وبقي لا (٥٢) يجري في القصر صغيرة ولا كبيرة إلا بأمر صلاح الدين.
وفيها، كان بين إينانج السّنجري صاحب الري وبين إلدكز حرب انتصر فيها إلدكز وملك الري وهرب إينانج وانحصر في بعض القلاع فبعث إلدكز، ورغب غلمان إينانج في الإقطاعات إن قتلوا إينانج فقتلوه (١) ولحقوا بإلدكز [فلم يف لهم وقال:] (٢)، فإن مثل هؤلاء لا ينبغي الإبقاء عليهم، فهربوا إلى البلاد، ولحقوا بخوارزم شاه (٣)، فصلب الذي تولى منهم قتل إينانج لخيانته أستاذه.
وفيها، توفي ياروق <بن> أرسلان التركماني (٤)، وكان مقدما كبيرا، وإليه تنسب الطائفة الياروقية من التركمان، وكان عظيم الخلقة، سكن بظاهر حلب، وبنى على شاطئ قويق هو وأتباعه عمائر كثيرة، وتعرف الآن بالياروقية (٥) مشهورة هناك.
стр. 8367
وفي سنة خمس وستين وخمس مئة (١٣)
سارت الفرنج إلى دمياط وحصروها، وشحنها صلاح الدين بالرجال والسلاح والذخائر، وأخرج عن ذلك أموالا عظيمة، فحصروها خمسين يوما، وخرج نور الدين فأغار على بلادهم بالشام، فرحلوا عائدين على أعقابهم ولم يظفروا بشيء منها.
قال صلاح الدين:
ما رأيت أكرم من العاضد، أرسل إلي مدة مقام الفرنج على دمياط ألف ألف دينار مصرية، سوى الدواب (١) وغيرها.
وفيها، سار نور الدين وحاصر الكرك مدة ثم رحل عنها.
وفيها، كانت زلزلة عظيمة خربت الشام، فقام نور الدين في عمارة الأسوار وحفظ البلاد أتم قيام، وكذلك خربت بلاد الفرنج، فخافوا من نور الدين، واشتغل كل منهم (٥٣) بعمارة ما يليه من بلاده عن قصد بلاد غيره.
وفيها، في ذي الحجة مات قطب الدين مودود بن زنكي بن آقسنقر (٢) صاحب الموصل، وكان مرضه حمى حادة، ولما مات صرف أرباب الدولة الملك عن ابنه الأكبر عماد الدين زنكي بن مودود بن زنكي (٣) إلى أخيه الذي هو
стр. 8368
أصغر منه سيف الدين غازي بن مودود (١)، فسار عماد الدين زنكي إلى عمه نور الدين مستنصرا به، وتوفي قطب الدين وعمره أربعون سنة، وكانت مدة ملكه إحدى وعشرين سنة وخمسة أشهر ونصفا، وكان من أحسن الملوك سيرة.
وفيها، توفي الملك طغرلبك بن [قاورت] (٢) بيك صاحب كرمان، واختلف أولاده بهرام شاه وأرسلان شاه وهو الأكبر، واستنجد كل منهما وطلب الملك، فاتفق موت أرسلان شاه في تلك المدة، فاستقر بهرام شاه في ملك كرمان (٣).
وفيها، توفي مجد الدين أبو بكر بن الداية (٤) رضيع نور الدين، وكانت حلب وحارم وقلعة جعبر إقطاعه، فأقرّ نور الدين أخاه عليا (٥) على إقطاعه.
وفي سنة ست وستين وخمس مئة (١٣)
في تاسع ربيع الآخر توفي الخليفة المستنجد أبو المظفر يوسف بن المقتفي (٦)، وكان سبب موته أنه مرض، واشتد مرضه، وكان قد خاف منه أستاذ داره عضد
стр. 8369
الدين أبو الفرج بن رئيس الرؤساء (١)، وقطب الدين قيماز المقتفوي (٢) وهو حينئذ أكبر أمراء بغداد فاتفقا ووضعا للطبيب على أن يصف له ما يهلكه، فوصف له دخول الحمام، فامتنع منه لضعفه، ثم إنه (٥٤) دخلها وغلق عليه الباب فمات، فلما مات أحضر عضد الدين وقطب الدين:
المستضيء بالله [أبا] (٣) محمد الحسن بن المستنجد بالله (٤) وهو ثالث ثلاثي خلفاء بني العباس ﵀
وشرطا عليه شروطا أن يكون عضد الدين وزيرا، وابنه كمال الدين أستاذ دار <هـ>، وقطب الدين أمير العسكر، فأجابهم إلى ذلك، ولم يل الخلافة من اسمه الحسن غيره وغير الحسن بن علي ﵄، وبايعوا المستضيء بالله بالخلافة يوم موت أبيه بيعة خاصة، وفي غده بيعة عامة.
وفيها، سار نور الدين محمود بن زنكي إلى الموصل وهي بيد ابن أخيه غازي ابن مودود فاستولى عليها نور الدين وملكها، فلما ملكها أطلق المكوس منها،
стр. 8370
وقرر أمورها، ثم وهبها لابن أخيه غازي المذكور، وأعطى سنجار لعماد الدين زنكي بن مودود وهو أكبر من أخيه سيف الدين غازي، فقال له كمال الدين الشّهرزوري (١): هذا طريق إلى أذى يحصل للبيت الأتابكي، لأن عماد الدين كبير لا يرى طاعة أخيه غازي وهو صغير، وسيف الدين غازي هو الملك لا يرى الإغضاء لعماد الدين فيحصل الخلف ويطمع الأعداء.
وفيها، سار صلاح الدين عن مصر فغزا الفرنج قرب عسقلان والرملة، وعاد إلى مصر ثم رجع إلى أيلة وحصرها، وهي للفرنج على ساحل البحر الشرقي، ونقل إليها المراكب، وحصرها برا وبحرا وفتحها في العشر الأول من ربيع [الآخر] (٢)، واستباح أهلها وما فيها (٣)، وعاد إلى مصر ولما (٥٥) استقر بمصر كان بها دار للشّحنة تسمى دار المعونة يحبس فيها (٤) [من يريد حبسه] (٥)
فهدمها صلاح الدين وبناها مدرسة للشافعية، وكذلك بنى دار الغزل (٦) مدرسة [للمالكية] (٧) وعزل قضاة المصريين، وكانوا شيعة، ورتب قضاة شافعية، وذلك
стр. 8371
في العشرين من جمادى الآخرة.
وكذلك اشترى تقي الدين عمر (١) ابن أخي صلاح الدين منازل العز (٢)
وبناها مدرسة للشافعية.
وفي سنة سبع وستين وخمس مئة (١٣)
ثاني جمعة من المحرم قطعت خطبة العاضد لدين الله أبي محمد عبد الله، وكان سبب الخطبة العباسية بمصر أنه لما تمكن صلاح الدين من مصر وحكم على القصر وأقام فيه قراقوش الأسدي وكان خصيا أبيض، وبلغ نور الدين ذلك، فأرسل إلى صلاح الدين يأمره بقطع الخطبة العلوية وإقامة الخطبة العباسية فراجعه صلاح الدين في ذلك خوف الفتنة، فلم يلتفت نور الدين إلى ذلك وأصر عليه، وكان العاضد قد مرض، فأمر صلاح الدين الخطباء أن يخطبوا للمستضيء ويقطعوا خطبة العاضد فامتثلوا ذلك، ولم تنتطح فيها عنزان، وكان العاضد قد اشتد مرضه فلم يعلمه أحد من أهله بقطع خطبته فتوفي العاضد يوم عاشوراء (٣)، ولم يعلم بقطع خطبته.
ولما توفي جلس صلاح الدين للعزاء واستولى على قصر الخلافة، وعلى جميع ما فيه، وكان [من] (٤) كثرته يخرج عن الإحصاء، وكان فيه أشياء نفيسة من
стр. 8372
الأعلاق والكتب والتحف (٥٦) فمن ذلك الحبل الياقوت، وكان وزنه سبعة عشر درهما [أو سبعة عشر مثقالا] (١)، قال ابن الأثير في «الكامل»:
أنا رأيته ووزنته، ومما حكي أنه كان بالقصر طبل للقولنج إذا ضرب به الإنسان ضرط فكسر ولم يعلموا به إلا بعد ذلك، ونقل [صلاح الدين أهل] (٢)
العاضد إلى موضع من القصر، ووكل بهم من يحفظهم، وأخرج جميع من فيه من عبد وأمة فباع البعض وعتق البعض ووهب البعض، وخلا القصر من سكانه كأن لم يغن بالأمس، ولما اشتد مرض العاضد أرسل إلى صلاح الدين يستدعيه، فظن ذلك خديعة فلم يمض إليه، فلما توفي علم صدقه، وندم على تخلفه عنه، وجميع مدة خلافتهم من حين ظهر المهدي بسجلماسة في ذي الحجة سنة ست وتسعين ومئتين (٣) إلى أن توفي العاضد في هذه السنة سنة سبع وستين وخمس مئة، مئتان واثنتان وسبعون سنة تقريبا، وهذا دأب الدنيا لم تعط إلا واستردت، ولم تحل إلا وتمررت، ولم تصف إلا وتكدرت، بل صفوها لا يخلو من الكدر.
ولما وصل خبر الخطبة العباسية بمصر إلى بغداد ضربت البشائر ستة أيام، وسيرت الخلع مع عماد الدين صندل (٤) وهو من خواص الخدم المقتفوية إلى نور الدين وصلاح الدين والخطباء، وسيرت الأعلام السود (٥).
وكان العاضد قد رأى مناما أن عقربا خرجت من مسجد بمصر معروف ذلك
стр. 8373
المسجد للعاضد ولرعيته فاستيقظ العاضد مرعوبا واستدعى ممن يعبر الرؤيا وقصه عليه فعبر له بوصول (٥٧) أذى إليه من شخص بذلك المسجد، فتقدم العاضد إلى والي مصر بإحضار أهل ذلك المسجد فأحضر إليه شخصا صوفيا يقال له نجم الدين [الخبوشاني] (١)، فاستخبره العاضد عن مقدمه وسبب مقامه بذلك المسجد وأخبره بالصحيح في ذلك، ورآه العاضد أضعف من أن يناله بمكروه فأمر له بمال، وقال: أدع لنا يا شيخ، وأمره بالانصراف، فلما أراد السلطان صلاح الدين إزالة الدولة العلوية استفتى الفقهاء [في ذلك، فأفتاه جماعة من الفقهاء] (٢)، وكان نجم الدين الخبوشاني المذكور من جملتهم فبالغ في الفتيا وصرح بتعديد مساوئهم، وسلب عنهم الإيمان وأطال الكلام فوق ذلك فصح به رؤيا العاضد.
وفيها، وقع بين نور الدين وصلاح الدين وحشة في الباطن، فإن صلاح الدين سار ونازل الشّوبك وهي للفرنج، ثم رحل عنه خوفا أن يأخذه ولم يبق ما يعوق نور الدين عن قصد مصر فتركه ولم يفتحه لذلك، وبلغ نور الدين ذلك فكتمه، وتوحش خاطره لذلك، ولما استقر صلاح الدين بمصر جمع أقاربه وكبراء دولته وقال: بلغني أن نور الدين يقصدنا فما الرأي؟ فقال تقي الدين عمر ابن أخيه نقاتله ونصده، وكان ذلك بحضرة أبيهم نجم الدين أيوب، فأنكر على تقي الدين ذلك، وقال: أنا والدكم لو رأيت نور الدين نزلت وقبلت الأرض بين يديه، بل اكتب وقل لنور الدين، لو جاءني إنسان واحد من عندك وربط المنديل في
стр. 8374
عنقي وجرني إليك سارعت إليك (٥٨) وانفضوا على ذلك، ثم اجتمع أيوب بابنه صلاح الدين خلوة، وقال: لو قصدنا نور الدين أنا كنت أول من يمنعه ويقاتله، ولكن إذا أظهرنا ذلك يترك نور الدين جميع ما هو فيه ويقصدنا ولا ندري ما يكون من ذلك فإن جميع عسكرنا إنما هم أمراء نور الدين وغلمانه، وإن أظهرنا الطاعة تمادى الوقت بما يحصل به الكفاية من عند الله تعالى فكان كما قال.
وفيها، توفي الأمير محمد بن مردنيش (١) صاحب شرقي بلاد الأندلس وهي مرسبة وبلنسية (٢) وغيرهما، فقصد أولاده أبا يعقوب يوسف بن عبد المؤمن ملك المغرب وسلموا إليه بلادهم (٣)، فسرّ بذلك يوسف وتسلمها منهم، وتزوج أختهم وأكرمهم، ووصلهم بالأموال الجزيلة، وكان قد قصدهم يوسف المذكور في مئة ألف مقاتل فأجابوا بدون قتال كما ذكرنا.
وفيها، عبر الخطا نهر جيحون فجمع خوارزم شاه أرسلان بن أطسز بن محمد ابن أنوش تكين عساكره، وسار إلى لقائهم فمرض ورجع مريضا، وأرسل عسكرا مع بعض المقدمين فقاتلوا الخطا فانهزم عسكر خوارزم شاه، وأسر مقدمهم، ورجع الخطا إلى بلادهم بعد ذلك.
وفيها، اتخذ نور الدين بالشام الحمام الهوادي ويسمى المناسيب لنقل البطائق والأخبار. وفيها، عزل المستضيء وزيره عضد الدين بن رئيس الرؤساء مكرها لأن قطب الدين قيماز ألزمه بعزله فلم يمكنه مخالفته.
стр. 8375
وفي (٥٩) سنة ثمان وستين وخمس مئة (١٣)
توفي خوارزم شاه أرسلان بن أطسز بن محمد بن أنوش تكين (١)، وكان قد عاد من قتال الخطا مريضا، ولما مات ملك بعده ابنه الصغير سلطان شاه محمود (٢)، ودبرت والدته (٣) المملكة، وكان ابنه الأكبر علاء الدين تكش مقيما بجند قد أقطعه أبوه إياها، فلما بلغه موت أبيه وولاية أخيه الصغير أنف من ذلك، واستنجد بالخطا وسار إلى أخيه سلطان شاه وطرده ثم إن سلطان شاه قصد ملوك الأطراف واستنجدهم على أخيه تكش وطرده، وكانت الحرب بينهم سجالا حتى مات سلطان شاه في سنة تسع وثمانين وخمس مئة، واستقر تكش في ملك خوارزم.
وفي تلك الحروب بين الأخوين قتل المؤيد آي به السّنجري (٤)، قتله تكش صبرا، وملك بعده ابنه طغان شاه بن المؤيد أي به (٥).
وفيها، سار شمس الدولة توران شاه بن أيوب [أخو] (٦) صلاح الدين الأكبر من مصر إلى النّوبة للتغلب عليها، فلم تعجبه تلك البلاد، فغنم وعاد إلى مصر.
стр. 8376
وفيها، توفي شمس الدين إلدكز (١) بهمذان وملك بعده ابنه محمد البهلوان، ولم يختلف عليه أحد، وكان إلدكز هذا مملوكا للكمال السّميرمي (٢)، وزير السلطان محمود ثم صار للسلطان محمود، فلما ولي مسعود ولاه وكبره حتى صار ملك أزربيجان وغيرها من بلاد الجبل وأصبهان والري، وكان عسكره خمسين ألف فارس، وكان يخطب في بلاده (٦٠) بالسلطنة للسلطان أرسلان ابن طغريل (٣) ولم يكن لأرسلان معه حكم، وكان إلدكز حسن السيرة.
وفيها، سارت طائفة من الترك من ديار مصر مع مملوك لتقي الدين عمر ابن شاهنشاه بن أيوب اسمه قراقوش (٤) إلى أفريقية، ونزلوا على طرابلس الغرب فحاصروها مدة، ثم فتحها قراقوش واستولى عليها، وملك كثيرا من بلاد أفريقية.
وفيها، غزا أبو يعقوب يوسف بن عبد المؤمن بلاد الإفرنج من الأندلس.
وفيها، سار نور الدين محمود بن زنكي إلى بلاد قليج أرسلان بن مسعود، واستولى على مرعش وبهسنا ومرزبان وسيواس، فأرسل إليه قليج أرسلان يستعطفه ويسأل الصلح، فقال نور الدين: لا أرضى إلا أن ترد ملطية على ذي النون بن الدانشمند، وكان قليج أرسلان قد أخذها منه، فبذل له سيواس واصطلح مع نور الدين، فلما مات نور الدين عاد قليج أرسلان واستولى على
стр. 8377
سيواس، وطرد عنها ذا النون بن الدانشمند.
وفيها، سار صلاح الدين من مصر إلى الكرك وحصرها، وكان قد واعد نور الدين أن يجتمعا على الكرك فخاف صلاح الدين من الاجتماع بنور الدين، وكان نور الدين قد وصل إلى الرقيم وهو بالغرب من الكرك، فرحل صلاح <الدين> عن الكرك عائدا إلى مصر، وأرسل تحفا إلى نور الدين واعتذر أن أباه مرض وهو يخشى موته فتذهب مصر، فقبل نور الدين عذره في الظاهر، وعلم المقصود في الباطن.
ولما وصل (٦١) صلاح الدين إلى مصر وجد أباه نجم الدين أيوب بن شاذي قد مات، وكان سبب موته أنه ركب بمصر فنفرت به فرسه، فوقع وحمل إلى قصره فبقي أياما ومات في السابع والعشرين من ذي الحجة من هذه السنة (١)
وفي سنة تسع وستين وخمس مئة (١٣)
ملك توران شاه اليمن، وكان صلاح الدين وأهله خائفين من نور الدين فاتفق رأيهم على تحصيل مملكة غير مصر بحيث إن قصدهم نور الدين قاتلوه، فإن هزمهم التجأوا إلى تلك المملكة، فجهز صلاح الدين أخاه شمس الدولة توران شاه بن أيوب إلى النّوبة فلم تعجبه بلادها، ثم سيره في هذه السنة بعسكره إلى اليمن (٢)، وكان صاحب اليمن حينئذ عبد النبي المقدم ذكره في سنة أربع وخمسين وخمس مئة، فجهز توران شاه ووصل اليمن وجرى بينه وبين
стр. 8378
عبد النبي قتال، فانتصر توران شاه وهزم عبد النبي، وهجم زبيد <ا> وملكها، وأسر عبد النبي، ثم قصد عدن وكان صاحبها اسمه ياسر (١) فخرج لقتال توران
стр. 8379
شاه فهزمه توران شاه، وهجم عدن وملكها وأسر ياسر <ا> واستولى توران شاه على بلاد اليمن، واستقرت في ملك صلاح الدين، واستولى على أموال عظيمة من عبد النبي، وكذلك من عدن.
وفيها، في رمضان صلب صلاح الدين جماعة من أعيان المصريين، فإنهم قصدوا الوثوب عليه وإعادة الدولة العلوية، فعلم بهم وصلبهم عن آخرهم، فمنهم عبد الصمد الكاتب، والقاضي (٦٢) العويرس، وداعي الدعاة، وعمارة بن علي اليمني (١).
وفي هذه السنة توفي الملك العادل نور الدين محمود بن عماد الدين زنكي ابن آقسنقر صاحب الشام وديار الجزيرة وغير ذلك يوم الأربعاء حادي عشر شوال بعلة الخوانيق بقلعة دمشق المحروسة، وكان نور الدين قد شرع بتجهيز الدخول إلى مصر وأخذها من صلاح الدين وكان يريد أن يخلي ابن أخيه سيف الدين غازي [بن مودود] (٢) بالشام، ويسير هو بنفسه إلى مصر فأتاه أمر الله الذي لا يرد، وكان نور الدين أسمر طويل القامة، ليس له لحية إلا في حنكه، حسن الصورة، وكان قد اتسع ملكه جدا وخطب له بالحرمين واليمن لما ملكها توران شاه بن أيوب، وكذلك كان يخطب له بمصر، وكان مولد نور الدين سنة إحدى عشرة وخمس مئة، وطبق الأرض ذكره بحسن السيرة والعدل (٣)، وكان من الزهد والعبادة على قدر عظيم، وكان يصلي غالب الليل كما قيل: <الكامل>
стр. 8380
جمع الشجاعة والخشوع لربّه … ما أحسن المحراب في المحراب
وكان عارفا بالفقه على مذهب أبي حنيفة وليس عنده تعصب، وهو الذي بنى أسوار مدن الشام مثل دمشق وحماة وحمص وشيزر وبعلبك وغيرها لما تهدمت بالزلازل، وبنى المدارس الكثيرة الحنفية والشافعية، ولا يحتمل هذا «المختصر» (١) ذكر فضائله.
ولما توفي نور الدين قام (٦٣) ابنه الملك الصالح إسماعيل (٢) بالملك بعده وعمره إحدى عشرة سنة، وحلف له العسكر بدمشق وأقام بها، وأطاعه صلاح الدين بمصر وخطب له بها، وضربت له السكة، وكان المتولي لتدبير دولته الأمير شمس الدين محمد بن عبد الملك المعروف بابن المقدم (٣)، ولما مات نور الدين وتولى ولده الملك الصالح سار سيف الدين غازي بن قطب الدين مودود صاحب الموصل وملك جميع البلاد الجزرية.
стр. 8381
وفي سنة سبعين وخمس مئة (١٣)
في أولها اجتمع على رجل من أهل الصعيد يقال له الكنز (١) جمع عظيم، وأظهر الخلاف على صلاح الدين، فأرسل إليه صلاح الدين عسكرا فقتل الكنز وجماعة معه، وانهزم الباقون.
وفي سلخ ربيع الأول ملك صلاح الدين يوسف بن أيوب مدينة دمشق وحمص وحماة، وسببه أن شمس الدين بن الداية المقيم بحلب أرسل سعد الدين كمشتكين (٢) يستدعي الملك الصالح بن نور الدين من دمشق إلى حلب ليكون مقامه بها، فسار الملك الصالح مع سعد الدين إلى حلب، ولما استقر بحلب تمكن كمشتكين وقبض على شمس الدين بن الداية وإخوته، وقبض على الرئيس ابن الخشاب (٣) وإخوته وهو رئيس حلب.
واستبد سعد الدين [كمشتكين] (٤) بتدبير الملك الصالح فخافه ابن المقدم وغيره من أمراء دمشق، فكاتبوا صلاح الدين بن أيوب صاحب مصر، واستدعوه ليملكوه عليهم، فسار صلاح الدين (٦٤) جريدة في سبع مئة فارس، ولم
стр. 8382
يلبث فوصل إلى دمشق وخرج كل من بها من العسكر والتقوه وخدموه ونزل بدار والده أيوب المعروفة بدار العقيقي (١)، وعصت عليه القلعة، وكان فيها من جهة الملك الصالح خادم اسمه ريحان فراسله صلاح الدين واستماله فسلم القلعة إليه فصعد إليها صلاح الدين وأخذ ما فيها من الأموال، ولما ثبت قدمه في دمشق استخلف بها أخاه سيف الإسلام طغتكين بن أيوب (٢).
وسار إلى حمص مستهل جمادى الأولى، وكانت حمص، وحماة، وقلعة بارين (٣)، وسلمية، وتل خالد، والرّها من بلد الجزيرة في إقطاع فخر الدين مسعود بن الزّعفراني فلما مات نور الدين لم يمكن فخر الدين مسعود المقام بحمص وحماة لسوء تدبيره مع الناس، وكانت هذه البلاد له بغير قلاعها فإن قلاعها كان فيها ولاة لنور الدين، وليس لفخر الدين معهم في القلاع حكم إلاّ بارين فإن قلعتها كانت له أيضا، فنزل صلاح الدين على حمص في حادي عشر جمادى الأولى وملك المدينة، وعصت عليه القلعة فترك عليها من يضيق عليها، ورحل إلى حماة فملك مدينتها مستهل جمادى الآخرة من السنة وكان بقلعتها
стр. 8383
الأمير عز الدين جرديك أحد المماليك النورية فامتنع في القلعة، فذكر له صلاح الدين أنه ليس له غرض سوى حفظ بلاد الملك الصالح عليه، وإنما هو نائبه وقصده من جرديك المسير إلى حلب في رسالة فاستحلفه جرديك على ذلك (٦٥) وسار جرديك إلى حلب برسالة من صلاح الدين واستخلف في قلعة حماة أخاه، فلما وصل جرديك إلى حلب قبض عليه كمشتكين وسجنه، فلما علم أخوه بذلك سلم قلعة حماة إلى صلاح الدين فملكها، ثم سار صلاح الدين إلى حلب وحصرها وبها الملك الصالح بن نور الدين فجمع أهل حلب وقاتلوا صلاح الدين وصدوه عن حلب، وأرسل سعد الدين كمشتكين إلى سنان مقدم الإسماعيلية أموالا عظيمة ليقتلوا صلاح الدين، فأرسل سنان جماعة ليقتلوا صلاح الدين ووثبوا على صلاح الدين فقتلوا دونه، واستمر صلاح الدين محاصرا لحلب إلى مستهل رجب، ورحل عنها بسبب نزول الفرنج على حمص، ووصل صلاح الدين إلى حماة ثامن رجب وسار إلى حمص فرحل الفرنج عنها، ووصل صلاح الدين إلى حمص وحصر قلعتها وملكها في حادي عشري شعبان، ثم [سار] (١) إلى بعلبك فملكها.
ولما استقر ملك صلاح الدين لهذه البلاد أرسل الملك الصالح إلى ابن عمه سيف الدين غازي [صاحب الموصل] (٢) يستنجده على صلاح الدين، فجهز جيشه صحبة أخيه مسعود بن مودود بن زنكي (٣) [وجعل] (١) مقدم الجيش عز الدين محمود <ا> المعروف بسلفندار وطلب أخاه الأكبر عماد الدين زنكي بن
стр. 8384
مودود ليسير في الصحبة فامتنع مصانعة لصلاح الدين، فسار سيف الدين غازي وحصره بسنجار، ووصل عسكر الموصل صحبة عز الدين مسعود بن مودود وسلفندار إلى حلب، وانضم (٦٦) إليهم عسكر حلب، وساروا إلى صلاح الدين، فأرسل صلاح الدين يبذل حمص وحماة، وأن تفرد بيده دمشق، ويكون فيها نائبا للملك الصالح، فلم يجيبوه إلى ذلك، وساروا لقتاله، واقتتلوا عند قرون حماة، فانهزم عسكر الموصل وحلب، وغنم صلاح الدين وعسكره أموالهم، وتبعهم صلاح الدين حتى حصرهم بحلب وقطع صلاح الدين حينئذ خطبة الصالح بن نور الدين، وأزال اسمه عن السكة، واستبد بالسلطنة، فراسلوا صلاح الدين في الصلح على أن يكون له ما بيده من الشام، ويكون للملك الصالح ما بقي بيده منها، فصالحهم على ذلك، ورحل عن حلب في العشر الأول من شوال هذه السنة أعني سنة سبعين وخمس مئة.
وفي العشر الآخر من شوال ملك السلطان صلاح الدين بارين وأخذها من صاحبها فخر الدين مسعود بن الزّعفراني، وكان فخر الدين من أكابر الأمراء النورية.
وفيها ملك البهلوان بن إلدكز مدينة تبريز وأخذها من ابن آقسنقر الأحمد يلي.
وفيها، مات شملة التركماني (١) صاحب خوزستان وتولى ولده.
وفيها، وقع بين الخليفة وبين قطب الدين قيماز مقدم عسكر الخليفة ببغداد فتنة، فنهبت دار قيماز، وهرب إلى الحلّة ثم إلى الموصل، فلحقه في الطريق عطش شديد وهلك أكثر أصحابه، ومات هو قبل وصوله إلى الموصل، فحمل
стр. 8385
ودفن بظاهر باب العمادي (١).
ولما هرب (٦٧) قيماز خلع الخليفة على عضد الدين (٢)، وأعاده إلى الوزارة.
سنة إحدى وسبعين وخمس مئة إلى سنة ثمانين وخمس مئة
في سنة إحدى وسبعين وخمس مئة (١٣)
في عاشر شوال كان المصاف بين السلطان صلاح الدين وبين غازي صاحب الموصل بتل السلطان (٣)، فهرب سيف الدين غازي والعساكر التي كانت معه، فإنه كان قد استنجد بصاحب حصن كيفا وصاحب ماردين (٤) وغيرهما، وتمت على سيف الدين الهزيمة حتى وصل إلى الموصل مرعوبا، وقصد الهروب منها إلى بعض القلاع فسكنه وزيره، وأقام بالموصل.
واستولى صلاح الدين على أثقال عسكر الموصل وغيرها وغنم ما فيها، ثم سار صلاح الدين إلى بزاعة فحصرها وتسلمها، ثم سار إلى منبج فحصرها في آخر شوال وصاحبها قطب الدين ينال بن حسان المنبجي وكان شديد البغض لصلاح الدين، وفتحها عنوة، وأسر ينال وأخذ جميع موجوده ثم أطلقه، فسار ينال إلى الموصل فأقطعه سيف الدين غازي مدينة الرقة، ثم سار السلطان صلاح
стр. 8386
الدين إلى أعزاز ونازلها ثالث ذي القعدة وتسلمها حادي عشر ذي الحجة فوثب إسماعيلي على صلاح الدين فضربه بسكين في رأسه وجرحه فمسك صلاح الدين يد الإسماعيلي [وبقي يضرب بالسكين فلا يؤثر حتى قتل الإسماعيلي] (١) على تلك الحال، ووثب آخر عليه فقتله، وثالث فقتل، وجاء السلطان إلى خيمته مذعورا (٦٨) وأعرض جنده وأبعد من أنكره منهم، ولما ملك السلطان أعزاز رحل عنها ونازل حلب في منتصف ذي الحجة وحصرها وبها الملك الصالح بن نور الدين، وانقضت هذه السنة وهو محاصر لحلب فسألوا صلاح الدين في الصلح فأجابهم و [أخرجوا] (٢) إليه بنتا صغيرة لنور الدين فأكرمها وأعطاها شيئا كثيرا وقال لها: ما تريدين؟ فقالت قلعة أعزاز وكانوا قد علموها ذلك فسلمها السلطان إليهم واستقر الصلح، ورحل صلاح الدين عن حلب في العشرين من المحرم سنة اثنتين وسبعين.
وفيها، نازل طاشتكين (٣) أمير الحاج العراقي مكة وكان قد أمره الخليفة بعزل مكثر بن عيسى (٤) صاحب مكة فجرى بين الحجاج وبينه قتال، فانهزم مكثر في البرية، وأقام طاشتكين أخاه داود (٥) مقامه بمكة.
стр. 8387
وفيها في ذي الحجة (١) قدم توران شاه بن أيوب من اليمن إلى الشام، وأرسل إلى أخيه صلاح الدين يعلمه بالحال، وكتب إليه أبياتا من شعر [ابن المنجّم] (٢)
المصري (٣): <الكامل>
وإلى صلاح الدين أشكو أنني … من بعده مضنى الجوانح مولع
جزعا لبعد الدار عنه ولم أكن … لولا هواه لبعد دار أجزع
ولأركبنّ إليه متن عزائمي … ويخبّ ركب للغرام ويوسع (٤)
ولأسرينّ الليل لا يسري به … طيف الخيال ولا البروق اللمّع
وأقدّمنّ إليه قلبي مخبرا … أني بجسمي عن قريب أتبع
(٦٩) حتى أشاهد منه أسعد طلعة … من أفقها صبح السعادة يطلع
وفي سنة اثنتين وسبعين وخمس مئة (١٣)
قصد السلطان صلاح الدين بلد الإسماعيلية في المحرم فنهبه وخربه وأحرقه وحصر قلعة مصياف، وأرسل سنان مقدم الإسماعيلية إلى خال صلاح الدين وهو شهاب الدين الحارمي صاحب حماة يسأل أن يسعى في الصلح، فسأل
стр. 8388
الحارمي الصفح عنهم فأجابهم صلاح الدين وصالحهم ورحل عنهم، وأتم السلطان صلاح الدين مسيره إلى مصر فإنه كان قد بعد عهده بها بعد أن استقر له ملك الشام.
ولما وصل إلى مصر في هذه السنة أمر ببناء السور الدائر على مصر والقاهرة والقلعة التي على الجبل المقطم، ودور ذلك تسعة وعشرون ألف ذراع [وثلاث مئة ذراع] (١) بالهاشمي، ولم يزل العمل فيه إلى أن مات صلاح الدين.
وفيها، أمر صلاح الدين ببناء المدرسة التي على قبر الإمام الشافعي بالقرّافة (٢)، وعمل بالقاهرة مارستان (٣).
وفي سنة ثلاث وسبعين وخمس مئة (١٣)
في جمادى الأولى سار السلطان إلى الساحل لغزو الفرنج، فوصل إلى عسقلان في رابع عشريه، فنهب وتفرق عسكره في الإغارة، وبقي السلطان في بعض العسكر، فلم يشعر إلا بالفرنج قد طلعت عليه فقاتلهم أشد قتال، وكان لتقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب ولد اسمه أحمد وهو من أحسن الشباب أول ما تكاملت لحيته، فقال له أبوه تقي الدين (٧٠) احمل عليهم فحمل على الفرنج وقاتلهم وأثر فيهم أثرا جميلا وعاد سالما، وأمره أبوه بالعود فقتل رجلا من الافرنج وقتل شهيدا، وتمت الهزيمة على المسلمين، وقاربت حملات الفرنج السلطان فولى منهزما إلى مصر على البرية ومعه من سلم ولقوا في طريقهم مشقة
стр. 8389
من العطش، وهلك كثير من الدواب، وأخذت الفرنج العسكر الذين كانوا تفرقوا للإغارة أسرى، وأسر الفقيه عيسى (١)، وكان من أكبر أصحاب السلطان فافتداه السلطان من الأسر بعد (سنتين) (٢) بستين ألف دينار، ووصل السلطان إلى القاهرة نصف جمادى الآخرة، قال ابن الأثير:
رأيت كتابا بخط يد صلاح الدين إلى أخيه توران شاه نائبه بدمشق يذكر له الواقعة، و [في] (٣) أوله: <الطويل>
ذكرتك والخطّيّ يخطر بيننا … وقد نهلت منا المثقفة السّمر
ويقول فيه: لقد أشرفنا على الهلاك غير مرة، وما نجانا اللّه تعالى منه إلا لأمر يريده "وما ثبتت إلاّ وفي نفسها أمر" (٤)
وفيها، سار الفرنج وحصروا مدينة حماة في جمادى الأولى، وطمعت الفرنج بسبب بعد صلاح الدين بمصر وهزيمته من الفرنج، ولم يكن غير توران شاه بدمشق ينوب عن أخيه صلاح الدين وليس عنده كثير من العسكر، وكان توران شاه أيضا كثير الانهماك في اللذات مائلا إلى (٧١) الراحات، ولما حصروا حماة كان بها صاحبها شهاب الدين الحارمي خال صلاح الدين وهو مريض، واشتد حصار الفرنج لحماة وطال زحفهم عليها حتى إنهم هجموا بعض أطراف المدينة وكادوا يملكون البلد قهرا بالسيف، ثم جد المسلمون في القتال وأخرجوا الفرنج إلى ظاهر السور، وأقام الفرنج كذلك على حماة أربعة أيام ثم رحلوا عنها إلى
стр. 8390
حارم، وعقيب رحيلهم عنها مات صاحبها شهاب الدين الحارمي (١)، وكان له ابن من أحسن الناس شبابا فمات قبله بثلاثة أيام.
وفيها، قبض السلطان الملك الصالح بن نور الدين صاحب حلب على سعد الدين كمشتكين، وكان قد تغلب على الأمر وكانت حارم لكمشتكين، فأرسل الملك الصالح إليهم فلم يسلموها إليه فأمر لكمشتكين أن يسلمها فأمرهم بذلك فلم يقبلوا منه، فأمر بتعذيب كمشتكين ليسلموا القلعة فعذب وأصحابه يرونه ولا يرحمونه حتى مات في العذاب (٢) [وأصرّ أصحابه] (٣) على الامتناع.
ووصل الفرنج إلى حارم بعد رحيلهم عن حماة وحصروا حارم أربعة أشهر وأرسل الملك الصالح مالا للفرنج وصالحهم، فرحلوا عن حارم وبلغ أهلها الجهد، وبعد أن رحل الفرنج عنها أرسل إليها الملك الصالح عسكرا وحصروها فلم يبق بأهلها ممانعة فسلموها إلى الملك الصالح فاستناب بها مملوكا كان لأبيه اسمه سرخك.
(٧٢) وفيها، وفي المحرم خطب للسلطان طغريل بن أرسلان بن طغريل ابن السلطان محمد بن السلطان ملك شاه (٤) المقيم ببلاد إلدكز (٥). وكان أبوه
стр. 8391
أرسلان الذي تقدم ذكره قد توفي (١).
وفيها، في ذي الحجة قتل عضد الدين محمد بن عبد اللّه بن هبة اللّه (٢) وزير الخليفة، وكان قد عبر دجلة عازما على الحج، فقتله الإسماعيلية، وحمل مجروحا إلى منزله فمات به، وكان مولده في جمادى الأولى سنة أربع عشرة وخمس مئة.
وفي سنة أربع وسبعين وخمس مئة (١٣)
طلب توران شاه من أخيه صلاح الدين بعلبك، وكان السلطان أعطاها شمس الدين محمد بن عبد الملك <بن> المقدم لما سلّم دمشق إلى صلاح الدين، فلم يمكن صلاح الدين منع أخيه عن ذلك، فأرسل إلى ابن المقدم ليسلم بعلبك فعصى بها ولم يسلمها فأرسل السلطان وحصره ببعلبك فطال حصارها، فأجاب ابن المقدم إلى تسليمها على عوض فعوض عنها (٣) وتسلمها السلطان فاقتطعها أخاه توران شاه.
وفيها، كان بالبلاد غلاء عام (٤) وتبعه وباء عام.
وفيها، سير السلطان صلاح الدين ابن أخيه تقيّ الدين عمر بن شاهنشاه إلى حماة وابن عمه محمد بن شيركوه (٥) إلى حمص، وأمرهما بحفظ بلادهما،
стр. 8392
فاستقر كلّ واحد منهما بحفظ بلاده.
وفي سنة خمس وسبعين وخمس مئة (١٣)
سار صلاح الدين وفتح حصنا كان بناه الفرنج عند مخاضة الأحزان (١) بالقرب من بانياس عند بيت يعقوب، وفي ذلك يقول (٧٣) علي بن محمد الساعاتي الدمشقي (٢): <الطويل>
أتسكن أوطان النبيين عصبة … تمين لدى أيمانها وهي تحلف
نصحتكم والنصح للدين واجب … ذروا بيت يعقوب فقد جاء يوسف
وفيها، كانت حرب بين عسكر السلطان صلاح الدين ومقدمهم ابن أخيه تقي الدين عمر وبين عسكر قليج أرسلان بن مسعود صاحب بلاد الروم، وسببها أن حصن رعبان (٣) كان بيد شمس الدين بن المقدم، وطمع فيه قليج أرسلان، وأرسل إليه عسكرا ليحصروه، وكانوا قريب عشرين ألفا، فسار إليهم تقي الدين في ألف فارس فهزمهم، وكان يفتخر ويقول: هزمت بألف عشرين ألفا.
وفيها، في ثاني ذي القعدة توفي المستضيء بأمر الله أبو محمد [الحسن] (٤) ابن يوسف (٥) وكان قد حكم في دولته ظهير الدين أبو بكر منصور بن نصر
стр. 8393
المعروف بابن العطار (١) بعد قتل عضد الدين الوزير، فلما مات المستضيء قام ظهير الدين بن العطار وأخذ البيعة لولده الناصر لدين الله (٢).
خلافة الناصر لدين الله بن المستضيء (٣) رابع ثلاثي خلفاء بني العباس
ولما استقرت بيعة الناصر حكم [أستاذ الدار] (٤) مجد الدين أبو الفضل (٥)، وقبض على ظهير الدين بن العطار في سابع ذي القعدة ونقل إلى التاج، وأخرج ظهير الدين المذكور ميتا على رأس حمال ليلة الأربعاء ثاني عشر [ذي] (٦) القعدة (٧)، (٧٤) فثارت به العامة وألقوه عن رأس الحمال، وشدوا في ذكره
стр. 8394
حبلا وجروه في البلد، وكانوا يضعون في يده مغرفة تعني أنها قلم وقد غمست في العذرة، ويقولون: وقّع لنا يا مولانا، هذا فعلهم به مع حسن سيرته وكفه عن أموالهم (١)، ثم خلص منهم ودفن.
وفيها، في ذي القعدة نزل توران شاه، أخو صلاح الدين عن بعلبك، وطلب عوضا عنها الإسكندرية، فأجابه السلطان صلاح الدين إلى ذلك، وأقطع بعلبك لعز الدين فرّخشاه بن شاهنشاه بن أيوب (٢) فسار فرّخشاه إلى بعلبك، وسار شمس الدولة توران شاه إلى الإسكندرية وأقام بها إلى أن مات.
وفي سنة ستّ وسبعين وخمس مئة (١٣)
في ثالث صفر، توفي سيف الدين غازي بن مودود بن زنكي (٣) صاحب الموصل والديار الجزرية وكان مرضه السّل، وطال وكان عمره نحو ثلاثين سنة، وكانت ولايته عشر سنين ونحو ثلاثة أشهر، وكان حسن الصورة، مليح الشباب، تام القامة، أبيض اللون، عاقلا عادلا عفيفا، شديد الغيرة، لا يدخل بيته غير الخدم إذا كانوا صغارا، فإذا كبر أحدهم منعه، وكان عفيفا عن أموال الرعية مع شح كان فيه، و [حين حضره الموت] (٤) أوصى بالمملكة بعده إلى أخيه
стр. 8395
عز الدين مسعود بن مودود، وأعطى جزيرة ابن عمر وقلاعها لولده سنجر شاه (١)، فاستقر ذلك بعد موته حسبما قرره، وكان مدبر الدولة والحاكم فيها مجاهد الدين قيماز (٢).
وفيها، سار السلطان صلاح الدين (٧٥) إلى جهة قليج أرسلان بن مسعود صاحب بلاد الروم، ووصل إلى رعبان ثم اصطلحوا، فقصد صلاح الدين إلى جهة بلاد ابن ليون الأرمني وشن فيها الغارات، فصالحه ابن ليون على مال حمله وأسرى أطلقهم.
وفيها، توفي شمس الدولة توران شاه بن أيوب (٣) أخو صلاح الدين الأكبر بالإسكندرية، وكان له معها أكثر بلاد اليمن، ونوابه هناك يحملون إليه الأموال من زبيد وعدن وغيرهما (٤)، وكان أجود الناس وأسخاهم كفا يخرج كل ما يحمل إليه من الأموال اليمنية، ودخل الإسكندرية ومع هذا لما مات كان عليه [نحو مئتي] (٥) ألف دينار مصرية دينا فوفاها أخوه صلاح الدين عنه لما وصل إلى مصر هذه السنة في شعبان، واستخلف بالشام ابن أخيه عز الدين فرّخشاه بن شاهنشاه بن أيوب صاحب بعلبك.
стр. 8396
وفي سنة سبع وسبعين وخمس مئة (١٣)
عزم البرنس صاحب الكرك (١) على المسير إلى مدينة الرسول ﷺ والاستيلاء على تلك النواحي الشريفة، وسمع بذلك عز الدين فرّخشاه نائب عمه السلطان صلاح الدين بدمشق، فجمع وقصد بلاد الكرك وأغار عليها، وأقام في مقابلة البرنس ففرق البرنس جموعه وانقطع عزمه عن الحركة.
وفيها، وقع بين نواب توران شاه باليمن بعد موته اختلاف كثير، فخشي السلطان صلاح الدين [على اليمن] (٢) فجهز جيشا مع جماعة من أمرائه (٣)
فوصلوا إلى اليمن وأسرعوا واستولوا عليه.
وكان نائب (٧٦) توران شاه على عدن عز الدين عثمان بن الزّنجيلي (٤)، وعلى زبيد خطّاب (٥) بن كامل بن منقذ الكناني من بيت صاحب شيزر.
стр. 8397
وفيها، في رجب توفي الملك الصالح إسماعيل بن نور الدين محمود بن زنكي بن آقسنقر (١) صاحب حلب وعمره نحو تسع عشرة سنة، ولما اشتد به مرض القولنج وصف له الأطباء الخمر فمات ولم يستعمله، وكان حليما عفيف اليد والفرج واللسان، ملازما لأمور الدين، لا يعرف له [شيء] (٢) مما يتعاطاه الشباب، وأوصى بملك حلب إلى [ابن] (٣) عمه عز الدين مسعود بن مودود بن زنكي صاحب الموصل، فلما مات سار مسعود ومجاهد الدين قيماز من الموصل إلى حلب واستقر في ملكها، وكاتبه أخوه عماد الدين [زنكي] (٤) بن مودود صاحب سنجار في أن يعطيه حلب ويأخذ منه سنجار، فأشار قيماز بذلك فلم يمكن مسعود إلا موافقته، وأجاب إلى ذلك فسار عماد الدين إلى حلب وتسلمها وسلم سنجار إلى أخيه مسعود، وعاد مسعود إلى الموصل.
وفي سنة ثمان وسبعين وخمس مئة (١٣)
خامس المحرم، سار السلطان صلاح الدين من مصر إلى الشام ومن عجيب الاتفاق أنه لما برز من القاهرة وخرجت أعيان الناس لوداعه، أخذ كل [منهم] (٥)
يقول شيئا في الوداع وفراقه، وفي الجماعة معلم لبعض أولاد السلطان، فأخرج رأسه من بين الحاضرين وأنشد (٦): <الوافر>
تمتع من شميم عرار نجد … فما بعد العشية من عرار
стр. 8398
فنظر صلاح الدين وانقبض بعد انبساطه، وتنكد المجلس على الحاضرين (٧٧) فلم يعد بعدها صلاح الدين إلى مصر مع طول المدة.
وسار السلطان وأغار في طريقه على بلاد الفرنج وغنم ووصل إلى دمشق في حادي عشر صفر، ولما سار السلطان إلى الشام اجتمعت الفرنج قرب الكرك ليكونوا على طريقه فانتهز فرّخشاه ابن أخي السلطان الفرصة وسار إلى الشّقيف بعساكر الشام وفتحه وغار على ما يجاوره من بلاد الفرنج وأرسل إلى السلطان وبشره بذلك.
وفيها سيّر السلطان أخاه سيف الإسلام طغتكين إلى بلاد اليمن ليملكها ويقطع الفتن عنها، وكان بها خطّاب بن منقذ الكناني وعز الدين عثمان الزّنجيلي [وقد عادا] (١) إلى ولايتهما، فإن الأمير الذي كان قد سيره السلطان نائبا إلى اليمن تولى وعزلهما ثم توفي (٢) فعاد بين خطّاب وعثمان الفتن قائمة، فوصل سيف الإسلام إلى زبيد فتحصن خطّاب في بعض القلاع، فلم يزل سيف الإسلام يتلطف به حتى نزل إليه فأحسن صحبته. ثم إن [خطّابا] (٣) طلب دستورا ليسير إلى الشام فلم يجبه إلا بعد جهد فجهز خطّاب أثقاله قدامه، ودخل خطّاب ليودع سيف الإسلام فقبض عليه وأرسل فاسترجع أثقاله وأخذ جميع ماله، وكان فيما أخذه سيف الإسلام من خطّاب [سبعون غلافا] (٤) زردية مملوءة ذهبا عينا، ثم سجن [خطّابا] (٢) في بعض قلاع اليمن فكان آخر العهد به (٥).
стр. 8399
وأما عثمان (٧٨) الزّنجيلي فإنه لما جرى لخطّاب ذلك خاف وسار نحو الشام وسير بأمواله في البحر فصادفها مراكب سيف الإسلام فأخذوا كل ما لعثمان الزّنجيلي، وصفت اليمن لسيف الإسلام.
وفيها سار السلطان صلاح الدين من دمشق في ربيع الأول ونزل قرب طبرية وشن الإغارة على بلاد الفرنج مثل بيسان (١) وجينين والغور فغنم وقتل، وعاد إلى دمشق ثم سار إلى بيروت وحصرها وأغار على بلادها ثم عاد إلى دمشق، ثم سار إلى البلاد الجزرية وعبر الفرات من البيرة فسار معه مظفر الدين كوكبوري بن زين الدين علي كوجك بن بكتكين (٢)، وكان حينئذ صاحب حران وكاتب السلطان صلاح الدين ملوك تلك الأطراف واستمالهم، فأجابه نور الدين محمد بن قرا أرسلان صاحب كيفا وصار معه، وحاصر السلطان الرّها وملكها وسلمها إلى مظفر الدين كوكبوري صاحب حران، ثم سار السلطان إلى الرقة وأخذها من صاحبها قطب الدين ينال بن حسان المنبجي فسار ينال إلى عز الدين مسعود صاحب الموصل، وسار السلطان إلى الخابور وملك فرقيسياء وماكسين وعربان واستولى على الخابور جميعه ثم سار إلى نصيبين وحاصرها وملك المدينة ثم ملك القلعة وأقطع نصيبين أميرا كان معه يقال له أبو الهيجاء السّمين (٣)، ثم
стр. 8400
سار عن نصيبين وقصد الموصل، وقد استعد صاحبها عز الدين مسعود (٧٩) ومجاهد الدين قيماز للحصار وشحنوها بالرجال والسلاح فحصر السلطان الموصل وأقام عليها منجنيقا، فأقاموا من داخل المدينة تسعة مناجيق وضايق الموصل فنزل السلطان محاذيا باب كندة، ونزل صاحب حصن كيفا [على] (١)
باب الجسر، ونزل تاج الملوك بوري (٢) أخو صلاح الدين على باب العمادي، وجرى القتال بينهم وكان ذلك في شهر رجب، فلما رأى حصارها يطول رحل عن الموصل إلى سنجار وحاصرها وملكها واستناب بها سعد الدين بن معين الدين أنر (٣) وكان من أكابر الأمراء وأحسنهم صورة ومعنى.
ثم سار السلطان إلى حران وعزل في طريقة أبا الهيجاء السمين عن نصيبين.
وفيها، عمل البرنس صاحب الكرك أصطولا في بحر أيلة وساروا في البحر فرقتين: فرقة أقامت على حصن أيلة يحصرونه، وفرقة سارت نحو عيذاب يفسدون في السواحل، وبغتوا المسلمين بتلك النواحي فإنهم لم يعهدوا بذلك البحر فرنجيا قط، وكان بمصر الملك العادل [أبو] (٤) بكر نائبا عن أخيه السلطان صلاح الدين فعمل أصطولا في بحر عيذاب وأرسله مع حسام الدين لؤلؤ الحاجب (٥) وهو متولي الأصطول، بمصر وكان مظفرا فيه شجاعة فسار حسام
стр. 8401
الدين مجدا في طلبهم وأوقع بالذين يحاصرون أيلة فقتلهم وأسرهم، وسار في طلب الفرقة الثانية وكانوا قد عزموا على الدخول إلى الحجاز الشريف مكة والمدينة حرسهما الله تعالى، وسار لؤلؤ يقفو أثرهم فبلغ [رابغ] (١) فأدركهم (٨٠) بساحل الحوراء (٢) وتقاتلوا في البحر أشد قتال وظفر الله تعالى المسلمين بهم، وقتل لؤلؤ أكثرهم وأخذ الباقين أسرى، وأرسل منهم ألفي رجل إلى منى لينحروا بها (٣) وعادوا بالباقين إلى مصر فقتلوا عن آخرهم.
وفيها، توفي عز الدين فرّخشاه بن شاهنشاه بن أيوب (٤) صاحب بعلبك وكان ينوب عن صلاح الدين بدمشق وهو ثقته من بين أهله، وكان فرّخشاه شجاعا كريما فاضلا وله شعر جيد، ووصل خبر موته إلى صلاح الدين وهو في البلاد الجزرية فأرسل إلى دمشق [شمس الدين] (٥) محمد بن عبد الملك <بن> المقدّم ليكون بها، وأقر بعلبك على بهرام شاه بن فرّخشاه (٦) المذكور.
стр. 8402
وفي سنة تسع وسبعين وخمس مئة (١٣)
ملك صلاح الدين حصن آمد بعد حصار وقتال في العشر الأول من المحرم وسلمها إلى نور الدين محمد بن قرا أرسلان بن داود بن سقمان بن أرتق صاحب كيفا، ثم سار إلى الشام وقصد تل خالد من أعمال حلب وملكها، ثم سار إلى عين تاب وحصرها وبها ناصر الدين محمد (١) [أخو] (٢) الشيخ إسماعيل الذي كان خازن نور الدين محمود بن زنكي، وكان قد سلم نور الدين عين تاب إلى إسماعيل المذكور فبقيت معه إلى الآن، فملكها بتسليم صاحبها إليه فأقره صلاح الدين عليها وبقي من جملة أمراء السلطان، ثم سار السلطان إلى حلب وحصرها وبها عماد الدين زنكي بن مودود بن عماد الدين زنكي بن آقسنقر، وطال الحصار عليه، وكان قد كثرت اقتراحات أمراء حلب وأهلها عليه، وقد ضجر من ذلك، وقد كره حلب لذلك (٨١) فأجاب السلطان صلاح الدين إلى تسليم حلب على أن يعوض عنها سنجار ونصيبين والخابور والرقّة وسروج واتفقوا على ذلك، وسلم حلب إلى السلطان في صفر هذه السنة، فكان أهل حلب ينادون على عماد الدين: يا حمار بعت حلب بسنجار، وشرط السلطان على عماد الدين زنكي الحضور إلى خدمته بنفسه وعسكره متى استدعاه ولا يحتج بحجة عن ذلك، ومن عجيب الاتفاق أن محيي الدين بن الزكي (٣) قاضي
стр. 8403
دمشق مدح السلطان بقصيدة منها (١): <البسيط>
وفتحكم حلبا بالسيف في صفر … [مبشر] (٢) بفتوح القدس في رجب
فوافق فتح القدس في رجب سنة ثلاث وثمانين وخمس مئة، وكان في جملة من قتل على حلب تاج الدين بوري (٣) أخو السلطان الأصغر وكان شجاعا كريما طعن في ركبته فانفكت فمات منها.
ولما استقر الصلح عمل زنكي دعوة للسلطان واحتفل فيها فبينما هم في سرورهم إذ جاء إنسان فأسرّ إلى السلطان بموت أخيه بوري فوجد عليه قلبه وجدا عظيما وأمر بتجهيزه سرا، ولم يعلم السلطان في ذلك الوقت أحدا ممن كان في تلك الدعوة كيلا يتنكد عليهم ما هم فيه، وكان السلطان يقول: ما وقعت علينا حلب رخيصة بموت بوري، وكان هذا من السلطان من الصبر العظيم.
ولما ملك السلطان حلب أرسل إلى حارم وبها سرخك الذي ولاه الملك الصالح بن نور الدين في تسليم حارم وجرى (٨٢) بينهما مراسلة فلم ينتظم بينهما حال، وكاتب سرخك الفرنج فوثب عليه أهل القلعة وقبضوه وسلموا [حارما] (٤) إلى السلطان فتسلمها وقرر أمر بلاد حلب واقطع أعزاز أميرا يقال له سليمان بن جندر (٥).
стр. 8404
وفيها، قبض عز الدين صاحب الموصل على نائبه مجاهد الدين قيماز.
وفيها، لما فرغ السلطان من تقرير أمر حلب جعل فيها ولده الملك [الظاهر] (١) غازي وسار إلى دمشق، وتجهز منها للغزو، وعبر نهر الأردن تاسع جمادى الآخرة من هذه السنة، وأغار على بيسان وأحرقها، وشن الإغارة على تلك النواحي.
ثم تجهز السلطان إلى الكرك، وأرسل إلى أخيه الملك العادل أبي بكر بمصر يأمره أن يلاقيه إليها، فسارا واجتمعا عليها، وحصر الكرك وضيق عليها ثم رحل عنها في منتصف شعبان، وسار معه أخوه العادل وأرسل السلطان ابن أخيه الملك المظفر تقي الدين عمر إلى مصر نائبا له موضع العادل، ووصل السلطان إلى دمشق وأعطى [أخاه] (٢) العادل مدينة حلب وقلعتها وأعمالها وسيره إليها في شهر رمضان، وأحضر ولده الظاهر منها إلى دمشق.
وفيها، توفي [شاه أرمن سكمان] (٣) بن ظهير الدين إبراهيم بن سكمان القطبي (٤) صاحب خلاط، وكان عمره لما توفي أربعا وستين سنة. ولما توفي شاه
стр. 8405
أرمن كان بكتمر (١) مملوك أبيه بميّافارقين. فلما سمع بكتمر بموته سار من ميّافارقين إلى خلاط، وكان أهلها يريدونه ومماليك شاه أرمن (٨٣) متفقين معه فأول وصوله تملك خلاط وجلس على كرسي شاه أرمن واستقر في مملكة خلاط حتى قتل سنة تسع وثمانين.
وفي سنة ثمانين وخمس مئة (١٣)
سار أبو يعقوب يوسف بن عبد المؤمن ملك الغرب إلى بلاد الأندلس وعبر البحر في جمع عظيم من عساكره وقصد بلاد الفرنج وحصر شنترين (٢) من غرب الأندلس، وأصابه مرض فمات منه في ربيع الأول وحمل في تابوت إلى مدينة إشبيلية، وكان حسن السيرة واستقامت له المملكة لحسن تدبيره.
ولما مات بايع الناس ولده يعقوب بن يوسف وكنيته أبو يوسف وملكوه عليهم في الوقت الذي مات فيه أبوه لئلا يكونوا بغير ملك يجمع كلمتهم لقربهم من العدو، فقام يعقوب بالملك أحسن قيام، وأقام راية الجهاد وأحسن السيرة.
وفيها، في ربيع الآخر سار السلطان صلاح الدين من دمشق للغزاة، وكتب إلى مصر فسارت عساكره إليها ونازل الكرك وضيق عليه وملك ربضه، وبقيت