← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11790

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط المجمع الثقافي

ابن فضل الله العمري

Полный текст (8 839 стр.). Показаны 8121–8160 · переход к 8126.

стр. 8121

بعض في التخلي عن مسعود، ووقع بينهم الخلاف فعادت (٢٤٢) السلاجقة عليهم فهزمتهم أقبح هزيمة، وثبت السلطان مسعود في جمع قليل ثم انهزم وغنم السلاجقة منهم ما لا يحصى، وقسم جغرو بك داود ذلك على أصحابه وآثرهم على نفسه، وعادت السلاجقة إلى خراسان فاستولوا عليها، وخطب لهم على منابرها، وذلك في أواخر سنة إحدى وثلاثين وأربع مئة، وسنذكر باقي أخبارهم إن شاء الله تعالى. < مقتل السلطان مسعود الغزنوي وتملك ابنه مودود > ولما انهزم مسعود وعساكره من السّلجوقية إلى غزنة وصل إليها في شوال سنة إحدى وثلاثين وأربع مئة فقبض على مقدم عسكره شباوشي (١) وعلى عدة أمراء وجهز ابنه مودود <اً> إلى بلخ ليرد عنها داود بن ميكائيل، وكان مسير مودود إلى بلخ في سنة اثنتين وثلاثين وأربع مئة، وسار مسعود إلى بلاد الهند ليشتي بها على عادة والده فنهب أنوش تكين أحد قواده بعض الخزائن واجتمع إليه جمع وألزم محمد <اً> أخا مسعود بالقيام بالأمر فقام على كره، وبقي مسعود في جماعة من العسكر فالتقى الفريقان في منتصف ربيع الآخر سنة اثنتين وثلاثين وأربع مئة واقتتلوا فانهزم مسعود وتحصن في رباط، وحاصروه فخرج إليهم، فأرسله أخوه محمد إلى قلعة كيدي (٢) وحمل مع مسعود أهله وأولاده وأمر بإكرامه، ولما استقر محمد بن محمود بن سبكتكين في الملك فوض أمر دولته إلى ولده أحمد وكان به هوج فقتل عمه مسعود <اً> بقلعة كيدي بغير علم أبيه، فلما علم أبوه بذلك شق عليه وساءه [ذلك] (٣).

стр. 8122

وكان السلطان مسعود كثير الصدقة، تصدق مرة في رمضان بألف ألف درهم، وكان محسنا إلى العلماء، قصدوه وصنفوا له كتبا كثيرة (٢٤٣) وكان يكتب خطا حسنا، وكان ملكه فسيحا، ملك أصفهان والري وطبرستان وجرجان وخراسان وخوارزم وبلاد الران وكرمان وسجستان والسند والرخج وغزنة والغور، وأطاعه أهل البر والبحر. ولما قتل مسعود كان ابنه مودود بخراسان في حرب السلاجقة فلما بلغه قتل أبيه سار مجدا بعساكره إلى غزنة واقتتل مع عمه محمد فانهزم محمد وقبض مودود عليه وعلى ولده أحمد وأنوش تكين الذي نهب الخزائن، وكان أنوش تكين خصيا فقتلهم مودود وقتل جميع أولاد عمه محمد خلا [عبد الرحيم] (١)، وكذلك قتل من دخل في القبض على والده مسعود، ودخل مودود إلى غزنة في ثالث عشري شعبان هذه السنة، واستقر له الأمر بغزنة، وسلك حسن السيرة، وراسله ملك الترك بما وراء النهر بالانقياد له ومتابعته. *** وفي سنة ثلاث وثلاثين وأربع مئة (¬*)، توفي علاء الدولة أبو جعفر بن شهريار المعروف بابن كاكويه، وكان شجاعا ذا رأي، وقام بأصفهان بعده ولده أبو منصور فرامرز وهو أكبر أولاده، وسار ولده كرشاسف إلى همذان فأخذها لنفسه. وفيها، ملك السلطان طغرلبك جرجان وطبرستان.

стр. 8123

وفيها أمر المستنصر العلوي أهل دمشق بالخروج عن طاعة الدّزبري فخرجوا عليه، فسار إلى حماة فعصى عليه أهلها، فكاتب مقّلد بن منقذ الكفرطابي فحضر إليه في ألفي رجل من كفرطاب واحتمى به، وسار إلى حلب فدخلها وأقام بها مدة، وتوفي منتصف جمادى الآخرة من هذه السنة (٢٤٤)، وقد تقدم ذكره في سنة اثنتين وأربع مئة (١). وكان الدّزبري يلقب بأمير الجيوش واسمه أنوش تكين وهو منسوب إلى دزبر بن رويتم الديلمي، ولما فسد أمر الشام وطمعت العرب فخرج أبو علي ثمال صاحب الرحبة ولقبه معز الدولة بن صالح ابن مرداس الكلاني وسار إلى حلب فملكها، وعاد حسان بن مفرج الطائي فاستولى على فلسطين وقد تقدم ذكر مسيره إلى قسطنطينية في سنة اثنتين وعشرين وأربع مئة وعوده (٢). وفيها جهز الملك أبو كاليجار عسكرا من فارس إلى عمان فملكوها. وفيها توفي العادل أبو منصور بهرام وزير [أبي كاليجار] (٣)، ومولده سنة ست وستين وثلاث مئة، وكان عادلا، بنى دار الكتب بفيروزآباد فيها سبعة آلاف مجلد. وفي سنة أربع وثلاثين وأربع مئة (¬*) ملك السلطان طغرلبك خوارزم، وكانت من مملكة محمود بن سبكتكين ثم صارت لابنه مسعود ونائبه فيها الطّنطاش حاجب أبيه محمود فمات فولاها مسعود ابنه هارون بن الطّنطاش ولقبه خوارزم شاه، ثم قتل هارون جماعة من غلمانه عند خروجه للصيد، فاستولى على البلد

стр. 8124

رجل يقال له عبد الجبار، فوثب غلمان هارون بعبد الجبار وقتلوه، وولوا إسماعيل بن الطّنطاش أخا هارون، فسار شاه ملك ابن علي وكان ملكا على بعض أطراف تلك البلاد فاستولى على خوارزم، وهزم إسماعيل عنها، ثم سار طغرلبك إلى خوارزم فاستولى عليها وهزم شاه ملك، واستقرت في ملك طغرلبك في هذه السنة، ثم استولى طغرلبك على ملك الجبل في هذه السنة. (٢٤٥) وفيها، لما افتتحت الجوالي (١) ببغداد أخذها جلال الدولة، وكانت العادة أن يأخذها الخلفاء لا يعارضهم فيها الملوك، فأرسل القائم إلى جلال الدولة في ذلك مع أبي الحسن الماوردي، فلم يلتفت جلال الدولة إليه، فعزم القائم على مفارقة بغداد فلم يتم له ذلك. وفيها، في رجب، خرج بمصر رجل اسمه سكين، وكان يشبه الحاكم خليفة مصر فادعى أنه الحاكم [(٢) واتبعه جماعة يعتقدون رجعة الحاكم، وقصدوا دار الخليفة وقت الخلوة، وقالوا: هذا الحاكم،] فارتاع من كان بالباب في ذلك الوقت، ثم ارتابوا به فقبضوا عليه وصلبوه مع أصحابه. وفي سنة خمس وثلاثين وأربع مئة (¬*) في شعبان، توفي جلال الدولة أبو طاهر ابن بهاء الدولة بن عضد الدولة بن ركن الدولة بن بويه ببغداد، وكان مرضه ورما في كبده، وكان مولده سنة ثلاث وثلاثين وثلاث مئة، وملكه بغداد ست عشرة سنة وأحد عشر شهرا، ولما مات كان ابنه الملك العزيز أبو منصور بواسط

стр. 8125

فكاتبه الجند [فيما يحمله إليهم] (١) فلم ينتظم له أمر، فسار يطلب النجدة من الملوك مثل قرواش وأبي الشوك فلم ينجده أحد. فقصد نصر الدولة بن مروان وتوفي عنده بميّافارقين سنة إحدى وأربعين وأربع مئة، وكاتب الملك أبو كاليجار عسكر بغداد فاستقر له الأمر، وهو أبو كاليجار بن سلطان الدولة بن بهاء الدولة ابن عضد الدولة، وخطبوا له ببغداد في صفر سنة ست وثلاثين وأربع مئة. وفيها، فتح مودود بن مسعود عدة حصون من بلاد الهند. وفيها، أسلم من الترك خمسة آلاف خركاه، وتفرقوا في بلاد الإسلام، ولم يتأخر عن الإسلام غير الخطا والتتر، وكانوا بنواحي الصين. وفيها، ترك شرف الدولة لنفسه من ملك الترك بلاساغون وكاشفر (٢٤٦) وأعطى أخاه أرسلان تكين كثيرا من بلاد الترك، وأعطى أخاه بغراخان أطرار وأسبيجاب، وأعطى عمه طغان فرغانة بأسرها، وأعطى علي تكين بخارى وسمرقند، وقنع شرف الدولة المذكور من أهله بالطاعة [له] (١). وفيها، قطع المعز بن باديس بأفريقية خطبة العلويين خلفاء مصر، وخطب للقائم العباسي خليفة بغداد، ووصلت خلع القائم والأعلام على طريق قسطنطينية في البحر. وفي سنة ست وثلاثين وأربع مئة (¬*)، خطب للملك أبي كاليجار ببغداد، وخطب له أيضا أبو الشوك ببلاده ودبيس بن مزيد ببلاده، ونصر الدولة بن مروان بديار بكر، وسار أبو كاليجار إلى بغداد ودخلها في رمضان هذه السنة، وزينت بغداد لقدومه.

стр. 8126

وفيها، أمر أبو كاليجار ببناء سور مدينة شيراز فأحكم بناءه، ودوره اثنا عشر ألف ذراع في ارتفاع ثمانية أذرع وله أحد عشر بابا. وفرغ منه في سنة أربعين وأربع مئة. وفي سنة سبع وثلاثين وأربع مئة (¬*)، أمسك السلطان طغرلبك أخاه [إبراهيم ابن ينال] (١) فأخذ همذان من كرشاسف بن علاء الدولة بن كاكويه، واستولى على الدّينور وأخذها من أبي الشوك، وأخذ الصيمرة. وفيها، توفي أبو الشوك (٢٤٧) فارس بن محمد بن عنان بقلعة السيروان، ولما توفي غدر الأكراد بابنه سعدي وصاروا مع أخيه مهلهل. وفيها، قتل عيسى بن موسى الهذباني (٢) صاحب إربل قتله [ابنا] (٣) أخيه، وملكا قلعة إربل، وكان لعيسى أخ آخر اسمه سلار قد نزل على قرواش صاحب الموصل لوحشة كانت بينه وبين أخيه عيسى، فلما بلغه قتل أخيه سار إلى إربل صحبة قرواش فملكها وعاد قرواش إلى الموصل. وفيها، توفي أحمد بن يوسف المنازي، وزّر لأبي نصر أحمد بن مروان الكردي صاحب ديار بكر، وترسل إلى القسطنطينية وكان من أعيان الفضلاء، وجمع كتبا كثيرة ووقفها على جامع ميّافارقين وجامع آمد، وهي إلى قريب

стр. 8127

كانت موجودة بخزائن الجامعين، وكان قد اجتاز في بعض أسفاره بوادي بزاعا، فأعجبه حسنه، فقال فيه (١): <الوافر> وقانا لفحة الرمضاء واد … وقاه مضاعف النّبت العميم (٢) نزلنا دوحه فحنا علينا … حنوّ المرضعات على الفطيم وأرشفنا على ظمأ زلالا … ألذ من المدامة للنديم تروع حصاه حالية العذارى … فتلمس جانب العقد النظيم وفي سنة ثمان وثلاثين وأربع مئة (¬*)، ملك [مهلهل بن] (٣) محمد بن عنان أخو أبي الشوك قرميسين والدّينور بعد أن كان قد استولى (٢٤٨) عليها أخو طغرلبك (٤). وفي سنة تسع وثلاثين وأربع مئة (¬**)، استولى عسكر الملك أبي كاليجار على البطيحة، وأخذوها من أبي نصر بن الهيثم، وهرب ابن الهيثم في زبزب. [(٥) وفيها، كان بالعراق غلاء عظيم حتى أكل الناس الميتة وببغداد حتى خلت الأسواق.

стр. 8128

وفيها، مات بغراخان محمد بن قدرخان يوسف، وقبض على أخيه عمر بن قدر خان يوسف وماتا جميعا مسمومين في هذه السنة، وكان قد ملك عمر المذكور في سنة ثلاث وعشرين وأربع مئة حسبما تقدم (١)، فسار شمس الملك طفقاج خان (٢) أبو إسحاق إبراهيم بن نصر إيلك خان من سمرقند وملك بلادهما، وتوفي طفقاج سنة اثنتين وستين وأربع مئة]. < وفاة الملك أبي كاليجار بن سلطان الدولة وتملك ولده الملك الرحيم > وفي سنة أربعين وأربع مئة (¬*) توفي الملك أبو كاليجار المرزبان بن سلطان الدولة بن بهاء الدولة بن عضد الدولة في رابع جمادى الأولى بمدينة جنابة (٣) من كرمان، وكان قد سار إلى كرمان لخروج عامله بهرام الديلمي عن طاعته، فمرض من قصر مجاشع وتمّ سائرا فضعف عن الركوب فركب في محفة فتوفي في جنابة وعمره أربعون سنة و [شهور] (٤) وكان ملك العراق أربع سنين وشهرين، ولما توفي نهبت الأتراك الخزائن والسلاح والدواب من العسكر، وكان معه ولده أبو منصور فلاستون فعاد إلى شيراز وملكها، ولما وصل خبر وفاته إلى بغداد وبها ولده الملك الرحيم أبو نصر خسره فيروز جمع الجند واستحلفهم واستولى على بغداد، ثم أرسل الملك الرحيم عسكرا إلى شيراز فقبضوا على أخيه فلاستون وعلى والدته في شوال هذه السنة، وخطب للملك الرحيم بشيراز، ثم سار من بغداد إلى خوزستان فلقيه من بها (٢٤٩) من الجند

стр. 8129

وأطاعوه، ومن جملتهم كرشاسف بن علاء الدولة صاحب همذان، فإنه كان قد قدم إلى أبي كاليجار لما أخذ منه إبراهيم بن ينال همذان. سنة إحدى وأربعين وأربع مئة إلى سنة خمسين وأربع مئة في سنة إحدى وأربعين وأربع مئة (¬*)، جمع فلاستون بن أبي كاليجار جمعا بعد أن خلص من الاعتقال واستولى على بلاد فارس. وفيها، جرى بين طغرلبك وأخيه إبراهيم وحشة أدت إلى قتال انهزم فيه إبراهيم بن ينال وعصى بقلعة سرماح فحصره طغرلبك واستنزله قهرا. وفيها، أرسل ملك الروم (١) إلى طغرلبك هدية عظيمة، وطلب منه المعاهدة فأجابه إليها، وعمر مسجد القسطنطينية وأقام فيه الصلاة والخطبة لطغرلبك ودانت الناس له وتوطد ملكه. وفيها، أفرج طغرلبك عن إبراهيم بن ينال أخيه فتركه معه. وفيها، توفي أبو الفتح مودود بن مسعود بن محمود بن سبكتكين صاحب غزنة، وعمره تسع وعشرون سنة، وملك تسع سنين وعشرة أشهر (٢)، وكان

стр. 8130

موته بغزنة، واستقر في الملك بعده عمه عبد الرشيد بن محمود بن سبكتكين، وكان مودود قد حبس عمه المذكور فخرج بعد موته ولقب شمس دين الله سيف الدولة. وفيها، سار البساسيري كبير الأتراك ببغداد (٢٥٠) وملك الأنبار وأظهر العدل وحسن السيرة، ولما قرر قواعدها عاد إلى بغداد. وفيها، ملك عسكر خليفة مصر حلب من ثمال بن صالح بن مرداس الكلابي على ما قدمناه في سنة اثنتين وأربع مئة (١). وفيها، وقعت الفتنة ببغداد بين السنة والشيعة وعظم الأمر حتى بطلت الأسواق، وشرع أهل الكرخ في بناء سور محيط بالكرخ، وشرع السنة في بناء سور على [سوق] (٢) القلايين، وكان الأذان في الشيعة ب: «حي على خير العمل»، وفي أماكن السنة: «الصلاة خير من النوم». وفيها، توفي منصور بن جلال الدولة، وله شعر جيد. وفي سنة اثنتين وأربعين وأربع مئة (¬*)، سار السلطان طغرلبك من خراسان وحاصر أصفهان وبها أبو منصور بن علاء الدولة بن كاكويه، وطال محاصرته قريب سنة وأخذها بالأمان، ودخل طغرلبك أصفهان في محرم سنة ثلاث وأربعين، واستطابها ونقل إليها ما كان له بالري من سلاح وذخائر. وفيها، استولى أبو كامل بركة بن مقلّد على أخيه قرواش ولم يكن لقرواش معه تصرف في المملكة، بل غلب عليها بركة ولقب زعيم الدولة. ولما قطع المعز بن باديس خطبة العلويين من أفريقية وخطب للعباسيين عظم

стр. 8131

على المستنصر العلوي وأرسل إلى المعز بن باديس في ذلك، وأغلظ له المعز في الجواب، وكان وزير المستنصر الحسن بن علي اليازوري ويازور [من أعمال] (١) الرّملة فاتفقا على إرسال زغبة ورياح وهما (٢٥١) قبيلتان من العرب، وكان بينهم حرب، فأصلح المستنصر بينهم وجهزهم بالأموال فاستولوا على برقة، فسار إليهم المعز بن باديس فهزموه، وساروا إلى أفريقية وحصروا المدن، ونزل بأهل أفريقية من البلاء ما لم يعهدوه، ثم جمع المعز أربعين ألف فارس وصافّهم فهزموه أيضا، ودخل المعز القيروان مهزوما، ثم جمع ثمانين ألف فارس وقاتلهم فانهزم، وكثر القتل في أصحابه، ووصلت العرب إلى القيروان، ونزلوا يحاصرون البلاد وينهبونها إلى سنة تسع وأربعين، وانتقل المعز إلى المهدية في رمضان سنة تسع وأربعين وأربع مئة. وفيها، سار مهلهل بن محمد بن عنان أخو أبي الشوك إلى السلطان طغرلبك، فأحسن إليه طغرلبك وأقره على بلاده ومن جملتها السيروان ودقوقاء وشهرزور والصامغان، وكان سرخاب أخو مهلهل محبوسا عند طغرلبك فأطلقه لأخيه مهلهل. وفي سنة ثلاث وأربعين وأربع مئة (¬*)، كانت الفتنة بين السنة والشيعة ببغداد، وأحرق قبر موسى بن جعفر، وقبر زبيدة، وقبور ملوك بني بويه وجميع الترك الذين حولها، وقصد أهل الكرخ إلى خان الحنفيين وقتلوا مدرسهم أبا سعد (٢) السّرخسي، وأحرقوا الخان ودور الفقهاء، ثم صارت الفتنة إلى الجانب الشرقي فاقتتل أهل باب الطاق وسوق يحيى والأساكفة.

стр. 8132

وفيها، توفي زعيم الدولة بركة بن المقلّد (٢٥٢) بتكريت، واجتمع أكابر الدولة على إقامة [ابن أخيه قريش] (١) بن بدران بن المقلد، وكان بدران بن المقلد صاحب نصيبين (٢) ثم صارت لابنه قريش بعده، وكان قرواش [معتقلا] (٣) منذ اعتقله أخوه بركة مع القيام برواتبه، فلما تولى قريش نقل عمه قرواشا إلى قلعة الجراحية من [أعمال] (٤) الموصل فاعتقله بها. وفيها، وقت العصر، ظهر ببغداد كوكب له ذوائب غلب نوره على نور الشمس، وسار سيرا بطيئا ثم انفض. وفيها، وصل رسول طغرلبك إلى الخليفة بالهدايا. وفيها، توفي كرشاسف بن علاء الدولة بالأهواز. وكان قد استخلفه بها الملك الرحيم بن [أبي] (٤) كاليجار. وفي سنة أربع وأربعين وأربع مئة (¬*)، قتل عبد الرشيد بن محمود بن سبكتكين قتله الحاجب طغريل حاجب مودود بن مسعود، وكان أقره عبد الرشيد وقدمه فطمع في الملك وخرج على عبد الرشيد. فانحصر عبد الرشيد بقلعة غزنة، وحصره طغريل حتى سلمه أهل القلعة إليه فقتله وتزوج بنت السلطان مسعود كرها، ثم اتفق كبراء الدولة وقتلوا طغريل (٥) وأقاموا فرّخزاد بن

стр. 8133

مسعود [بن محمود] (١) بن سبكتكين وكان محبوسا فأحضر وبويع وقام بالأمر بين يديه خرخيز أمير الأعمال الهندية فتتبع كل من أعان على قتل عبد الرشيد وقتله. وفيها، <في> مستهل رجب، توفي معتمد الدولة أبو منيع قرواش بن المقلّد العقيلي الذي كان صاحب الموصل بقلعة الجراحية، وحمل فدفن بتل توبة من مدينة نينوى شرقي (٢٥٣) الموصل، وقيل إن ابن أخيه قريش بن بدران أحضر عمه قرواشا وقتله في مجلسه. وكان قرواش عاقلا، وله شعر فمنه (٢): <الكامل> لله درّ النائبات فإنّها … صدأ القلوب وصيقل الأحرار ما كنت إلا زبرة فطبعنني … سيفا وأطلق صرفهنّ غراري وجمع قرواش المذكور بين أختين في نكاحه، فقيل له: إن الشريعة تحرم هذا، فقال: وأي شيء عندنا تجيزه الشريعة؟. وقال مرة: ما برقبتي غير خمسة قتلتهم من البادية، وأما الحاضرة فلا يعبأ الله بهم. وفيها، قبض على [أبي عشام] (٣) بن خميس بن معن صاحب تكريت أخوه عيسى واستولى عليها. وفيها، كان بخوزستان زلازل عظيمة، وكان معظمها بأرّجان فانفرج فيها جبل بأرّجان وظهر في وسطه درجة بالآجر والجص فتعجب منها الناس، وكذلك زلزلت خراسان وأشدها بيهق (٤)، وخرب سور [قصبة] (٥) بيهق، وبقي خرابا

стр. 8134

حتى عمره نظام الملك سنة أربع وستين وأربع مئة، ثم خربه أرسلان أرغو، ثم عمره مجد الملك البلاساني. وفيها، كانت الفتنة بين السنة والشيعة، وأعادت الشيعة الأذان ب: «حي على خير العمل»، وكتبوا على مساجدهم: «محمد وعلي خير البشر». وفي سنة خمس وأربعين وأربع مئة (¬*)، عاد فلاستون بن أبي كاليجار وأخذ شيراز من أخيه أبي سعيد، ولما استقر فلاستون بشيراز خطب فيها لطغرلبك ولأخيه الملك الرحيم ولنفسه بعدهما. (٢٥٤) وفي سنة ست وأربعين وأربع مئة (¬**)، سار طغرلبك إلى أذربيجان وقصد تبريز فأطاعه صاحبها، وهشوذان وخطب له فيها وحمل إليه ما أرضاه، وكذلك فعل أصحاب تلك البلاد، ولما استقر له أذربيجان على ما ذكرنا سار إلى أرمينية وقصد مناذكرد (١) وهي للروم وحاصرها ولم يملكها، ثم إنه [عبر إلى الروم و] (٢) غزا [في] (٢) الروم ونهبهم، [وقتل] (٢) وأثر فيهم أثرا عظيما. وفيها، حصلت الوحشة بين البساسيري و [الخليفة] (٢) القائم. وفي سنة سبع وأربعين وأربع مئة (¬***)، قتل الأمير أبو حرب سليمان بن نصر الدولة بن مروان صاحب الجزيرة، قتله عبيد الله بن أبي طاهر البشنوي الكردي.

стр. 8135

وفيها، ثارت جماعة من السنة ببغداد وقصدوا دار الخلافة، وطلبوا أن يؤذن لهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فأذن لهم، ثم استأذنوا في نهب دور البساسيري وكان بواسط فأذن لهم الخليفة فنهبوها وأحرقوها، وأرسل الخليفة يأمر الملك الرحيم بإبعاد البساسيري فأبعده، وقدم الملك الرحيم من واسط إلى بغداد، وسار البساسيري إلى دبيس بن مزيد لمصاهرة بينهما. وفيها، سار طغرلبك حتى نزل حلوان فعظم الإرجاف ببغداد، وأرسل قواد بغداد يبذلون له الطاعة والخطبة فأجابهم طغرلبك إلى ذلك وتقدم الخليفة [بذلك] (١) فخطب له بجامع بغداد لثمان بقين من رمضان هذه السنة، ثم إن طغرلبك استأذن في دخول بغداد فتوجهت إليه الرسل وحلّفوه للخليفة القائم والملك الرحيم فحلف، ودخل بغداد فنزل بباب الشمّاسيّة. < ذكر القبض على الملك الرحيم وانقراض دولة بني بويه > (٢٥٥) ولما وصل طغرلبك إلى بغداد دخل بعض عسكره يتحوّجون فجرى بين بعضهم وبين السوقة هوشة، وثارت أهل تلك المحلة على عسكر طغرلبك ونهبوهم وثارت الفتنة بينهم ببغداد، وخرجت العامة إلى وطاقات طغرلبك فركب وأوقع بالعامة، وأرسل يقول: إن كان هذا من الملك الرحيم فهو لا يقدر أن يحضر إلينا، وإن كان بريئا فسوف يحضر، فأرسل الخليفة إلى الملك الرحيم أن يخرج هو وكبار القواد وأنهم في أمان الخليفة، فخرجوا إلى طغرلبك فقبض على الملك الرحيم وعلى القواد الذين معه، فعظم ذلك على الخليفة، وأرسل إلى طغرلبك في أمرهم، ويشكو عدم حرمته وعدم الالتفات إلى أمانه، فأفرج

стр. 8136

طغرلبك عن بعض القواد واستمر بالباقين وبالملك الرحيم في الاعتقال، وهذا الملك الرحيم آخر من ملك العراق من بني بويه. وكان أول من استولى على العراق وبغداد منهم: معز الدولة أحمد بن بويه. ثم ابنه بختيار. ثم [ابن عمه] (١) عضد الدولة بن ركن الدولة [بن بويه] (١). ثم ابنه صمصام الدولة أبو كاليجار (٢) المرزبان [بن عضد الدولة] (٣). ثم أخوه شرف الدولة [شيرزيك بن عضد الدولة. ثم أخوه بهاء الدولة أبو نصر بن عضد الدولة. ثم ابنه سلطان الدولة أبو شجاع بن بهاء الدولة (١). ثم أخوه مشرف الدولة [بن بهاء الدولة] (١). ثم أخوه جلال الدولة بن بهاء الدولة. ثم ابن أخيه أبو كاليجار المرزبان بن سلطان الدولة [بن بهاء الدولة] (١). ثم ابنه الملك الرحيم خسره فيروز بن أبي كاليجار بن سلطان الدولة بن بهاء الدولة بن عضد الدولة بن ركن الدولة حسن بن بويه، وهو آخرهم. ***

стр. 8137

وفيها وقعت الفتنة بين الشافعية والحنابلة ببغداد، فانكرت الحنابلة على الشافعية (٢٥٦) الجهر بالبسملة والقنوت في الصبح والترجيع في الأذان. وفي سنة ثمان وأربعين وأربع مئة (¬*)، تزوج الخليفة القائم ببنت جغروبك داود أخي طغرلبك. وفيها، وقعت فتنة بين عبيد المعز بن باديس وبين عبيد ابنه تميم فانتصرت عبيد تميم وقتلوا في عبيد المعز وأخرجوهم من المهدية.

стр. 8138

وفيها (١) كان: ابتداء دولة الملثمين والملثمون من عدة قبائل ينتسبون إلى حمير، وكان أول مسيرهم من اليمن في أيام أبي بكر الصديق ﵁، سيرهم إلى الشام وانتقلوا إلى مصر، ثم إلى المغرب مع موسى بن نصير، وتوجهوا مع طارق إلى طنجة، وأحبوا الانفراد فدخلوا إلى الصحراء واستوطنوها. فلما كانت هذه السنة توجه رجل منهم من قبيلة جدالة طالبا الحج يقال له جوهر، فلما عاد استصحب معه فقيها من القيروان يقال له عبد الله بن ياسين الكزولي ليعلم تلك القبائل دين الإسلام، فإنه لم يبق فيهم غير الشهادتين، والصلاة في بعضهم، فتوجه ابن ياسين مع جوهر حتى أتى قبيلة لمتونة وهي قبيلة يوسف بن تاشفين أمير المسلمين، ودعاها إلى العمل بشرائع الإسلام، فقالت لمتونة: أما الصلاة والزكاة والصوم فقريب، وأما قولكما من زنى يرجم، ومن سرق يقطع، ومن قتل يقتل فهذا أمر لا نلتزمه، فذهبا إلى جدالة قبيلة جوهر، [فدعواهم] (٢) والقبائل التي حولهم، فأجاب أكثرهم وامتنع (٢٥٧) أقلهم، فقال ابن ياسين للذين أجابوا إلى شرائع الإسلام: يجب عليكم قتال المخالفين لشرائع الإسلام وأقيموا لكم أميرا، قالوا: أنت أميرنا، فامتنع، وقال لجوهر: أنت، قال: أخاف من تسلط قبيلتي على الناس، ثم اتفقا على أبي بكر ابن عمر رأس قبيلة لمتونة لأنه سيد مطاع يلزم قبيلته وغيرها، فأتيا أبا بكر بن عمر وعرضا عليه ذلك فقبل، وعقدا له البيعة وسماه ابن ياسين أمير المسلمين،

стр. 8139

واجتمع إليه كل من حسن إسلامه، وحرضهم عبد الله بن ياسين على الجهاد وسماهم المرابطين، فقتلوا من أهل البغي والفساد <و> كل من لم يجب إلى الشرع نحو ألفي رجل، فدانت لهم قبائل الصحراء وقويت شوكتهم، وتفقه منهم جماعة على عبد الله بن ياسين، ولما استبد عبد الله بن ياسين و [أبو] (١) بكر بن عمر بالأمر داخل جوهرا الحسد، فأخذ في إفساد الأمر فعقد له مجلس حكم عليه بالقتل لكونه شق العصا، وأراد محاربة أهل الحق، فصلى جوهر ركعتين وسرّ بالقتل طلبا للقاء الله تعالى وقتلوه. ثم جرى بين المرابطين وبين أهل السوس حرب قتل فيه عبد الله بن ياسين الفقيه، ثم سار المرابطون إلى سجلماسة واقتتلوا مع أهلها فانتصر المرابطون وملكوا سجلماسة، فلما ملك أبو بكر بن عمر سجلماسة استعمل عليها يوسف ابن تاشفين اللّمتوني وهو من بني عم أبي بكر بن عمر وذلك في سنة ثلاث وخمسين وأربع مئة، ثم استعمل أبو بكر على سجلماسة ابن أخيه وبعث يوسف بن تاشفين ومعه جيش من المرابطين إلى السّوس ففتح على يديه (٢٥٨)، وكان يوسف رجلا ديّنا حازما داهية، واستمر الأمر كذلك إلى أن توفي أبو بكر بن عمر سنة اثنتين وستين وأربع مئة، فاجتمعت [المرابطون] (٢) على يوسف بن تاشفين وملكوه عليهم ولقبوه أمير المسلمين، ثم سار إلى المغرب وافتتحها حصنا حصنا وكان غالبها لزناتة، ثم إن يوسف قصد موضع مرّاكش وهو قاع صفصف فبنى فيه مدينة مرّاكش وجعلها دار ملكه، وملك طنجة وسبتة وسلا وغيرها وكثرت عساكر المرابطين ويقال لهم [الملثّمون] (٣) لأنّهم

стр. 8140

كانوا يتلثمون على زي العرب، فلما ملكوا ضيقوا لثامهم [ليتميزوا به] (١)، وقيل إن قبيلة لمتونة خرجوا غائرين على عدو لهم وألبسوا نساءهم لبس الرجال ولثموهن، فقصد بعض أعدائهم بيوتهم فوجدوا النساء [ملثمات] (٢) فظنوهن رجالا فلم يقدموا عليهن، واتفق وصول رجالهم في ذلك التاريخ فأوقعوا بأعدائهم وتبركوا باللثام وجعلوه سنة فقيل لهم: الملثّمون.

стр. 8141

< رحيل طغرلبك عن بغداد > ولما أقام طغرلبك ببغداد ثقلت وطأة عسكره على الرعية فرحل عن بغداد عاشر ذي القعدة من هذه السنة، أعني سنة ثمان وأربعين وأربع مئة، وكان مقامه ببغداد سنة وشهر <اً> لم يلق الخليفة فيها، وتوجه إلى نصيبين ثم سار إلى ديار بكر التي لابن مروان. < عودة طغرلبك إلى بغداد واجتماعه بالخليفة القائم > وفي سنة تسع وأربعين وأربع مئة (¬*)، عاد طغرلبك إلى بغداد بعد استيلائه على الموصل وأعمالها وتسليمه إياها إلى أخيه إبراهيم بن ينال، ولما قارب [طغرلبك الفقص] (١) خرج لتلقيه وزيره عميد الملك (٢) (٢٥٩) ورئيس الرؤساء وزير الخليفة (٣)، ودخل بغداد وقصد الاجتماع بالخليفة القائم فجلس له الخليفة على سرير طوله سبعة أذرع وعليه البردة، وحضر طغرلبك ومعه أعيان بغداد وكبراء العسكر وذلك يوم السبت لخمس بقين من ذي القعدة هذه السنة، فقبل طغرلبك الأرض ويد الخليفة وجلس على كرسي، وقال له (٤) رئيس الرؤساء: إن

стр. 8142

أمير المؤمنين ولاك جميع ما ولاه الله من بلاده، ورد إليك مراعاة عباد الله فاتق الله فيما ولاك [واعرف نعمته عليك] (١)، وخلع على طغرلبك وسوّر (٢)، وأعطي العهد، فقبل الأرض [ويد الخليفة] (١) ثانيا وانصرف، ثم بعث طغرلبك إلى الخليفة مئة مملوك من الأتراك بخيولهم ومناطقهم ومع كل واحد منهم ألف دينار ودرّة. وفيها قبض المستنصر خليفة مصر على وزيره اليازوري وهو الحسن بن عبد الله، كان قاضيا في الرملة على مذهب أبي حنيفة، ولما قبض وجد له مكاتبات إلى بغداد. (٢٦٠) .............................. (٢٦١) وفي سنة خمسين وأربع مئة (¬*) سار إبراهيم <بن> ينال بعد انفصاله عن الموصل إلى همذان، وسار طغرلبك في أثره وتبعه جند بغداد، فقصد البساسيري بغداد ومعه قريش بن بدران العقيلي في مئتي فارس، ووصل إليها يوم الأحد ثامن ذي القعدة ومعه أربع مئة غلام ونزل بمشرعة الزوايا وخطب بجامع المنصور للمستنصر العلوي خليفة مصر، وأمر فأذّن ب «حيّ على خير العمل»، ثم عبر عسكره إلى الزاهر، وخطب بالجمعة الأخرى من وصوله للمصري بجامع الرّصافة، وجرى بينه وبين مخالفيه حروب، وجمع البساسيري جماعة ونهب الحريم، ودخل الباب النوبي، فركب الخليفة القائم لابسا للسواد وعلى كتفيه البردة وبيده سيف وعلى رأسه لواء وحوله زمرة من العباسيين،

стр. 8143

والخدم بالسيوف المسلة، وسرى النهب إلى باب الفردوس من داره فلما رأى الخليفة ذلك رجع إلى ورائه وصعد المنظرة ومعه رئيس الرؤساء، وقال رئيس الرؤساء لقريش بن بدران: يا علم الدين أمير المؤمنين القائم يستذم بذمامك وذمام رسول الله ﷺ وذمام العربية على نفسه وماله وأهله، فأعطاه قريش بحضرته ذماما فنزل القائم ورئيس الرؤساء إلى قريش وسارا معه، فأرسل البساسيري إلى قريش وقال له: أتخالف ما استقر بيننا؟ وكان قد استقر بينهما أن لا يستبد أحد دون الآخر، ثم اتفقا على تسليم رئيس الرؤساء إلى البساسيري لأنه عدوه، ويبقى الخليفة عند قريش، وحمل قريش الخليفة إلى معسكره (٢٦٢) بالبردة والقضيب واللواء، ونهبت دار الخلافة وحريمها أياما، ثم سلم قريش الخليفة إلى ابن عمه مهارش، فسار به مهارش إلى حديثة عانة، فنزل بها وسار أصحاب الخليفة إلى طغرلبك، وأما البساسيري فإنه ركب يوم عيد النحر إلى المصلى وعلى رأسه ألوية خليفة مصر، وأحسن إلى الناس، ولم يتعصب لمذهب، وكانت والدة القائم باقية قاربت تسعين سنة، فأفرد لها البساسيري دارا وأعطاها جاريتين من جواريها، وأجرى لها الجراية، وكان قد حبس البساسيري رئيس الرؤساء، فأحضره من الحبس، فقال رئيس الرؤساء: العفو، فقال البساسيري: أنت قدرت فما عفوت، وأنت صاحب طيلسان، وفعلت الأفعال القبيحة مع حرمي وأطفالي، وكان قد ألبس رئيس الرؤساء طرطورا أحمر استهزاء به، وفي رقبته مخنقة جلود وطافوا به إلى النجمي وهو يقرأ: ﴿قُلِ اَللّهُمَّ مالِكَ اَلْمُلْكِ تُؤْتِي اَلْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ اَلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ اَلْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْ ءٍ قَدِيرٌ﴾ (١). فلما مر رئيس الرؤساء بأهل الكرخ بصقوا في وجهه لأنه كان يتعصب

стр. 8144

عليهم، ثم ألبس جلد ثور وجعلت قرونه على رأسه، وجعل في كفه كلاّبان من حديد وصلب، وبقي آخر النهار ومات. وأرسل البساسيري إلى المستنصر العلوي يخبره بإقامة الخطبة له بالعراق، وكان الوزير هناك ابن أخي أبي القاسم المغربي وهو ممن هرب من البساسيري فبرّد فعل البساسيري وخوّف من عاقبته فتركت أجوبته مدة، ثم عادت بخلاف ما أمّل، ثم سار البساسيري من بغداد إلى واسط والبصرة فملكهما. وأما طغرلبك فكان (٢٦٣) قد خرج عليه إبراهيم بن ينال أخوه، وجرى بينهما قتال أسر فيه طغرلبك لأخيه إبراهيم وخنقه بوتر (١)، وكان قد خرج عليه مرارا، وطغرلبك يعفو عنه، فلم يعف عنه هذه المرة (٢). لما فرغ طغرلبك من أخيه إبراهيم وقتله سار إلى العراق، وأرسل إلى البساسيري يقول: رد الخليفة إلى ملكه وأنا أرضى منك بالخطبة ولا أرد إلى العراق، فلم يجب البساسيري إلى ذلك. فسار طغرلبك فلما قرب من بغداد انحدر منها خدم البساسيري وأولاده في دجلة، وكان دخول البساسيري بغداد سنة خمسين سادس ذي القعدة، وخروج خدمه منها سنة إحدى وخمسين سادس ذي القعدة، ووصل طغرلبك إلى بغداد وأرسل يطلب الخليفة من مهارش، فسار مهارش والخليفة إلى بغداد في السنة المذكورة حادي عشر ذي القعدة وأرسل طغرلبك بالقباب العظيمة لملتقى الخليفة القائم، ووصل الخليفة إلى النّهروان رابع عشري ذي القعدة، وخرج طغرلبك لتلقيه، فلما رآه قبّل

стр. 8145

الأرض واعتذر عن تأخيره بعصيان أخيه إبراهيم وأنه قتله عقوبة لما جرى منه، ولوفاة أخيه جغروبك داود بخراسان، وسار مع الخليفة، ووقف طغرلبك بالباب النوبي مكان الحاجب، وأخذ لجام بغلة الخليفة حتى صار على حجرته. ودخل الخليفة داره يوم الاثنين لخمس بقين من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين، ثم أرسل طغرلبك جيشا خلف البساسيري (٢٦٤) وسار طغرلبك في أثرهم واقتتل مع البساسيري فقتل البساسيري وانهزم عسكره، وحمل رأسه إلى طغرلبك، وأخذ أموال البساسيري وحرمه وأولاده، ثم أرسل طغرلبك رأس البساسيري إلى دار الخلافة فصلب قبالة الباب النوبي. وكان البساسيري مملوكا تركيا من مماليك بهاء الدولة بن عضد الدولة [واسمه أرسلان] (١)، وهو منسوب إلى مدينة بسا (٢) بفارس، وكان سيده من بسا، فقيل له البساسيري لذلك، والعرب تجعل مكان الباء فاء فتقول: فسا. وفيها، أعني سنة خمسين، توفي شهاب الدولة أبو الفوارس منصور بن الحسين الأسدي، [صاحب الجزيرة، واجتمعت عشيرته على ولده صدقة] (١) [وفيها توفي] (١) الملك الرحيم أبو نصر خسره فيروز آخر ملوك بني بويه بعد أن نقل من قلعة السّيروان إلى قلعة الري فمات بها مسجونا. وفيها، [كانت زلزلة عظيمة لبثت ساعة بالعراق والموصل] (٣). [ووصلت إلى همذان] (٤) فخرّبت كثيرا [من الدور] (٤) وهلك فيها الجمّ الغفير.

стр. 8146

سنة إحدى وخمسين وأربع مئة إلى ستين وأربع مئة وفيها، أعني سنة إحدى وخمسين وأربع مئة (¬*)، توفي الملك فرّخزاد بن مسعود بن محمود بن سبكتكين صاحب غزنة بالقولنج، وملك بعده أخوه إبراهيم بن مسعود، وأحسن السيرة (٢٦٥) وغزا الهند، وفتح حصونا، ولما استقر في غزنة صالح جغروبك داود بن ميكائيل بن سلجوق [أخا] (١) طغرلبك صاحب خراسان. وفيها، في رجب، توفي جغروبك داود بن ميكائيل بن سلجوق (٢) وعمره سبعون سنة وهو مقاتل آل سبكتكين، ولما توفي ملك خراسان ابنه ألب أرسلان، وكان لداود من الولد ألب أرسلان، وياقوتي، وقاروت بك (٣) وسليمان، فتزوج طغرلبك بأم سليمان امرأة أخيه. وفيها، قدم طغرلبك بغداد وأعاد الخليفة وقتل البساسيري كما ذكرنا. وفي سنة اثنتين وخمسين وأربع مئة (¬**)، ملك محمود بن شبل الدولة نصر ابن صالح بن مرداس حلب على ما تقدم ذكره سنة اثنتين وأربع مئة (٤). وفيها، سار طغرلبك إلى بلاد الجبل، وجعل الأمير برسق شحنة بغداد. وفيها، توفيت والدة القائم وهي جارية أرمنية اسمها قطر الندى.

стр. 8147

وفي سنة ثلاث وخمسين وأربع مئة (¬*)، توفي المعز بن باديس بضعف الكبد، وكانت مدة ملكه لأفريقية سبعا وأربعين سنة، وكان عمره لما ملك إحدى عشرة سنة (١)، وملك بعده ابنه تميم، ولما مات المعز طمعت أصحاب البلاد بسبب العرب وتغلبهم على بلاد أفريقية كما قدمنا ذكره (٢). وفيها، توفي قريش بن بدران بن المقلّد صاحب الموصل، وكانت وفاته بنصيبين بخروج دم من حلقه وأنفه، وقام بالأمر بعده ابنه شرف الدولة أبو المكارم مسلم. وفيها، توفي نصر الدولة أبو نصر أحمد بن مروان الكردي صاحب ديار بكر و [كان] (٣) عمره (٢٦٦) نيفا وثمانين سنة وإمارته اثنتين وخمسين سنة وقد قدمنا ذكر ملكه في سنة ثمانين وثلاث مئة (٤)، واستولى أبو نصر على أموره وبلاده استيلاء تاما، وتنعم تنعما حسنا، وملك من الجواري المغنيات واشترى بعضهن بخمسة آلاف دينار، وملك خمس مئة سرية سوى توابعهن، وخمس مئة خادم، وكان في مجلسه من الآلات ما تزيد قيمته على مئتي ألف دينار، وأرسل طباخين إلى مصر فتعلموا الطبخ هناك وقدموا عليه، وغرم على ذلك جملة، ووزّر له أبو القاسم المغربي وفخر الدولة بن جهير، ووفد عليه الشعراء والعلماء، ولما مات خلّف ابنين نصرا وسعيدا، واستقر بعده في الملك ابنه نصر بميّافارقين، وملك أخوه سعيد آمد.

стр. 8148

وفيها، توفي شكر الحسيني أمير مكة، وله شعر حسن، [فمنه]: <البسيط> قوّض خيامك عن أرض تضام بها … وجانب الذلّ إنّ الذلّ مجتنب وارحل إذا كان في الأوطان منقصة … فالمندل الرطب في أوطانه حطب وفي سنة أربع وخمسين وأربع مئة (¬*)، تزوج طغرلبك بنت الخليفة القائم، وكان العقد في شعبان بظاهر تبريز (١)، وكان القائم غائبا (٢). وفيها، استوزر القائم فخر الدولة أبا نصر بن جهير بعد مسيره عن بني مروان. < ابتداء دولة الصّليحيين في اليمن > وفي سنة خمس وخمسين وأربع مئة (¬**)، تكامل (٣) (٢٦٧) جميع اليمن لعلي بن القاضي محمد بن علي الصّليحي، وكان القاضي محمد سني المذهب وله طاعة في أربعين ألف رجل ببلاد اليمن، فتعلم ابنه مذهب الشيعة وأخذ أسرار الدعوة من عامر بن عبد الله الزّواحي (٤)، وكان عامر (٥) من أكبر دعاة

стр. 8149

المستنصر الفاطمي خليفة مصر، فصحبه علي بن القاضي محمد، وتعلم منه أسرار الدعوة، فلما دنت من عامر (١) الوفاة أسند أمر الدعوة إليه، فقام بأمرها أتم قيام، وصار علي بن محمد الصليحي دليلا لحجاج اليمن يحج بهم على طريق الطائف وبلاد السراة، وبقي كذلك عدة سنين. وفي سنة تسع وعشرين وأربع مئة (٢) ترك دلالة الحج، وأخذ ستين رجلا وصعد على رأس حسار وهو [أعلى] (٣) ذروة من جبال حراز، ولم يزل يستفحل أمره شيئا فشيئا حتى ملك جميع اليمن في هذه السنة. فلما تكامل ملكه ولى على زبيد أسعد بن شهاب بن علي الصليحي، وأسعد هو أخو زوجته وابن عمه، وبقي علي بن محمد الصليحي مالكا لجميع اليمن حتى حج فقصده بنو نجاح وقتلوه بالمهجم (٤) بضيعة يقال لها [أم الدهيم] (٥) [وبئر معبد] (٣) في ذي القعدة سنة ثلاث وسبعين وأربع مئة (٦)، ولما قتل استقرت التهائم لبني نجاح، واستقر بصنعاء أحمد بن علي الصليحي المقتول، وتلقب أحمد بالملك المكرم، ثم جمع المكرم العرب وقصد سعيد بن نجاح بزبيد، وجرى بينهما قتال انهزم سعيد إلى جهة دهلك وملك المكرم

стр. 8150

زبيد <اً> في سنة خمس و [سبعين] (١) وأربع مئة (٢)، ثم عاد ابن نجاح (٣) وملك زبيد <اً> في سنة تسع وسبعين وأربع مئة (٤)، ثم عاد المكرم وقتل (٢٦٨) سعيدا في سنة إحدى وثمانين وأربع مئة (٥)، ثم ملك جياش أخو سعيد، وبقي المكرم على ملك صنعاء حتى مات سنة أربع وثمانين وأربع مئة (٥)، فلما مات تولى بعده ابن عمه أبو حمير سبأ بن أحمد بن المظفر بن علي بن الصليحي في سنة أربع وثمانين وأربع مئة، وبقي سبأ مستوليا حتى توفي سنة خمس وسبعين وأربع مئة، وهو آخر ملوك الصليحيين، ثم بعد موت سبأ أرسل من مصر علي ابن إبراهيم بن نجيب الدولة، فوصل إلى جبال اليمن في سنة ثلاث عشرة وخمس مئة، وقام بأمر الدعوة والمملكة التي كانت بيد سبأ، وبقي حتى أرسل الآمر الفاطمي خليفة مصر وقبض عليه بعد سنة عشرين وخمس مئة، وانتقل الملك والدعوة إلى الزريع بن العباس بن الكرّم (٦)، وآل الزريع هم أهل عدن، وهم من همدان من جشم (٧)، وهؤلاء بنو الكرّم يعرفون بآل الذئب، وكانت عدن لزريع بن العباس ولعمه مسعود بن الكرّم فقتلا على [باب] (٨) زبيد مع الملك المفضل، فتولى بعدهما ولداهما وهما أبو السعود بن زريع، وأبو الغارات

стр. 8151

ابن مسعود، ثم استولى على الملك والدعوة سبأ بن أبي السعود بن زريع، وبقي حتى توفي سنة ثلاث وثلاثين وخمس مئة. ثم تولى ولده الأعز علي بن سبأ، وكان مقامه بالدملؤة فمات بالسّل، وملك أخوه المعظم محمد بن سبأ، ثم ملك بعده ابنه عمران بن محمد، وكان وفاة المعظم محمد في سنة ثمان وأربعين وخمس مئة، ووفاه ابنه عمران في شعبان سنة ستين وخمس مئة، وخلف عمران ولدين طفلين وهما محمد وأبو السعود. وممن ولي الأمر من الصليحيين الملكة (٢٦٩) سيدة بنت أحمد (١) بن جعفر بن موسى الصليحي، وهي زوجة أحمد المكرم ولقبها الحرة. ولدت سنة أربعين وأربع مئة وربتها أسماء بنت شهاب وتزوجها الملك المكرم أحمد بن أسماء وهو ابن علي الصليحي سنة إحدى وستين وأربع مئة، وطالت مدة الحرة [و] (٢) ولاها زوجها أحمد المكرم الأمر في حياته، فقامت بتدبير المملكة والحروب واشتغل زوجها بالأكل والشرب، ولما مات زوجها وتولى ابن عمه سبأ استمرت هي في الملك، ومات سبأ وتولى ابن نجيب الدولة في أيامها واستمرت بعده حتى توفيت في سنة اثنتين وثلاثين وخمس مئة. وممن كان له شركة في الملك الملك المفضل [بن] (٣) أبي البركات بن الوليد الحميري صاحب التعكر (٤) وكان يحكم بين يدي الملكة الحرة. [وكان يحتجب حتى لا يرجى لقاؤه، ثم يظهر ويدبر الملك حتى يصل القوي

стр. 8152

والضعيف إلى جهته] (١)، وبقي المفضل كذلك إلى أن توفي في رمضان سنة [أربع وخمس مئة] (٢). وملك بلاده بعده ولده الملك المنصور منصور بن المفضل، واستمر في ملك أبيه من تاريخ وفاته إلى سنة سبع وأربعين وخمس مئة، فابتاع محمد بن سبأ بن أبي السعود منه المعاقل، التي كانت للصليحيين وعدتها ثمانية وعشرون حصنا بمئة ألف دينار، وبقّى المنصور لنفسه تعزّ، وبقي في ملكها حتى توفي بعد أن ملك نحو ثمانين سنة، وسنذكر بقية أخبار اليمن إن شاء الله تعالى.

стр. 8153

< وفاة السلطان طغرلبك > وفي هذه السنة، أعني سنة خمس وخمسين وأربعمئة، قدم طغرلبك إلى بغداد، ودخل ثانية على الخليفة، وحصل من عسكره الأذية لأهل بغداد (٢٧٠) لإخراجهم من دورهم وفسقهم بنسائهم أخذا باليد. وفيها، سار طغرلبك من بغداد في ربيع الأول إلى بلاد الجبل، ووصل إلى الري فمرض وتوفي يوم الجمعة ثامن رمضان وعمره سبعون سنة، وكان طغرلبك عقيما لم يرزق ولدا، واستقرت السلطنة بعده لابن أخيه ألب أرسلان بن جغروبك داود بن ميكائيل بن سلجوق. وفيها، دخل الصليحي صاحب اليمن إلى مكة مالكا لها، فأحسن السيرة، وجلب إليها الأقوات. وفيها، كان بالشام زلزلة عظيمة خرب فيها كثير من البلاد وانهدم سور طرابلس. وفيها، ولّي أمير الجيوش بدر مدينة دمشق للمستنصر العلوي خليفة مصر، ثم ثارت الجند ففارقها. وفي سنة ست وخمسين وأربع مئة (¬*)، قبض السلطان ألب أرسلان على الوزير عميد الملك أبي نصر [محمد بن] (١) منصور بن محمد الكندري وزير عمه طغرلبك بسبب سعي نظام الملك وزير ألب أرسلان به، فقبضه وحبسه في

стр. 8154

مرو الروذ، فلما مضى على عميد الملك في الحبس سنة أرسل [ألب أرسلان] (١) إليه غلامين ليقتلاه فودع أهله وخرق ثيابه وعصب عينيه وصلى ركعتين فقتلاه بالسيف وقطع رأسه وحملت جثته إلى كندر فدفن عند أبيه، وكان عمره نيفا وأربعين سنة، وكان عميد الملك خصيا لأن طغرلبك أرسله ليخطب له امرأة فتزوجها فخصاه طغرلبك لذلك (٢)، وكان عميد الملك كثير الوقيعة في الشافعي حتى خاطب طغرلبك في لعن الرافضة على منابر خراسان، فأمر بلعنهم، وأضاف إليهم الأشعرية، فأنف من ذلك أئمة خراسان منهم أبو القاسم القشيري (٢٧١) وأبو المعالي الجويني فخرجا من خراسان، وأقام أبو المعالي الجويني بمكة أربع سنين فلذلك لقب إمام الحرمين (٣). ومن العجب أن ذكر عميد الملك دفن بخوارزم لما خصي، ودمه سفح بمرو، وجسده دفن بكندر، ورأسه ما عدا قحفه دفن بنيسابور، ونقل قحفه إلى كرمان لأن نظام الملك كان هناك. وفيها، ملك ألب أرسلان قلعة ختلان، ثم سار إلى هراة فحاصر عمه يبغو ابن ميكائيل وملكها، وأخرج عمه وأحسن إليه وأكرمه، ثم سار إلى صغانيان فملكها بالسيف وأخذ صاحبها أسيرا.

стр. 8155

وفيها، أمر ألب أرسلان بعود بنت الخليفة إلى بغداد، وكانت قد سارت إلى زوجها طغرلبك إلى الري بغير رضا الخليفة. وفيها عصى قطلومش وهو من السّلجوقية (١) على ألب أرسلان، فأرسل إليه ونهاه عن ذلك، وعرّفه أنه يرعى له القرابة والرحم، فلم يلتفت قطلومش إلى ذلك، فسار إليه ألب أرسلان إلى الري وقاتله فانهزم عسكر قطلومش وهرب إلى قلعة كرد كوه، فلما انقضى الحرب وجد قطلومش ميتا، فعظم موته على ألب أرسلان وبكى عليه، وعظم عليه فقده، فسلّاه نظام الملك، ودخل الري في آخر المحرم من هذه السنة. وهذا قطلومش السّلجوقي هو جدّ ملوك قونية وأقصرا (٢) وملطية إلى أن استولى على مملكتهم التتر على ما سنذكره إن شاء الله تعالى (٣)، وكان قطلومش على تركيته عارفا بعلم النجوم جدا. وفيها، شاع بالعراق وكثير من البلاد أن جماعة من الأكراد خرجوا يتصيدون فرأوا في البرية (٢٧٢) خيما سودا، وسمعوا منها لطما وعويلا و [قائلا] (٤) يقول: قد مات سيدوك ملك الجن، وأي بلد لا يلطم أهله قلع أصله، فصدق ذلك ضعفاء العقول من الرجال والنساء حتى خرجوا إلى المقابر يلطمون.

стр. 8156

قال ابن الأثير: ولقد جرى ونحن في الموصل وغيرها في تلك البلاد في سنة ست مئة مثل هذا، وهو أن الناس أصابهم وجع كثير في حلوقهم، فشاع أن امرأة من الجن يقال لها أم عنقود مات ابنها عنقود، وكل من لا يعمل مأتما أصابه هذا المرض، فكان النساء وأوباش الناس يلطمون على عنقود ويقولون: يا أم عنقود اعذرينا … قد مات عنقود وما درينا وإنما ذكرنا ذلك لأن رعاع الناس (١) يقولون بأم عنقود وحديثها ليعلم تاريخ هذا الهذيان من متى كان. وفي سنة سبع وخمسين وأربع مئة (¬*)، عبر ألب أرسلان جيحون، وسار إلى جند وصبران وهما عند بخارى وقبر سلجوق جده بجند فخرج صاحب جند إلى طاعته فأقره على مملكته، ووصل إلى كركنج خوارزم وسار منها إلى مرو. وفيها، ابتدأ نظام الملك بعمارة المدرسة النظامية (٢) ببغداد. وفي سنة ثمان وخمسين وأربع مئة (¬**)، أقطع ألب أرسلان شرف الدولة مسلم بن قريش بن بدران بن المقلّد صاحب الموصل الأنبار وهيت (٣) زيادة على الموصل.

стр. 8157

(٢٧٣) وفي سنة تسع وخمسين وأربع مئة (¬*)، في ذي القعدة نجزت عمارة المدرسة النظامية وتقرر التدريس فيها للشيخ أبي إسحاق الشيرازي، واجتمع الناس فتأخر أبو إسحاق عن الحضور لأنه سمع شواذا أن أرض المدرسة مغصوبة، ولما تأخر ألقى الدرس بها [أبو نصر عبد السيد] (١) بن الصباغ صاحب كتاب «الشامل» مدة عشرين يوما، ثم اجتهدوا بأبي إسحاق ودخل عليه نظام الملك فدرّس [فيها] (٢). وفي سنة ستين وأربع مئة (¬**) كان بفلسطين ومصر زلزلة عظيمة حتى طلع الماء من دور الآبار، وهلك بالردم عالم عظيم، وزال البحر عن الساحل مسيرة يوم، فنزل الناس إلى أرضه يلتقطون فرجع الماء عليهم، وأهلك خلقا كثيرا. (٢٧٤) سنة إحدى وستين وأربع مئة إلى سنة سبعين وأربع مئة (٣) في سنة إحدى وستين وأربع مئة (¬***) احترق جامع دمشق بسبب فتنة وقعت بين المصريين وأهل دمشق، فضربت دار مجاورة للجامع بالنار فاتصلت بالجامع وعجز الناس عن إطفائها، فأتى الحريق على الجامع فدثرت محاسنه وزال ما فيه من الأعمال النفيسة.

стр. 8158

وفي سنة اثنتين وستين وأربع مئة (¬*)، [(١) توفي طفغاج خان ملك ماوراء النهر واسمه أبو إسحاق إبراهيم بن نصر بن ايلك خان، وملك بعده ابنه شمس الملك نصر بن طفغاج، وبقي شمس الملك حتى توفي ولم يقع لي تاريخ وفاته، وملك بعده أخوه حصر خان بن طفغاج، ثم ملك بعده ابنه أحمد وبقي أحمد المذكور حتى قتل سنة ثمان وثمانين على ما سنذكره إن شاء الله تعالى (٢). وفيها] كان بمصر غلاء شديد أكل الناس فيه بعضهم بعضا، وانتزج منها من قدر على الانتزاح، واحتاج الخليفة المستنصر إلى إخراج الآلات وبيعها، فأخرج من خزانته ثمانين ألف قطعة بلّور كبار وخمسة وسبعين ألف قطعة ديباج، وأحد عشر ألف كازغند، وعشرين ألف سيف محلّى، ووصل من ذلك مع التجار إلى بغداد. وفي سنة ثلاث وستين وأربع مئة (¬**)، قطع محمود بن نصر بن صالح بن مرداس بحلب خطبة المستنصر العلوي وخطب للقائم العباسي. وفيها، سار ألب أرسلان إلى ديار بكر، فأتى صاحبها نصر بن أحمد بن مروان إلى طاعته، ثم سار ألب أرسلان إلى حلب فبذل له محمود بن نصر الطاعة دون أن يطأ بساطه، فلم يرض ألب أرسلان بذلك، فخرج محمود ووالدته ودخلا على ألب أرسلان ليلا فأحسن إليهما، وأقر محمودا بحلب.

стр. 8159

< وقعة منازكرد > وفيها سار أرمانوس (١) ملك الروم بالجموع من الروم والروس والجركس حتى وصل إلى منازكرد، فسار إليه ألب أرسلان وسأله الهدنة فامتنع ملك الروم من الهدنة فقاتله ألب أرسلان فانهزم الروم، وقتل منهم ما لا يحصى، وأخذ أرمانوس أسيرا، فشرط عليه ألب أرسلان شروطا من حمل المال (٢٧٥) والأسرى والهدنة، فأجاب أرمانوس إليها، فأطلقه ألب أرسلان، وحمله إلى مأمنه. وفيها قصد آتسز (٢) بن أبق الخوارزمي أحد أمراء ملكشاه بن ألب أرسلان الشام وفتح الرّملة وبيت المقدس، وأخذهما من نواب المستنصر العلوي صاحب مصر، ثم حصر دمشق وضيق على أهلها ولم يملكها. (٢٧٦) ........................... (٢٧٧) وفي سنة أربع وستين وأربع مئة (¬*) في رجب، توفي القاضي أبو طالب ابن عمار قاضي طرابلس، وكان قد استولى عليها واستبد بأمرها، فقام مكانه ابن أخيه جلال الملك أبو الحسن.

стр. 8160

< مقتل السلطان ألب أرسلان وتملك ابنه ملك شاه > وفي سنة خمس وستين وأربع مئة (¬*) سار السلطان ألب أرسلان محمد إلى ما وراء النهر، وعقد على جيحون جسرا وعبره في نيف وعشرين يوما وعسكر يزيد على مئتي ألف فارس، ولما عبر النهر مدّ [سماطا في] (١) بليدة على النهر يقال لها فربر (٢) وبتلك البليدة حصن على شاطئ جيحون، فأحضر إليه مستحفظ الحصن ويقال له يوسف الخوارزمي مع غلامين يحفظانه، وكان قد ارتكب جريمة في أمر الحصن، فأمر السلطان أن يضرب له أربعة أوتاد وتشد أطرافه إليها، فقال له يوسف: يا مخنّث! مثلي يقتل هذه القتلة، فغضب السلطان وأخذ القوس والنشاب وقال للغلامين خلّياه، ورماه بسهم فأخطأه، ولم يكن ليخطئ سهمه، فوثب يوسف على السلطان بسكين كانت معه فقام السلطان عن الكرسي فوقع على وجهه، فضربه يوسف بالسكين، وجرح شخصا (٢٧٨) آخر يقال له سعد الدولة (٣) كان واقفا على رأس السلطان، فوثب فرّاش رومي على يوسف فضربه بمرزبّة قتله بها، ثم قطعه الأتراك إربا إربا، فقال السلطان وهو مجروح: لما كان أمس صعدت على تل فارتجت الأرض تحتي من عظم الجيش، فقلت في نفسي: أنا ملك الدنيا، ولا يقدر أحد علي فعجزني الله بأقل خلقه، وأنا أستغفر الله تعالى من ذلك الخاطر. وكان جرح السلطان في سادس ربيع الأول، وتوفي عاشر ربيع الأول (٤) هذه
следующие страницы →