← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11790

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط المجمع الثقافي

ابن فضل الله العمري

Полный текст (8 839 стр.). Показаны 8156–8195 · переход к 8161.

стр. 8156

قال ابن الأثير: ولقد جرى ونحن في الموصل وغيرها في تلك البلاد في سنة ست مئة مثل هذا، وهو أن الناس أصابهم وجع كثير في حلوقهم، فشاع أن امرأة من الجن يقال لها أم عنقود مات ابنها عنقود، وكل من لا يعمل مأتما أصابه هذا المرض، فكان النساء وأوباش الناس يلطمون على عنقود ويقولون: يا أم عنقود اعذرينا … قد مات عنقود وما درينا وإنما ذكرنا ذلك لأن رعاع الناس (١) يقولون بأم عنقود وحديثها ليعلم تاريخ هذا الهذيان من متى كان. وفي سنة سبع وخمسين وأربع مئة (¬*)، عبر ألب أرسلان جيحون، وسار إلى جند وصبران وهما عند بخارى وقبر سلجوق جده بجند فخرج صاحب جند إلى طاعته فأقره على مملكته، ووصل إلى كركنج خوارزم وسار منها إلى مرو. وفيها، ابتدأ نظام الملك بعمارة المدرسة النظامية (٢) ببغداد. وفي سنة ثمان وخمسين وأربع مئة (¬**)، أقطع ألب أرسلان شرف الدولة مسلم بن قريش بن بدران بن المقلّد صاحب الموصل الأنبار وهيت (٣) زيادة على الموصل.

стр. 8157

(٢٧٣) وفي سنة تسع وخمسين وأربع مئة (¬*)، في ذي القعدة نجزت عمارة المدرسة النظامية وتقرر التدريس فيها للشيخ أبي إسحاق الشيرازي، واجتمع الناس فتأخر أبو إسحاق عن الحضور لأنه سمع شواذا أن أرض المدرسة مغصوبة، ولما تأخر ألقى الدرس بها [أبو نصر عبد السيد] (١) بن الصباغ صاحب كتاب «الشامل» مدة عشرين يوما، ثم اجتهدوا بأبي إسحاق ودخل عليه نظام الملك فدرّس [فيها] (٢). وفي سنة ستين وأربع مئة (¬**) كان بفلسطين ومصر زلزلة عظيمة حتى طلع الماء من دور الآبار، وهلك بالردم عالم عظيم، وزال البحر عن الساحل مسيرة يوم، فنزل الناس إلى أرضه يلتقطون فرجع الماء عليهم، وأهلك خلقا كثيرا. (٢٧٤) سنة إحدى وستين وأربع مئة إلى سنة سبعين وأربع مئة (٣) في سنة إحدى وستين وأربع مئة (¬***) احترق جامع دمشق بسبب فتنة وقعت بين المصريين وأهل دمشق، فضربت دار مجاورة للجامع بالنار فاتصلت بالجامع وعجز الناس عن إطفائها، فأتى الحريق على الجامع فدثرت محاسنه وزال ما فيه من الأعمال النفيسة.

стр. 8158

وفي سنة اثنتين وستين وأربع مئة (¬*)، [(١) توفي طفغاج خان ملك ماوراء النهر واسمه أبو إسحاق إبراهيم بن نصر بن ايلك خان، وملك بعده ابنه شمس الملك نصر بن طفغاج، وبقي شمس الملك حتى توفي ولم يقع لي تاريخ وفاته، وملك بعده أخوه حصر خان بن طفغاج، ثم ملك بعده ابنه أحمد وبقي أحمد المذكور حتى قتل سنة ثمان وثمانين على ما سنذكره إن شاء الله تعالى (٢). وفيها] كان بمصر غلاء شديد أكل الناس فيه بعضهم بعضا، وانتزج منها من قدر على الانتزاح، واحتاج الخليفة المستنصر إلى إخراج الآلات وبيعها، فأخرج من خزانته ثمانين ألف قطعة بلّور كبار وخمسة وسبعين ألف قطعة ديباج، وأحد عشر ألف كازغند، وعشرين ألف سيف محلّى، ووصل من ذلك مع التجار إلى بغداد. وفي سنة ثلاث وستين وأربع مئة (¬**)، قطع محمود بن نصر بن صالح بن مرداس بحلب خطبة المستنصر العلوي وخطب للقائم العباسي. وفيها، سار ألب أرسلان إلى ديار بكر، فأتى صاحبها نصر بن أحمد بن مروان إلى طاعته، ثم سار ألب أرسلان إلى حلب فبذل له محمود بن نصر الطاعة دون أن يطأ بساطه، فلم يرض ألب أرسلان بذلك، فخرج محمود ووالدته ودخلا على ألب أرسلان ليلا فأحسن إليهما، وأقر محمودا بحلب.

стр. 8159

< وقعة منازكرد > وفيها سار أرمانوس (١) ملك الروم بالجموع من الروم والروس والجركس حتى وصل إلى منازكرد، فسار إليه ألب أرسلان وسأله الهدنة فامتنع ملك الروم من الهدنة فقاتله ألب أرسلان فانهزم الروم، وقتل منهم ما لا يحصى، وأخذ أرمانوس أسيرا، فشرط عليه ألب أرسلان شروطا من حمل المال (٢٧٥) والأسرى والهدنة، فأجاب أرمانوس إليها، فأطلقه ألب أرسلان، وحمله إلى مأمنه. وفيها قصد آتسز (٢) بن أبق الخوارزمي أحد أمراء ملكشاه بن ألب أرسلان الشام وفتح الرّملة وبيت المقدس، وأخذهما من نواب المستنصر العلوي صاحب مصر، ثم حصر دمشق وضيق على أهلها ولم يملكها. (٢٧٦) ........................... (٢٧٧) وفي سنة أربع وستين وأربع مئة (¬*) في رجب، توفي القاضي أبو طالب ابن عمار قاضي طرابلس، وكان قد استولى عليها واستبد بأمرها، فقام مكانه ابن أخيه جلال الملك أبو الحسن.

стр. 8160

< مقتل السلطان ألب أرسلان وتملك ابنه ملك شاه > وفي سنة خمس وستين وأربع مئة (¬*) سار السلطان ألب أرسلان محمد إلى ما وراء النهر، وعقد على جيحون جسرا وعبره في نيف وعشرين يوما وعسكر يزيد على مئتي ألف فارس، ولما عبر النهر مدّ [سماطا في] (١) بليدة على النهر يقال لها فربر (٢) وبتلك البليدة حصن على شاطئ جيحون، فأحضر إليه مستحفظ الحصن ويقال له يوسف الخوارزمي مع غلامين يحفظانه، وكان قد ارتكب جريمة في أمر الحصن، فأمر السلطان أن يضرب له أربعة أوتاد وتشد أطرافه إليها، فقال له يوسف: يا مخنّث! مثلي يقتل هذه القتلة، فغضب السلطان وأخذ القوس والنشاب وقال للغلامين خلّياه، ورماه بسهم فأخطأه، ولم يكن ليخطئ سهمه، فوثب يوسف على السلطان بسكين كانت معه فقام السلطان عن الكرسي فوقع على وجهه، فضربه يوسف بالسكين، وجرح شخصا (٢٧٨) آخر يقال له سعد الدولة (٣) كان واقفا على رأس السلطان، فوثب فرّاش رومي على يوسف فضربه بمرزبّة قتله بها، ثم قطعه الأتراك إربا إربا، فقال السلطان وهو مجروح: لما كان أمس صعدت على تل فارتجت الأرض تحتي من عظم الجيش، فقلت في نفسي: أنا ملك الدنيا، ولا يقدر أحد علي فعجزني الله بأقل خلقه، وأنا أستغفر الله تعالى من ذلك الخاطر. وكان جرح السلطان في سادس ربيع الأول، وتوفي عاشر ربيع الأول (٤) هذه

стр. 8161

السنة، وعمره أربعون سنة وشهور، وكان مدة ملكه مذ خطب له بالسلطنة تسع سنين وستة أشهر وأياما، وأوصى بالسلطنة لابنه ملك شاه وكان في صحبته، فحلف له جميع العسكر واستقر في السلطنة، وكان المستولي على الأمر نظام الملك وزير السلطان ألب أرسلان، وعاد ملك شاه بالعسكر من بلاد ما وراء النهر إلى خراسان، وأرسل إلى بغداد وغيرها فخطب له بها، واستمر نظام الملك على وزارته. ولما استقر ملك شاه خرج عمه [قاورد] (١) بك صاحب كرمان عن طاعته، فسار إليه والتقى الجمعان فانهزم عسكر [قاورد] (١) بك، وأتي به إلى ملك شاه أسيرا فخنقه، وأقر كرمان على أولاده. ولما انتصر ملك شاه كثرت أذية عسكره للبلاد ففوض الأمور إلى نظام الملك وحلف له وزاده من الإقطاعات على ما بيده مدينة طوس والري وغيرها ولقبه أتابك، ومعناه الوالد الأمير (٢)، فأحسن نظام الملك السياسة والتدبير. < اضطراب الأوضاع في مصر ومقتل ناصر الدولة الحمداني > وفي هذه السنة، كانت قد استولت والدة المستنصر العلوي خليفة مصر على الأمر، فضعف أمر الدولة (٢٧٩) وصارت العبيد حزبا والأتراك حزبا وجرى بينهم حروب. وكان ناصر الدولة الحمداني من أكبر قواد مصر والمشار إليه فيهم، فاجتمعت إليه الأتراك وجرى بينهم وبين العبيد عدة حروب، وحصر ناصر

стр. 8162

الدولة مصر وقطع الميرة عنها برا وبحرا، فغلت الأسعار بها، وعدم ما كان بخزائن المستنصر [حتى أخرج العروض] (١) كما تقدم ذكره (٢)، وعدم المتحصل بسبب انقطاع السبل، ثم استولى ناصر الدولة على مصر وانهزمت العبيد، وتفرقت في البلاد، واستبد ناصر الدولة بالحكم، وقبض على والدة المستنصر وصادرها بخمسين ألف دينار، وتفرق عن المستنصر أولاده وأهله، وانقضت سنة أربع وستين وأربع مئة بالفتن، وبالغ ناصر الدولة في إهانة المستنصر حتى بقي المستنصر يقعد على حصير لا يقدر على غيرها، وكان غرضه في ذلك أن يخطب للخليفة العباسي. وفطن لفعله قائد كبير من الأتراك اسمه الدكز فاتفق مع جماعة [على قتل ناصر الدولة] (٣) [وقصدوا] (٤) ناصر الدولة في داره، فخرج إليهم ناصر الدولة مطمئنا فضربوه بسيوفهم حتى قتلوه وقتلوا أخاه فخر العرب، وتتبعوا جميع من بمصر من بني حمدان فقتلوهم عن آخرهم، وكان قتلهم في هذه السنة، أعني سنة خمس وستين وأربع مئة، وبقي الأمر بمصر مضطربا، فلما كان سنة سبع وستين وأربع مئة ولي الأمر بمصر أمير الجيوش بدر الجمالي وقتل الدكز والوزير ابن كدينة كما سنذكره إن شاء الله تعالى. (٢٨٠) وفي سنة ست وستين وأربع مئة (¬*) زادت دجلة حتى غرق الجانب الشرقي وبعض الغربي، ودخل الماء إلى المنازل من فوق، ونبع من البلاليع وغرق من الجانب الغربي مقبرة أحمد ومشهد باب التين وهلك خلق.

стр. 8163

< إصلاح الأوضاع في مصر على يد الجمالي > وفي سنة سبع وستين وأربع مئة (¬*) وصل بدر الجمالي إلى مصر، وكان بدر متولي سواحل الشام، فأرسل إليه المستنصر العلوي يشكو حاله واختلال (٢٨١) دولته، فركب البحر في زمن لا يسلك لقوة الشتاء فمن الله عليه بالسلامة، ووصل إلى مصر وقبض على الأمراء والقواد الذين تغلبوا وحمل أموالهم إلى المستنصر، وأقام منار الدولة وشيد من أمرها ما كان قد درس، ثم سار إلى الإسكندرية ودمياط وأصلح أمورهما وعاد إلى مصر وسار إلى الصعيد وقهر المفسدين، وقرر قواعد البلاد، وأحسن إلى الرعية، فعمرت البلاد، وعادت مصر إلى أحسن ما كانت عليه. *** وفي هذه السنة ليلة الخميس ثالث عشر شعبان توفي القائم بأمر الله أبو جعفر عبد الله بن القادر أحمد بن الأمير إسحاق بن المقتدر. وكان قد لحق القائم ما شرا (؟) فاقتصد فانفجر فصاده وهو نائم، وخرج منه دم كثير وهو لا يشعر ولم يكن عنده أحد فاستيقظ وقد ضعف، وقد سقطت قوته، فأحضر الوزير ابن جهير والقضاة وأشهدهم أنه جعل عبد الله ابن ابنه ذخيرة الدين محمد بن القائم ولي عهده.

стр. 8164

خلافة المقتدي [بأمر الله] (١) عدة الدين عبد الله بن ذخيرة الدين محمد بن القائم سابع عشري بني العباس ولما توفي القائم بويع المذكور بالخلافة، وحضر مؤيد الملك بن نظام الملك والوزير ابن جهير والشيخ أبو إسحاق الشيرازي وابن الصباغ وطراد الزينبي نقيب النقباء والقاضي أبو عبد الله الدامغاني وغيرهم فبايعوا (٢٨٢) بالخلافة، ولم يكن للقائم ولد ذكر غيره، فإن ذخيرة الدين محمد بن القائم توفي في حياة أبيه، وكان [لمحمد بن القائم] (٢) لما توفي جارية اسمها أرجوان، فلما توفي ورأت أرجوان ما نال القائم من المصيبة بانقطاع نسله ذكرت أنها حامل من محمد ابنه، فولدت عبد الله المقتدي إلى ستة أشهر من موت ذخيرة الدين، فاشتد فرح القائم به، فلما كبر لقبه عدّة الدين. وفيها، جمع ملك شاه جماعة من المنجمين، وجعلوا النيروز عند نزول الشمس [أول] (٢) برج الحمل، وكان [النيروز قبل] (٢) ذلك عند نزول الشمس نصف الحوت. وفيها، عمل ملك شاه الرصد، واجتمع في عمله جماعة من الفضلاء منهم عمر الخيام وأبو المظفر الأسفراييني وميمون بن النجيب الواسطي، وأخرج عليه من الأموال جملا عظيمة، وبقي الرصد دائرا، إلى أن مات السلطان ملك شاه سنة خمس وثمانين وأربع مئة فبطل.

стр. 8165

وفي سنة ثمان وستين وأربع مئة (¬*)، ملك آتسز دمشق. كنا ذكرنا في سنة [ثلاث] (١) وستين وأربع مئة ملك آتسز الرملة وحصاره دمشق، ثم رحل عنها، وعاودهم في أيام إدراك الغلال حتى ضعف عسكر دمشق، وتسلمها آتسز هذه السنة، وقطع الخطبة العلوية فلم يخطب بعدها في دمشق لهم، وأقام الخطبة العباسية يوم الجمعة لخمس بقين من [ذي القعدة] (٢) هذه السنة، وخطب للمقتدي، ومنع الأذان ب «حي على خير العمل». (٢٨٣) وفي سنة تسع وستين وأربع مئة (¬**)، سار آتسز المستولي على دمشق إلى مصر وقاتل المصريين فهزموه وقتلوا غالب أصحابه. وفيها، أورد ابن الأثير موت محمود بن شبل الدولة نصر بن صالح بن مرداس الكلابي صاحب حلب (٣). قال عماد الدين (٤)، أقول: لكني وجدت في «تاريخ حلب» لكمال الدين بن العديم أن محمودا المذكور مرض سنة سبع وستين وأربع مئة، وحدث به قروح في المعي مات منها (٥)، ولحقه في أواخر عمره من البخل ما لا يوصف، ولما مات في السنة المذكورة ملك ابنه نصر بن محمود فمدحه ابن حيّوس بقصيدة منها (٦): <الطويل>:

стр. 8166

(٢٨٤) ثمانية لم تفترق مذ جمعتها … فلا افترقت ما افتّر عن ناظر ثغر ضميرك والتقوى وجودك والغنى … ولفظك والمعنى وعزمك والنصر وكان لمحمود بن نصر سجية … وغالب ظني أن سيخلفها نصر وكان عطية ابن حيّوس على محمود [إذا] (١) مدحه ألف دينار فأعطاه نصر ألف دينار مثل عطية أبيه، وقال: لو قال ابن حيّوس: وغالب ظني أن سيضعفها نصر ضعفتها له. وكان نصر يد من شرب الخمر، فحمله السّكر على أن خرج إلى التركمان الذين ملّكوا أباه حلب وهم بالحاضر وأراد قتالهم، فضربه أحدهم بنشاب فقتله، فلما قتل ملك أخوه سابق بن محمود، ولم يذكر ابن الأثير تاريخ قتله متى كان، وفي «تاريخ ابن العديم»، المذكور قال: وفي يوم عيد الفطر سنة ثمان وستين وأربع مئة عيد نصر بن محمود وهو في أحسن زيّ، وكان الزمان ربيعا، واحتفل الناس في عيدهم وتجملوا، ودخل عليه ابن حيّوس وأنشده قصيدة منها (٢): <الطويل> صفت نعمتان خصّتاك وعمّتا … حديثهما حتى القيامة يؤثر فجلس نصر فشرب إلى العصر، وحمله السّكر على الخروج إلى الأتراك وسكناهم بالحاضر، وأراد أن ينهبهم وحمل عليهم، فرماه أحدهم بسهم فقتله. (٢٨٥) سنة إحدى وسبعين وأربع مئة إلى سنة ثمانين وأربع مئة (٣) في سنة إحدى وسبعين وأربع مئة (¬*)، ملك تاج الدولة تتش بن السلطان ألب

стр. 8167

أرسلان دمشق، وسببه أن أخاه ملك شاه أقطعه الشام وما يفتحه، فسار تاج الدولة تتش إلى حلب، وكان قد أرسل أمير الجيوش بدر الجمالي من مصر عسكرا لحصار آتسز بدمشق، فأرسل آتسز يستنجد بتتش وهو نازل بحلب يحاصرها، فصار تتش إلى دمشق، فلما قرب منها رحل عنها عسكر مصر فلما وصل إلى دمشق ركب آتسز لملتقاه بالقرب من دمشق، فنقم تتش عليه تأخيره عن الطلوع إلى لقائه، وقبض على آتسز وقتله، وملك تتش دمشق وأحسن السيرة. وفي سنة اثنتين وسبعين وأربع مئة (¬*)، غزا الملك إبراهيم بن مسعود بن محمود بن سبكتكين صاحب غزنة بلاد الهند، فأوغل [فيها] (١) وفتح [وغنم] (١) وعاد إلى غزنة سالما. وفيها، سار شرف الدولة مسلم بن قريش بن بدران صاحب الموصل إلى حلب، فحصرها فسلم البلد إليه في سنة ثلاث وسبعين، وحصر القلعة واستنزل منها سابقا ووثابا ابني محمود بن نصر بن صالح بن مرداس، وتسلم القلعة. وفيها، توفي نصر بن أحمد بن مروان صاحب ديار بكر، وملك بعده ابنه منصور، ودبر دولته ابن الأنباري. (٢٨٦) وفي سنة خمس وسبعين وأربع مئة (¬**)، كانت فتنة ببغداد بين الشافعية والحنابلة.

стр. 8168

وفيها، أرسل الخليفة المقتدي أبا إسحاق الشيرازي رسولا إلى السلطان ملك شاه وإلى نظام الملك، فسار من بغداد إلى خراسان ليشكو من عميد العراق أبي الفتح بن أبي الليث فأكرم ملك شاه ونظام الملك أبا إسحاق، وجرى بينه وبين إمام الحرمين أبي المعالي الجويني مناظرة بين يدي نظام الملك، وعاد بالإجابة إلى ما التمسه الخليفة، ورفعت يد العميد عن جميع ما يتعلق بالخليفة. (٢٨٧) وفي سنة سبع وسبعين وأربع مئة (¬*)، سار فخر الدولة بن جهير بعساكر ملك شاه لقتال شرف الدولة مسلم بن قريش، ثم سير السلطان إلى فخر الدولة جيشا آخر فيهم الأرتق بن أكسك (١) جد الملوك الأرتقية، فانهزم شرف الدولة مسلم، وانحصر في آمد ونزل الأمير أرتق على آمد فحصره فبذل له مسلم مالا جليلا ليمكنه من الخروج من آمد، فأذن له أرتق، وخرج شرف الدولة من آمد في حادي عشري ربيع الأول من هذه السنة، فسار إلى الرّقة وجهز إلى أرتق ما وعد به، ثم سير السلطان عميد الدولة بن فخر الدولة بن جهير بعسكر ومعه آقسنقر قسيم الدولة إلى الموصل، فاستولى عليها عميد الدولة، وهذا آقسنقر هو والد عماد الدين زنكي، ثم أرسل [مؤيد الملك] (٢) بن نظام الملك إلى شرف الدولة [بالعهود يستدعيه] (٣) إلى السلطان، فقدم شرف الدولة إليه وأحضره عند السلطان ملك شاه بالبوازيج، وكان قد ذهبت أمواله فاقترض ما خدم به السلطان. وقدم إليه خيلا من جملتها الفرس الذي نجا عليه في المعركة، وكان اسم الفرس بشارا [وكان سابقا و] (٤) سابق السلطان به الخيل فسبقهم، فقام

стр. 8169

(٢٨٨) السلطان قائما لما تداخله من العجب، ورضي عن مسلم، وأقره على بلاده. وفيها، سار سليمان بن قطلومش السّلجوقي صاحب قونية وآقصرا وغيرهما من بلاد الروم إلى الشام فملك أنطاكية، وكانت أنطاكية بيد النصارى الروم من سنة ثمان وخمسين وثلاث مئة (١)، فافتتحها سليمان هذه السنة، ولما ملك سليمان بن قطلومش، أنطاكية أرسل شرف الدولة صاحب الموصل وحلب يطلب منه ما كان يحمله [إليه] (٢) أهل أنطاكية فأنكر سليمان ذلك وقال: إن صاحب أنطاكية كان نصرانيا فكان يحمل إليك المال على سبيل الجزية فجمعا واقتتلا في الرابع والعشرين من صفر سنة ثمان وسبعين وأربع مئة في طرف أعمال أنطاكية، فانهزم عسكر مسلم، وقتل مسلم في المعركة وقتل بين يديه أربع مئة غلام من أحداث حلب. وكان شرف الدولة مسلم بن قريش بن بدران بن المقلّد بن المسيب أحول، واتسع ملكه حتى زاد على ملك من تقدمه من أهل بيته، فإنه ملك السّندية التي على نهر عيسى إلى منبج وديار ربيعة ومضر من الجزيرة وحلب، وما كان لأبيه وعمه قرواش من الموصل وغيرها، وكان مسلم يسوس مملكته سياسة حسنة بالأمر والعدل، ولما قتل قصد بنو عقيل أخاه إبراهيم وهو محبوس فأخرجوه وملّكوه، وكان قد مكث في الحبس سنين كثيرة بحيث صار لم يقدر على المشي لما خرج.

стр. 8170

وفيها، ولد لملك شاه ولد بسنجار وسماه أحمد، ثم غلب عليه اسم سنجر لكونه ولد بسنجار وهو السلطان سنجر. (٢٨٩) وفي سنة ثمان وسبعين وأربع مئة (¬*)، ملك الفرنج مدينة طليطلة من الأندلس بعد أن حاصرها الأذفونش سبع سنين، وكان سبب ذلك تفرق ممالك الأندلس على ما تقدم ذكره سنة سبع وأربع مئة (١). وفيها، استولى فخر الدولة بن جهير على آمد وميّافارقين وعلى جزيرة ابن عمر وهي بلاد بني مروان، وأخذها من منصور بن نصر بن محمد بن مروان، وهو آخر من ملك منهم، وانقرضت بأخذ الجزيرة منه مملكة بني مروان، فسبحان من لا يزول ملكه. وفيها، سار أمير الجيوش بدر الجمالي بجيوش مصر وحصر دمشق وبها تاج الدولة تتش وضيق عليه، فلم يظفر بشيء فعاد إلى مصر. (٢٩٠) وفي سنة تسع وسبعين وأربع مئة (¬**)، لما قتل سليمان بن قطلومش مسلم بن قريش في سنة سبع وسبعين أرسل سليمان <إلى> ابن الحتّيتي (٢) العباسي مقدم أهل حلب يطلب منه تسليم حلب، فاستمهله إلى أن يكاتب السلطان ملك شاه، وأرسل ابن الحتّيتي يستدعي تاج الدولة تتش من دمشق، فسار تتش إلى حلب. وكان مع تتش أرتق بن أكسك <و> قد فارق خدمة ملك شاه خوفا من

стр. 8171

إطلاق مسلم بن قريش <من آمد> على ما قدمنا ما ذكره، وجرى الحرب بين تتش وابن عمه سليمان بن قطلومش، فانهزم عسكر سليمان، وقيل إن سليمان لما انهزم عسكره قتل نفسه، وكان سليمان قد أرسل جثة مسلم بن قريش ملفوفة في إزار إلى حلب في سادس صفر، فأرسل تتش جثة سليمان في هذه السنة سادس صفر ملفوفة في إزار إلى حلب، فأجابه ابن الحتّيتي بالمطاولة إلى أن يرد مرسوم ملك شاه في أمر حلب بما يراه، فحاصر تتش حلب وملكها (٢٩١) فاستجار ابن الحتّيتي بالأمير أرتق بن أكسك فأجاره، وأما قلعة حلب فإنها كان بها منذ قتل مسلم بن قريش سالم بن مالك بن بدران وهو ابن عم شرف الدولة مسلم بن قريش، فحاصر تتش القلعة سبعة عشر يوما، فبلغه وصول مقدمة أخيه السلطان ملك شاه، وكان ابن الحتّيتي قد كاتب السلطان في أمر حلب فسار إليها من أصفهان في جمادى الآخرة فملك في طريقه حران وأقطعها لمحمد بن شرف الدولة مسلم، وسار إلى الرّها وهي بيد الروم من حين استردوها من ابن عطير (١) فحصرها وملكها، وسار إلى قلعة جعبر واسمها الدوسرية ثم عرفت بقلعة جعبر لطول مدة ملك جعبر لها، وبها سابق الدين جعبر القشيري وهو شيخ أعمى وأمسكه وأمسك ولديه وكانا يقطعان الطريق، ثم سار إلى منبج فملكها، وسار إلى حلب فلما قاربها رحل عنها أخوه تتش على البرية، وتوجه إلى دمشق، ووصل السلطان إلى حلب وتسلمها وتسلم القلعة من سالم بن مالك بن بدران العقيلي على أن يعوضه بقلعة جعبر، وسلم إليه السلطان قلعة جعبر فبقيت بيده ويد أولاده إلى أن أخذها منهم نور الدين محمود على ما سنذكره (٢).

стр. 8172

ولما نزل السلطان ملك شاه بحلب أرسل إليه الأمير نصر بن منقذ الكناني صاحب شيزر ودخل في طاعته وسلم إليه اللاذقية وكفر طاب وفامية، فأجابه السلطان إلى المسالمة وترك قصده وأقر عليه شيزر، ولما ملك السلطان حلب سلمها (٢٩٢) إلى قسيم الدولة أقسنقر، ثم ارتحل السلطان إلى بغداد على ما نذكره إن شاء الله تعالى. وفيها، في ربيع الأول، توفي بهاء الدولة أبو كامل منصور بن دبيس بن علي ابن مزيد الأسدي صاحب الحلّة والنيل، وكان فاضلا له شعر جيد، واستقر مكانه ولده صدقة ولقب سيف الدولة. < وقعة الزلاّقة (١) وزوال ملك الصناهجة عن غرناطة > وفي هذه السنة، عدّى يوسف بن تاشفين أمير المسلمين في البحر من سبتة إلى الجزيرة الخضراء، بسبب استيلاء الفرنج على بلاد الأندلس، واجتمع إليه أهل الأندلس مثل المعتمد بن عبّاد وغيره من ملوك الأندلس، وجرى بينهم وبين الأذفونش قتال شديد انتصر فيه المسلمون، وقتل من الفرنج ما لا يحصى حتى جمعوا من رؤوسهم تلا وأذنوا عليه (١)، وملك يوسف غرناطة وأخذها من صاحبها عبد الله بن بلكّين (٢) بن حبوس بن ماكس بن بلكّين بن مناد الصّنهاجي (٣).

стр. 8173

ونقلت من «تاريخ القيروان»، قال: أول من حكم من الصناهجة في غرناطة زاوي بن بلكّين، ثم تركها وعاد إلى أفريقية سنة عشر وأربع مئة، فملك غرناطة ابن أخيه حبوس بن ماكس بن بلكّين وبقي بها حتى توفي سنة تسع وعشرين وأربع مئة، وولي بعده ابنه باديس بن حبوس وبقي حتى توفي، وولي بعده ابن أخيه عبد الله بن بلكّين، وبقي فيها حتى أخذها يوسف بن تاشفين في هذه السنة، وكان أخذ يوسف غرناطة سنة ثمانين وأربع مئة، ثم إن يوسف بن تاشفين عبر البحر إلى سبتة، وأخذ معه عبد الله (٢٩٣) المذكور صاحب غرناطة وأخاه تميما، فكانت غرناطة أول ما ملكه يوسف بن تاشفين من بلاد الأندلس. *** وفيها، سار ملك شاه عن حلب ودخل بغداد في ذي الحجة، وهو أول قدومه إلى بغداد، ثم خرج إلى الصيد فصاد من الوحوش شيئا كثيرا، ثم عاد إلى بغداد واجتمع بالخليفة المقتدي، وأقام ببغداد إلى صفر سنة ثمانين وعاد إلى أصفهان. وفيها، أقطع ملك شاه محمد بن مسلم بن قريش مدينة الرّحبة وحران وسروج والرّقة والخابور وزوجه بأخته زليخة بنت ألب أرسلان. [وفيها، كانت زلازل عظيمة حتى فارق الناس ديارهم]. (١)

стр. 8174

سنة إحدى وثمانين وأربع مئة إلى سنة تسعين وأربع مئة في سنة إحدى وثمانين وأربع مئة (¬*)، توفي الملك المؤيد إبراهيم بن مسعود بن محمود بن سبكتكين صاحب غزنة، وكان ملكه سنة إحدى وخمسين وأربع مئة (١)، وكان حسن السيرة حازما، ولما توفي ملك ابنه مسعود، وكان قد زوجه أبوه بابنة السلطان ملك شاه. وفيها، جمع آقسنقر صاحب حلب عساكره وسار إلى شيزر وصاحبها نصر ابن علي بن منقذ وضيق عليه ونهب الربض، ثم صالحه ابن منقذ فعاد آقسنقر إلى حلب. وفي سنة اثنتين وثمانين وأربع مئة (¬**)، سار ملك شاه إلى ما وراء النهر وعبر جيحون إلى بخارى، وملك ما على طريقه، وملك بخارى، ثم سار إلى سمرقند فملكها وأسر صاحبها أحمد خان فأكرمه، ثم سار إلى كاشغر وأرسل إلى ملكها يأمره بإقامه السكة والخطبة له فأجاب، وحضر ملك كاشغر عند ملك شاه فأكرمه وعظمه (٢٩٤) وأعاده إلى ملكه، ورجع السلطان إلى خراسان. وفيها، عمرت منارة حلب، قام بعمارتها القاضي أبو الحسين بن الخشاب، وكان بحلب بيت نار قديم ثم صار أتون حمام، فأخذ ابن الخشاب حجارته وجعلها في المنارة، فسعى بعض حسدة ابن الخشاب إلى آقسنقر، وقال: إن هذه الحجارة لبيت المال، فأحضره آقسنقر وحدثه في ذلك، فقال: يا مولانا إني بنيت بهذه الحجارة معبدا للمسلمين وكتبت عليه اسمك فإن رسمت غرّمت ثمنها

стр. 8175

فأجابه آقسنقر إلى إتمام ذلك من غير أن يأخذ منه شيئا. وفي سنة ثلاث وثمانين وأربع مئة (¬*)، توفي فخر الدولة أبو نصر محمد بن محمد بن جهير الموصلي بالموصل في محرم هذه السنة، مولده بالموصل سنة ثمان وتسعين وثلاث مئة، وتنقل في الخدم فخدم بركة بن المقلّد حتى قبض على أخيه قرواش، ثم سار إلى حلب فوزّر لمعز الدولة ثمال بن صالح بن مرداس، ثم سار إلى نصر الدولة أحمد بن مروان صاحب ديار بكر فوزِّر له ثم لولده، ثم سار إلى بغداد فوزّر للخليفة، ثم صار مع ملك شاه ففتح له ديار بكر (٢٩٥) وأخذها من بني مروان. وفي سنة أربع وثمانين وأربع مئة (¬**)، تولى عميد الدولة بن فخر الدولة بن جهير وزارة الخليفة المقتدي. < ذكر ملك يوسف بن تاشفين بلاد الأندلس > وفيها، سار يوسف بن تاشفين، أمير المسلمين، من مراكش إلى سبتة، وأقام بها وسير العساكر مع شير بن أبي بكر إلى الأندلس فعبروا البحر وأتوا إلى مدينة مرسية فأخذوها من صاحبها أبي عبد الله بن طاهر، ثم ساروا إلى مدينة شاطبة ودانية فملكوهما (١)، وكانت بلنسية مع الإفرنج فأخلوها وملكها المسلمون وعمروها، وكان أمير المسلمين قد ملك غرناطة فيما قبل على ما تقدم ذكره (٢)،

стр. 8176

ثم ساروا إلى إشبيلية فحصروها وبها صاحبها المعتمد بن عبّاد فملكوها، وأرسلوا المعتمد إلى يوسف بن تاشفين فحبسه في أغمات حتى مات على ما سنذكره. (١) ولما فرغ شير بن أبي بكر من إشبيلية سار إلى المريّة وبها صاحبها محمد بن صمادح بن معن، فلما بلغه أخذ إشبيلية ومسير العساكر إليه مات غما، ولما مات سار ولده الحاجب بن محمد بأهله وماله عن المريّة في البحر إلى بلاد بني حمّاد المتاخمين لأفريقية فأحسنوا إليه، ثم سار شير إلى بطليوس فأخذها من صاحبها عمرو (٢) بن الأفطس، وكان عمرو ممن أعان شير <اً> على ابن عبّاد حتى ملك إشبيلية، ثم رجع عمرو إلى بطليوس فسار إليه شير وأخذها منه وقتل [عمرا] (٣) وولديه العباس والفضل ابني عمرو صبرا، ولم يترك شير من بلاد الأندلس سوى بني هود، فإنه لم يقصد بلادهم وهي شرق الأندلس، وكان صاحبها المستعين بالله هود يهادي يوسف بن تاشفين (٢٩٦) ويخدمه قبل أن يقصد بلاد الأندلس فرعى له ذلك حتى أن يوسف بن تاشفين أوصى ابنه [عليّاً] (٤) عند موته بترك التعرض إلى بلاد بني هود.

стр. 8177

ذكر استيلاء الفرنج على صقلّية قد تقدم ذكر فتح صقلية وتوارد الولاة عليها من جهة بني الأغلب ثم من جهة الخلفاء العلويين (١)، فلما كان سنة ثمان وثمانين وثلاث مئة كان الأمير على صقلية أبو الفتوح يوسف بن عبد الله بن محمد بن [الحسن] (٢) من جهة العزيز العلوي خليفة مصر، فأصاب يوسف المذكور فالج، وبطل جانبه الأيسر، فاستناب ابنه جعفر <اً> وبقي جعفر أميرا لصقلية إلى سنة عشر وأربع مئة، فثار به أهل صقلية وحصروه بقصره لسوء سيرته، وكان أبوه يوسف حينئذ مفلوجا فخرج إلى أهل صقلية فبكوا عليه وشكوا على ابنه جعفر وسألوه أن يولي عليهم ابنه أحمد الأكحل، ففعل يوسف ذلك وسير يوسف ابنه جعفر <اً> إلى مصر وسار هو بعده ومعهما أموال جزيلة، وكان ليوسف أربعة عشر ألف حجر (٣) سوى البغال وغيرها، واستقل الأكحل بصقلّية، وأحسن السيرة وبث السرايا في بلاد الكفار، وأطاعه جميع بلاد صقلية التي للمسلمين، ثم حصل بين الأكحل وبين أهل صقلية وحشة، فسار بعض أهلها إلى أفريقية إلى المعز بن باديس، فأرسل المعز جيشا مع ابنه عبد الله في سنة سبع وعشرين وأربع مئة فحصروا الأكحل في الخالصة، وقتل الأكحل في الحصار، ثم إن أهل صقلّية كرهوا عسكر المعز فقاتلوهم فانهزم (٢٩٧) عسكر المعز وقتل منهم ثماني مئة رجل ورحلوا في المركب إلى أفريقية، وولى أهل صقلّية عليهم أخا الأكحل واسمه الصمصام بن يوسف واضطربت أحوال أهل صقلّية عند ذلك، ثم أخرجوا الصمصام وانفرد كل إنسان ببلد، فانفرد القائد عبد الله بن منكوت

стр. 8178

بمازر وطرابنش وغيرهما، وانفرد علي بن نعمة المعروف بابن الحواش بقصريانة وجرجنت وغيرهما، وانفرد ابن التمنة بمدينة [سرقوسة] (١) وقطانية فوقع بينهم، واستنجد ابن التمنة بالفرنج الذين بمدينة مالطة واسم ملكهم رجّار وهون عليه أمر المسلمين، فسار الفرنج وابن التمنة إلى البلاد التي بأيدي المسلمين في سنة أربع وأربعين وأربع مئة، واستولوا على مواضع كثيرة من الجزيرة، وفارق الجزيرة حينئذ كثير من أهلها [من] (٢) العلماء والصالحين، وسار جماعة إلى المعز بن باديس إلى أفريقية، واستولى الفرنج على غالب بلاد صقلية وليس لهم مانع، ولم يثبت بين أيديهم غير قصريانة وجرجنت فحصرهما الفرنج، وطال الحصار عليهما حتى أكل أهلها الميتة، فسلم أهل جرجنت أولا وبقيت قصريانة بعدها ثلاث سنين ثم أذعنوا، وملك رجّار جميع الجزيرة في سنة أربع وثمانين وأربع مئة، ثم مات رجّار قبل سنة تسعين وتولى ولده وسلك طريقة ملوك المسلمين من الجنائب (٣) والحجاب والجاندارية (٤)، وأسكن في الجزيرة الفرنج مع المسلمين وأكرم المسلمين ومنع من التعدي عليهم.

стр. 8179

< وصول السلطان ملك شاه إلى بغداد > وفيها، في رمضان، وصل السلطان ملك شاه إلى بغداد، ووصل إليه أخوه تتش من دمشق وآقسنقر من حلب، ووصل إليه غيرهما من زعماء الأطراف (٢٩٨) وعمل الميلاد ببغداد، واحتفل له الناس وأكثر الشعراء من وصف تلك الليلة. وفيها، أمر ملك شاه بعمارة الجامع المعروف بجامع السلطان ببغداد، وعمل قبلته بهرام منجمه وجماعة من أصحاب الرصد، وابتدأ أمراء السلطان الكبار بعمارة دور لهم ببغداد، بحيث إذا قدموا بغداد ينزلون بها، فتفرق شملهم بالموت والقتل بعد ذلك عن قريب. وفيها، توفي الأمير أرتق بن أكسك التركماني جد الملوك أصحاب ماردين مالكا للقدس منذ قدم إلى تتش حسبما تقدم ذكره (١)، ولما توفي أرتق استقر في القدس إيلغازي وسقمان [ولداه] (٢) إلى أن سار الأفضل أمير الجيوش من مصر وأخذ القدس منهما، فسارا إلى الشرق وكان منهما ما سنذكره إن شاء الله تعالى (٣). وفي سنة خمس وثمانين وأربع مئة (¬*)، أمر ملك شاه آقسنقر بمساعدة أخيه تتش على ملك الشام وما بأيدي خليفة مصر من البلاد، فسار آقسنقر مع تتش ونزل على حمص وبها صاحبها خلف بن ملاعب فملك تتش حمص وأمسك ابن ملاعب وولديه، ثم سار إلى عرقة فملكها، ثم سار إلى فامية وملكها.

стр. 8180

< مقتل نظام الملك ووفاة السلطان ملك شاه من بعده > وفي عاشر رمضان من هذه السنة، قتل نظام الملك [الحسن] (١) بن علي بن إسحاق، وسببه أنه حصل بينه وبين ملك شاه وحشة، فلما كان اليوم المذكور بعد الإفطار وهم بالقرب من نهاوند وقد انصرف نظام الملك [إلى] (٢) خيمة حرمه وثب عليه صبي ديلمي في صورة [مستعط] (٣) وضربه بسكين قتله بها، وأدرك أصحابه ذلك الديلمي فقتلوه، وحصل للعسكر بسبب قتله شوشة، فركب السلطان (٢٩٩) وسكّنها. وكان نظام الملك كبيرا، فإن مولده سنة ثمان وأربع مئة، وكان قتله بتدبير من السلطان ملك شاه (٤)، ومات ملك شاه بعده بخمسة وثلاثين يوما على ما سنذكره. وكان نظام الملك من أبناء الدهاقين بطوس، ماتت أمه وهو رضيع، فكان يطوف به والده على المراضع فيرضعنه، ثم انتشأ وتعلم العربية وسمع الحديث واشتغل بالأعمال السلطانية، ولم يزل الدهر يعلو به حتى خدم طغرلبك وصار

стр. 8181

وزيره، ولما صار الملك إلى ألب أرسلان كان نظام الملك مع ابنه ملك شاه، وقام بأمره حتى صارت السلطنة إلى ملك شاه، فبلغ نظام الملك من المنزلة ما لم يبلغه غيره من الوزراء، وقرب العلماء وبنى المدارس في سائر الأمصار، وأسقط المكوس، وأزال لعن الأشعرية من المنابر، وكان قد فعله عميد الملك الكندري كما تقدم ذكره (١)، وأوصافه [كثيرة] (٢) حسنة، رحمه الله تعالى. وكان السلطان ملك شاه ونظام الملك قد سارا عن بغداد في العام الماضي إلى أصفهان، فعادا من أصفهان في هذه السنة إلى بغداد فقتل نظام الملك بالقرب من نهاوند كما ذكرنا، ودخل السلطان بغداد في رابع عشري رمضان هذه السنة، ثم خرج ملك شاه من بغداد إلى الصيد وعاد ثالث شوال مريضا بحمى محرقة، وتوفي ليلة الجمعة نصف شوال، وكان مولده في سنة سبع وأربعين وأربع مئة، وكان من أحسن الناس صورة ومعنى، وخطب له من حدود الصين إلى آخر الشام، ومن أقاصي بلاد الشمال إلى بلاد اليمن، وحملت له ملوك الروم الجزية ولم يفته مطلب، وكانت أيامه أيام عدل وسكون وأمن (٣٠٠) فعمرت البلاد، ودرت الأرزاق، وعمر الجامع ببغداد (٣)، وعمل المصانع بطريق مكة، وكان غاويا بالصيد، وكان يتصدق بعدد كل وحش يصيده دينارا، وصاد مرة عشرة آلاف صيد فتصدق بعشرة آلاف دينار. ولما مات ملك شاه أخفت زوجته تركان خاتون موته، وفرقت الأموال في الأمراء، وسارت إلى أصفهان واستحلفت العساكر لولدها محمود وعمره أربع

стр. 8182

سنين وشهور، وخطب له في بغداد وغيرها، وكان تاج الملك هو الذي يدبر الأمر بين يدي تركان خاتون، وأما بركياروق بن ملك شاه فإنه هرب من أصفهان لما دخلت تركان خاتون إليها، وانضم إلى بركياروق النظامية لبغضهم تاج الملك لأنه هو الذي سعى في نظام الملك حتى قتل، وقوي بركياروق فأرسلت تركان خاتون عسكرا إلى بركياروق والنظامية فاقتتلوا في القرب من بروجرد فانهزم عسكر تركان خاتون، وسار بركياروق وحصرهم في أصفهان، وكان تاج الملك في عسكر تركان خاتون فأخذ أسيرا وأراد بركياروق الإحسان إليه وأن يوليه الوزارة، فوثبت النظامية عليه وقتلوه. وكان تاج الملك المذكور [ذا فضائل جمة] (١)، وخرجت السنة والأمر على ذلك. وفي سنة ست وثمانين وأربع مئة (¬*)، خرج من أصفهان الحسين بن نظام الملك إلى بركياروق فأحسن إليه وولاه الوزارة ولقبه عز الملك. وفيها، تحرك تتش من دمشق لطلب السلطنة بعد موت أخيه، واتفق معه آقسنقر صاحب حلب وخطب له ياغي سيان صاحب أنطاكية، وبزان صاحب الرّها، وسار تتش ومعه آقسنقر، فافتتح نصيبين عنوة، ثم قصد الموصل (٣٠١) وكنا ذكرنا في سنة [سبع وسبعين] (٢) وأربع مئة أنه لما قتل مسلم بن قريش صاحب الموصل وحلب استولى على الموصل إبراهيم بن قريش، ثم إن ملك شاه قبض على إبراهيم سنة اثنتين وثمانين وأربع مئة وأخذ منه الموصل، وبقي إبراهيم معه حتى مات ملك شاه، فسار وملك الموصل، فلما قصد تتش في هذه السنة

стр. 8183

الموصل خرج إبراهيم لقتاله والتقوا بالمضيح من أعمال الموصل، فانهزمت المواصلة، وأخذ إبراهيم بن قريش أسيرا وجماعة من أمراء العرب قتلوا صبرا، وملك تتش الموصل واستناب فيها علي بن مسلم بن قريش، وأمه ضيفة عمة تتش، وأرسل تتش يطلب الخطبة من بغداد، فتوقفوا فيها، فسار تتش فاستولى على ديار بكر وسار إلى أذربيجان، وكان قد استولى بركياروق على كثير منها، فسار بركياروق إلى عمه ليمنعه فقال آقسنقر: نحن إنما أطعنا تتش لعدم قيام أحد من أولاد السلطان ملك شاه، أما إذا كان بركياروق بن السلطان قد تملك فلا نكون مع غيره، وخلى آقسنقر تتش ولحق بركياروق فضعف تتش لذلك وعاد إلى الشام. وفيها، ملك عسكر المستنصر خليفة مصر مدينة صور. وفي سنة سبع وثمانين وأربع مئة (¬*) توفي الخليفة المقتدي [بأمر الله] (١) أبو القاسم عبد الله بن ذخيرة الدين محمد بن القائم، مات فجأة يوم السبت خامس عشر المحرم وعمره [ثمان وثلاثون] (٢) سنة وثمانية أشهر وأيام، وخلافته تسع عشرة سنة وثمانية أشهر، وأمه أم ولد أرمنية تسمى أرجوان أدركت خلافته وخلافة ابنه المستظهر وخلافة ابن ابنه المسترشد، وكان المقتدي قوي النفس عظيم الهمة. (٣٠٢) خلافة المستظهر بالله أبي العباس أحمد ثامن عشري بني العباس ولما توفي المقتدي كان بركياروق قد قدم إلى بغداد فأخذت عليه البيعة

стр. 8184

للمستظهر بن المقتدي وبايعه الناس، وكان عمره لما بويع ست عشرة سنة وشهرين. وفيها، لما عاد تتش من أذربيجان إلى الشام أخذ في جمع الجيوش حتى كثرت رجاله، وجمع آقسنقر بحلب وأمدّه بركياروق بالأمير كربغا، فاجتمع كربغا وآقسنقر وقاتلوا تتش عند نهر سبعين قريبا من تل السلطان بينه وبين حلب ستة فراسخ، فخامر بعض عسكر آقسنقر وصاروا مع تتش وانهزم الباقون فثبت آقسنقر فأحضر أسيرا وأحضر إلى تتش، فقال تتش لآقسنقر: لو ظفرت بي ما كنت تصنع؟ قال: أقتلك، قال: فأنا أقتلك وأحكم عليك ما حكمت عليّ به، فقتل بين يديه صبرا، وسار تتش إلى حلب فملكها. وأسر بوزان (١) وقتله، وأسر كربغا وسجنه بحمص، ثم استولى تتش على حران والرّها، ثم سار إلى البلاد الجزرية فملكها ثم ملك ديار بكر وخلاط، وسار إلى أذربيجان فملكها، ثم سار إلى همذان فملكها، وأرسل يطلب من المستظهر بالله الخطبة ببغداد فأجيب إليها، ولما بلغ بركياروق استيلاء عمه على أذربيجان سار إلى إربل ومنها إلى [بلد] (٢) سرخاب بن بدر إلى أن قرب من عسكر تتش ولم يكن مع بركياروق غير ألف رجل، فسارت فرقة من عسكر عمه وكبسوه فهرب إلى أصفهان، وكانت تركان خاتون قد ماتت على ما سنذكره (٣٠٣) إن شاء الله تعالى (٣)، فدخل بركياروق أصفهان وبها أخوه محمود فاحتاط على بركياروق كبار عسكر أخيه محمود وأرادوا أن يسملوه فلحق محمود <اً> جدري قوي فتوقفوا في أمر بكياروق لينظروا ما يكون من محمود، فمات محمود من ذلك

стр. 8185

في سلخ شوال هذه السنة، فكان فرجا بعد شدة لبركياروق، وكان مولد محمود سنة ثمانين وأربع مئة في صفر، ثم إن بركياروق جدّر بعد محمود وعوفي فاجتمعت عليه العساكر وكان منه ومن تتش ما سنذكره إن شاء الله تعالى (١). وفيها، في ربيع الأول (٢)، توفي بمصر أمير الجيوش بدر الجمالي وقد جاوز ثمانين سنة، وكان هو الحاكم في دولة المستنصر، ولما مات قام بما كان إليه من الأمر ابنه الأفضل. وفيها، وفي ثامن <ذي> الحجة، توفي المستنصر بالله أبو تميم معد بن أبي الحسن (٣) علي الظاهر لإعزاز دين الله بن الحاكم، وكانت خلافته ستين سنة وأربعة أشهر و [كان] (٤) عمره [سبعا وستين] (٥) سنة، وهو الذي خطب له البساسيري ببغداد (٦)، ولقي المستنصر في خلافته شدائد وأهوالا أخرج فيها أمواله وذخائره حتى لم يبق له غير سجادته التي يجلس عليها وهو مع هذا صابر غير خاشع، ولما مات ولي خلافة مصر ابنه المستعلي بالله أبو القاسم أحمد. وفيها، توفي أمير مكة محمد بن أبي هاشم الحسيني وقد جاوز سبعين سنة، وتولى بعده أخوه الأمير قاسم. وفيها، توفيت تركان خاتون زوجة ملك شاه التي قدمنا ذكرها (٧)، وكانت

стр. 8186

قد برزت من أصفهان لتتصل بتاج الدولة تتش فمرضت وعادت إلى أصفهان وماتت، ولم يكن [قد بقي] (١) معها غير قصبة أصفهان. (٣٠٤) [وفي سنة ثمان وثمانين وأربع مئة (٢)] (¬*) اجتمع قواد عسكر أحمد خان صاحب سمرقند وقبضوا عليه بسبب زندقته، ولما قبضوه أحضروا القضاة والفقهاء، وأقاموا خصوما ادعوا عليه الزندقة فجحد، فشهد عليه جماعة بذلك وأفتى الفقهاء بقتله فخنق وأجلسوا مكانه ابن عمه مسعود <اً>. ولما انهزم بركياروق من تتش دخل أصفهان واستولى تتش على أذربيجان ونهب جرباذقان، ثم سار إلى الري وبركياروق مريض بالجدري، فلما عوفي سار بالعساكر إلى عمه تتش والتقوا بموضع قريب الري (٣) فانهزم عسكر تتش وثبت هو فقتل في صفر هذه السنة - أعني [ثمانيا] (٤) وثمانين وأربع مئة، واستقامت السلطنة لبركياروق، وإذا أراد الله أمرا فلا مردّ له، وإلاّ لو تبع بركياروق من عسكر عمه تتش لما كبسوه وهرب إلى أصفهان مئة نفس أخذوه لأنه بقي على باب أصفهان عدة أيام لا يمكن من الدخول إليها، فلما دخلها أراد الأمراء أن يسلموه فاتفق أن أخاه محمودا حمّ ثاني يوم وصوله وجدر ومات وقام هو مقامه ثم جدر، ولو قصده تتش قبل دخوله أصفهان، أو وقت مرض أخيه أو

стр. 8187

وقت مرضه لملك البلاد، ولله سرّ في علاه. وكان لتتش بن ألب أرسلان ابنان يقال لهما رضوان ودقاق، وكان دقاق في الوقعة مع أبيه، وأما رضوان فبلغه مقتل أبيه وهو بالقرب من هيت متوجها للاستيلاء على العراق، فرجع إلى حلب وبها من جهة والده أبو القاسم حسن بن علي الخوارزمي، ولحق برضوان جماعة من قواد أبيه، ولحقه أخوه دقاق، وكان معه أيضا أخواه الصغيران أبو طالب وبهرام (٣٠٥) وكانوا كلهم مع أبي القاسم حسن الخوارزمي كالضيوف وهو المستولي على البلد. ثم إن رضوان كبس أبا القاسم نصف الليل، واحتاط عليه وطيب قلبه. وخطب لرضوان بحلب، وكان مع رضوان الأمير ياغي سيان (١) بن محمد التركماني صاحب أنطاكية، ثم وقع الاختلاف بين ياغي سيان وجناح الدولة، وكان جناح الدولة مزوجا بأم رضوان، وهو من أكبر القواد، فسار ياغي سيان إلى أنطاكية ومعه أبو القاسم الخوارزمي، ودخل رضوان إلى حلب، وأما دقاق فكاتبه ساوتكين الخادم والي قلعة دمشق يستدعيه سرا ليملكه دمشق، فهرب دقاق من حلب سرا وجدّ السير فأرسل رضوان في أثره خيلا فلم يدركه، ووصل رضوان دمشق فسلمها إليه ساوتكين، ووصل إلى دقاق طغتكين ومعه جماعة من خواص تتش، فإن طغتكين كان مع تتش في الوقعة وأسر ثم خلص ووصل إلى دمشق فلقيه دقاق وأكرمه وكان طغتكين زوج والدة دقاق، واتفق دقاق وطغتكين على ساوتكين الخادم فقتلاه، ثم سار ياغي سيان صاحب أنطاكية إلى دقاق ووصل إلى دمشق ومعه حسن الخوارزمي الذي كان مستوليا على حلب فجعله وزيرا لدقاق.

стр. 8188

< وفاة المعتمد بن عباد > وفي هذه السنة توفي المعتمد بن عبّاد صاحب إشبيلية مسجونا بأغمات، وأخباره مشهورة، وله أشعار حسنة. قال صاحب «قلائد العقيان» إن المعتمد لما كان مسجونا بأغمات دخل عليه من بنيه يوم عيد من يهنئه ويسلم عليه [وفيهم بناته] (١) وعليهن أطمار كأنها كسوف وهن أقمار، وأقدامهن حافية، وآثار نعمتهن عافية، فقال المعتمد (٢): <البسيط> (٣٠٦) فيما مضى كنت بالأعياد مسرورا … فجاءك العيد في أغمات مأسورا ترى بناتك في الأطمار جائعة … يغزلن للناس ما يملكن قطميرا يطأن في الطين والاقدام حافية … كأنها لم تطأ مسكا وكافورا لا خدّ إِلَّا تشكّى الجدب ظاهره … وليس إلا مع الأنفاس قمطورا قد كان دهرك إن تأمره ممتثلا … فردّك الدهر منهيا ومأمورا من بات بعدك في ملك يسرّ به … فإنما بات بالأحلام مغرورا ولأبي بكر بن اللبانة يرثي المعتمد بن عبّاد من قصيدة طويلة، وهي: <البسيط> لكلّ شيء من الأشياء ميقات … وللمنى من مناياهنّ غايات والدهر في صبغة الحرباء منغمس … ألوان حالاته فيها استحالات ونحن من لعب الشطرنج في يده … وربما قمرت بالبيدق الشاة ومنها:

стр. 8189

من كان بين الندى واليأس أنصله … هندية وعطاياه هنيدات رماه من حيث لم تستره سابقة … دهر مصيباته نبل مصيبات لهفي على آل عبّاد فإنهم … أهلّة ما لها في الأفق هالات تمسّكت بعرى اللذات ذاتهم … يا بئس ما جنت اللذات والذات فجعت منهم بإخوان ذوي ثقة … فاتوا وللدهر في الإخوان آفات واعتضت في آخر الصحراء طائفة … لغاتهم في جميع الكتب ملغاة يعني البربر، أعني ابن تاشفين وعسكره. *** وفيها، سار أبو حامد الغزالي إلى الشام وترك التدريس في النظامية لأخيه (١) نيابة عنه وتزهد وزار (٣٠٧) القدس وحج، ثم عاد إلى بغداد وصار إلى خراسان. وفي سنة تسع وثمانين وأربع مئة (¬*) ملك كربوغا الموصل، كان تتش قد حبس كربوغا بحمص لما قتل آقسنقر، وبقي كربوغا في الحبس حتى أرسل بركياروق إلى رضوان صاحب حلب يأمره بإطلاقه، فأطلقه وأطلق أخاه الطنطاش، واجتمع على كربوغا البطالون، وقصد نصيبين وفيها محمد بن شرف الدولة مسلم بن قريش، فطلع محمد إلى كربوغا واستخلفه، ثم غدر كربوغا بمحمد وقبض (٣٠٨) عليه وحاصر نصيبين وملكها، ثم سار إلى الموصل وقتل في طريقه

стр. 8190

محمد بن مسلم بن قريش بن بدران وحصر الموصل وبها علي بن مسلم أخو محمد بن حين استنابه بها تتش على ما ذكرناه (١)، فلما ضاق عليه الأمر هرب علي بن مسلم من الموصل إلى صدقة بن مزيد بالحلة وتسلم كربوغا الموصل وأحسن السيرة. وفيها، استولى عسكر المستعلي خليفة مصر على القدس في شعبان وأخذوه من إيلغازي وسقمان ابني أرتق. وفي سنة تسعين وأربع مئة (¬*)، كان للسلطان ملك شاه أخ اسمه أرسلان أرغون بن ألب أرسلان محمد، وكان مع أخيه فلما مات ملك شاه سار أرسلان أرغون واستولى على خراسان، وكان شديد العقوبة لغلمانه، وكانوا يخافونه [خوفا] (٢) عظيما، فدخل عليه غلام له وليس عنده أحد فأنكر عليه أرسلان أرغون تأخره عن الخدمة، فأخذ الغلام يعتذر فلم يقبل عذره فوثب الغلام وقتل أرسلان أرغون بسكين، وكان مقتله في محرم (٣) هذه السنة. ولما قتل أرسلان أرغون سار بركياروق إلى خراسان واستولى عليها، وأرسل إلى ما وراء النهر فأقيمت له الخطبة بتلك البلاد، وسلم بركياروق خراسان إلى أخيه السلطان سنجر شاه بن ملك شاه، وجعل وزيره أبا الفتح علي بن الحسين الطغرائي.

стр. 8191

وفي هذه السنة، كان: ابتداء دولة بيت خوارزم شاه وأولهم محمد خوارزم شاه بن أنوش تكين، وكان أنوش تكين مملوكا لرجل من غرشستان (١) ولذلك قيل له: أنوش تكين غرشة، فاشتراه منه أمير من السّلجوقية اسمه بلكابل، وكان أنوش تكين حسن الطريقة (٣٠٩) فعلا محله، وصار أنوش تكين مقدما، وولد له محمد خوارزم شاه فربّاه وأحسن تأديبه، فانتشأ عارفا أديبا، وتقدم بالعناية الأزلية، واشتهر بالكفاية وحسن التدبير، فلما قدم الأمير داد (٢) الحبشي البركياروقي إلى خراسان، وكان أرسله بركياروق ليمهد أمر خراسان بسبب فتنة وقعت فيها من الأتراك فقتل فيها النائب [على خوارزم] (٣)، فوصل داد وأصلح أمر خراسان (٤) واستعمل على خوارزم محمد ابن أنوش تكين ولقبه بخوارزم شاه، فقصر محمد أوقاته على معدلة ينشرها ومكرمة يفعلها، وقرب أهل العلم والدين فعلا محله، ثم أقره السلطان سنجر على ولاية خوارزم، وعظمت منزلته عند السلطان سنجر. ولما توفي خوارزم شاه ولي ابنه آطسز فمدّ ظلال الأمن وأفاض العدل.

стр. 8192

< ذكر الحرب بين رضوان ودقاق ابني تتش > وفيها (١)، سار رضوان من حلب إلى دمشق ليأخذها من أخيه دقاق، وسار مع رضوان ياغي سيان صاحب أنطاكية وجناح الدولة، ووصلوا إلى دمشق، فلم ينل منها غرضا وارتحل رضوان إلى القدس فلم يملكها. وتراجعت عنه عساكره فرجع إلى حلب. ثم فارق ياغي سيان رضوان وصار مع دقاق وحسن له قصد أخيه رضوان وأخذ حلب منه، فسار دقاق إلى رضوان واقتتلوا فانهزم دقاق وعسكره ونهبت خيامهم، وعاد رضوان إلى حلب منصورا، ثم اتفقا على أن يخطب لرضوان بدمشق قبل دقاق. *** وفيها، خطب الملك رضوان للخليفة المستعلي خليفة مصر أربع جمع ثم خشي العاقبة فأعاد الخطبة العباسية. وفيها، قتلت الباطنية (٣١٠) أرغش النظامي بالري، وكان قد بلغ مبلغا عظيما بحيث إنه تزوج بابنة ياقوتي عم السلطان بركياروق. وفيها، قتلت الباطنية الأمير برسق الطغرلبكي وهو أول شحنة كان من جهة السلاجقة ببغداد.

стр. 8193

سنة إحدى وتسعين وأربع مئة إلى سنة خمس مئة <ذكر ابتداء الحملة الصليبية الأولى> في سنة إحدى وتسعين وأربع مئة (¬*) ملك الفرنج أنطاكية، وكان مبدأ خروجهم في سنة تسعين وأربع مئة، فعبروا خليج قسطنطينية إلى بلاد قليج أرسلان بن قطلومش صاحب قونية، وجرى بين قليج أرسلان وبين الفرنج قتال، انهزم فيه قليج أرسلان (١). ثم ساروا إلى بلاد ليون الأرمني وخرجوا إلى أنطاكية فحصروها تسعة أشهر، وظهر لياغي سيان في ذلك شجاعة عظيمة، ثم هجموا أنطاكية عنوة، وخرج ياغي سيان في الليل هاربا، فلما أصبح ورجع وعيه أخذ يتلهف على أهله وأولاده وعلى المسلمين، فلشدة ما لحقه سقط مغشيا عليه، فأراد غلامه أن يركبه فلم يكن [فيه] (٢) من المسكة ما يثبت على الفرس فتركه غلمانه مرميا، واجتاز به وهو مرمي إنسان أرمني كان يقطع الخشب وهو على آخر رمق فقطع رأسه وحمله إلى الفرنج بأنطاكية، وكان ملك الفرنج أنطاكية في جمادى الأولى من هذه السنة (٣)، ووضعوا السيف في المسلمين الذين بها وأخذوا أموالهم.

стр. 8194

ولما بلغ كربوغا صاحب الموصل ما فعله الفرنج بأنطاكية جمع عسكره وسار إلى مرج دابق واجتمع إليه دقاق بن تتش صاحب دمشق وطغتكين أتابك وجناح الدولة صاحب حمص (٣١١) وهو زوج أم الملك رضوان، فإنه كان قد فارق رضوان من حلب وملك حمص، وغيرهم من الأمراء والعربان وساروا حتى نازلوا أنطاكية وانحصر الفرنج بها، وطلبوا من كربوغا أن يطلقهم فامتنع، ثم إن كربوغا أساء السيرة فيمن اجتمع معه من الملوك والأمراء فتكبر عليهم فخبثت نياتهم عليه، ولما ضاق على الفرنج الأمل وقلت أقواتهم خرجوا من أنطاكية وقاتلوا المسلمين، فولى المسلمون هاربين وكثر القتلى فيهم، ونهبت الفرنج خيامهم وتقووا بالأقوات والسلاح. و [لما انهزمت المسلمون من بين أيديهم] (١) ساروا إلى المعرّة واستولوا عليها، ووضعوا السيف في أهلها، فقتلوا مئة ألف إنسان، وسبوا السبي الكثير، وأقاموا بالمعرّة أربعين يوما (٢)، وساروا إلى حمص فصالحهم أهلها.

стр. 8195

< سقوط بيت المقدس > وفي سنة اثنتين وتسعين وأربع مئة (¬*) ملك الفرنج بيت المقدس. كان تتش قد أقطع بيت المقدس للأمير أرتق، فلما توفي صار لولديه إيلغازي وسقمان حتى خرج عسكر خليفة مصر فاستولوا على القدس بالأمان في شعبان سنة تسع وثمانين وأربع مئة (١)، وسار سقمان وإيلغازي، فأقام سقمان بالرّها ودخل إيلغازي العراق، وبقي القدس في أيدي المصريين إلى هذه السنة، فقصده الفرنج وحصروه نيفا وأربعين يوما، وملكوه يوم الجمعة لسبع بقين من شعبان هذه السنة (٢). ولبث الفرنج يقتلون المسلمين بالقدس أسبوعا، وقتل من المسلمين في المسجد الأقصى ما يزيد على سبعين ألف نفس منهم جماعة من أئمة المسلمين وعلمائهم وزهادهم وعبادهم المجاورين بذلك الموضع الشريف، وغنموا [ما لا يقع] (٣) عليه الإحصاء (٤). ووصل (٣١٢) المستنفرون إلى بغداد في رمضان، فاجتمع أهل بغداد في الجوامع وبكوا واستغاثوا، ووقع الخلاف بين الملوك السّلجوقية فتمكن الفرنج من البلاد.
следующие страницы →