بيته ومواليه وشيعته، توالت عليه بضعف المسوّدة، وفتور فورتهم، ونقل ذلتهم على الناس، فعمل على أن يستخلف ابنه سليمان الأندلس في طائفة، ويذهب بعامة من أطاعه وكمل من ضروب المماليك أربعين ألفا، فاخترم دون ذلك.

стр. 7851

وتوفي يوم الثلاثاء لستة بقين من ربيع الآخر سنة سبعين ومائة، وهو ابن سبع وخمسين سنة وأربعة أشهر، ومولده قريب تدمر (١) من الشام سنة ثلاث عشرة ومائة، ولبث من يوم بويع إلى أن مات ثلاثا وثلاثين سنة وأربعة أشهر وأربعة أيام، ودفن في القصر، وصلى عليه ابنه عبد الله بن عبد الرحمن المولود ببلنسية (٢)، وكان يقال له صقر قريش، وكان أصهب خفيف العارضين، بوجهه خال، طويل القامة، نحيف الجسم، له ضفيرتان. وحكى الحافظ أنه كان أخشم، لا يشم رائحة. ١١٤ - دولة ابنه هشام بن عبد الرّحمن [ص ٣١٠] أبي الوليد (٣)، وولد بالأندلس، ووجد أبوه به الأنس، وكان يفضله على ولده الأكبر سليمان، وكان سليمان ممن ولد بالشام، وقدم الشام إلا أنه لم يطال

стр. 7852

همّة هشام، ولما مات أبوه عبد الرحمن حتى ذكره، وحني من ورق الحديد الأخضر نصره، ونازعه أخواه، فلم يجدا في قوسه منزعا، ولا في قوله الفصل مطمعا، حتى أتاه الأمر طائعا، ووافاه سرير الملك وقد مد عنقه خاضعا، واستهل ذلك الجو سحابا دوى الأوام، واستقل في ذلك الأفق بدرا ينجاب عنه الظلام، وجرت له أمور، ووجبت عليه نذور لموافقة السعادة لمراده، ومؤازرة النصر لأمداده، ومساررة الصواب لنجوى فؤاده، فكان لا ينقض إبرامه مريرته، ولا ينقل مرامه عن الحسنى سريرته، فكان يعد من خير أملاكهم حظا سعيدا، ولفظا سديدا، تسع الدنيا همّة العوال ويجمع النعماء بعض ما تهبه من النوال، وكان على هذا كله تقي الورع، نقي المجتمع، لا تحضر مجلسه الغيبة، ولا تحل ملبسه الريبة، مع رأي أسد من السهم نفاذا، وأشد من الوهم بالضمير ملاذا، وكان أبوه عبد الرحمن بن معاوية يحضره مشورته، وينظره من الرأى صورته، وربما تكلم بين يدي أبيه فقال صوابا، وقاس الأمور على أشباهها فبرع جوابا، ولهذا كان أبوه يقدمه ويثقفه تثقيف السمهري ويقومه، ويؤاخذه في الأمور وما يريد إلا أنه يبصره ويفهمه. حكى صاحب المقتبس ما مضمونه، أنه كان عند وفاة أبيه عبد الرحمن بمدينة باردة، وكان أخوه بمدينة طليطلة، وكان أخوهما عبد الله البلنسي حاضرا بقرطبة، فشهد موت أبيه دونهما، وشد الأمر بعده، وبادر بالكتابة لأخيه هشام، يعلمه أن أباه مات وعهد إليه، وحثه على البدار نحوه، فخرج من فوره إلى قرطبة، وتسلم الملك، وبويع على الإمارة، وكان أول من بايعه أخوه عبد الله على زعل نواه، وغلّ بين جوانحه طواه. وحكى محمد بن حفص: أنه لما انكشف وجه هشام من غمة حروبه مع أخويه سليمان وعبد الله [ص ٣١١] صفت له الأندلس جميعا، واجتمع له

стр. 7853

طاعة أهلها طرّا، وكانت يومئذ أكثر ما كانت، فسما لجهاد عدوهم سموّا استفرغ فيه وسعه، فأعطى فيهم نصرا لا كفاء له، وافتتح مدينة أربونة (١)، وبلغ من تحكمه فيهم أن اشترط على المعاهدين من أهل جليقية (٢) لما سألوه المسالمة، نقل عدد من أحمال التراب من سور أربونة إلى باب قرطبة، فلما أكمل نقل هذا التراب، ابتنى منه مسجدا قدام باب الجنان (٣)، وهو الذي كان يصلي فيه من حضر باب السلطان. قلت: وأربونة كانت فتحت قبل هذا الفتح، ودامت بأيدي بلاد الإسلام حتى عبد الرحمن الداخل، وأقر عليها عبد الرحمن بن علقمة اللخمي، عامل يوسف بن عبد الرحمن الفهري، ثم غلب عليها العدو، واجتذبها من يد الإسلام إلى أن فتحت هذا الفتح. وحكى محمد بن عمر بن القوطية كلاما ما معناه: أن هشاما سأل الضبّى المنجم عما تقتضيه النجامة من أمره، وكان الضبي بطليموس عصره حذقا وإصابة، فسأله الإعفاء، فلم يجبه، فلما لم يجد بدا من إخباره قال له: نعم، أصلح الله الأمير، سوف يستقر ملكك سعيدا، وجدك لمن ناواك إلا أن مدتك تكون ثمانية أعوام، فأطرق هشام ساعة ثم رفع رأسه وقال: يا ضبّي، ما أخوفني أن يكون النذير كلمني بلسانك، والله لو كانت المدة كانت في سجدة واحدة لله لقلّت طاعة له، ووصل الضبي وصرفه، ثم شمّر هشام للعمل

стр. 7854

لمعاده، وضمّر بطنه لتحصيل زاده، حتى مضى وهو على جهاده. وكانت وفاته بمرض سوداوي لحقه ليلة الخميس لثلاث عشرة ليلة خلت من صفر سنة ثمانين ومائة، وكان ابن تسع وثلاثين سنة وأربعة أشهر وأربعة أيام، لبث بها خليفة سبع سنين وسبعة أشهر وثمانية أيام. وكان أبيض مشربة حمرة، بعينيه حول، وقال بكر الكتاني يرثيه: [الطويل] لقد فجع الإسلام موت هشام … نجيب قروم منجبين كرام هشام لعمري كان للدين راعيا … بعين مراعاة وحدّ حسام [ص ٣١٢] إذا صال كان الليث يحمي عرينه … وغيثا إذا ما كان يوم سلام ١١٥ - دولة ابنه الحكم بن هشام الرّبضيّ (١) وكان حميّ الأنف (٢)، عزما يتوقد صرامة ابى الآبقة عدا (٣) لا يستسهل

стр. 7855

مرامه، لا يستلان له جانب، ولا يستهان به إلا دهيا أو مقانب بصوارم فللت الصفوف (١)، ومكارم قللت الألوف، فكلما أتاه جمع عدو ولا مال إلا فرّقه، ولا قاواه جلد وطيش، ولا لبس إلا مزّقه، وسعد جده المقبل، وصعد رفده على الغمام المسبل، ولم يبق له معاند إلا احترق بناره، أوصادف جدوله فغرق في تياره، في عدة نوب عدمت البصيرة فيها حذارها ثم قدمت السهام إليها ارتدادها، ثم أقدمت السيوف وأبلت فيها عذارها، وخفقت فيها أعلامها الأموية بريحها التأييد، ويصبحها النصر مستطيرا من برق الحديد، في حروب منها ما باشره، ومنها ما قعد عنه، وعقد له لواء لم يكن سواه ناشره، فما عادت عساكره إلا وقد شفّت مناه، وكفت همة ما عناه، حتى أودع بطون الثرى أعداه، وودع القيام، فما استسقى لمنابت الرماح أنداه، وصفا له الأندلس من شوائب الأعداء، ونوائب الإعداد للأعداء، واستقر سريره لا يقلقل له إلا في دور ملكه مضجع، ولا يقلّب له إلا بين جواريه ذهاب أو مرجع، واستوفد إكرامه طوائف العلماء، واستبيح كرمه قرائح الشعراء، فغصّت أبوابه بالوفود، وقصّت أجنحة زواره، وما قصها سوى الجود، وكان أول أموي باح في الأندلس بمكنون سره، ومضمون ما كان يلجلج في فكره، ولم يخش دولة بني العباس أن ترمي إليه مدنها، أو ترسي عليه سفنها، وما راعه سواد ذلك العلم، ولا أقلقه تبكي ذلك الألم، ولا خاف أن تصيبه من العراق سهم أصاب وراميه بذي سلم (٢) كل هذا مع بصيرة بالعواقب، كأنما ناجته بما يكون وسريرة لا تراقب، إلا ما لم يألف من السكون، لكن الأقدار

стр. 7856

ما أسعفته بتمام هذا الأمل، ولا [ص ٣١٣] كمّلت له، ومن ذا الذي تم أمره أو كمل. وكان ذا دولة خدمتها الأكابر، وما منهم إلا من أغدق كرمه وشرق وغرّب مدحه، فمنهم عبد العزيز بن أبي عبدة، وفيه يقول بكر بن قيس: [الطويل] ألكني إلى عبد العزيز أخي الندى … ثناء وقولا قلته متعرّقا لعمري لنعم المستغاث وجدته … لدن جئته صفرا من المال مملقا لأضحى وزيرا للخليفة حاجبا … ترى رأيه رأيا إذا قال صدّقا فهذا يرى وجه النصيحة قوله … وهذا يرى قول النصيحة موثقا لفازت بنو حسان منه بسابق … هنيئا مريئا أن يفوز ويسبقا ومنهم عبد الكريم بن مغيث، وهو الذي أمن طليطلة (١)، وبذل لأهلها مع القدرة من غير مسألة، إلا أنه اشترط عليهم شروطا خافوا منها العنت، لكتاب جاءه من الحكم، جاريه فيما احتكم، وفيه يقول غربيب بن عبد الله: [البسيط] يا فارس الناس في الهيجا ومعقلهم … هنّاك ربّك ما أعطى وأولاكا حفظت في نسله قيسا وحطتهم … كأنّ قيسا بنا إذا مات أوصاكا إن كان سرّك ما جاء البريد به … فلا لعمر أبي ما سرّنا ذاكا بل سرّنا منك نعماء بدأت بها … ما كان ضرّك لو أتممت نعماكا وفي أيامه في سنة سبع وتسعين ومائة كانت الشدة التي عمّت أرض

стр. 7857

الأندلس أجمعها، ومات منها أكثر الخلق، واجتاز بعضهم البحر إلى العدوة لانتجاع خصبها، وارتجاع ما فاتها بأرض الأندلس من جدبها. قال صاحب المقتبس: وكان المقلّون يطوفون الأيام دون تعلل بطعام، وفي سنة اثنتين ومائتين كانت الوقعة العظمى بقرطبة، وهي المعروفة بوقعة الربض، وهي نوبة كانت من أهل قرطبة، هاجوها يوم الأربعاء لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر رمضان غب أحقاد حملوها على الحكم بن هشام، فحملوا السلاح بغتة، وزحفوا إلى قصره جملة، فلم يتزحزح عن سريره، وإنما بعث مواليه وأهل ولائه فقاتلوهم [ص ٣١٤] حتى هزموهم، واستمروا بالطلب لهم ولزموهم، وأمسك منهم خلقا كثيرا (١)، وصلب منهم ثلاث مائة رجل صفوفا أمام قصره، وأعظم فيهم الحادثة، وأفشى المثلة، ثم أمر بالكف، ونادى فيهم بالجلاء فتفرقوا في بلاد الأندلس أيدي سبأ، وعبر إلى بر العدوة، منهم فل ممن لا قتل ولا سبي، وقال الحكم في ذلك: [الطويل] رأيت صدوع الأرض بالسيف راقعا … وقدما لأمت الشعب مذ كنت يافعا فسائل ثغوري هل بها اليوم ثغرة … أبادرها مستنضي السيف دارعا وسائل على الأرض الفضاء جماجما … كأحقاف شريان الهبيد لوامعا ينبيك أني لم أكن في قراعهم … بوان وقدما كنت بالسيف قارعا وإني إذا حادوا جزاعا عن الردى … فما كنت ذا حيد عن الموت جازعا حميت ذماري فاستبحت ذمارهم … ومن لا يحامي ظل خزيان ضارعا ولما تساقينا سجال حروبنا … سقيتهم سجلا من الموت ناقعا

стр. 7858

وهل زدت أن وفيتهم صاع قرضهم … فلاقوا منايا قدّرت ومصارعا فهاك سلاحي إنني قد جعلتها … مهادا ولم أترك عليها منازعا وحكى عامر بن المنبّي النحوي المؤدب قال: قدم علينا بعد الوقعة عباس بن ناصح قرطبة أيام عبد الرحمن بن الحكم، فاستنشدني شعر الحكم بن هشام في الهيج، فأنشدته إياه، فلما بلغت قوله: وهل زدت أن وفيتهم صاع قرضهم البيت قال عباس: لو أن الحكم حوبي للخصومة بينه وبين أهل الربض لقام بعذره فيهم هذا البيت. وقال أبو بكر بن القوطية: لم يتملّ الحكم حلاوة العيش بعد وقعة الربض، وامتحن بعلة صعبة طاولته أربعة أعوام في آخر عمره فلّت غربه، وأطالت ضناه، واحتجب فيها آخر مدته، واستناب ولده عبد الرحمن في تدبير ملكه، فمات أسيفا على توبة من ذنوبه، وندم على ما اقترف، وعرضت له رقّة شديدة ألانت صلابته، وطفق يكثر الذكر ويفزع إلى استقراء القرآن، ويأنس بالتلاوة إلى أن مات على حاله [ص ٣١٥] تلك، فكانوا يرجون (١) له خيرا. ولما أحسّ بدنو المنية، عهد إلى ولديه: عبد الرحمن والمغيرة عهدا أشهد عليه الأشهاد، ثم نزل المغيرة لأخيه عبد الرحمن عن طيب نفس وإذعان، ونقل الحكم ابنه عبد الرحمن إلى القصر، وقام بالأحكام معه ودونه. وأول ما أحدثه وأبوه حي أن صلب ربيع بن ندار رأس النصاري بقرطبة، وكان جديرا بالصلب والمثلة، لسوء أثره في المسلمين، فقال في ذلك عبد الله بن

стр. 7859

الشمر النديم: [الرمل] يا ولي الأمر من بعد الحكم … بك جاد الصنع للخلق وتم خذ بشكر نعمة الله التي … هي من خير العطايا والفسم واشكر الله على نعمته … إنّ في الشكر مزيدا للنعم فلقد قربت قربانا به … تلج الفردوس من طاغي العجم كافرا سلّمه أشياعه … وبه حلّت من الله النّقم ثم تخلّى له أبوه الحكم عن النظر في أمور الخلافة، وأراد أن يخلي له قصر الإمارة فأبى ابنه عبد الرحمن، وقال: بل أكتفي بالقعود على باب السدة مقعد صاحب المدينة، فاستحسن رأيه، وبدأ بتغيير المنكر، وأمر بهدم الفندق السلطاني المعد لبيع الخمور وسكن المومسات الخواطي، فهدمت بنيته، وصبّت أشربته، وكسرت آنيته، وخليت من العواهر أفنيته، فضجّ الناس بالدعاء له وعلت أصواتهم حتى سمعها الحكم، فارتاع وسأل عما أوجب ضجيج الرعاع، فلما أعلم بما صنع ابنه سكن وقال: هو أعلم بما صنع. وتوفي الحكم يوم الخميس لأربع بقين من ذي الحجة سنة ست ومائتين، ومولده سنة أربع وخمسين ومائة، ومدة خلافته نحو ست وعشرين سنة وشهر ونصف شهر، وسنّه ثلاث وخمسون سنة، وصلى عليه ابنه عبد الرحمن، [وكان] طوالا أشم نحيفا لا يخضب. ١١٦ - دولة ابنه عبد الرّحمن بن الحكم أبي المطرف (١) [ص ٣١٦]، كان أثيرا عند أبيه الحكم، كثيرا مما يظهر به من

стр. 7860

الحكم أشبه في حكمته بالمأمون، وفي حرمته هارون، وتطلّب الكتب القديمة، وتطبّب بها من عدوى الأفهام السقيمة، وطالع كتب الأوائل، وطالب بإقامة الدلائل، وبعث إلى العراق في طلب الكتب الحكمية، وغالى في أثمانها، ووالى في ذخائر البيوت استخرج جمانها رغبة في إقامة براهينها وإدامة الوقوف على قوانينها، حتى نأى بها إلى الأندلس عن أوطانها، ورأى بالعقل أنه لا ينفذ إلا بسلطانها، فغلب بحججها القاطعة وبلغ الغاية بأنوارها الساطعة. وكان هو أول من أدخل الحكمة، ويثها في أقطارها، ومد إليها بعثها حتى جاس خلال ديارها، فأعاد عصر الأوائل جديدا، وعصر الفضائل زاد ضحى قريبا بعيدا، بل زاد حتى سطا بأرسطاطاليس، وفلّ أفلاطون بجيش لا يفله الخميس، فما جاء معه أبقراط بقيراط، وبطل بطليموس فيما أحاط به علما ومالا أحاط، فذكت قريحته، وزكت صبيحته، وكان أبوه الحكم لما سمع كلامه في هذه الدقائق، وعرف مرامه في معرفة هذه الحقائق، يتضاعف به سروره، ويتماثل لديه أموره، ولهذا انتعش لديه حظه من خاطره، وجاد أفقه صوب ماطره، فكان

стр. 7861

لا يبرح يحبوه من الشكر بعاطره، ويجلوه في حلل اغنته عنها فطره، هذا مع استقلال بجنوده، صاب نوؤه وأصاب سدد الظلام ضوؤه. قال الرازي: عبد الرحمن بن الحكم، أول من فخّم الملك بالأندلس من خلفاء بني مروان، وكساه أبهة الجلالة للأعمال، واستوزر الأكفاء، فعظم شأنه، وكاتبته ملوك البلاد، ثم شيّد القصور، واتخذ المصانع وجلب الماء. وحكى معاوية بن هشام: أنه كان يتشبه بالوليد بن عبد الملك في شرف نفسه، وعلاء همّته، وفخامة سلطانه، ودعة أيامه، وما شاد من البناء، وشق من الأنهار، وغرس من الأشجار، وزاد في المسجد الجامع، وفيه قال عبد الله بن الشمر: [الطويل] بنى مسجدا لم يبن في الأرض مثله … وهل مثله في حوزة الأرض مسجد [ص ٣١٧] له عمد حمر وخضر كأنّما … تلوح يواقيت بها وزبرجد قال الرازي: وفي أيامه أحدث بقرطبة وغيرها من بلاد الأندلس الطرز لأنواع الكسوة والوطاء، واستنبطت فيها الأعمال، وتدرج فيها إلى التجويد في ذلك، وقال الرازي: وفيها اتخذت بقرطبة السكة، وقام فيها ضرب الدراهم، ولم يكن فيها دار ضرب منذ فتحها العرب، وإنما كانوا يتعاملون بما يحمل إليهم من دراهم أهل المشرق. قلت: وهذا أوان صارت الأندلس مصرا، وصارت تعد بستانا، وقصرا بعد أن مضت برهة من الدهر لا يوصف إلا بأنه يصفق في جنباتها النهر. وكان عبد الرحمن أشم أقنى أسود العينين طوالا ضخما مسبلا عظيم اللحية.

стр. 7862

١١٧ - دولة ابنه محمّد بن عبد الرّحمن وهي المتصرمة (١) عن افتراق الجماعة، المقسمة في آخرها بفراق الطاعة المسلمة من يده إلى الإضاعة المحومة لا إلى منهل عذب، المحولة رداها لا بمنصل عضب، بل يتحوم النفاق بكل جهة، وعدم الوفاق على ما تكون به السرائر مرفهة لقضاء سبق علمه لا لاقتضاء بسوء فعل، إلا أنه قسمه، وقد كان ذا كرم غمر اليدين، وهمم تسع صدر الفرقدين، وبصيرة ثاقبة، وسريرة لله مراقبة، إلا أنها الأقدار لا تعاند، والأسرار لا تبيد ذممها ولا تعاهد. استخلف يوم مات أبوه، ودخل القصر على ملأ من الناس، وحماء ممن يريد هدّ ذلك الأساس، وقيل: بل دخل متخفيا، ثم أصبح على السرير جالسا، ثم علا صهوة المنبر فارسا، وتولى أخذ البيعة له ابن شهيد (٢)

стр. 7863

بمشهده، واستناب يده له عن يده، وقام لديه مؤمن بن سعيد (١) منشدا: [الطويل] تهلّل بطن الأرض لما ثوى بها … إمام الهدى الثاوي بها بطن ملحد وزلزلها موت الإمام وفقده … فقال لها الله اسكني بمحمّد [ص ٣١٨] ثم كان من أكثر القوم تأنيا، وأوفر لما في النفوس تمنيا، وصفا العيش في ظل خلافته، وكفى المسئ اعتذارا فضل رأفته، وكان له في مدته الآثار الجميلة، والفتوح العظيمة، والعناية التامة بمصالح المسلمين، والاهتمام بالثغور وحفظ الأطراف، والتحرز من قبل البحر. قال الرازي: كانت لا تجري في بحره جارية إلا عن معرفته. قال: وهو الذي قسم مراتب أهل الخدمة، وإعلاء رتبة الوزارة، ورجّح أهل الشام على أهل الأندلس، وأعلى رتبة الوزراء منهم في الجلوس، انتهى كلامه. قال صاحب المقتبس: وزاد في توسعة الجامع بقرطبة، فقال العباس بن فرناس (٢):

стр. 7864

[البسيط] محمد خير مسترعى ومؤتمن … للمسلمين جميعا حيث ما كانوا بنى لهم مسجدا جلّت عجائبه … لولا السماء لما ضاهاه بنيان قال: وكان مجبول الطباع على حب البنيان، مسعوفا بتشييد مبانيه، مبالغا في إتقانه، سخيا بالإنفاق عليه، منه قصور قرطبة والرصافة، وفيها يقول أحمد بن عبد ربه: (١) [الطويل] ألمّا على قصر الخليفة وانظرا … إلى منية زهراء شيدت لأزهرا مزوّقة يستودع النجم سترها … فتحسبه يصغي إليها لتخبرا بناء إذا ما الليل حلّ قناعه … بدا الصبح من أعرافه الشّمّ مسفرا ترى المنية البيضاء في كل شارق … تلبس وجه الشمس ثوبا معصفرا ودونك فانظر هل ترى من تفاوت … به أو رأت عيناك أحسن منظرا تذكر بالفردوس من كان لاهيا … وتلهي عن الفردوس من قد تذكّرا كأنّ السماء استوهبت لون أرضها … وأنجمها من نورها حين نوّرا وكان ممدّحا. ومما قال فيه عمار بن المنبي: [الطويل] غدا في أسارير الأمير محمد … إمام الهدى بدر وفي كفه بحر

стр. 7865

فلو ملّك الله الرعية عمرها … لكان له من ذلك العمر الشطر [ص ٣١٩] إذا ذخر الأملاك مالا فما له … سوى المجد فالمعروف كنز ولا ذخر مهيب إذا أبصرت غرّة وجهه … تكاد له من هيبة يصدع الصدر وكان كثير الخروج إلى الصحراء للتنزه في نواحيها، والتوسع في سعة ضواحيها، وكان معجبا بدربد وهو مكان قتلى أشبيلية، مرج أخضر كأنه زمرد شارب، ونهر يتكسر ماؤه كأنه عسل ممزوج لشارب، فابتنى به أبنية رفيعة، إلا أنها خيام، وقرّض هناك قراره إلا أنه هيام، فقال الوزير تمام بن أحمد: [الطويل] لعمري لما يوم من الدهر كله … بأنعم من يوم حللنا بدربد لدن روضة خضراء ما أن تخالها … لعمرك إلا معدنا للزمرد ودام في بلهنية من الملك إلى أن ثارت إليه الثواير، ودارت عليه الدواير، وسار إلى مغالبته كل ساير، وطار لمواثبته في البر والبحر كل طاير، ولم يكفه انفتاق الفتوق، وانبثاق البثوق، واختلاف كلمة أهل ملكه، حتى قصدته ملوك الكفار، وأجهدته بالنهود إلى الأسفار، وما رمي بأهل الصليب على انفرادهم، حتى مني بالمجوس من أقصى بلادهم، وكان في هذه النوائب تارة وتارة، ومرة ومرة، آونة حلاوة، وآونة مرارة، وفي بعض غزواته التي أثخن فيها في أهل الخلاف، وأمعن في زيادة الاختلاف، قال مؤمن بن سعيد: [البسيط] دع اللّهى يفنها محمدها … أسنى بني غالب وأمجدها أشياع لب سنابل خشعت … أعناقها فالسيوف تحصدها دانوا له وهو وارد بهم … حياض حتف يعاف موردها

стр. 7866

كعابد النار وهي تحرقه … بعدا لمثواه حين يعبدها ساؤوا ملوكا هم لهم خول … وهل يسامي الملوك أعبدها أضحوا أحاديث للمواسم عن … ظبى السيوف استفاض مسندها وعارضه محمد بن عبد العزيز القيسي فقال: [ص ٣٢٠] [البسيط] دع الوغى لمم يزل محمدها … يوقد نيرانها ويخمدها فليس تروى السيوف إن ظمئت … إلا إذا علّها محمّدها سيف هدى تشهد السيوف له … يوم الوغى أنه مهنّدها تقيل في ظله المنون إذا … هاجرة الحرب حار موقدها فتلك دار العدو خالية … أو حين نور الأنيس معهدها أطفأ عنا بسيفه فتنا … أوقدها في البلاد أعبدها ثم طغت الفتنة ومرد النفاق، وانبعث الفساد، ودبّ الوهن في أقطار الدولة، حتى وهت أركانها، وهوت أقمارها، وعمي المبصر، وصم السامع، وخرس الناطق، وعم الأندلس بلاء أطل سحابه، وعظم شتات، لم يدر له امرؤ كيف ذهابه. ثم توفي محمد بن عبد الرحمن ليلة لخميس، ليلة بقيت من صفر سنة ثلاث وسبعين ومائتين (١)، ومولده في ذي القعدة سنة سبع ومائتين، وبلغ من السن خمسا وخمسين سنة وثلاثة أشهر، منها مدة خلافته نحو أربع وثلاثين سنة وأحد عشر شهرا، وكان أبيض مشربا حمرة، مستدير الوجه، ربعة تام اللحية أصهبها به شئ من وقص (٢)، يخضب بالحناء والكتم.

стр. 7867

١١٨ - دولة ابنه المنذر بن محمّد استفتح خلافته بالإحسان (١)، واستمنح رأفته كل إنسان، فاستصبح الهلال بجبيته، واستصلح الاختلال بجود يمينه، واستقبح مقابلته العدو خوفا، وما أصحر ليثه من عرينه، زمانه ما طال، وليانه ما جلا فجره الكاذب من مطال على أنه منذ ولي شد نطاقه، واحتزم وجدّ انطلاقه، واعتزم حتى كاد يستقيم الأود، ويستديم صلاح ما فسد، وكان على نقص حظه من الأدب، يكرم أهله الكرام إكراما تتطامن له الأقدار، وتتفاطن به الأغمار، لكرم كان عليه مجبولا، وجود كان به [ص ٣٢١] كلفا متبولا. قدم قرطبة بعد موت أبيه، فصح المعتل، وصلح المختل، وخضع من كان رفع رأسه، وخلع نجاده من تقلد السيف، وقرث أفراسه (٢)، وبويع البيعة العامة، وتتبع التبعة الطامة، وبقي ينقب عمن قصد عنادا، وقصّر على البغي مرادا، وكان يتدفق مروّة، أحدق ببني مروان موكبها، وأشرق من عبد شمس لعبد شمس كوكبها، فما ورثها من آبائه الغطاريف الألى، عن كلالة ولا استحقها إرثا بالولا.

стр. 7868

قال صاحب المقتبس: وكان سبب وفاته أنه افتصد يوم السبت للنصف من صفر سنة خمس وسبعين ومائتين، وهو يوم العنصرة مهرجان الأندلس، وكتم موته، وأبردوا بريدا إلى أخيه عبد الله بن محمد، فوافى سريعا، وبادر بدفن أخيه المنذر بن محمد، وكانت خلافته سنتين إلا خمسة عشر يوما، وكان سنه ستا وأربعين سنة، وكان أسمر طوالا، جعد الشعر، كث اللحية، بوجهه آثار جدري، يخضب بالحناء والكتم. ١١٩ - دولة أخيه عبد اللّه بن محمّد أتاه نعي أخيه وهو غائب (١)، ووافاه الطلب بالخلافة وهو آئب، فلما فشا في العسكر موت أخيه الذاهب، تفرقت أهواؤهم، وشقشقت أنواؤهم، ورام كل منهم أمرا قصيا لم يدرك تمامه، وراض صعبا أبيا لم يملك زمامه، ولم يبق إلا من نزا به شيطانه، ونزل بداره سلطانه، ظنا هووا في أوديته، وحووا سوء الذكر في أنديته، حتى أشار عليه بعض نصحائه، بغض برحائه (٢)، ومواراة أخيه

стр. 7869

الهالك هنالك، واللحاق بقرطبة مسرعا، والسباق إليها قبل أن لا يجد موضعا، فقال: هيهات أن أتدنّس بهذه الدنيّة، وأتلبّس بقبح هذه المزية، ثم سار ومعه جثّة أخيه على أتانه، واستقام أمره على هناته، ودخل قرطبة وصلى [ص ٣٢٢] على أخيه بها، وأودع ذهبه المكنوز في تربها، ودفنه في القصر بالروضة مقبرة الخلائف، ومأثرة تلك اللطائف، ثم بويع البيعة التي استقامت له على ظلعها، واستدامت على ولعها، وأخذ في حسم أدواء الخلاف، وحصد رؤوس منهم أينعت لقطاف (١)، وكان أمر الفتنة قد استحكم واستفحل داؤه فلم، يحسم، وكثرت على مثل أولئك وأشباههم، وكبرت منها كلمة تخرج من أفواههم، فأعيا سقمها الطبيب المداوي وأعدى فيها ذا الرشد الغاوي، ويتيح لها في كل نائحة نائح، إلا أنه العاوي، ونضنض أفعى (٢)، إلا أنه مما لا يدخل في سلة الحاوي. وذكر صاحب المقتبس عن الرازي عن أبيه قال: كانوا يعدون عبد الله من أصلح خلفاء بني أمية بالأندلس، وأمثلهم طريقة، وأتمهم معرفة، وأمتنهم ديانة، كان يتهجد بالليل، ويقوم ليالي شهر رمضان بالنافلة مع الأئمة المرتبين لها بالمسجد الجامع، وكانت نيته في ذلك نية المخبت (٣) الورع الراغب في الخير. حكي عن بعض الفتيان الخاصة أنه كان كثير التلاوة للقرآن، متأثرا على درسه، محبا لمن حفظه، قال: وكان لا يقدم أمرا ولا يؤخره، إلا عن مشورة أهل العلم والفقه. قال أبو صالح أيوب بن سليمان: أنه كان متصرفا في فنون العلم، محققا للسان العرب، بصيرا بلغاتها وأيامها، حافظا للغريب، آخذا من الشعر

стр. 7870

بنصيب، ولم يسمع أحد مثل إنجازه إذا أمّل، ولا مثل بلاغته إذا [تمثّل] (١)، وكان على كمال فضائله مسرعا إلى سفك الدماء، حتى من ولديه وأخويه، وخاصة صحبه. وتوفي في مستهل شهر ربيع الأول سنة ثلاث مائة، لبث منها خليفة خمسا وعشرين سنة ونصف. ١٢٠ - دولة ابن ابنه عبد الرّحمن بن محمّد بن عبد اللّه بن محمّد النّاصر ولي بعد جده (٢)، ووطئ أسارير مهده، ووافق زمانه زمان المقتدر،

стр. 7871

وقد [ص ٣٢٣] ضعفت الخلافة ببغداد، ووهت قواها، ووهنت الدولة العباسية، حتى طمع فيها من سواها، فابرز عبد الرحمن ما عنده وباح، ومال علوه وكشف الغطاء واستراح، وأظهر التسمية بالخلافة، وسمي بأمير المؤمنين، وهو أول من تسمّى في الأندلس بها، وسما بالتحلي بلقبها، وكان رجل حزم، ورجل عزم، وبارق مضاء، وسابق قضاء، وبطل إقدام، وعطل مقدام، وسيف جلاد، وطيف رعب تجنه ضمائر بلاد، فلهذا قدح لهذا الرأي زنده، وفتح الباب لمن جاء بعده، ولم يكن في سباقه (١) من كشف هذا الغطاء، ولا كف عن ذروة السرير هذا الامتطاء، وإنما كان الواحد منهم، وإن عظم شأنه، وكرم سلطانه، لا يزيد في التسمية على الأمير، ولا يريد أكثر من هذا الخطاب المميز حتى اتخذها هذا الناصر عبد الرحمن عليه معلما، وأنطق بها لسانا وقلما، وسيرها في الآفاق كلما، وصيرها في الأندلس شبيهة بالعراق معلما (٢). وقد ترجم له صاحب المقتبس وقال: ذكر الدلالة على عظم شأن الخليفة الناصر في سلطانه، وإجرائه إلى الإيفاء على من تقدمه من الخلفاء، وجده في جمع الأموال وبذله لها في ابتغاء دول الآمال وتوسعه في إنجاب طبقات الرجال، وانتقائه منهم لجلة الوزراء المشاركين في الحال، وقسره لعويص الأشياء، وتفخيمه لصنائع البناء، وشد الفروج دون الأعداء، وتوقله لقلل الاعتداء، وكان لا يهيب خطرا يركبه، ولا يستكثر شيئا يهبه، وبنى المباني العجيبة، والمنارة البديعة، وشيد الخلافة بقرطبة، وعمل الناعورة (٣) المحكمة الصنعة المضروب بها المثل، والبيضاء والزهراء وغير ذلك مما ذكره، وفي ميزة هذه الناعورة قال أبو نهمان

стр. 7872

عبيد الله بن يحيى: [الطويل] تبؤّأ بين الحزن والسهل منزلا … بأفيح فضفاض البساط على النهر تصعّد في ساحته الخضر ماؤه … تصعد أنفاس المتيّم بالذكر [ص ٣٢٤] ترقّى بها في الجو ثم تعيده … إلى مستقر الأرض ناعورة تجري تردد تغريد الطيور وتارة … ترجع ترجيع الأهازيج في الزمر وكان ممدحا، فمما قال فيه أبو عثمان هذا، وقد رآه في موقف حرب، أبان فيه قمرا من وجهه يغطي ضوء القمر ويخفيه: [الكامل] أغمامة بين البوارق تهمع … أم شارق وسط الكتائب يلمع أم غرّة القمر المنير يحفها … زهر النجوم أم الهصور الأروع لا بل هو الملك الذي في درعه … ونجاده هذي الصفات الأربع وتوفي الناصر عبد الرحمن في شهر رمضان سنة خمسين وثلاث مائة. ١٢١ - دولة ابنه الحكم المستنصر بن عبد الرّحمن النّاصر أبي العاص (١)، وهو الحكم العادل، والعلم الذي لا تطاوله الجنادل، والكرم

стр. 7873

الذي لا يصغي إلى قول العاذل، ولا يبغي طاقة الباذل، ونطق منذ كان صبيا بالحكم، وصدّق فكان في بيته يؤتى الحكم (١)، ونفقت في أيامه سوق الفضائل، ووثقت بأنعامه الطآيل [كذا]، ولم يكن فيه عيب إلا قصر أيامه، وقصور مدته عن مرامه، وأهل الأندلس تعده من أصلح خلفائها، وأرجح أهل وفائه بها، ولم يكن من أهل الفضل إلا من يزدلف إليه بما لديه، ويقرب كرمه السابغ عليه من يديه، وكان الناظر لا يكاد يرى إلا عالما ومعلما، أو مقدما أو متقدما، وما بقي من رعاياه إلا من رعاه حرمه، ودعاه كرمه، فلم يدع منهم إلا راضيا عن زمانه، أو قاضيا له منه بأمانه، ثم ما زال مزيدا في الصلاح، ومتجددا به عموم الفلاح، حتى أتاه اليقين، وأراه موضعه في أماكن المتقين، وأجرى مرة خيله للسباق، فأحرز قصباته، وغبر في وجوه السباق، فقال محمد بن حسين الطبني: (٢) [الرجز] أعارض عجلان في البحر خفق … أم نفس الريح تجاري واستبق [ص ٣٢٥]

стр. 7874

أم الجياد أحضرت بلا عنق … تطلب عند البعد ثارا بحنق وطارت الحصباء عنهن فلق … وثار مجموع الغبار وافترق يرفع ثوب الصدع من ثوب الغسق … لو خطرت على لياه لاحترق (١) من لهب الشدّ وحر المنطلق … حتى إذا ما سكبت ماء العرق وسرن سير الطير ينفضن اللثق … قد بلغت من زيد أسنى البلق (٢) وانغمس الأدهم في لون نهق … كالورق المنسوج أمثال الورق (٣) وماح منهن اللواء والتصق … وازدحمت فيه عليهن الحدق (٤) من زمن لو سابق الريح سبق … طرف كلحظ الطّرف أوهى فرتق أو لحظة البرق مع الريح برق … أو خطفة الجني للسمع استرق أو سرعة الطيف إذا الطيف طرق … من نازح يعدي الكرى على الأرق لعبشمي كان بالسبق أحق … كأنما غرته نور الفلق نواله في الناس فيض ودفق … ممسكه من كل نفس برمق للمرتجي أمن وللمال فرق … وبأسه أشبه شئ بالصعق إذا تدافعن الرماح والدرق … كأنما ماذيه إذا نطق يبثّ في الناس أفانين العبق … مستنصر بالله يرعى من خلق لخيله فضل على الخيل نسق … كفضل ما بين الملوك والسوق وحكى صاحب المقتبس عن المستنصر هذا سعادة فيما يطلبه من الأمور، وما عقد له به لواء الظفر والتأييد، وأنشد كثيرا مما مدح به في وقائعه التي كان له

стр. 7875

فيها الغلب، وبان لأعين النظارة له فيها حسن المنقلب، فمنها قول محمد بن المحاسن: [الطويل] أقمت حدود الله حتى تحددت … معالمه فينا وأشرق نورها وألبست دنياك شبابا وبهجة … فراق جمالا سوؤها وسرورها نهجت لغاويها الطريق فلم يحد … ولا ضلّ أعماها فكيف بصيرها [ص ٣٢٦] وجرّدت سيف الحقّ في كلّ بدعة … تعفّي على آثارها وتبيرها وثقنا مذ استنصرت بالله إنه … نصيرك مما تتّقي ونصيرها عن الله ترمي فهو عنك مدافع … ودائرة السوء على من يديرها ومنها قول سعيد بن عبد الملك: [الطويل] إمام جلا عن أرضنا الظلم عدله … فعاد إلى معناه من كان جاليا إذا ما بدا يوما لعين فقد رأت … به كلّ شئ تملأ العين باديا من العبشميين الذين أكفّهم … سحائب تنسيك السحاب الغواديا لقاؤهم يغنيك إن كنت مملقا … وبشرهم يرويك إن كنت صاديا ومنها قول محمد بن شخيص: [الطويل] كأنك اليوم المعجل للعدى … بوضع الحبالى أو تشيب المراضع تواضعت كي تزداد عزّا وإنّما … يقدم عند الله عز التواضع وقمت بما أدّى عن الله أحمد … وأدّيت حقا ضائعا غير ضائع ومنها:

стр. 7876

رأى ولد الفاروق بيعة جده … فبايع تبصيرا لمن لم يبايع وقد زمّها مروان في يوم راهط … برأي لأهواء الجماعة جامع وراية شورى لو أعيدت لما دعت … لدعوته الآذان دعوى منازع ولا شاع في مصر لصحب محمد … أذى لم يكن من قبل فيها بشائع ومنها قول يوسف بن هارون الرقاشي ملمحا في بعض أغزاله، وملمحا بها لحلو مقاله، وقد أبرز للقاء جعفر المفارق لمعد صاحب أفريقية جيشا أبرقت مناصله، وبرزت سهامه، كأنها لواحظ أغيد لا تخطي مقاتله، وهو: [الكامل] ولقد عجبت لغفلة المستنصر … إذ أبرز الجيش الهمام لجعفر ولو أن من أهواه يبرز وجهه … قامت لواحظه مقام العسكر [ص ٣٢٧] وقد ذكر صاحب بلغة الظرفاء الحكم المستنصر، وأورد له شعرا ورد به منهل الشعرى، وهو قوله: [الطويل] ألسنا بني مروان كيف تبدّلت … بنا الحال أو دارت علينا الدوائر إذا ولد المولود منّا تهللت … له الأرض واهتزت إليه المنابر بويع المستنصر في رمضان سنة خمسين وثلاث مائة، ولد مستهل رجب سنة اثنتين وثلاث مائة، وتوفي في صفر سنة ست وستين وثلاث مائة، وكانت مدته نحو ست عشرة سنة، وكان أبيض طوالا، شثن اليدين جسيما وسيما، أسود العينين، أصهب عظيم اللحية، يخضب بسواد.

стр. 7877

١٢٢ - دولة ابنه هشام المؤيّد بن الحكم امتدت الأيدي لمبايعته (١)، وسنه لعشرة أعوام وغصنه ما أميطت من تمائمه الأكام، قوى عزيمة أبيه الحكم على العهد إليه النساء والخدم، فعهد إليه ثم داخله الندم، فما استحسن أن يخلع عن معطفيه ذاك الرداء، ولا أن يقطع عن المنابر من اسمه ذاك النداء، وقد كانت طوائف الشعراء عرّضت بذكر هشام لأبيه تقربا إلى خاطره، وتجنبا إليه أن لا يخرج عنه شطر مشاطره، فمنها قول محمد بن حسين الطنبي، مما يخاطب به أباه: [الكامل] حسّن به دين النبيّ محمد … وأقم به أود الزمان الأعوج لهجت ببيعته النفوس فأخذها … من أوجب الأشياء لو لم تلهج عود النبوة والخلافة عوده … فالفرع من تلك العروق الوشّج

стр. 7878

وإذا تبلّج وجه صبح مقبل … فالشمس تحت ضيائه المتبلّج هو زهرة الدنيا وباب سرورها … فاعهد وسرّ به البرية وابهج وارم المشارق باسمه فليفتحن … ما بين مصر إلى بلاد الزّنج يا ربّ بلّغه جميع رجائه … لأبي الوليد وزده ما لم يرتج (١) [ص ٣٢٨] ليدم سراج الله في هذا الورى … فضياؤه من نور [هـ] المسرّج وفيه يقول أيضا: [الكامل] وأشد بذكر أبي الوليد فشد به … مجدا هشاميا وعزّا أغبطا ما فوق بيعته مدى أمنية … فيمن تسامى في المنى وتشططا نعم الذخيرة للعزائم ينتضى … دون الخلافة والمنابر تمتطى نظرت قريش في كريم نظامها … فرأته منها في القلادة أوسطا هي بيعة الرضوان تحيي كل من … أصفى ويقبل سعيها من خلّطا اربط به الأيدي فإن قلوبنا … مكفيّة بودادها أن تربطا شرطت محبّته على أهل النّهى … ما لا يكاد موثق أن يشرطا ثم لما مات الحكم المستنصر، وبويع ابنه هشام المؤيد، لان جانبه حتى ذلّ، وكثر حلمه حتى قل، وعقد انتقامه بالعفو فحل واستقام بقدمه على منهج المسالمة، فزلّ على أنه أول من بويع بالخلافة، كان يخلط بالعسل صابه، وبالشفاء أوصابه، وفيه قال محمد بن شخيص: [الطويل] وجدنا هشاما للأئمة عاشرا … إذا كمل التسعين فالملك تاسع

стр. 7879

أتانا بتصديق الرواية مذ أتى … به أوّل الشهب الدراري رابع فسارت بأعراق النجابة إذ سرت … من الحكم المهدي فيه طبائع يحلّ به نجم على أنجم الدّجى … منيف ومن شرخ الخلافة طالع ومن فخره أن العبيد بظله … ملوك كما أن الملوك صنائع وشافع آمال البرية إنها … إلى عهده المأمول صور نوازع وكان المؤيد هشام مغلبا منذ ولي استحجب المنصور أبا عامر محمد بن عامر (١)، فحجبه وقام دونه، ثم استحجب ابنه المظفر عبد الملك بن محمد بن عامر، فسلك سبيل أبيه، ثم استحجب أخاه عبد الرحمن، وكان ثالثهما، وغزا أسابيه، وأوغل في بلاد الجلالقة، فلم يقدم ملكها على لقائه، وتحصن منه في رؤوس الجبال، ولم [ص ٣٢٩] يقدر عبد الرحمن على اتباعه لزيادة الأنهار، وكثرة الثلوج، فأثخن في البلاد التي وطئها، وخرج موقورا، فبلغه في طريقه ظهور محمد بن هشام (٢) بن عبد الجبار بن الناصر بن عبد الرحمن بقرطبة، وأخذه

стр. 7880

المؤيد أسيرا، ففرق عنه عسكره، ولم يبق إلا في خاصته، فسار إلى قرطبة ليلاقي ذلك الخطب، فخرج عسكر محمد بن هشام فقتلوه وحملوا رأسه إلى قرطبة، وطافوا به، ثم صلبوه، وكان ظهور محمد بن هشام بن عبد الجبار ومعه اثنا عشر رجلا، فبايعه الناس، وتلقب بالمهدي، وملك قرطبة، وأخذ المؤيد وتركه في محبسه حيث لا جليس سوى رجع نفسه، وقام هذا محمد بن هشام بن عبد الجبار بالأمر مستبدا لرأيه، مستمدا إلى أن قتل تلك القتلة الشنيعة، وكانت مدة استيلائه ستة عشر شهرا بزّ بها سرير الملك قهرا، ونجسه لو لم يجد له نجاء الماضيات طهرا. حكى ابن الأثير (١): أن محمد بن هشام (٢) بن عبد الجبار أخذ المؤيد وحبسه معه في القصر، ثم أخرجه وأخفاه، وأظهر أنه مات، وقد كان مات
следующие страницы →