← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11790

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط المجمع الثقافي

ابن فضل الله العمري

Полный текст (8 839 стр.). Показаны 8296–8335 · переход к 8301.

стр. 8296

٣ - الرموز المستعملة في التحقيق الأصل: الجزء السابع والعشرون من نسخة آيا صوفيا، رقم: ٣٤٣٩ المؤلف: ابن فضل الله العمري. (أبو الفدا ٣ - ٤/ … ): الجزءان الثالث والرابع من «المختصر في أخبار البشر». (الذهبي ٢/ … ): الجزء الثاني من «دول الإسلام». (): هذان القوسان العاديان لحصر أرقام صفحات المخطوطة. (): هذان القوسان لحصر الآيات القرآنية الكريمة. "": هاتان الفاصلتان المزدوجتان لحصر: - الأحاديث النبوية الشريفة. - النقول والاقتباسات الحرفية. - أسماء الكتب. : هذه النقاط تستخدم للدلالة على الكلمات غير المقروءة، أو البياض الواقع في الأصل بحيث تدل كل ثلاث نقاط على كلمة واحدة. [] هاتان الحاصرتان تستخدمان لحصر: - ما نقل من حاشية المخطوط إلى المتن. - ما زيد على النص من مصادر أخرى. - ما صوب من أخطاء من قبلنا، أو من مصادر أخرى. <>: هذان القوسان المكسوران يستخدمان لحصر كل ما احتيج إليه من حروف أو كلمات اقتضاها السياق.

стр. 8297

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ صلّى الله على محمد وآله وسلّم سنة إحدى وأربعين [وخمس مئة] (١) إلى سنة خمسين وخمس مئة [ثم دخلت سنة إحدى وأربعين وخمس مئة (١٣)] (٢) ذكر استيلاء الفرنج على طرابلس (٣) وسبب ذلك أنهم نزلوا عليها وحاصروها، فلما كان اليوم الثالث من نزولهم سمع الفرنج في المدينة ضجة عظيمة، وخلت الأسوار من المقاتلة، [وكان] (٢) سببه أن أهل طرابلس اختلفوا، فأرادت طائفة منهم تقديم [رجل من الملثمين ليكون أميرهم، وأرادت طائفة أخرى تقديم] (٢) بني مطروح، فوقع الحرب بين الطائفتين، وخلت الأسوار فانتهز الفرنج الفرصة، وطلعوا بالسّلالم وملكوها بالسيف في محرم هذه السنة، وسفكوا دماء أهلها، وبعد أن استقرّ الفرنج في طرابلس بذلوا الأمان لمن بقي من أهل طرابلس، وتراجعت إليها الناس، وحسن حالها. وفيها، سار زنكي ونزل على قلعة جعبر وحصرها، وصاحبها عليّ بن مالك

стр. 8298

ابن سالم بن بدران بن المقلّد العقيلي (١)، وأرسل عسكرا إلى قلعة فنك (٢) وهي تجاور جزيرة ابن عمر، فحصرها أيضا وصاحبها حسام الدين الكرديّ البشنوي (٣). ولما طال على زنكي منازلة قلعة جعبر أرسل مع حسان البعلبكيّ (٤) الذي كان صاحب منبج يقول لصاحب قلعة جعبر، قل لي من يخلصك؟ فقال صاحب جعبر: يخلصني (٣) منك الذي خلصك من بلك بن بهرام بن أرتق (٥)، وكان بلك محاصرا لمنبج فجاءه سهم فقتله، فرجع حسان إلى زنكي ولم يخبره بذلك، فاستمر زنكي منازلا قلعة جعبر، فوثب عليه جماعة من مماليكه وقتلوه في خامس ربيع الآخر هذه السنة بالليل، وهربوا إلى قلعة جعبر، وصاح من بها على العسكر وأعلموهم بقتل زنكي، فدخل أصحابه إليه وبه رمق، وكان عماد الدين زنكي حسن الصورة، أسمر اللون، مليح العينين، قد

стр. 8299

وخطه الشيب، وكان شديد الهيبة على عسكره عظيمها، كان له الموصل وما معها من البلاد، وملك الشام خلا دمشق، وكان شجاعا، وكانت الأعداء تحيط بمملكته من كل جهة، وهو ينتصف منهم ويستولي على بلادهم. ولما قتل زنكي كان ولده نور الدين محمود حاضرا عنده، وأخذ خاتم والده وهو ميت من إصبعه، وسار إلى حلب فملكها وكان صحبة زنكي أيضا الملك ألب أرسلان بن محمود بن محمد بن ملك شاه السلجوقي، فركب في يوم قتل زنكي واجتمعت عليه العساكر، فحسن بعض أصحاب زنكي الأكل والشرب وسماع المغاني، فسار ألب أرسلان إلى الرّقة وأقام بها منعكفا على ذلك، وأرسل كبراء دولة زنكي (٤) إلى ولده سيف الدين غازي بن زنكي (١)، يعلمونه بالحال، وهو بشهرزور، فسار إلى الموصل واستقر في ملكها، وأما ألب أرسلان فتفرقت عنه العساكر، وسار إلى الموصل يريد ملكها، فلما قرب منها قبض عليه غازي بن زنكي وحبسه في قلعة الموصل (٢)، واستقر ملك سيف الدين غازي للموصل وبلادها. وفيها، أرسل عبد المؤمن بن علي (٣) جيشا إلى جزيرة الأندلس فملكوا ما فيها من بلاد الإسلام واستولى عليها.

стр. 8300

وفيها، بعد قتل عماد الدين زنكي قصد مجير الدين ابن صاحب دمشق (١) حصن بعلبك وحصره، وكان به نجم الدين أيوب بن شاذي (٢) مستحفظا، فخاف أن أولاد زنكي لا يمكنهم إنجاده بالعاجل، فصالحه وسلم القلعة إليه، وأخذ منه إقطاعا ومالا وملكه عدة قرى من بلاد دمشق، وانتقل أيوب إلى دمشق و [سكنها] (٣). وفي سنة اثنتين وأربعين [وخمس مئة (١٣)] (٤) دخل نور الدين محمود بن زنكي صاحب حلب بلاد الفرنج ففتح منها أرتاح (٥) بالسيف، و [حصر] (٦) مأمولة (٧) وبصرفوث ٤، وكفرلاثا (٨).

стр. 8301

[ثم دخلت سنة ثلاث وأربعين وخمس مئة (١٣)] (١) وفيها، ملك الفرنج المهدية بأفريقية. كان قد حصل بأفريقية غلاء شديد حتى أكل الناس بعضهم بعضا، ودام من سنة سبع وثلاثين وخمس مئة إلى هذه السنة، ففارق الناس القرى، ودخل أكثرهم إلى جزيرة صقلّية، فاغتنم رجّار (٢) الفرنجيّ صاحب (٥) صقلّية هذه الفرصة، وجهز أصطولا نحو مئتين وخمسين [شينة] (٣) مملوءة رجالا وسلاحا، واسم مقدمهم جرج (٤) وساروا من صقلّية إلى جزيرة قوصرة، وهي ما بين المهدية وصقلّية، وساروا منها وأشرفوا على المهدية [ثاني صفر] (٥) هذه السنة، وكان في المهدية الحسن بن علي بن يحيى بن تميم بن المعزّ بن باديس الصنهاجي (٦) صاحب أفريقيّة، فجمع كبار البلد، واستشارهم، فرأوا ضعف حالهم، وقلة

стр. 8302

المؤونة عندهم، فاتفق رأي الأمير حسن على إخلاء المهدية، فخرج منها، وأخذ ما خف حمله، وخرج أهل المدينة على وجوههم بأهليهم وأولادهم، وبقي الأصطول في البحر يمنعه الريح من الوصول إلى المهدية، ثم دخلوا المهدية بعد مضيّ ثلثيّ النهار المذكور بغير مانع ولا مدافع، ولم يكن قد بقي من المسلمين بالمهدية ممن عزم على الخروج أحد، ودخل جرج مقدم الفرنج إلى قصر الأمير حسن فوجده على حاله لم يعدم منه إلا ما خف حمله، ووجد فيه جماعة من حظايا الحسن والذخائر مملوءة من الذخائر النفيسة من كلّ شيء غريب، وسار الأمير حسن بأمواله وأولاده إلى بعض أمراء العرب (١) ممن كان يحسن إليه، وأقام عنده، وأراد الحسن السير إلى الخليفة الحافظ العلوي (٢) صاحب مصر، فلم يقدر على ذلك لخوف الطرق فسار إلى ملك بجاية يحيى بن العزيز (٣) من بني حمّاد، فوكّل يحيى المذكور على الحسن وعلى أولاده من يمنعهم من التصرف، ولم يجتمع يحيى بهم، وأنزلهم في جزائر بني مزغنّان (٤)، وبقي حسن كذلك حتى ملك عبد المؤمن بن علي بجاية في سنة سبع وأربعين وخمس مئة، وأخذها هي وجميع ممالك بني حمّاد، فحضر الأمير حسن عنده فأحسن إليه عبد المؤمن وأكرمه، واستمر في خدمة عبد المؤمن إلى أن ملك عبد المؤمن المهدية فأقام

стр. 8303

حسن فيها، وأمر عبد المؤمن الوالي الذي ولاه على المهدية أن يقتدي برأي الأمير حسن ويرجع إلى قوله، وكان عدة من ملك من بني باديس (١) [من] (٢) زيري ابن مناد إلى الحسن تسعة ملوك. وكانت ولايتهم في سنة إحدى وستين وثلاث مئة (٣)، وانقضت في سنة ثلاث وأربعين وخمس مئة. ثم إن جرج بذل الأمان لأهل المهدية، وأرسل وراءهم بذلك، وكانوا قد أشرفوا على الهلاك من الجوع، فتراجعوا إلى المهدية. وفيها، سار ملك الألمان (٤)، والألمان بلادهم وراء بلاد القسطنطينية حتى وصل إلى الشام في جمع عظيم ونزل دمشق وحصرها، وصاحبها مجير الدين أبق

стр. 8304

ابن جمال الدين محمد بن بوري، والحكم وتدبير المملكة لمعين الدين أنر (١) مملوك جدّه طغتكين (٢)، وفي سادس [ربيع الأول] (٣) زحفوا على دمشق، ونزل ملك الألمان بالميدان الأخضر (٤)، وأرسل أنر إلى سيف الدين غازي صاحب الموصل يستنجده، فسار بعسكره وسار معه (٧) أخوه نور الدين محمود ونزلوا على حمص، ففتّ ذلك في أعضاد الفرنج، وأرسل أنر إلى فرنج الشام يبذل لهم قلعة بانياس فتخلّوا عن ملك الألمان، وأشاروا عليه بالرحيل، وخوفوه من إمداد المسلمين فرحل عن دمشق إلى بلاده، وسلّم أنر قلعة بانياس إلى الفرنج حسبما شرّطه لهم. وفيها، كان بين نور الدين محمود وبين الفرنج مصافّ بأرض يغرى (٥) من العمق، فانهزم الفرنج، وقتل منهم جماعة، وأسر جماعة، وأرسل من الأسرى والغنيمة إلى أخيه سيف الدين غازي صاحب الموصل. وفيها، ملك الفرنج من الأندلس مدينة طرطوشة (٦) وجميع قلاعها، وحصون

стр. 8305

لاردة (١). وفيها، كان الغلاء العام من خراسان إلى العراق إلى الشام إلى المغرب. وفيها، قتل نور الدين شاهنشاه بن أيوب أخو صلاح الدين، قتلته الفرنج في منازلتهم لدمشق، فجرى بينهم وبين المسلمين مصافّ قتل فيه شاهنشاه وهو أكبر من صلاح الدين (٢)، وكانا شقيقين. وفي سنة أربع وأربعين وخمس مئة (١٣) توفي غازي بن عماد الدين أتابك زنكي (٣) صاحب الموصل بمرض حادّ في أواخر جمادى الآخرة وكان ولايته ثلاث سنين وشهرا و [عشرين] (٤) يوما، وكان حسن الصورة، ومولده سنة خمس مئة، وخلف ولدا ذكرا فرباه عمّه نور الدين، وأحسن إليه وتوفي المذكور شابا، وانقرض بموته عقب (٨) سيف الدين غازي. وكان سيف الدين كريما يصنع لعسكره كلّ يوم طعاما كثيرا بكرة وعشيا، وهو أول من حمل على رأسه السّنجق في ركوبه، وأمر الأجناد أن لا يركبوا إلا بالسيوف في أوساطهم، والدبوس (٥) تحت ركبهم، فلما فعل ذلك اقتدى به

стр. 8306

أصحاب الأطراف. ولما توفي سيف الدين غازي كان أخوه قطب الدين مودود بن زنكي (١) مقيما بالموصل، فاتفق جمال الدين الوزير (٢) وزين الدين (٣) أمير الجيش على تمليكه فحلفاه، وحلفا له ولطاعة جميع بلاد سيف الدين أخيه، ولما تملك تزوج الخاتون ابنة حسام الدين تمرتاش (٤) صاحب ماردين، وكان أخوه سيف الدين قد ملكها، ومات قبل الدخول بها، وهي أمّ أولاد قطب الدين. وفيها، توفي الحافظ العلوي (٥) صاحب مصر، كانت خلافته عشرين سنة إلا

стр. 8307

خمسة أشهر، وعمره نحوا من سبع وسبعين سنة، ولم [يل] (١) الأمر من الخلفاء العلويين بمصر من أبوه غير خليفة غير الحافظ والعاضد (٢) على ما سنذكره. ولما توفي الحافظ بويع بعده ولده الظافر بأمر الله أبو منصور إسماعيل (٣)، واستوزر ابن مصال (٤) فبقي أربعين يوما وحضر الإسكندرية العادل بن السّلاّر (٥) وكان قد خرج ابن المصال في طلب بعض المفسدين، فأرسل العادل ابن السّلاّر ربيبه عباس بن أبي الفتوح بن يحيى بن تميم بن المعز بن باديس

стр. 8308

الصنهاجي (١)، وكان أبوه (٩) أبو الفتوح (٢) قد فارق أخاه علي بن يحيى (٣) صاحب أفريقية، وقدم إلى الديار المصرية وتوفي بها، فتزوج العادل بن السّلاّر بزوجة أبي الفتوح ومعها ولدها عباس، فرباه العادل، وأحسن تربيته، ولما قدم العادل إلى مصر يريد الاستيلاء على الوزارة أرسل ربيبه [عباسا] (٤) في عسكر إلى ابن مصال فظفر به عباس وقتله وعاد إلى العادل بالقاهرة فاستقر العادل في الوزارة وتمكن، ولم يكن للخليفة معه حكم وبقي كذلك إلى سنة ثمان وأربعين وخمس مئة فقتله ربيبه عباس (٥) وتولى الوزارة على ما سنذكره (٦). وفيها، حصر نور الدين محمود بن زنكي حصن حارم، فجمع البرنس (٧) صاحب أنطاكية الفرنج وسار إلى نور الدين واقتتلوا، فانتصر نور الدين وقتل البرنس، وانهزم الفرنج، وكثر القتل فيهم، ولما قتل البرنس ملك بعده ابنه بيمند (٨)

стр. 8309

وهو طفل، وتزوجت أمه برجل آخر وتسمى بالبرنس (١). ثم إن نور الدين غزاهم غزوة أخرى فهزمهم وقتل منهم وأسر وكان فيمن أسر البرنس الثاني زوج أم بيمند فتمكن حينئذ بيمند في ملك أنطاكية. وفيها، زلزلت الأرض زلزلة شديدة. وفيها، توفي معين الدين أنر (٢) [نائب أبق] (٣) صاحب دمشق، وهو الذي كان ينسب إليه الحكم فيها، وإليه ينسب قصر معين الدين الذي في الغور (٤). وفيها، تولى أبو المظفر يحيى بن هبيرة (٥) وزارة الخليفة (١٠) المقتفي (٦)

стр. 8310

يوم الأربعاء رابع ربيع الآخر، وكان قبل ذلك اليوم صاحب ديوان الزمام (١). وفي سنة خمس وأربعين وخمس مئة (١٣) في رابع عشر المحرم، أخذت العرب جميع الحجاج بين مكة والمدينة، فهلك أكثرهم، ولم يصل منهم إلى البلاد إلا القليل. وفيها، سار نور الدين محمود بن زنكي إلى فامية (٢)، وحصر قلعتها وتسلمها من الفرنج، وحصّنها بالرجال والذخائر، وكان قد اجتمع الفرنج وساروا ليرحلوه عنها، فملكها قبل وصولهم، فلما بلغهم فتحها تفرقوا. وفيها، سار الأذفونش صاحب طليطلة بجموع الفرنج إلى قرطبة وحصرها ثلاثة أشهر، ولم يملكها ورحل عنها. وفي سنة ست وأربعين وخمس مئة (١٤) انهزم (٣) نور الدين من جوسلين (٤)، ثم أسر جوسلين، وكان جوسلين من

стр. 8311

أعظم فرسان الفرنج قد جمع بين الشجاعة وجودة الرأي، وكان نور الدين قد عزم على قصد بلاده، فجمع جوسلين الفرنج وأكثر وسار نحو نور الدين والتقوا فانهزم المسلمون، وأسر منهم جمع كثير، وكان من جملة من أسر منهم السلاح دار، ومعه سلاح نور الدين فأرسله جوسلين إلى مسعود بن قليج أرسلان (١) صاحب قونية وأقصرا، وقال: هذا سلاح زوج ابنتك، وسيأتيك بعده ما هو أعظم منه، فعظم ذلك على نور الدين، وهجر [الملاذ] (٢) وأفكر في أمر جوسلين، وجمع التركمان، وبذل لهم الوعود إن ظفروا به إما (١١) بإمساك أو بقتل، فاتفق أن جوسلين طلع إلى الصيد فكبسه التركمان وأمسكوه، فبذل لهم مالا فأجابوا إلى إطلاقه، فسار بعض التركمان إلى أبي بكر بن الداية (٣) نائب نور الدين بحلب، فأرسل عسكرا كبسوا التركمان الذين عندهم جوسلين، وأحضروه إلى نور الدين أسيرا، وكان أسر جوسلين من أعظم الفتوح، وأصيب النصرانية كافة بأسره. ولما أسر سار نور الدين إلى بلاده وقلاعه وملكها، وهي (٤): تلّ باشر، وعين تاب، ودلوك، وأعزاز، وتل خالد، وقورس، والراوندان، وبرج

стр. 8312

الرّصاص، وحصن البارة، وكفر سود (١)، وكفر لاثا، ومرعش، ونهر الجوز، وغير ذلك في مدة يسيرة. وكان نور الدين كلما فتح منها موضعا حصنه بما يحتاج إليه من الرجال والذخائر. وفي سنة سبع وأربعين وخمس مئة (١٣) سار عبد المؤمن بن علي إلى بجاية وملكها، وملك جميع ممالك بني حماد، وأخذها من صاحبها يحيى بن العزيز آخر ملوك بني حماد، وكان يحيى المذكور مولعا بالصيد واللهو ولا ينظر في شيء من أمر مملكته، ولما هزم عبد المؤمن عسكر يحيى هرب وتحصن بقلعة [قسنطينة] (٢) من بلاد بجاية، ثم نزل يحيى إلى عبد المؤمن بالأمان، فأمنه وأرسله إلى بلاد المغرب، وأقام بها، وأجرى عليه عبد المؤمن رزقا كثيرا، وقد ذكر في «تاريخ القيروان» (٣) أن مسير عبد المؤمن، وملكه تونس وأفريقية إنما كان في سنة أربع وخمسين [وخمس مئة] (٤). (١٢) وفي هذه السنة [وقيل في أواخر سنة ستّ وأربعين] في أول رجب توفي السلطان مسعود بن محمد بن السلطان ملكشاه (٥) بهمذان، ومولده سنة

стр. 8313

اثنتين وخمس مئة في ذي القعدة، ومات معه سعادة ألبيت السّلجوقي، فلم تقم لهم بعده راية يعتدّ بها، وكان حسن الأخلاق، كثير المزاح والانبساط مع الناس، كريما، عفيفا عن أموال الرعايا، ولما مات عهد بالملك إلى ابن أخيه ملكشاه بن محمود (١)، فقعد في السلطنة، وخطب له، وكان المتغلب على الملك أمير يقال له خاص بيك (٢)، وأصله صبيّ تركمانيّ اتصل بخدمة مسعود فتقدم على سائر أمرائه، ثم إن خاص بيك المذكور قبض على السلطان ملكشاه بن محمود وسجنه (٣)، وأرسل إلى أخيه محمد بن محمود (٤) وهو بخوزستان فأحضره وتولى السلطنة وجلس على السرير وكان قصد خاص بيك أن يمسكه ويخطب لنفسه بالسلطنة فبدره السلطان محمد ثاني يوم وصوله فقتل خاص بيك وقتل معه زنكي الجاندار وألقى [برأسيهما] (٥) فتفرق أصحابهما. وفيها، جمعت الفرنج وساروا إلى نور الدين وهو محاصر دلوك، فرحل عنها،

стр. 8314

وقاتلهم أشدّ قتال وهزمهم، وقتل وأسر منهم خلق كثير، ثم عاد نور الدين إلى دلوك فملكها، ومما مدح به في ذلك (١): <المتقارب> أعدت بعصرك هذا الجد … يد فتوح النبيّ وأعصارها (١٣) وفي تلّ باشر باشرتهم … بزحف تسوّر أسوارها وإن دالكتهم دلوك فقد … شددت (٢) فصدّقت أخبارها [ذكر] (٣) ابتداء ظهور دولة الغوريّة وانقراض آل سبكتكين أول من اشتهر من الملوك الغوريّة أولاد الحسين، وأولهم محمد بن الحسين، وكان قد صاهر بهرام شاه بن مسعود (٤) صاحب غزنة من آل سبكتين، وسار محمد بن [الحسين] (٥) إلى غزنة مظهرا الطاعة لبهرام شاه ويبطن الغدر، فأمسكه بهرام وقتله [ولما قتل ملك بعده أخوه سام بن الحسين فمات بالجدري] (٦)، فتولى بعده في الملوك الغوريّة أخوه سودى (٧) بن الحسين، وسار إلى غزنة طالبا بثأر أخيه، وجرى القتال بينه وبين بهرام شاه، فظفر به بهرام شاه

стр. 8315

وقتله، وانهزم عسكره (١). واستمر بهرام شاه في ملك غزنة، ثم توفي بهرام شاه وتولى بعده ابنه خسرو شاه (٢)، وتجهز علاء الدين <بن> الحسين (٣) ملك الغوريّة وسار إلى غزنة في سنة خمسين وخمس مئة فلما قرب (١٤) [منها] (٤) فارقها صاحبها خسرو شاه بن بهرام شاه وسار إلى لهاوور وملك علاء الدين الحسين بن الحسين غزنة ونهبها ثلاثة أيام، وتلقب علاء الدين بالسلطان المعظم، وحمل الجتر على عادة السلاطين السلجوقية، وأقام الحسين على ذلك مدة، واستعمل على غزنة ابني

стр. 8316

أخيه غياث الدين محمد بن سام (١)، و [أخاه] (٢) شهاب الدين محمد بن سام (٣) ثم جرى بينهما وبين عمّهما علاء الدين حرب انتصرا فيها وأسرا عمهما ثم أطلقاه وأجلساه على التّخت ووقفا في خدمته، واستمر في السلطان، وزوج غياث الدين بابنته، وجعله وليّ عهده، وبقي كذلك إلى أن مات علاء الدين الحسين بن الحسين في سنة ستّ وخمسين على ما سنذكره (٤)، وملك بعده غياث الدين محمد بن سام بن الحسين، وخطب لنفسه بالغور وغزنة بالملك، ثم استولى الغزّ على غزنة وملكوها منه مدة خمس عشرة سنة، فأرسل غياث الدين أخاه شهاب الدين إلى غزنة فهزم الغزّ عنها، وقتل منهم خلقا كثيرا، واستولى على غزنة وما جاورها من البلاد مثل كرمان وسزران (٥) وماء السند، ورود نهار وبها خسرو شاه بن بهرام شاه السبكتكيني فملكها شهاب الدين [في سنة تسع وسبعين وخمس مئة بعد حصار] (٦)، وأعطى خسرو شاه الأمان، وحلف له، فحضر خسرو شاه عند شهاب الدين [بن سام المذكور، فأكرمه شهاب الدين وأقام خسرو شاه على ذلك شهرين، ولما بلغ غياث الدين بن سام ذلك أرسل إلى

стр. 8317

أخيه شهاب الدين] يطلب منه خسرو شاه، فأمره شهاب الدين بالتوجه، فقال له خسرو شاه: (١٥) أنا ما أعرف أخاك ولا أسلمت نفسي إلا إليك، فطيّب خاطره، وأرسل معه ولده مع أبيه (١) إلى غياث الدين، وأرسل معهما عسكرا يحفظونهما، فلما وصلا إلى الغور لم يجتمع بهما غياث الدين، وإنما أمر بهما فرفعا إلى بعض القلاع، وكان آخر العهد بهما. وخسرو شاه المذكور هو ابن بهرام شاه بن مسعود بن محمود بن سبكتكين، وهو آخر ملوك سبكتكين، وكان ابتداء دولتهم سنة ستّ وستين وثلاث مئة، وملكوا مئتي سنة وثلاث عشرة سنة تقريبا فيكون انقراض دولتهم سنة ثمان وسبعين وخمس مئة، وقدمنا ذلك لتتصل أخبارهم. وكان ملوكهم من أحسن الملوك سيرة، وقيل: إن خسرو شاه توفي في الملك، وملك بعده ولده ملكشاه (٢) على ما نشير إليه في موضعه إن شاء الله تعالى. ولما استقر ملك الغوريّة بلهاوور واتسعت مملكتهم، وكثرت عساكرهم كتب غياث الدين إلى أخيه شهاب الدين بإقامة الخطبة له بالسلطنة، وتلقب بألقاب منها: معين الإسلام، قسيم أمير المؤمنين، ولما استقرّ ذلك سار شهاب الدين إلى أخيه غياث الدين، وسارا إلى خراسان، وقصدا مدينة هراة وحصراها، وتسلمها غياث الدين بالأمان، ثم سار وأخوه بعساكرهما إلى بوشنج فملكاها، ثم إلى باذغيس وكالين وبيوار (١٦) [فملكاها] (٣) ثم رجع غياث الدين إلى بلده فيروزكوه، ورجع أخوه شهاب الدين إلى غزنة.

стр. 8318

ولما استقرّ شهاب الدين بغزنة قصد بلاد الهند وفتح مدينة آجر (١)، ثم رجع إلى غزنة، ثم قصد الهند فذلل صعابها، وتيسر له فتح الكثير من بلادها، ودوخ ملوكها، وبلغ منها كلّ مبلغ، ولما كبر فتوحه للهند اجتمعت الهند مع ملوكهم في خلق كثير والتقوا شهاب الدين، وجرى بينهم قتال عظيم، فانهزم المسلمون، وجرح شهاب الدين وبقي مع القتلى، ثم اجتمعت عليه أصحابه وحملوه إلى مدينة آجر، واجتمعت عليه عساكره، وأقام في آجر حتى اجتمعت عليه أمداد أخيه غياث الدين، ثم اجتمعت الهنود وتنازل الجمعان وبينهما نهر، فكبس عسكر المسلمين الهنود، وتمت الهزيمة عليهم، وقتل المسلمون من الهنود ما يفوق الحصر، وقتلت [ملكتهم] (٢)، وتمكن شهاب الدين بعد هذه الوقعة من بلاد الهند، وأقطع مملوكه قطب الدين أيبك (٣) مدينة دلهي وهي من كراسي ممالك الهند، فأرسل أيبك عسكرا مع مقدم يقال له محمد بن بختيار (٤) فملكوا من الهند مواضع ما وصلها مسلم قبله، حتى قاربوا جهة الصين. وفيها، توفي حسام الدين تمرتاش بن إلغازي (٥)، صاحب ماردين وميّافارقين، وكانت ولايته نيفا وثلاثين سنة لأنه تولى بعد موت أبيه في سنة ستّ عشرة وخمس مئة (١٧) حسبما تقدم (٦)، وتولى بعده ابنه نجم الدين ألبي (٤).

стр. 8319

وفي سنة ثمان وأربعين وخمس مئة (١٣) في المحرم انهزم السلطان سنجر (١) من الأتراك الغزّ، وهم طائفة من مسلمي الترك كانوا بما وراء النهر فلما ملكهم الخطا أخرجوهم منه، فقصدوا خراسان، وأقاموا بنواحي بلخ مدة طويلة، ثم عنّ للأمير قماج (٢) مقطع بلخ أن يخرجهم من [بلاده] (٣) [فامتنعوا] (٤) فسار إليهم في عشرة آلاف فارس، فحضر إليه كبراء الغزّ وسألوه أن يكفّ عنهم ويتركهم في مراعيهم و [يعطوه] (٥) من كلّ بيت مئتي درهم، فلم يجبهم إلى ذلك، وأصرّ على إخراجهم أو قتالهم فقاتلوه وهزموه وتبعوه يقتلون ويأسرون ثم عاثوا في البلاد، فاسترقّوا النساء والأطفال وخربوا المدارس، وقتلوا الفقهاء، فسار قماج إلى السلطان سنجر منهزما، وأعلمه بالحال، فسار إليهم سنجر في عساكره وهم نحو مئة ألف فارس، فأرسل الغزّ يعتذرون إليه مما وقع، وبذلوا له بذلا كثيرا ليكفّ عنهم فلم يجبهم وقصدهم ووقعت بينهم حرب شديد <ة> فانهزم عسكر سنجر وتبعهم الغزّ يقتلون ويأسرون فقتل علاء الدين قماج وأسر السلطان سنجر، وأسر معه جماعة من الأمراء فضربوا أعناقهم، وأما سنجر فإنهم لما أسروه اجتمع رؤساء الغزّ وقبلوا

стр. 8320

الأرض بين يديه، وقالوا: نحن عبيدك، ولا نخرج عن (١٨) طاعتك وبقي معهم كذلك ثلاثة أشهر، ودخلوا معه إلى مرو وهي كرسيّ ملك خراسان فطلبها منه بختيار رئيس من رؤساء الغزّ إقطاعا فقال سنجر: هذه دار الملك ولا يجوز أن تكون إقطاعا لأحد، فضحكوا منه وحبق له بختيار بفمه، فلما رأى سنجر ذلك نزل عن سرير الملك ودخل خانقاه (١) مرو وتاب من الملك. واستولى الغزّ على البلاد فنهبوا نيسابور، وقتلوا الكبار والصغار، وقتلوا القضاة والعلماء [والصلحاء] (٢) الذين بتلك البلاد، فقتلوا الحسين بن محمد الأرسابندي (٣)، والقاضي عليّ بن مسعود (٣)، والشيخ محيي الدين محمد بن يحيى (٤) الفقيه الشافعيّ الذي لم يكن في زمانه مثله، كان رحلة الناس من الشرق والغرب، وغيرهم من الأئمة والفضلاء، ولم يسلم شيء من خراسان من النهب غير هراة ودهستان لحصانتهما. ولما كان من هزيمة سنجر وأسره ما كان اجتمع عسكره على مملوكه أي به (٥) ولقبه المؤيد، واستولى المؤيد على نيسابور، وطوس، ونسا، وأبيورد، وشهرستان، والدامغان، وأزاح الغزّ عنها، وأحسن السيرة في الناس، وكذلك استولى في

стр. 8321

السنة المذكورة على الريّ مملوك لسنجر اسمه اينانج (١)، وهادى الملوك، واستقرت قدمه، وعظم شأنه. وفيها، قتل العادل بن السّلاّر (٢) وزير الظافر العلويّ، قتله ربيبه عباس بن أبي الفتوح (١٩) الصنهاجيّ بإشارة أسامة بن منقذ، وكان العادل قد تزوج أم عباس المذكور وأحسن تربيته، فجازاه بقتله، وولي مكانه، وكانت الوزارة في مصر لمن غلب. وفيها، كان بين عبد المؤمن ملك الغرب وبين العرب حرب شديد <ة> انتصر [فيها] (٣) عبد المؤمن (٤). وفيها، مات رجّار الفرنجي (٥) ملك صقلّية بالخوانيق وعمره نحو ثمانين سنة وملكه [عشرون] (٦) سنة، وملك بعده ابنه غليالم. وفيها، في رجب توفي بغزنة بهرام شاه بن مسعود السبكتكينيّ (٧) صاحب غزنة، وقام بالملك بعده ولده نظام الدين خسرو شاه، وكانت مدة ملك بهرام نحو

стр. 8322

ست وثلاثين سنة، وذلك من حين قتل أخاه أرسلان شاه في سنة اثنتي عشرة وخمس مئة، [و] (١) كان ابتداء ولايته من حين هزم أخوه قبل ذلك بثلاث سنين حسبما تقدم ذكره في السنة المذكورة (٢)، وكان بهرام حسن السيرة. وفيها، ملك الفرنج مدينة عسقلان، وكانت لخلفاء مصر، والوزراء يجهزون إليها المؤن والسلاح، فلما كانت هذه السنة قتل العادل بن السّلاّر، واختلفت الأهواء بمصر، فتمكن الفرنج من عسقلان وحاصروها وملكوها. وفيها، وصلت مراكب من صقلّية فملكوا مدينة [تنيس] (٣) بالديار المصرية. وفي سنة تسع وأربعين وخمس مئة (١٣) في المحرم، قتل الظافر بأمر الله أبو منصور (٢٠) إسماعيل بن الحافظ العلوي (٤)، قتله وزيره عباس الصنهاجيّ، وسببه أنه كان لعباس ولد حسن الصورة اسمه نصر (٥)، فأحبّه الظافر وما بقي يفارقه، وكان قد قدم من الشام مؤيّد الدولة أسامة بن منقذ الكنانيّ في وزارة العادل، فحسّن للعباس قتل العادل فقتله وتولى مكانه، ثم حسّن له قتل الظافر، لأنه قال له: كيف تصبر على ما أسمع من قبيح القول؟ فقال له عباس: ما هو؟ فقال: إن الناس يقولون إن الظافر يفعل بابنك نصر، فأنف عباس، وأمر ابنه نصرا فدعا الظافر إلى بيته وقتلاه وقتلا

стр. 8323

كلّ من معه، وسلم خادم صغير فحضر إلى القصر وأعلمهم بقتل الظافر، ثم حضر عباس إلى القصر وطلب الاجتماع بالظافر، وطلبه من أهل القصر فلم يجدوه، فقال: أنتم قد قتلتموه، وأحضر أخوين للظافر يقال لهما يوسف وجبريل وقتلهما عباس، ثم أحضر الفائز بنصر الله أبا القاسم عيسى بن الظافر إسماعيل (١) ثاني يوم قتل أبيه وله من العمر خمس سنين (٢) فحمله عباس على كتفه، وأجلسه على سرير الملك، وبايعه الناس، وأخذ عباس من القصر من الأموال والجواهر النفيسة شيئا كثيرا، ولما فعل عباس ذلك اختلفت عليه الكلمة، وثار عليه الجند. وكان طلائع بن رزّيك في منية ابن خصيب (٣) واليا عليها، فأرسل إليه أهل القصر من النساء والخدم يستغيثون به (٢١) وكان فيه شهامة فجمع جمعه وقصد عباسا فهرب عباس ومن معه إلى الشام بالأموال والتحف التي لا يوجد مثلها، ولما كان عباس في أثناء الطريق خرجت عليه الفرنج فقتلوه وأخذوا ما كان معه، وأسروا ابنه نصرا. وكان قد استقرّ طلائع بن رزّيك بعد هروب عباس في الوزارة، ولقب الملك الصالح، فأرسل إلى الفرنج وبذل لهم مالا، وأخذ [منهم] (٤) نصر بن عباس وأحضر [هـ] (٤) إلى مصر [وأدخل القصر] (٤) فقتل وصلب (٥) على باب

стр. 8324

زويلة (١). وأما أسامة بن منقذ فإنه كان مع عباس، فلما قتل عباس هرب أسامة ونجا إلى الشام، ولما استقرّ أمر الصالح بن رزّيك وقع في الأعيان بالديار المصرية وأبادهم بالقتل والهروب إلى البلاد البعيدة (٢). وفيها، سار المقتفي لأمر الله بعساكر بغداد وحصر تكريت وأقام عليها عدة مناجيق، ثم رحل عنها ولم يظفر بها. ذكر ملك نور الدين محمود دمشق كان الفرنج قد تغلبوا بتلك الناحية بعد ملكهم عسقلان حتى إنهم استعرضوا كلّ جارية ومملوك بدمشق من النصارى وأطلقوا قهرا كل من أراد منهم الخروج من دمشق واللحوق بوطنه، شاء صاحبه أو أبى، فخشي نور الدين محمود بن زنكي أن يملكوا دمشق، فكاتب أهل دمشق واستمالهم في الباطن، ثم سار إليها وحصرها (٢٢) ففتح له باب الشرقي فدخل [منه] (٣) وملك المدينة، وحصر مجير الدين آبق بن محمد بن بوري بن طغتكين في القلعة، وبذل له إقطاعا من جملته مدينة حمص، فسلّم مجير الدين، وأعطاه (٤) عوضها بالس (٥)، فلم يرضها مجير الدين وسار عنها إلى العراق، وأقام ببغداد، وابتنى

стр. 8325

دارا بقرب النظامية (١) وسكنها حتى مات بها. وفيها، أخذ نور الدين قلعة تلّ باشر من الفرنج. (٢) [ثم دخلت سنة خمسين وخمس مئة (١٣) في هذه السنة سار الخليفة المقتفي إلى دقوقاء (٣) فحصرها، وبلغه حركة عسكر الموصل إليه، فرحل عنها ولم يبلغ غرضا. وفيها، هجم الغزّ نيسابور بالسيف، وقيل: كان معهم السلطان سنجر معتقلا وله اسم السلطنة ولكن لا يلتفت إليه، وكان إذا قدّم إليه الطعام يدّخر منه ما يأكله وقتا آخر خوفا من انقطاعه عنه لتقصيرهم في حقه]. سنة إحدى وخمسين وخمس مئة إلى ستين وخمس مئة في سنة إحدى [وخمسين وخمس مئة (١٤)] (٤) ثارت أهل بلاد أفريقيّة على من بها من الفرنج فقتلوهم (٥).

стр. 8326

وسار عسكر عبد المؤمن فملك بونة، وخرج جميع أهل أفريقية عن طاعة الفرنج ما عدا المهديّة وسوسة. وفيها، قبض زين الدين علي كوجك نائب قطب الدين مودود بن زنكي صاحب الموصل على الملك سليمان شاه بن السلطان محمد بن ملكشاه السلجوقي (١)، وكان سليمان المذكور قد قدم بغداد وخطب له بالسلطنة في هذه السنة، وخلع عليه الخليفة [المقتفي]، وقلده السلطنة على عادتهم، وخرج من بغداد بعسكر الخليفة ليملك به بلاد الجبل فاقتتل هو و [ابن أخيه] (٢) السلطان محمد بن محمود بن ملكشاه، فانهزم سليمان شاه وسار يريد بغداد على شهرزور، فخرج إليه [علي] (٣) كوجك بعسكر الموصل فأسره وحبسه بقلعة (٢٣) الموصل مكرما إلى أن كان منه ما نذكره في سنة خمس وخمسين (٤) [وخمس مئة] (٥). وفيها، <في> تاسع جمادى الآخرة توفي خوارزم أطسز بن محمد بن أنوشتكين (٦)، وكان قد أصابه فالج فاستعمل أدوية شديدة الحرارة، فاشتدّ مرضه وتوفي، وكانت ولادته في رجب سنة تسعين وأربع مئة، وكان حسن السيرة،

стр. 8327

وملك بعده ابنه أرسلان (١). وفيها، توفي الملك مسعود بن قليج بن أرسلان بن سليمان بن قطلومش بن أرسلان بن سلجوق (٢) صاحب قونية وغيرها من بلاد الروم، ولما توفي ملك بعده ابنه قليج أرسلان (٣). وفيها، في رمضان هرب السلطان سنجر بن ملكشاه من أسر الغزّ، وسار إلى قلعة ترمذ، ثم إلى جيحون، ووصل إلى دار ملكه مرو، وكانت مدة أسره من سادس جمادى الأولى سنة ثمان وأربعين إلى رمضان سنة إحدى وخمسين. وفيها، بايع عبد المؤمن لولده محمد (٤) بولاية العهد، وكانت ولاية العهد بعده لأبي حفص عمر (٥) وكان من أصحاب ابن تومرت (٦) من أكبر الموحدين، فأجاب إلى خلع نفسه والبيعة لابن عبد المؤمن. وفيها، استعمل عبد المؤمن أولاده على البلاد، فاستعمل ابنه عبد الله (٤) على بجاية وأعمالها، وابنه عمر (٤) على تلمسان وأعمالها، وابنه عليا على فاس وأعمالها، وابنه أبا سعيد على سبتة والجزيرة الخضراء ومالقة، وكذلك (٢٤)

стр. 8328

غيرهم. وفيها، سار الملك محمد بن السلطان [محمود] (١) السلجوقي من همذان بعساكره إلى بغداد، وحصرها، وجرى بينهم قتال، وحصّن الخليفة [المقتفي] (٢) دار الخلافة واعتدّ للحصار، واشتدّ الأمر على أهل بغداد، وبينا الملك محمد على ذلك إذ وصل إليه الخبر أن أخاه ملك شاه وإلدكز (٣) صاحب بلاد أران ومعه الملك أرسلان بن طغريل بن السلطان محمد (٤)، وكان إلدكز مزوجا بأم أرسلان المذكور قد دخلوا إلى همذان، فسار الملك محمد من بغداد إليهم في الرابع والعشرين من ربيع الأول سنة اثنتين وخمسين وخمس مئة. وفيها، احترقت بغداد، فاحترق درب فراشا، [ودرب الدواب] (٥)، ودرب اللبان، وخزانة ابن جرد (٦)، والظفرية، والخاتونية، ودار الخلافة، وباب الأزجّ، وسوق السلطان، وغير ذلك.

стр. 8329

وفيها، قتل مظفر بن حماد (١) صاحب البطيحة (٢) في الحمام، وتولى بعده ابنه. وفي سنة اثنتين وخمسين وخمس مئة (١٣) في رجب كان بالشام زلازل قوية، فخربت بها حماه وشيزر وحمص وحصن الأكراد وطرابلس وأنطاكية وغيرها من البلاد المجاورة لها حتى وقعت الأسوار والقلاع، فقام نور الدين بن زنكي في ذلك القيام الرضيّ من تداركها بالعمارة وإغارته على الفرنج ليشغلهم عن قصد البلاد، وهلك تحت الروم ما لا يحصى، ويكفي أن معلم كتّاب كان بمدينة حماه فارق المكتب، وجاءت الزلزلة (٢٥) فسقط المكتب على الصبيان كلّهم فلم يحضر أحد يسأل عن صبيّ هناك لهلاكهم. ولما خربت [قلعة] (٣) شيزر بهذه الزلزلة وسقط سورها بادر إليها (٤) [نور الدين محمود بن زنكي، وكان بالقرب منها فصعد إليها وتسلمها وتملكها] (٥)، وعمّر أسوارها. وكانت (٦) شيزر لبني منقذ الكنانيين يتوارثونها من أيام صالح بن مرداس (٧)

стр. 8330

هكذا ذكر ابن الأثير في «الكامل» (١) أن بني منقذ المذكورين ملكوا شيزر من أيام صالح بن مرداس، فكان ملك صالح بن مرداس حلب في سنة أربع عشرة وأربع مئة، وانقضى ملكه سنة عشرين وأربع مئة، وقد ذكر (٢) القاضي شمس الدين بن خلّكان (٣)، والقاضي شهاب الدين بن أبي الدم الحموي (٤) وغيرهما ما يخالف ذلك، ونحن نذكر ما قالوه مختصرا ثم نرجع إلى ما ذكره ابن الأثير، قالوا: وفي سنة أربع وسبعين وأربع مئة استولى بنو منقذ على شيزر وأخذوها من الروم، قال ابن أبي الدم: وكان فتحها منهم علي بن مقلّد بن نصر بن منقذ (٥)،

стр. 8331

قال: وورد كتاب إلى بغداد يشرح قصته، فمنه بعد البسملة (١): «كتابي من حضرة شيزر حماها الله تعالى، وقد رزقني الله من الاستيلاء على هذا المعقل العظيم ما لم يأت لمخلوق في هذا الزمان، وإذا عرف الأمر على حقيقته علم أني هاروت هذه الأمة، وسليمان الجنّ والمردة، ولأني أفرق بين المرء وزوجه، وأستنزل القمر من محلّه، أنا أبو النجم وشعرى (٢) [هذه الأمة] (٣) نظرت إلى هذا الحصن فرأيت (٢٦) أمرا يذهل الألباب، يسع ثلاثة آلاف بالأهل والمال، وتمسكه خمس نسوة، فعمدت إلى تل بينه وبين حصن الروم يعرف بالخراص (٤)، ويسمى هذا التلّ تلّ الجسر، فعمرته حصنا، وجمعت فيه أهلي وعشيرتي وقفزت قفزة على حصن [الروم] (٥) فأخذته بالسيف من الروم، ومع ذلك فلما أخذت من به من الروم أحسنت إليهم وأكرمتهم ومزجتهم بأهلي وعشيرتي، وخلطت خنازيرهم بغنمي، ونواقيسهم بصوت الأذان، فرأى أهل شيزر فعلي ذلك، وأنسوا بي، ووصل إليهم من الإكرام والإتحاف، فوصل إليّ منهم نصفهم، فبالغت في إكرامهم، ووصل إليّ مسلم بن قريش (٦) فقتل منهم

стр. 8332

من أهل شيزر نحو عشرين رجلا، فلما انصرف عنهم مسلم سلّموا الحصن إليّ». هذا خلاصة ما ذكره القاضي شهاب الدين المذكور وبين ما ذكره وما ذكر ابن الأثير من التفاوت أكثر من خمسين سنة. قال الملك عماد الدين (١): والذي يخطر لي أن ما ذكره ابن الأثير أولى، لأنّ حماة وشيزر فتحتا مع الشام على يد أبي عبيدة بن الجراح ﵁، واستمرّ الشام للمسلمين إلى سنة تسعين وأربع مئة، فسار الفرنج إلى الشام، وملكوا غالبه بسبب اشتغال ملوك المسلمين بقتال بعضهم بعضا، ولم يذكر ملكهم لشيزر. قال ابن الأثير: فلما انتهى ملك شيزر إلى نصر بن علي بن منقذ استمرّ فيها إلى أن مات سنة إحدى وتسعين وأربع مئة (٢)، فلما حضره الموت استخلف (٢٧) أخاه مرشد بن عليّ (٣) على حصن شيزر، فقال مرشد: والله لا وليته ولأخرجنّ من الدنيا كما دخلتها، ومرشد هو والد مؤيد الدولة أسامة بن منقذ، فلما امتنع

стр. 8333

مرشد من الولاية ولاها نصر أخاه الصغير سلطان الدولة بن عليّ (١)، واستمر مرشد مع أخيه سلطان على أجمل صحبة مدة من الزمان، وكان لمرشد عدة أولاد نجباء ولم يكن لسلطان ولد، ثم جاء لسلطان الأولاد فخشي عليهم من أولاد أخيه مرشد، وسعى المفسدون بين مرشد وسلطان فتغير كلّ منهما على صاحبه، فكتب سلطان إلى أخيه مرشد أبياتا يعاتبه، وكان مرشد عالما بالأدب والشعر، فأجابه مرشد بقصيدة طويلة منها (٢): <الطويل> شكت هجرنا والذنب في ذاك ذنبها … فيا عجبا من ظالم جاء شاكيا وطاوعت الواشين فيّ وطالما … عصيت عذولا في هواها وواشيا ومال بها تيه الجمال إلى القلى … وهيهات أن أمسي لها الدهر قاليا ولما أتاني من قريضك جوهر … جمعت المعالي فيه [لي] (٣) والمعانيا وكنت هجرت الشعر حينا لأنّه … تولى برغمي حين ولى شبابيا وقلت: أخي يرعى بنيّ وأسرتي … ويحفظ عهدي فيهم وذماميا فمالك لما أن حنى الدهر صعدتي … وثلّم مني صارما كان ماضيا تنكرت حتى صار برّك قسوة … وقربك مني (٤) جفوة وتنائيا (٢٨) على أنني ما حلت عما عهدته … ولا غيرت هذي السنون وداديا وكان الأمر بين مرشد وأخيه سلطان فيه تماسك إلى أن توفي مرشد سنة إحدى وثلاثين وخمس مئة، فأظهر سلطان التغير على أولاد أخيه مرشد،

стр. 8334

وجاهرهم بالعداوة، ففارقوا شيزر، وقصد أكثرهم نور الدين محمود بن زنكي، وشكوا إليه من عمّهم سلطان، فغاظه ذلك ولم يمكنه قصده لانشغاله بجهاد الفرنج، وبقي سلطان كذلك إلى أن توفي وولي بعده أولاده، فلما خربت القلعة هذه السنة بالزلزلة لم ينج من بني منقذ الذين كانوا بها أحد، فإنّ صاحبها (١) كان قد ختن ولده، وعمل دعوة للناس، وأحضر جميع بني منقذ في داره، وجاءت الزلزلة فسقطت القلعة والدار عليهم فهلكوا عن آخرهم، وكان لصاحب شيزر ابن منقذ حصان يحبّه، ولا يزال على باب داره، فلما سقطت الدار سلم من بني منقذ واحد وهرب يطلب باب الدار فلما خرج [من الباب] (٢) رفسه الحصان المذكور فقتله، وتسلم نور الدين القلعة والمدينة. (٣) وفي هذه السنة توفي السلطان سنجر بن ملك شاه بن ألب أرسلان بن داود بن ميكائيل بن سلجوق (٤)، وأصابه قولنج ثم إسهال فمات منه، ومولده بسنجار في رجب سنة تسع وسبعين وأربع مئة، استوطن مدينة مرو من خراسان، وقدم بغداد مع أخيه السلطان محمد (٢٩) واجتمع بالخليفة المستظهر (٥)، فلما مات محمد خوطب سنجر بالسلطان، واستقام أمره، وأطاعته السلاطين، وخطب له على منابر الإسلام بالسلطنة نحو أربعين سنة،

стр. 8335

وكان قبلها يخاطب بالملك نحو عشرين سنة، ولم يزل أمره عاليا إلى أن أسره الغزّ، ولما خلص من أسرهم وكاد يعود إليه ملكه أدركه أجله، وكان مهيبا كريما، وكانت البلاد في زمانه آمنة، ولما وصل خبر موته إلى بغداد قطعت خطبته، ولما حضر السلطان سنجر الموت استخلف على خراسان الملك محمود بن محمد بن بغرا خان (١)، وهو ابن أخت سنجر، فأقام خائفا من الغزّ. وفيها، استولى أبو سعيد بن عبد المؤمن على غرناطة من الأندلس وأخذها من الملثمين، وانقرضت دولة الملثمين ولم يبق لهم غير جزيرة ميورقة، ثم سار أبو سعيد في جزيرة الأندلس وفتح المريّة، وكانت بأيدي الفرنج مدة عشر سنين. وفيها، أخذ نور الدين بعلبك من إنسان كان استولى عليها، يقال له الضحاك البقاعيّ، وكان قد ولاه صاحب دمشق (٢) عليها، فلما ملك نور الدين دمشق استولى الضحّاك على بعلبك (٣). وفيها، قلع الخليفة باب الكعبة وعمل عوضه بابا مصفحا بالفضة والذهب، وعمل لنفسه من الباب الأول تابوتا يدفن فيه. وفي سنة ثلاث وخمسين وخمس مئة (١٣) قصد السلطان ملكشاه بن محمود السلجوقيّ قم وقاشان (٣٠) ونهبهما، وكان أخوه السلطان محمد بن محمود بعد رحيله عن حصار بغداد قد مرض
следующие страницы →