وفي هذه السنة، كان:
ابتداء دولة بيت خوارزم شاه
وأولهم محمد خوارزم شاه بن أنوش تكين، وكان أنوش تكين مملوكا لرجل من غرشستان (١) ولذلك قيل له: أنوش تكين غرشة، فاشتراه منه أمير من السّلجوقية اسمه بلكابل، وكان أنوش تكين حسن الطريقة (٣٠٩) فعلا محله، وصار أنوش تكين مقدما، وولد له محمد خوارزم شاه فربّاه وأحسن تأديبه، فانتشأ عارفا أديبا، وتقدم بالعناية الأزلية، واشتهر بالكفاية وحسن التدبير، فلما قدم الأمير داد (٢) الحبشي البركياروقي إلى خراسان، وكان أرسله بركياروق ليمهد أمر خراسان بسبب فتنة وقعت فيها من الأتراك فقتل فيها النائب [على خوارزم] (٣)، فوصل داد وأصلح أمر خراسان (٤) واستعمل على خوارزم محمد ابن أنوش تكين ولقبه بخوارزم شاه، فقصر محمد أوقاته على معدلة ينشرها ومكرمة يفعلها، وقرب أهل العلم والدين فعلا محله، ثم أقره السلطان سنجر على ولاية خوارزم، وعظمت منزلته عند السلطان سنجر.
ولما توفي خوارزم شاه ولي ابنه آطسز فمدّ ظلال الأمن وأفاض العدل.
стр. 8192
< ذكر الحرب بين رضوان ودقاق ابني تتش >
وفيها (١)، سار رضوان من حلب إلى دمشق ليأخذها من أخيه دقاق، وسار مع رضوان ياغي سيان صاحب أنطاكية وجناح الدولة، ووصلوا إلى دمشق، فلم ينل منها غرضا وارتحل رضوان إلى القدس فلم يملكها. وتراجعت عنه عساكره فرجع إلى حلب.
ثم فارق ياغي سيان رضوان وصار مع دقاق وحسن له قصد أخيه رضوان وأخذ حلب منه، فسار دقاق إلى رضوان واقتتلوا فانهزم دقاق وعسكره ونهبت خيامهم، وعاد رضوان إلى حلب منصورا، ثم اتفقا على أن يخطب لرضوان بدمشق قبل دقاق.
***
وفيها، خطب الملك رضوان للخليفة المستعلي خليفة مصر أربع جمع ثم خشي العاقبة فأعاد الخطبة العباسية.
وفيها، قتلت الباطنية (٣١٠) أرغش النظامي بالري، وكان قد بلغ مبلغا عظيما بحيث إنه تزوج بابنة ياقوتي عم السلطان بركياروق.
وفيها، قتلت الباطنية الأمير برسق الطغرلبكي وهو أول شحنة كان من جهة السلاجقة ببغداد.
стр. 8193
سنة إحدى وتسعين وأربع مئة إلى سنة خمس مئة <ذكر ابتداء الحملة الصليبية الأولى>
في سنة إحدى وتسعين وأربع مئة (¬*) ملك الفرنج أنطاكية، وكان مبدأ خروجهم في سنة تسعين وأربع مئة، فعبروا خليج قسطنطينية إلى بلاد قليج أرسلان بن قطلومش صاحب قونية، وجرى بين قليج أرسلان وبين الفرنج قتال، انهزم فيه قليج أرسلان (١).
ثم ساروا إلى بلاد ليون الأرمني وخرجوا إلى أنطاكية فحصروها تسعة أشهر، وظهر لياغي سيان في ذلك شجاعة عظيمة، ثم هجموا أنطاكية عنوة، وخرج ياغي سيان في الليل هاربا، فلما أصبح ورجع وعيه أخذ يتلهف على أهله وأولاده وعلى المسلمين، فلشدة ما لحقه سقط مغشيا عليه، فأراد غلامه أن يركبه فلم يكن [فيه] (٢) من المسكة ما يثبت على الفرس فتركه غلمانه مرميا، واجتاز به وهو مرمي إنسان أرمني كان يقطع الخشب وهو على آخر رمق فقطع رأسه وحمله إلى الفرنج بأنطاكية، وكان ملك الفرنج أنطاكية في جمادى الأولى من هذه السنة (٣)، ووضعوا السيف في المسلمين الذين بها وأخذوا أموالهم.
стр. 8194
ولما بلغ كربوغا صاحب الموصل ما فعله الفرنج بأنطاكية جمع عسكره وسار إلى مرج دابق واجتمع إليه دقاق بن تتش صاحب دمشق وطغتكين أتابك وجناح الدولة صاحب حمص (٣١١) وهو زوج أم الملك رضوان، فإنه كان قد فارق رضوان من حلب وملك حمص، وغيرهم من الأمراء والعربان وساروا حتى نازلوا أنطاكية وانحصر الفرنج بها، وطلبوا من كربوغا أن يطلقهم فامتنع، ثم إن كربوغا أساء السيرة فيمن اجتمع معه من الملوك والأمراء فتكبر عليهم فخبثت نياتهم عليه، ولما ضاق على الفرنج الأمل وقلت أقواتهم خرجوا من أنطاكية وقاتلوا المسلمين، فولى المسلمون هاربين وكثر القتلى فيهم، ونهبت الفرنج خيامهم وتقووا بالأقوات والسلاح.
و [لما انهزمت المسلمون من بين أيديهم] (١) ساروا إلى المعرّة واستولوا عليها، ووضعوا السيف في أهلها، فقتلوا مئة ألف إنسان، وسبوا السبي الكثير، وأقاموا بالمعرّة أربعين يوما (٢)، وساروا إلى حمص فصالحهم أهلها.
стр. 8195
< سقوط بيت المقدس >
وفي سنة اثنتين وتسعين وأربع مئة (¬*) ملك الفرنج بيت المقدس.
كان تتش قد أقطع بيت المقدس للأمير أرتق، فلما توفي صار لولديه إيلغازي وسقمان حتى خرج عسكر خليفة مصر فاستولوا على القدس بالأمان في شعبان سنة تسع وثمانين وأربع مئة (١)، وسار سقمان وإيلغازي، فأقام سقمان بالرّها ودخل إيلغازي العراق، وبقي القدس في أيدي المصريين إلى هذه السنة، فقصده الفرنج وحصروه نيفا وأربعين يوما، وملكوه يوم الجمعة لسبع بقين من شعبان هذه السنة (٢).
ولبث الفرنج يقتلون المسلمين بالقدس أسبوعا، وقتل من المسلمين في المسجد الأقصى ما يزيد على سبعين ألف نفس منهم جماعة من أئمة المسلمين وعلمائهم وزهادهم وعبادهم المجاورين بذلك الموضع الشريف، وغنموا [ما لا يقع] (٣) عليه الإحصاء (٤).
ووصل (٣١٢) المستنفرون إلى بغداد في رمضان، فاجتمع أهل بغداد في الجوامع وبكوا واستغاثوا، ووقع الخلاف بين الملوك السّلجوقية فتمكن الفرنج من البلاد.
стр. 8196
وقال في ذلك [أبو] (١) المظفر الأبيوردي أبياتا منها: (٢) <الطويل>
مزجنا دماء بالدموع السّواجم … فلم يبق منا عرضة للمراجم
وشرّ سلاح المرء دمع يفيضه … إذا الحرب شبّت نارها بالصوارم
وكيف تنام العين ملء جفونها … على [هبوات] (٣) أيقظت كلّ نائم
وإخوانكم بالشام يضحي مقيلهم … ظهور المذاكي أو بطون القشاعم
يسومهم الروم الهوان وأنتم … تجرّون ذيل الخفض فعل المسالم
وكم من دماء قد أبيحت ومن دمىً (٤) … تواري حياء حسنها بالمعاصم
أترضى صناديد الأعاريب بالأذى … وتغضي على ذلّ كماة الأعاجم
فليتهم إذ لم يذودوا حميّة … عن الدين ضنّوا غيرة بالمحارم
стр. 8197
وفيها (١)، قوي أمر السلطان محمد بن ملك شاه أخي الملك بركياروق، وهو أخو السلطان سنجر لأب وأم وأمهما أم ولد، واجتمعت إليه العساكر، واستوزر مؤيد الملك عبد الله بن نظام الملك، وقصد بركياروق وهو بالري فسار عنها ووصل إليها محمد فوجد بها زبيدة خاتون والدة بركياروق وقد تخلفت عن ابنها، فقبض عليها مؤيد الملك، وأخذ خطها بمال ثم خنقها، ثم اجتمع إلى محمد كوهرائين شحنة بغداد وكربوغا صاحب الموصل، وأرسل يطلب الخطبة من بغداد فخطب له بها نهار الجمعة سابع عشر <ذي> الحجة من هذه السنة.
وفي سنة ثلاث وتسعين وأربع مئة (¬*)، سار بركياروق ودخل بغداد وأعيدت الخطبة (٣١٣) له في صفر، ثم سار إلى أخيه محمد وجمع كل منهما عسكره واقتتلوا رابع رجب عند النهر الأبيض، وهو على عدة فراسخ من همذان، فانهزم بركياروق وأرسل أخوه محمد إلى بغداد فأعيدت خطبته، ولما انهزم بركياروق سار إلى الري واجتمع عليه أصحابه وقصد خراسان واجتمع مع الأمير داد أمير جيش خراسان، ووقع بين بركياروق وبين أخيه سنجر قتال فانهزم بركياروق وعسكره، وسار إلى جرجان ثم إلى دامغان.
وفيها، جمع كمشتكين بن طيلوا المعروف بابن الدانشمند صاحب ملطية وسيواس (٢)، وسمي الدانشمند لأن أباه كان معلم التركمان واسمه عندهم دانشمند، فترقى ابنه حتى ملك هذه البلاد وقصد الفرنج، وكانوا ساروا إلى
стр. 8198
ملطيه فأوقع بهم وأسر ملكهم (١).
< استيلاء سقمان القطبي على خلاط >
وفيها كان استيلاء سقمان القطبي، وقيل: سكمان [بالكاف على خلاط وكان سكمان المذكور] (٢) مملوكا للملك إسماعيل صاحب مدينة مرند من أذربيجان، ولقب إسماعيل المذكور قطب الدين وكان من بني سلجوق، ولذلك قيل لسكمان القطبي، وانتشأ سكمان في غاية الشهامة (٣١٤) والكفاية، وكان تركي الجنس وكانت خلاط لبني مروان ملوك ديار بكر، وكان قد كثر ظلمهم لأهل خلاط، فلما اشتهر من عدل سكمان القطبي وكفايته ما اشتهر كاتبه أهل خلاط فسار إليهم وفتحوا له باب خلاط وسلموها إليه وهرب عنها بنو مروان هذه السنة.
واستمر سكمان القطبي مالكا لخلاط حتى توفي سنة ست وخمس مئة، وملك خلاط ولده ظهير الدين إبراهيم على ما سنذكره إن شاء الله تعالى (٣).
< تجدد القتال بين السلطانين بركياروق ومحمد >
وفي سنة أربع وتسعين وأربع مئة (¬*) قد تقدم ذكر هزيمة بركياروق من أخيه
стр. 8199
محمد ثم قتاله لأخيه سنجر وهزيمته أيضا، فلما انهزم سار إلى خوزستان واجتمع عليه أصحابه، ثم أتى عسكر مكرم وكثر جمعه، ثم سار إلى همذان ولحق به الأمير إياز في خمسة آلاف فارس، فسار أخوه إلى قتاله واقتتلوا ثالث جمادى الآخرة من هذه السنة وهو المصاف الثاني، واشتد القتال بينهم طول النهار، فانهزم محمد وعسكره وأسر مؤيد الدين بن نظام الملك وزير محمد وأحضر إلى السلطان بركياروق فواقفه على ما جرى منه في حق والدته، وقتله بركياروق بيده، وكان عمر مؤيد الملك لما قتل خمسين سنة، ثم سار بركياروق إلى الري.
وأما محمد فإنه هرب إلى خراسان، واجتمع بأخيه سنجر (١) واتفقا وجمعا الجموع وقصدا أخاهما بركياروق وكان بالري، فلما بلغه جمعهما سار إلى بغداد وضاقت الأموال على بركياروق فطلب من الخليفة مالا، وترددت الرسل بينهما فحمل إليه الخليفة خمسين ألف دينار، ومدّ بركياروق يده إلى أموال الرعية، ومرض وقوي به المرض، وأما محمد وسنجر (٣١٥) فإنهما استوليا على بلاد بركياروق وسارا في طلبه إلى بغداد وبركياروق مريض قد أيس منه فتحول إلى الجانب الغربي محمولا، ثم وجد خفّة فسار عن بغداد إلى جهة واسط، ووصل السلطان محمد وأخوه سنجر إلى بغداد فشكا إليهما الخليفة المستظهر سوء سيرة بركياروق وخطب لمحمد.
< ملك ابن عمار جبلة >
وفي هذه السنة ملك ابن عمار مدينة جبلة، وكان قد استولى على جبلة
стр. 8200
القاضي أبو محمد عبد الله بن منصور بن صليحة وحاصره الفرنج بها فأرسل إلى طغتكين أتابك دقاق صاحب دمشق يطلب منه أن يرسل من يتسلم جبلة ويحفظها فأرسل إليه طغتكين ابنه تاج الملوك بوري فتسلم جبلة وأساء السيرة في أهلها فكاتب أهل جبلة أبا علي محمد بن عمار صاحب طرابلس وشكوا إليه ما يفعل بوري بهم فأرسل إليهم عسكرا فهزموا بوري وملك عسكر ابن عمار جبلة وأخذوا بوري أسيرا وحملوه إلى ابن عمار فأحسن إليه وسيره إلى طغتكين.
وأما ابن صليحة صاحب جبلة فسار بأهله وماله إلى دمشق ثم إلى بغداد وبها بركياروق وقد ضاقت عليه الأموال فأحضره بركياروق وطلب منه مالا فحمل إليه جملة طائلة.
стр. 8201
< ظهور أمر الباطنية وذكر قلاعهم >
وفيها (١)، ظهر أمر الباطنية، ويسمون الإسماعيلية.
أول ما عظم أمرهم بعد وفاة ملك شاه، وملكوا قلعة أصفهان (٢) وهي مستجدة بناها السلطان ملك شاه، وكان سبب بنائها أنه كان في الصيد ومعه رسول ملك الروم فهرب منه كلب وصعد (٣١٦) إلى موضع قلعة أصفهان، فقال رسول ملك الروم: لو كان هذا الموضع ببلادنا لبنينا عليه قلعة، فأمر السلطان ببنائها، وتواردت عليها النواب حتى ملكها الباطنية، وعظم ضررهم بسببها، وكان يقول الناس: قلعة يدل عليها طلب، ويشيد بها كافر لا بد أن يكون آخرها شر <اً>.
ومن القلاع التي ملكوها ألموت وهي من نواحي قزوين.
قيل: إن بعض ملوك الدّيلم أرسل عقابا على صيد فقعد على موضع ألموت فرآه حصينا فبنى عليه قلعة وسماها إله أموت (٣)، ومعناه بالدّيلمي: تعليم العقاب، ويقال لذلك الموضع وما يجاوره طالقان، وكان الحسن بن الصباح رجلا شهما! عالما بالهندسة والحساب والجبر، وطاف البلاد، ودخل على المستنصر
стр. 8202
العلوي خليفة مصر ثم عاد إلى خراسان (١) وعبر النهر ودخل كاشغر ثم عاد إلى ألموت فاستغوى أهله وملكه (٢).
ومن القلاع التي ملكوها قلعة طبس وقهستان ثم قلعة [وسنمكوه] (٣) وهي بقرب أبهر [سنة أربع وثمانين وأربع مئة] (٤)، ثم [استولوا] (٤) على قلعة خالنجان (٥) [وهي] (٤) على خمسة فراسخ من أصفهان، ثم على قلعة أزدهن ملكها أبو الفتوح ابن أخت الحسن بن الصباح، واستولوا على قلعة كرد كوه وقلعة الطنبور وقلعة [خلادخان] (٦) وهي بين فارس
стр. 8203
وخوزستان (١) وامتدوا إلى قتل الأمراء الأكابر غيلة فخافهم الناس وعظم صيتهم، واجتهد السلطان بركياروق على تتبعهم وقتلهم وقتل كل من عرف منهم (٢).
***
وفيها ملك الفرنج مدينة سروج من الجزيرة وقتلوا أهلها وسبوهم وملكوا أرسوف بساحل عكا وقيسارية (٣).
وفي سنة خمس وتسعين وأربع مئة (¬*) توفي (٣١٧) المستعلي بالله أبو القاسم أحمد بن المستنصر معد العلوي خليفة مصر لسبع عشرة خلت من صفر (٤)، وكان مولده في العشرين من شعبان سنة سبع وستين وأربع مئة، وكانت خلافته سبع سنين وشهرين (٥)، وكان مدبر دولته الأفضل بن بدر الجمالي أمير الجيوش، ولما توفي بويع بالخلافة ابنه أبو علي منصور، ولقب الآمر بأحكام الله، وكان عمر الآمر لما بويع خمس سنين وشهرا، وقام بتدبير الدولة
стр. 8204
الأفضل بن بدر الجمالي المذكور.
وفيها كان الحرب بين بركياروق ومحمد، فكان بركياروق بواسط ومحمد ببغداد على ما تقدم ذكره، فلما سار محمد عن بغداد سار بركياروق عن واسط إليه والتقيا بروذ راور، وكان العسكران متقاربين في العدة فتصافّا ولم يجر بينهما قتال ومشى الأمراء في الصلح فاستقرت القاعدة على أن يكون بركياروق هو السلطان ومحمد الملك، ويكون لمحمد من البلاد أذربيجان وديار بكر والجزيرة والموصل وحلف كل واحد منهما لصاحبه، وتفرق الفريقان من المصاف رابع ربيع الأول من هذه السنة، ثم انتقض الصلح وسار كل واحد منهما إلى صاحبه في جمادى الأولى، واقتتلوا عند الري وهو المصاف الرابع، فانهزم عسكر محمد ونهبت خزائنه وهرب في نفر يسير إلى أصفهان، وتتبع بركياروق أصحاب أخيه محمد فأخذ أموالهم، ثم سار بركياروق فحصر أخاه محمدا بأصفهان وضيق عليه وعدم القوت في أصفهان ودام الحصار على محمد إلى عاشر ذي الحجة، فخرج محمد من أصفهان هاربا مستخفيا (٣١٨) فأرسل بركياروق عسكرا في أثره فلم يظفروا به، ثم رحل بركياروق عن أصفهان ثامن عشر ذي الحجة من السنة وسار إلى همذان.
وفيها مات كربوغا (١) بخوي من أذربيجان، كان قد أمره بركياروق بالمسير إليها فمات في خوي في ذي القعدة، واستولى على الموصل موسى التركماني وكان عاملا لكربوغا على حصن كيفا، فكاتبه أهل الموصل فسار وملك الموصل، وكان صاحب جزيرة ابن عمر رجلا تركيا يقال له شمس الدولة جكرمش، فقصد الموصل واستولى في طريقه على نصيبين، فخرج موسى التركماني لقتال
стр. 8205
جكرمش، فغدر بموسى عسكره وصاروا مع جكرمش، فعاد موسى إلى الموصل وحاصره جكرمش مدة طويلة فاستعان موسى بسقمان بن أرتق وكان صاحب ديار بكر وأعطاه حصن كيفا، فاستمر الحصن لسقمان وأولاده إلى آخر وقت، فسار سقمان إليه فرحل جكرمش عن الموصل وخرج موسى لتلقي سقمان فوثب عليه جماعة من أصحابه فقتلوه عند قرية تسمى كواثا، ودفن على تل هناك يعرف بتل موسى إلى الآن، ورجع سقمان إلى حصن كيفا، ثم عاد جكرمش صاحب الجزيرة إلى الموصل وحصرها ثم تسلمها صلحا، وملك جكرمش الموصل وأحسن السيرة فيها.
وفيها، سار صنجيل الإفرنجي (١) في جمع قليل وحصر ابن عمار بطرابلس، ثم صالحه على مال، فسار صنجيل إلى أنطرطوس ففتحها وقتل من بها من المسلمين، ثم [سار صنجيل] (٢) وحصر حصن الأكراد فجمع جناح الدولة صاحب (٣١٩) حمص عسكره ليسير إليه فوثب باطني على جناح الدولة في الجامع فقتله، ولما بلغ صنجيل قتل جناح الدولة رحل عن حصن الأكراد إلى حمص ونازلها وملك أعمالها.
وفيها، قتل المؤيد بن مسلم بن قريش أمير بني عقيل، قتله بنو نمير عند هيت.
стр. 8206
وفيها، توفي الأمير منصور بن عمارة الحسيني أمير مدينة رسول الله ﷺ ، وقام ولده مقامه وهو من ولد المهنا.
وفي سنة ست وتسعين وأربع مئة (¬*)، كان المصاف الخامس بين بوكياروق و [أخيه] (١) محمد ابني ملك شاه، فانهزم عسكر محمد أيضا، وكانت الوقعة على باب خوي، وسار بركياروق بعد الوقعة إلى جبل كثير العشب والماء بين مراغة وتبريز فأقام به أياما، ثم سار إلى تبريز وزنجان، وأما محمد فسار إلى أرجيش على أربعين فرسخا من موضع الوقعة وهي من أعمال خلاط، ثم سار من أرجيش إلى خلاط.
وفي سنة سبع وتسعين وأربع مئة (¬**)، استولى بلك بن بهرام بن أرتق بن أكسك وهو ابن أخي سقمان وإيلغازي على مدينتي عانة والحديثة، وكان لبلك المذكور سروج فأخذها منه الفرنج فأخذ عانة والحديثة من بني يعيش بن عيسى.
وفيها، في صفر، أغارت الفرنج على قلعة جعبر والرّقة واستاقوا المواشي وأسروا من وجدوه، وكانت الرّقة وجعبر لسالم بن مالك بن بدران بن المقلّد العقيلي سلمها إليه السلطان ملك شاه. كما تقدم ذكره في سنة تسع وسبعين وأربع مئة لما تسلم منه حلب. (٢)
وفيها، في ربيع الأول، وقع الصلح بين بركياروق ومحمد ابني ملك شاه، وكان بركياروق حينئذ بالري والخطبة له بها وبالجبل وطبرستان وفارس وديار بكر
стр. 8207
والجزيرة والحرمين الشريفين والعراق (٣٢٠)، وكان محمد بأذربيجان والخطبة له فيها وببلاد أخيه سنجر، فإنه كان يخطب لشقيقه محمد إلى ما وراء النهر، ثم إن بركياروق ومحمدا تراسلا في الصلح فاستقر بينهما وحلفا على ذلك في التاريخ المذكور، وكان الصلح على أن لا يذكر بركياروق في البلاد التي استقرت لمحمد، وأن لا يتكاتبا بل تكون المكاتبة بين وزيريهما، وأن لا يعارض العسكر في قصد أيهما شاء. و [أما] (١) البلاد التي استقرت لمحمد ووقع عليها الصلح فهي من نهر أسبيدز إلى باب الأبواب وديار بكر والجزيرة والموصل والشام ويكون له من العراق بلاد صدقة بن مزيد (٢)، ولما وصلت الرسل إلى الخليفة المستظهر بالصلح خطب لبركياروق ببغداد وكان شحنة بركياروق ببغداد إيلغازي بن أرتق.
وفيها سار صنجيل الفرنجي وقد وصله مدد الفرنج من البحر إلى طرابلس وحاصرها برا وبحرا فلم يجد فيها مطمعا فعاد عنها إلى جبيل وحاصرها وتسلمها بالأمان، ثم سار إلى عكا، ووصل إليه من الفرنج جمع من القدس وحصروا عكا في البر والبحر، وكان الوالي بعكا من جهة خليفة مصر اسمه بنا ولقبه زهر الدولة الجيوشي مملوك أمير الجيوش بدر، وجرى بينهم قتال كثير حتى ملك الفرنج عكا بالسيف، وفعلوا بأهلها الأفعال الشنيعة، وهرب بنا إلى مصر وملوك الإسلام إذ ذاك مشتغلون بقتال بعضهم بعضا، وقد تفرقت الآراء وتمزقت الأموال، واختلفت الأهواء ثم إن الفرنج قصدوا حران فاتفق جكرمش صاحب (٣٢١) الموصل وسقمان بن أرتق ومعه التركمان فتحالفا وقصدا الفرنج واجتمعا
стр. 8208
على الخابور والتقيا الفرنج على نهر البليخ فهزم الله تعالى الفرنج ونصر المسلمين، وقتل من الفرنج خلق كثير وقتل من ملوكهم أيضا وأسر ملكهم القومص. (١)
وفيها، في رمضان، توفي الملك دقاق بن تتش بن ألب أرسلان بن جغروبك داود بن ميكائيل بن سلجوق صاحب دمشق. فخطب طغتكين الأتابك بدمشق لابن دقاق وكان طفلا له سنة واحدة، ثم قطع خطبته وخطب لبلتاش بن تتش في ذي الحجة، ثم قطع خطبة بلتاش وأعاد خطبة الطفل، وبقي هو في ملك دمشق.
وفيها، سار صدقة بن مزيد صاحب الحلّة إلى واسط واستولى عليها، وضمن البطيحة لمهذب الدولة بن أبي الخير بخمسين ألف دينار.
وفيها، توفي أمين الدولة أبو سعد (٢) [العلاء بن] (٣) الحسن بن [وهب ابن] (٣) موصلايا فجأة، وكان قد أضر، وكان بليغا فصيحا خدم الخلفاء خمسا وستين سنة، لأنه خدم القائم سنة اثنتين وثلاثين وأربع مئة، وكان كل يوم تزداد منزلته لأنه كان نصرانيا فأسلم سنة أربع وثمانين وأربع مئة، وارتفعت رتبته حتى
стр. 8209
ناب عن الوزارة، وكان كثير الصدقة وجميل السيرة، ووقف أملاكه على وجوه البر.
وفي سنة ثمان وتسعين وأربع مئة (¬*) ثاني ربيع الآخر، توفي السلطان بركياروق بن ملك شاه (١)، وكان مرضه السّل والبواسير، وكان بأصفهان فسار طالبا بغداد، فقوي مرضه في بروجرد، فجمع العسكر وحلفهم لولده ملك شاه وعمره حينئذ أربع سنين وثمانية (٣٢٢) أشهر، وجعل الأمير إياز أتابكه، وحلّف العسكر له وأمرهم بالمسير إلى بغداد، وتوفي هو في بروجرد، ونقل إلى أصفهان فدفن فيها في تربة عملتها له سريّته، ثم ماتت عن قريب فدفنت بإزائه، وكان عمر بركياروق خمسا وعشرين سنة (٢)، ومدة وقوع السلطنة عليه اثنتي عشرة سنة وأربعة أشهر، وقاسى من الحروب والاختلاف ما لم يقاسه أحد، واختلفت به الأحوال بين رخاء وشدة، وملك وزواله وأشرف مرارا على ذهاب مهجته في الأمور التي تقلبت به، ولما استقام أمره وأطاعه المخالفون أدركته المنية، واتفق أنه كلما خطب له ببغداد وقع فيها الغلاء، وقاسى من طمع أمرائه فيه شدائد حتى إنهم [كانوا] (٣) يحضرون نوابه ليقتلوهم، وكان صابرا حليما كريما حسن المداراة كثير التجاوز، ولما مات بركياروق سار إياز بالعسكر ومعه ملك شاه بن بركياروق ودخلوا بغداد سابع عشر ربيع الآخر من هذه السنة،
стр. 8210
وخطب لملك شاه بجوامع بغداد على قاعدة أبيه.
ولما بلغ محمد <اً> موت أخيه سار إلى بغداد ونزل بالجانب الغربي، وبقي إياز وملك شاه بالجانب الشرقي، وجمع إياز العسكر لقتال محمد، ثم إن وزيره أشار بالصلح ومشى بينهما، وحضر الكيا الهراس (١) مدرس النظامية والفقهاء وحلفوا محمدا لإياز وأمرائه، وأحضروا ملك شاه فأكرمه وأكرمهم وصارت السلطنة لمحمد، وكان ذلك لسبع بقين من جمادى الأولى، واستمر الأمر على ذلك إلى ثامن جمادى (٣٢٣) الآخرة، فعمل إياز دعوة عظيمة للسلطان محمد في داره ببغداد فحضر إليه وقدم له إياز أموالا عظيمة.
وفي ثاني عشر جمادى الآخرة (٢) طلب السلطان إيازا، وأوقف له في الدهليز جماعة فلما دخل قتلوه بالسيوف، وكان إياز قد جاوز أربعين سنة، وهو من مماليك السلطان ملك شاه، وكان عزيز المروءة شجاعا، وأمسك الصفي وزير إياز وقتل في رمضان وعمره ست وثلاثون سنة، وكان من بيت رئاسة بهمذان.
وفيها، توفي سقمان بن أرتق بن أكسك، وذكر ابن الأثير أن أكسب بالباء لا بالكاف، وصوابه أكسك، ذكره ابن خلكان، وكان وفاة سقمان بالقريتين (٣)
стр. 8211
لأنه كان متوجها إلى دمشق باستدعاء طغتكين بسبب الفرنج ليجعله <في> مقابلتهم لأجل مرض طغتكين فلحق سقمان الخوانيق فمات بالقريتين في صفر، وقام ابنه إبراهيم موضعه، وحمل سقمان في تابوت إلى حصن كيفا فدفن به.
ولما مات سقمان كان مالكا لحصن كيفا وماردين، أما ملكه لحصن كيفا فقد ذكرناه وتسليم موسى التركماني الحصن إليه عند استنجاده به على جكرمش (١)، وأما [ملكه] (٢) ماردين فنحن نورده من أول الحال، وهو أن بركياروق كان قد وهب ماردين وأعمالها لمغن، ووقع حرب بين كربوغا صاحب الموصل وبين سقمان وكان مع سقمان ابن أخيه ياقوتي وعماد الدين زنكي بن آقسنقر وهو صبي فانهزم سقمان وأسر ابن أخيه ياقوتي فحبسه كربوغا بقلعة ماردين، وبقي ياقوتي محبوسا مدة، فمضت زوجة (٣٢٤) أرتق إلى كربوغا وسألته في إطلاق ابنها ياقوتي فأجابها إلى ذلك وأطلقه، فأعجبت ياقوتي ماردين، وأرسل يقول لصاحبها المغني إن أذنت لي سكنت في ربض قلعتك، وجلبت إليها الكسوبات، وحميتها من المفسدين ويحصل لك بذلك النفع، فأذن له المغني بالمقام في الربض، فأقام ياقوتي بماردين، وجعل يغير من باب خلاط إلى بغداد ويستصحب معه حفاظ قلعة ماردين ويحسن إليهم ويؤثرهم على نفسه، فاطمأنوا إليه، وسار مرة، ونزل معه أكثرهم فقيدهم وأتى إلى قلعة ماردين ونادى من بها [من أهليهم] (٢): إن فتحتم القلعة وسلمتوني إياها، وإِلَّا ضربت أعناقهم أجمعين، فامتنعوا فأحضر واحدا فضرب عنقه ففتحوا له الباب وتسلمها وأقام بها، ثم جمع ياقوتي جمعا وقصد نصيبين ولحقه مرض حتى
стр. 8212
عجز عن لبس السلاح وركوب الخيل، وحمل على فرسه ليركبه فأصابه سهم فسقط منه ومات.
ثم ملك ماردين بعد ياقوتي أخوه علي وصار في طاعة جكرمش صاحب الموصل، واستخلف على ماردين بعض أصحابه وكان اسمه عليا أيضا، فأرسل علي يقول لسقمان: إن ابن أخيك يريد أن يسلم ماردين إلى جكرمش فسار سقمان بنفسه وتسلم ماردين فطالبه ابن أخيه علي بردها إليه فلم يفعل، وأعطاه جبل جور عوضها، واستقرت ماردين وحصن كيفا لسقمان حتى سار إلى دمشق ومات بالقريتين، فصارت ماردين لأخيه إيلغازي (٣٢٥) بن أرتق، واستقرت لولده إلى يومنا هذا.
وفيها، اجتمعت الحجاج من الهند وما وراء النهر وخراسان وغيرها، فلما صاروا إلى الري أتاهم الباطنية وقت السّحر فوضعوا فيهم بالسيف وأخذوا أموالهم ودوابهم.
وفيها، كانت وقعة بين فرنج أنطاكية والملك رضوان بن تتش صاحب حلب، فانهزم المسلمون وقتل منهم خلق، واستولى الفرنج على أرتاح.
وفي سنة تسع وتسعين وأربع مئة (¬*)، سار سيف الدولة صدقة بن مزيد من الحلّة إلى الكوفة فملكها، وكان خلف بن ملاعب صاحب حمص، وكان أصحابه يقطعون الطريق على الناس، وكان الضرر بهم عظيما، فسار تتش صاحب دمشق إليه وأخذ منه حمص كما تقدم ذكره سنة خمس وثمانين وأربع مئة (١)، ثم تقلبت بخلف بن ملاعب الأحوال إلى أن دخل مصر وأقام بها،
стр. 8213
واتفق أن متولي فامية من جهة رضوان بن تتش صاحب حلب كان يميل إلى مذهب خلفاء مصر، فكاتبهم في الباطن في أن يرسلوا من يتسلم منه فامية، فطلب ابن ملاعب أن يكون (٣٢٦) هو الذي يرسلونه لتسليم فامية فأرسلوه وتسلم فامية وقلعتها، فلما استقر بها خلع طاعة المصريين ولم يرع حقهم، وأقام بفامية يقطع الطريق ويخيف السبيل، فاتفق قاضي فامية وجماعة من أهلها وكاتبوا الملك رضوان صاحب حلب في أن يرسل إليهم جماعة ليكبسوا فامية بالليل فإنهم [يسلمونها] (١) إليهم، فأرسل رضوان جماعة فأصعدهم القاضي والمتفقون معه بالحبال إلى القلعة فقتلوا ابن ملاعب وبعض أولاده وهرب البعض، واستولوا على قلعة فامية، ثم سار إليها الفرنج وملكوها وقتلوا القاضي المتغلب عليها.
وكان صنجيل الفرنجي قد ملك مدينة جبلة، ثم سار وأقام يحاصر طرابلس، وبنى بالقرب منها حصنا، وبنى تحته ربضا وهو المعروف بحصن صنجيل، فخرج الملك أبو علي بن عمار صاحب طرابلس وأحرق الربض ووقف صنجيل على سقوفه المحرقة فانخسف به فمرض من ذلك وبقي عشرة أيام ومات، فحمل إلى القدس ودفن فيه (٢)، ودام الحرب بين أهل طرابلس والفرنج خمس سنين، وظهر من صاحبها ابن عمار صبر عظيم، وقلّت الأقوات بها، وافتقرت الأغنياء.
وفي سنة خمس مئة (¬*)، وفي يوسف بن تاشفين أمير المسلمين ملك الغرب [والأندلس] (٣) وكان حسن السيرة، وكان قد أرسل إلى بغداد وطلب التقليد من المستظهر خليفة بغداد، فأرسل إليه الخلع والتقليد، ويوسف المذكور
стр. 8214
هو الذي بنى مدينة مرّاكش، ولما مات ملك البلاد بعده ابنه علي بن يوسف وتلقب بأمير المسلمين.
وفيها، قتل فخر الملك (٣٢٧) بن نظام الملك واسمه أبو المظفر علي، وكان أكبر أولاد نظام الملك، قتل يوم عاشوراء، وزّر لبركياروق ثم لأخيه سنجر وكان قد أصبح يوم قتل صائما بنيسابور، وقال لأصحابه: رأيت الليلة في المنام الحسين ابن علي وهو يقول: عجل إلينا وليكن إفطارك عندنا، وقد اشتغل فكري، ولا محيد عن قضاء الله تعالى، فقالوا له: الصواب أن لا تخرج اليوم، فأقام يقرأ القرآن ويصلي وتصدق بشيء كثير وخرج العصر من الدار التي كان فيها يريد دار النساء فسمع صياح متظلم شديد الحرقة، فأحضره، وقال: ما حالك؟ فدفع رقعة، فبينما فخر الملك يتأملها إذ ضربه بسكين قتله بها، وأمسك الباطني وحمل إلى السلطان سنجر فقرره فأقرّ على جماعة كذبا (١)، فقتل هو وتلك الجماعة.
وفيها، ملك سيف الدولة صدقة بن منصور بن دبيس بن مزيد قلعة تكريت سلمها إليه كيقباذ بن هزراسب الديلمي، وكانت تكريت لبني معن برهة من الزمان، ثم خرجت عنهم وتنقلت في أيدي غيرهم حتى صارت لآقسنقر صاحب حلب، ثم لكوهرائين، ثم لمجد الملك البلاساني فولى عليها كيقباذ المذكور وبقيت في يده حتى سلمها في هذه السنة لصدقة.
وفيها، أقطع السلطان محمد جاولي غلامه سقاوة الموصل والأعمال التي بيد جكرمش كلها، فسار جاولي حتى قارب الموصل، فخرج جكرمش لقتاله في محفّة لأنه كان قد لحقه فالج واقتتلا فانهزم عسكر جكرمش (٣٢٨) وأخذ
стр. 8215
جكرمش أسيرا من المحفّة، وسار جاولي بعد الوقعة وحصر الموصل وكان قد أقام المواصلة زنكي بن جكرمش في ملك الموصل وعمره إحدى عشرة سنة، وبقي جاولي يطوف بجكرمش حول الموصل أسيرا وهو يأمرهم بتسليم البلد فلم يقبلوا منه فمات جكرمش في تلك الحال وله نحو ستين سنة، وكان قد عظم ملكه، وهو الذي بنى سور الموصل (١) وحصّنها، وكاتب أهل الموصل قليج أرسلان بن سليمان بن قطلومش السلجوقي صاحب بلاد الروم يستدعونه، فسار قاصدا للموصل وتسلمها في خامس عشري رجب، ورحل عنها جاولي إلى الرّحبة، ثم استخلف قليج أرسلان ابنه ملك شاه على الموصل وعمره إحدى عشرة سنة وأقام معه أميرا يدبره، ورحل قليج أرسلان إلى جاولي، وكان قد كثر جمع جاولي واجتمع إليه رضوان صاحب حلب وغيره.
ولما وصل قليج أرسلان إلى الخابور وصل إليه جاولي واقتتلوا في العشرين من ذي القعدة، وقاتل قليج أرسلان بنفسه قتالا عظيما، فانهزم عسكره، واضطر هو إلى الهرب، فألقى نفسه في الخابور فغرق، ثم ظهر بعد أيام ودفن بقرية من قرى الخابور يقال لها الشميسانية، وسار جاولي إلى الموصل فسلمت إليه بالأمان، وسار ملك شاه بن قليج أرسلان إلى عند السلطان محمد.
وفيها حاصر السلطان محمد قلعة الباطنية التي بالقرب من أصبهان، التي بناها ملك شاه بن ألب أرسلان بإشارة رسول الروم على ما قدمنا ذكره (٢)، وكان اسم القلعة شاه دز (٣٢٩) وكانت المضرة بها عظيمة، وأطال عليها الحصار، ونزل بعض الباطنية بالأمان، وساروا إلى باقي قلاعهم وبقي أحمد بن
стр. 8216
عبد الملك بن عطاش صاحب شاه دز مع جماعة يسيرة، فزحف السلطان عليه وقتله وقتل جماعة كثيرة من الباطنية وملك القلعة وخربها.
وفيها، توفي الأمير سرخاب بن بدر بن مهلهل المعروف بابن أبي الشوك الكردي، وكان له أموال وخيول لا تحصى، وقام بعده أخوه أبو منصور، وبقيت الإمارة في بيته مئة وثلاثين سنة.
سنة إحدى وخمس مئة إلى سنة عشر وخمس مئة
في سنة إحدى وخمس مئة (¬*)، في رجب، قتل سيف الدولة صدقة بن منصور بن دبيس بن مزيد الأسدي أمير العرب في قتال جرى بينه وبين السلطان محمد (١)، واشتد القتال بينهم، فقتل صدقة في المعركة بعد أن قاتل قتالا شديدا، وحمل رأسه إلى السلطان محمد، وكان عمر صدقة تسعا وخمسين سنة، وإمارته إحدى وعشرين سنة، وقتل من أصحابه ما يزيد على ثلاثة آلاف فارس، وكان صدقة متشيعا، وهو الذي بنى الحلّة بالعراق (٢)، وكان قد عظم شأنه، واتسع جاهه، واستجار به كبار الناس وصغارهم، وكان مجتهدا في النصح للسلطان محمد حتى إنه جاهر بركياروق بالعداوة ولم يبرح على مصافاة محمد، ثم فسد ما بينهما حتى قتل صدقة كما ذكرنا.
وكان سبب الفساد حماية صدقة (٣٣٠) لكل من خاف من السلطان، واتفق أن السلطان محمد غضب على أبي دلف سرخاب بن كيخسرو صاحب
стр. 8217
ساوة فهرب صاحب ساوة واستجار بصدقة، وأرسل السلطان يؤكد في إرساله فلم يفعل صدقة أن يسلمه، فسار السلطان إليه واقتتلوا كما ذكرنا فقتل صدقة وأسر ابنه دبيس وأُسر سرخاب صاحب ساوة.
وفيها، في رجب، توفي تميم بن المعز [بن] (١) باديس (٢) صاحب أفريقية، وكان ولايته ستا وأربعين سنة وعشرة أشهر وعشرين يوما، وخلف من الأولاد مئة ولد ذكر وستين بنتا، ولما توفي ملك ولده يحيى، وكان عمر يحيى لما ولي ثلاثا وأربعين سنة وستة أشهر.
وفيها، توجه فخر الملك أبو علي بن عمار صاحب طرابلس إلى بغداد مستنفرا لما حل بطرابلس <و> بالشام من الفرنج، واجتمع بالسلطان محمد والخليفة المستظهر فلم يحصل منهما غرض، فعاد إلى دمشق وأقام عند طغتكين وأقطعه الزّبداني.
وأما طرابلس فإن أهلها دخلوا في طاعة خليفة مصر، وخرجوا عن طاعة ابن عمار، وكان من أمر طرابلس ما سنذكره (٣).
وفي سنة اثنتين وخمس مئة (¬*)، أرسل السلطان محمد عسكرا مع أمير يقال له مودود بن الطغتكين إلى الموصل ليأخذوها من جاولي، فوصلوا إلى الموصل وحصروها، وتسلمها الأمير مودود في صفر، وأما جاولي فإنه لم ينحصر
стр. 8218
بالموصل وهرب إلى الرّحبة قبل نزول العسكر عليها، ثم سار جاولي مجدا (٣٣١) ولحق السلطان محمد <اً> قرب أصفهان وأخذ كفنه معه ودخل عليه وطلب العفو فعفا عنه وأمنه.
وفيها، تولى مجاهد الدين بهروز شحنكية بغداد، ولاه السلطان محمد وأمره بعمارة دار المملكة ببغداد ففعل بهروز ذلك، وأحسن إلى الناس، وكان السلطان لما ولاه في أصفهان، ثم لما قدم إلى بغداد ولى بهروز شحنكية العراق جميعه.
وفيها (١)، في فصح النصارى، نزل الأمراء بنو منقذ أصحاب شيزر للتفرج على عيد النصارى، فثار جماعة من الباطنية في قلعة شيزر فملكوها، وبادر أهل المدينة إلى الباشورة (٢) وأصعدهم النساء بالحبال من الطاقات، وأدركهم الأمراء بنو منقذ فأوقعوا فيهم السيف من كل جانب، فلم يسلم من الباطنية أحد، بل قتلوا عن آخرهم.
(٣٣٢) وفي سنة ثلاث وخمس مئة (¬*)، في حادي عشر ذي الحجة، ملك الفرنج مدينة طرابلس (٣) لأنّهم ساروا إليها من كل جهة وحصروها في البر والبحر
стр. 8219
وضايقوها من أول رمضان، وكانت في يد نواب خليفة مصر وجهز إليها خليفة مصر أسطولا فرده الهواء ولم يقدر على الوصول إليها ليقضي الله أمرا كان مفعولا، وملكوها بالسيف فقتلوا ونهبوا وسبوا، وكان بعض أهل طرابلس طلبوا الأمان وخرجوا منها قبل أن يملكها الفرنج (١).
وفي سنة أربع وخمس مئة (¬*)، ملك الفرنج مدينة صيدا في ربيع الآخر بالأمان.
وفيها سار صاحب أنطاكية الفرنجي (٢) إلى الأثارب وهي بالقرب من حلب فحصرها، ودام القتال حتى ملكها بالسيف، وقتل من أهلها ألفي رجل، وأسر الباقين، ثم سار إلى زردنا فملكها بالسيف، وصالح الملك رضوان صاحب حلب الفرنج على اثنين وثلاثين ألف دينار يحملها إليهم مع خيول وثياب، ووقع الخوف في قلوب أهل الشام من الفرنج، فبذلت لهم أصحاب البلاد أموالا فصالحهم أهل مدينة صور على سبعة آلاف دينار، وصالحهم ابن منقذ صاحب
стр. 8220
شيزر على أربعة آلاف دينار، وصالحهم علي الكردي صاحب حماة على ألفي دينار.
(٣٣٣) وفيها، قال ابن خلكان في ترجمة الآمر بأحكام الله منصور العلوي (١):
قصد بردويل الإفرنجي الديار المصرية فانتهى إلى الفرما ودخلها وأحرقها وأحرق جامعها ورحل عنها وهو مريض فهلك في الطريق قبل وصوله العريش، فشق أصحابه بطنه ورموا حشوته هناك فهي ترجم إلى الآن ورحلوا بجثته فدفنوها بقمامة، وسبخة بردويل التي في وسط الرمل على طريق الشام منسوبة إلى المذكور، والناس يقولون عن الحجارة الملقاة هناك إنها قبر بردويل، وإنما هي هذه الحشوة (٢).
وكان بردويل صاحب بيت المقدس ويافا وعكا وعدة بلاد من ساحل الشام، وهو الذي أخذ هذه البلاد من المسلمين.
وفي سنة خمس وخمس مئة (¬*)، جهز السلطان محمد عسكرا فيه مودود صاحب الموصل إلى قتال الفرنج بالشام فساروا ونزلوا على الرّها فلم يملكوها، ثم
стр. 8221
ساروا إلى حلب فأغلق رضوان أبواب حلب ولم يجتمع بهم، فساروا إلى المعرة ثم افترقوا ولم يحصل بهم غرض.
(٣٣٤) وفي سنة ست وخمس مئة (¬*)، توفي بسيل الأرمني صاحب [بلاد] (١) الأرمن، فقصدها صاحب أنطاكية الفرنجي (٢) ليملك بلاد الأرمن التي هي اليوم سيس فهلك في الطريق وملكها سرجال (٣).
وفيها، توفي قراجا صاحب حمص وقام بعده ولده قيرخان.
وفيها، توفي سكمان القطبي (٤) صاحب خلاط، وكان قد ملك خلاط سنة ثلاث وتسعين وأربع مئة حسبما ذكرنا (٥)، ولما توفي سكمان ملك خلاط ولده ظهير الدين إبراهيم وسلك سيرة أبيه، وبقي مالكا لخلاط حتى توفي سنة إحدى وعشرين وخمس مئة (٦) فتولى مكانه أخوه أحمد وبقي في الولاية حتى دخل عليه عشرة أشهر [وتوفي] (٧)، فحكمت والدتهما زوجة سكمان وهي إينانج
стр. 8222
خاتون ابنة أركمان وبقيت مستبدة بملك خلاط ومعها (٣٣٥) ولد ولدها سكمان بن إبراهيم بن سكمان وعمره ست سنين فقصدت جدته إينانج إعدامه لتفردها بالمملكة فلما رأى كبراء الدولة سوء نيتها لولد ولدها خنقوها في سنة ثمان وعشرين وخمس مئة، واستقر ابن ابنها شاه أرمن سكمان بن إبراهيم بن سكمان في الملك حتى توفي سنة تسع وسبعين وخمس مئة حسبما نذكره إن شاء الله تعالى (١).
وفي سنة سبع وخمس مئة (¬*)، اجتمع المسلمون وفيهم مودود صاحب الموصل وتميرك صاحب سنجار والأمير إباز بن إيلغازي وطغتكين صاحب دمشق، وكان مودود قد سار من الموصل إلى دمشق، فخرج طغتكين والتقاه بسلمية وسار معه إلى دمشق، واجتمعت الفرنج وفيهم بغدوين صاحب القدس (٢) وجوسلين صاحب الحصن (٣) واقتتلوا بالقرب من طبرية ثالث عشر المحرم وهزم الله الفرنج وكثر القتل فيهم (٤)، ورجع المسلمون منصورين إلى دمشق، ودخلوها في ربيع الأول، ودخل مودود وطغتكين وأصحابهما الجامع وصلوا الجمعة، وخرج طغتكين ومودود يتمشيان في صحن الجامع فوثب باطني على مودود وضربه
стр. 8223
بسكين، وضربه طغتكين على رأسه بعكاز قتله به، وابتدر الخدم فقتلوه وحملوا رأسه إلى مودود، وحملوا مودود <اً> إلى دار طغتكين وكان صائما، فاجتهدوا به أن يفطر فلم يفعل، ومات من يومه رحمه الله تعالى، وكان خيرا عادلا، قيل:
إن الباطنية الذين في الشام خافوه فقتلوه، وقيل: إن طغتكين خافه فوضع عليه من قتله (١)، ودفن مودود بدمشق في تربة دقاق بن تتش (٣٣٦) ثم نقل إلى بغداد ودفن في جوار أبي حنيفة، ثم نقل إلى أصفهان.
وفيها، توفي الملك رضوان بن تتش بن ألب أرسلان بن داود بن ميكائيل بن سلجوق صاحب حلب، وقام مقامه بحلب ابنه ألب أرسلان الأخرس، وكانت أمور رضوان غير محمودة، وقتل رضوان قبل موته أخويه أبا طالب وبهرام، وكان يستعين بالباطنية في كثير من أموره لقلة دينه، وكان ولايته في سنة ثمان وثمانين وأربع مئة في سنة قتل أبوه تتش (٢)، ولما ملك الأخرس استولى على الأمور لؤلؤ الخادم والحكم والأمر إليه، ولم يكن ألب أرسلان أخرس حقيقة، وإنما كان في لسانه تمتمة وحبسة، وكانت أمه بنت ياغي سيان صاحب أنطاكية، وكان عمره حين ولي ست عشرة سنة، ولما ملك قتل الباطنية الذين بحلب، وكانوا جماعة، ولهم صورة ونهبت أموالهم.
(٣٣٧) وفي سنة ثمان وخمس مئة (¬*)، أرسل السلطان محمد آقسنقر
стр. 8224
البرسقي واليا على الموصل لما بلغه قتل مودود بن الطنطاش، وأمر السلطان الأمراء وأصحاب الأطراف بالمسير صحبة البرسقي لقتال الفرنج، وجرى بين إيلغازي بن أرتق صاحب ماردين وبين البرسقي قتال انتصر فيه إيلغازي وهرب البرسقي، ثم خاف إيلغازي من السلطان فسار إلى طغتكين صاحب دمشق واتفق معه وكاتبا الفرنج واعتضدا بهم، ثم عاد إيلغازي إلى بلاده فلما قرب من حمص كان في جماعة قليلة فخرج إليه قيرخان صاحب حمص فأسره وحبسه وبقي مدة ثم أطلقه.
وفيها، في شوال، توفي علاء الدولة أبو سعد مسعود بن إبراهيم بن مسعود ابن محمود بن سبكتكين صاحب غزنة، وكان ملكه في سنة إحدى وثمانين وأربع مئة، وملك بعده ابنه أرسلان شاه، وأمسك إخوته فهرب منهم بهرام شاه واستجار بالسلطان سنجر بن ملك شاه صاحب خراسان، وأرسل سنجر إلى أرسلان شاه يشفع في بهرام شاه فلم يقبل منه، فسار سنجر إلى غزنة وجمع أرسلان شاه عساكره واقتتلوا واشتد قتالهم فانهزم أرسلان شاه ودخل سنجر غزنة واستولى عليها وأخذ منها أموالا عظيمة وقرر في السلطنة بهرام شاه وأمر أن يخطب في مملكته للسلطان محمد ثم للملك سنجر ثم للسلطان بهرام شاه المذكور، ثم عاد سنجر إلى بلاده، وكان أرسلان شاه قد هرب إلى هندستان، ثم جمع جمعا وعاد إلى غزنة فاستنجد بهرام شاه بسنجر (٣٣٨) فأرسل إليه عسكرا فلما قاربوا غزنة هرب أرسلان شاه من غير قتال وتبعوه حتى أمسكوه وسلموه إلى بهرام شاه فخنقه ودفنه بتربة أبيه بغزنة، وكان قتل أرسلان شاه في سنة اثنتي عشرة وخمس مئة، وقدمنا ذكره لنتبع [الحادثة] (١) بعضها بعضا،
стр. 8225
وكان عمر أرسلان لما قتل سبعا وعشرين سنة.
وفيها، في شوال، قتل تاج الدولة ألب أرسلان الأخرس بن الملك رضوان بن تتش صاحب حلب قتله غلمانه بقلعة حلب، وأقاموا أخاه سلطان شاه بن رضوان والمتولي على الأمر لؤلؤ الخادم.
وفي سنة تسع وخمس مئة (¬*)، أرسل السلطان محمد عسكرا [ضخما] (١) لقتال طغتكين صاحب دمشق وإيلغازي صاحب ماردين [فعبر العسكر الفرات من الرّقة، وقصدوا حلب فعصت عليهم] (١) فساروا إلى حماة وهي لطغتكين وحصروها وفتحوها عنوة ونهبوها ثلاثة أيام ثم سلموا حماة إلى الأمير قيرخان ابن قراجا صاحب حمص، وأقام العسكر بحماة، وسار طغتكين وإيلغازي إلى فامية واجتمعوا بملوك الفرنج وهم صاحب أنطاكية وصاحب طرابلس وأقاموا [بفامية] (١) ينتظرون تفرق المسلمين فلما أقام عسكر المسلمين إلى الشتاء تفرق الفرنج، وسار طغتكين إلى دمشق وإيلغازي إلى ماردين، ثم سار المسلمون من حماة إلى كفر طاب وهي للفرنج فاستولوا عليها، وقتلوا من بها من الفرنج ونهبوهم، ثم سار المسلمون إلى المعرة وهي للفرنج وقتلوا خلقا من الفرنج، ثم ساروا إلى حلب فكبسهم صاحب أنطاكية [في أثناء الطريق] (١) فهربوا إلى بلادهم.
وفيها، استولى الفرنج على (٣٣٩) رفنية وكانت لطغتكين، فسار واسترجعها إلى ملكه وقتل من بها من الفرنج.
стр. 8226
وفيها [توفي] (١) يحيى بن تميم بن المعز بن باديس صاحب أفريقية يوم عيد الأضحى فجأة، وتولى بعده ابنه علي، وكان عمر يحيى اثنتين وخمسين سنة، وولايته [ثماني] (٢) سنين وخمسة أشهر، وخلف ثلاثين ولدا.
وفيها، قدم السلطان محمد إلى بغداد، فسار إليه طغتكين من دمشق وسأله الرضا عنه فرضي عنه ورده إلى دمشق.
وفيها، أخذ السلطان الموصل و [ما كان] (٣) معها من آقسنقر البرسقي وأقطعها للأمير جيوش بك، وبقي البرسقي في الرّحبة وهي إقطاعه.
وفي سنة عشر وخمس مئة (¬*) مات جاولي سقاوة بفارس، وكان السلطان محمد قد ولاه إياها بعد أخذ الموصل منه على ما تقدم ذكره (٤).
سنة إحدى عشرة وخمس مئة إلى سنة عشرين وخمس مئة
في سنة إحدى عشرة وخمس مئة (¬**) في رابع عشري ذي الحجة، توفي السلطان محمد بن ملك شاه بن ألب أرسلان بن داود بن ميكائيل بن سلجوق (٥)، وابتدأ مرضه من شعبان، ومولده ثامن عشر شعبان سنة أربع وسبعين وأربع مئة، فكان عمره سبعا (٣٤٠) وثلاثين سنة وأربعة أشهر وستة
стр. 8227
أيام، وأول ما خطب له ببغداد في ذي الحجة سنة اثنتين وتسعين وأربع مئة، وقطعت خطبه عدة دفعات، ولقي من المشاق والأخطار [شيئا كثيرا] (١)، وكان عادلا حسن السيرة، أطلق المكوس والضرائب في جميع بلاده، وعهد بالملك إلى ولده محمود وعمره أربع عشرة سنة، ولما عهد إليه اعتنقه وقبله وبكى كل واحد منهما، وجلس محمود على تخت السلطنة بالتاج والسوارين يوم وفاة أبيه، وخطب له بالسلطنة يوم الجمعة الثامن والعشرين من ذي الحجة.
وفيها، قتل لؤلو صاحب حلب، وكان قد استولى على حلب وأعمالها، وأقام بعد رضوان ابنه ألب أرسلان الأخرس، فلما قتل كما تقدم ذكره (٢) أقام سلطان شاه، وليس له من الحكم شيء، وبقي لؤلؤ المذكور في البلاد هو المتحكم، فلما كان هذه السنة سار لؤلؤ إلى قلعة جعبر ليجتمع بسالم بن مالك العقيلي صاحب قلعة جعبر، فوثب جماعة من [ال] (٣) أتراك [أصحاب لؤلؤ على] (٣) لؤلؤ وهو يريق الماء، وصاحوا: أرنب أرنب، وقتلوه بالنشاب ونهبوا خزانته وعادوا إلى حلب، فاتفق أهالي حلب واستعادوا منهم المال، وأقاموا بأتابكية سلطان شاه شمس الخواص يارقطاش، وبقي شهرا فعزلوه وولوا [أبا] (٤) المعالي ابن الملحي الدمشقي [ثم عزلوه] (٣) وصادروه، ثم خاف أهل حلب من الفرنج فسلموا البلد إلى إيلغازي بن أرتق صاحب ماردين، فسار إيلغازي وتسلم حلب وجعل فيها ولده حسام الدين تمرتاش، وعاد إيلغازي إلى ماردين.
وفيها، جاء سيل فغرّق مدينة سنجار، وغرق من الناس خلق كثير، وهدم
стр. 8228
المنازل، ومن عجيب ما يحكى (٣٤١) أن الماء حمل مهدا فيه مولود فتعلق المهد بشجرة زيتون، ثم نقص الماء والمهد معلق بالشجرة فسلم الطفل.
وفيها، هجم الفرنج على ربض حماة وقتلوا من أهلها مئة رجل ورجعوا عنها.
وفي سنة اثنتي عشرة وخمس مئة (¬*)، عزل السلطان محمود مجاهد الدين بهروز عن شحنكية بغداد وجعل مكانه آقسنقر البرسقي، فسار بهروز إلى تكريت وكانت إقطاعه، وكان المدبر لدولة السلطان محمود الوزير الربيب أبو منصور (١).
وفيها، سار الأمير دبيس بن صدقة بإذن السلطان محمود إلى الحلّة، وكان دبيس معتقلا مع السلطان محمود من حين قتل [أبوه] (٢) صدقة إلى الآن، فلما أطلق توجه إلى الحلّة واجتمعت عليه العرب والأكراد.
وفيها، في سادس عشر ربيع الآخر، توفي المستظهر بالله أحمد بن المقتدي عبد الله بن ذخيرة الدين محمد بن القائم (٣)، وكان عمره إحدى وأربعين سنة وستة أشهر وخلافته أربعا وعشرين سنة وثلاثة أشهر وأحد عشر يوما، ومن الاتفاق العجيب أنه لما توفي السلطان ألب أرسلان توفي بعده القائم، ولما توفي ملك شاه توفي بعده المقتدي، ولما توفي محمد توفي بعده المستظهر.
стр. 8229
خلافة المسترشد بالله فضل بن المستظهر وكنيته أبو منصور وهو تاسع عشري بني العباس
أخذ البيعة على الناس القاضي أبو الحسن الدّامغاني.
(٣٤٢) وفيها، قتل أرسلان شاه بن مسعود السّبكتكيني، قتله أخوه بهرام شاه، واستقر بهرام شاه في ملك غزنة حسبما قدمنا ذكره سنة ثماني وخمس مئة (١).
وفي سنة ثلاث عشرة وخمس مئة (¬*)، سار السلطان سنجر إلى حرب ابن أخيه السلطان محمود بن محمد والتقيا بالري بالقرب من ساوة، فانهزم محمود، ونزل سنجر في خيامه، ثم وقع الصلح بينهما على أن يخطب للسلطان سنجر ثم بعده [للسلطان] (٢) محمود، واستولى سنجر على الري وأضافها إلى ما بيده، وقدم محمود إلى عمه سنجر بالري فأكرمه وأحسن إليه.
وفيها، كانت وقعة بين إيلغازي بن أرتق وبين الفرنج بأرض حلب، فهزم الفرنج وقتل منهم عدة كثيرة، وأسر منهم، وكان ممن قتل سرجال صاحب أنطاكية (٣)، ثم سار إيلغازي وفتح عقيب الوقعة الأثارب وزردنا، وكانت الوقعة في منتصف ربيع الأول عند عفرين، ومما مدح إيلغازي به بسبب هذه الوقعة:
<الكامل>
قل ما تشاء فقولك المقبول … وعليك بعد الخالق التّعويل
стр. 8230
واستبشر القرآن حين نصرته … وبكى لفقد رجاله الإنجيل (١)
وفيها، سار جوسلين الفرنجي صاحب تل باشر إلى دمشق ليكبس العرب بني ربيعة وأمير [هم إذ ذاك] (٢) مرّ بن ربيعة، فتقدم عسكر جوسلين قدامه [فضل جوسلين عنهم] (٢)، ووقع عسكره على العرب فجرى بينهم قتال انتصر فيه مرّ بن ربيعة، وقتل من الفرنج زهاء [عن] (٣) عشرة آلاف فارس، وأسر منهم عدّة.
وفيها، أمر السلطان سنجر بإعادة بهروز إلى شحنكية بغداد فعاد [إليها] (٤).
(٣٤٣) وفيها، ظهر قبر إبراهيم الخليل و [قبرا] (٥) ولديه إسحاق ويعقوب ﵈ بالقرب من بيت المقدس، ورآهم كثير من الناس لم تبل أجسادهم، وعندهم في المغارة قناديل من ذهب وفضة، قال ابن الأثير في «الكامل»: هكذا ذكر حمزة بن أسد التميمي في تاريخه.
وفي سنة أربع عشرة وخمس مئة (¬*)، كان مسعود بن السلطان محمد بن ملك شاه له الموصل وأذربيجان، فكتب دبيس بن صدقة إلى جيوش بك أتابك مسعود [يشير عليه بطلب السلطنة لمسعود، ووعده دبيس بأن يسير إليه