← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11790

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط المجمع الثقافي

ابن فضل الله العمري

Полный текст (8 839 стр.). Показаны 8226–8265 · переход к 8231.

стр. 8226

وفيها [توفي] (١) يحيى بن تميم بن المعز بن باديس صاحب أفريقية يوم عيد الأضحى فجأة، وتولى بعده ابنه علي، وكان عمر يحيى اثنتين وخمسين سنة، وولايته [ثماني] (٢) سنين وخمسة أشهر، وخلف ثلاثين ولدا. وفيها، قدم السلطان محمد إلى بغداد، فسار إليه طغتكين من دمشق وسأله الرضا عنه فرضي عنه ورده إلى دمشق. وفيها، أخذ السلطان الموصل و [ما كان] (٣) معها من آقسنقر البرسقي وأقطعها للأمير جيوش بك، وبقي البرسقي في الرّحبة وهي إقطاعه. وفي سنة عشر وخمس مئة (¬*) مات جاولي سقاوة بفارس، وكان السلطان محمد قد ولاه إياها بعد أخذ الموصل منه على ما تقدم ذكره (٤). سنة إحدى عشرة وخمس مئة إلى سنة عشرين وخمس مئة في سنة إحدى عشرة وخمس مئة (¬**) في رابع عشري ذي الحجة، توفي السلطان محمد بن ملك شاه بن ألب أرسلان بن داود بن ميكائيل بن سلجوق (٥)، وابتدأ مرضه من شعبان، ومولده ثامن عشر شعبان سنة أربع وسبعين وأربع مئة، فكان عمره سبعا (٣٤٠) وثلاثين سنة وأربعة أشهر وستة

стр. 8227

أيام، وأول ما خطب له ببغداد في ذي الحجة سنة اثنتين وتسعين وأربع مئة، وقطعت خطبه عدة دفعات، ولقي من المشاق والأخطار [شيئا كثيرا] (١)، وكان عادلا حسن السيرة، أطلق المكوس والضرائب في جميع بلاده، وعهد بالملك إلى ولده محمود وعمره أربع عشرة سنة، ولما عهد إليه اعتنقه وقبله وبكى كل واحد منهما، وجلس محمود على تخت السلطنة بالتاج والسوارين يوم وفاة أبيه، وخطب له بالسلطنة يوم الجمعة الثامن والعشرين من ذي الحجة. وفيها، قتل لؤلو صاحب حلب، وكان قد استولى على حلب وأعمالها، وأقام بعد رضوان ابنه ألب أرسلان الأخرس، فلما قتل كما تقدم ذكره (٢) أقام سلطان شاه، وليس له من الحكم شيء، وبقي لؤلؤ المذكور في البلاد هو المتحكم، فلما كان هذه السنة سار لؤلؤ إلى قلعة جعبر ليجتمع بسالم بن مالك العقيلي صاحب قلعة جعبر، فوثب جماعة من [ال] (٣) أتراك [أصحاب لؤلؤ على] (٣) لؤلؤ وهو يريق الماء، وصاحوا: أرنب أرنب، وقتلوه بالنشاب ونهبوا خزانته وعادوا إلى حلب، فاتفق أهالي حلب واستعادوا منهم المال، وأقاموا بأتابكية سلطان شاه شمس الخواص يارقطاش، وبقي شهرا فعزلوه وولوا [أبا] (٤) المعالي ابن الملحي الدمشقي [ثم عزلوه] (٣) وصادروه، ثم خاف أهل حلب من الفرنج فسلموا البلد إلى إيلغازي بن أرتق صاحب ماردين، فسار إيلغازي وتسلم حلب وجعل فيها ولده حسام الدين تمرتاش، وعاد إيلغازي إلى ماردين. وفيها، جاء سيل فغرّق مدينة سنجار، وغرق من الناس خلق كثير، وهدم

стр. 8228

المنازل، ومن عجيب ما يحكى (٣٤١) أن الماء حمل مهدا فيه مولود فتعلق المهد بشجرة زيتون، ثم نقص الماء والمهد معلق بالشجرة فسلم الطفل. وفيها، هجم الفرنج على ربض حماة وقتلوا من أهلها مئة رجل ورجعوا عنها. وفي سنة اثنتي عشرة وخمس مئة (¬*)، عزل السلطان محمود مجاهد الدين بهروز عن شحنكية بغداد وجعل مكانه آقسنقر البرسقي، فسار بهروز إلى تكريت وكانت إقطاعه، وكان المدبر لدولة السلطان محمود الوزير الربيب أبو منصور (١). وفيها، سار الأمير دبيس بن صدقة بإذن السلطان محمود إلى الحلّة، وكان دبيس معتقلا مع السلطان محمود من حين قتل [أبوه] (٢) صدقة إلى الآن، فلما أطلق توجه إلى الحلّة واجتمعت عليه العرب والأكراد. وفيها، في سادس عشر ربيع الآخر، توفي المستظهر بالله أحمد بن المقتدي عبد الله بن ذخيرة الدين محمد بن القائم (٣)، وكان عمره إحدى وأربعين سنة وستة أشهر وخلافته أربعا وعشرين سنة وثلاثة أشهر وأحد عشر يوما، ومن الاتفاق العجيب أنه لما توفي السلطان ألب أرسلان توفي بعده القائم، ولما توفي ملك شاه توفي بعده المقتدي، ولما توفي محمد توفي بعده المستظهر.

стр. 8229

خلافة المسترشد بالله فضل بن المستظهر وكنيته أبو منصور وهو تاسع عشري بني العباس أخذ البيعة على الناس القاضي أبو الحسن الدّامغاني. (٣٤٢) وفيها، قتل أرسلان شاه بن مسعود السّبكتكيني، قتله أخوه بهرام شاه، واستقر بهرام شاه في ملك غزنة حسبما قدمنا ذكره سنة ثماني وخمس مئة (١). وفي سنة ثلاث عشرة وخمس مئة (¬*)، سار السلطان سنجر إلى حرب ابن أخيه السلطان محمود بن محمد والتقيا بالري بالقرب من ساوة، فانهزم محمود، ونزل سنجر في خيامه، ثم وقع الصلح بينهما على أن يخطب للسلطان سنجر ثم بعده [للسلطان] (٢) محمود، واستولى سنجر على الري وأضافها إلى ما بيده، وقدم محمود إلى عمه سنجر بالري فأكرمه وأحسن إليه. وفيها، كانت وقعة بين إيلغازي بن أرتق وبين الفرنج بأرض حلب، فهزم الفرنج وقتل منهم عدة كثيرة، وأسر منهم، وكان ممن قتل سرجال صاحب أنطاكية (٣)، ثم سار إيلغازي وفتح عقيب الوقعة الأثارب وزردنا، وكانت الوقعة في منتصف ربيع الأول عند عفرين، ومما مدح إيلغازي به بسبب هذه الوقعة: <الكامل> قل ما تشاء فقولك المقبول … وعليك بعد الخالق التّعويل

стр. 8230

واستبشر القرآن حين نصرته … وبكى لفقد رجاله الإنجيل (١) وفيها، سار جوسلين الفرنجي صاحب تل باشر إلى دمشق ليكبس العرب بني ربيعة وأمير [هم إذ ذاك] (٢) مرّ بن ربيعة، فتقدم عسكر جوسلين قدامه [فضل جوسلين عنهم] (٢)، ووقع عسكره على العرب فجرى بينهم قتال انتصر فيه مرّ بن ربيعة، وقتل من الفرنج زهاء [عن] (٣) عشرة آلاف فارس، وأسر منهم عدّة. وفيها، أمر السلطان سنجر بإعادة بهروز إلى شحنكية بغداد فعاد [إليها] (٤). (٣٤٣) وفيها، ظهر قبر إبراهيم الخليل و [قبرا] (٥) ولديه إسحاق ويعقوب ﵈ بالقرب من بيت المقدس، ورآهم كثير من الناس لم تبل أجسادهم، وعندهم في المغارة قناديل من ذهب وفضة، قال ابن الأثير في «الكامل»: هكذا ذكر حمزة بن أسد التميمي في تاريخه. وفي سنة أربع عشرة وخمس مئة (¬*)، كان مسعود بن السلطان محمد بن ملك شاه له الموصل وأذربيجان، فكتب دبيس بن صدقة إلى جيوش بك أتابك مسعود [يشير عليه بطلب السلطنة لمسعود، ووعده دبيس بأن يسير إليه

стр. 8231

وينجده، وكان غرض دبيس أن يقع بين محمود ومسعود (١)] لينال هو علوّ المنزلة كما نالها أبوه صدقة بسبب وقوع الخلاف بين بركياروق وأخيه محمد، فأجاب مسعود إلى ذلك، وخطب لنفسه بالسلطنة، وجمع عسكره وسار إلى أخيه محمود، والتقوا عند عقبة استراباد منتصف ربيع الأول (٢) من هذه السنة، واشتد القتال بينهما، وانهزم مسعود وعسكره، واختفى في جبل، وأرسل يطلب من أخيه محمود الأمان فبذله له، وقدم مسعود إلى أخيه محمود، فأمر محمود بخروج العسكر إلى تلقيه، ولما التقيا اعتنقا وبكيا، وبالغ محمود في الإحسان إلى أخيه، ثم قدم جيوش بك أتابك مسعود على محمود فأحسن إليه أيضا. وأما دبيس بن صدقة فإنه لما بلغه انهزام مسعود أخذ في نهب البلاد، فكاتبه محمود فلم يلتفت، فسار إليه، فلما قرب منه التجأ دبيس إلى إيلغازي ابن أرتق صاحب ماردين، ثم اتفق الحال على أن يرسل دبيس أخاه منصورا رهينة، ويعود إلى الحلّة فأجيب إلى ذلك. وفيها، خرج الكرج إلى بلاد الإسلام وملكوا تفليس بالسيف (٣٤٤) وقتلوا ونهبوا من المسلمين شيئا كثيرا. وفيها، جمع إيلغازي التركمان، والتقى مع الفرنج عند ذات البقل من بلد سرمين وجرى بينهم قتال شديد فانهزم الفرنج وقتل منهم إيلغازي خلقا كثيرا.

стр. 8232

أمر ابن تومرت وعبد المؤمن كان محمد بن عبد الله بن تومرت العلوي الحسيني من قبيلة من المصامدة من أهل جبل السوس ببلاد المغرب، فرحل ابن تومرت نحو بلاد المشرق في طلب العلم، وأتقن علم [الأصول] (١) والعربية والفقه والحديث، واجتمع بالغزالي والكيا هراس بالعراق، واجتمع بأبي بكر الطرطوشي بالإسكندرية وقيل: [إنه] (٢) لم يجتمع بالغزالي، ثم حج وعاد إلى المغرب وأخذ في الإنكار على الناس، وإلزامهم بإقامة الصلوات وغير ذلك من أحكام الشريعة وتغيير المنكرات، ولما وصل إلى قرية اسمها ملالة بالقرب من بجاية اتصل به عبد المؤمن بن علي الكومي، وتفرس ابن تومرت النجابة في عبد المؤمن وسار معه، وتلقب ابن تومرت بالمهدي، واستمر على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ووصل إلى مرّاكش وشدد في النهي عن المنكر، وكثرت أتباعه، وحسنت ظنون الناس فيه. ولما اشتهر [أمره] (٢) استحضره أمير المسلمين علي بن يوسف بن تاشفين بحضرة الفقهاء فناظرهم وقطعهم، وأشار بعض وزراء أمير المسلمين عليه بقتل (٣٤٥) ابن تومرت وقال: والله ما غرضه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بل غرضه التغلب على البلاد، فلم يقبل أمير المسلمين على ذلك، فقال الوزير، وكان اسمه مالك بن وهب من أهل قرطبة: فإذا لم تقتله فخلده في الحبس، فلم يقبل منه، وأمر بإخراج المهدي من مرّاكش، فسار إلى أغمات، واجتمع عليه الناس فعرفهم أنه هو المهدي الذي وعد به النبي ﷺ ، فكثرت أتباعه، واشتدت شوكته، وقام إليه عبد المؤمن بن علي في عشرة أنفس وقالوا له: أنت المهدي، وبايعوه على ذلك وتبعهم غيرهم، فأرسل أمير المؤمنين إليه جيشا

стр. 8233

فهزمه المهدي، وقويت نفوس أصحابه، وأقبلت إليه القبائل يبايعونه وعظم أمره، وتوجه إلى جبل عند تينمليل واستوطنه. ثم إن المهدي رأى من بعض جموعه قوما خافهم فقال: إن الله تعالى أعطاني نورا أعرف به أهل الجنة من أهل النار، وجمع الناس إلى رأس الجبل، وجعل يقول عن كل من يخافه: هذا من أهل النار فيلقى من رأس الشاهق فيسقط ميتا، وكل من لا يخافه يقول: هذا من أهل الجنة ويجعله عن يمينه حتى قتل خلقا كثيرا واستقام أمره، وأمن على نفسه، وعدة الذين قتلهم سبعون ألفا، وسمى أصحابه الداخلين في طاعته الموحدين. ولم يزل أمره يعلو إلى سنة أربع وعشرين وخمس مئة، فجهز جيشا يبلغون أربعين ألفا فيهم الونشريشي وعبد المؤمن إلى مرّاكش، فحصروا أمير المسلمين بمراكش عشرين يوما، ثم سار متولي سجلماسة [بالعساكر] (١) للكشف عن مرّاكش وطلع [أهل مرّاكش و] (١) أمير المسلمين (٢) [واقتتلوا] (١) (٣٤٦) فقتل الونشريشي، وبقي عبد المؤمن مقدم الجيش، واشتد بينهم القتال إلى الليل، فانهزم عبد المؤمن بالعسكر إلى الجبل، ولما بلغ المهدي هزيمة عسكره وهو مريض فاشتد مرضه وسأل عن عبد المؤمن فقيل: إنه سالم [فقال المهدي: لم يمت أحد] (١) [وأوصى] (٣) أصحابه باتباع عبد المؤمن وعرفهم أنه هو الذي يفتح البلاد وسماه أمير المؤمنين، ثم مات المهدي في مرضه المذكور وعمره إحدى وخمسون سنة، ومدة ولايته عشر سنين، وعاد عبد المؤمن إلى تينمليل وأقام بها

стр. 8234

يؤلف قلوب الناس إلى سنة ثمان وعشرين وخمس مئة، ثم سار عبد المؤمن واستولى على الجبال، وجعل أمير المسلمين علي بن يوسف بن تاشفين ابنه تاشفين يسير في الوطاة قبالة عبد المؤمن. وفي سنة تسع وثلاثين، سار عسكر عبد المؤمن إلى مدينة وهران وسار تاشفين إليهم، وقرب الجمعان بعضهم من بعض، فلما كان ليلة تسع وعشرين من رمضان، وهي ليلة يعظمها المغاربة، سار تاشفين في جماعة يسيرة ليزور مكانا على البحر فيه متعبدون صالحون، وبلغ عمر بن يحيى الهنتاتي مقدم جيش عبد المؤمن فسار وأحاط بتاشفين بن علي، فركب تاشفين فرسه ليهرب فسقط من جرف عال وهلك وأخذ ميتا وجعلت جثته على خشبة، وقتل كل من كان معه وتفرق عسكر تاشفين، وسار عبد المؤمن إلى وهران وملكها بالسيف وقتل فيها ما لا يحصى، ثم سار إلى تلمسان وهي مدينتان بينهما شوط فرس إحداهما اسمها قاررت وفيها أصحاب السلطان، والأخرى أغادير، فملك عبد المؤمن قاررت أولا، وقرر أمرها وجعل على (٣٤٧) أغادير جيشا يحصرها، ثم سار عبد المؤمن إلى فاس وملكها بالأمان في آخر سنة أربعين وخمس مئة ورتب أمرها، ثم سار إلى سلا وفتحها في سنة إحدى وأربعين، وفتح عسكره أغادير بعد حصار سنة وقتلوا أهلها، ثم سار عبد المؤمن ونازل مرّاكش و [كان] (١) قد مات صاحبها علي بن يوسف وملك بعده ابنه تاشفين بن علي، ثم ملك [بعده] (١) أخوه إسحاق بن علي وهو صبي فحاصرها عبد المؤمن أحد عشر شهرا وفتحها بالسيف وأمسك الأمير إسحاق وجماعة من أمراء المرابطين، وجعل إسحاق يرتعد ويسأل العفو عنه ويدعو لعبد المؤمن [ويبكي] (١) فقال [له] (١) سير بن أحمد وهو من أكبر أمراء المرابطين وكان مكتوفا: تبكي على أبيك

стр. 8235

وأمك، اصبر صبر الرجال وبصق في وجه إسحاق، ثم قال عن عبد المؤمن: إن هذا الرجل لا يدين الله بدين، فنهض الموحدون وقتلوا سير بالخشب، وقدّم إسحاق على صغر سنه فضربت عنقه سنة اثنتين وأربعين وخمس مئة، وهو آخر المرابطين ملوك الملثمين، وبه ختمت دولتهم وانقرضت. وكانت مدة ملكهم [ثمانين] (١) سنة، وولي منهم أربعة: يوسف بن تاشفين وابنه علي وتاشفين بن علي وأخوه إسحاق. ولما فتح عبد المؤمن مرّاكش استوطنها، وبنى قصر ملوك مرّاكش جامعا (٢)، وزخرفه، وهدم الجامع الذي بناه يوسف بن تاشفين.

стр. 8236

وفيها، أعني سنة أربع عشرة وخمس مئة، أغار جوسلين الفرنجي صاحب الرّها على جموع العرب والتركمان، وكانوا نازلين بصفين فغنم منهم أموالا و [مواشي] (١) كثيرة، ثم عاد إلى بزاعة وخربها. (٣٤٨) وفي سنة خمس عشرة وخمس مئة (¬*)، توفي الأمير علي بن يحيى بن تميم صاحب أفريقية في ربيع الآخر، وكانت إمارته خمس سنين وأربعة أشهر. وولي بعده ابنه الحسن وعمره اثنتا عشرة سنة بعهد من أبيه، وقام بتدبير دولته صندل الخصي، وبقي صندل مدة ومات، فولي تدبير دولته القائد أباغر بن موفق (٢). وفيها، أقطع السلطان محمود الموصل وأعمالها والجزيرة وسنجار للأمير آقسنقر البرسقي. وفيها، قتل بمصر أمير الجيوش الأفضل بن بدر الجمالي (٣)، وكان قد ركب بمصر ومعه جمع كثير فتأذى من الغبار فسار قدامهم ومعه نفران فوثب عليه ثلاثة بسوق الصياقلة وضربوه بالسكاكين، وأدركهم أصحابه فقتلوهم، وحمل الأفضل إلى داره فمات بها، وبقي الآمر بأحكام الله خليفة مصر ينقل الأموال من دار الأفضل ليلا ونهارا أربعين يوما، ووجد له من الأموال ما لا يحصى، وكان عمر الأفضل سبعا وخمسين سنة وولايته ثمانيا وعشرين سنة، وقيل: إن الخليفة الآمر هو الذي جهز عليه من قتله، ولما قتل الأفضل ولى الآمر بأحكام الله بعده أبا عبد الله البطائحي.

стр. 8237

وفيها، عصى سليمان بن إيلغازي بن أرتق على أبيه بحلب، وكان فيمن حسن له ذلك إنسان من أهل حماة من بيت قرناص، وكان قد قدمه إيلغازي على أهل حلب فجازاه بذلك. ولما سمع إيلغازي بذلك سار مجدا من ماردين وهجم حلب وقطع يدي ابن قرناص ورجليه وسمل عينيه (٣٤٩) [فمات] (١) و [أ] (١) حضر ولده سليمان وأراد قتله فأدركته رقة الوالد فلم يقتله وهرب سليمان إلى عند طغتكين بدمشق، واستناب إيلغازي بحلب سليمان بن عبد الجبار بن أرتق، وعاد إيلغازي إلى ماردين. وفيها، أقطع السلطان محمود ميّافارقين لإيلغازي المذكور. وفيها، كان بين بلك بن بهرام بن أرتق وبين جوسلين حرب، فانتصر بلك وقتل من الفرنج خلقا وأسر جوسلين (٢)، وأسر معه ابن خالته كليام (٣) وجماعة من فرسانه المشهورين، وبذل جوسلين في نفسه أموالا عظيمة فلم يقبلها بلك وسجنهم في قلعة خرتبرت (٤). وفيها، تضعضع الركن اليماني من البيت الحرام شرفه الله تعالى من زلزلة وانهدم بعضه.

стр. 8238

(٣٥٠) وفيها، قتل مؤيد الدين الحسين بن علي بن محمد الطّغرائي (١) المنشئ الدؤلي من ولد أبي الأسود الدؤلي من أهل أصفهان، وكان عالما فاضلا شاعرا كاتبا منشئا، خدم السلطان ملك شاه بن ألب أرسلان، وكان على ديوان الطّغرى (٢) ثم علت منزلته حتى استوزره السلطان مسعود وجرى بينه وبين أخيه محمود الحرب، وانهزم السلطان مسعود فأخذ الطّغرائي أسيرا وقتل صبرا وله «لامية العجم» (٣). هكذا ذكر [هـ القاضي شهاب الدين (٤)، وأما الشيخ عز الدين علي] (٥) بن الأثير [فذكر أن قتل الطغرائي كان في سنة أربع عشرة وخمس مئة] (٥)، وقال عنه السلطان محمود: قد ثبت عندي فساد عقيدته، وأمر بقتله وقد جاوز ستين سنة، وكان يميل إلى الكيمياء. وفي سنة ست عشرة وخمس مئة (¬*)، قتل السلطان محمود جيوش بك، وهو الذي خرج عليه مع أخيه مسعود، ولما أمّن السلطان محمود جيوش بك وأقطعه

стр. 8239

أذربيجان سعت به الأمراء إلى محمود فقتله في رمضان على باب تبريز. وفيها، في رمضان، توفي إيلغازي، بن أرتق بميّافارقين، وملك بعده ابنه تمرتاش قلعة ماردين، وملك ابنه سليمان ميّافارقين، وكان بحلب ابن أخيه سليمان بن عبد الجبار بن أرتق فبقي بها حاكما إلى أن أخذها منه عمه بلك بن بهرام بن أرتق. وفيها أقطع السلطان محمود مدينة واسط لآقسنقر البرسقي (٣٥١) زيادة على ما بيده من الموصل وأعمالها فاستعمل البرسقي على واسط عماد الدين زنكي بن آقسنقر. وفي سنة سبع عشرة وخمس مئة (¬*)، كان الحرب بين الخليفة المسترشد وبين دبيس بن صدقة، فخرج الخليفة بنفسه، واشتد القتال بينهما، فانهزم دبيس وعسكره، وسار إلى غزيّة من العرب فلم يطيعوه، فسار إلى البصرة ونهبها، ثم سار إلى دمشق وصار مع الفرنج وأطمعهم في ملك حلب. وفيها، سلم سليمان بن عبد الجبار حصن الأثارب إلى الفرنج ليهادنوه على حلب لعجزه عن مقاومتهم. وفيها، سار بلك بن بهرام بن أرتق إلى حران وملكها، ثم بلغه عجز ابن عمه عن حلب فسار إلى حلب وملكها في جمادى الأولى. وفيها، استولى الفرنج على خرتبرت، وكان بها جوسلين وغيره من الفرنج محبوسين فخلصوا (١)، وكانت خرتبرت لبلك فسار إليها واسترجعها من الفرنج.

стр. 8240

وفيها، توفي قاسم بن هاشم العلوي الحسيني أمير مكة شرفها الله تعالى، وولي بعده ابنه أبو فليته. وفيها، سار طغتكين صاحب دمشق إلى حمص وهجم عليها وحصر صاحبها قيرخان بن قراجا بالقلعة، ثم رحل عنه إلى دمشق. وفيها، سار الأمير محمود بن قراجا صاحب حماة إلى فامية وهجم ربضها فأصابه سهم من القلعة في يده فعاد إلى حماة فعمّلت عليه يده فمات واستراح أهل حماة من ظلمه، فلما سمع طغتكين الخبر أرسل إلى حماة عسكرا وملكها وصارت حماة من جملة بلاده. (٣٥٢) وفي سنة ثماني عشرة وخمس مئة (¬*)، قتل بلك بن بهرام بن أرتق صاحب حلب (١)، وسببه أنه قبض على الأمير حسان البعلبكي صاحب منبج، وسار إلى منبج وملكها وحصر قلعتها، فبينا هو يقاتل إذ أتاه سهم فقتله، فاضطرب عسكره، وتفرقوا، وخلص حسان صاحب منبج وعاد إلى ملكها،

стр. 8241

وكان في جملة عسكر بلك ابن عمه تمرتاش بن إيلغازي بن أرتق (١) صاحب ماردين فحمل بلك مقتولا إلى حلب، واستقر تمرتاش في ملك حلب في عشري ربيع الأول من هذه السنة ورتب أمرها وعاد إلى ماردين. وفيها، ملك الفرنج مدينة صور (٢) بعد حصار طويل، وكانت للخلفاء العلويين أصحاب مصر، وكان ملكها بالأمان، وخرج المسلمون منها في العشرين من جمادى الأولى بما قدروا عليه من حمل أموالهم. وفيها، اجتمعت الفرنج وانضم إليهم دبيس بن صدقة وحاصروا حلب، وأخذوا في بناء بيوت لهم بظاهر حلب فعظم الأمر على أهلها، ولم ينجدهم صاحبها تمرتاش لإيثاره الرفاهية والدعة، فكاتب أهل حلب آقسنقر البرسقي صاحب الموصل في تسليمها إليه، فسار إليهم فلما قرب من حلب (٣٥٣) رحلت الفرنج عنها، وسلّم أهل حلب المدينة والقلعة إليه واستقرت حلب في ملكه. وفيها، مات الحسن بن الصباح مقدم الإسماعيلية، وقد تقدم ذكره في ظهوره سنة ثلاث وثمانين وأربع مئة (٣). وفي سنة تسع عشرة وخمس مئة (¬*)، سار البرسقي إلى كفرطاب وأخذها من

стр. 8242

الفرنج، ثم سار إلى عزاز وكانت لجوسلين، واجتمعت الفرنج لقتاله فانهزم البرسقي وقتل من المسلمين خلق كثير. وفيها، مات سالم بن بدران بن المقلّد صاحب قلعة جعبر، وملكها بعده ابنه مالك. وفي سنة عشرين وخمس مئة (¬**)، في ثامن <ذي> العقدة، قتل الباطنية قسيم الدولة آقسنقر البرسقي صاحب الموصل (١) يوم الجمعة في الجامع وهو في الصلاة، فوثب عليه منهم بضعة عشر نفسا، وكان البرسقي مملوكا شجاعا دينا حسن السيرة، وكان ابنه عز الدين مسعود في حلب فلما بلغه قتل أبيه سار إلى الموصل واستقر في ملكها (٢). وفيها (٣)، قدم الفرنج وقصدوا دمشق ونزلوا في مرج الصّفّر عند قرية

стр. 8243

شقحب (١)، وأرسل طغتكين وجمع التراكمين وغيرهم وخرج إلى الفرنج والتقى معهم في آخر ذي الحجة، وكان مع طغتكين رجّالة كثيرة من التركمان واشتد القتال فانهزم طغتكين والخيالة من أصحابه وقصدهم الفرنج، ولم يقدر رجّالة التركمان على الهرب فقصدوا مخيم الفرنج وقتلوا كل من وجدوه ونهبوا أموال الفرنج وأثقالهم وسلموا بذلك، ولما عاد الفرنج من وراء المنهزمين وجدوا أموالهم وخيمهم قد نهبت فانهزموا أيضا. وفيها، حصر الفرنج رفنية وملكوها. (٣٥٤) سنة إحدى وعشرين وخمس ومئة إلى سنة ثلاثين وخمس مئة في سنة إحدى وعشرين وخمس مئة (¬*)، ولى السلطان محمود عماد الدين زنكي بن آقسنقر [واسطا] (٢) مضافا إلى ما كان بيده. وفيها، سار السلطان محمود عن بغداد (٣). وفيها، سار [صاحب الموصل] (٤) مسعود بن آقسنقر [البرسقي] (٤) إلى الرحبة وملكها، ومرض وهو يحاصرها، ومات مسعود يوم تسليم الرحبة إليه، وقام بالأمر بعد مسعود مملوك أبيه جاولي البرسقي، وأقام أخا مسعود صغيرا في

стр. 8244

الملك وأرسل إلى السلطان محمود يسأله في توليته فلم يجب إلى ذلك، وولّى على الموصل عماد الدين بن آقسنقر فسار من بغداد، ورتب أمور الموصل، وأقطع جاولي مملوك البرسقي الرّحبة، ثم سار عماد الدين زنكي فاستولى على نصيبين وسنجار وحران وجزيرة ابن عمر. وفيها، ولى السلطان محمود شحنكية العراق لمجاهد الدين بهروز بعد مسير عماد الدين عنها إلى الموصل. وفيها توفي ظهير الدين إبراهيم بن سكمان صاحب خلاط، وملك بعده أخوه أحمد فبقي عشرة أشهر وتوفي، فحكمت والدة إبراهيم وأحمد المذكورين وهي إينانج خاتون بنت أركمان، وأقامت معها (٣٥٥) في المملكة ولد ولدها سكمان ابن إبراهيم بن سكمان وعمره حينئذ ست سنين، واستبدت إينانج بالحكم. وفي سنة اثنتين وعشرين وخمس مئة (¬*)، كانت حلب للبرسقي وبها ولده مسعود، فلما قتل البرسقي وسار ولده إلى الموصل استخلف على حلب أميرا اسمه قوماز، كذا رأيته [مكتوبا] (١) وصوابه: قيماز، ثم استخلف مسعود على حلب قتلغ بعد قيماز، فاستولى على حلب بعد موت مسعود على الرحبة كما ذكرنا، وأساء قتلغ السيرة وكان مقيما بحلب سليمان بن عبد الجبار بن أرتق الذي كان صاحبها أولا، فاجتمع أهل حلب عليه لسوء سيرة قتلغ، وملكوه حلب، فعصى قتلغ في القلعة وسمع الفرنج باختلاف أهل حلب، فسار إليهم جوسلين فصانعوه فرحل عنهم، وكان قد استقر عماد الدين زنكي في ملك الموصل، فأرسل عسكره مع قائد اسمه قراقوش إلى حلب ومعه توقيع السلطان

стр. 8245

محمود بالشام، فأجاب أهل حلب إليه وتقدم قراقوش قائد عماد الدين إلى سليمان وقتلغ بالمسير إلى عماد الدين فسارا إليه إلى الموصل، فلما وصلا أصلح بينهما، ولم يرد واحدا منهما إلى حلب، وسار عماد الدين إلى حلب وملك في طريقه منبج وبزاعة، وطلع أهل حلب إلى خدمته واستبشروا بقدومه، فدخل عماد الدين زنكي حلب وقلعتها في محرم هذه السنة. وفيها، سار السلطان سنجر من خراسان إلى الري ومعه دبيس بن صدقة، كان قد سار إلى سنجر واستجار به، فلما وصل سنجر إلى الري أرسل يستدعي ابن أخيه (٣٥٦) السلطان محمود <اً>، فحضر إليه بالري فأكرمه سنجر وأجلسه معه على السرير، وأمره بالإحسان إلى دبيس وإعادته إلى بلاده، فامتثل السلطان محمود ذلك وعاد سنجر إلى خراسان. وفيها، في صفر، توفي طغتكين صاحب دمشق وهو من مماليك تتش بن ألب أرسلان، وكان طغتكين عاقلا خيرا، وكان لقبه ظهير الدين، وملك دمشق بعده تاج الدين [بوري] (١) بعهد من والده، وكان بوري أكبر أولاده. وفي سنة ثلاث وعشرين وخمس مئة (¬*)، عاود دبيس العصيان على الخليفة والسلطان، وترددت الرسل بينهم، فلم يحصل صلح فسار السلطان محمود من أصفهان إلى بغداد، وجهز جيشا كثيفا إلى دبيس، فهرب دبيس إلى البرية بعد أن نهب البصرة وأموال الخليفة والسلطان. وكان قد سار رجل من الإسماعيلية اسمه بهرام بعد قتل خاله إبراهيم الإسترابادي ببغداد إلى الشام، ودخل دمشق ودعا الناس إلى مذهبه، وأعانه وزير

стр. 8246

بوري صاحب دمشق، وهو طاهر بن سعد المزدغاني (١) وسلم إلى بهرام قلعة بانياس، فعظم أمر بهرام بالشام، وملك عدة حصون بالجبال، وجرى بينه وبين أهالي وادي التّيم (٢) مقاتلة فقتل بهرام وقام مقامه بقلعة بانياس رجل يسمى إسماعيل، وأقام الوزير المزدغاني عوض بهرام بدمشق رجلا منهم يسمى أبا الوفاء، وعظم أمر أبي الوفاء حتى صار الحكم له بدمشق، فكاتب الفرنج على أن يسلم إليهم دمشق ويسلموا إليه عوضها مدينة صور، واتفقوا على ذلك، وأن يكون قدوم الفرنج إلى (٣٥٧) دمشق يوم الجمعة ليجعل أبو الوفاء أصحابه على أبواب جامع دمشق، وعلم تاج الملوك بوري صاحب دمشق بذلك فاستدعى وزيره المزدغاني وقتله، وأمر بقتل الإسماعيلية الذين بدمشق، فثار بهم أهل دمشق وقتلوا منهم ستة آلاف نفر (٣)، ووصل الفرنج إلى الميعاد وحصروا دمشق فلم يظفروا بشيء، وكان البرد والشتاء شديدا، فرحلوا عن دمشق شبه المنهزمين، وخرج بوري بعسكره في أثرهم فقتل منهم عدة كثيرة، وأما إسماعيل الباطني الذي بقلعة بانياس فإنه سلم قلعة بانياس إلى الفرنج وصار معهم (٤). وفيها ملك عماد الدين زنكي حماة (٥)، وسببه أنه كان بحماة سونج بن

стр. 8247

بوري نائبا بها عن أبيه، وكان قد سار عماد الدين من الموصل إلى الشام وعبر الفرات، وأرسل إلى بوري يستنجده على الفرنج، فأرسل بوري ولده سونج بعسكر حماة فغدر به زنكي وقبض عليه وارتكب أمرا شنيعا من الغدر ونهب خيامه والعسكر الذين كانوا صحبته، واعتقل سونج وجماعة من مقدمي عسكره بحلب، ولما قبضه سار من وقته إلى حماة وملكها لخلوها من الجند، ثم رحل إلى حمص وحاصرها مدة، وكان قد غدر أيضا بصاحبها قيرخان بن قراجا وقبض عليه وأحضره صحبته ممسوكا إلى حمص، وأمره أن يأمر ابنه وعسكره بتسليم حمص فأمرهم قيرخان فلم يلتفتوا إليه، فلما أيس زنكي منها رحل عائدا إلى الموصل، واستصحب سونج وأمراء دمشق معه، واستمر بهم معتقلين، وكتب بوري إليه وبذل له مالا في ابنه سونج فلم يتفق حال. وفيها، ملك الفرنج حصن القدموس. (٣٥٨) وفي سنة أربع وعشرين وخمس مئة (¬*) جمع عماد الدين زنكي عساكره، وسار من الموصل إلى الشام وقصد حصن الأثارب لضرره الشديد على المسلمين، فإن أهله الفرنج [كانوا] (١) يقاسمون أهل حلب على جميع أعمال حلب الغربية حتى على رحا ظاهر باب الجنان بينها وبين سور حلب عرض الطريق، وأظن أن اسمها الغربية، وكان أهل حلب معهم في ضيق شديد، فسار عماد الدين إليه ونازله وجمع الفرنج فارسهم وراجلهم وقصدوا عماد الدين، فسار عماد الدين إليهم، واقتتلوا واشتد القتال ونصر الله المسلمين، وانهزم الفرنج وأسر غالب فرسانهم، وقتل منهم خلق كثير (٢).

стр. 8248

ولما فرغ المسلمون من ظفرهم عاودوا الأثارب وأخذوه عنوة، وقتلوا وأسروا كل من فيه، وخرب عماد الدين في ذلك الوقت حصن الأثارب المذكور وجعله دكّا، وبقي خرابا إلى الآن. وفيها، في ذي القعدة، قتل الآمر بأحكام الله أبو علي منصور بن المستعلي أحمد بن المستنصر معد العلوي صاحب مصر، وكان قد خرج إلى متنزه له، فلما عاد وثب عليه الباطنية وقتلوه. ولما قتل لم يكن له ولد فولي بعده ابن عمه الحافظ عبد المجيد بن أبي القاسم (٣٥٩) ابن المستنصر، ولم يبايع أولا بالخلافة بل كان على صورة نائب لانتظار حمل إن ظهر للآمر، ولما تولى الحافظ استوزر أبا أحمد علي بن الأفضل بن بدر الجمالي، فاستبد بالأمر وتغلب على الحافظ وحجر عليه، ونقل ما كان من الأموال بقصر الخلافة إلى داره، ولم يزل الأمر كذلك إلى أن قتل سنة ست وعشرين وخمس مئة على ما سنذكره إن شاء الله تعالى (١). وفيها، كان الرصد بالدار السلطانية شرقي بغداد، تولاه البديع الإسطرلابي ولم يتم. وفي سنة خمس وعشرين وخمس مئة (¬*)، أسر دبيس بن صدقة، وسببه مسيره من العراق إلى صرخد (٢) لأن صاحبها كان خصيّاً، وكانت له سرية فتوفي الخصي في هذه السنة واستولت سريته على قلعة صرخد وما فيها، وعلمت أنه لا يتم لها ذلك إن لم تتصل (٣٦٠) برجل يحميها، فأرسلت إلى دبيس بن صدقة تستدعيه لتتزوج به وتسلم إليه صرخد وما فيها من مال وغيره، فسار

стр. 8249

دبيس من العراق إليها فضلّ به الأدلاء بنواحي دمشق فنزل بناس من كلب كانوا بالغوطة فحملوه إلى تاج الملوك بوري بن طغتكين صاحب دمشق في شعبان هذه السنة، فحبسه بوري وسمع عماد الدين زنكي بأسر دبيس فأرسل إلى بوري يطلبه ويبذل له إطلاق ولده سونج ومن معه من الأمراء الذين غدر بهم زنكي وقبضهم، فأجاب بوري إلى ذلك، وأفرج [زنكي] (١) عن المذكورين وتسلم [دبيسا] (٢) فأيقن دبيس بالهلاك لأنه كان كثير الوقيعة في عماد الدين زنكي، ففعل معه زنكي بخلاف ما ظن وأحسن إليه، وحمل إليه الأموال والسلاح والدواب وقدمه على نفسه، ولم يزل دبيس مع عماد الدين زنكي حتى انحدر معه إلى العراق على ما سنذكره، وسمع المسترشد الخليفة بأسر دبيس فأرسل يطلبه مع سديد الدولة بن الأنباري وأبي بكر بن بشر الجزري فأمسكهما زنكي وحبس ابن الأنباري وأوقع في ابن بشر [مكروها قويا] (٣) ثم شفع المسترشد في ابن الأنباري فأطلقه. وفيها، في شوال، توفي السلطان محمود بن محمد بن ملك شاه بن ألب أرسلان بن داود بن ميكائيل بن سلجوق بهمذان فأقعد وزيره أبو القاسم النسابادي ابنه داود بن محمود في السلطنة وصار أتابكه آقسنقر الأحمد يلي، وكان عمر السلطان محمود لما توفي سبعا وعشرين سنة وولايته السلطنة اثنتي عشرة سنة وتسعة أشهر وعشرين يوما (٤)، وكان حليما عاقلا يسمع المكروه ولا يعاقب عليه مع قدرته.

стр. 8250

وفيها، وثبت الباطنية بتاج الملوك بوري بن طغتكين صاحب (٣٦١) دمشق فجرحوه جرحين برئ أحدهما وبقي الآخر [ينسر عليه] (١) إلا أنه يركب إلى الناس ويجلس إليهم على ضعف فيه. وفي سنة ست وعشرين وخمس مئة (¬*)، قتل أبو علي بن الأفضل بن بدر الجمالي وزير الحافظ لدين الله الفاطمي، وكان أبو علي قد حجر على الحافظ وقطع خطبته وخطب لنفسه خاصة، وقطع من الأذان «حي على خير العمل»، فنفرت منه قلوب شيعة العلويين، وثار به جماعة [من] (١) الممالك وهو يلعب بالكرة فقتلوه ونهبت داره، وخرج الحافظ من الاعتقال، ونقل ما كان في دار أبي علي من الأموال إلى القصر (٢)، وبويع الحافظ يوم قتل أبو علي بالخلافة واستوزر أبو الفتح يانس الحافظي وبقي يانس مدة قليلة ومات، فاستوزر الحافظ ابنه الحسن بن الحافظ وخطب له بولاية العهد، ثم قتل حسن المذكور سنة تسع وعشرين على ما سنذكره إن شاء الله تعالى (٣). وفيها، تحرك السلطان مسعود بن محمد في طلب السلطنة وأخذها من ابن أخيه داود بن محمود، وكذلك تحرك سلجوق بن محمد صاحب فارس أخو مسعود وأتابكه قراجا الساقي في طلب السلطنة، وقدم سلجوق إلى بغداد واتفق الخليفة المسترشد معه واستنجد مسعود بعماد الدين زنكي فسار إلى بغداد لقتال الخليفة وسلجوق فقاتله قراجا أتابك سلجوق فهرب زنكي إلى تكريت وعبر منها، وكان الدّزدار بها إذ ذاك نجم الدين أيوب، فأقام له المعابر فعبر عماد

стр. 8251

الدين إلى بلاده، وكان هذا الفعل من نجم الدين أيوب سبيل الاتصال بعماد الدين زنكي حتى ملك بنو أيوب البلاد (٣٦٢) ثم اتفق الحال بين مسعود وأخيه سلجوق والخليفة على أن تكون السلطنة لمسعود ويكون سلجوق ولي عهده، وعادوا إلى بغداد ونزل مسعود بدار السلطان وسلجوق بدار الشّحنكية، وكان اجتماعهم في جمادى الأولى هذه السنة، ثم إن السلطان سنجر سار من خراسان ومعه ابن أخيه طغريل بن محمد لأخذ السلطنة من مسعود وجرى المصاف بينه وبين مسعود، فانهزم مسعود، ثم إن السلطان سنجر بذل الأمان لمسعود حتى حضر عنده، وكان قد بلغ خونج، فلما رآه سنجر أكرمه وقبله وعاتبه وأعاده إلى كنجة، وأجلس الملك طغريل في السلطنة، وخطب له في جميع البلاد، ثم عاد سنجر إلى خراسان فنزل نيسابور في رمضان هذه السنة. وفيها، سار عماد الدين زنكي ومعه دبيس بن صدقة، وعدي الخليفة إلى الجانب الغربي ونزل العباسية ونزل عماد الدين المنارية من دجيل فالتقيا بحصن البرامكة في سابع عشري رجب، فحمل عماد الدين على ميمنة الخليفة وهزمها، وحمل الخليفة بنفسه [وبقية العسكر] (١) فهزم دبيس ثم هزم عماد الدين وقتل من أصحابه خلق كثير. وفيها، توفي تاج الملوك بوري بن طغتكين صاحب دمشق بسبب الجراح التي كانت به من الباطنية على ما تقدم ذكره، فتوفي حادي عشري رجب، وإمارته أربع سنين وخمسة أشهر، وأوصى بالملك بعده لولده شمس الملوك إسماعيل، وأوصى ببعلبك وأعمالها لولده شمس الدولة محمد، وكان بوري شجاعا سد

стр. 8252

مسدّ أبيه، ولما استقر ابنه إسماعيل في ملك دمشق وأعمالها، واستقر أخوه محمد في بعلبك استولى محمد على حصن الرأس وحصن اللبؤة، وكاتب شمس الملوك أخاه شمس الدولة في إعادتهما فلم يقبل محمد ذلك، فسار إسماعيل وفتح حصن (٣٦٣) اللبؤة وحصن الرأس وقرر أمرهما، وسار إلى أخيه شمس الدولة محمد وحصره ببعلبك وملك المدينة وحصر القلعة، فسأله محمد في الصلح فأجابه وأعاد عليه بعلبك وأعمالها، واستقرت أمورهما، وعاد شمس الملوك إلى دمشق مؤيدا. وفي سنة سبع وعشرين وخمس مئة (¬*)، سار شمس الملوك بن بوري إلى الفرنج وملك حصن بانياس بالأمان، وأخذ المدينة بالسيف وقتل كل من وجد فيها من الفرنج وأسره (١). وفيها، جمع السلطان مسعود العساكر وانضم إليه ابن أخيه داود بن محمود وسار إلى أخيه السلطان طغريل، وجرى بينهما قتال شديد انهزم فيه طغريل واستولى مسعود على السلطنة وتبع أخاه طغريل يطرده من موضع إلى موضع حتى وصل إلى الري واقتتلا ثانيا فانهزم طغريل أيضا وقتل جماعة من أمرائه. وفيها، سار الخليفة المسترشد وحصر الموصل ثلاثة أشهر، وكان عماد الدين زنكي قد خرج من الموصل إلى سنجار وحصّن الموصل بالرجال والذخائر، ثم رحل الخليفة عن الموصل إلى بغداد، ووصل يوم عرفة، ولم يظفر من الموصل بطائل.

стр. 8253

وفيها، سار شمس الملوك إسماعيل من دمشق في العشر الأخير من رمضان إلى حماة وهي لعماد الدين زنكي من حين غدر بسونج بن بوري وأخذها منه حسبما تقدم ذكره سنة ثلاث وعشرين وخمس مئة (١)، فحصرها شمس الملوك وقاتل من بها يوم عيد الفطر وعاد ولم يملكها، فلما كان الغد بكّر إليهم وزحف من جميع جوانب البلد فملكه عنوة وطلب من به الأمان فأمنهم، وحصر القلعة ولم تكن إذ ذاك حصينة لأنها حصّنت فيما بعد، لأن تقي الدين عمر ابن أخي السلطان صلاح الدين (٢) قطع جبلها وعملها (٣٦٤) على ما هي عليه الآن في سنين كثيرة، فلما حصرها شمس الملوك عجز نائبها عن حفظها فاستولى شمس الملوك عليها وعلى ما بها من مال وذخائر وسلاح وذلك في شوال. ولما فرع شمس الملوك من حماة سار إلى شيزر وبها صاحبها المنقذي (٣) فنهب البلد، وحصر القلعة فصانعه صاحبها بمال فعاد عنها وسار إلى دمشق، ووصل إليها في ذي القعدة من هذه السنة. وفيها، اجتمعت التراكمين وحصروا طرابلس، فخرج من بها من الفرنج واقتتلوا فانهزم الفرنج، وسار القومص صاحب طرابلس (٤) ومن صحبه فانحصروا

стр. 8254

في حصن بعرين وحصرهم التركمان بها، ثم هرب القومص من الحصن في عشرين فارسا، وخلى بحصن بعرين من يحفظه، ثم جمع الفرنج ليقاتلوا التراكمين، فقصدوهم التراكمين فانحاز الفرنج إلى رفنية، وعاد التركمان عنهم. وفيها، اشترى الإسماعيلية حصن القدموس من صاحبه ابن عمرون. وفيها، في ربيع الآخر، وثب على شمس الملوك إسماعيل بن بوري بعض مماليك جده طغتكين وضربه بسيف فلم يفعل فيه، وتكاثر عليه مماليك [شمس الملوك] (١) وقبضوه وقرروه فقال: ما أردت إلا إزاحة المسلمين من شر شمس الملوك وظلمه، وأقر على جماعة شاركوه في ذلك من شدة الضرب، فقتلهم شمس الملوك من غير تحقيق، وقتل أيضا مع ذلك الشخص أخاه سونج الذي أسره عماد الدين زنكي من حماة (٢)، فعظم ذلك على الناس، ونفروا من شمس الملوك إسماعيل المذكور. وفيها، توفي أبو فليتة أمير مكة، وولي إمارة (٣٦٥) مكة بعده ابنه القاسم. وفي سنة ثمان وعشرين وخمس مئة (¬*)، في المحرم، سار شمس الملوك صاحب دمشق إلى حصن الشقيف، وكان بيد الضحاك بن جندل رئيس وادي التّيم قد تغلب عليه وامتنع به، فأخذه شمس الملوك منه، وعظم ذلك على الفرنج وقصدوا بلد حوران، وسار إليهم شمس الملوك وناوشهم على حوران، ثم أغار على بلادهم بجهة طبرية ففتّ ذلك في أعضاد الفرنج ورحلوا عائدين إلى بلادهم، ووقعت بينهم وبين شمس الملوك الهدنة.

стр. 8255

وفيها، استولى عماد الدين زنكي على جميع قلاع الأكراد الحميدية، منها: قلعة العقر وقلعة شوش وغيرهما (١)، ثم استولى على قلاع الهكّارية وكواشي. وفيها، أوقع ابن الدانشمند صاحب ملطية بفرنج الشام فقتل كثيرا منهم. وفيها اصطلح الخليفة المسترشد وعماد الدين زنكي. وفي سنة تسع وعشرين وخمس مئة (¬*)، مات السلطان طغريل بن السلطان محمد، وكان بعد هزيمته من أخيه مسعود قد استولى على بلاد الجبل (٢)، فمات في محرم هذه السنة (٣). وكان مولده سنة ثلاث وخمس مئة في المحرم أيضا، وكان خيرا عاقلا، ولما بلغ السلطان مسعود <اً> وفاته سار إلى همذان، وأقبلت العساكر جميعا إليه، واستولى على همذان وأطاعته البلاد جميعها. وفيها قتل شمس الملوك إسماعيل صاحب دمشق، وكان مولده [في سابع جمادى الآخرة] (٤) سنة ست وخمس مئة (٥) وكان قتله على يد جماعة على غفلة باتفاق من والدته، وقد اختلف في سببه فقيل: إن الناس لفرط ظلم إسماعيل وجوره ومصادرته كرهوه وشكوه لأمه فاتفقت مع من قتله.

стр. 8256

وقيل: إن أمه اتّهمت بشخص من أصحاب بوري يقال (٣٦٦) [له] (١) يوسف بن فيروز فأراد شمس الملوك قتلها فاتفقت هي مع من قتله، وسرّ الناس بقتله. وملك بعده أخوه شهاب الدين محمود بن بوري، وحلف له الناس. وفيها، بعد قتل شمس الملوك، وصل عماد الدين زنكي إلى دمشق، وحصرها وضيق عليها وقام في حفظ البلد معين الدين أنر (٢) مملوك طغتكين القيام التام الذي تقدم به واستولى على الأمر بسببه فلما لم ير زنكي في أخذ دمشق مطمعا صالح أهلها ورجع عائدا إلى بلاده. وقد تقدم في سنة ست وعشرين أن الحافظ العلوي صاحب مصر استوزر ابنه [حسنا] (٣) وخطب له بولاية العهد (٤)، فتغلب حسن على الأمر وأساء السيرة، وأكثر من قتل الأمراء وغيرهم ظلما وعدوانا، وأكثر [من] (١) مصادرات الناس، فأراد العسكر الإيقاع به وبأبيه، فعلم أبوه الحافظ بذلك فسقاه سما فمات، ولما مات حسن استوزر الحافظ تاج الدولة بهرام النصراني فاستعمل الأرمن على الناس فكان ما سنذكره (٥). وفيها، كانت الحرب بين الخليفة المسترشد وبين السلطان مسعود، وسببه أن جماعة من عسكر مسعود فارقوه مغاضبين واتصلوا بالخليفة، وهونوا عليه قتال السلطان مسعود فاغتر بهم وسار من بغداد إلى قتال مسعود، وسار مسعود إليه

стр. 8257

واتّقعوا عاشر رمضان هذه السنة، فصار غالب عسكر الخليفة مع مسعود (١) وانهزم الباقون، وأخذ الخليفة المسترشد أسيرا، ونهب عسكره، وبقي المسترشد مع مسعود أسيرا، ثم سار به مسعود من همذان إلى مراغة لقتال ابن أخيه داود ابن محمود فأقام على فرسخين من مراغة والخليفة معه في خيمة منفردة، وكان قد اتفق مسعود والخليفة على مال يحمله (٣٦٧) الخليفة إليه، واتفق معه أن لا يعود يخرج من بغداد، واتفق وصول رسول السلطان سنجر إلى مسعود، فركب مسعود والعساكر لملتقاه فوثبت الباطنية على الخليفة وهو في تلك الخيمة فقتلوه (٢) ومثّلوا به فجدعوا أنفه وأذنيه وقتلوا جماعة من أصحابه، وكان قتل المسترشد يوم الأحد سابع عشر ذي القعدة (٣) بظاهر مراغة، وكان عمره لما قتل ثلاثا وأربعين سنة وثلاثة أشهر، وخلافته سبع عشرة سنة وسبعة أشهر وعشرين يوما (٤)، وأمه أم ولد، وكان فصيحا حسن الخط شجاعا.

стр. 8258

خلافة الراشد بالله أبو جعفر منصور بن المسترشد بالله فضل [وهو] (١) الثلاثون من خلفاء بني العباس بويع لما قتل أبوه، وكان أبوه قد بايع له بولاية العهد في حياته، ثم بعد قتله جدّدت له البيعة يوم الإثنين سابع عشري ذي القعدة من هذه السنة. وكتب مسعود إلى بغداد [بذلك] (١)، فحضر بيعته أحد وعشرون رجلا من أولاد الخلفاء. وفيها، قتل السلطان مسعود دبيس بن صدقة على باب سرادقه بظاهر مدينة خوي (٢)، أمر غلاما أرمنيا بقتله فوقف على رأس دبيس وهو ينكث بإصبعه الأرض فضرب عنقه وهو لا يشعر، وكان ابنه صدقة بن دبيس بالحلّة، فلما بلغه الخبر اجتمع عليه عسكر أبيه وكثر جمعه. وما أكثر ما يتفق [قرب] (١) موت المتعاديين فإن دبيسا كان يعادي المسترشد بالله فاتفق قتل أحدهما عقيب قتل الآخر. وفيها، استولى الفرنج على مدينة جربة من أعمال أفريقية وأسر من كان بها من المسلمين. وفيها، صالح المستنصر بن هود الفرنج على تسليم حصن زوطة من بلاد (٣٦٨) الأندلس، وسلمه إلى صاحب طليطلة الفرنجي. وفي سنة ثلاثين وخمسة مئة في الثاني والعشرين من ربيع الأول، تسلم شهاب الدين محمود بن بوري صاحب دمشق مدينة حمص وقلعتها، وسبب

стр. 8259

ذلك أن أصحابها أولاد الأمير قير خان بن قراجا والوالي بها من قبلهم ضجروا من كثرة تعرض عماد الدين زنكي إليها وإلى أعمالها، فراسلوا شهاب الدين في تسليمها إليه ويعطيهم عوضها تدمر، فلما رأى عسكر زنكي بحلب وحماة خروج حمص إلى صاحب دمشق تابعوا الغارات إلى بلدها، فأرسل شهاب الدين محمود إلى عماد الدين زنكي في الصلح، فاستقر بينهما، وكفّت عسكر عماد الدين عن حمص، وأقطع شهاب الدين حمص لمعين الدين أنر مملوك جده. وفيها، سارت عساكر عماد الدين بحلب وحماة ومقدمهم أسوار نائب زنكي بحلب إلى بلاد الفرنج بنواحي اللاذقية، وأوقعوا بمن هناك من الفرنج وكسبوا من الجواري والمماليك والأسرى والدواب ما ملأ أيديهم، وعادوا سالمين. ذكر خلع الراشد وخلافة المقتفي [لأمر الله] (١) وهو الحادي والثلاثون من خلفاء بني العباس كان الراشد قد اتفق مع بعض ملوك الأطراف مثل عماد الدين زنكي وغيره على خلاف السلطان مسعود وطاعة داود بن السلطان محمود، فلما بلغ مسعود <اً> ذلك جمع العساكر وسار إلى بغداد ونزل عليها وحصرها ووقع فيها النهب من العيارين، ودام مسعود محاصرها نيفا وخمسين يوما فلم يظفر [بهم] (٢)، فارتحل إلى النّهروان (٣٦٩) ثم وصل طرنطاي صاحب واسط بسفن كثيرة فعاد مسعود إلى بغداد وعبر غربي دجلة، واختلفت كلمة عساكر بغداد، فعاد السلطان داود إلى بلاد أذربيجان في ذي القعدة، وسار الخليفة الراشد من

стр. 8260

بغداد صحبة عماد الدين زنكي إلى الموصل، ولما سمع مسعود بمسير الخليفة وزنكي سار إلى بغداد واستقر بها في منتصف ذي القعدة، وجمع مسعود القضاة وكبراء بغداد وأجمعوا على خلع الراشد بسبب أنه عاهد مسعودا أنه لا يقاتله، ومتى خالف ذلك فقد خلع نفسه، وبسبب أمور ارتكبها، فخلع وحكم بفسقه وخلعه، ومدة خلافة الراشد أحد عشر شهرا وأحد عشر يوما. ثم استشار السلطان مسعود فيمن يقيمه في الخلافة فوقع الاتفاق على محمد بن المستظهر عم الراشد المخلوع، فأحضر وجلس في الميمنة، ودخل إليه السلطان مسعود وتحالفا، ثم خرج السلطان وأحضر الأمراء وأرباب المناصب والقضاة والفقهاء وبايعوه ولقبوه المقتفي لأمر الله، وهو أخو المسترشد، وعمل محضر بخلع الراشد، وأرسل إلى الموصل، وزاد المقتفي إقطاع عماد الدين زنكي وألقابه، وأحضر المحضر فحكم به قاضي القضاة الزينبي بالموصل، وخطب للمقتفي بالموصل في رجب سنة إحدى وثلاثين. سنة إحدى وثلاثين وخمس مئة إلى سنة أربعين وخمس مئة [في سنة إحدى ثلاثين وخمس ومئة (١)] (¬*) عزل الحافظ وزيره بهرام الأرمني النصراني بسبب ما اعتمده من تولية الأرمن على المسلمين وإهانتهم لهم، وأنف من ذلك شخص يقال له رضوان (٣٧٠) بن الوكحشي، وجمع جمعا وقصد بهرام فهرب بهرام إلى الصعيد، ثم عاد وأمسكه الحافظ وحبسه بالقصر، ثم إن بهرام ترهب وأطلقه الحافظ، ولما هرب بهرام استوزر الحافظ رضوان المذكور

стр. 8261

ولقبه الملك الأفضل، وهو أول وزراء المصريين لقب بالملك، ثم إنه فسد ما بين رضوان والحافظ فهرب رضوان وجرى له أمور يطول شرحها آخرها أن الحافظ قتل رضوان المذكور، ولم يستوزر بعده أحدا، وباشر الأمور بنفسه حتى مات. وفيها، نازل عماد الدين زنكي حمص وبها صاحبها معين الدين أنر، فلم يظفر بها فرحل عنها في عشري شوال إلى بعرين وحصر قلعتها وهي للفرنج وضيق عليهم فجمع الفرنج ملوكهم ورجالهم وساروا ليرحّلوا زنكي عن بعرين، فلما وصلوا إليه قاتلهم واشتد القتال فانهزمت الفرنج ودخل كثير من ملوكهم لما هربوا إلى حصن بعرين، وعاود عماد الدين زنكي حصار الحصن وضيق عليه فطلبت الفرنج الأمان فقرر عليهم تسليم الحصن وخمسين ألف دينار يحملونها إليه، فأجابوا فأطلقهم وتسلم الحصن والذهب، وكان زنكي في مدة حصاره لبعرين قد فتح المعرّة وكفر طاب وأخذهما من الفرنج، وحضر أهل المعرة وطلبوا تسليم أملاكهم التي كان أخذها الفرنج، وطلب زنكي كتب أملاكهم فذكروا عدمها، فكشف من ديوان حلب عن الخراج وأفرج عن كل ملك كان عليه الخراج لأصحابه. وفي سنة اثنتين وثلاثين وخمس مئة (¬*)، في المحرم وصل زنكي إلى حماة وسار منها إلى بقاع بعلبك فملك حصن المجدل وكان لصاحب دمشق، وراسله مستحفظ بانياس وأطاعه وسار إلى حمص فحصرها، ثم رحل عنها إلى سلميّة بسبب نزول الروم على حلب على ما نذكره (١)، ثم عاد إلى منازلة حمص (٣٧١) فسلمت إليه المدينة والقلعة، وأرسل عماد الدين زنكي وخطب أم شهاب الدين محمود صاحب دمشق واسمها زمرد خاتون بنت جاولي، وهي

стр. 8262

<التي> قتلت ابنها شمس الملوك إسماعيل بن بوري (١)، وهي التي بنت المدرسة المطلة على وادي الشقراء بظاهر دمشق (٢)، وحملت الخاتون إلى عماد الدين في رمضان، وإنما تزوجها طمعا للاستيلاء على دمشق (٣). وفيها، خرج ملك الروم (٤) متجهزا من بلاده سنة إحدى وثلاثين، واشتغل بقتال الأرمن وفرنج أنطاكية (٥). فلما دخلت سنة اثنتين وثلاثين وأربع مئة سار إلى بزاعة (٦)، وهي على ستة

стр. 8263

فراسخ من حلب وحاصرها وملكها بالأمان في خامس عشري رجب، ثم غدر بأهلها، وقتل منهم وأسر، وتنصر قاضيها وأربع مئة نفس من أهلها، وأقام على بزاعة بعد أخذها عشرة أيام ثم رحل عنها بمن معه من الفرنج إلى حلب ونزل على قويق، وزحف على حلب وجرى بينه وبين أهلها قتال كثير، فقتل من الروم بطريق عظيم عندهم، فعادوا خاسرين إلى الأثارب وملكوها وتركوا فيها سبابا بزاعة، وتركوا عندهم من الروم من يحفظهم، وسار ملك الروم بجموعه نحو شيزر فخرج الأمير أسوار نائب زنكي [بحلب بمن معه] (١) وأوقع بمن في الأثارب من الروم فقتلهم واستفك أسارى بزاعة وسباياها، وسار ملك الروم بجموعه إلى شيزر وحصرها ونصب عليها ثمانية عشر منجنيقا، فأرسل صاحبها أبو العساكر سلطان بن علي بن مقلد بن نصر بن منقذ الكناني إلى زنكي يستنجده فسار زنكي ونزل على العاصي بين حماة وشيزر، وكان يركب عماد الدين زنكي وعسكره كل يوم ويشرفون على الروم وهم محاصرون لشيزر بحيث يراهم الروم، ويرسل السرايا ويأخذون كل من وجدوه من الروم منفردا. وأقام ملك الروم يحاصر شيزر أربعة وعشرين يوما (٣٧٢) ثم رحل عنها ولم ينل منها غرضا، وسار زنكي في أثر الروم فظفر بكثير ممن تخلف منهم، ومدح الشعراء زنكي بسبب ذلك، فمنه ما قاله مسلم بن خضر بن قسيم الحموي (٢): <الوافر> لعزمك أيها الملك العظيم … تذلّ لك الصعاب وتستقيم ألم تر أنّ كلب الروم لما … تبين أنه الملك الرحيم وقد نزل الزمان على رضاه … ودان لخطبه الخطب العظيم

стр. 8264

فحين رميته بك عن خميس … تيقّن فوت ما أمسى يدوم كأنك في العجاج شهاب نور … توقّد وهو شيطان رجيم أراد بقاء مهجته فولى … وليس سوى الحمام له حميم كان الراشد قد سار من بغداد إلى الموصل كما تقدم ذكره (١) وخلع، ثم فارق الراشد زنكي وسار إلى مراغة، واتفق (٢) ملوك الأطراف والسلطان داود على خلاف مسعود وقتاله وإعادة الراشد إلى الخلافة، فسار السلطان مسعود إليهم واقتتلوا، فانهزم داود وغيره، واشتغل أصحاب مسعود بالكسب وبقي هو وحده، فحمل عليه أميران يقال لأحدهما [بوزابه] (٣) وللآخر عبد الرحمن طغا يرك فانهزم مسعود بين أيديهما، وقبض بوزابه على جماعة من أمرائه وعلى صدقة بن دبيس صاحب الحلّة وقتلهم أجمعين، وكان الراشد إذ ذاك بهمذان، فلما كان من تلك الوقعة ما كان سار السلطان داود إلى فارس وتفرقت تلك الجموع، وبقي الراشد وحده، فسار إلى أصفهان، فلما كان [الخامس والعشرون] (٤) من رمضان وثب عليه نفر من الخراسانية الذين في خدمته فقتلوه (٥) وهو يريد القيلولة، وكان من (٣٧٣) أعقاب مرض قد برئ منه، ودفن بظاهر أصبهان بشهر ستان، ولما وصل خبر قتل الراشد إلى بغداد جلسوا لعزائه يوما واحدا.

стр. 8265

وفيها، ملك حسام الدين تمرتاش بن إيلغازي صاحب ماردين قلعة الهتاخ من ديار بكر، أخذها من بعض بني مروان (١) الذين كانوا ملوك ديار بكر جميعها وهو آخر من بقي منهم. وفيها، قتل السلطان مسعود ألب قش شحنة بغداد. وفيها، جاءت زلزلة عامة على جميع البلاد، فخربت مدنا كثيرة وهلك عالم كثير بالردم. وفي سنة ثلاث وثلاثين وخمسين مئة (¬*)، في المحرم، سار السلطان سنجر بجموعه إلى خوارزم شاه أطسز بن محمد بن أنوش تكين، وقد تقدم ذكر ابتداء دولة محمد بن أنوش تكين سنة [تسعين وأربع مئة] (٢)، فخرج خوارزم شاه لقتال سنجر واقتتلوا فانهزم أطسز خوارزم شاه، واستولى سنجر على خوارزم وأقام بها من يحفظها وعاد إلى مرو في جمادى الآخرة من هذه السنة، وبعد أن عاد سنجر إلى بلاده عاد أطسز إلى خوارزم واستولى عليها. وفيها، في شوال، قتل شهاب الدين محمود بن بوري بن طغتكين صاحب دمشق، قتله غيلة ثلاثة نفر من خواص غلمانه وأقرب الناس منه، وكانوا ينامون عنده فقتلوه وخرجوا هاربين من القلعة فنجا أحدهم وأخذ الإثنان وصلبا واستدعى معين الدين أنر أخاه جمال الدين محمد بن بوري وكان صاحب بعلبك فحضر إلى دمشق وملكها. وفيها، في ذي القعدة، سار زنكي إلى بعلبك ووصل إليها في عشري ذي
следующие страницы →