فهرب ناصر الدولة عنها، ثم حمل مالا واستقر الصلح معه وعاد الخليفة إلى بغداد، فظهر ابن رائق ببغداد، وخافه الخليفة وبجكم، ثم استقر الحال على أن يولّى على الثغور الجزرية والشامية فسار إليها واستولى عليها.
وفيها، عصى أمية بن إسحاق على عبد الرحمن الأموي بشنترين واستنجد بالجلالقة فأنجدوه وهزموا المسلمين، ثم [التقوا مرة ثانية ف] (١) انهزموا وكثر القتل فيهم فطلب أمية الأمان من عبد الرحمن فأمّنه.
وفي سنة ثمان وعشرين وثلاث مئة (¬*)، استولى ابن رائق على الشام وطرد نائب الإخشيد وسار حتى بلغ العريش يريد الديار المصرية، فخرج إليه الإخشيد وجرى بينهما حروب انهزم ابن رائق فيها إلى دمشق، ثم جهز إليه الإخشيد جيشا مع أخيه فانهزم عسكر الإخشيد وقتل أخوه، فأرسل ابن رائق يعزي الإخشيد في أخيه ويعلمه أنه ما قتل برضاه وأرسل إليه ابنه [مزاحما] (٢) وقال:
إن أحببت فاقتل ولدي بأخيك، فخلع الإخشيد على مزاحم وأعاده لأبيه واستقرت مصر (١٢٥) للإخشيد والشام لابن رائق.
وفيها، قتل طريف السكري بالثغر.
وفي منتصف ربيع الأول سنة تسع وعشرين وثلاث مئة (¬**)، توفي الراضي بالله أبو العباس أحمد بن المقتدر جعفر.
стр. 8017
(١٢٦) خلافة المتقي لله إبراهيم حادي عشري بني العباس
ولما مات الراضي بقي الأمر موقوفا انتظارا لأبي عبد الله الكوفي كاتب بجكم وكان بواسط وكان بجكم بها أيضا، واحتيط على دار الخلافة، فورد كتاب بجكم مع الكوفي يأمر فيه أن يجتمع مع أبي القاسم سليمان بن الحسن وزير الراضي، ويجمع وجوه بغداد ويشاورهم فيمن ينصب الخلافة، فاتفقوا على إبراهيم بن المقتدر، وبويع بالخلافة في العشرين من ربيع الأول، ولما بويع جهز الخلع واللواء إلى بجكم وهو بواسط، فجعل سلامة الطولوني حاجب المتقي. وأقر سليمان بن الحسن على وزارته، ولم يكن له في الوزارة إلاّ الاسم، والتدبير إلى الكوفي كاتب بجكم.
وكان ماكان بن كاكي قد استولى على جرجان فقصده أبو علي محمد بن مظفر بن محتاج قائد السامانية فهزم ماكان عن جرجان، فقصد ماكان طبرستان وأقام بها ثم سار أبو علي بن محتاج إلى الري ليستولي عليها وبها وشمكير بن زيار أخو مرداويج بن زيار، فأرسل وشمكير يستنجد ماكان من طبرستان فقدم عليه وقاتلهما أبو علي بن محتاج فجاء سهم غرب فنفذ من خوذة ماكان (١٢٧) إلى جبينه حتى طلع من قفاه فوقع ماكان ميتا، وهرب وشمكير إلى طبرستان، واستولى ابن محتاج على الري.
وفيها، [قتل بجكم، و] (١) كان بجكم أرسل جيشا إلى أبي عبد الله البريدي، ثم سار من واسط في أثرهم وأتاه الخبر بنصرة عسكره [وهرب البريدي] (١) فقصد الرجوع إلى واسط، وجعل يتصيد في طريقه حتى بلغ نهر
стр. 8018
جور، فسمع أن هناك أكرادا لهم [مال وثروة] (١) فشرهت نفسه إليه فقصدهم في جماعة قليلة وأوقع بهم فهربوا بين يديه، وجاء صبي من الأكراد من خلف بجكم وطعنه برمح في خاصرته وهو لا يعلم من هو فمات.
ولما بلغ قتله المتقي استولى على داره وأخذ منها أموالا عظيمة وأكثرها كانت مدفونة، وفرح البريدي بقتل بجكم وكانت مدة إمارة بجكم سنتين وثمانية أشهر وأياما، ولما مات بجكم سار البريدي إلى بغداد واستولى على الأمر أياما، ثم أخرجه العامة عنها لسوء سيرته، ثم استولى كورتكين على الأمر فسار ابن رائق من الشام إلى بغداد واستخلف على الشام أحمد بن علي بن مقاتل، ولما وصل ابن رائق بغداد جرى بينه وبين كورتكين قتال آخره أن ابن رائق انتصر وظفر بكورتكين فحبسه، وقلد المتقي لابن رائق إمرة الأمراء ببغداد.
وفي سنة ثلاثين وثلاث مئة (¬*)، عاد ابن البريدي واستولى على بغداد، وهرب ابن رائق والخليفة المتقي إلى الموصل، ونهب البريدي بغداد وحصل منه الظلم والجور والعسف ما لا زيادة عليه، ولما وصل ابن رائق إلى تكريت هو والخليفة (١٢٨) كاتبا ناصر الدولة بن حمدان يستمدانه وقدما الموصل فخرج عنها ناصر الدولة إلى الجانب الآخر فأرسل المتقي إليه ابنه أبا منصور وابن رائق فأكرمهما ناصر الدولة ونثر على ابن الخليفة دنانير، ولما أرادا الانصراف أمر ناصر الدولة أصحابه بقتل ابن رائق فقتلوه، ثم سار [ابن حمدان] (٢) إلى المتقي فخلع [المتقي] (٢) عليه، وجعله أمير الأمراء وذلك في مستهل شعبان وخلع على أخيه أبي الحسن علي [ولقبه] (٣) سيف الدولة وكان قتل ابن رائق يوم الاثنين لتسع
стр. 8019
بقين من رجب ولما بلغ الإخشيد صاحب مصر قتل ابن رائق سار إلى دمشق واستولى عليها.
ثم سار المتقي وناصر الدولة إلى بغداد فهرب البريدي ونهب الناس بعضهم بعضا ببغداد، وكان مقام البريدي ببغداد ثلاثة أشهر وعشرين يوما، ودخل المتقي إلى بغداد ومعه ابن حمدان في جيوش كثيرة في شوال من هذه السنة.
ولما بلغ ناصر الدولة بغداد أمر بإصلاح الدنانير، وكان الدينار بعشرة دراهم وبيع بثلاثة عشر درهما.
(١٢٩) سنة إحدى وثلاثين وثلاث مئة إلى خمسة وثلاثين وثلاث مئة (١)
في سنة إحدى وثلاثين وثلاث مئة (¬*)، سار ناصر الدولة عن بغداد إلى الموصل، وثارت الديلم ونهبت داره، وكان أخوه سيف الدولة بواسط فثارت عليه الأتراك الذين معه وكبسوه في شعبان فهرب إلى أخيه ناصر الدولة ولحق به، ثم قدم سيف الدولة إلى بغداد وطلب من المتقي مالا ليفرقه في العسكر ويمنع تورون (٢) والأتراك من دخول بغداد فأنقد له المتقي أربع مئة ألف دينار ففرقها في أصحابه.
ولما وصل تورون إلى بغداد (١٣٠) هرب سيف الدولة عنها، ودخل تورون بغداد في الخامس والعشرين من رمضان من هذه السنة فخلع المتقي عليه وجعله أمير الأمراء، وبقي المتقي خائفا منه، وتورون: بتاء مثناة من فوقها مضمومة وواو ساكنه وراء مهلة مضمومة وواو ثم نون.
стр. 8020
وفيها، توفي نصر بن أحمد الساماني صاحب خراسان وما وراء النهر، وكان مرضه السّل، فبقي مريضا ثلاثة عشر شهرا، وكانت ولايته ثلاثين سنة وشهرا، وعمره ثماني وثلاثين سنة، وكان حليما كريما، ولما مات ولي بعده ابنه نوح، وبايعه الناس وحلفوا له في شعبان، واستقر ملكه على خراسان وما وراء النهر.
وفيها، أرسل ملك الروم (١) يطلب من المتقي منديلا زعم أن المسيح مسح به وجهه فصار صورة وجهه فيه، وأن هذا المنديل في بيعة الرّها (٢)، وأنه إن أرسله أطلق عددا كثيرا من أسارى المسلمين، فأحضر المتقي القضاة والفقهاء واستفتاهم في ذلك فاختلفوا، فقال بعضهم: دفعه إليهم وإطلاق الأسارى أولى، وقال بعضهم: إن هذا المنديل لم يزل في بلاد الإسلام، ولم يطلبه ملك منهم ففي دفعه إليهم غضاضة، وكان في الجماعة علي بن عيسى الوزير فقال: إن خلاص المسلمين من الأسر أولى من حفظ هذا المنديل، فأمر الخليفة بدفعه إليهم، وأرسل من يتسلم الأسرى فأطلقوا.
وفي سنة اثنتين وثلاثين وثلاث مئة (¬*) (١٣١) سار المتقي عن بغداد خوفا من تورون، وابن شيرزاد إلى جهة الموصل، فلما وصل إلى تكريت خرج بنو حمدان إلى لقائه فساروا معه إلى الرّقة وأقاموا بها، ثم ظهر للخليفة تضجر بني حمدان منه وإيثارهم مفارقته، فكتب إلى تورون يسأله الصلح ليقدم بغداد (٣).
وفيها خرجت طائفة من الروس في البحر وطلعوا منه في نهر الكر فانتهوا إلى
стр. 8021
مدينة بردعة فاستولوا عليها وقتلوا ونهبوا، ثم عادوا في المراكب إلى بلادهم.
وفيها، مات أبو طاهر القرمطي (١) بالجدري.
وفيها، كان ببغداد غلاء عظيم.
وفيها، استعمل ناصر الدولة بن حمدان محمد بن علي بن مقاتل على قنسرين والعواصم، ثم استعمل بعده ابن عمه الحسين بن سعيد بن حمدان.
وفي سنة ثلاث وثلاثين وثلاثة مئة (¬*)، كتب المتقي إلى الإخشيد صاحب مصر يشكو إليه حاله، فسار الإخشيد من مصر إلى الرّقة، واجتمع به وحمل إليه هدايا عظيمة، واجتهد به أن يسير معه إلى مصر ليكون بين يديه فلم يفعل.
ثم أشار عليه بالمقام في الرّقة وخوّفه من تورون فلم يفعل، وكان قد أرسل المتقي إلى تورون في الصلح كما ذكرنا، فحلف تورون للمتقي على ما أراده فانحدر المتقي لأربع خلون من المحرم إلى بغداد وعاد الإخشيد إلى مصر، ولما وصل المتقي إلى هيت أرسل يجدد اليمين على تورون فحلف، وسار تورون من بغداد لملتقى الخليفة فالتقاه بالسّندية، وقبل الأرض بين يديه، وضرب له (١٣٢) [مضربا] (٢) فأنزله فيه، وضرب الدّبادب (٣) على باب المضرب، وسمل عين المتقي فأعماه، وانحدر به إلى بغداد وهو أعمى، وكانت خلافته ثلاث سنين وخمسة أشهر وعشرين يوما، وأمه اسمها خلوب.
стр. 8022
خلافة المستكفي بالله أبي القاسم عبد الله بن المكتفي ثاني عشري بني العباس
ولما قبض تورون على المتقي بايع المستكفي بالله وأحضره إلى السّندية وبايعه عامة الناس وبايعه المتقي أيضا كرها، وكانت بيعته يوم خلع المتقي في صفر هذه السنة.
< ثورة أبي يزيد الخارجي >
وفيها اشتدت شوكة أبي يزيد الخارجي بالقيروان، وهزم الجيوش وهو من زناتة واسم [أبيه] (١) كنداد من بلاد توزر من أعمال قسطيلية، فولد أبو يزيد بتوزر من جارية سوداء وانتشأ أبو يزيد في توزر، وتعلم القرآن، وسار إلى تاهرت وصار على مذهب النكارية، وهو تكفير أهل الملة واستباحة أموالهم ودمائهم، ودعا أهل تلك البلاد فأطاعوه فحضر قسطيلية في هذه السنة، وكان قصيرا قبيح الصورة يلبس جبة صوف [ثم فتح تبسة] (٢) ثم فتح سبيتة وقتل عاملها، ثم فتح الأريس، فأخرج القائم جيوشا لحفظ رقادة، ثم سار أبو يزيد إلى القائم فجهز إليه القائم جيوشا انهزمت بين يدي أبي يزيد، وسار أبو يزيد وحصر القائم في المهدية في جمادى الأولى من هذه السنة وضايقها وغلا بها السعر ودام محاصرها حتى خرجت هذه السنة، ثم رحل عن المهدية في صفر سنة أربع وثلاثين، وسار إلى القيروان وتوفي القائم وملك ابنه المنصور إسماعيل على ما نذكره (١٣٣) فجهز المنصور عساكره وهو مقدمهم إلى القيروان واستعادها من أبي يزيد وذلك سنة أربع وثلاثين وثلاث مئة، ودام حالهم على القتال إلى سنة خمس وثلاثين
стр. 8023
وثلاث مئة، فأدرك أبا يزيد على مدينة كاغلية فهرب أبو يزيد إلى طنبة ثم هرب إلى جبل البربر، واسم ذلك الجبل برزال، والمنصور في أثره واشتد على عسكر المنصور الحال حتى بلغت العليقة الشعير دينارا ونصفا، وبلغت قربة الماء دينارا فرجع المنصور إلى بلاد صنهاجة، ووصل إلى قرية عمرة، واتصل هنالك بالمنصور العلوي الأمير زيري الصنهاجي وهو جد ملوك بني باديس على ما يأتي ذكره إن شاء الله تعالى، فأكرمه المنصور، ومرض المنصور هناك مرضا شديدا ثم تعافى ورحل إلى المسيلة ثاني رجب سنة خمس وثلاثين، وكان قد اجتمع إلى أبي يزيد جمع من البربر وسبق المنصور إلى مسيلة، فلما وصلها هرب عنها أبو يزيد إلى جهة بلاد السودان، ثم صعد أبو يزيد إلى جبال كتامة، فسار المنصور عاشر شعبان إليه واقتتلوا فقتل غالب جماعة أبي يزيد وانهزم، فسار المنصور في أثره أول شهر رمضان واقتتلوا أيضا وانهزم أبو يزيد إلى قلعة كتامة وهي ممتنعة فحاصرها المنصور وداوم الزحف عليها، ثم ملكها المنصور عنوة، وهرب أبو يزيد من القلعة من مكان وعر فسقط وأخذ وحمل إلى المنصور فسجد شكرا لله تعالى، وكثر تكبير الناس وتهليلهم، وبقي أبو يزيد في الأسر مجروحا فمات في سلخ محرم سنة ست وثلاثين وثلاث مئة، فسلخ جلده وحشي تبنا، وكتب المنصور إلى سائر البلاد (١٣٤) بقتل أبي يزيد، وعاد إلى المهدية فدخلها في شهر رمضان سنة ست وثلاثين وثلاث مئة.
***
وفيها، نقل المستكفي القاهر من دار الخلافة إلى دار أبي طاهر، وكان قد بلغ بالقاهر الضر والفقر إلى أن بقي ملتفا بجبة قطن وفي رجله قبقاب خشب.
وفيها، لما سار المتقي عن الرقة إلى بغداد وسار الإخشيد إلى مصر، سار سيف
стр. 8024
الدولة أبو الحسن علي بن أبي الهيجاء عبد الله بن حمدان إلى حلب وبها يانس المؤنسي فأخذها منه واستولى عليها، وسار إلى حمص فاستولى عليها، وسار إلى دمشق وحصرها ثم رحل عنها، وكان الإخشيد قد خرج من مصر إلى الشام بسبب قصد سيف الدولة دمشق، وسار إليه والتقيا بقنّسرين ولم يظفر أحد العسكرين بالآخر، ورجع سيف الدولة إلى الجزيرة، فلما رجع الإخشيد إلى دمشق عاد سيف الدولة إلى حلب فملكها، فلما ملكها سار ملك الروم حتى قارب حلب، فخرج إليه سيف الدولة وأوقع به وبأصحابه.
وفي سنة أربع وثلاثين وثلاث مئة (¬*)، في المحرم مات تورون ببغداد، وكانت إمارته سنتين وأربعة أشهر وتسعة عشر يوما، ولما مات عقد الأجناد لابن شيرزاد الإمرة عليهم، وكان بهيت، فحضر إلى بغداد في مستهل صفر وأرسل إلى المستكفي واستحلفه فحلف له بحضرة القضاة وولاه إمرة الأمراء، وكان مقر الدولة في الأهواز فلما مات تورون سار إلى بغداد، فلما قرب منها اختفى المكتفي وابن شيرزاد، وكانت إمارته ثلاثة أشهر وأياما، وقدم الحسن بن محمد المهلبي صاحب معز الدولة فلما قرب منها سارت (١٣٥) الأتراك عنها إلى جبهة الموصل، فظهر المستكفي واجتمع بالمهلبي وأظهر السرور بقدوم معز الدولة وأعلمه أنه إنما استتر خوفا من الأتراك، فلما ساروا ظهر ثم [وصل] (١) معز الدولة إلى بغداد ثاني عشر جمادى الأولى من هذه السنة، واجتمع بالمستكفي وبايعه وحلف له المستكفي وخلع عليه ولقبه ذلك اليوم بمعز الدولة، وأمر أن تضرب ألقاب بني بويه على الدنانير والدراهم، ورتب معز الدولة للمستكفي كل يوم خمسة آلاف درهم يتسلمها كاتبه لنفقاته.
стр. 8025
وفي هذه السنة خلع المستكفي لثمان بقين من جمادى الآخرة، وصورة خلعه أن معز الدولة وعسكره حضروا إلى دار الخلافة بسبب وصول صاحب خراسان، وأجلس الخليفة معز الدولة على كرسي ثم حضر رجلان من نقباء الدّيلم وتناولا يد المستكفي فظن أنهما يريدان تقبيلها فجذباها عن سريره وجعلا عمامته في عنقه، ونهض معز الدولة واضطرب الناس وساقا المستكفي ماشيا إلى دار معز الدولة فاعتقل بها، ونهبت دار الخلافة حتى لم يبق بها شيء.
خلافة المطيع لله الفضل (١) ثالث عشري بني العباس
وبويع يوم الخميس ثاني عشري جمادى الآخرة من هذه السنة، وازداد أمر الخلافة إدبارا، ولم يبق لهم من الأمر شيء، وتسلم نواب (١٣٦) معز الدولة العراق بأسره، ولم يبق في يد الخليفة غير ما أقطعه معز الدولة مما لا يقوم ببعض حاجته.
وفيها، سار ناصر الدولة إلى بغداد وأرسل معز الدولة عسكرا لقتاله، فلم يقدروا على دفعه، وسار من سامراء عاشر رمضان إلى بغداد وأخذ معز الدولة المطيع معه وسار إلى تكريت فنهبها لأنها لناصر الدولة، وعاد معز الدولة بالخليفة إلى بغداد ونزل الجانب الغربي ونزل ناصر الدولة بالجانب الشرقي، ولم يخطب تلك الأيام للمطيع ببغداد، وجرى بينهم ببغداد قتال كثير آخره أن ناصر الدولة وعسكره انهزموا واستولى معز الدولة على بغداد، وأعيد الخليفة إلى مكانه في المحرم سنة خمس وثلاثين وثلاث مئة واستقر معز الدولة ببغداد وناصر الدولة بعكبرا، ثم سار ناصر الدولة إلى الموصل وجرى الصلح بينه وبين معز الدولة في المحرم من سنة خمس وثلاثين.
стр. 8026
وفي هذه السنة، توفي القائم بأمر الله أبو القاسم محمد بن المهدي عبيد الله صاحب المغرب لثلاث عشرة مضت من شوال وقام بالأمر بعده ابنه إسماعيل وتلقب بالمنصور بالله، وكتم موت القائم خوفا من أبي يزيد الخارجي، واستمر كتمان ذلك حتى فرغ المنصور من أبي يزيد على ما قدمنا ذكره (١) ثم اتسم بالخلافة.
وفيها، مات الإخشيد محمد بن طغج بدمشق، وكان قد سار إليها من مصر، وكان مولده سنة ثمان وستين ومئتين ببغداد، وكان قبل مسيره من مصر قد وجد بداره رقعة فيها مكتوب:
«قدرتم فأسأتم، ثم ملكتم فبخلتم، ووسع عليكم فضيقتم، (١٣٧) وأدرّت لكم الأرزاق فقنطتم أرزاق العباد واغتررتم بصفو أيامكم ولم تفكروا في عواقبكم، واشتغلتم بالشهوات واغتنام اللذات، وتهاونتم في سهام الأسحار وهن صائبات، ولا سيما إن خرجت من قلوب قرّحتموها، وأجساد أعريتموها، وأكباد أجعتموها، ولو تأملتم في هذا حق التأمل لا نتبهتم، أو ما علمتم أن الدنيا لو بقيت للعاقل ما وصل إليها الجاهل، ولو دامت لمن مضى ما نالها من بقي، فكفى بصحبة ملك يكون في زوال ملكه فرح العالم، ومن المحال أن يموت المنتظرون كلهم حتى لا يبقى منهم أحد ويبقى المنتظربه، افعلوا ما شتم فإنا صابرون، وجوروا فإنا بالله مستجيرون، وثقوا بقدرتكم وسلطانكم فإنا بالله واثقون، وهو حسبنا ونعم الوكيل».
فبقي الإخشيد بعد سماع هذه الرقعة في فكر وسافر إلى دمشق ومات، وولّي الأمر بعده ابنه أبو القاسم أنوجور، وتفسيره: محمود، واستولى على الأمر كافور الخادم الأسود وهو من خدم الإخشيد، وكان أنوجور صغيرا وسافر كافور بعد موت الإخشيد إلى مصر، فسار سيف الدولة إلى دمشق وملكها وأقام بها،
стр. 8027
واتفق أن سيف الدولة ركب يوما والشريف العقيقي معه، فقال سيف الدولة: ما تصلح هذه الغوطة إلا لرجل واحد، فقال العقيقي: هي لأقوام كثير، فقال سيف الدولة: لو أخذتها القوانين السلطانية تبرأوا منها، فأعلم العقيقي أهل دمشق ذلك، فكاتبوا كافور <اً> الإخشيدي بذلك، فجاءهم وأخرج سيف الدولة عنهم، ثم استقر سيف الدولة بحلب، ورجع كافور إلى مصر، وولى على دمشق بدر <اً> الإخشيدي، فأقام بها سنة، ثم وليها (١٣٨) أبو المظفر بن طغج.
وفيها اشتد الغلاء ببغداد حتى وجد مع إنسان صبيّ قد شواه ليأكله، وكثر في الناس الموت.
سنة ست وثلاثين وثلاث مئة إلى سنة أربعين وثلاث مئة (١)
< أخبار جزيرة صقلّية >
في سنة ست وثلاثين وثلاث مئة (¬*) عقد المنصور العلوي ولاية جزيرة صقلية للحسن بن علي بن أبي الحسن (٢) الكلبي من «تاريخ جزيرة صقلّية» تأليف صاحب «تاريخ القيروان» (٣)، واستمر الحسن يغزو ويفتح في جزيرة صقلية حتى مات المنصور وتولى المعز فاستخلف الحسن على صقلية ولده أبا الحسين [أحمد بن الحسن] (٤) وكانت ولاية الحسن على صقلّية خمس سنين وشهرين، وسار الحسن عن صقلّية إلى أفريقية سنة اثنتين وأربعين وثلاث مئة، ولما وصل الحسن إلى أفريقية كتب المعز بولاية ابنه أحمد بن الحسن على صقلّية فاستقر
стр. 8028
أحمد واليا عليها.
[وفي] (١) سنة سبع وأربعين وثلاث مئة، [قدم (٢) أحمد بن الحسن من صقلّية ومعه ثلاثون رجلا من وجوه الجزيرة على المعز بأفريقية فبايع المعز وخلع عليهم المعز ثم أعاده إلى مقره بصقلّية].
وفي سنة إحدى وخمسين وثلاث مئة، ورد كتاب المعز على أحمد بصقلّية يأمره فيه بإحصاء (١٣٩) أطفال الجزيرة وأن يختنهم ويكسوهم في اليوم الذي يختن [فيه] (١) المعز ولده، فكتب أحمد خمسة آلاف طفل، وابتدأ أحمد فختن ولده وإخوته [في] (١) مستهل ربيع الأول من هذه السنة، ثم ختن الخاص والعام وخلع عليهم، ووصل من المعز مئة ألف درهم وخمسون حملا من الصلات ففرقت في المختونين.
وفي سنة اثنين وخمسين وثلاث مئة، أرسل أحمد بسبي طبرمين بعد فتحها إلى المعز وجملته ألف وسبع مئة ونيف وسبعون رأسا.
وفي سنة ثلاث وخمسين وثلاث مئة، جهز المعز أسطولا عظيما فوصل إلى صقلّية واجتمعت الروم بها، وجرى قتال عظيم نصر الله فيه المسلمين وقتل من الكفار عشرة آلاف نفس، وغنم المسلمون أموالهم وسلاحهم فكان في جملة ذلك سيف منقوش عليه: «هذا سيف هندي وزنه مئة وسبعون مثقالا طالما ضرب به بين يدي النبي ﷺ »، فوصل ذلك كله إلى المعز.
وفي آخر سنة ثمان وخمسين وثلاث مئة، استقدم المعز الأمير أحمد من صقلّية، وسار منها بأهله وماله وولده وكانت إمارته بها ست عشرة سنة وتسعة أشهر، ولما سار أحمد من جزيرة صقلّية استخلف عليها يعيش مولى أبيه الحسن
стр. 8029
ابن علي، فلما وصل أحمد إلى أفريقية أرسل المعز إلى الجزيرة أبا القاسم علي بن الحسن أخا الأمير أحمد وولاه الجزيرة نيابة عن أخيه أحمد، فوصل أبو القاسم إلى صقلّية في نصف شعبان سنة تسع وخمسين وثلاث مئة.
وفيها، قدّم المعز الأمير أحمد على الأسطول، فأرسله إلى مصر فلما وصل إلى طرابلس مات بها سنة ستين، فأرسل المعز إلى أبي القاسم (١٤٠) سجلا باستقلاله على صقلّية ويعزيه في أخيه أحمد.
وفي سنة ست وستين، غزا الأمير أبو القاسم [علي] (١) وعدّى إلى الأرض الكبيرة، فرأى عسكره وقد أكثروا من البقر والغنم، فقال: قد أثقلتم، وهذا يعيقنا عن الغزو وأمر بذبحها وتفريقها فسميت [تلك] (٢) المرحلة مناخ البقر إلى الآن، فشنت غاراته في الأرض الكبيرة وأخرب فيها مدنا، ثم عاد إلى صقلية مؤيدا، واستمر أبو القاسم يغزو إلى سنة اثنتين وسبعين فجرى بينه وبين الإفرنج قتال، استشهد فيه، ولذلك يعرف بالشهيد، وكان مقتله في المحرم من السنة المذكورة، ومدة ولايته على صقلية اثنتي عشرة سنة وخمسة أشهر وأياما. ولما استشهد تولى الأمر بعده ابنه جابر بغير ولاية من الخليفة، وكان سيئ التدبير.
وفي سنة ثلاث وسبعين وثلاث مئة، وصل إلى صقلّية جعفر بن محمد بن الحسن بن علي أميرا عليها من قبل العزيز خليفة مصر فاغتم جابر، وكان جعفر المذكو مواظبا للعزيز وقريبا إليه جدا، وكان للعزيز وزير يقال له ابن كلس (٣)
стр. 8030
فغار من جعفر، فلما استشهد أبو القاسم أشار ابن كلس بتولية جعفر فأرسله العزيز إليها، فسار إلى صقلية وهو كاره لذلك، وبقي جعفر واليا على صقلية حتى مات سنة خمس وسبعين وثلاث مئة، فولي أخوه عبد الله بن محمد، وبقي حتى توفي سنة تسع وسبعين وثلاث مئة، فولي بعده ولده أبو الفتوح يوسف ابن عبد الله، وأحسن يوسف السيرة، وبقي على ولايته، ومات العزيز خليفة مصر، وتولى الحاكم واستوزر ابن عم يوسف المذكور وهو حسن بن عمار بن علي (١٤١) وبقي حسن وزيرا بمصر وابن عمه أميرا بصقلّية.
وفي سنة ثمان وثمانين وثلاث مئة، أصاب أبا الفتوح فالج فعطب جانبه الأيسر، فتولى في حياته ولده جعفر، وأتاه سجل من الحاكم بالولاية، ولقبه تاج الدولة، فبقي مدة، ثم أحدث على أهل صقلّية مظالم فخرجوا عن طاعته وحصروه في القصر، فخرج إليهم والده يوسف وهو مفلوج في محفّة وردّ الناس وشرط لهم عزل جعفر فعزله وولى مكانه أخاه تأييد الدولة أحمد الأكحل بن يوسف، وانعزل جعفر، وتولى الأكحل في المحرم سنة عشر وأربع مئة، وبقي الأكحل حتى خرج عليه أهل صقلّية وقتلوه في سنة سبع وعشرين وأربع مئة.
ولما قتلوا الأكحل ولوا أخاه صمصام الدولة الحسن، فجرى في ولايته اختلاف بين أهل الجزيرة وتغلب الخوارج عليه حتى صارت للفرنج على ما سنذكره إن شاء الله تعالى (١).
***
стр. 8031
وفي سنة سبع وثلاثين وثلاث مئة (¬*)، ملك معز الدولة الموصل، وسار عنها ناصر الدولة إلى نصيبين، ثم جاءت الأخبار بحركة عسكر خراسان على بلاد معز الدولة فرحل عن الموصل وعاد إليها ناصر الدولة.
وفي سنة ثمان وثلاثين وثلاث مئة (¬**)، مات عماد الدولة أبو الحسن علي بن بويه (١) بشيراز في جمادى الآخرة، وكانت علّته قرحة في كلاه طالت به ولم يكن له ولد ذكر، فلما أحس بالموت أرسل إلى أخيه ركن الدولة يطلب منه ابنه عضد الدولة فناخسرو ليجعله عماد الدولة ولي عهده ووارث مملكته بفارس، وكان ذلك قبل موته بسنة، ووصل عضد الدولة إلى عمه عماد الدولة فولاه بفارس (١٤٢) واختلف عليه عكسره، فسار أبوه ركن الدولة من الري إليه وقرر قواعد عضد الدولة، ولما وصل ركن الدولة إلى شيراز ابتدأ بزيارة قبر أخيه عماد الدولة، بأصطخر فمشى إليه حافيا حاسرا ومعه العساكر على تلك الحال، ولزم القبر ثلاثة أيام حتى سأله القواد الرجوع إلى المدينة فرجع إليها، وكان عماد الدولة في حياته هو أمير الأمراء، فلما مات صار ركن الدولة، وكان معز الدولة في العراق كالنائب عنهما.
وفيها، مات المستكفي المخلوع وهو في الحبس أعمى.
وفي سنة تسع وثلاثين وثلاث مئة (¬***)، غزا سيف الدولة بلاد الروم فأوغل وغنم وقتل، فلما عاد أخذت الروم عليه المضائق فهلك غالب عسكره، ونجا سيف الدولة بنفسه في عدد يسير.
стр. 8032
وفيها، مات وزير معز الدولة محمد الصّيمري، واستوزر معز الدولة أبا محمد الحسن المهلبي.
وفيها أعاد القرامطة الحجر الأسود إلى مكة وكانوا قد أخذوه سنة سبع عشرة وثلاث مئة، وكان لبثه عندهم اثنتين وعشرين سنة (١).
(١٤٣) سنة إحدى وأربعين وثلاث مئة إلى سنة خمس وأربعين وثلاث مئة (٢)
في سنة إحدى وأربعين وثلاث مئة (¬*)، سار يوسف بن وجيه صاحب عمان (١٤٤) في البحر والبر إلى البصرة وحصرها، وساعده القرامطة على ذلك وأيدوه بجمع منهم، فأدركهم المهلبي وزير معز الدولة بالعساكر فرحلوا عنها.
وفيها توفي المنصور بالله العلوي أبو الطاهر إسماعيل بن القائم بالله أبي القاسم محمد بن المهدي عبيد الله سلخ شوال، وكانت خلافته سبع سنين وستة عشر يوما وعمره تسعا وثلاثين سنة، وكان خطيبا بليغا يخترع الخطبة لوقته، وظهر من شجاعته في قتال أبي يزيد الخارجي ما تقدم ذكره (٣)، وعهد إلى ابنه أبي تميم معد بولاية العهد وهو المعز لدين الله فبايعه الناس يوم مات أبوه، وأقام في تدبير الأمور إلى سابع ذي الحجة فأذن للناس فدخلوا عليه وسلموا بالخلافة، وكان عمر المعز إذ ذاك أربعا وعشرين سنة.
стр. 8033
وفيها، ملك الروم مدينة سروج (١) وسبوا أهلها وغنموا أموالهم، وخربوا المساجد.
وفي سنة [ثلاث] (٢) وأربعين وثلاث مئة (¬*)، مات نوح بن نصر الساماني في ربيع الآخر، وكانت ولايته في سنة إحدى وثلاثين وثلاث مئة، وكان يلقب بالأمير الجميل، وكان حسن السيرة، ولما توفي ملك ابنه عبد الملك.
وفيها، غزا سيف الدولة بن حمدان بلاد الروم فغنم وقتل ووقع بينه وبين الروم وقعة عظيمة انتصر فيها سيف الدولة (٣).
وفيها، أرسل معز الدولة سبكتكين الحاجب في جيش إلى شهرزور فعاد ولم يفتحها.
وفي سنة أربع وأربعين وثلاث مئة (¬**)، مات أبو علي بن محتاج صاحب عساكر خراسان (١٤٥) بعد أن عزله الأمير نوح عن خراسان، فخرج لذلك عن طاعة نوح، ولحق بركن الدولة بن بويه ومات في خدمته.
وفيها، أنشأ الناصر عبد الرحمن الأموي مركبا كبيرا، وسير فيه بضائع لتباع في بلاد المشرق ويعتاض عنها فلقي في البحر مركبا فيه رسول من صقلية إلى
стр. 8034
المعز العلوي ومعه مكاتبات إليه، فقطع عليهم المركب الأندلسي وأخذهم، وبلغ ذلك المعز فجهز أسطولا إلى الأندلس، واستعمل عليه الحسن بن علي عامله على صقلية فوصلوا إلى المربّة وأحرقوا جميع ما في مينائها من المراكب، وأخذوا ذلك المركب الكبير بعد عوده من الإسكندرية وفيه جوار مغنيات وأمتعة لعبد الرحمن، وصعد أسطول المعز إلى البر فقتلوا ونهبوا ورجعوا سالمين إلى المهدية، ولما جرى ذلك جهز عبد الرحمن الناصر أسطولا إلى بلد أفريقية فقصدتهم عسكر المعز فرجعوا إلى الأندلس بعد قتال جرى بينهم.
وفي سنة خمس وأربعين وثلاث مئة (¬*)، سار سيف الدولة إلى بلاد الروم فغنم وسبى وفتح عدة حصون ورجع إلى أذنة فأقام بها ثم ارتحل إلى حلب.
(١٤٦) سنة ست وأربعين وثلاث مئة إلى سنة خمسين وثلاث مئة
في سنة ست وأربعين وثلاث مئة (¬**)، مات السلاّر المرزبان صاحب أذربيجان فملك بعده ابنه حسان، وكان للمرزبان أخ يسمى وهشوذان فشرع في الفساد بين أولاد أخيه حتى وقع ما بينهم وتقاتلوا وبلغ وهشوذان ما أراد.
وقد ذكر ابن الأثير في حوادث هذه السنة أن البحر نقص ثمانين باعا، وظهرت فيه جزائر وجبال لم تعرف قبل ذلك.
وفي سنة سبع وأربعين وثلاث مئة (¬***)، عظم أمر أبي الحسن جوهر عبد المعز، وصار في رتبة الوزارة فسيره المعز في صفر هذه السنة في جيش كثيف إلى
стр. 8035
أقاصي المغرب، فسار إلى تاهرت ثم إلى فاس في جمادى الآخرة وبها صاحبها أحمد بن بكر فأغلق أبوابها ونازلها جوهر، وقاتل أهلها فلم يقدر عليها، ومضى حتى انتهى إلى البحر المحيط، وسلك تلك البلاد جميعها وعاد إلى فاس ففتحها عنوة، وكان مع جوهر زيري بن مناد الصنهاجي، وكان شريكه في الإمرة، وكان فتح فاس في رمضان سنة ثمان وأربعين وثلاث مئة.
(١٤٧) [وفي سنة ثمان وأربعين] (١) وثلاث مئة (¬*)، انقطعت الأمطار، وغلت الأسعار في كثير من البلاد.
وفي سنة تسع وأربعين وثلاث مئة (¬**) وقع الخلف بين أولاد المرزبان فاضطروا إلى مساعدة عمهم وهشوذان فكاتبوه وقدموا عليه فغدر بهم وأمسك حسان وناصرا ابني المرزبان وأمهما وقتلهم.
وفيها، غزا سيف الدولة بلاد الروم ففتح وأحرق وبلغ إلى خرشنة، وفي عوده أخذت عليه الروم المضائق واستردوا ما أخذه، وأخذوا ثقله وأكثروا القتل في أصحابه، وتخلص سيف الدولة في ثلاث مئة نفس، وكان أشار عليه أرباب الألباب بأن لا يعود في تلك الطريق فلم يقبل وكان معجبا بنفسه يحب الاستبداد بلا مشاورة لئلا يقال إنه أصاب برأي غيره.
وفيها، أسلم من الأتراك [نحو] (٢) مئتي ألف خركاه.
وفيها، انصرف حجاج مصر من الحج فنزلوا واديا وباتوا فيه، فأتاهم السيل ليلا وأخذهم جميعهم مع أثقالهم وجمالهم ورماهم في البحر.
стр. 8036
وفيها (١٤٨) مات أنوجور بن الإخشيد، وأقيم مكانه أخوه في ملك مصر.
وفي يوم الخميس حادي عشر شوال سنة خمسين وثلاث مئة (¬*)، تقنطر بالأمير عبد الملك بن نوح صاحب خراسان فرسه ووقع إلى الأرض فمات من ذلك، فافتتنت خراسان بعده، وولي مكانه أخوه منصور بن نوح بن نصر بن أحمد بن إسماعيل بن أحمد بن أسد بن سامان.
وفيها، توفي الناصر عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان الأموي في رمضان، وكانت إمارته خمسين سنة و [نصفا] (١)، وعمره [ثلاثا وسبعين] (٢) سنة، وكان أبيض أشهل، حسن الوجه وهو أول من تلقب من الأمويين أصحاب الاندلس بألقاب الخلفاء وتسمى بأمير المؤمنين، وكان من كان قبله يخاطبون ويخطب لهم بالأمير وأبناء الخلائف، وبقي عبد الرحمن [كذلك] (٣) إلى أن مضى من إمارته سبع وعشرون سنة، فلما بلغه ضعف الخلفاء بالعراق، وظهور الخلفاء العلويين بأفريقية ومخاطبتهم بأمير المؤمنين أمر حينئذ أن يلقّب بالناصر لدين الله، ويخطب له بأمير المؤمنين، وأمه أم ولد اسمها مزنة.
ولما مات ولي بعده ولده الحكم بن عبد الرحمن وتلقب [بالمستنصر] (٤) وخلف عبد الرحمن أحد عشر ولدا ذكرا.
وفيها، تولى قضاء القضاة ببغداد أبو العباس عبد الله بن الحسن بن أبي
стр. 8037
الشوارب، والتزم أن يؤدي كل (١٤٩) سنة مئتي ألف درهم، وهو أول من ضمن القضاء، وكان ذلك أيام معز الدولة بن بويه، ولم يسمع بذلك قبلها، ثم ضمنت بعده الحسبة والشرطة ببغداد.
وفيها، توفي أبو شجاع فاتك وكان روميا أخذه الإخشيد صاحب مصر من سيده بالرّملة وارتفعت مكانته عنده، وكان رفيق كافور، فلما مات الإخشيد وصار كافور أتابكه أنف فاتك من ذلك وكانت الفيّوم إقطاعه فانتقل إليها وأقام بها، وكثرت أمراضه لوخم الفيّوم فعاد إلى مصر كرها من المرض، وكان كافور يخافه ويخدمه، وكان المتنبي بمصر عند كافور فاستأذنه ومدح [فاتكا] (١) بقصيدته (٢) التي أولها: <البسيط>
لا خيل عندك تهديها ولا مال … فليسعد النطق إن لم يسعد الحال
كفاتك ودخول الكاف منقصة … كالشمس قلت وما للشمس أمثال
ولما توفي فاتك رثاه المتنبي بقصيدة (٣) أولها: <الكامل>
الحزن يقلق والتّجمّل يردع … والدمع بينهما عصيّ طيّع
سنة إحدى وخمسين وثلاث مئة إلى سنة خمس وخمسين وثلاث مئة
في سنة إحدى وخمسين وثلاث مئة (¬*)، سارت الروم مع الدمستق (٤) وملكوا
стр. 8038
عين زرية (١) بالأمان، وقتلوا بعض أهلها وأطلقوا أكثرهم.
وفيها، استولت الروم على حلب دون قلعتها، وكان قد سار إليهم الدمستق ولم يعلم به سيف الدولة إلا عند وصوله فلم يلحق أن يجمع جيوشه بل خرج فيمن معه وقاتل الدمستق فقتل غالب أصحابه وانهزم في نفر (١٥٠) قليل.
وظفر الدمستق بداره وكانت خارج حلب تسمى الدارين ووجد الدمستق فيها ثلاث مئة بدرة (١) من الدراهم، وأخذ لسيف الدولة ألف وأربع مئة بغل، ومن السلاح ما لا يحصى وملكت الروم الحواضر، وحصروا المدينة، وقاتلهم أهل حلب أشد قتال، فتأخر الروم إلى جبل جوشن، ثم وقع بين أهل حلب ورجالة الشرطة فتنة بسبب نهب وقع بين أهل البلد، فاجتمع بسبب ذلك الناس، ولم يبق على السور أحد فوجد الروم السور خاليا ففتحوا أبواب البلد، وأطلقوا السيف في أهل حلب وسبوا بضعة عشر ألف صبي، وغنموا ما لا يوصف كثرة، فلما لم يبق معهم ظهر يحمل الغنائم أمر الدمستق فأحرقوا ما بقي، وأقام الدمستق تسعة أيام ثم ارتحل إلى بلاده، ولم ينهب قرى حلب وأمرهم بالزراعة ليعود من قابل إلى حلب.
وفيها، استولى ركن الدولة على طبرستان وجرجان. وفيها، كتب [عامة] (٢) الشيعة [بأمر معز الدولة] (٢) على أبواب المساجد [ما هذه صورته] (٢):
«لعن الله معاوية بن أبي سفيان، ولعن من أغصب فاطمة [فدكا] (٣)، ومن
стр. 8039
منع الحسن أن يدفن عند جدّه (١)، ومن نفى أبا ذرّ الغفاري (٢)، ومن أخرج
стр. 8040
العباس من الشورى» (١).
فلما كان الليل حكّه بعض الناس، وأشار الوزير المهلبي أن يكتب بإذن معز الدولة [موضع المحي] (٢): لعن الله الظالمين لأهل البيت، ولا يذكر أحدا في اللعن غير معاوية ففعل ذلك.
وفيها، في ذي القعدة سارت جيوش المسلمين إلى صقلّية ففتحوا طبرمين، وهي من أعظم الحصون بعد حصار سبعة (١٥١) أشهر ونصف وسميت طبرمين المعزية بسبب المعز العلوي.
وفيها، فتحت الروم حصن دلوك بالسيف وثلاثة حصون مجاورة له.
وفيها، في شوال أسرت الروم أبا فراس الحارث بن سعيد بن حمدان من منبج وكان متقلدا لها.
[وفي سنة اثنتين وخمسين وثلاث مئة (¬*) (٣)] [في عاشر المحرم] (٢)، أمر معز الدولة الناس بغلق دكاكينهم، وأن يخرج النساء منشرات الشعور ومسودات الوجوه ويلطمن [وجوههن] (٤) على الحسين بن علي ﵉، ففعل الناس ذلك ولم يقدر السنة على منعه لكثرة الشيعة والسلطان معهم.
وفيها، عزل ابن أبي الشوارب عن القضاء.
стр. 8041
وفيها، قتل الروم ملكهم (١) وملكوا غيره (٢) وصيروا ابن شمشقيق (٣) دمستقا.
وفي سنة ثلاث وخمسين وثلاث مئة (¬*)، سار معز الدولة واستولى على الموصل ونصيبين بعد انهزام ناصر الدولة بين يديه، ثم وقع بينهما الاتفاق وضمن ناصر الدولة الموصل بمال ارتضاه معز الدولة، فرحل معز الدولة إلى بغداد.
وفي سنة أربع وخمسين وثلاث مئة (¬**)، سار ملك الروم إلى المصّيصة فحاصرها وفتحها عنوة بالسيف يوم السبت ثالث عشر رجب، ووضع السيف في أهلها، ثم رفعه وأخذ من بقي أسرى ونقلهم إلى بلده، وكان أهلها نحو مئتي ألف إنسان.
стр. 8042
ثم سار إلى طرسوس فطلب أهلها الأمان فأمنهم وتسلم طرسوس وسار أهلها عنها (١٥٢) وجهز ملك الروم معهم من يحميهم حتى وصلوا أنطاكية، وجعل جامع طرسوس إصطبلا وأحرق المنبر، وعمّر طرسوس وحصنها وردّ إليها بعض أهلها، وتنصر بعضهم، ثم عاد ملك الروم إلى قسطنطينية.
وفيها أطاع أهل انطاكية بعض مقدمي طرسوس وخالفوا سيف الدولة، وكان اسم المقدم الذي أطاعوه رشيقا، فأرسل سيف الدولة عسكرا مع خادمه بشارة، فاجتمع قرعويه العامل بحلب مع بشارة وقاتلا رشيقا، فقتل رشيق وهرب أصحابه ودخلوا أنطاكية.
(١٥٣) وفي سنة خمس وخمسين وثلاث مئة (¬*) خرجت الروم ووصلوا إلى آمد وحصروها ثم انصرفوا عنها إلى قرب نصيبين فهرب أهل نصيبين، ثم ساروا من الجزيرة إلى الشام، ونازلوا أنطاكية وأقاموا عليها مدة ثم رحلوا إلى طرسوس.
وفيها، استفكّ سيف الدولة بن حمدان ابن عمه أبا فراس من الأسر، وكان بينه وبين الروم الفداء، فخلّص عدّة من المسلمين من الأسر.
سنة ست وخمسين وثلاث مئة إلى سنة ستين وثلاث مئة
في سنة ست وخمسين وثلاث مئة (¬**)، سار معز الدولة إلى واسط، وجهز الجيش لمحاربة عمران بن شاهين صاحب البطائح، وحصل له إسهال، فلما قوي عاد إلى بغداد وترك العسكر في قتال عمران بن شاهين (١٥٤) ثم تزايد به المرض بعد وصوله إلى بغداد، فلما أحس بالموت عهد إلى ابنه بختيار ولقبه عز الدولة، وأظهر معز الدولة توبة وتصدق بأكثر ماله، وعتق مماليكه، وتوفي ببغداد
стр. 8043
ثالث عشر ربيع الآخر بعلة الذّرب، ودفن بباب التين في مقابر قريش، وكانت إمارته إحدى وعشرين سنة وأحد عشر شهرا.
ولما مات معز الدولة استقر ابنه عز الدولة في الإمارة، وكتب بختيار إلى العسكر بمصالحة عمران بن شاهين وعودهم إلى بغداد ففعلوا ذلك، وكان معز الدولة مقطوع اليد قطعت بكرمان في بعض حروبه لمحمد بن إلياس، وهو الذي أنشأ السعاة ببغداد لإعلام أخيه ركن الدولة بالأحوال سريعا، فنشأ في أيامه فضل ومرعوش أحدهما ساعي السنة والآخر ساعي الشيعة.
ولما تولى بختيار أساء السيرة، واشتغل باللعب واللهو وعشرة النساء والمغنين، ونفى كبار الديلم شرها إلى إقطاعاتهم.
وفي هذه السنة، قبض أبو تغلب هبة الله الغضنفر على أبيه ناصر الدولة بن حمدان وحبسه، وسببه أن ناصر الدولة كان قد كبر وساءت أخلاقه وضيق على أولاده وأصحابه وخالفهم في أغراضهم فضجروا منه حتى وثب عليه ولده أبو تغلب فقبضه في آخر جمادى الأولى، فوكل به من يخدمه، ولما فعل ذلك خالفه بعض إخوته فاحتاج أبو تغلب إلى مداراة بختيار ليعضده، فضمن أبو تغلب البلاد لبختيار بألف ألف ومئتي ألف درهم.
وفيها، مات وشمكير بن زيار (١٥٥) أخو مرداويج بأن حمل عليه في الصيد خنزير مجروح فقامت به فرسه، فسقط إلى الأرض ومات، فقام بالأمر بعده ابنه بيستون.
< وفاة كافور الإخشيدي >
وفيها مات كافور الإخشيدي، وكان خصيا أسود من موالي محمد بن طغج ابن جف الإخشيد صاحب مصر، واستولى كافور على مصر والشام بعد موت
стр. 8044
أولاد أستاذه لأنه ملك بعد الإخشيد ابنه أنوجور، والأمر كله إلى كافور، ثم مات أنوجور فأقام كافور أخاه عليا [فتوفي] (١) علي بن الإخشيد وهو صغير في سنة خمس وخمسين وثلاث مئة، فاستقل كافور بالمملكة من هذا التاريخ، وكان كافور شديد السواد واشتراه أسياده بثمانية عشر دينارا، وقصده المتنبي ومدحه، وحكى المتنبي قال: كنت إذا دخلت على كافور أنشدته يضحك لي ويبش في وجهي إلى أن أنشدته (٢): <الوافر>
ولما صار ودّ الناس خبّا … جزيت على ابتسام بابتسام
وصرت أشكّ فيمن أصطفيه … لعلمي أنّه بعض الأنام
قال: فما ضحك بعدها، فعجبت من فطنته وذكائه ولم يزل كافور مستقلا بالأمر حتى توفي هذه السنة يوم الثلاثاء لعشر بقين من جمادى الأولى بمصر، ودفن بالقرّافة الصغرى (٣)، وكان يدعى له على المنبر بمكة والحجاز جميعه والديار المصرية وبلاد الشام، وكان عمره خمسا وستين سنة.
[وحكي (٤) أن تابوته حمل إلى بيت المقدس ودفن به وكتب على قبره:
<البسيط>
ما بال قبرك يا كافور منفردا … في ضحضح التّرب بعد العسكر اللّجب
يدوس قبرك آحاد الرجال وقد … كانت أسود الشّرى تخشاك من كثب
стр. 8045
قلت: ولما توفي] وقع الخلاف فيمن ينصب بعده، واتفقوا على أبي الفوارس، أحمد [بن علي] (١) بن الإخشيد وخطب له في جمادى (١٥٦) الأولى سنة سبع وخمسين وثلاث مئة.
< وفاة سيف الدولة الحمداني >
وفيها، توفي سيف الدولة أبو الحسن علي بن عبد الله بن حمدان بن حمدون التّغلبي الرّبعي، وكان موته بحلب في صفر، وحمل تابوته إلى ميّافارقين فدفن بها، وكان مولده في ذي الحجة سنة ثلاث وثلاث مئة وكان مرضه عسر البول، وهو أول من ملك حلب من بني حمدان أخذها من أحمد بن سعيد الكلابي نائب الإخشيد، وكان سيف الدولة شجاعا كريما، وله شعر فمنه ما قاله في أخيه ناصر الدولة: <الطويل>
وهبت لك العليا وقد كنت أهلها … وقلت لهم بيني وبين أخي فرق
وما كان لي عنها نكول وإنما … تجاوزت عن حقي فتمّ لك الحقّ
أما كنت ترضى أن أكون مصلّيا … أما كنت أرضى أن يكون لك السّبق
وله أيضا: <المديد>
قد جرى في دمعه دمه … فإلى كم أنت تظلمه
ردّ عنه الطرف منك فقد … جرحته منك أسهمه
كيف يسطيع التجلد من … خطرات الوهم تؤلمه
ولما توفي سيف الدولة ملك بلاده ابنه سعد الدولة أبو المعالي شريف.
***
وفيها، توفي أبو علي محمد بن إلياس صاحب كرمان.
стр. 8046
(١٥٧) وفي سنة سبع وخمسين وثلاث مئة (¬*)، استولى عضد الدولة على كرمان بعد موت محمد بن إلياس.
< مقتل أبي فراس الحمداني >
وفيها، في ربيع الآخر قتل أبو فراس بن حمدان، وكان مقيما بحمص فجرى بينه وبين شريف بن سيف الدولة وحشة، فطلبه سعد الدولة فانحاز أبو فراس إلى صدد، فأرسل إليه عسكرا مع قرعويه القائد، فكبسوا أبا فراس في صدد وقتلوه، وكان [أبو] (١) فراس خال سعد الدولة وابن عمه، واسم أبي فراس الحارث بن أبي العلاء سعيد بن حمدان، و [أبو] (١) فراس أسر بمنبج كما ذكرناه، وحمل إلى قسطنطينة، وأقام في الأسر أربع سنين وله في الأسر أشعار كثيرة، وكانت منبج إقطاعه، وقال ابن خالويه:
لما مات سيف الدولة عزم أبو فراس على التغلب على حمص واتصل (١٥٨) ذلك بسعد الدولة وقرعويه فأرسله إليه فقاتله في صدد، وقيل: بقي مجروحا ثم مات، وكان مولده سنة عشرين وثلاث مئة، وفي مقتله في صدد يقول بعضهم:
<المتقارب>
وعلمني الصدّ من بعده … عن النوم مصرعه في صدد
فسقيا لها إذ حوت شخصه … وبعدا لها حيث فيها ابتعد
***
وفيها، مات المتقي إبراهيم بن المقتدر أعمى في داره مخلوعا ودفن بها.
стр. 8047
وفي سنة ثمان وخمسين وثلاث مئة (¬*)، جهز المعز لدين الله العلوي القائد أبا الحسين جوهر <اً> غلام والده المنصور، وجوهر رومي الجنس، فسار جوهر في جيشه إلى الديار المصرية، فاستولى عليها، وكان سببه أنه لما مات كافور الإخشيدي اختلفت الأهواء بمصر وتفرقت الآراء، فبلغ ذلك المعز فجهز العسكر إليها فهربت العساكر الإخشيدية من جوهر قبل وصوله، ووصل القائد جوهر إلى مصر سابع عشر شوال، وقيل: شعبان، وأقيمت للمعز الدعوة بالجامع العتيق (١)، وكان الخطيب [أبو] (٢) محمد عبد الله بن الحسين السّمساطي، وفي جمادى الأولى من سنة تسع وخمسين قدم جوهر إلى جامع [ابن] (٣) طولون، وأمر فأذّن فيه ب «حيّ على خير العمل» (٤)، ثم أذّن بذلك في الجامع العتيق، وجهر في الصلاة ب «بسم الله الرحمن الرحيم»، ولما استقر جوهر بمصر شرع في بناء القاهرة، ولما استقر جوهر بمصر (١٥٩) جهز عساكره إلى الشام مع جعفر بن فلاح فبلغ الرّمله وبها الحسن بن عبد الله بن طغج وجرى بينهم حروب ظفر فيها عسكر المعز وأسر ابن طغج وغيره من القواد، فجهزوا إلى جوهر ثم إلى المعز، واستولت عساكر المعز على تلك البلاد، ثم سار جعفر بن فلاح بالعساكر إلى طبرية فوجد أهلها قد أقاموا الدعوة للمعز، فسار عنها إلى دمشق فقاتل أهلها
стр. 8048
فظفر بهم وملك دمشق وأقام الخطبة يوم الجمعة للمعز لأيام خلت من المحرم سنة تسع وخمسين، وقطعت الخطبة العباسية، وجرى في أثناء الخطبة فتنة بين أهل دمشق وجعفر بن فلاح، وجرى بينهم حروب وقطعوا الخطبة العلوية، ثم ظهر جعفر بن فلاح واستقرت دمشق للمعز العلوي.
وكان أبو تغلب بن ناصر الدولة بن حمدان وأخوه أبو البركات وأختهما فاطمة أولاد ناصر الدولة من فاطمة بنت أحمد الكردية، وكانت مالكة أمر زوجها، فاتفقت مع ابنها [أبي] (١) تغلب فضل الله الغضنفر وقبضوا ناصر الدولة كما ذكرناه (٢)، وكان لناصر الدولة ابن آخر اسمه حمدان، وكان ناصر الدولة أقطعه الرحبة وماردين وغيرهما، فلما قبض ناصر الدولة كاتب ابنه يستدعيه ليتقوى به على المذكورين، فظفر أولاده بالكتاب فخافوا أباهم وحذروه، وبلغ ذلك حمدان فعادى إخوته وكان أشجعهم، ولما خاف أبو تغلب من أبيه نقله إلى قلعة كواشي وحبسه بها (١٦٠) وبقي ناصر الدولة محبوسا بها شهورا، ومات ناصر الدولة [الحسن] (٣) بن عبد الله بن حمدان بقلعة كواشي في ربيع الأول هذه السنة، ووقع بين حمدان بن ناصر الدولة وبين أخويه أبي تغلب وأبي البركات حروب قتل فيها أبو البركات، ثم قوي أبو تغلب على أخيه حمدان وطرده عن بلاده واستولى عليها، وكان يلقب أبو تغلب بن ناصر الدولة عدّة الدولة الغضنفر.
وفيها، دخل الروم إلى الشام، ولم يمنعوا، فسار ملكهم (٤) إلى طرابلس وفتح قلعة عرقة بالسيف، ثم قصد حمص وقد أخلاها أهلها فأحرقها ورجع إلى
стр. 8049
الساحل، فأتى عليها نهبا وتخريبا وملك ثمانية عشر منبرا، وأقام في الشام شهرين، وعاد إلى بلاده ومعه من الأسرى والغنائم ما يفوق الحصر.
وفيها، استولى قرعويه غلام سيف الدولة على حلب وأخرج ابن أستاذه سعد الدولة أبا المعالي [شريفا] (١)، فسار سعد الدولة إلى والدته بميّافارقين وأقام عندها، ثم جرى بينهما وحشة، فسار سعد الدولة إلى حماة وأقام بها.
وفيها طلب سابور بن أبي طاهر القرمطي من أعمامه أن يسلموا الأمر إليه فحبسوه، ثم أخرج ميتا في منتصف رمضان.
وفي سنة تسع وخمسين وثلاث مئة (¬*)، سارت الروم إلى الشام وفتحوا أنطاكية بالسيف وقتلوا أهلها وغنموا، ثم قصدوا حلب وبها قرعويه فتحصن قرعويه بالقلعة وملك الروم مدينة حلب، وحاصروا (١٦١) القلعة ثم اصطلحوا على مال يحمله قرعويه إلى ملك الروم كل سنة عن حلب وأعمالها، ودفع أهل حلب الرهائن بالمال إلى ملك الروم فرحلت الروم عن حلب وعادت المسلمون.
وفيها، أرسلت الروم جيشا إلى ملازكرد من أرمينية فحصروها وأخذوها عنوة بالسيف، وصارت البلاد جميعها لا يمنع الروم عنها مانع. وكان قد غلب على ملك الروم رجل ليس من بيت الملك اسمه نقفور (٢)، وخرج إلى بلاد
стр. 8050
الإسلام وفتح من الشام وغيره ما ذكرنا، فعظمت هيبته، وكان قتل الملك الذي قبله وتزوج امرأته (١)، ثم أراد أن يخصي أولادها (٢) الذين هم من بيت الملك ليقطع نسلهم (٣) ويبقى الملك في نسل نقفور فعظم ذلك على أمهم زوجة نقفور فاتفقت مع الدمستق (٤) على قتله، وأدخلت الدمستق مع جماعة في زيّ النساء إلى كنيسة متصلة بدار نفقور، فلما نام نقفور وغلّقت الأبواب قامت زوجته وفتحت الباب الذي من جهة الكنيسة، وأدخلت الدمستق على نقفور وهو نائم فقتله وأراح الله المسلمين من شره، وأقام الدمستق أحد أولادها الذين من بيت الملك (٥).
وفيها، سار أبو تغلب إلى حران وحاصرها مدة وفتحها بالأمان واستعمل عليها البرقعيدي [وهو من أكابر أصحاب بني حمدان] (٦)، ثم عاد أبو تغلب إلى الموصل.
стр. 8051
وفيها اصطلح قرعويه مع ابن أستاذه شريف وخطب له بحلب، وكان (١٦٢) أبو المعالي حينئذ بحمص، وخطب بحمص وحلب للمعز العلوي، وخطب بمكة للمطيع وبالمدينة النبوية للمعز، وخطب أبو محمد الموسوي، والد <الشريف> الرضي خارج المدينة، للمطيع.
وفي سنة ستين وثلاث مئة (¬*) في ذي القعدة، وصلت القرامطة إلى دمشق وبلغ خبرهم جعفر بن فلاح نائب المعز فاستهان بهم، فكبسوه خارج دمشق وقتلوه، وملكوا دمشق وأمنوا أهلها، ثم ساروا إلى الرّملة فأمنوها وملكوها، واجتمع إليهم خلق من الإخشيدية فقصدوا مصر وجرى بينهم وبين جوهر قتال انتصروا فيه، ثم انتصر جوهر، فرحلت القرامطة إلى الشام مع كبيرهم الحسن بن أحمد بن بهرام.
وفيها استوزر مؤيد الدولة بن ركن الدولة الصاحب أبا القاسم بن عبّاد.
سنة إحدى وستين وثلاث مئة إلى سنة خمس وستين وثلاث مئة
في سنة إحدى وستين وثلاث مئة (¬**)، وصلت الروم إلى الجزيرة فغنموا وقتلوا، ووصلت الهرّاب إلى بغداد مستصرخين، فثارت العامة واستغاثوا إلى بختيار وهو في الصيد، فوعدهم الخروج إلى الغزاة، وأرسل يطلب من الخليفة المطيع مالا، فقال الخليفة: أنا ليس لي غير الخطبة، فإن أحببتم اعتزلت، فتهدده بختيار، فباع الخليفة (١٦٣) قماشه حتى حمل إلى بختيار ستة عشر ألف دينار، فأخرجها بختيار في مصالح نفسه وبطلت الغزاة، وشاع في الناس أنّ الخليفة صودر.
وفيها، سار المعز من أفريقية في آخر شوال، واستعمل عليها يوسف بلكّين بن
стр. 8052
زيري بن مناد الصّنهاجي، وعلى بلاد صقلّية أبا القاسم علي بن الحسن بن علي ابن أبي الحسين، وعلى طرابلس الغرب عبد الله بن خلف (١) الكتامي، واستصحب المعز معه أهله وخزائنه حتى سبك الدنانير وعملها كالطواحين، وحملها على جمال فلما وصل إلى برقة ومعه محمد بن هانئ الشاعر الأندلسي قتل غيلة (٢).
ثم سار المعز حتى وصل الإسكندرية آخر شعبان سنة اثنتين وستين وثلاث مئة.
وفيها، تم الصلح بين منصور بن نوح الساماني صاحب خراسان وبين ركن الدولة بن بويه على أن يحمل ركن الدولة إليه كل سنة مئة وخمسين ألف دينار، وتزوج منصور بابنة عضد الدولة.
وفيها، ملك عدّة الدولة أبو تغلب قلعة ماردين وأخذ منها أموال أخيه حمدان.
وفي سنة اثنتين وستين وثلاث مئة (¬*)، وصل الدمستق إلى ميّافارقين فنهب واستهان بالمسلمين فجهز إليه عدّة الدولة أخاه في جيش فانهزمت الروم، وأخذ الدمستق أسيرا وبقي في حبس أبي تغلب حتى مات.
وفيها، استوزر عز الدولة بختيار محمد بن بقية (١٦٤)، وكان ابن بقية وضيعا، وكان [أبوه] (٣) زراعا بأوانا.
стр. 8053
وفيها، حصلت الوحشة بين بختيار وبين أصحابه من الديلم والأتراك.
وفي سنة ثلاث وستين وثلاث مئة (¬*)، كان بختيار قد سار إلى الأهواز، وتخلف عنه سبكتكين الحاجب ببغداد، فأوقع بختيار بمن معه من الأتراك واحتاط على إقطاع سبكتكين فخرج عليه ببغداد مع من معه من الأتراك فنهب داره ببغداد، ولما حكم سبكتكين رأى المطيع عاجزا من المرض وقد ثقل لسانه وكان المطيع يستر ذلك، فلما انكشف لسبكتكين أمره أن يخلع نفسه من الخلافة ويسلمها لولده فأجاب إلى ذلك في منتصف ذي القعدة من هذه السنة، وكانت خلافته تسعا وعشرين سنة (١). واستقر أمر الطائع بالخلافة.
خلافة الطائع لله عبد الكريم بن الفضل المطيع رابع عشري بني العباس
وفي هذه السنة، سارت القرامطة إلى ديار مصر، وجرى بينهم وبين المعز حروب [آخرها أن القرامطة] (٢) انهزمت وقتل غالبهم، وأرسل المعز في أثرهم عشرة آلاف فارس، فسارت القرامطة إلى الحسا والقطيف، ولما انهزمت القرامطة وفارقوا الشام أرسل المعز القائد ظالم بن موهوب العقيلي إلى دمشق فدخلها، ثم وقع بين أهل دمشق وبينه فتن احترقت فيها نصف دمشق ودامت الفتن بينهم إلى سنة أربع وستين وثلاث مئة.
ولمّا (١٦٥) جرى لبختيار وسبكتكين ما ذكرنا انحدر سبكتكين بالأتراك
стр. 8054
إلى واسط، ومعه الخليفة الطائع والمطيع فمات بدير العاقول، ومات سبكتكين أيضا فحملا إلى بغداد، وقدم الأتراك عليهم ألفتكين (١)، وهو من أكابر قوادهم، وساروا إلى واسط وبها بختيار فنزلوا قريبا منه، ووقع القتال بينهم وبينه خمسين يوما والظفر للأتراك، ورسل بختيار وكتبه [متتابعة] (٢) إلى ابن عمه عضد الدولة بالحث والإسراع، وكتب إليه (٣): <الطويل>
فإن كنت مأكولا فكن أنت آكلي (٤) … وإلا فأدركني ولما أمزّق
فسار عضد الدولة إليه، وخرجت السنة والأمر على هذا الحال.
وفي سنة أربع وستين وثلاث مئة (¬*)، سار عضد الدولة بعساكر فارس لما أتته مكاتبات بختيار، فلما قارب [واسطا] (٥) رجع ألفتكين والأتراك إلى بغداد، وسار عضد الدولة من الجانب الشرقي، وأمر بختيار أن يسير من الجانب الغربي إلى بغداد، وخرجت الأتراك وقابلوا عضد الدولة فانهزموا وقتل عامتهم، وكانت الوقعة رابع عشر جمادى الأولى، فسار عضد الدولة ودخل بغداد، وكان الأتراك قد أخذوا الخليفة معهم فرده عضد الدولة إلى بغداد فوصل في المساء ثامن رجب، ولما استقر عضد الدولة ببغداد شغبت الجند على بختيار يطلبون أرزاقهم ولم يكن مع بختيار شيء، فأشار عليه عضد الدولة أن يغلق بابه ويتبرأ من الإمرة
стр. 8055
ليصلح الحال مع الجند ففعل بختيار ذلك، وصرف كتابه وحجابه فأشهد عليه (١٦٦) عضد الدولة أنه عاجز عن الإمرة: ثم استدعى بختيار وإخوته إليه وقبض عليهم في سادس عشري جمادى الآخرة، واستقر عضد الدولة ببغداد، وحمل إلى الخليفة ألف ألف دينار وأمتعة كثيرة.
ولما قبض بختيار كان ولده المرزبان بالبصرة فكتب إلى عمه ركن الدولة يشكو على عضد الدولة فعظم ذلك على ركن الدولة حتى ألقى نفسه إلى الأرض وامتنع [عن] (١) الأكل والشرب، وأنكر على ابنه أشد الإنكار، فأرسل إليه عضد الدولة يسأله أن يعوض بختيار ببعض مملكة فارس، وكان رسوله [أبو الفتح] (٢) بن العميد الوزير فأراد ركن الدولة قتله وقال: إن لم يعد بختيار إلى مملكته وإلا سرت إليه بنفسي، فلما رأى عضد الدولة غضب أبيه اضطر إلى امتثال أمره، فأخرج بختيار من محبسه وخلع عليه ورده إلى ملكه، وسار عضد الدولة إلى فارس في شوال من هذه السنة.
وكان ألفتكين من موالي معز الدولة بن بويه، وكان تركيا فلما انهزم من بختيار عند قدوم عضد الدولة سار إلى دمشق وأميرها ريّان الخادم من جهة المعز فاتفق أهل دمشق مع ألفتكين وأخرجوا [ريّان الخادم] (٣) وقطعوا خطبة المعز في شعبان، فعزم المعز على المسير من مصر لقتال ألفتكين، فاتفق موت المعز في تلك الأيام، وتولى ابنه العزيز فجهز القائد جوهر <اً> إلى الشام فوصل إلى دمشق وحصر ألفتكين، فأرسل ألفتكين إلى القرامطة فساروا إلى دمشق، فهرب جوهر (١٦٧) إلى مصر، فسار ألفتكين والقرامطة في أثره فلحقوه في عسقلان حتى