رأى ولد الفاروق بيعة جده … فبايع تبصيرا لمن لم يبايع
وقد زمّها مروان في يوم راهط … برأي لأهواء الجماعة جامع
وراية شورى لو أعيدت لما دعت … لدعوته الآذان دعوى منازع
ولا شاع في مصر لصحب محمد … أذى لم يكن من قبل فيها بشائع
ومنها قول يوسف بن هارون الرقاشي ملمحا في بعض أغزاله، وملمحا بها لحلو مقاله، وقد أبرز للقاء جعفر المفارق لمعد صاحب أفريقية جيشا أبرقت مناصله، وبرزت سهامه، كأنها لواحظ أغيد لا تخطي مقاتله، وهو:
[الكامل]
ولقد عجبت لغفلة المستنصر … إذ أبرز الجيش الهمام لجعفر
ولو أن من أهواه يبرز وجهه … قامت لواحظه مقام العسكر [ص ٣٢٧]
وقد ذكر صاحب بلغة الظرفاء الحكم المستنصر، وأورد له شعرا ورد به منهل الشعرى، وهو قوله:
[الطويل]
ألسنا بني مروان كيف تبدّلت … بنا الحال أو دارت علينا الدوائر
إذا ولد المولود منّا تهللت … له الأرض واهتزت إليه المنابر
بويع المستنصر في رمضان سنة خمسين وثلاث مائة، ولد مستهل رجب سنة اثنتين وثلاث مائة، وتوفي في صفر سنة ست وستين وثلاث مائة، وكانت مدته نحو ست عشرة سنة، وكان أبيض طوالا، شثن اليدين جسيما وسيما، أسود العينين، أصهب عظيم اللحية، يخضب بسواد.
стр. 7877
١٢٢ - دولة ابنه هشام المؤيّد بن الحكم
امتدت الأيدي لمبايعته (١)، وسنه لعشرة أعوام وغصنه ما أميطت من تمائمه الأكام، قوى عزيمة أبيه الحكم على العهد إليه النساء والخدم، فعهد إليه ثم داخله الندم، فما استحسن أن يخلع عن معطفيه ذاك الرداء، ولا أن يقطع عن المنابر من اسمه ذاك النداء، وقد كانت طوائف الشعراء عرّضت بذكر هشام لأبيه تقربا إلى خاطره، وتجنبا إليه أن لا يخرج عنه شطر مشاطره، فمنها قول محمد بن حسين الطنبي، مما يخاطب به أباه:
[الكامل]
حسّن به دين النبيّ محمد … وأقم به أود الزمان الأعوج
لهجت ببيعته النفوس فأخذها … من أوجب الأشياء لو لم تلهج
عود النبوة والخلافة عوده … فالفرع من تلك العروق الوشّج
стр. 7878
وإذا تبلّج وجه صبح مقبل … فالشمس تحت ضيائه المتبلّج
هو زهرة الدنيا وباب سرورها … فاعهد وسرّ به البرية وابهج
وارم المشارق باسمه فليفتحن … ما بين مصر إلى بلاد الزّنج
يا ربّ بلّغه جميع رجائه … لأبي الوليد وزده ما لم يرتج (١) [ص ٣٢٨]
ليدم سراج الله في هذا الورى … فضياؤه من نور [هـ] المسرّج
وفيه يقول أيضا:
[الكامل]
وأشد بذكر أبي الوليد فشد به … مجدا هشاميا وعزّا أغبطا
ما فوق بيعته مدى أمنية … فيمن تسامى في المنى وتشططا
نعم الذخيرة للعزائم ينتضى … دون الخلافة والمنابر تمتطى
نظرت قريش في كريم نظامها … فرأته منها في القلادة أوسطا
هي بيعة الرضوان تحيي كل من … أصفى ويقبل سعيها من خلّطا
اربط به الأيدي فإن قلوبنا … مكفيّة بودادها أن تربطا
شرطت محبّته على أهل النّهى … ما لا يكاد موثق أن يشرطا
ثم لما مات الحكم المستنصر، وبويع ابنه هشام المؤيد، لان جانبه حتى ذلّ، وكثر حلمه حتى قل، وعقد انتقامه بالعفو فحل واستقام بقدمه على منهج المسالمة، فزلّ على أنه أول من بويع بالخلافة، كان يخلط بالعسل صابه، وبالشفاء أوصابه، وفيه قال محمد بن شخيص:
[الطويل]
وجدنا هشاما للأئمة عاشرا … إذا كمل التسعين فالملك تاسع
стр. 7879
أتانا بتصديق الرواية مذ أتى … به أوّل الشهب الدراري رابع
فسارت بأعراق النجابة إذ سرت … من الحكم المهدي فيه طبائع
يحلّ به نجم على أنجم الدّجى … منيف ومن شرخ الخلافة طالع
ومن فخره أن العبيد بظله … ملوك كما أن الملوك صنائع
وشافع آمال البرية إنها … إلى عهده المأمول صور نوازع
وكان المؤيد هشام مغلبا منذ ولي استحجب المنصور أبا عامر محمد بن عامر (١)، فحجبه وقام دونه، ثم استحجب ابنه المظفر عبد الملك بن محمد بن عامر، فسلك سبيل أبيه، ثم استحجب أخاه عبد الرحمن، وكان ثالثهما، وغزا أسابيه، وأوغل في بلاد الجلالقة، فلم يقدم ملكها على لقائه، وتحصن منه في رؤوس الجبال، ولم [ص ٣٢٩] يقدر عبد الرحمن على اتباعه لزيادة الأنهار، وكثرة الثلوج، فأثخن في البلاد التي وطئها، وخرج موقورا، فبلغه في طريقه ظهور محمد بن هشام (٢) بن عبد الجبار بن الناصر بن عبد الرحمن بقرطبة، وأخذه
стр. 7880
المؤيد أسيرا، ففرق عنه عسكره، ولم يبق إلا في خاصته، فسار إلى قرطبة ليلاقي ذلك الخطب، فخرج عسكر محمد بن هشام فقتلوه وحملوا رأسه إلى قرطبة، وطافوا به، ثم صلبوه، وكان ظهور محمد بن هشام بن عبد الجبار ومعه اثنا عشر رجلا، فبايعه الناس، وتلقب بالمهدي، وملك قرطبة، وأخذ المؤيد وتركه في محبسه حيث لا جليس سوى رجع نفسه، وقام هذا محمد بن هشام بن عبد الجبار بالأمر مستبدا لرأيه، مستمدا إلى أن قتل تلك القتلة الشنيعة، وكانت مدة استيلائه ستة عشر شهرا بزّ بها سرير الملك قهرا، ونجسه لو لم يجد له نجاء الماضيات طهرا.
حكى ابن الأثير (١): أن محمد بن هشام (٢) بن عبد الجبار أخذ المؤيد وحبسه معه في القصر، ثم أخرجه وأخفاه، وأظهر أنه مات، وقد كان مات
стр. 7881
إنسان نصراني يشبه المؤيد، فأبرزه للناس في شعبان، وذكر لهم أنه المؤيد، فلم يشكوا في موته، وصلوا عليه ودفنوه في مقابر المسلمين، ثم إنه أظهره على ما نذكره، وأكذب نفسه، وكانت مدة المؤيد هذه إلى أن حبس ثلاثا وثلاثين سنة وأربعة أشهر.
وخرج هشام بن سليمان بن الناصر عبد الرحمن، لأن أهل الأندلس أبغضوا ابن عبد الجبار، فأخرجوه من داره وبايعوه ولقبوه بالرشيد، في شوال سنة تسع وتسعين، واجتمعوا بظاهر قرطبة، وأحضروا ابن عبد الجبار، وترددت الرسل بينهم ليخلع ابن عبد الجبار من الملك، على أن يؤمنه وأهله، ثم إن ابن عبد الجبار جمع أصحابه، وأخذ هشاما أسيرا فقتله ابن عبد الجبار، وكان عم هشام، ثم إن سليمان بن الحكم بن سليمان بن الناصر، وهو ابن أخي هشام المقتول، خرج وتلقب بالمستعين، ثم تلقب بالظاهر، وساروا إلى النصارى فأنجدوهم، وساروا معهم إلى قرطبة، فاقتتل هو وابن عبد الجبار بقنتيج (١) وهي الوقعة المشهورة عزوا إليها، وقتل [ص ٣٣٠] ما لا يحصى، فانهزم ابن عبد الجبار، وتحصن بقصر قرطبة، ودخل سليمان القصر، وبايعه الناس بالخلافة في شوال سنة أربع مائة، وبقي بقرطبة أياما وكان عدة القتلى بقنتيج نحو خمسة وثلاثين ألفا، ثم لما أخفى ابن عبد الجبار سار سرا إلى طليطلة، وأتاه واضح العامري في أصحابه، وجمع لهم النصارى وسار بهم إلى قرطبة، فخرج إليهم سليمان، فالتقوا بقرب عقبة الورق، واقتتلوا أشد قتال، فانهزم سليمان ومن معه منتصف شوال سنة أربع مائة. ومضى سليمان إلى شاطبة ودخل ابن عبد الجبار قرطبة، وجدد البيعة لنفسه، وجعل الحجابة لواضح، وتصرف بالاختيار.
стр. 7882
ثم إن جماعة من الفتيان العامرية، منهم عنبر وعمرون وغيرهما كانوا مسلمين، فأرسلوا إلى [ابن] عبد الجبار يطلبون قبول طاعتهم، وأن يجعلهم في جملة رجاله، فأجابهم إلى ذلك، وإنما فعلوا هذا مكيدة به ليقتلوه، فلما دخلوا قرطبة واستمالوا واضحا، فأجابهم، فلما كان تاسع ذي الحجة سنة أربع مائة اجتمعوا بالقصر فملكوه وأخذوا ابن عبد الجبار أسيرا، وأخرجوا المؤيد من محبسه، وأجلسوه في صدر مجلسه، وبايعوه بالخلافة بيعة ثانية، وتابعوه سرا وعلانية، وأحضروا ابن عبد الجبار بين يديه، فعدد ذنوبه عليه، ثم قتله وطيف برأسه في قرطبة، وكان عمره ثلاثا وثلاثين سنة.
قلت: وهذه الأخبار شرطها كان أن تذكر مفصلة، وقد ذكرناها الآن مجملة، لتعلق بعضها ببعض، وسأذكر ما تخلل في أنباء دولة هشام المؤيد بتراجم مفردة، ثم ألمّ بذكر هشام المؤيد ثانيا، حيث عادت دولته، وأنبهت إليه في الملك ثانيا نوبته.
حكى ابن الأثير في حوادث سنة أربع مائة، وقد ذكر عود هشام المؤيد ما معناه: وكان عوده تاسع ذي الحجة، وكان الحكم في دولته إلى واضح العامري، وأدخل إليه أهل قرطبة، فوعدهم ومناهم، وكتب إلى بربر سليمان بن الحكم، ودعاهم إلى الطاعة فلم يجيبوه، فأمر بالاحتياط، ثم شعر بأن نفرا من الأمويين، قد اجتمعوا فركب هشام إليهم، فعاد البربر واستنجدوا بملك الفرنج، فأرسل يعلم هشاما بذلك ويستنزله [ص ٣٣١] عن حصون تجاوره، ففعل، فيئس البربر من إنجاد الفرنج، فنزلوا قرب قرطبة، وجعلت خيلهم تغير يمينا وشمالا، فعمل هشام على قرطبة أمام السور الكبير سورا وخندقا، ثم نازل سليمان قرطبة، ثم الزهراء، فسلمه بعض الحفظة باب الزهراء (١)، فملكها، واشتد الأمر بقرطبة، وظهر في
стр. 7883
هذه المدة بطليطلة عبيد الله بن محمد بن عبد الجبار، وبايعه أهلها، فسير إليهم هشام جيشا، فعادوا إلى الطاعة، وأخذ عبيد الله، وقتل في شعبان سنة إحدى وأربع مائة، ثم قاتل هشام البربر، فقتل منهم أمما، وغرّق في النهر مثلهم، فرحلوا إلى أشبيلية، فجهز هشام جيشا فحماها، فسارت البربر إلى قلعة رباح (١)، فملكوها وغنموا ما فيها، واتخذوها دارا، ثم عادوا إلى قرطبة فحضروها وملكوها، ودخلها سليمان بن الحكم عنوة، وأخرج هشام من القصر، وحمل إلى سليمان في منتصف شوال سنة ثلاث وأربع مائة. وبويع سليمان، ثم جرت لهشام المؤيد معه قصص طويلة، ثم خرج إلى شرق الأندلس، فكان آخر خبره ونهاية أمره، ثم عمّى الخفاء على أثره، وها أنا أذكر:
١٢٣ - دولة محمّد المهديّ بن هشام بن عبد الجبّار بن عبد الرّحمن النّاصر
المتخللة لدولة المؤيد هشام (٢)، المخلة بشروط الوفاء والذمام، قد كدنا نأتي على المقصود منها في تلك الترجمة، ونجلي بصباح البيان أمورها المظلمة، كان هذا محمد المهدي خفيف العقل طائش الرأي، لا يتمسك بدين، ولا يتنسك كالمهتدين. قال ابن الأثير عنه ما معناه: إنه اتخذ النبيذ في بيته، حتى سمّي نبّاذا، وتصرمت أيامه وهو على هذا، وابتز الملك، وما هني بملبسه، ولا هيء له إلا المأ ثم ليلة عرسه، وبما تقدم اكتفاء لمن أراد الوقوف على خبره، وجلاء البصيرة من لم يره حقيقة ببصره، وكان خليقا أن لا يذكر مستقلا، ولا يذكر إلا في بعض حوادث دولة هشام، بل لا، وأما ما كان بعد هشام المؤيد
стр. 7884
فسأذكره بمشيئة الله تعالى، فأقول: [ص ٣٣٢]
١٢٤ - دولة سليمان بن الحكم المستنصر بن عبد الرّحمن النّاصر
قد قدمنا ما كان (١) بينه وبين هشام من نوب الأيام، ثم لما كانت له هذه الكرة، ودانت له قرطبة هذه المرة، وهي ولايته الثانية، وإيالته الدانية، تلقب بالمستعين، وتغلب بعد ما غلب بعد حين، وكانت ولايته هذه منتصف شوال سنة ثلاث وأربع مائة، وبايعه الناس بيعة عنوة لا عناية، وخافوا تبعة السيف، تصريحا لا كناية، وكان أديبا خطيبا شاعرا، فاتكا باتكا داعرا، خرج إليه أهل قرطبة للسلام عليه، فلما مثلوا لديه، ابتدأ مميلا، وأنشد متمثلا: (٢)
[الطويل]
إذا ما رأوني طالعا من ثنية … يقولون من هذا وقد عرفوني
يقولون لي أهلا وسهلا ومرحبا … ولو ظفروا بي ساعة قتلوني
стр. 7885
ثم تمت له المبايعة، وانقادت له أهل قرطبة بأنفس طائعة، ونخوة أحماها ما كانت بالكف قانعة، وبالصغار تحت غاء الذل مصانعة.
وقد حكى صاحب بلغة الرفاء أنه تلقب أولا بالمستعين، ثم تلقب بالظافر بحول الله، وأنشد قول هارون الرشيد ﵀:
[الكامل]
ملك الثلاث الآنسات عناني … وحللن من قلبي بكل مكان
ما لي تطاوعني البرية كلها … وأطيعهن وهن في عصياني
ما ذاك إلا أن سلطان الهوى … وبه قوين أعز من سلطاني
فقال سليمان المستعين:
عجبا يهاب الليث حدّ سنان … وأهاب لحظ فواتر الأجفان
وأقارع الأهوال لا متهيبا … منها سوى الإعراض والهجران
وتملكت نفسي ثلاث كالدّمى … زهر الوجوه نواعم الأبدان
ككواكب الظلماء لحن لناظر … من فوق أغصان على كثبان
هذي الهلال وتلك بنت المشتري … حسنا وهذي أخت غصن البان [ص ٣٣٣]
حاكمت فيهن السلوّ إلى الصبى … فقضى لسلطان على سلطاني
فأبحن من قلبي الحمى وثنينني … عن عز ملكي كالأسير العاني
لا تعذلوا ملكا تذلل في الهوى … ذلّ الهوى عز وملك ثان
إن لم أطع فيهن سلطان الهوى … كلفا بهنّ فلست من مروان
قلت: وخلا المستعين هذا يوما بلذاته، واقتصر على لداته، وقد برز الجو في ممسك طرازه قوس قزح، والنور قد قلد جنده من لؤلؤ الطل سبح، وقد مد الغمام ستارة طرزت رفرفها البروق، وطرفت جانبي يومها كؤوس الصبوح
стр. 7886
والغبوق، ثم وافى الليل فصدم جيشه كتائب تلك السحائب فمزقها، ولطم بحره أفواج تلك الأمواج ففرقها (١)، وتوقدت لوامع النجوم للاقتباس، ولاح الهلال كأنه سطر طوق في جيد زرقاء اللباس، فقال:
[الكامل]
عرّى النهار الليل ملبس دجنة … وغزا غمائمه بجيش مقبل
عجبا له من سيف يوم مذهب … لولا الظلام يدوسه لم ينجل
أو ما ترى زهر النجوم كأنّها … هي والهلال أسنّة في قسطل
قال ابن الأثير ما ملخصه: إن خيران (٢) العامري لم يكن راضيا بولاية سليمان بن الحكم، لأنه كان من أصحاب هشام المؤيد، فلما ملك انهزم، وكاتب له كاتبه، ثم أتى شرق الأندلس، فكثر به جمعه وقاتل البربر، وملك المرية (٣)، وتراسل هو وعلي بن حمود العلوي صاحب سبتة (٤)، ووافقه على أن المؤيد كان قد عهد إليه، ودعا له بولاية العهد، فعبر علي بن حمود إليه، وأتى
стр. 7887
مالقة (١) فسلمها إليه عامر بن فتوح، ثم سار خيران إليه، وتلاقيا بالمثلث سنة ست وأربعمائة، وبايعوا علي بن حمود على طاعة المؤيد هشام الأموي، فلما بلغوا غرناطة (٢)، وافقهم أميرها وساروا إلى قرطبة، فخرج [ص ٣٣٤] إليهم سليمان بالبربر، فالتقوا واقتتلوا، فانهزم سليمان فأخذ أسيرا، فحمل إلى ابن حمود، ودخل ابن حمود قرطبة في المحرم سنة سبع وأربع مائة، وداروا القصور طمعا أن يكون بها المؤيد فلم يجدوه، ورأوا قبرا منبوشا وجدوا به جثة ميت، قالوا إنه المؤيد، ولم يكن به، إنما قالوه خوفا من علي بن حمود، لأنه طمع بالاستقلال، فأخذ ابن حمود سليمان بن الحكم فقتله، واستولى ابن حمود على قرطبة، وبدّلت الخلافة الأموية بالخلافة العلوية (٣)، على ما ذكر في مكانه، ثم أنّه تنكر لخيران، فتنكر له خيران، وأظهر عليه الخلاف، وأرسل يسأل عن بني أمية، فدلّ على عبد الرحمن بن عبد الملك بن عبد الرحمن الناصر، وكان قد خرج إلى حبّان، وكان أصلح بني أمية، فبايعه خيران ولقبه المرتضى، وراسل شرفاء قرطبة (٤) والثغر الأعلى وشاطبة (٥) وبلنسية وطرطوشة (٦)،
стр. 7888
فأجابوا إلى بيعته، ثم ساروا إلى صنهاجة على قصد غرناطة، وحصل من المرتضى إعراض عن خيران، فتخلى عنه، وانجلى حصارهم لغرناطة عن هزيمتهم، وقتل المرتضى، ثم استقل علي بن حمود، ثم أخوه القاسم، ثم يحيى بن علي ابن حمود، ثم عادت دولة بني أمية على ما نذكره، فكان أولها بعد الدولة العلوية:
١٢٥ - دولة المستظهر عبد الرّحمن بن هشام
ابن عبد الجبار (١) بن عبد الرحمن الناصر، أبي المطرف، وكان سبب ملكه ما قدمناه، وموجب تقديمه التيمن بسناه، وحب أهل قرطبة لبني أمية، الحب الذي تمكن في حشاهم وملأهم به شغفا وحشاهم، فلما غشيهم موج الفتنة وغشّاهم، وأرحل [ص ٣٣٥] ذلا فوارسهم ومشّاهم، صافحوا بالبيعة يمناه، ونافحوا من حال دون ما تمناه، هوى أمويا علقوه، وجوى خفيا عاهدوا الله عليه لو صدقوه.
بويع في شهر رمضان سنة أربع عشرة وأربع مائة، وعمره اثنتان وعشرون سنة، واختان القدر ملكه وما مكنه، وأظن الأدب أدركه بحرفته، وأملكه بذنب معرفته، لأنه كان شاعرا مجيدا رقيق الطبع، لا تبلى بأيدي من دموعه الربع، ولم تتم ولايته، ولم تقم للخلافة حوايته، وكانت مدته شهرا واحدا وسبعة عشر
стр. 7889
يوما، ثم قتل، ورد عهده بعد أن قتل، وكانت جالبة حمامه، وخالبة روحه باعتلاق سمامه، جهالة أركبه الشيطان غرورها، وأكسبه محذورها، وكان السبب أنه أخذ جماعة من أعيان قرطبة فسجنهم لميلهم إلى سليمان بن المرتضى عبد الرحمن بن محمد بن عبد الملك بن عبد الرحمن الناصر، وأخذ أموالهم، فسعوا عليه من السجن، وصدعوا حباله مزقا كالعهن، وألّبوا الناس عليه، وتأهبوا لاستلال روحه من جنبيه، فأهانهم صاحب شرطته فأهين، وجرّع كأس ردائه في الحين، وكان ممن وافقهم على فعلتهم وواثقهم على مثل مثلتهم أبو عبد الرحمن محمد بن عبد الرحمن الأموي، في جماعة كثيرة، وطاعة جعلت إلى الأمر مصيره.
وكان أبيض أشقر أعين العين شثن الكفين رحب الصدر.
١٢٦ - دولة محمّد بن عبيد اللّه بن عبد الرّحمن النّاصر
أبي عبد الرحمن المستكفي (١)، ولم يكن من رجال بيته في شئ من الأشياء، ولا كان إلا ميتا في صورة الأحياء، لعدم ضرامه، وعظم خمود
стр. 7890
لشهامه [ص ٣٣٦] كأنه ما مر مروان من أمامه (١)، ولا قدم عبد الرحمن الداخل قدامه، ولا عدّ من هذا البيت هشامه، عدا عبد الملك فعلا ومعاوية فضلا، وكان همّه فرجه وبطنه، وعزمه عينه وأذنه، لا يفكر في شئ إلا ما يهمه، ولا يلم إلا بما لا يفارقه ملمه، إلا أنه ممن أقامه الحظ السابق على من تقدمه، حتى تأخر لامتداد الأجل وقدمه.
بويع في ذي القعدة سنة أربع عشرة وأربع مائة، وبقي سنة وأربعة أشهر وأياما، ثم خلعوه خلع الحذاء، ودفعوه دفع الذباب عن الغداء، فخرج في جماعة ممن حفظ عهده المضاع، ولحظ وده ملاحظة الطفل لأيام الرضاع، فأتى بهم مدينة سالم (٢)، وأقام بها غير مسلّم ولا مسالم، فضجر منه بعض أصحابه ممن هجر، أو أن اتساع رحابه فعمد إلى دجاجة فحمى فشواها، وعمل فيها سمّا رمى بها مهجته فأصاب شواها، فأراح الدنيا من تخلفه وخفف أثقالها بما كانت تحمله من تكلفه.
وكانت وفاته في ربيع الآخر سنة سبع وأربع مائة، وكان ربعة أشقر أزرق مدور الوجه ضخم الجسم، قارب في العمر الخمسين سنة، ثم أقيمت الدعوة ليحيى بن علي بن حمود، ثم آل أمره إلى أن قطعت دعوته، ومنعت أن تستجاب لها دعوته، ثم أعيدت الدولة أموية، وحمدت (٣) عهودها المذكورة بسحب الدموع الروية، وها أنا أذكرها فأقول:
стр. 7891
١٢٧ - دولة هشام بن محمّد بن عبد الملك بن عبد الرّحمن النّاصر
أبي بكر (١)، قام بنصرة أبي الحزم جهور (٢)، وقام بالحزم وما تهور، راسل أهل الثغور المتغلبين فوافقوه، ورأوا رأيه وما واقفوه، [ص ٣٣٧] وكتبوا ببيعتهم إلى هشام بن محمد، وكان مقيما ببعض الثغور منذ قتل أخوه الرضى، وقيل: قد أغمد سيفه المنتضى، ثم أصفقت أيدي الناس ببيعته، وصانت عهده المحفوظ
стр. 7892
من ضيعته، ولقّب بالمعتمد، وكان أسنّ من أخيه المرتضى، وأشد منه في كل مقتضى، فنهض إلى الثغور، وطلع فيها نجمه لا يغور، وجرت له فيها فانعقدت بالسماء عنان عجاجتها، وعلقت في مجرى الأسماء بنان مجاجتها، وقوي هنالك هيج الاضطراب، وأخذ موج السيوف في الضراب، ثم ساروا إلى قرطبة وسالوا في تلك الشعاب، سيلان جيش قحطبة، فأتاها مثل أوله، ووافاها حالا في صدر منزله، وأقام منذ بويع نحو خمسين سنة، حتى خلع رداؤه، وقطع عن مسامع المنابر نداؤه، وكان موجب النقمة عليه سوء تدبير وزيره أبي العاص سعيد لأنه أخذ أموال التجار وأعطاه البربر، فنفرت خواطر أهل قرطبة لهذا وأنكروه، ووضعوا عليه أناسا قتلوه، ثم خلعوا هشاما، ونبذ عهده فريق منهم، واتخذ عهده الوثيق ما رفعه قلم التكليف عنهم، وقام ابنه عبد الرحمن بن هشام في جماعة من الأحداث فتسوروا القصر، وعلوا شرفاته، وتصوروا له أمرا أدركه وفاته، وبايعه كثير من سواد الناس، ونهض بهم، فما قام منهم جسد بلا رأس، فقال له بعض أهل قرطبة: نخشى عليك أن تقتل في هذه الفتنة، فإن السعادة قد ولّت عنكم، فقال: بايعوني اليوم واقتلوني غدا، فأنفذ أعيان قرطبة إليه وإلى ابنه المعتمد بالخروج عن قرطبة، فأودع المعتمد أهله، وخرج إلى حصن ابن الشوب، فاعتقلوه، ثم أخرجوه [ص ٣٣٨] إلى حصن آخر فحبسوه فيه، فتحيّل للخروج حتى خرج منه ليلا، [وولج والخمول يسحب عليه ذيلا] (١) وسار إلى سليمان بن هود (٢)، وبقي عنده حتى مات في صفر سنة ثمان
стр. 7893
وعشرين وأربع مائة، ودفن في ناحية لاردة (١)، وسكن بها صوت سحبه الراعدة، وماتت دولة بني أمية في الأندلس وسائر أقطار الأرض بموته، وخمد حسها بخمود صوته، فسبحان الحي الباقي وكل شئ هالك، الملك الدائم ملكه، بعد ذهاب [ما] ملكه الملوك، والممالك تعوذ به، وتتوكل عليه، ونسأله من خير ما لديه، إنه لا حول ولا قوة إلا به.
وقال ابن بسام وقد ذكر قصر مدة المستظهر عبد الرحمن الذي تقدم ذكره:
لم تنشر له فيها طاعة، ولا تتامت جماعة، وكان على حدوث سنه ذكيا يقظا لبيبا أديبا حسن الكلام حاد (٢) القريحة، يتصرف فيما شاء من الخطاب بذهنه ورويته، ويصوغ قطعا من الشعر مستجادة، بطهارة أثواب وعفة وبراءة من شرب النبيذ سرا وعلانية، وكان نسيج وحده، وبه ختم فضلا أهل بيته الناصريين.
ومن شعره:
[مجزوء الرمل]
طال عمر الليل عندي … مذ تولعت بصدّ
يا غزالا نقض الود … د ولم يوف بعهد
أنسيت العهد إذ بت … نا على مفرش ورد
واجتمعنا في وشاح … وانتظمنا نظم عقد
وتعانقنا كغصني … ن وقدّانا كقدّ
стр. 7894
ونجوم الليل تحكي … ذهبا في لازورد
قال محقق الجزء الرابع والعشرين:
انتهى هذا السفر، ويبدو أن هناك صفحة أو صفحات ناقصات بدليل أن نهاية هذه الصفح رقم ٣٣٨ في آخرها تعقيبة الصفحة التي تليها وهي قوله بداية الصفة المفقودة: [وقد تقدم] ولذلك لا يعرف اسم الناسخ ولا تاريخ النسخ.
стр. 7895
السفر السادس والعشرون: تاريخ العالم الإسلامي في العصر العباسي
المحقق: د. حمزة أحمد عباس
стр. 7896
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
هذا الكتاب
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسّلام على سيدنا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:
فهذا هو السفر السادس والعشرون من كتاب «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لشهاب الدين أحمد بن يحيى بن فضل الله العمري الدمشقي المتوفى بها سنة ٧٤٩ هـ/ ١٣٤٩ م، وهو عبارة عن تاريخ للعالم الإسلامي عن الفترة الواقعة ما بين سنتي ١٦١ - ٥٤٠ هـ/ ٧٧٧ - ١١٤٥ م من عمر الدولة العباسية وهي فترة حملت في دفتها الأولى كل ما يليق بدولة فتية ناهضة من عناصر القوة والغلبة حد القهر، وفي الثانية كل ما يليق بدولة معتلة شائخة من عوامل الضعف والتفكك حد الانهيار (١).
_________
(١): سوف يطالع القارئ في هذه المرحلة فوضى من الدول والممالك والطوائف المتناحرة، فتنا وحروبا وثورات يصطلي بنارها الخلائق، مدنا يطويها الخراب وترهق وجوهها الدماء، ملوكا وأمراء يتنافسون الدنيا فيقتل الواحد منهم أباه وعمه وأخاه، مؤامرات ودسائس لا يعفى من عارها وشنارها كبير ولا صغير، وفوق هذا كله: خلفاء عاجزون، لا يتجاوز سلطانهم مواطئ أقدامهم، هذا إن أبقت لهم الأيام مواطئ أقدام، نعم هذا (المستعين بالله):
خليفة في قفص … بين وصيف وبغا
يقول ما قالا له … كما تقول الببغا
وذاك (المعتز بالله) يجرّ من دار الخلافة برجله، ويضرب بالدبابيس ثم يطرح في الشمس … والأتراك يلطمون وجهه ويقولون له: اخلع نفسك، ثم يحضرون القاضي والشهود فيخلعونه ويسلمونه إلى من يعذبه حتى يموت!
وآخر (المهتدي بالله) يمسك، ويسأل خلع نفسه من الخلافة فيأبى، فلم تزل الأتراك تهرس خصيتيه حتى مات! =
стр. 7897
وقد واصل العمري في هذا السفر اتكاءه على تاريخ أبي الفداء الشهير «المختصر في أخبار البشر» بعد أن توقف في النقل منه في السفر الخامس والعشرين عند سنة ١٦٠ هـ، لدرجة يمكن معها القول بأنّ التاريخ الذي بين أيدينا إنما هو في الأصل إحدى نسخ «المختصر» (١)، وأنّ مهمة العمري قد انحصرت في تغيير العنوان، واستصفاء الحوادث والأخبار من هذه النسخة واستبعاد ما سواهما من السياق، وبخاصة كل ما يدخل في باب الوفيات، وتحديدا: وفيات العلماء والفقهاء والعباد والزهاد والأدباء والشعراء والوزراء (٢)، كما يحدونا اعتقاد كبير
_________
= وآخر (المعتمد على الله) ليس له في الخلافة حلّ ولا ربط، وقال هو عن نفسه:
أليس من العجائب أنّ مثلي … يرى ما قلّ ممتنعا عليه
وتؤخذ باسمه الدنيا جميعا … وما من ذاك شيء في يديه
إليه تحمل الأموال طرّا … ويمنع بعض ما يجبى إليه
وقال أيضا:
أصبحت لا أملك دفعا لما … أسام من خسف ومن ذلّة
تمضي أمور الناس دوني ولا … يشعرني في ذكرها قلّتي
إذا اشتهيت الشيء ولوا به … عني وقالوا: ههنا علّتي
أما كيف كانت خاتمة أمره؟ فقيل: إنه سمّ! وقيل: بل نام فغمّ في بساط!
هذا، فضلا على من قتل وهو في مجلس شرابه (المتوكل على الله)!
أو من تمالأ منهم على قتل والده (المنتصر بالله بن المتوكل على الله)!
أو من قتل (ابن المعتز) ليوم وليلة، وقيل: لنصف يوم من خلافته!
أو من خلع وسملت عيناه وحبس إلى أن مات (القاهر، والمتقي، والمستكفي!). إلى ما هنالك من «الفضائح» التي تضيق عنها العبارة - ﴿وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اَللّهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ فَإِنَّ اَللّهَ شَدِيدُ اَلْعِقابِ﴾ [سورة البقرة - الآية: ٢١١].
(١): قارن بهذا الخصوص بالجزء الثاني (ص ٨ - ٢٤٠) والجزء الثالث (ص ٢ - ١٧) من مطبوعة «المختصر».
(٢): قد يكون مرد ذلك إلى رغبة المؤلف في أن يكون كتابه هذا تاريخا خاصا بالحوادث دون التراجم أو الوفيات، أو أنه اكتفى بما أفرده لهؤلاء من الأجزاء والأسفار السابقة من موسوعة «المسالك».
стр. 7898
بأن المؤلف قد قضى دون أن يمكّن من تبييض «تاريخه» والاستقلال به عن «المختصر» تشهد بذلك أعمال الشطب الواسعة التي أجراها على صفحاته - أي صفحات «المختصر» - والتي طالت العشرات منها (١)، وذلك على خلاف السفر السابع والعشرين الذي وصل إلينا مبيضا خالصا من الشطب مع ما بين السفرين من التماثل في التعاطي مع «المختصر» (٢)، وطريقة النقل (الحرفي) منه (٣).
وإذا كان ثمة فروق ما بين نسختنا المفترضة من «المختصر»، والتي قام عليها هذا الكتاب، وبين مطبوعة «المختصر» الحالية (٤) فهي فروق طفيفة لا تخرج النسخة المذكورة من دائرة الانتساب إلى إحدى السلالات أو الأسر الخطية لهذا «التاريخ»، فقد تكون - وهذا احتمال قائم - عائدة في الأصل إلى النسخة التي استخدمها المؤلف من «المختصر» والتي ربما كانت تمثل في أيامه إحدى صور (طبعات في عصرنا) التاريخ المذكور، خاصة وأن هذه الفروق تتمثل - أكثر ما تتمثل - في مسألتي «الإخراج» أو «الشكل» مثل تناول المؤلف بعض السنوات بصورة مفردة، أو قيامه بتقسيم سنوات الكتاب إلى وحدات أو دفعات تحت
_________
(١): وهذا يعني أن النسخة التي بين أيدينا ينبغي أن تعامل معاملة نسخة المؤلف، طالما أنها وصلت إلينا على الهيئة نفسها التي كانت عليها في حياة المؤلف (سنة ٧٤٦ هـ) دونما تبييض.
(٢): المراد بالتعاطي مع «المختصر» هنا هو الاقتصار على الحوادث دون التراجم أو الوفيات كما أسلفنا آنفا.
(٣): قام السفر السابع والعشرون بدوره على سلخ «المختصر» في تغطية الفترة الواقعة ما بين سنتي ٥٤١ - ٦٩٢ هـ/ ١١٤٦ - ١٢٩٣ م، قارن بالجزء الثالث (ص ١٨ - ٢١٩) والجزء الرابع (ص ٢ - ٢٩) من مطبوعة «المختصر»، وقد عرضنا لهذه المسألة في مقدمة تحقيقنا للسفر المذكور.
(٤): قارن بطبعة الحسينية بمصر، ١٣٢٥ هـ، وهي الطبعة المشهورة والمتداولة حتى هذا التاريخ، علما بأننا لا نعرف طبيعة النسخة التي اعتمدها الناشرون، إذ من المعلوم أن طائفة جمة من كتب التراث ومن بينها «المختصر» قد نشرت في القرنين الماضيين خارج الشروط العلمية للتحقيق.
стр. 7899
عناوين مستقلة وبارزة، قد تضم الواحدة منها سنتين معا، أو ثلاث سنوات، أو ما فوقها (١)، ثم تناوله تاريخ كل سنة على حدة، أما النص - وهو المعول عليه في هذه المسألة - فقد ظل هو هو لم يمسسه أي تغير يذكر لا في مبناه ولا في معناه، بما في ذلك الإحالات التي أحال أبو الفداء بها القارئ إلى مواطن مخصوصة من «تاريخه» واحتفظ بها العمري لنفسه، سواء ما كان منها متصلا بسياق هذا الكتاب (٢)، أو خارجا عن دفتيه إلى سنوات وحقب أخرى، مثل قوله بعد أن ساق نسب بويه: «وباقي النسب إلى أزدشير بن بابك قد تقدم في أخبار ملوك الفرس»، (٣)
أو قوله بعد تسليم السلطان ملك شاه قلعة جعبر لسالم بن مالك بن بدران العقيلي:
«فبقيت بيده ويد أولاده إلى أن أخذها منهم نور الدين محمود على ما سنذكره» (٤).
ولعل التفسير الوحيد لهذه المسألة هو أن العمري قد وطّن نفسه من البداية على سلخ «المختصر» بكامله واصطناعه غطاء تاريخيا للممالك التي ساقها في هذه الموسوعة «المسالك» والتي كانت آنذاك تمثل معظم أمم الأرض.
_________
(١): وذلك قبل أن يعتمد المؤلف بصورة نهائية نظام العقود (تناول كل عشر سنوات على حدة) سواء فيما تبقى من هذا السفر أو السفر السابع والعشرين وهو السفر الأخير من «المسالك».
(٢): ومثل هذا كثير يضيق عن الحصر.
(٣): ص ١١٧، وأبو الفداء يحيل في مثل هذا الموضع من تاريخه (٢/ ٧٨) إلى الجزء الأول منه (ص ٥٦).
(٤): ص ٢٨٣، وأبو الفداء يحيل في مثل هذا الموضع من تاريخه (٢/ ١٩٧) إلى الجزء الثالث منه (ص ٤٤ - ٤٥) والإحالتان تتعلقان بأخبار خارج محيط هذا الكتاب، وقد أبقى عليهما العمري لسبب نراه وجيها، انظر ما يلي من السياق.
стр. 7900
أما ما يمكن أن يقال عن تقديم أو تأخير بعض الكلمات، وزيادة من هنا ونقص من هناك، أي ما يتصل ببنية النص لا بالطّلاء الخارجي له، فإن مثل هذا كثير داخل النسخ المتعددة للكتاب الواحد، وليست نسختنا بمستثناة من ذلك، إذ لا يخفى على من له دراية في التحقيق أنه كلما تعددت النسخ وتعاورتها الأقلام (أقلام النساخ أو المؤلفين أنفسهم) ازداد الفتق - صورة وأحيانا معنى - فيما بينها.
стр. 7901
منهج التحقيق
١ - وصف النسخة المعتمدة
اعتمدت في تحقيق هذا الكتاب على مصورة الأستاذ العلامة الدكتور فؤاد سزكين المأخوذة عن نسخة المكتبة السليمانية في إستانبول، رقم: ١٩١٧ (١).
تقع هذه النسخة في (٣٧٩) صفحة بما فيها صفحة العنوان، وتضم مسطرتها (١٩) سطرا، وتشتمل على السنوات (١٦١ - ٥٤٠ هـ/ ٧٧٧ - ١١٤٥ م). أما تاريخ نسخها، كما يستفاد من الصفحة الأخيرة، فيعود إلى سنة ٧٤٦ هـ/ ١٣٤٥ م، وهذا يعني أنها كتبت في حياة المؤلف، وأن المؤلف قد اطلع عليها، وهذا ما يكسبها في نظرنا أهمية خاصة.
أما الرسوم التي اتبعها الناسخ في كتابة هذه النسخة فلا تخرج في مجملها عن رسوم الكتابة المملوكية السائدة آنذاك مثل:
- إهمال همزة القطع من الأفعال والأسماء والحروف، والهمزة في وسط الكلمة، وفي آخر الكلمات الممدودة.
- إهمال الألف المتوسطة في الأسماء ذات الرسم القرآني.
- كتابة المئة ماية، والأعداد من (٣٠٠ - ٩٠٠) برسمين: موصلة (ثلاثماية) ومفصلة (أربع ماية).
- إثبات النون في العدد عشرين من أيام الشهور بالرغم من وقوعه في حالة الإضافة.
- عدم التحري التام في مسألة تذكير العدد وتأنيثه.
_________
(١): صدرت هذه المصورة عن منشورات معهد تاريخ العلوم العربية والإسلامية في جامعة فرانكفورت بألمانيا سنة ١٤٠٩ هـ/ ١٩٨٩ م.
стр. 7902
- كتابة أسماء السنوات - موضوع الكتاب - بصورة مختصرة كأن يكتفى بذكر آحادها وعشراتها دون مئاتها ما يحول أحيانا دون معرفتها بسهولة.
هذا فضلا على إهمال تنقيط الياء في الكلمات المنتهية بالياء، أو وضع النقاط في غير أماكنها الصحيحة ما أدى إلى تصحيف بعض الأسماء أو تحريفها.
***
كما اعتمدت في تحقيق الكتاب على «المختصر في أخبار البشر» بوصفه المصدر الوحيد الذي نهض عليه هذا الكتاب، واعتبرته نسخة ثانية، ورمزت له على مدار التحقيق باسم صاحبه (أبي الفداء). وقد أمكن لي عن طريق هذا «التاريخ» إصلاح العبارات المضطربة، وقراءة الكلمات الغامضة، واستدراك ما سقط من السياق.
ولا شك أن التطابق التام ما بين كتابنا و «التاريخ» المذكور قد أدى دورا بالغ الأهمية في هذه المسألة، وإن كان قد كشف في الوقت نفسه عما في أيدينا من مطبوعة «المختصر» من التصحيفات والتحريفات والأخطاء ما لا يجب السكوت عنه.
***
واعتمدت أيضا على «الكامل في التاريخ» لابن الأثير الجزري (ت ٦٣٠ هـ/ ١٢٣٣ م) بوصفه المصدر الأم لتاريخ أبي الفداء عن الحقبة - موضوع الكتاب - وغالبا ما كان يتم الاستئناس به في فهم بعض الحوادث التي أخل الاختصار الشديد من جانب أبي الفداء بتفاصيلها.
стр. 7903
٢ - خطة العمل
لا تختلف خطتنا في تحقيق هذا السفر عن سابقتها في تحقيق السفر الرابع من هذا الكتاب، طالما أن الغاية واحدة وهي إثبات ما كان ينوي المؤلف فعلا أن يقوله، كما أن خطواتنا للوصول إلى هذه الغاية تكاد تكون متطابقة في السفرين على صعيدي الشكل والمضمون.
فعلى الصعيد الأول: (١)
١ - احتفظت بالترقيم الأصلي للمخطوط، وذلك بتخصيص قوسين داخل السياق لهذا الغرض.
٢ - كتبت النص على وفق الرسم الكتابي الحديث والمتداول متداركا بذلك ما قد سلف من الرسوم، وهو ما تطلب مني تحقيق الهمز، وإثبات الألف المتوسطة في الأسماء، وحذف ألف «مائة» والفصل بينها وبين العدد، وحذف النون من العدد عشرين لدواعي الإضافة، وضبطت العدد في حالتي التذكير والتأنيث، كما كتبت أسماء السنوات كاملة بإثبات آحادها وعشراتها ومئاتها، ووضعت النقاط في أماكنها الصحيحة.
٣ - نقلت الحواشي إلى مواضعها المشار إليها في المتن ووضعتها بين حاصرتين:
[].
٤ - أصلحت المواضع التي خرج فيها النص عن أحكام الإعراب، ونبهت إليها في الهامش.
٥ - ضبطت بالشكل ما قد يستبهم على القارئ ضبطه من الأسماء والألفاظ
_________
(١): انظر أيضا ما يلي من الرموز المستعملة في التحقيق.
стр. 7904
العربية والأعجمية.
٦ - صوبت الأخطاء الكتابية التي لا يخفى صوابها على أحد، والتي لا يمكن أن تقرأ بغير الوجه الذي أثبتها عليه، ولم أر ضرورة للتنبيه إليها فهي لا تعدو أن تكون نظير الأخطاء الطباعية في وقتنا الحاضر.
٧ - أضفت إلى السياق ما احتيج إليه من حروف أو كلمات أو عناوين وميزتها من المتن بوضعها بين قوسين مكسورين: <>.
وأما على الصعيد الثاني:
١ - فقد قمت بمناظرة الحوادث والأخبار الواردة في النص بما ورد بشأنها في المصادر التاريخية، وأشرت إلى ما بين رواية المؤلف وبين هذه المصادر من فروق واختلافات، ورجحت ما رأيته منها صوابا.
وقد يكون من المفيد أن أوضح هنا أنه إذا كانت هناك بعض الأخطاء التاريخية قد أخذت حظها من التصحيح داخل المتن، فإن بعضها الآخر (١) بقي على ما هو عليه اكتفاء بالتنبيه إليه في الهامش، ذلك أن من الأخطاء ما إن لو حملنا النص على تصحيحها لتغير وجهه، واختل نسقه وبعدت الشّقة ما بينه وما بين صاحبه، ولسنا مأمورين بفعل أكثر مما فعلناه، خاصة وأن مردّنا في الحالتين إلى الحواشي التي ينبغي أن ينظر إليها في التحقيق من قبل القارئ كمكملة وشارحة للنص.
_________
(١): من ذلك على وجه الخصوص ما يتعلق بأخبار الدولة البيزنطية والحملة الصليبية الأولى، فقد أظهر التحقيق جملة من الأخطاء التي وقع فيها النص (وهو نص أبي الفداء أولا وأخيرا) سواء فيما يتصل بالترتيب الزمني لتسلسل أباطرة بيزنطة على العرش وفترات حكمهم، أو ما يتصل ببعض الحوادث التاريخية (البيزنطية والصليبية) التي قيدت في غير زمنها الحقيقي.
стр. 7905
٢ - رددت النصوص المنقولة إلى مصادرها الأصلية، ونبهت إلى طريقة المؤلف في استخدامها.
٣ - خرجت الآيات القرآنية الكريمة، والأحاديث النبوية الشريفة، وما قدرت عليه من الأشعار والبيانات الرسمية.
٤ - اقتصدت غاية الاقتصاد في تعريف أسماء الأعلام والشعوب والجماعات والأمكنة لاعتبارات تتصل بطبيعة النص، فإن أغلبية هذه الأسماء قد تقدمت في الأسفار السابقة، وتقدم معها تعريفها سواء من قبل المؤلف نفسه أو من قبل الزملاء المحققين.
٥ - قمت بوضع ملاحق تمثل القوى الكبرى التي كانت قائمة أو ظهرت خلال الفترة التي استغرقها الكتاب (١٦١ - ٥٤٠ هـ/ ٧٧٧ - ١١٤٥ م)، وهذه القوى هي:
١ - الدولة العباسية وقد أردفتها بملحق بسلاطين العراق من البويهيين والسلاجقة، نظرا لأن هؤلاء السلاطين كانوا هم المستبدين بأمور الدولة العباسية والمتحكمين - رغبة أو رهبة - في شؤونها بحيث لم تكن هذه الدولة في عهودها المتأخرة لترى إلا من خلالهم.
٢ - الدولة الأموية في الأندلس.
٣ - الدولة العبيدية (الفاطمية) في المغرب ومصر.
٤ - كما قمت بوضع ملحق بأباطرة بيزنطة إدراكا لأهمية العلاقات الإسلامية - البيزنطية والتي شكل الصدام الحربي أحد أبرز محاورها الرئيسة في مساحات مختلفة من الكتاب.
стр. 7906
ولا شك أن من شأن هذه الملاحق أن تعين القارئ على الإمساك بالوحدة الموضوعية للدول المذكورة في مواجهة المنهج الحولي (ترتيب الحوادث على السنين) الذي أخلّ بهذه الوحدة، وصيّرها إلى أجزاء وشظايا مبعثرة.
وأخيرا …
أرجو أن أكون بهذا العمل قد أحييت دارسا، وأيقظت غافيا من التراث، وبالصورة التي تحقق النفع للقراء والباحثين.
والله الموفق للصواب، وهو يهدي إلى سبيل الرشاد.
د. حمزة أحمد عباس
كاليفورنيا في غرة المحرم ١٤٢٤ هـ ٤ آذار (مارس) ٢٠٠٣ م.
стр. 7907
٣ - الرموز المستعملة في التحقيق
الأصل: السفر السادس والعشرون من نسخة المكتبة السليمانية بإستانبول، رقم: ١٩١٧
المؤلف: ابن فضل الله العمري.
(أبو الفداء ٢/ ٠٠٠): الجزء الثاني من «المختصر في أخبار البشر».
(أبو الفداء ٣/ ٠٠٠): الجزء الثالث من التاريخ المذكور.
() هذان القوسان العاديان لحصر أرقام صفحات المخطوطة.
(): هذان القوسان لحصر الآيات القرآنية الكريمة.
"": هاتان الفاصلتان المزدوجتان لحصر:
- الأحاديث النبوية الشريفة.
- النقول والاقتباسات الحرفية.
- أسماء الكتب.
: هذه النقاط تستخدم للدلالة على الصفحات التي تجاوزها المؤلف بالكامل بالشطب لتعلقها بالتراجم.
[]: هاتان الحاصرتان تستخدمان لحصر:
- ما نقل من حاشية المخطوط إلى المتن.
- ما زيد على النص من مصادر أخرى.
- ما صوب من أخطاء سواء من قبلنا، أو من مصادر أخرى.
<>: هذان القوسان المكسوران يستخدمان لحصر كل ما احتيج إليه من حروف أو كلمات أو عناوين اقتضاها السياق.
стр. 7908
٤ - نماذج مصورة عن النسخة المعتمدة في التحقيق
стр. 7909
(٢)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
ربّ يسّر
سنة إحدى وستين ومئة (¬*)
وفيها، أمر المهدي باتخاذ المصانع في طريق مكة، وبتجديد [المياه] (١) والبرك، وبحفر الركايا، وبتقصير المنابر وجعلها بقدر منبر رسول الله ﷺ .
وفيها، جعل المهدي يحيى بن خالد بن برمك مع ابنه هارون، وجعل مع موسى الهادي أبان بن صدقة.
(٣) سنة اثنتين (٢) وثلاث وستين ومئة
في سنة ثلاث وستين ومئة (¬**)، تجهز المهدي لغزو الروم، وجمع العساكر وعسكر بالبردان وسار عنها، وكان استخلف في بغداد موسى الهادي، واستصحب معه هارون الرشيد ولده الآخر، فلمّا وصل المهدي إلى حلب بلغه أن فيها زنادقة فجمعهم وقتلهم وقطع كتبهم، وسار إلى جيحان (٣)، وجهز ابنه
стр. 7910
هارون بالعسكر إلى الغزو. فتغلغل هارون في بلاد الروم، وفتح فتوحا كثيرة، ثم عاد منصورا، وفيها قتل المقنّع الخراساني واسمه عطاء، وكان من حديثه أنه كان رجلا ساحرا خيّل للناس صورة قمر يطلع ويراه الناس من مسافة شهرين، وإلى هذا القمر أشار ابن سناء الملك بقوله (١): <الطويل>
إليك فما بدر المقنّع طالعا … بأسحر من ألحاظ بدري المعمّم
وادعى المقنّع الربوبية وأطاعه جماعة كثيرة، وقال: إن الله حلّ في آدم ثم في نوح ثم في نبي بعد آخر حتى حلّ فيه، وعمر قلعة تسمى [سناما] (٢) بما وراء النهر من رستاق كيش، وتحصن بها، ثم اجتمع عليه الناس وحصروه في قلعته، فسقى نساءه سما فمتن، ثم تناول منه فمات في السنة المذكورة، أخزاه الله تعالى، فدخل المسلمون قلعته وقتلوا أشياعه.
وكان المقنّع في مبدأ أمره قصّارا من أهل مرو، وكان مشوه الخلق، (٤) أعور، قصيرا، وكان لا يسفر عن وجهه بل اتخذ له وجها من ذهب فتقنّع به.
سنة أربع وخمس وستين ومئة
في سنة أربع وستين ومئة (¬*)، مات عم المنصور عيسى بن علي وعمره ثمان وسبعون سنة، وفي سنة خمس وستين ومئة (¬**)، [أرسل (٣) المهدي ابنه هارون الرشيد إلى غزو الروم في جيش كثير. فسار حتى بلغ خليج القسطنطينية، وغنم
стр. 7911
شيئا كثيرا، وقتل في الروم وعاد].
سنة ست وسبع وستين ومئة (١)
[في سنة ست وستين ومئة (٢) (¬*)] قبض المهدي وزيره يعقوب بن داود، وحبسه، ولم يزل محبوسا إلى خلافة الرشيد فأخرجه وقد عمي، فلحق بمكة [وقد تقدم ذكره مع الوزراء] (٣).
وفي هذه السنة، أقام المهدي بريدا بين مكة والمدينة واليمن بغالا وإبلا (٥) [وفي سنة سبع وستين ومئة (٤)] (¬**) توفي عيسى بن موسى ابن أخي السفاح والمنصور، وهو الذي أوصى له السفاح بالخلافة بعد المنصور، ثم خلعه المنصور وولى ابنه المهدي.
وفي هذه السنة، زاد المهدي في المسجد الحرام ومسجد النبي ﷺ .
سنة ثمان (٥) وستين وتسع وستين ومئة
في سنة تسع وستين ومئة (¬***)، توفي المهدي محمد بن عبد الله المنصور.
стр. 7912
خلافة الهادي رابع بني العباس
وكان مقيما بجرجان يحارب أهل طبرستان فبويع له بالخلافة في عسكر المهدي في اليوم الذي مات فيه المهدي (١)، ولما وصل الرسل وعسكر المهدي إلى بغداد راجعين من ماسبذان أخذت البيعة ببغداد للهادي أيضا، وكتب الرشيد إلى الآفاق بوفاة المهدي وأخذ البيعة للهادي، ولما وصل الخبر إلى الهادي بجرجان بموت أبيه وبيعة الناس له بالخلافة سار على البريد مجدّا فدخل بغداد في عشرين يوما، واستوزر الربيع (٢).
ظهور الحسين بن علي بن الحسن بن [الحسن] (٣) ابن علي ﵃
(٦) وفي هذه السنة ظهر الحسين بمدينة الرسول ﵊، وكان معه جماعة من أهل بيته منهم: الحسن بن محمد بن الحسن بن الحسن بن علي ابن أبي طالب، وعبد الله بن إسحاق بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي، وعبد الله المذكور هو ابن عاتكة، واشتد أمر الحسين المذكور، وجرى بينه وبين عامل الهادي على المدينة، وهو عمر بن عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب قتال، وانهزم عمر وبايع الناس الحسين على كتاب الله وسنة نبيه للمرتضى من آل محمد، وأقام الحسين [هو وأصحابه] (٤) بالمدينة يتجهزون أحد عشر يوما، ثم خرجوا لستّ بقين من ذي القعدة، ووصل الحسين إلى مكة ولحق
стр. 7913
به جماعة من عبيد مكة، وكان قد حج تلك السنة جماعة من بني العباس وشيعتهم، فمنهم: سليمان بن أبي جعفر المنصور، ومحمد بن سليمان بن علي، والعباس بن محمد بن علي، وانضم إليهم من حج من شيعتهم ومواليهم وقوادهم واقتتلوا مع الحسين يوم التروية، فانهزم أصحاب الحسين، وقتل الحسين واحتزّ رأسه، [وأحضر قدام المذكورين من بني العباس] (١)، وجمع بنو العباس الحجاج [من] (١) رؤوس أصحاب الحسين [ورؤوس أهل المدينة] (١) ما يزيد عن مئة رأس وفيها رأس سليمان بن عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب، واختلط المنهزمون بالحجاج، وكان مقتلهم بموضع يقال له وج وهو عن مكة إلى جهة الطائف، ووج المذكور هو الذي ذكره النّميري (٢) في شعره، فقال (٢): <الطويل>
تضّوع مسكا بطن نعمان (٣) أن مشت … به زينب في نسوة خفرات
(٧) مررن بوجّ ثم قمن عشية … يلبّين للرحمن معتمرات
وفي قتل المذكورين بوج قول بعضهم: <مجزوء الكامل>
نزلوا بوجّ غدوة … في غير منزلة الوطن
فلأبكينّ على الحس … ين بعولة وعلى الحسن
وعلى ابن عاتكة الذي … واروه ليس له كفن
стр. 7914
وأفلت من المنهزمين إدريس بن عبد الله بن [الحسن] (١) بن الحسن بن علي ابن أبي طالب فأتى مصر وعلى بريدها واضح مولى بني العباس وكان شيعيا، فحمل إدريس المذكور على البريد إلى المغرب حتى انتهى إلى أرض طنجة، ولما بلغ الهادي ذلك ضرب عنق واضح، وبقي إدريس بتلك البلاد حتى أرسل الرشيد الشمّاخ النامي مولى السدي فاغتاله بالسّم.
ولما مات إدريس كانت [له] (٢) حظية حبلى فولدت ولدا ذكرا فسمته إدريس باسم أبيه وبقي حتى كبر واستقل بملك تلك البلاد، وحمل رأس الحسين وأصحابه إلى الهادي فأنكر الهادي عليهم حمل رأس الحسين ولم يعطهم جوائزهم غضبا عليهم. وفيها مات الربيع بن يونس حاجب المنصور ومولاه.
سنة سبعين ومئة (¬*)
(٨) وفاة الهادي
وفي هذه السنة، توفي موسى الهادي بن محمد ليلة الجمعة منتصف ربيع الأول.
خلافة الرشيد هارون بن المهدي خامس بني العباس
بويع له سنة سبعين ومئة في الليلة التي مات فيها الهادي.
وفي هذه السنة في شوال ولد الأمين محمد بن الرشيد من زبيدة، واستوزر
стр. 7915
الرشيد يحيى بن خالد، وألقى إليه مقاليد الأمم (١).
وفي هذه السنة، عزل الرشيد الثغور كلها من الجزيرة وقنسرين وجعلها حيّزا واحدا وسميت العواصم، وأمر بعمارة طرسوس (٢) على يدي فرج الخادم التركي ونزلها الناس. وفي هذه السنة، أمر عبد الرحمن الأموي المستولي على الأندلس بعمارة جامع قرطبة وكان موضعه كنيسة، وأنفق عليه مئة ألف دينار.
سنة إحدى وسبعين ومئة (¬*)
(٩) فيها، توفي عبد الرحمن الداخل بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان الأموي صاحب بلاد الأندلس، توفي بقرطبة في ربيع الآخر (٣).
سنة اثنتين (٤) وثلاث وأربع (٥) وخمس وست وسبعين ومئة
وفي سنة ثلاث وسبعين ومئة (¬**)، ماتت الخيزران أم الرشيد. وفيها، حج الرشيد وأحرم من بغداد، وفي سنة خمس وسبعين ومئة (¬***)، صار يحيى بن