← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11790

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط المجمع الثقافي

ابن فضل الله العمري

Полный текст (8 839 стр.). Показаны 8331–8370 · переход к 8336.

стр. 8331

قال: وورد كتاب إلى بغداد يشرح قصته، فمنه بعد البسملة (١): «كتابي من حضرة شيزر حماها الله تعالى، وقد رزقني الله من الاستيلاء على هذا المعقل العظيم ما لم يأت لمخلوق في هذا الزمان، وإذا عرف الأمر على حقيقته علم أني هاروت هذه الأمة، وسليمان الجنّ والمردة، ولأني أفرق بين المرء وزوجه، وأستنزل القمر من محلّه، أنا أبو النجم وشعرى (٢) [هذه الأمة] (٣) نظرت إلى هذا الحصن فرأيت (٢٦) أمرا يذهل الألباب، يسع ثلاثة آلاف بالأهل والمال، وتمسكه خمس نسوة، فعمدت إلى تل بينه وبين حصن الروم يعرف بالخراص (٤)، ويسمى هذا التلّ تلّ الجسر، فعمرته حصنا، وجمعت فيه أهلي وعشيرتي وقفزت قفزة على حصن [الروم] (٥) فأخذته بالسيف من الروم، ومع ذلك فلما أخذت من به من الروم أحسنت إليهم وأكرمتهم ومزجتهم بأهلي وعشيرتي، وخلطت خنازيرهم بغنمي، ونواقيسهم بصوت الأذان، فرأى أهل شيزر فعلي ذلك، وأنسوا بي، ووصل إليهم من الإكرام والإتحاف، فوصل إليّ منهم نصفهم، فبالغت في إكرامهم، ووصل إليّ مسلم بن قريش (٦) فقتل منهم

стр. 8332

من أهل شيزر نحو عشرين رجلا، فلما انصرف عنهم مسلم سلّموا الحصن إليّ». هذا خلاصة ما ذكره القاضي شهاب الدين المذكور وبين ما ذكره وما ذكر ابن الأثير من التفاوت أكثر من خمسين سنة. قال الملك عماد الدين (١): والذي يخطر لي أن ما ذكره ابن الأثير أولى، لأنّ حماة وشيزر فتحتا مع الشام على يد أبي عبيدة بن الجراح ﵁، واستمرّ الشام للمسلمين إلى سنة تسعين وأربع مئة، فسار الفرنج إلى الشام، وملكوا غالبه بسبب اشتغال ملوك المسلمين بقتال بعضهم بعضا، ولم يذكر ملكهم لشيزر. قال ابن الأثير: فلما انتهى ملك شيزر إلى نصر بن علي بن منقذ استمرّ فيها إلى أن مات سنة إحدى وتسعين وأربع مئة (٢)، فلما حضره الموت استخلف (٢٧) أخاه مرشد بن عليّ (٣) على حصن شيزر، فقال مرشد: والله لا وليته ولأخرجنّ من الدنيا كما دخلتها، ومرشد هو والد مؤيد الدولة أسامة بن منقذ، فلما امتنع

стр. 8333

مرشد من الولاية ولاها نصر أخاه الصغير سلطان الدولة بن عليّ (١)، واستمر مرشد مع أخيه سلطان على أجمل صحبة مدة من الزمان، وكان لمرشد عدة أولاد نجباء ولم يكن لسلطان ولد، ثم جاء لسلطان الأولاد فخشي عليهم من أولاد أخيه مرشد، وسعى المفسدون بين مرشد وسلطان فتغير كلّ منهما على صاحبه، فكتب سلطان إلى أخيه مرشد أبياتا يعاتبه، وكان مرشد عالما بالأدب والشعر، فأجابه مرشد بقصيدة طويلة منها (٢): <الطويل> شكت هجرنا والذنب في ذاك ذنبها … فيا عجبا من ظالم جاء شاكيا وطاوعت الواشين فيّ وطالما … عصيت عذولا في هواها وواشيا ومال بها تيه الجمال إلى القلى … وهيهات أن أمسي لها الدهر قاليا ولما أتاني من قريضك جوهر … جمعت المعالي فيه [لي] (٣) والمعانيا وكنت هجرت الشعر حينا لأنّه … تولى برغمي حين ولى شبابيا وقلت: أخي يرعى بنيّ وأسرتي … ويحفظ عهدي فيهم وذماميا فمالك لما أن حنى الدهر صعدتي … وثلّم مني صارما كان ماضيا تنكرت حتى صار برّك قسوة … وقربك مني (٤) جفوة وتنائيا (٢٨) على أنني ما حلت عما عهدته … ولا غيرت هذي السنون وداديا وكان الأمر بين مرشد وأخيه سلطان فيه تماسك إلى أن توفي مرشد سنة إحدى وثلاثين وخمس مئة، فأظهر سلطان التغير على أولاد أخيه مرشد،

стр. 8334

وجاهرهم بالعداوة، ففارقوا شيزر، وقصد أكثرهم نور الدين محمود بن زنكي، وشكوا إليه من عمّهم سلطان، فغاظه ذلك ولم يمكنه قصده لانشغاله بجهاد الفرنج، وبقي سلطان كذلك إلى أن توفي وولي بعده أولاده، فلما خربت القلعة هذه السنة بالزلزلة لم ينج من بني منقذ الذين كانوا بها أحد، فإنّ صاحبها (١) كان قد ختن ولده، وعمل دعوة للناس، وأحضر جميع بني منقذ في داره، وجاءت الزلزلة فسقطت القلعة والدار عليهم فهلكوا عن آخرهم، وكان لصاحب شيزر ابن منقذ حصان يحبّه، ولا يزال على باب داره، فلما سقطت الدار سلم من بني منقذ واحد وهرب يطلب باب الدار فلما خرج [من الباب] (٢) رفسه الحصان المذكور فقتله، وتسلم نور الدين القلعة والمدينة. (٣) وفي هذه السنة توفي السلطان سنجر بن ملك شاه بن ألب أرسلان بن داود بن ميكائيل بن سلجوق (٤)، وأصابه قولنج ثم إسهال فمات منه، ومولده بسنجار في رجب سنة تسع وسبعين وأربع مئة، استوطن مدينة مرو من خراسان، وقدم بغداد مع أخيه السلطان محمد (٢٩) واجتمع بالخليفة المستظهر (٥)، فلما مات محمد خوطب سنجر بالسلطان، واستقام أمره، وأطاعته السلاطين، وخطب له على منابر الإسلام بالسلطنة نحو أربعين سنة،

стр. 8335

وكان قبلها يخاطب بالملك نحو عشرين سنة، ولم يزل أمره عاليا إلى أن أسره الغزّ، ولما خلص من أسرهم وكاد يعود إليه ملكه أدركه أجله، وكان مهيبا كريما، وكانت البلاد في زمانه آمنة، ولما وصل خبر موته إلى بغداد قطعت خطبته، ولما حضر السلطان سنجر الموت استخلف على خراسان الملك محمود بن محمد بن بغرا خان (١)، وهو ابن أخت سنجر، فأقام خائفا من الغزّ. وفيها، استولى أبو سعيد بن عبد المؤمن على غرناطة من الأندلس وأخذها من الملثمين، وانقرضت دولة الملثمين ولم يبق لهم غير جزيرة ميورقة، ثم سار أبو سعيد في جزيرة الأندلس وفتح المريّة، وكانت بأيدي الفرنج مدة عشر سنين. وفيها، أخذ نور الدين بعلبك من إنسان كان استولى عليها، يقال له الضحاك البقاعيّ، وكان قد ولاه صاحب دمشق (٢) عليها، فلما ملك نور الدين دمشق استولى الضحّاك على بعلبك (٣). وفيها، قلع الخليفة باب الكعبة وعمل عوضه بابا مصفحا بالفضة والذهب، وعمل لنفسه من الباب الأول تابوتا يدفن فيه. وفي سنة ثلاث وخمسين وخمس مئة (١٣) قصد السلطان ملكشاه بن محمود السلجوقيّ قم وقاشان (٣٠) ونهبهما، وكان أخوه السلطان محمد بن محمود بعد رحيله عن حصار بغداد قد مرض

стр. 8336

وطال مرضه، فأرسل إلى أخيه [ملكشاه] (١) أن يكفّ عن النهب، ويجعله وليّ عهده فلم يقبل ملكشاه ذلك، ثم سار ملكشاه إلى خوزستان فأخذها من صاحبها شملة التركماني (٢). وفي أواخر سنة أربع وخمسين وخمس مئة (١٣) نزل عبد المؤمن <بن> عليّ مدينة المهديّة وأخذها من الفرنج يوم عاشوراء سنة خمس وخمسين وملك جميع أفريقية، وكان قد ملك الإفرنج أفريقيّة في سنة ثلاث وأربعين وخمس مئة، وأخذوها من صاحبها الحسن بن عليّ بن يحيى بن تميم الصنهاجي (٣)، وبقيت في أيديهم إلى هذه السنة ففتحها عبد المؤمن، فكان ملك الفرنج للمهديّة اثنتي عشرة سنة تقريبا، ولما ملكها عبد المؤمن أصلح أحوالها واستعمل عليها بعض أصحابه وجعل معه الحسن بن عليّ الصنهاجيّ الذي كان صاحبها، وكان قد سار إلى بني حماد ملوك بجاية ثم اتصل بعبد المؤمن حسبما تقدم، فأقام عنده مكرما إلى هذه السنة، فأعاده عبد المؤمن إلى المهديّة، وأعطاه بها دورا نفيسة وإقطاعا، ثم رحل عبد المؤمن عنها إلى المغرب. وفيها، توفي السلطان محمد بن [محمود] (٤) بن محمد بن ملكشاه السّلجوقي (٥) في ذي الحجة، وهو الذي حاصر بغداد، ولما عاد عنها لحقه سلّ

стр. 8337

وطال به فمات بباب همذان، وكان مولده في ربيع الآخر سنة اثنتين وعشرين وخمس مئة، وكان كريما (٣١) عاقلا، خلف ولدا صغيرا، ولما حضره الموت سلم ولده إلى آقسنقر الأحمديلي (١)، وقال: أنا أعلم أنّ العساكر لا تطيعه لأنّه طفل فهو وديعة عندك، فارحل به إلى بلادك، فرحل به آقسنقر إلى بلد مراغة. ولما مات السلطان محمد اختلفت الأمراء، فطائفة طلبت ملكشاه أخاه، وطائفة طلبوا سليمان شاه بن محمد بن ملكشاه بن السلطان ألب أرسلان الذي كان اعتقل في الموصل (٢) وهم الأكثر، ومنهم من طلب أرسلان بن طغريل الذي [كان] (٣) مع إلدكز (٤)، وبعد موت محمد سار أخوه ملك شاه إلى أصفهان وملكها. وفيها، مرض نور الدين محمود بن زنكي مرضا [شديدا] (٣) أرجف بموته [وكان] (٥) بقلعة حلب، فجمع أخوه أمير ميران بن زنكي (٦) جمعا وحصر قلعة حلب، وكان شير كوه (٧) بحمص، وهو من أكبر أمراء نور الدين، فسار إلى

стр. 8338

دمشق ليستولي عليها وبها أخوه نجم الدين أيوب، فأنكر عليه أيوب [ذلك] (١)، وقال: أهلكتنا، المصلحة أن تعود إلى حلب فإن كان نور الدين حيا خدمته في هذا الوقت، وإن كان ميتا فأنا في دمشق أكفيكها، فعاد شير كوه إلى حلب مجدّدا، وجلس نور الدين في شباك يراه الناس، [فكلمهم] (٢) فلما رأوه حيا تفرقوا عن أخيه أمير ميران واستقامت الأحوال. < ذكر دولة بني مهدي في اليمن > وفيها، استقرّ في ملك اليمن عليّ بن مهدي (٣)، وأزال ملك بني نجاح على ما قدّمنا ذكره في سنة اثنتي عشرة وأربع مئة (٤). وعلي (٥) بن مهديّ المذكور (٣٢) من حمير من قرية يقال لها العنبرة (٦)

стр. 8339

من سواحل زبيد، كان أبوه مهديّ رجلا صالحا، ونشأ ابنه على طريقة أبيه في العزلة والتمسك بالصلاح، ثم حجّ واجتمع بالعراقيين، وتضلع من معارفهم، ثم صار واعظا، وكان فصيحا صبيحا حسن الصوت، عالما بالتفسير، غزير المحفوظات، وكان يتحدث في شيء من أحوال المستقبلات فيصدق فمالت إليه القلوب، واستفحل أمره، وصار له جموع، فقصد الجبال وأقام بها إلى سنة إحدى وأربعين وخمس مئة، ثم عاد إلى أملاكه، وكان يقول في وعظه: «أيها الناس! دنا الوقت [وأزف] (١) الأمر، كأنكم بما أقول لكم [وقد] (٢) رأيتموه عيانا»، ثم عاد إلى الجبال إلى حصن يقال له الشرف (٣)، وهو لبطن من خولان فأطاعوه وسماهم الأنصار، وسمى كلّ من صعد معه من تهامة المهاجرين، وأقام على خولان رجلا اسمه سبأ وعلى المهاجرين رجلا اسمه النويتي وسمى كلا [من] (٤) الرجلين بشيخ الإسلام وجعلهما نقيبين على الطائفتين فلا يخاطبه [ولا يصل] (٥) أحد [إليه] (٤) غيرهما، وهما يوصلان كلامه إلى الطائفتين [وكلام الطائفتين] (٦) وحوائجهما إليه (٧)، وأخذ يغادي الغارات ويراوحها على

стр. 8340

التهائم حتى أخلى البوادي، وقطع الحرث والقوافل، ثم إنه حاصر زبيد <ا>، واستمرّ مقيما عليها حتى [قتل] (١) فاتك بن محمد (٢) آخر ملوك بني نجاح قتله عبيده، وجرى بين ابن مهدي وعبيد فاتك حروب شديدة وآخرها أنّ ابن مهديّ انتصر عليهم (٣٣) وملك زبيد <ا> واستقرّ في دار الملك يوم الجمعة رابع عشر رجب من هذه السنة أعني سنة أربع وخمسين، وبقي ابن مهديّ في الملك شهرين وأحدا وعشرين يوما، ومات عليّ بن مهديّ في السنة التي ملك فيها [في شوال] (٣)، فملك اليمن بعده ولده مهديّ (٤) ثم عبد النبيّ بن مهديّ بن عليّ بن مهديّ (٥)، وخرجت المملكة عن عبد النبيّ إلى أخيه عبد الله ثم عادت إلى عبد النبيّ واستقرّ فيها حتى سار إليه توران شاه بن أيوب من مصر في سنة تسع وستين وخمس مئة، وفتح اليمن، واستقرّ في ملكه، وأسر عبد النبيّ، وهو آخر ملوك اليمن من آل مهدي. وكان مذهب عليّ بن مهديّ التكفير بالمعاصي، وقتل من خالف اعتقاده من أهل القبلة، واستباحة وطء سباياهم، واسترقاق ذراريهم، وكان حنفيّ الفروع، وكان أصحابه يعتقدون فيه فوق ما يعتقده الناس في الأنبياء صلوات الله عليهم، ومن مذهبه قتل من يشرب ومن يسمع الغناء.

стр. 8341

وفي سنة خمس وخمسين وخمس مئة (١٣) [ذكر مسير] (١) سليمان شاه إلى همذان وما كان منه إلى أن مات وسببه أنه لما مات محمد بن محمود بن محمد بن ملكشاه السلجوقيّ أرسلت الأمراء وطلبوا عمه سليمان شاه بن محمد بن ملكشاه ليولوه السلطنة، وكان قد اعتقل في الموصل مكرما فجهزه قطب الدين مودود بن زنكي صاحب الموصل بشيء كثير، وجهاز يليق بالسلطنة، وسار معه (٣٤) زين الدين عليّ كوجك بعسكر الموصل إلى همذان، وأقبلت العساكر إليه، كلّ يوم تلقاه طائفة وأمير، ثم تسلطت العساكر عليه، ولم يبق له حكم، وكان سليمان شاه فيه تهور وخرق، وكان يدمن شرب الخمر حتى [إنه] (٢) شرب في رمضان نهارا، وكان يجمع عنده المساخر، ولا يلتفت إلى الأمراء، فأهمل العسكر [أمره] (٣)، وكانوا لا يحضرون بابه، وكان قد ردّ جميع الأمور إلى شرف الدين [كرد بازو] (٤) الخادم، وهو من مشايخ خدام السّلاجقة يرجع إلى دين وحسن تدبير، فاتفق أن سليمان قعد يشرب بالكشك ظاهر همذان، فحضر إليه كرد بازو ولامه، فأمر من عنده من المساخر فعبثوا بكرد بازو أيضا حتى إن بعضهم كشفوا له سوءته فاتفق كرد بازو مع الأمراء على قبضه، وعمل كرد بازو دعوة عظيمة،

стр. 8342

فلما حضرها سليمان شاه قبض عليه كرد بازو (١)، وحبسه وبقي في الحبس مدة، ثم أرسل إليه كرد بازو من خنقه، وقيل: سقاه سما فمات في ربيع الآخر سنة ست وخمسين (٢). ولما مات إلدكز بعشرين ألفا ومعه أرسلان شاه بن طغريل بن محمد بن ملكشاه بن السلطان ألب أرسلان، ووصل إلى همذان، فلقيه كرد بازو وأنزله بدار المملكة، وخطب لأرسلان شاه (٣٥) بالمملكة، وكان إلدكز متزوجا لأمّ أرسلان شاه فولدت لإلدكز أولادا منهم البهلوان محمد (٣) وقزل أرسلان عثمان (٤) ابنا إلدكز، وبقي إلدكز أتابك أرسلان وابنه البهلوان [وهو] (٥) أخو أرسلان لأمه حاجبه. وكان إلدكز أحد مماليك السلطان مسعود اشتراه في أول أمره، ثم أقطعه أرّان وبعض بلاد أذربيجان فعظم شأنه، وقوي أمره. ولما خطب لأرسلان شاه بالسلطنة في تلك البلاد أرسل إلدكز إلى بغداد يطلب الخطبة لأرسلان شاه بالسلطنة على عادة الملوك السلجوقية، فلم يجب إلى

стр. 8343

ذلك، وقد قدمنا موت سليمان وولاية أرسلان لتتصل الحادثة. وفيها، توفي الفائز بنصر الله أبو القاسم عيسى بن الظافر إسماعيل (١) خليفة مصر، وكانت خلافته ستّ سنين وشهرين، وكان عمره لما ولي [ثلاث سنين، وقيل:] (٢) خمس سنين، ولما [مات] (٣) دخل الصالح بن رزّيك القصر، وسأل عمن يصلح فأحضر له منهم إنسان كبير السنّ، فقال بعض أصحاب الصالح: لا يكون عباس أحزم منك حيث اختار الصغير، فأعاد الصالح الرجل إلى موضعه، وأحضر العاضد لدين الله [أبا] (٤) محمد عبد الله بن الأمير يوسف بن الحافظ (٥) ولم يكن أبوه خليفة. وكان العاضد ذلك الوقت مراهقا فبايع له بالخلافة، وزوجه الصالح ابنته، ونقل معها الجهاز ما لا يسمع بمثله. وفيها، في ربيع الآخر توفي (٣٦) الخليفة المقتفي (٦) لأمر الله [أبو] (٤) عبد الله محمد بن المستظهر أبي العباس أحمد بعلة التراقيا.

стр. 8344

خلافة المستنجد بالله بن المقتفي (١) ثاني ثلاثي خلفاء بني العباس رضي الله تعالى عنهم وبويع له لما توفي أبوه المقتفي، وبايعه أهله وأقاربه فمنهم عمه أبو طالب (٢)، ثم أخوه أبو جعفر (٢)، وأمّه أمّ ولد يدعى طاوس (؟)، ثم بايع الوزير بن هبيرة وغيرهم. وفيها، في رجب توفي السلطان خسرو شاه بن بهرام شاه بن مسعود بن إبراهيم بن مسعود بن محمود (٣) بن سبكتكين (٤) صاحب غزنة، وكان عادلا حسن السيرة، وكانت ولايته في سنة ثمان وأربعين وخمس مئة، ولما مات ملك ابنه ملكشاه، وقيل: إنّ خسرو شاه مات في حبس غياث الدين الغوريّ، وأنه آخر ملوك سبكتكين حسبما تقدم في سنة سبع وأربعين (٥). وفيها، توفي السلطان ملكشاه بن محمود بن محمد بن ملكشاه بن ألب

стр. 8345

أرسلان (١) بأصفهان مسموما. وفيها، حجّ أسد الدين شير كوه بن شاذي مقدم جيش نور الدين محمود بن زنكي. وفي سنة ستّ وخمسين وخمس مئة (١٣) في ربيع الآخر، توفي الملك علاء الدين [الحسين] (٢) بن الحسين الغوريّ ملك الغور، وكان عادلا حسن السيرة، ولما مات ملك بعده ابن أخيه غياث الدين محمد (٣)، وقد قدّمنا ذلك في سنة سبع وأربعين (٤). وفيها، تقدم المؤيد أي به السّنجري بإمساك أعيان (٣٧) نيسابور لأنهم كانوا رؤساء للحرامية والمفسدين، وأخذ المؤيد بقتل المفسدين فخربت نيسابور، وكان من جملة ما خرب مسجد عقيل وكان مجمعا لأهل العلم، وكان فيه خزائن الكتب الموقوفة، وخرب من مدارس الحنفية [ثماني مدارس، ومن مدارس الشافعية] (٥) سبع عشرة مدرسة، وأحرق ونهب عدة من خزائن الكتب.

стр. 8346

وأما الشاذياخ (١) فإن عبد الله [بن] (٢) طاهر بن الحسين بناها لما كان أميرا للمأمون على خراسان، وسكنها هو والجند، ثم خربت بعد ذلك، ثم جددت في أيام ألب أرسلان السلجوقي (٣)، ثم تشعثت بعد ذلك، فلما كان الآن وخربت نيسابور أمر المؤيد آي به بإصلاح سور الشاذياخ، وسكنها هو والناس، فخربت نيسابور كل الخراب ولم يبق بها أحد. وفي هذه السنة في رمضان قتل الملك الصالح أبو الغارات طلائع بن رزّيك الأرمني وزير العاضد العلويّ، جهزت عليه عمة العاضد من قتله بالسكاكين وهو داخل في دهليز القصر فحمل إلى بيته وبه رمق، فأرسل يعتب [على] (٤) العاضد، فأرسل العاضد يحلف له أنه ما علم بذلك، وأمسك العاضد عمته فأرسلها إلى طلائع فقتلها، وسأل العاضد أن يولي ابنه رزّيك (٥) الوزارة ولقب العادل، ومات طلائع، فاستقر ولده العادل رزّيك في الوزارة. وفيها، ملك عيسى (٦) مكة شرفها الله تعالى، وكان أمير مكة قاسم بن أبي

стр. 8347

فليتة بن قاسم بن أبي هاشم العلويّ [الحسنيّ (١)، فلما سمع قرب الحاج من مكة صادر المجاورين وأعيان مكة وأخذ أموالهم وهرب إلى البرية] (٢) [خوفا من أمير الحاج [أرغش] (٣). فلما وصل أمير الحاجّ إلى مكة (٣٨) رتب عوض قاسم عمه عيسى بن قاسم بن أبي هاشم، فبقي كذلك إلى شهر رمضان، ثم إن قاسم بن أبي فليتة جمع العرب وقصد عمه عيسى، فلما قارب مكة، رحل عنها عيسى، وعاد قاسم إلى ملكها ولم يكن معه ما يرضي به العرب، فكاتبوا عمه عيسى وصاروا معه، وقدم عيسى إليهم وهرب قاسم وصعد إلى جبل أبي قبيس فسقط عن فرسه فأخذه أصحاب عمه عيسى وقتلوه، فغسله عيسى ودفنه بالمعلى (٤) عند أبيه أبي فليتة (٥)، واستقرت مكة لعيسى. وفيها، عبر عبد المؤمن بن علي على المجاز إلى الأندلس، وبنى على جبل طارق من الأندلس مدينة حصينة، وأقام بها ستة أشهر وعاد إلى مراكش. وفيها، ملك قرا أرسلان (٦) صاحب حصن كيفا (٧) قلعة شاتان وكانت

стр. 8348

لطائفة من الأكراد، ولما ملكها خربها وأضاف أعمالها إلى حصن طالب (١). وفي سنة سبع وخمسين وخمس مئة (١٣) نازل نور الدين محمود بن زنكي قلعة حارم وهي للفرنج مدة ثم رحل عنها ولم يملكها. وفيها، سارت الكرج في جمع عظيم ودخلوا بلاد الإسلام وملكوا مدينة دوين من أعمال أذربيجان ونهبوها، ثم جمع إلدكز صاحب أذربيجان جمعا [عظيما] (٢) وغزا الكرج وانتصر عليهم وقتل منهم مقتلة عظيمة. وفيها حج الناس، فوقع فتنة وقتال بين صاحب مكة وأمير الحاج، فرحل الحجاج ولم يقدر بعضهم على الطواف بعد (٣٩) الوقوف. قال ابن الأثير: وكان ممن حج ولم يطف جدته أم أبيه، فوصلت إلى بلادها وهي على إحرامها (٣) فاستفتت الشيخ أبا القاسم بن البرزي (٤) فأفتى أنها إذا دامت على إحرامها إلى قابل وطافت كمل حجها الأول، ثم تفدي وتحل، ثم تحرم

стр. 8349

إحراما ثانيا، وتقف بعرفات وتكمل مناسك الحج فيصير لها حجة ثانية، فبقيت على إحرامها إلى قابل وفعلت كما قال فتم حجها الأول والثاني (١). وفيها، مات الكيا الصّبا [حي] (٢) الصنهاجي (٣) صاحب ألموت مقدم الإسماعيلية، وقام ابنه مقامه فأظهر التوبة (٤). وفي سنة ثمان وخمسين وخمس مئة (١٣) في صفر، وزّر شاور للعاضد لدين الله العلوي، وكان شاور يخدم الصالح طلائع بن رزّيك فولاه الصعيد، وكانت الصعيد أكبر المناصب بعد الوزارة، ولما جرح الصالح أوصى ولده العادل أن لا يغير على شاور شيئا لعلمه بقوة شاور،

стр. 8350

فلما تولى العادل بن الصالح الوزارة كتب إلى شاور بالعزل، فجمع شاور جموعه وسار نحو العادل إلى القاهرة فهرب العادل فطرد شاور وراءه وأمسكه وقتله (١) وانقضت بمقتله دولة بني رزّيك. واستقر شاور في الوزارة وتلقب أمير الجيوش، وأخذ أموال بني رزّيك وودائعهم. ثم إن أبا الأشبال [ضرغاما] (٢) جمع جمعا ونازع شاور في الوزارة في شهر رمضان، وقوي على شاور، فانهزم شاور إلى الشام مستنجدا بنور الدين (٤٠) ولما تمكن ضرغام من الوزارة قتل كثيرا من الأمراء المصريين لتخلو له البلاد فضعفت الدولة لهذا السبب حتى خرجت البلاد من أيديهم. وفيها في العشرين من جمادى الآخرة، توفي عبد المؤمن بن علي صاحب بلاد المغرب وأفريقية والأندلس، وكان قد سار من مراكش إلى سلا، فمرض بها ومات. ولما حضر الموت جمع جيوش الموحدين وقال لهم: قد جربت ابني محمدا فلم أجده يصلح لهذا الأمر، وإنما يصلح له ابني يوسف فقدموه وبايعوه، ودعي بأمير المؤمنين، واستقرت قواعد ملكه. وكانت مدة ولاية عبد المؤمن ثلاثا وثلاثين سنة وشهورا، وكان حازما، سديد الرأي، حسن السياسة للأمور، كثير سفك الدم على الذنب الصغير، وكان يعظم أمر الدين ويقويه، ويلزم الناس بالصلاة، بحيث إنه من رؤي في

стр. 8351

وقت الصلاة غير مصل قتل، وجمع الناس في المغرب على مذهب الإمام مالك ﵁ في الفروع، وعلى مذهب أبي الحسن الأشعري في الأصول. وفيها، ملك المؤيد آي به السّنجري قومس (١)، فلما ملكها أرسل إليه السلطان أرسلان بن طغريل بن محمد بن ملكشاه خلعة وألوية وهدية جليلة فلبس ألوية الخلعة، وخطب له في بلاده. وفيها، كبس الفرنج نور الدين محمود <ا> وهو نازل بعسكره في البقيعة تحت حصن الأكراد (٢)، فلم يشعر نور الدين إلا وقد أطلت عليهم صلبان الفرنج، وقصدوا خيمة نور الدين، فلسرعة ذلك (٤١) ركب نور الدين فرسا، وفي رجله الشّبحة (٣) فنزل كردي وقطعها، فنجا نور الدين وقتل الكردي، فأحسن نور الدين إلى مخلّفيه ووقف عليهم الوقوف، وسار نور الدين إلى بحيرة حمص، فنزل عليها، وتلاحق به من سلم من المسلمين. وفيها، أمر المستنجد بإخلاء بني أسد وهم أهل الحلّة المزيديّة فقتل منهم جماعة، وهرب الباقون، وتشتتوا في البلاد، وذلك لفسادهم في البلاد، وسلمت بطائحهم وبلادهم إلى رجل يقال له ابن معروف (٤).

стр. 8352

وفي سنة تسع وخمسين وخمس مئة (١٣) سير نور الدين محمود بن زنكي عسكرا مقدمهم أسد الدين شير كوه بن شاذي إلى الديار المصرية ومعهم شاور، وكان قد سار من مصر هاربا من ضرغام الوزير، فلحق شاور بنور الدين واستنجده وبذل له ثلث أموال مصر بعد رزق جندها إن أعاده إلى الوزارة، فوصل شيركوه إلى مصر، وهزم عسكر ضرغام [وقتل ضرغام] (١) عند قبر السيدة نفيسة (٢)، وأعاد شاورا إلى وزارته، وكان مسير أسد الدين في جمادى الأولى لهذه السنة، واستقر شاور في الوزارة، وخرجت إليه الخلع في مستهل رجب هذه السنة، ثم غدر شاور بنور الدين ولم يف له بشيء مما شرط، فسار أسد الدين واستولى على بلبيس (٣) والشرقية، فأرسل شاور يستنجد بالفرنج ليخرجوا أسد الدين شيركوه من البلاد، فسار الفرنج واجتمع معهم شاور بعسكر مصر، وحصروا شير كوه ببلبيس، ودام الحصار ثلاثة أشهر، وبلغ الفرنج حركة (٤٢) نور الدين وأخذ حارم فراسلوا شير كوه في الصلح، وفتحوا له فخرج من بلبيس بمن معه من العسكر، ووصلوا إلى الشام سالمين. وفيها، في شهر رمضان فتح نور الدين محمود قلعة حارم وأخذها من الفرنج بعد مصافّ جرى بينه وبين الفرنج، فانتصر نور الدين وقتل وأسر من الفرنج عالما

стр. 8353

كثيرا، وكان في جملة الأسرى البرنس صاحب أنطاكية (١)، والقومص صاحب طرابلس (٢)، وغنم منهم المسلمون شيئا كثيرا. وفيها في ذي الحجة، سار نور الدين وفتح بانياس وكانت بيد الفرنج من سنة ثلاث وأربعين [وخمس مئة] (٣) إلى هذه السنة. وفيها، توفي جمال الدين أبو جعفر محمد بن علي بن أبي منصور الأصفهاني (٤) وزير قطب الدين مودود بن زنكي صاحب الموصل في شعبان مقبوضا عليه، وكان قد قبض عليه قطب الدين في سنة ثمان وخمسين [وخمس مئة] (٥). وكان قد تعاهد جمال الدين المذكور وأسد الدين شيركوه أنه من مات منهما قبل الآخر ينقله الآخر إلى مدينة الرسول ﷺ فيدفنه بها، فنقله شيركوه، وقد ذكرنا طرفا من أخباره مع الوزراء. (٦) وفي سنة ستين وخمس مئة (١٣) في ربيع الأول، توفي بمازندران شاه رستم بن علي بن شهريار بن قارن (٧)

стр. 8354

وملك بعده ابنه علاء الدين الحسن (١). وفيها، ملك المؤيد آي به مدينة هراة. وفيها كان بين قليج أرسلان بن مسعود بن قليج أرسلان (٤٣) صاحب قونية وما جاورها من بلاد الروم وبين [ياغي أرسلان] (٢) [بن الدانشمند] (٣) صاحب ملطية وما يجاورها حروب شديدة انهزم فيها قليج أرسلان، فاتفق موت ياغي أرسلان صاحب ملطية في تلك المدة وملك بعده ابن أخيه إبراهيم بن محمد بن الدانشمند واستولى ذو النون بن محمد بن الدانشمند على قيساريّة، وملك شاهنشاه بن مسعود أخو قليج أرسلان مدينة أنكورية، واصطلح المذكورون على ذلك، واستقرت بينهم القواعد واتفقوا. وفيها، توفي الوزير عون الدين يحيى بن هبيرة (٤) في جمادى الأولى. سنة إحدى وستين وخمس مئة إلى سنة سبعين وخمس مئة في سنة إحدى وستين وخمس مئة (١٣) فتح نور الدين محمود حصن المنيطرة (٥) من الشام وكانت بيد الفرنج.

стр. 8355

وفي سنة اثنتين وستين وخمس مئة (١٣) عاد أسد الدين شير كوه إلى الديار المصرية، جهزه نور الدين بألفي فارس، فوصل إلى ديار مصر واستولى على الجيزة، وأرسل شاور إلى الفرنج واستنجدهم وجمعهم وساروا في أثر شير كوه إلى جهة الصعيد (١)، والتقوا بموضع يقال له ايوان (٢) فانهزم الفرنج والمصريون، واستولى شير كوه على بلاد الجيزة واستغلها، ثم سار إلى الإسكندرية وملكها، وجعل فيها ابن اخيه صلاح الدين يوسف بن أيوب، وعاد شير كوه إلى جهة الصعيد (٤٤)، واجتمع عسكر مصر والفرنج وحصروا صلاح الدين بالإسكندرية مدة [ثلاثة] (٣) شهور فسار شير كوه إليهم، فاتفقوا إلى الصلح على مال [يحملونه] (٤) إلى شير كوه ويسلم إليهم الإسكندرية ويعود إلى الشام، ويسلم المصريون الإسكندرية في منتصف شوال من هذه السنة، وسار شير كوه إلى الشام، فوصل دمشق ثامن عشر ذي القعدة، واستقر الصلح بين الفرنج والمصريين على أن يكون للفرنج بالقاهرة شحنة، وتكون أبوابها بيد فرسانهم، ويكون لهم من دخل مصر كل سنة مئة ألف دينار. وفيها، فتح نور الدين صافيتا و [العريمة] (٥).

стр. 8356

وفيها، عصى غازي بن حسان (١) صاحب منبج على نور الدين بمنبج، فجهز إليه نور الدين عسكرا أخذوا منه منبج، ثم أقطعها نور الدين لقطب الدين ينال ابن حسان (١) [أخي] (٢) غازي المذكور، فبقي فيها إلى أن أخذها منه صلاح الدين يوسف بن أيوب سنة [إحدى وسبعين] (٣). وفيها، توفي فخر الدين قرا أرسلان بن داود بن سقمان بن أرتق (٤) صاحب حصن كيفا، وملك بعده [ولده] (٥) نور الدين محمد (٦). وفي سنة ثلاث وستين وخمس مئة (١٣) فارق زين الدين علي كوجك بن بكتكين نائب قطب الدين مودود بن زنكي صاحب الموصل خدمة قطب الدين، واستقر بإربل، وكانت في إقطاعه، وكانت له إربل مع غيرها فقنع بها وسكنها (٧)، وسلّم ما كان من ضمن البلاد إلى قطب الدين، وكان زين الدين قد عمي وطرش.

стр. 8357

وفي سنة أربع وستين وخمس مئة (١٣) ملك نور الدين محمود قلعة جعبر وأخذها (٤٥) من شهاب الدين مالك ابن علي بن مالك بن سالم بن مالك بن بدران العقيلي (١)، وكانت بأيديهم من أيام السلطان ملكشاه (٢)، ولم يقدر نور الدين على أخذها إلا بعد أن أسر صاحبها المذكور بنو كلاب، وأحضروه إلى نور الدين فاجتهد به على تسليمها، فلم يفعل، فأرسل عسكرا تقدمهم فخر الدين مسعود بن [أبي] (٣) علي الزعفراني (١) وردفه بعسكر آخر مع مجد الدين أبي بكر بن الداية وكان رضيع نور الدين، وحصروا قلعة جعبر فلم يظفروا فيها بشيء، ولم يزالوا على صاحبها مالك حتى سلّمها وأخذ عوضها مدينة سروج (٤) مع أعمالها والملّوحة (٥) من بلد حلب، وعشرين ألف دينار معجلة، وباب بزاعة. وفيها في ربيع الأول، سار أسد الدين شير كوه بن شاذي إلى ديار مصر ومعه العساكر النورية، وسبب ذلك تمكن الفرنج من الديار المصرية وتحكمهم على المسلمين بها، حتى ملكوا بلبيس قهرا في مستهلّ صفر هذه السنة، وقتلوا كلّ من فيها، ثم ساروا من بلبيس ونزلوا على القاهرة عاشر صفر وحاصروها وأحرق

стр. 8358

شاور مدينة مصر خوفا من أن يملكها الفرنج وأمر أهلها وأنقلهم إلى القاهرة فبقيت النار تعمل أربعة وخمسين يوما، فأرسل العاضد الخليفة إلى نور الدين يستغيث به، وأرسل في الكتب شعور النساء، وصانع شاور الفرنج على ألف ألف دينار يحملها إليهم، فحمل إليهم مئة ألف دينار، وسألهم أن يرحلوا عن القاهرة ليقدر على جمع المال، فرحلوا (١)، وجهز نور الدين العسكر مع شير كوه (٤٦) وأنفق فيهم المال وأعطى شير كوه مئتي ألف دينار سوى الخيل والدواب والأسلحة، وأرسل معه عدة أمراء منهم ابن أخيه صلاح الدين يوسف بن أيوب على كره منه. أحبّ نور الدين مسير صلاح الدين وفيه ذهاب الملك من بيته، وكره صلاح الدين المسير وفيه سعادته ﴿وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾ (٢)، ولما قرب شير كوه من مصر رحل الفرنج على أعقابهم إلى بلادهم، وكان هذا لمصر فتحا جديدا، ووصل أسد الدين شير كوه إلى القاهرة في رابع ربيع الآخر، واجتمع بالعاضد، وخلع عليه وعاد إلى خيامه بالخلعة العاضدية، وأجرى عليه وعلى عسكره الإقامات الوافرة، وشرع شاور يماطل شير كوه فيما بذله لنور الدين من تقرير المال وإفراد ثلث البلاد له، ومع ذلك [فكان] (٣) شاور يركب كلّ يوم إلى أسد الدين شير كوه ويعده ويمنّيه ﴿وَما يَعِدُهُمُ اَلشَّيْطانُ إِلّا غُرُوراً﴾ (٤)، ثم إنّ شاور عزم على أن يعمل دعوة لشير كوه

стр. 8359

وأمرائه ويقبض عليهم فمنعه ابنه الكامل (١) بن شاور من ذلك، ولما رأى عسكر نور الدين من شاور ذلك عزموا على قتله، واتفق على ذلك صلاح الدين يوسف وعزّ الدين جرديك (٢) وغيرهما، وعرفوا شير كوه بذلك فنهاهم عنه، واتفق أن شاور قصد شير كوه على عادته فلم يجده في المخيم وكان قد مضى لزيارة قبر الإمام الشافعي ﵁ فلقي صلاح الدين وجرديك شاورا وأعلماه برواح (٤٧) شير كوه إلى الزيارة، فساروا جميعا إلى شير كوه، فوثب صلاح الدين وجرديك [ومن معهما] (٣) على شاور ورموه عن فرسه إلى الأرض، وأمسكوه في سابع ربيع الآخر (٤) هذه السنة، فهرب أصحابه عنه وأرسلوا أعلموا شير كوه يطلب منه إنقاذ رأس شاور فقتله وأنفذ رأسه إلى العاضد، ودخل عند ذلك شير كوه إلى قصر العاضد فخلع عليه [خلع الوزارة] (٥) ولقبه الملك المنصور أمير الجيوش، وسار بالخلع إلى دار الوزارة وهي التي كان فيها شاور واستقرّ في الأمر، وكتب له منشور (٦) بالإنشاء الفاضليّ، وكتب له بعد البسملة:

стр. 8360

«من عبد الله ووليّه الإمام العاضد لدين الله أمير المؤمنين إلى السيد الأجلّ الملك المنصور سلطان الجيوش وليّ الأئمة مجير الأمة [أسد الدين] (١) أبي الحارث شير كوه العاضديّ عضّد الله به الدين، وأمتع [بطول بقائه] (٢) أمير المؤمنين، وأدام قدرته، وأعلى كلمته، سلام عليك فإنا نحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو ونسأله أن يصلّي على محمد خاتم النبيين وسيد المرسلين وعلى آله الطاهرين والأئمة المهديين وسلّم تسليما». ثم ذكر تفويض أمور الخلافة إليه ووصايا، وكتب العاضد بخطّه على طرة المنشور: «هذا عهد لم يعهد لوزير بمثله، فنقلّد أمانة رآك أمير المؤمنين أهلا لحملها، [فخذ] (٣) كتاب أمير المؤمنين بقوة، وأسحب ذيل الفخار، بأن اعتزت (٤٨) خدمتك [إلى] (٤) بنوة النبوة [واتخذه للفوز سبيلا] (٤)». ومدحت الشعراء أسد الدين، ووصل إليه من الشام مديح العماد الكاتب قصيدة أولها (٥): <البسيط> بالجدّ أدركت ما أدركت لا اللعب … كم [راحة] (٦) جنيت من دوحة التّعب يا شير كوه بن شاذي الملك دعوة من … نادى [فعرّف] (٧) خير ابن لخير أب

стр. 8361

جرى الملوك وما حازوا بركضهم … من المدى في العلا ما حزت بالخبب تملّ من ملك مصر رتبة قصرت … عنها الملوك فطالت سائر الرتب قد أمكنت أسد الدين الفريسة من … فتح البلاد فبادر نحوها وثب وفي شير كوه وقتل شاور يقول عرقلة الدمشقي (١): <الطويل> لقد فاز بالملك العقيم خليفة … له شير كوه العاضديّ وزير هو الأسد الضاري الذي حلّ خطبه … وشاور كلب للرجال عقور بغى وطغى حتى لقد قال صحبه … على مثلها كان اللعين يدور فلا رحم الرحمن تربة قبره … ولا زال فيها منكر ونكير فأما الكامل بن شاور، فإنه لما قتل أبوه دخل القصر وكان آخر العهد به. ولما لم سبق لأسد الدين شيركوه منازع أتاه أجله ﴿حَتّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً﴾ (٢) فتوفّي يوم السبت الثاني والعشرين من جمادى الآخرة سنة أربع وستين وخمس مئة، وكانت ولايته شهرين وخمسة أيام (٣). وكان شيركوه وأيوب [ابنا] (٤) شاذي من بلد دوين (٥)، قال ابن الأثير: وأصلهما (٤٩) من الأكراد الرواديّة (٦)، فقصدا العراق وخدما بهروز (٧)

стр. 8362

شحنة السلجوقية ببغداد، وكان أيوب أكبر من شير كوه فجعله بهروز مستحفظا قلعة تكريت، ولما انكسر عماد الدين زنكي من عسكر الخليفة (١) ومرّ على تكريت خدمه أيوب وشير كوه، ثم إن شير كوه قتل إنسانا بتكريت فأخرجهما بهروز من تكريت فلحقا بخدمة عماد الدين زنكي فأحسن إليهما وأعطاهما إقطاعات جليلة، ولما ملك عماد الدين قلعة بعلبك جعل أيوب مستحفظا عليها فلما حاصره عسكر دمشق بعد موت زنكي سلّمها أيوب إليهم عن إقطاع كبير، وبقي أيوب من أكبر أمراء عسكر دمشق، وبقي شير كوه مع نور الدين محمود بعد قتل أبيه زنكي وأقطعه نور الدين حمص والرّحبة لما رأى من شجاعته، وزاده عليهما، وجعله مقدم عسكره، فلما أراد نور الدين ملك دمشق أمر شير كوه فكاتب أخاه أيوب فساعد نور الدين على فتح دمشق، وبقيا معه إلى أن أرسل شير كوه إلى مصر مرة بعد ما جرى حتى ملكها، وتوفّي هذه السنة على ما ذكرناه. ولما توفي شير كوه كان معه صلاح الدين يوسف بن أخيه أيوب، وكان قد سار معه على كره، قال صلاح الدين: أمرني نور الدين بالمسير مع عمي شير كوه، وكان قد قال شير كوه بحضرته لي: تجهز يا يوسف للمسير، فقلت: والله لو أعطيت ملك مصر ما سرت إليها، فلقد قاسيت بالإسكندرية ما لا أنساه أبدا (٥٠) فقال لنور الدين: لا بدّ من مسيره معي فأمرني نور الدين وأنا أستقيل، وقال نور الدين: لابد من مسيرك مع

стр. 8363

عمك، فشكوت الضائقة، فأعطاني ما تجهزت به فكأنما أساق إلى الموت. ولما مات شير كوه طلب جماعة من الأمراء النورية التقدم على العسكر وولاية الوزارة العاضدية، منهم عين الدولة الياروقي (١)، وقطب الدين المنبجي، وسيف الدين علي بن أحمد المشطوب الهكّاري (٢)، وشهاب الدين محمود الحارمي (٣) خال صلاح الدين، فأرسل العاضد طلب صلاح الدين وولاه الوزارة، ولقبه الملك الناصر، فلم يطعه الأمراء المذكورون، وكان مع صلاح الدين الفقيه عيسى الهكّاري (٤)، فسعى مع المشطوب حتى أماله إلى صلاح الدين، ثم قصد الحارمي، وقال: هذا ابن أختك وعزه وملكه لك فمال إليه أيضا، ثم فعل بالباقين كذلك، فكلهم أطاع غير عين الدولة الياروقي، فإنه قال: أنا لا أخدم يوسف، وعاد إلى نور الدين بالشام، وثبت قدم صلاح الدين على أنه نائب لنور الدين. وكان نور الدين يكاتبه بالأمير الأسفهسلار (٥) ويكتب علامته على رأس

стр. 8364

الكتاب تعظيما أن يكتب اسمه، وكان لا يفرده بكتاب بل: الأمير صلاح الدين وكافة الأمراء بالديار المصرية يفعلون كذا وكذا، ثم أرسل صلاح الدين يطلب من نور الدين أباه أيوب وأهله فأرسلهم نور الدين إليه فأعطاهم الإقطاعات بمصر، وتمكن من البلاد، وضعف أمر (٥١) العاضد (١). ولما فوّض الأمر إلى صلاح الدين تاب عن شرب الخمر، وأعرض عن أسباب اللهو، وتقمص لباس الجد، ودام على ذلك إلى أن توفاه الله . قال ابن الأثير في «الكامل»: رأيت أكثر ما يقع ممن ابتدئ الملك منه ينتقل إلى غير عقبه، فإنّ معاوية تغلب وملك فانتقل الملك إلى بني مروان بعده، ثم ملك السفاح من بني العباس فانتقل الملك إلى بني أخيه المنصور، ثم السامانية (٢) أول من استبد بالملك منهم نصر بن أحمد (٣)، فانتقل الملك إلى عقب أخيه إسماعيل (٤)، ثم عماد الدولة ابن بويه (٥)، ملك فانتقل الملك إلى بني أخيه ركن الدولة (٦)، ثم ملك طغرلبك

стр. 8365

السلجوقي (١) فانتقل الملك إلى بني أخيه جقر (٢)، ثم شير كوه ملك فانتقل الملك إلى ابن أخيه صلاح الدين، ولما قام صلاح الدين بالملك لم يبق الملك في عقبه بل انتقل إلى بني العادل أبي بكر (٣) ولم يبق لأولاد صلاح الدين غير حلب، وكان سبب ذلك كثرة قتل من يتولى أولا وأخذه الملك وعيون أصحابه فيه فيحرم على عقبه ذلك (٤). ولما استقر قدم صلاح الدين في الوزارة قتل مؤتمن الخلافة (٥) وهو مقدم السودان، فاجتمعت السودان وهم حفاظ القصر في عدد كبير وجرى بينهم وبين صلاح الدين وعسكره وقعة عظيمة بين القصرين (٦)، فانهزم السودان، وقتل منهم خلق كثير، وتبعهم صلاح الدين فأجلاهم قتلا وتهجيجا، وحكم صلاح الدين على القصر، وأقام فيه بهاء الدين قراقوش الأسدي (٧) وكان خصيا أبيض،

стр. 8366

وبقي لا (٥٢) يجري في القصر صغيرة ولا كبيرة إلا بأمر صلاح الدين. وفيها، كان بين إينانج السّنجري صاحب الري وبين إلدكز حرب انتصر فيها إلدكز وملك الري وهرب إينانج وانحصر في بعض القلاع فبعث إلدكز، ورغب غلمان إينانج في الإقطاعات إن قتلوا إينانج فقتلوه (١) ولحقوا بإلدكز [فلم يف لهم وقال:] (٢)، فإن مثل هؤلاء لا ينبغي الإبقاء عليهم، فهربوا إلى البلاد، ولحقوا بخوارزم شاه (٣)، فصلب الذي تولى منهم قتل إينانج لخيانته أستاذه. وفيها، توفي ياروق <بن> أرسلان التركماني (٤)، وكان مقدما كبيرا، وإليه تنسب الطائفة الياروقية من التركمان، وكان عظيم الخلقة، سكن بظاهر حلب، وبنى على شاطئ قويق هو وأتباعه عمائر كثيرة، وتعرف الآن بالياروقية (٥) مشهورة هناك.

стр. 8367

وفي سنة خمس وستين وخمس مئة (١٣) سارت الفرنج إلى دمياط وحصروها، وشحنها صلاح الدين بالرجال والسلاح والذخائر، وأخرج عن ذلك أموالا عظيمة، فحصروها خمسين يوما، وخرج نور الدين فأغار على بلادهم بالشام، فرحلوا عائدين على أعقابهم ولم يظفروا بشيء منها. قال صلاح الدين: ما رأيت أكرم من العاضد، أرسل إلي مدة مقام الفرنج على دمياط ألف ألف دينار مصرية، سوى الدواب (١) وغيرها. وفيها، سار نور الدين وحاصر الكرك مدة ثم رحل عنها. وفيها، كانت زلزلة عظيمة خربت الشام، فقام نور الدين في عمارة الأسوار وحفظ البلاد أتم قيام، وكذلك خربت بلاد الفرنج، فخافوا من نور الدين، واشتغل كل منهم (٥٣) بعمارة ما يليه من بلاده عن قصد بلاد غيره. وفيها، في ذي الحجة مات قطب الدين مودود بن زنكي بن آقسنقر (٢) صاحب الموصل، وكان مرضه حمى حادة، ولما مات صرف أرباب الدولة الملك عن ابنه الأكبر عماد الدين زنكي بن مودود بن زنكي (٣) إلى أخيه الذي هو

стр. 8368

أصغر منه سيف الدين غازي بن مودود (١)، فسار عماد الدين زنكي إلى عمه نور الدين مستنصرا به، وتوفي قطب الدين وعمره أربعون سنة، وكانت مدة ملكه إحدى وعشرين سنة وخمسة أشهر ونصفا، وكان من أحسن الملوك سيرة. وفيها، توفي الملك طغرلبك بن [قاورت] (٢) بيك صاحب كرمان، واختلف أولاده بهرام شاه وأرسلان شاه وهو الأكبر، واستنجد كل منهما وطلب الملك، فاتفق موت أرسلان شاه في تلك المدة، فاستقر بهرام شاه في ملك كرمان (٣). وفيها، توفي مجد الدين أبو بكر بن الداية (٤) رضيع نور الدين، وكانت حلب وحارم وقلعة جعبر إقطاعه، فأقرّ نور الدين أخاه عليا (٥) على إقطاعه. وفي سنة ست وستين وخمس مئة (١٣) في تاسع ربيع الآخر توفي الخليفة المستنجد أبو المظفر يوسف بن المقتفي (٦)، وكان سبب موته أنه مرض، واشتد مرضه، وكان قد خاف منه أستاذ داره عضد

стр. 8369

الدين أبو الفرج بن رئيس الرؤساء (١)، وقطب الدين قيماز المقتفوي (٢) وهو حينئذ أكبر أمراء بغداد فاتفقا ووضعا للطبيب على أن يصف له ما يهلكه، فوصف له دخول الحمام، فامتنع منه لضعفه، ثم إنه (٥٤) دخلها وغلق عليه الباب فمات، فلما مات أحضر عضد الدين وقطب الدين: المستضيء بالله [أبا] (٣) محمد الحسن بن المستنجد بالله (٤) وهو ثالث ثلاثي خلفاء بني العباس ﵀ وشرطا عليه شروطا أن يكون عضد الدين وزيرا، وابنه كمال الدين أستاذ دار <هـ>، وقطب الدين أمير العسكر، فأجابهم إلى ذلك، ولم يل الخلافة من اسمه الحسن غيره وغير الحسن بن علي ﵄، وبايعوا المستضيء بالله بالخلافة يوم موت أبيه بيعة خاصة، وفي غده بيعة عامة. وفيها، سار نور الدين محمود بن زنكي إلى الموصل وهي بيد ابن أخيه غازي ابن مودود فاستولى عليها نور الدين وملكها، فلما ملكها أطلق المكوس منها،

стр. 8370

وقرر أمورها، ثم وهبها لابن أخيه غازي المذكور، وأعطى سنجار لعماد الدين زنكي بن مودود وهو أكبر من أخيه سيف الدين غازي، فقال له كمال الدين الشّهرزوري (١): هذا طريق إلى أذى يحصل للبيت الأتابكي، لأن عماد الدين كبير لا يرى طاعة أخيه غازي وهو صغير، وسيف الدين غازي هو الملك لا يرى الإغضاء لعماد الدين فيحصل الخلف ويطمع الأعداء. وفيها، سار صلاح الدين عن مصر فغزا الفرنج قرب عسقلان والرملة، وعاد إلى مصر ثم رجع إلى أيلة وحصرها، وهي للفرنج على ساحل البحر الشرقي، ونقل إليها المراكب، وحصرها برا وبحرا وفتحها في العشر الأول من ربيع [الآخر] (٢)، واستباح أهلها وما فيها (٣)، وعاد إلى مصر ولما (٥٥) استقر بمصر كان بها دار للشّحنة تسمى دار المعونة يحبس فيها (٤) [من يريد حبسه] (٥) فهدمها صلاح الدين وبناها مدرسة للشافعية، وكذلك بنى دار الغزل (٦) مدرسة [للمالكية] (٧) وعزل قضاة المصريين، وكانوا شيعة، ورتب قضاة شافعية، وذلك
следующие страницы →