وفي ربيع الآخر من سنة تسع توفي أبو العباس أحمد المعتضد (١)، ولما حضرت المعتضد الوفاة أنشد أبياتا منها (٢): <الطويل>
ولا تأمننّ الدهر إني أمنته … فلم يبق لي خلّا ولم يرع لي حقا
قتلت صناديد الرجال ولم أدع … عدوا ولم أمهل على [طغيه] (٣) خلقا
وأخليت دار الملك من كل نازع … فشردتهم غربا ومزقتهم شرقا
فلما بلغت النجم عزا ورفعة … وصارت رقاب الخلق أجمع لي رقا
رماني الردى سهما فأخمد جمرتي … فها أنا ذا في حفرتي عاجلا ألقى
حكى القاضي ابن إسحاق قال: دخلت على المعتضد وعلى رأسه أحداث روم صباح الوجوه، فأطلت النظر إليهم، فلما قمت أمرني بالقعود، فجلست، فلما تفرق الناس قال: [يا قاض] (٤) والله ما حللت سراويلي على حرام قط.
خلافة المكتفي بالله علي سابع عشر بني العباس
(٨٣) لما توفي المعتضد بايع الناس [أبا] (٥) الحسن [عليّا] (٦) وكان بالرّقة، فكتب الوزير (٧) إليه بوفاة المعتضد وأخذ البيعة له، ولما وصله الخبر أخذ البيعة على من عنده أيضا، وسار إلى بغداد فدخلها لثمان خلون من جمادى الأولى.
стр. 7982
وفيها، توفي إبراهيم بن أحمد بن محمد بن إبراهيم بن الأغلب صاحب أفريقية، وملك بعده ابنه عبد الله بن إبراهيم، ثم قتل عبد الله [آخر شعبان في سنة تسعين ومئتين] (١) وكانت سكنى عبد الله وقتله بمدينة تونس، وكان كثير العدل، حسن السيرة.
وفي سنة تسعين ومئتين (¬*)، حصرت القرامطة دمشق بعد أن هزموا جيش أميرها طغج بن جف ثم اجتمعت عليهم العساكر وقتلوا مقدمهم يحيى المعروف بالشيخ (٢)، ولما قتل مقدم القرامطة يحيى قام فيهم أخوه الحسين وتسمى بأحمد وأظهر شامة في وجهه، وزعم أنها آيته، وكثر جمعه فصالحه أهل دمشق على مال دفعوه إليه وانصرف عنهم إلى حمص فغلب عليها وخطب له على منابرها وتسمى المهدي أمير المؤمنين، وعهد إلى ابن عمه عبد الله (٣) ولقبه المدّثّر، وزعم أنه المدّثّر الذي في القرآن، ثم سار إلى حماة والمعرة فقتل أهلها حتى قتل الأطفال والنساء، وسار إلى سلمّية فأخذها بالأمان ثم قتل أهلها حتى قتل صبيان المكتب، ولما اشتد أمره خرج المكتفي من بغداد ونزل الرّقة وأرسل إليه الجيوش.
سنة إحدى وتسعين ومئتين إلى سنة خمس وتسعين ومئتين
(٨٤) ففي سنة إحدى وتسعين ومئتين (¬**)، واقعت عساكر الخليفة صاحب الشامة القرمطي على حماة لست خلون من المحرم، فانهزمت القرامطة وتبعهم العسكر يقتلونهم، وهرب صاحب الشامة ومعه ابن عمه المدّثّر وغلام له رومي
стр. 7983
فأمسكوا في البرية، وأحضروا إلى المكتفي وهو بالرّقة فسار بهم إلى بغداد وقتلهم وطيف برأس صاحب الشامة، ومن كتاب الشريف العابد أن الوقعة كانت في مكان اسمه تمنع، أقول (١): وهي قرية من بلاد المعرة على الطريق الآخذة من حماة إلى حلب.
وفي سنة اثنتين وتسعين ومئتين (¬*)، بعث المكتفي جيشا مع محمد بن سليمان فاستولى على دمشق، وسار حتى قرب من مصر وصاحبها هارون بن خمارويه، ففارقه غالب قواده ولحقوا بقواد الخليفة وخرج هارون فيمن معه وجرى بينه وبين محمد بن سليمان وقعات، ثم وقع في عسكرهم خصومة أدت إلى قتال، فركب هارون ليسكن الفتنة فزرقه بعض المغاربة بمزراق فقتله فقام مكانه عمه شيبان، وطلب الأمان من محمد بن سليمان فأمنه، ثم هرب شيبان تحت الليل فلم يوجد، واستولى محمد بن سليمان على مصر، وأمسك بني طولون وكانوا بضعة عشر رجلا، واستصفى مالهم وحملهم إلى بغداد وكتب إلى الخليفة بالفتح، وكان ذلك في صفر من هذه السنة.
وفي سنة ثلاث وتسعين ومئتين (¬**)، خرج (٨٥) بمصر خارجي يقال له الخلنجي وقويت شوكته، فسار إليه أحمد بن كيغلغ عامل دمشق فطمعت القرامطة في دمشق لغيبة عاملها وقصدوها ونهبوها ونهبوا طبرية، وساروا إلى جهة الكوفة فسير إليهم المكتفي [مؤنسا] (٢) المعتضدي فاقتتلوا وانهزم جيش
стр. 7984
الخليفة فقتل منهم خلق كثير، وغنمت القرامطة منهم شيئا كثيرا فتقووا به.
(٨٦) وفي سنة أربع وتسعين (¬*) أخذت القرامطة الحجاج بطريق مكة وقتلوهم عن آخرهم، وكانت عدة القتلى عشرين ألفا، وأخذوا منهم أموالا عظيمة، وكان كبير القرامطة زكرويه (١)، فجهز المكتفي إليهم عسكرا واقتتلوا فانهزمت القرامطة، وقتل منهم خلق كثير، وأسر زكرويه مجروحا فبقي ستة أيام ومات، وقدم العسكر برأسه إلى بغداد فطيف به.
وفي سنة خمس وتسعين ومئتين (¬**)، توفي إسماعيل بن أحمد الساماني صاحب ما وراء النهر وخراسان، وولي بعده ابنه أبو نصر أحمد، وأرسل له المكتفي التقليد.
وفيها لاثنتي عشرة [خلت] (٢) من ذي القعدة توفي المكتفي أبو الحسن علي، وقيل: أبو محمد بن المعتضد.
стр. 7985
خلافة المقتدر بالله أبي الفضل جعفر ثامن عشر بني العباس
(٨٧) وأمه أم ولد تدعى شعب، بويع بالخلافة يوم موت المكتفي، وكان عمره ثلاث عشرة سنة.
وفيها، توفي المنذر بن محمد بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل بن معاوية بن هشام الأموي صاحب الأندلس، فبويع لأخيه عبد الله بن محمد يوم موته، وذلك لثلاث عشرة بقيت من صفر.
سنة ست وتسعين ومئتين إلى سنة ثلاث مئة (١)
في سنة ست وتسعين ومئتين (¬*)، خلع القضاة والقواد المقتدر وبايعوا عبد الله ابن المعتز، ولقبوه المنصف بالله (٢)، وجرى بين أصحابه وأصحاب المقتدر حروب، وآخر ذلك أن ابن المعتز انهزم ثم أمسك وحبس ليلتين ثم خنق.
(٨٨) ذكر ولاية زيادة الله بأفريقية <وانقراض ملك الأغالبة بموته>
كان زيادة الله قد حبسه أبوه على شرب الخمر، فاتفق مع ثلاثة من خدم أبيه الصقالبة على قتل أبيه فقتلوه [في شعبان سنة تسعين ومئتين] (٣) وأحضروا
стр. 7986
رأسه إلى زيادة الله وهو في الحبس، فلما تولى زيادة الله أمر بهم فقتلوا، وهو الذي كان أمرهم بذلك، ولما تولى على أفريقية انعكف على اللذات وملازمة المضحكين، وأهمل أمور المملكة، وقتل من الأغالبة كل من قدر عليه من أعمامه وإخوته.
وفي أيامه قوي أمر أبي عبد الله الشيعي القائم بدعوة العلوية الفاطمية بالمغرب، فأرسل إليه زيادة أربعين ألفا مع ابن عمه فهزمهم الشيعي، ولما رأى زيادة الله هزيمة عسكره من بين يدي الشيعي جمع ما كان معه من الأموال، وسار إلى الشرق [في هذه السنة] (١) فقدم مصر وبها النوشري عاملا فكتب بأمره إلى المقتدر، ثم سار زيادة الله إلى الرقة فأمره المقتدر بالعود إلى المغرب لقتال الشيعي وكتب إلى النوشري عامل مصر بإمداده بالعساكر (٨٩) والأموال فقدم إلى مصر فأمره النوشري [بالخروج إلى الحمامات] (١) لقبض ما يحتاج إليه من الأموال والرجال. وجعل النوشري يمطله وزيادة الله مع ذلك يلازم شرب الخمر واستماع الملاهي، فطال مقامه هناك فتفرقت عنه أصحابه وتتابعت به الأمراض وسقط شعر لحيته، وأيس من النوشري، فسار إلى القدس فمات بالرّملة ودفن بها، ولم يبق بالمغرب من بني الأغلب أحد، وكان مدة ملكهم مئة سنة واثنتي عشرة سنة بالتقريب لأنه قد تقدم أن الرشيد ولى إبراهيم بن الأغلب على أفريقية سنة أربع وثمانين ومئة (٢)، [وانقضى ملكهم في هذه السنة أعني سنة ست وتسعين ومئتين] (١) فسبحان من لا يزول ملكه.
стр. 7987
ذكر ابتداء الدولة الفاطمية
في سنة ست وتسعين ومئتين كان ابتداء ملك الخلفاء العلويين بأفريقية وانقرضت دولتهم بمصر سنة سبع وستين وخمس مئة. وأول من ولي منهم أبو محمد عبيد الله بن محمد بن عبد الله بن ميمون بن محمد بن إسماعيل بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃ (١).
وقد اختلف العلماء في نسبه وصحته، فقال القائلون بإمامته إن نسبه صحيح، ولم يرتابوا فيه، وذهب كثير من العلويين العالمين بالأنساب إلى صحته أيضا، وشاهده ما قاله الشريف الرضي (٢): <الخفيف>
ما مقامي على الهوان وعندي … مقول صارم وأنف حميّ
ألبس الذلّ في بلاد الأعادي … وبمصر الخليفة العلويّ
(٩٠) من أبوه أبي ومولاه مولا … ي إذا ضامني البعيد القصيّ
لفّ عرقي بعرقه [سيدا] (٣) النا … س جميعا محمد وعليّ
وذهب آخرون إلى أن نسبه غير صحيح، وذهبوا إلى أن نسبهم في اليهود، فقالوا لم يكن اسم المهدي عبيد الله بل كان اسمه سعيد بن أحمد بن عبد الله القداح بن ميمون بن ديصان، [وقيل: عبيد الله بن محمد] (٤)، وقيل فيه:
سعيد بن الحسين، وأن الحسين قدم إلى سلميّة فتزوج امرأة يهودي، وكان لها من اليهودي ولد فأحبه الحسين وأدبه ومات الحسين ولم يكن له ولد فعهد إلى ابن
стр. 7988
اليهودي وهو المهدي عبيد الله وعرفه أسرار الدعوة وأعطاه الأموال والعلامات، فدعا له الدعاة.
وقد اختلف المؤرخون في قصة عبد الله القداح بن ميمون بن ديصان المذكور، ونحن نشير إلى ذلك مختصرا يقال: ابن ديصان المذكور هو صاحب كتاب "الميزان" في نصرة الزندقة، وكان يظهر التشيع لآل النبي ﷺ ، ونشأ لميمون بن ديصان عبد الله القداح لأنه كان يعالج العيون ويقدحها، وتعلم من أبيه الحيل، وأطلعه على أسرار الدعاة لآل البيت، ثم سار عبد الله القداح من نواحي كرج، وأصبهان إلى الأهواز والبصرة وسلمية من أرض حمص يدعو الناس إلى آل البيت، ثم توفي عبد الله القداح، وقام ابنه أحمد [وقيل: محمد] (١) مقامه وصحبه إنسان يقال له رستم بن الحسين بن حوشب النجار من أهل الكوفة فأرسله أحمد إلى الشيعة باليمن وأن (٩١) يدعو الناس إلى المهدي من آل محمد ﷺ ، فسار رستم إلى اليمن، ودعا الشيعة إلى المهدي فأجابوه، وكان أبو عبد الله الشيعي من أهل صنعاء، وسمع بقدوم ابن حوشب إلى اليمن، وأنه يدعو الناس إلى المهدي، فسار إليه من صنعاء، وكان رستم بعدن فصحبه وصار من كبار أصحابه، وكان لأبي عبد الله الشيعي علم ودهاء، وكان قد أرسل ابن حوشب قبل ذلك دعاة إلى أرض المغرب، فأجابه أهل كتامة، ولما علم ابن حوشب دهاء أبي عبد الله الشيعي أرسله إلى كتامة، وأرسل [معه] (٢) جملة من المال، فسار أبو عبد الله إلى مكة، فلما قدمها اجتمع بالمغاربة من أهل كتامة فرآهم مجيبين إلى ما يختار، فسار معهم إلى كتامة فقدمها منتصف ربيع الأول سنة ثمانين ومئتين، وأتاه البربر من كل مكان وعظم أمره وكان اسمه عندهم
стр. 7989
المشرقي، وبلغ أمره إلى إبراهيم بن أحمد الأغلبي أمير أفريقية فاستحقره.
ثم مضى أبو عبد الله إلى مدينة تاهرت، فعظم شأنه وأتته القبائل من كل مكان، وبقي كذلك حتى تولى أبو نصر زيادة الله آخر من ملك من الأغلبية، وكان عم زيادة الله [و] (١) يعرف بالأحول قبالة أبي عبد الله يقاتله، فلما تولى زيادة الله أحضر عمه وقتله، فصفت البلاد لأبي عبد الله الشيعي.
ذكر اتصال أبي عبد الله الشيعي بعبيد الله المهدي
(٩٢) كانت الدعاة بالمغرب يدعون إلى محمد والد المهدي، وكان بسلمية، فلما توفي أوصى إلى ابنه [عبيد الله] (١) المهدي وأطلعه على حال الدعاة، وشاع ذلك أيام [المكتفي] (٢) وطلب، فهرب [عبيد الله] (١) هو وابنه أبو القاسم محمد الذي ولي بعد المهدي وتلقب بالقائم وتوجها نحو المغرب، ووصل عبيد الله إلى مصر في زيّ التجار، وكان عامل مصر حينئذ عيسى النوشري، وقد كتب إليه الخليفة بطلب عبيد الله المهدي والتوقع عليه فجدّ المهدي في الهرب، وقدم طرابلس الغرب وزيادة الله بن الأغلب يتوقع عليه وقد كتب إلى عماله بإمساكه متى ظفروا به، فهرب من طرابلس إلى سجلماسة فأقام بها، وكان صاحب سجلماسة يسمى اليسع بن مدرار فهاداه المهدي على أنه رجل تاجر قد قدم إلى تلك البلاد، فوصل كتاب زيادة الله إلى اليسع يقول فيه: إن هذا الرجل هو الذي
стр. 7990
يدعو أبو عبد الله الشيعي إليه، فقبض اليسع على عبيد الله وحبسه بسجلماسة، ولما كان من قتل زيادة الله عمه الأحول، وهرب زيادة الله واستيلاء أبي عبد الله الشيعي على أفريقية سار أبو عبد الله الشيعي من رقادة في رمضان هذه السنة إلى سجلماسة واستخلف على رقادة أخاه أبا العباس، فلما قرب من سجلماسة ومن السجن خرج صاحبها اليسع وقاتله فرأى ضعفه عنه فهرب اليسع تحت الليل، ودخل أبو عبد الله الشيعي إلى سجلماسة وأخرج المهدي وولده من السجن وأركبهما ومشى هو ورؤوس القبائل (٩٣) بين أيديهما، وأبو عبد الله يشير إلى المهدي ويقول: هذا مولاكم والمهدي يبكي من الفرح حتى وصل [فسطاطا] (١) نصب له، ولما استقر المهدي فيه أمر بطلب اليسع صاحب سجلماسة فأدرك وأحضر بين يديه فقتله، وأقام المهدي بسجلماسة أربعين يوما وسار إلى إفريقية فنزل رقادة في ربيع الآخر سنة سبع وتسعين ومئتين فدون الدواوين وجبى الأموال وبعث العمال إلى سائر البلاد واستعمل على جزيرة صقلية الحسن بن أحمد بن أبي حفترير، وزال بملك المهدي ملك بني الأغلب وملك بني مدرار أصحاب سجلماسة، وكان آخرهم اليسع، وكان مدة (٢) ملك بني مدرار مئة سنة وثلاثين سنة، وزال ملك بني رستم من تاهرت، وكانت مدة ملكهم مئة سنة وستين.
ذكر قتل أبي عبد [الله] (٣) الشيعي [وأخيه أبي العباس] (٣)
ولما استقرت قدم المهدي في المملكة باشر الأمور بنفسه، ولم يبق لأبي
стр. 7991
عبد الله الشيعي ولا لأخيه أبي العباس مع المهدي حكم، والفطام صعب، فشرع أبو العباس أخو [أبي] (١) عبد الله يندم أخاه، ويقول [له] (١): أنت أخرجت الأمر عنك وسلمته لغيرك، وأخوه ينهاه عن قوله إلى أن أحنقه، وبلغ المهدى ذلك، وشرع يقول لرؤوس القبائل: ليس هذا المهدي الذي دعوناكم إليه، فطلبهما المهدي وقتلهما، كذا ذكر ابن الأثير في "الكامل" مقتل أبي عبد الله الشيعي في سنة ست وتسعين ومئتين (٢)، وذكر ابن خلكان أنه كان (٩٤) سنة ثمان وتسعين (٣).
وفي سنة تسع وتسعين ومئتين (¬*)، قبض المقتدر على وزيره أبي الحسين (٤) بن الفرات، ونهب داره، وهتك حرمه، وولى الوزارة أبا علي محمد بن يحيى بن عبيد الله بن خاقان (٥)، والخليفة مع ذلك منصرف على مقتضى إشارة النساء والخدام، فخرجت الممالك، وطمع العمال في الأطراف.
وفي سنة ثلاث مئة (¬**)، عزل المقتدر الخاقاني عن الوزارة وولاها علي بن عيسى.
وفيها، توفي عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الأموي المرواني في ربيع
стр. 7992
الأول (١) و [كان] (٢) عمره اثنتين وأربعين سنة، وكان أبيض، أصهب، أزرق [ربعة] (٢) يخضب بالسواد، وكان ولايته خمس سنين وأحد عشر شهرا، ورزق أحد عشر ولدا ذكرا، أحدهم محمد الذي قتله أبوه في حد من الحدود.
ولما توفي عبد الله ولّي ابن ابنه عبد الرحمن بن محمد المقتول (٩٥) ولقبه الناصر، وتولى الناصر بحضرة أعمامه وأعمام أبيه، ولم يختلفوا عليه.
سنة إحدى وثلاث مئة إلى سنة خمس وثلاث مئة
في سنة إحدى وثلاث مئة (¬*)، قتل الأمير أحمد بن إسماعيل الساماني صاحب خراسان وما وراء النهر، ذبحه في الليل جماعة من غلمانه على سريره وهربوا ليلة الخميس لسبع بقين من جمادى الآخرة، وكان قد خرج إلى البر متصيّداً، فحمل إلى بخارى ودفن بها، وظفروا ببعض أولئك الغلمان فقتلوهم، وولي الأمر بعده ولده أبو الحسن نصر وهو ابن ثماني سنين.
وفيها، قتل أبو سعيد الحسن بن بهرام الجنابي كبير القرامطة، قتله خادم صقلابي في الحمام، ولما قتله استدعى رجلا آخر من أكابر رؤسائهم، وقال له:
الرئيس يستدعيك، فلما [دخل] (٢) قتله [و] (٢) فعل كذلك [بغيره] (٢)، حتى قتل أربعة أنفس من كبرائهم، ثم علموا به فقتلوه.
وكان أبو سعيد الجنابي قد جعل ولده الأكبر سعيد <اً> [ولي عهده] (٢)، فتولى بعده، وعجز عن القيام بالأمر فغلبه أخوه [الأصغر] (٢) أبو طاهر
стр. 7993
سليمان (١)، وكان شهما شجاعا!، ولما قتل أبو سعيد كان مستوليا على هجر والحسا والقطيف وسائر بلاد البحرين.
وفيها، جهز المهدي العلوي جيشا مع ولده أبي القاسم محمد إلى ديار مصر، فاستولى على الإسكندرية والفيّوم، فجهز إليهم المقتدر مع مؤنس الخادم جيشا فأجلاهم عن ديار مصر وعادوا إلى المغرب.
(٩٦) وفي سنة اثنتين وثلاث مئة (¬*)، قبض المقتدر على الحسين بن عبد الله الجصاص الجوهري، وأخذ منه من صنوف الأموال ما قيمته أربعة آلاف دينار.
وفيها جهز المهدي العلوي جيشا مع مقدم يقال له جاشه في البحر، فاستولى على الإسكندرية، وأرسل المقتدر جيشا مع مؤنس الخادم فاقتتلوا وانهزمت المغاربة وعادوا إلى بلادهم.
وفي سنة ثلاث وثلاث مئة (¬**)، اختار المهدي موضع المهدية على ساحل البحر، وهو جزيرة متصلة بالبر كهيئة كف متصل بزند، فبناها وجعلها دار ملكه، وجعل لها سورا محكما وأبوابا عظيمة وزن كل مصراع (٩٧) مئة قنطار، وكان ابتداء بنائها يوم السبت لخمس خلون من ذي القعدة، ولما تم بناؤها قال المهدي: الآن أمنت على الفاطميات.
стр. 7994
وفيها، أغارت الروم على الثغور الجزرية فغنموا وسبوا.
وفي سنة أربع وثلاث مئة (¬*)، توفي الناصر العلوي صاحب طبرستان وعمره تسع وسبعون سنة ويسمى الأطروش، وهو الحسن بن علي بن الحسن بن عمر ابن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وكان ملكه طبرستان سنة إحدى وثلاث مئة.
[ثم (١) قام بعد الناصر المذكور الحسن بن القاسم العلوي وتلقب بالداعي، وقتل في سنة ست عشرة وثلاث مئة وانقرض بموته ملك العلويين من طبرستان].
وفي سنة خمس وثلاث مئة (¬**)، قدم رسل ملك الروم (٢) إلى بغداد، فلما استحضروا عبئ لهم العسكر، وصفّت دار الخليفة بالأسلحة وأنواع الزينة، وكان جملة العسكر المصفوف حينئذ مئتي ألف راكب، ووقف الغلمان الحجرية (٣)
стр. 7995
بالمناطق المحلاة (٩٨) والسيوف، ومن الخدام الخصيان كذلك، وكانوا سبعة آلاف، أربعة آلاف خادم أبيض، وثلاثة آلاف أسود، ووقف ألف وسبع مئة حاجب ورئيسهم نصر القشوري (؟) وألقيت المراكب والزبازب في دجلة بأعظم زينة، وزينت دار الخلافة فكانت الستور [المعلقة عليها] (١) مئة ألف ستر منها ديباج مكلل [ستة وثلاثون ألفا] (٢)، وكانت البسط المذهبة المرصعة أربعين ألف بساط غير الصوف الرومي، وكان هناك ألف أسد مع ألف سبّاع، ومثلها فيلة، وكان في جملة الزينة شجرة ذهب في وسط دار الخلافة وأوراق الشجر من الزمرد، والأغصان تتمايل بحركات تغرد عليها طيور من فضة بحركة [مرتبة] (١)، وشاهد الرسول من العظمة ما يطول شرحه، وأحضر بين يدي المقتدر والمقتدر جالس وراء ستر شعر مكلل، والوزير يبلغ عنه الرسل، وله عن الرسل، وأمر المقتدر فنثر على الرسول مئة ألف دينار فلقطوها.
سنة ست وثلاث مئة إلى سنة عشر وثلاث مئة (٣)
في سنة ست وثلاث مئة (¬*) جعل على شرطة بغداد لحج الطولوني فجعل على الأرباع فقهاء يكون عمل أصحاب الشرطة بفتواهم، فضعفت هيبة السلطنة بذلك، وطمع اللصوص والعيارون وكثرت الفتن.
стр. 7996
وفيها، جهز المهدي جيشا كثيفا مع ابنه القائم إلى مصر فوصل إلى الإسكندرية واستولى عليها، ودخل الأشمونين، وملك غالب الصعيد، وبعث المقتدر (٩٩) مؤنسا الخادم وجرى بينهما عدة وقعات، ووصل من أفريقية إلى الإسكندرية ثمانون مركبا نجدة للقائم، وأرسل المقتدر مراكب من طرسوس لقتال مراكب القائم فاقتتلوا في البر والبحر فانهزمت عساكر المهدي إلى أفريقية بعد أن قتل منهم وأسر.
< انقراض دولة الأدارسة العلويين في المغرب >
وفي سنة سبع وثلاث مئة (¬*)، انقرضت دولة الأدارسة العلويين، أقول (١):
كنا سقنا أخبارهم إلى محمد بن إدريس بن إدريس سنة أربع عشرة ومئتين وأن محمدا المذكور لما تولى فرّق غالب بلاده على إخوته حسبما تقدم، ولما توفي محمد قام بعده ابن أخيه علي بن عمر الذي أعطاه محمد صنهاجة وكانت إمامة علي مضطربة لم يتم له فيها أمر، فخلع وولي بعده ابن أخيه يحيى ابن إدريس بن عمر، وهذا يحيى هو آخر أئمتهم بفاس، وانقرضت دولتهم في هذه السنة، وتغلب عليهم فضالة بن جبوس، ثم ظهر من الأدارسة (١٠٠) حسن بن محمد بن القاسم بن إدريس بن إدريس ورام رد الدولة وقد أخذت في الاختلال ودولة المهدي عبيد الله في الإقبال، فملك عامين لم يتم له مطلب، وانقرضت دولتهم من المغرب، وحمل غالب الأدارسة إلى المهدي إلا من اختفى في الجبال إلى أن ثار بعد الأربعين وثلاث مئة إدريس من ولد محمد بن القاسم
стр. 7997
[بن إدريس بن إدريس] (١)، فأعاد الإمامة لهذا البيت وتغلب على بر العدوة عبد الملك بن منصور [بن أبي عامر] (١) وخطب لبني أمية، ثم رجع عبد الملك إلى الأندلس فاضطربت ببر العدوة دولته فتغلب على فاس بنو أبي العافية الزناتيون حتى ظهور يوسف بن تاشفين أمير المسلمين، واستولى على تلك البلاد.
(١٠١) ..........................
(١٠٢) سنة إحدى عشرة وثلاث مئة إلى سنة خمس عشرة وثلاث مئة (٢)
في سنة إحدى عشرة وثلاث مئة (¬*)، كبس أبو طاهر القرمطي البصرة ليلا، وعلت القرامطة على أسوارها، وقتلوا عاملها، وأقاموا سبعة عشر يوما يقتلون الناس ويحملون الأموال.
(١٠٣) وفي سنة اثنتي عشرة وثلاث مئة (¬**)، أخذ أبو طاهر القرمطي الحجاج، وأخذ منهم أموالا عظيمة، وهلك أكثرهم بالجوع والعطش.
وفيها، سار أبو طاهر القرمطي إلى الكوفة، ودخلها بالسيف، وقتل خلقا، وحمل أموالا، وأقام فيها ستة أيام يدخل الكوفة نهارا ويخرج منها ليلا.
وفي سنة أربع عشرة وثلاث مئة (¬***)، قلد المقتدر يوسف بن أبي الساج نواحي المشرق وأمره بالسير إلى واسط لمحاربة القرامطة.
وفيها، استولى نصر بن أحمد الساماني على الري وهلك بها. وقيل: لم
стр. 7998
يهلك، وإنما مرض فسار إلى خراسان.
وفي سنة خمس عشرة وثلاث مئة (¬*) وصلت القرامطة إلى الكوفة، فسار إليهم يوسف بن أبي الساج من واسط بأربعين ألف فارس، وكانت القرامطة [ألفا] (١) وخمس مئة رجل، منهم سبع مئة فارس وثلاث مئة راجل، فلما رآهم ابن أبي الساج احتقرهم، وقال: اكتبوا إلى الخليفة بالفتح، واقتتلوا، فحملت القرامطة وانهزم عسكر الخليفة، وأخذ يوسف بن أبي الساج أسيرا، ثم قتله أبو طاهر القرمطي واستولى على الكوفة، وأخذ منها أموالا كثيرة، ثم جهز المقتدر إلى القرامطة (١٠٤) مؤنسا الخادم في عساكر كثيرة، فانهزم أكثرهم قبل الملتقى، ثم التقوا فانهزمت عساكر الخليفة، ووقع الجفل في بغداد خوفا من القرامطة، ونهبت القرامطة غالب البلاد الفراتية، ثم عادوا إلى هجر بالغنائم.
وفيها ظفر عبد الرحمن الناصر بن محمد الأموي صاحب الأندلس بأهل طليطلة بعد حصارها مدة لخلافهم عليه.
سنة ست عشرة وثلاث مئة إلى سنة عشرين وثلاث مئة
في سنة ست عشرة وثلاث مئة (¬**) دخلت القرامطة إلى الرّحبة فنهبوا وسبوا وعادوا إلى الرّقة فنهبوا وسبوا، ثم ساروا إلى سنجار فنازلوها، وطلب أهلها الأمان فأمنوهم، ونهبوا الجبال وغيرها من البلاد، وعادوا إلى هجر.
وفيها عزل المقتدر علي بن عيسى عن الوزارة وقبض عليه، وولى أبا علي بن مقلة الوزارة.
стр. 7999
ذكر ابتداء أمر مرداويج
كان قد استولى على جرجان أسفار بن شيرويه سنة خمس عشرة وثلاث مئة، وكان من أصحابه قائد كبير يقال له مرداويج بن زيار من الديلم، فخرج على أسفار بعد أن تابع غالب عسكره في الباطن فهرب أسفار وطلبه مرداويج فأدركه وقتله، وابتدأ أمر مرداويج في ملك البلاد من هذه السنة، فملك قزوين والري وهمذان وكنكور والدّينور وبروجرد وقم وفاشان وأصفهان وجرباذقان، وعمل سريرا من ذهب يجلس عليه، ويقف عسكره صفوفا بالبعد عنه، ولا يخاطبه (١٠٥) أحد إلا الحجّاب، ثم استولى مرداويج على طبرستان.
وفيها، وصل الدمستق في جيش كبير من الروم وحصر أخلاط فطلبوا الصلح فأجابهم على أن يقلع منبر الجامع ويعمل موضعه صليبا، فأجابوه إلى ذلك وأخرجوا المنبر وجعلوا مكانه صليبا، ثم سار إلى بدليس ففعل ذلك، والدمستق:
اسم لنائب البلاد الشرقية من الخليج القسطنطيني.
وفي سنة سبع عشرة وثلاث مئة (¬*)، خلع المقتدر بالله من الخلافة بسبب استيلاء النساء [والخدم] (١) على الأمور وكثرة ما أخذوا من الأموال والضياع، وانضم إلى ذلك وحشة مؤنس الخادم من المقتدر، واجتمعت العساكر إلى مؤنس، وقصدوا دار الخلافة، وأخرجوا المقتدر ووالدته وخالته وخواص جواريه وأولاده من دار الخلافة إلى دار مؤنس واعتقلوا بها، وأحضروا أخاه محمد بن المعتضد [وبايعوه] (١) ولقبوه القاهر بالله بعد أن ألزموا المقتدر بالخلع، فأشهدوا عليه القاضي [أبا عمرو] (٢). [بأنه خلع
стр. 8000
نفسه] (١) ونهبت دار الخلافة، وأخذوا من [قبر في تربة بنتها] (٢) أم المقتدر ست مئة ألف دينار.
فلما كان السبت سابع عشر المحرم ثالث يوم خلع المقتدر، بكّر الناس إلى دار الخلافة حتى امتلأت الرحاب لكونه يوم موكب، ولم يحضر مؤنس المظفر ذلك اليوم، وحضر الرجالة المصافية بالسلاح يطالبون بحق البيعة وارتفعت زعقاتهم، فخرج ياروك التركي من عند القاهر ليطيب خاطرهم فرأى في أيديهم السيوف المسلولة فخافهم ورجع فتبعوه وقتلوه في دار الخلافة وصرخوا: مقتدر يا منصور، وهجموا على القاهر فهرب واختفى وتفرق عنه الناس ولم يبق بدار (١٠٦) الخلافة أحد، ثم قصد الرجالة المصافية دار مؤنس المظفر وطلبوا المقتدر منه، فأخرجه وسلمه إليهم فحمله الرجالة على رقابهم وأدخلوه دار الخلافة، ثم أرسل المقتدر خلف أخيه القاهر بالأمان وأحضره وقال: قد علمت أنه لا ذنب لك فقبل القاهر يد أخيه، ثم حبس القاهر عند السيدة والدة المقتدر فأحسنت إليه ووسعت عليه، واستقر المقتدر في الخلافة، وسكنت الفتنة، وكان أشار مؤنس إعادة المقتدر إلى الخلافة وإنما فعله موافقة للعسكر.
وفيها، وافى أبو طاهر القرمطي مكة يوم التروية، وكان الحجاج قد وصلوا إلى مكة سالمين، فنهب القرمطي أموالهم وقتلهم حتى في المسجد الحرام وداخل الكعبة، وقلع الحجر الأسود من الركن ونقله إلى هجر. وقتل أمير مكة، وقلع باب البيت، وطلع أحدهم ليقلع ميزاب الكعبة، فسقط ومات، وأخذ كسوتها [فقسمها] (٢) بين أصحابه.
وفيها وقع بسبب تفسيره قوله تعالى ﴿عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً﴾
стр. 8001
﴿مَحْمُوداً﴾ (١) ببغداد فتنة عظيمة بين الحنابلة وغيرهم دخل فيها الجند والعامة واقتتلوا فقتل بينهم قتلى كثيرة، فقال أبو بكر المروزي وأصحابه من الحنابلة: إن تفسير ذلك أنّ الله تعالى يقعد النبي ﷺ معه على العرش، وقالت الطائفة الأخرى: إنما هي الشفاعة، فاقتتلوا بسبب ذلك.
(١٠٧) وفي سنة ثماني عشرة وثلاث مئة (¬*)، أخرجت الرجالة المصافية من بغداد، فإنهم استطالوا بالكلام والفعل حين أعادوا المقتدر إلى الخلافة، فجرى بينهم وبين الجند وقعة هربت فيها الرجالة إلى واسط واستولوا عليها، فسار إليهم مؤنس المظفر وشرد منهم وقتلهم.
(١٠٨) وفي سنة تسع عشرة وثلاث مئة (¬**)، أرسل المقتدر عسكرا لقتال مرداويج، فالتقوا بنواحي همذان، فانهزم عسكر الخليفة واستولى مرداويج على بلاد الجبل جميعها، وبلغت عساكره في النهب إلى نواحي حلوان. ثم ملك مرداويج أصبهان.
وفي ذي الحجة منها، تأكدت الوحشة بين مؤنس والمقتدر.
وفي سنة عشرين وثلاث مئة (¬***)، سار مؤنس إلى الموصل مغاضبا للمقتدر، واستولى المقتدر على إقطاعه وأملاكه وأملاك أصحابه، وكتب إلى بني حمدان أمراء الموصل بصد مؤنس عن الموصل، فجرى بينهم وبين مؤنس قتال انتصر فيه مؤنس واستولى على الموصل، واجتمعت عليه العساكر من كل جهة فأقام بالموصل تسعة أشهر، ولما اجتمعت العساكر عليه بالموصل سار بهم إلى بغداد
стр. 8002
فوصل إلى باب الشّماسية، ولما رأى المقتدر ضعفه وانعزال العسكر (١٠٩) عنه قصد الانحدار إلى واسط، ثم اتفق من بقي معه على قتال مؤنس فخرج المقتدر إلى قتال مؤنس وهو كاره، وبين يدي المقتدر الفقهاء والقراء ومعهم المصاحف منشورة وعليه البردة، فوقف على تل ثم ألح عليه أصحابه بالتقدم إلى القتال فتقدم وانهزمت أصحابه فلحقهم قوم من المغاربة فقال لهم: ويحكم أنا الخليفة، فقال له بعضهم قد عرفناك يا سفلة، أنت خليفة إبليس، وضربه بالسيف فسقط على الأرض وذبحوه، وكان المقتدر ثقيل البدن، عظيم الجثة فرفعوا رأسه على خشبة وهم يكبّرون ويلعنونه، وأخذوا ما عليه حتى سراويله، ثم حفر له في موضعه، وعفي قبره، وحمل رأسه إلى مؤنس وهو بالراشدية لم يشهد الحرب، فلما رأى رأس المقتدر لطم وبكى.
وكان المقتدر قد أهمل أحوال الخلافة، وحكّم فيها النساء والخدم وفرّط في الأموال.
خلافة القاهر بالله محمد تاسع عشر بني العباس
وكان مؤنس قد أشار بإقامة ولد المقتدر أبي العباس، فاعترض عليه أبو يعقوب إسحاق بن إسماعيل النوبختي بأن هذا صبي، ولا نولي إلا من يدبر نفسه ويدبرنا، وكان في ذلك كالباحث عن حتفه بظلفه، فإن القاهر قتل النوبختي فيما بعد، فأحضروا القاهر بن المعتضد وبايعوه لليلتين بقيتا من شوال، ثم أحضر القاهر (١١٠) أم المقتدر وسألها عن الأموال فاعترفت بما عندها من المصاغ والثياب فقط فضربها أشد ما يكون من الضرب وكانت مريضة، ثم علقها برجلها فحلفت أنها ما تملك غير ما أطلعته عليه.
واستوزر القاهر أبا علي بن مقلة، وعزل وولى وقبض على جماعة من العمال.
стр. 8003
سنة إحدى وعشرين وثلاث مئة إلى سنة خمس وعشرين وثلاث مئة
وفي سنة إحدى وعشرين وثلاث مئة (¬*)، في جمادى الأولى، ماتت شعب جارية المعتضد أم المقتدر، ودفنت بتربتها بالرّصافة.
وفيها، حصلت الوحشة بين مؤنس والقاهر، وكان مؤنس قد أقام [بليقا] (١) حاجبا، وجعل أمر دار الخلافة إليه، فضيق على القاهر، ومنع دخول امرأة إلى دار الخلافة حتى يعرف من هي، فإن القاهر استمال جماعة في الباطن بالقبض على مؤنس وبليق، واتفق رئيس الحجرية واسمه طريف السكري مع القاهر على ذلك.
وفي أول شعبان من هذه السنة، قبض القاهر على مؤنس وبليق وابنه [لأنّهم اتفقوا] (٢) على خلع القاهر وإقامة [أبي] (٣) أحمد بن المكتفي، واتفق معهم الوزير ابن مقلة على ذلك، فاستمال القاهر [طريفا] (٤) السكري واتفق معه ومع الغلمان الساجية على قبض مؤنس وبليق وأكمنهم في الدهليز والممرات وحضر ابن بليق بجماعة وقصد (١١١) الاجتماع بالخليفة، وأظهر أنه يريد الاجتماع به بسبب القرامطة، وإنما أراد أن يقبض على الخليفة، ولم يعلم بما اعتد له القاهر به، فلما دخل دار الخلافة قبض عليه، وبلغ أباه [بليقا] (٥) وكان منقطعا في داره بسبب مرض فركب وحضر دار الخلافة بسبب ذلك فقبض عليه أيضا، ثم أرسل القاهر يستدعي مؤنسا فامتنع عن الحضور، فحلف له أنه آمن وإنما يريد يعرفه
стр. 8004
اتفاق بليق وابنه على خلعه فإن كان ذلك كذبا أفرج عنهما، وما زال يردد الرسل إلى مؤنس حتى حضر فقبض عليه أيضا، وعزل أبا علي بن مقلة، واستوزر أبا جعفر محمد بن القاسم، ثم جدّ في طلب أبي أحمد بن المكتفي فظفر به فبنى عليه حائطا فمات، ولما أمسك القاهر المذكورين شغب غالب العسكر وكانوا أصحاب مؤنس بسبب حبس مؤنس، وطلبوا إطلاقه فعمد القاهر إلى ابن بليق وذبحه، وجعل رأسه في طست، وكان [قد] (١) حبسهم متفرقين، ثم أحضر الرأس في طست إلى أبيه بليق فبكى وجعل يرشف الرأس، ثم قتله القاهر وجعل رأسه مع ولده في الطست وأحضرهما إلى مؤنس، فلما رأى الرأسين تشهد ولعن قاتلهما، فأمر القاهر أن يجر برجله إلى البالوعة فيذبح، وهو يقول:
يا محروق يا معيوب مثلك يقتل الخلفاء، وأطلعت ثلاثة رؤوسهم وطيف بها في بغداد ينادى عليها: هذا جزاء من يخون الإمام، ثم استخرج أدمغتهم وجعلها في خزانة الرؤوس، وعزل القاهر وزيره أبا جعفر وولى الخصيبي (٢) الوزارة.
ثم قبض على طريف السكري الذي اتفق معه على قبض مؤنس، ولولاه لم يقدر القاهر (١١٢) <أن> يفعل ما فعل.
стр. 8005
ذكر ابتداء ملك بني بويه
كان بويه [رجلا] (١) متوسط [الحال] (٢) من الديلم، وكنيته أبو شجاع، ولما عظمت مملكة بني بويه اشتهر نسبهم، فقيل: بويه بن فناخسره بن تمام بن كوهي بن شيرزير الأصغر بن شير كنده بن شيرزير الأكبر بن شيران شاه بن شيرفنه بن بستان شاه بن شيرفيروز بن شيروزيك بن سبسذا بن بهرام جور الملك [ابن يزدجرد الملك] (١)، وباقي النسب إلى أردشير بن بابك قد تقدم في أخبار ملوك الفرس (٣).
وكان لبويه المذكور ثلاثة أولاد هم: عماد الدولة أبو الحسن علي، وركن الدولة أبو علي الحسن، ومعز الدولة أبو الحسين أحمد، وكانوا في خدمة ماكان ابن كاكي الدّيلمي، ولما ملك من الديلم أسفار بن شيرويه ومرداويج ملك ماكان ابن كاكي الدّيلمي طبرستان وأولاد بويه الثلاثة من جملة عسكره [متقدمون] (٤) عنده، فلما استولى مرداويج على ماكان بيد ماكان بن كاكي من طبرستان سار ماكان عن طبرستان واستولى على الدامغان، ثم انهزم ماكان، وعاد إلى نيسابور وأولاد بويه الثلاثة معه، فلما رأوا عجزه عن قتال مرداويج قالوا: نحن معنا جماعة وأنت مضيق، والأصلح أن نفارقك لتخفف المؤونة عنك، فإذا صلح أمرك عدنا إليك، فأذن لهم ففارقوه ولحقوا بمرداويج وتبعهم في ذلك جماعة من قواد ماكان فأحسن إليهم مرداويج، وقلد عماد الدولة كرج، فلما استقر فيها كثر جمعه وقوي ثم اطلق مرداويج لجماعة من قواده مالا على كرج،
стр. 8006
فلما وصلوها أحسن إليهم عماد الدولة علي واستمالهم فأحبوه وأطاعوه، وبلغ ذلك (١١٣) مرداويج، فاستوحش من عماد الدولة فقصد عماد الدولة أصفهان، وفيها أبو بكر محمد بن ياقوت الحجري فاقتتلوا فانهزم ابن ياقوت واستولى ابن بويه على أصفهان، وكان أصحابه تسع مئة رجل وأصحاب ابن ياقوت عشرة آلاف، فلما هزم عماد الدولة بتسع مئة عشرة آلاف رجل عظم في عيون الناس، وبقي مرداويج يراسله ويستدعيه بالملاطفة وهو يعتذر ولا يحضر، وأقام بأصبهان شهرين وجبى أموالها وارتحل إلى أرجان في ذي الحجة سنة عشرين، وكان قد انهزم إليها أبو بكر بن ياقوت، فانهزم من بين يدي ابن بويه من غير قتال، فاستولى عماد الدولة على أرّجان في ذي الحجة سنة عشرين وثلاث مئة، ثم سار إلى النوبندجان فاستولى عليها في ربيع الآخر سنة إحدى عشرين وثلاث مئة، ثم أرسل عماد الدولة أخاه ركن الدولة إلى كارزون وغيرها من أعمال فارس فاستخرج أموالها، ثم كان منهم ما سنذكره إن شاء الله تعالى.
стр. 8007
(١١٤) وفي سنة اثنتين وعشرين وثلاث مئة (¬*) استولى عماد الدولة على شيراز.
وفيها، في جمادى الأولى، خلع القاهر بسبب ما ظهر منه من الغدر بطريف السكري، وحنثه في اليمين بالأمان للذين قتلهم، وكان ابن (١١٥) مقلة مستترا من القاهر ويجتمع بالقواد ويغريهم، وكان يظهر تارة بزيّ مكدّي (؟) [وتارة ب] (١) زيّ أعجمي، وأعطى للمنجمين مئة دينار ليقولوا للقواد إن عليهم قطعا من جهة القاهر، وكذلك أعطى لبعض معبّري المنامات الذين كانوا <يعبّرون المنامات> لسيما القائد أنه إذا قص عليهم سيما مناما [يعبّرونه] (٢) له بما يخوفه من القاهر [ففعلوا ذلك، فاستوحش سيما مقدم الساجية وغيره من القاهر، واتفقوا على القبض على القاهر فاجتمعوا (١)] وحضروا إليه، وكان القاهر قد بات يشرب أكثر ليلته وهو سكران نائم، فأحدقوا بالدار، واستيقظ القاهر مخمورا، وأوثقت عليه الأبواب، فهرب إلى سطح حمام هناك فتبعوه وأخذوه وأتوا به إلى الموضع الذي فيه طريف السكري فأخرجوه وحبسوا القاهر موضعه، ثم سملوا عيني القاهر.
خلافة الراضي بالله أحمد [وهو] (١) العشرون من خلفاء بني العباس
لما قبض القاهر، كان أبو العباس أحمد بن المقتدر ووالدته محبوسين فأخرجوه وأجلسوه على سرير القاهر وسلموا عليه بالخلافة ولقبوه الراضي [بالله و] (١) بويع يوم الأربعاء لست خلون من جمادى الأولى من سنة اثنتين وعشرين وثلاث مئة، وأشار سيما القائد بوزارة ابن مقلة، فاستوزره الراضي [بالله] (١) وراودوا القاهر أن يشهد عليه بالخلع فامتنع وهو في الحبس أعمى.
стр. 8008
ذكر وفاة المهدي العلوي صاحب أفريقية وولاية ولده القائم أبي القاسم محمد
وفي هذه السنة في ربيع الأول، سنة اثنتين وعشرين (١١٦) وثلاث مئة، توفي المهدي عبيد الله الفاطمي بالمهدية وأخفى ولده القائم موته سنة لتدبير ما كان له و [كان] (١) عمر المهدي ثلاثا وستين سنة، وكانت ولايته أربعا وعشرين سنة وشهرا وعشرين يوما.
ولما أظهر ابنه القائم وفاته بايعه الناس بالخلافة.
وفي هذه السنة، قتل محمد بن علي الشلمغاني، وشلمغان: قرية بنواحي واسط، وأحدث مذهبا مداره على حلول الإلهية والتناسخ والتشيع، وقيل: إنه اتبعه على ذلك الحسين بن القاسم بن عبيد الله وزير المقتدر، وأتبعه أبو جعفر وأبو علي ابنا بسطام، وإبراهيم بن أبي عون، وأحمد بن محمد بن عبدوس، وكان الشلمغاني، وأصحابه مستترين فظهر في شوال سنة اثنتين وعشرين وثلاث مئة فأمسكه ابن مقلة الوزير فأنكر الشلمغاني مذهبه وكان أصحابه يعتقدون فيه الإلهية، فأمسك وأحضر إلى الراضي، وأمسك معه ابن أبي عون وابن عبدوس فأمروهما بصفع الشلمغاني فامتنعا ثم صفعه ابن عبدوس، وأما ابن أبي عون فإنه مدّ يده ليصفعه فارتعدت يده، فقبل لحيته، وقال: إلهي وسيدي ورازقي، فقالوا للشلمغاني <أ> ما قلت إنك لم تدّع الإلهية؟ فقال: إني ما ادّعيتها قط، وما عليّ من قوله هذا، ثم أصرفا وأحضر الشلمغاني عدة مرار بحضرة الفقهاء، فأفتوا بإراقة دمه فصلب وابن أبي عون في ذي القعدة وأحرقا بالنار، فمن مذهبه أن الله يحلّ في كل شيء على قدر ما يحتمله ذلك الشيء،
стр. 8009
وأن الله خلق الضد ليدل به على الضد (١) فخلق آدم وإبليس وكلاهما ضد لصاحبه (٢)، ومن مذهبه أن الدليل على الحق أفضل من الحق، وأن الضد أقرب إلى الشيء من شبهه، وأن الله إذا دخل في جسد (١١٧) ناسوتي أظهر فيه من القدرة والمعجزة ما يدل على أنه هو، وأن الإلهية اجتمعت في نوح وإبليسه، ثم افترقت بعده (٣) ثم اجتمعت في صالح وإبليسه عاقر الناقة، ثم افترقت بعدهما، واجتمعت في إبراهيم وإبليسه نمرود، ثم افترقت بعدها، وكذلك القول في موسى وهارون وفرعون، ثم في سليمان وإبليسه، وعيسى وإبليسه، ثم تفرقت في الحواريين، ثم اجتمعت في علي بن أبي طالب وإبليسه، وأن من مذهبه أن من احتاج الناس إليه فهو إله، ومن مذهبه أن موسى ومحمدا [خائنان] (٤) [لأن هارون وعليّا] (٥) أرسلاهما فخاناهما، وأن عليا أمهل محمدا ﷺ عدة سني أصحاب الكهف وهي ثلاث مئة وخمسون سنة، فإذا انقضت انتقلت الشريعة، ومن مذهبه ترك الصلاة والصوم وغيرهما من العبادات ويبيحون الفروج، وأن يجامع الإنسان من شاء [من] (٦) ذوي رحمه، وأنه لا بد للفاضل منهم أن ينكح المفضول ليولج النور فيه، وأنه من امتنع من ذلك قلب في الدور الثاني امرأة لأن مذهبهم التناسخ.
وفيها، سار الدمستق إلى بلاد الإسلام ففتح ملطية بالأمان، وأخرج أهلها إلى مأمنهم وذلك مستهل جمادى الآخرة، وفعل الروم الأفعال القبيحة بالمسلمين
стр. 8010
وصارت أكثر البلاد في أيديهم.
وفي سنة ثلاث وعشرين وثلاث مئة (¬*)، قتل مرداويج بن زيار الديلمي، وسببه أنه لما كان ليلة الميلاد أمر أن تجمع الأحطاب وتلبس <بها> الجبال والتلال، وخرج إلى ظاهر أصفهان لأجل ذلك، جمع [ما يزيد على] (١) ألفي طائر من الغربان ليعمل في (١١٨) أرجلها النفط ويشعله ليلة الميلاد، وأمر بعمل سماط عظيم فيه ألف فرس، وألفا رأس بقر ومن الغنم والحلوى شيء كثير، فلما استوى ذلك كله [ورآه] (١) استحقره وغضب على أهل دولته، وكان كثير الإساءة إلى الأتراك الذين في خدمته، فلما انقضى السماط، وإيقاد النيران وأصبح ليدخل إلى أصفهان اجتمعت جنده للخدمة، وكثرت الخيل حول خيمته، وصار لها صهيل وغلبة حتى سمعها فاغتاظ، وقال: لمن هذه الخيل الغريبة، فقالوا: للأتراك، فأمر أن توضع سروجها على ظهورهم، وأن يدخلوا البلد كذلك ففعل بهم ذلك، فكان له منظر قبيح استقبحه الديلم والترك فازداد حنق الأتراك عليه، ودخل مرداويج إلى أصبهان وهو غضبان فأمر صاحب حرسه أن لا يتبعه ذلك اليوم، ودخل الحمام فانتهزت الأتراك الفرصة، ودخلوا عليه الحمام هجما فقتلوه.
وكان مرداويج قد تجبر وعتا وعمل لأصحابه كراسي فضة يجلسون عليها، وعمل لنفسه تاجا مرصعا على صفة تاج كسرى، وكان يروم أن يعيد ملك العراق إلى الفرس، وملك بعده أخوه وشمكير بن زيار.
وفي هذه السنة، عظم أمر الحنابلة على الناس، وصاروا يكبسون دور القواد والعامة، فإن وجدوا نبيذا أراقوه، وإن وجدوا [مغنية ضربوها و] (١) كسروا آلتها
стр. 8011
وضربوا واعترضوا في البيع والشراء، و [في] (١) مشي الرجال مع النساء والصبيان، فنهاهم صاحب الشرطة فلم يسمعوا، فخرج توقيع الخليفة ينهاهم فيه ويوبخهم ويقول فيه: أراكم (١١٩) تزعمون أن وجوهكم القبيحة [السمجة] (١) على مثال رب العالمين، وهيئتكم كهيئته، وتذكرون له الشّعر القطط، والصعود إلى السماء، والنزول إلى الدنيا، وعدد فيه قبائح مذهبهم، وفي آخره: إن أمير المؤمنين يقسم بالله قسما عظيما لئن لم تنتهوا ليستعملن السيوف في رقابكم والنار في منازلكم ومحالّكم.
وفي هذه السنة، تولى الإخشيد محمد بن طغج بن جف مصر من قبل الراضي، وكان الإخشيد قد تولى مدينة الرّملة سنة ست عشرة وثلاث مئة من جهة المقتدر، وأقام بها إلى سنة ثماني عشرة وثلاث مئة، فوردت تواقيع المقتدر له بدمشق، فسار إليها وتولاها، وكان حينئذ المتولي على مصر أحمد بن كيغلغ فلما تولى الراضي عزله وولى الإخشيد، وضم إليه الشام فسار الإخشيد من الشام إلى مصر واستقر بها يوم الأربعاء لسبع بقين من شهر رمضان.
ذكر قتل أبي العلاء بن حمدان أمير الموصل وديار ربيعة
كان ناصر الدولة الحسن بن عبد الله بن حمدان أمير الموصل وديار ربيعة، وكان أول من تولى الموصل منهم أبو ناصر الدولة عبد الله وكنيته أبو الهيجاء، ولاه المكتفي وقتل ببغداد في المدافعة عن القاهر، وكان ابنه ناصر الدولة نائبا عنه بالموصل واستمر بها إلى هذه السنة، فضمن عمه أبو العلاء بن حمدان ما بيد ابن أخيه من ديوان الخليفة بمال يحمله، وسار إلى الموصل فقتله ابن أخيه (١٢٠)
стр. 8012
ناصر الدولة، فلما بلغ الخليفة ذلك أرسل عسكرا إلى ناصر الدولة مع الوزير ابن مقلة، فهرب ناصر الدولة ولم يدرك، فأقام ابن مقلة بالموصل مدة وعاد إلى بغداد، فعاد ناصر الدولة إلى الموصل وكتب إلى الخليفة يسأله الصفح وضمن الموصل بمال يحمله فأجيب.
وفيها، جهز القائم العلوي صاحب أفريقية جيشا في البحر ففتحوا مدينة جنوة، وأوقعوا بأهل سردانية وعادوا سالمين.
وفيها، استولى عماد الدولة بن بويه على أصفهان، وبقي هو وشمكير يتنازعان في البلاد وهي: أصبهان، وهمذان وقم وقاشان وكرج، والري وكنكور وقزوين.
وفي جمادى الأولى منها، شغب الجند ببغداد، ونقبوا دار الوزير ابن مقلة، وهرب الوزير وابنه ثم أرضوهم فسكنوا.
وفي سنة أربع وعشرين وثلاث مئة (¬*) قبض الحجرية والمظفر بن ياقوت على الوزير أبي علي بن مقلة لما حضر إلى دار الخلافة على العادة، وأرسلوا أعلموا الخليفة فاستحسن ذلك، واتفقوا على وزارة علي بن عيسى (١٢١) فامتنع فولوا أخاه عبد الرحمن بن عيسى، ثم قبض عليه وولوا أبا جعفر محمد بن قاسم الكرخي.
وفيها، قطع ابن رائق حمل واسط والبصرة، وقطع [البريدي] (١) حمل الأهواز وأعمالها فضاقت أموال بغداد، وعجز الوزير فعزلوه وولوا سليمان بن الحسن ودام الحال على توقفه، فراسل الخليفة محمد بن رائق ليستقدمه ليقوم بالجيش وقلّده إمرة الأمراء، وأمر أن يخطب له على المنابر، وقدم ابن رائق بغداد
стр. 8013
في أواخر ذي الحجة من هذه السنة.
وكان ابن رائق قد أمسك الساجية قبل دخوله بغداد، فاستوحشت الحجريّه منه، وحين دخل بغداد بطلت الوزارة من بغداد، وبقي ابن رائق هو الناظر في الأمور جميعها وتغلب عمال الأطراف عليها. ولم [يبق] (١) للخليفة غير بغداد وأعمالها، والحكم فيها لابن رائق.
وأما باقي الأطراف فكانت:
البصرة بيد ابن رائق المذكور.
وخوزستان بيد البريدي
وفارس بيد عماد الدولة بن بويه.
وكرمان بيد محمد بن إلياس.
والري وأصبهان والجبل بيد ركن الدولة بن بويه وشمكير بن زيار يتنازعان فيها.
والموصل وديار بكر وربيعة بيد بني حمدان.
ومصر والشام بيد الإخشيد محمد بن طغج.
والمغرب وأفريقية بيد القائم العلوي بن المهدي.
والأندلس بيد الناصر عبد الرحمن بن محمد الأموي.
وخراسان وما وراء النهر بيد نصر بن أحمد الساماني.
وطبرستان وجرجان بيد الدّيلم.
стр. 8014
والبحرين واليمامة (١٢٢) بيد أبي طاهر القرمطي.
وفي هذه السنة، استقدم ابن رائق الفضل بن جعفر بن الفرات، وكان على خراج مصر والشام فدخل بغداد وتولى الوزارة لابن رائق والخليفة.
[وفي (١) هذه السنة، قلد الخليفة محمد بن طغج مصر وأعمالها مضافا إلى ما بيده من الشام بعد عزل أحمد بن كيغلغ عن مصر].
وفيها، ولد عضد الدولة أبو شجاع فناخسرو بن ركن الدولة بأصبهان.
وفي سنة خمس وعشرين وثلاث مئة (¬*)، أشار محمد بن رائق على الراضي بالمسير معه إلى واسط لحرب ابن البريدي، فأجابه وسار معه فصالحهم ابن البريدي فعاد إلى بغداد، ثم نكث أبو عبد الله بن البريدي عما أجاب إليه، فأرسل ابن رائق عسكرا مع [بجكم] (٢) التركي فاقتتلا وانهزم ابن البريدي إلى عماد الدولة بن بويه، وأطمعه في العراق وهون عليه أمر الخليفة.
وفيها، عصت مدينة جرجنت من صقلّية على سالم بن راشد عامل صقلّية، فكتب بذلك إلى القائم، فجهز إليه عسكرا فحاصروها فاستنجد أهل جرجنت بملك قسطنطينة (٣) فأنجدهم ودام الحصار إلى سنة تسع وعشرين فنزلوا بالأمان ففرّقوا عن آخرهم.
стр. 8015
سنة ست وعشرين وثلاث مئة إلى سنة ثلاثين وثلاث مئة
في سنة ست وعشرين وثلاث مئة (¬*)، سار معز الدولة بأمر أخيه عماد الدولة إلى الأهواز وأعمالها واستولى عليها، وكان سبب ذلك مسير ابن البريدي إلى عماد الدولة كما أشرنا إليه.
(١٢٣) وفي هذه السنة، سار بجكم من واسط إلى بغداد غرة ذي القعدة، وجهز ابن رائق إليه عسكرا فهزمهم بجكم، ولما قرب من بغداد هرب ابن رائق إلى عكبرا (١) واستتر، ودخل بجكم إلى بغداد ثالث عشر ذي القعدة، فخلع عليه الخليفة وجعله أمير الأمراء، فكانت مدة ابن رائق سنة وعشرة أشهر وستة عشر يوما، وكان بجكم مملوكا لوزير ماكان بن كاكي الديلمي، فأخذه ماكان منه، ثم فارق ماكان مع من فارقه ولحق بمرداويج، ثم كان في جملة من قتل مرداويج من الأتراك، وسار إلى العراق، واتصل بخدمة ابن (١٢٤) رائق، وانتسب [إليه] (٢) حتى كتب على رأسه (٣) الرائقي، وجهزه ابن رائق إلى الأهواز وطرد عنها ابن البريدي، ثم لما استولى ابن بويه على الأهواز سار بجكم إلى واسط ثم سار إلى بغداد، وطرد ابن رائق، واستولى على حضرة الخليفة.
وفيها، فسد حال القرامطة، ووقعت بينهم الفتن فاستقروا بهجر.
وفي سنة سبع وعشرين وثلاث مئة (¬**)، سار الراضي وبجكم إلى الموصل
стр. 8016
فهرب ناصر الدولة عنها، ثم حمل مالا واستقر الصلح معه وعاد الخليفة إلى بغداد، فظهر ابن رائق ببغداد، وخافه الخليفة وبجكم، ثم استقر الحال على أن يولّى على الثغور الجزرية والشامية فسار إليها واستولى عليها.
وفيها، عصى أمية بن إسحاق على عبد الرحمن الأموي بشنترين واستنجد بالجلالقة فأنجدوه وهزموا المسلمين، ثم [التقوا مرة ثانية ف] (١) انهزموا وكثر القتل فيهم فطلب أمية الأمان من عبد الرحمن فأمّنه.
وفي سنة ثمان وعشرين وثلاث مئة (¬*)، استولى ابن رائق على الشام وطرد نائب الإخشيد وسار حتى بلغ العريش يريد الديار المصرية، فخرج إليه الإخشيد وجرى بينهما حروب انهزم ابن رائق فيها إلى دمشق، ثم جهز إليه الإخشيد جيشا مع أخيه فانهزم عسكر الإخشيد وقتل أخوه، فأرسل ابن رائق يعزي الإخشيد في أخيه ويعلمه أنه ما قتل برضاه وأرسل إليه ابنه [مزاحما] (٢) وقال:
إن أحببت فاقتل ولدي بأخيك، فخلع الإخشيد على مزاحم وأعاده لأبيه واستقرت مصر (١٢٥) للإخشيد والشام لابن رائق.
وفيها، قتل طريف السكري بالثغر.
وفي منتصف ربيع الأول سنة تسع وعشرين وثلاث مئة (¬**)، توفي الراضي بالله أبو العباس أحمد بن المقتدر جعفر.
стр. 8017
(١٢٦) خلافة المتقي لله إبراهيم حادي عشري بني العباس
ولما مات الراضي بقي الأمر موقوفا انتظارا لأبي عبد الله الكوفي كاتب بجكم وكان بواسط وكان بجكم بها أيضا، واحتيط على دار الخلافة، فورد كتاب بجكم مع الكوفي يأمر فيه أن يجتمع مع أبي القاسم سليمان بن الحسن وزير الراضي، ويجمع وجوه بغداد ويشاورهم فيمن ينصب الخلافة، فاتفقوا على إبراهيم بن المقتدر، وبويع بالخلافة في العشرين من ربيع الأول، ولما بويع جهز الخلع واللواء إلى بجكم وهو بواسط، فجعل سلامة الطولوني حاجب المتقي. وأقر سليمان بن الحسن على وزارته، ولم يكن له في الوزارة إلاّ الاسم، والتدبير إلى الكوفي كاتب بجكم.
وكان ماكان بن كاكي قد استولى على جرجان فقصده أبو علي محمد بن مظفر بن محتاج قائد السامانية فهزم ماكان عن جرجان، فقصد ماكان طبرستان وأقام بها ثم سار أبو علي بن محتاج إلى الري ليستولي عليها وبها وشمكير بن زيار أخو مرداويج بن زيار، فأرسل وشمكير يستنجد ماكان من طبرستان فقدم عليه وقاتلهما أبو علي بن محتاج فجاء سهم غرب فنفذ من خوذة ماكان (١٢٧) إلى جبينه حتى طلع من قفاه فوقع ماكان ميتا، وهرب وشمكير إلى طبرستان، واستولى ابن محتاج على الري.
وفيها، [قتل بجكم، و] (١) كان بجكم أرسل جيشا إلى أبي عبد الله البريدي، ثم سار من واسط في أثرهم وأتاه الخبر بنصرة عسكره [وهرب البريدي] (١) فقصد الرجوع إلى واسط، وجعل يتصيد في طريقه حتى بلغ نهر
стр. 8018
جور، فسمع أن هناك أكرادا لهم [مال وثروة] (١) فشرهت نفسه إليه فقصدهم في جماعة قليلة وأوقع بهم فهربوا بين يديه، وجاء صبي من الأكراد من خلف بجكم وطعنه برمح في خاصرته وهو لا يعلم من هو فمات.
ولما بلغ قتله المتقي استولى على داره وأخذ منها أموالا عظيمة وأكثرها كانت مدفونة، وفرح البريدي بقتل بجكم وكانت مدة إمارة بجكم سنتين وثمانية أشهر وأياما، ولما مات بجكم سار البريدي إلى بغداد واستولى على الأمر أياما، ثم أخرجه العامة عنها لسوء سيرته، ثم استولى كورتكين على الأمر فسار ابن رائق من الشام إلى بغداد واستخلف على الشام أحمد بن علي بن مقاتل، ولما وصل ابن رائق بغداد جرى بينه وبين كورتكين قتال آخره أن ابن رائق انتصر وظفر بكورتكين فحبسه، وقلد المتقي لابن رائق إمرة الأمراء ببغداد.
وفي سنة ثلاثين وثلاث مئة (¬*)، عاد ابن البريدي واستولى على بغداد، وهرب ابن رائق والخليفة المتقي إلى الموصل، ونهب البريدي بغداد وحصل منه الظلم والجور والعسف ما لا زيادة عليه، ولما وصل ابن رائق إلى تكريت هو والخليفة (١٢٨) كاتبا ناصر الدولة بن حمدان يستمدانه وقدما الموصل فخرج عنها ناصر الدولة إلى الجانب الآخر فأرسل المتقي إليه ابنه أبا منصور وابن رائق فأكرمهما ناصر الدولة ونثر على ابن الخليفة دنانير، ولما أرادا الانصراف أمر ناصر الدولة أصحابه بقتل ابن رائق فقتلوه، ثم سار [ابن حمدان] (٢) إلى المتقي فخلع [المتقي] (٢) عليه، وجعله أمير الأمراء وذلك في مستهل شعبان وخلع على أخيه أبي الحسن علي [ولقبه] (٣) سيف الدولة وكان قتل ابن رائق يوم الاثنين لتسع
стр. 8019
بقين من رجب ولما بلغ الإخشيد صاحب مصر قتل ابن رائق سار إلى دمشق واستولى عليها.
ثم سار المتقي وناصر الدولة إلى بغداد فهرب البريدي ونهب الناس بعضهم بعضا ببغداد، وكان مقام البريدي ببغداد ثلاثة أشهر وعشرين يوما، ودخل المتقي إلى بغداد ومعه ابن حمدان في جيوش كثيرة في شوال من هذه السنة.
ولما بلغ ناصر الدولة بغداد أمر بإصلاح الدنانير، وكان الدينار بعشرة دراهم وبيع بثلاثة عشر درهما.
(١٢٩) سنة إحدى وثلاثين وثلاث مئة إلى خمسة وثلاثين وثلاث مئة (١)
في سنة إحدى وثلاثين وثلاث مئة (¬*)، سار ناصر الدولة عن بغداد إلى الموصل، وثارت الديلم ونهبت داره، وكان أخوه سيف الدولة بواسط فثارت عليه الأتراك الذين معه وكبسوه في شعبان فهرب إلى أخيه ناصر الدولة ولحق به، ثم قدم سيف الدولة إلى بغداد وطلب من المتقي مالا ليفرقه في العسكر ويمنع تورون (٢) والأتراك من دخول بغداد فأنقد له المتقي أربع مئة ألف دينار ففرقها في أصحابه.
ولما وصل تورون إلى بغداد (١٣٠) هرب سيف الدولة عنها، ودخل تورون بغداد في الخامس والعشرين من رمضان من هذه السنة فخلع المتقي عليه وجعله أمير الأمراء، وبقي المتقي خائفا منه، وتورون: بتاء مثناة من فوقها مضمومة وواو ساكنه وراء مهلة مضمومة وواو ثم نون.
стр. 8020
وفيها، توفي نصر بن أحمد الساماني صاحب خراسان وما وراء النهر، وكان مرضه السّل، فبقي مريضا ثلاثة عشر شهرا، وكانت ولايته ثلاثين سنة وشهرا، وعمره ثماني وثلاثين سنة، وكان حليما كريما، ولما مات ولي بعده ابنه نوح، وبايعه الناس وحلفوا له في شعبان، واستقر ملكه على خراسان وما وراء النهر.
وفيها، أرسل ملك الروم (١) يطلب من المتقي منديلا زعم أن المسيح مسح به وجهه فصار صورة وجهه فيه، وأن هذا المنديل في بيعة الرّها (٢)، وأنه إن أرسله أطلق عددا كثيرا من أسارى المسلمين، فأحضر المتقي القضاة والفقهاء واستفتاهم في ذلك فاختلفوا، فقال بعضهم: دفعه إليهم وإطلاق الأسارى أولى، وقال بعضهم: إن هذا المنديل لم يزل في بلاد الإسلام، ولم يطلبه ملك منهم ففي دفعه إليهم غضاضة، وكان في الجماعة علي بن عيسى الوزير فقال: إن خلاص المسلمين من الأسر أولى من حفظ هذا المنديل، فأمر الخليفة بدفعه إليهم، وأرسل من يتسلم الأسرى فأطلقوا.
وفي سنة اثنتين وثلاثين وثلاث مئة (¬*) (١٣١) سار المتقي عن بغداد خوفا من تورون، وابن شيرزاد إلى جهة الموصل، فلما وصل إلى تكريت خرج بنو حمدان إلى لقائه فساروا معه إلى الرّقة وأقاموا بها، ثم ظهر للخليفة تضجر بني حمدان منه وإيثارهم مفارقته، فكتب إلى تورون يسأله الصلح ليقدم بغداد (٣).
وفيها خرجت طائفة من الروس في البحر وطلعوا منه في نهر الكر فانتهوا إلى