← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11790

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط المجمع الثقافي

ابن فضل الله العمري

Полный текст (8 839 стр.). Показаны 8401–8440 · переход к 8406.

стр. 8401

الدين مجدا في طلبهم وأوقع بالذين يحاصرون أيلة فقتلهم وأسرهم، وسار في طلب الفرقة الثانية وكانوا قد عزموا على الدخول إلى الحجاز الشريف مكة والمدينة حرسهما الله تعالى، وسار لؤلؤ يقفو أثرهم فبلغ [رابغ] (١) فأدركهم (٨٠) بساحل الحوراء (٢) وتقاتلوا في البحر أشد قتال وظفر الله تعالى المسلمين بهم، وقتل لؤلؤ أكثرهم وأخذ الباقين أسرى، وأرسل منهم ألفي رجل إلى منى لينحروا بها (٣) وعادوا بالباقين إلى مصر فقتلوا عن آخرهم. وفيها، توفي عز الدين فرّخشاه بن شاهنشاه بن أيوب (٤) صاحب بعلبك وكان ينوب عن صلاح الدين بدمشق وهو ثقته من بين أهله، وكان فرّخشاه شجاعا كريما فاضلا وله شعر جيد، ووصل خبر موته إلى صلاح الدين وهو في البلاد الجزرية فأرسل إلى دمشق [شمس الدين] (٥) محمد بن عبد الملك <بن> المقدّم ليكون بها، وأقر بعلبك على بهرام شاه بن فرّخشاه (٦) المذكور.

стр. 8402

وفي سنة تسع وسبعين وخمس مئة (١٣) ملك صلاح الدين حصن آمد بعد حصار وقتال في العشر الأول من المحرم وسلمها إلى نور الدين محمد بن قرا أرسلان بن داود بن سقمان بن أرتق صاحب كيفا، ثم سار إلى الشام وقصد تل خالد من أعمال حلب وملكها، ثم سار إلى عين تاب وحصرها وبها ناصر الدين محمد (١) [أخو] (٢) الشيخ إسماعيل الذي كان خازن نور الدين محمود بن زنكي، وكان قد سلم نور الدين عين تاب إلى إسماعيل المذكور فبقيت معه إلى الآن، فملكها بتسليم صاحبها إليه فأقره صلاح الدين عليها وبقي من جملة أمراء السلطان، ثم سار السلطان إلى حلب وحصرها وبها عماد الدين زنكي بن مودود بن عماد الدين زنكي بن آقسنقر، وطال الحصار عليه، وكان قد كثرت اقتراحات أمراء حلب وأهلها عليه، وقد ضجر من ذلك، وقد كره حلب لذلك (٨١) فأجاب السلطان صلاح الدين إلى تسليم حلب على أن يعوض عنها سنجار ونصيبين والخابور والرقّة وسروج واتفقوا على ذلك، وسلم حلب إلى السلطان في صفر هذه السنة، فكان أهل حلب ينادون على عماد الدين: يا حمار بعت حلب بسنجار، وشرط السلطان على عماد الدين زنكي الحضور إلى خدمته بنفسه وعسكره متى استدعاه ولا يحتج بحجة عن ذلك، ومن عجيب الاتفاق أن محيي الدين بن الزكي (٣) قاضي

стр. 8403

دمشق مدح السلطان بقصيدة منها (١): <البسيط> وفتحكم حلبا بالسيف في صفر … [مبشر] (٢) بفتوح القدس في رجب فوافق فتح القدس في رجب سنة ثلاث وثمانين وخمس مئة، وكان في جملة من قتل على حلب تاج الدين بوري (٣) أخو السلطان الأصغر وكان شجاعا كريما طعن في ركبته فانفكت فمات منها. ولما استقر الصلح عمل زنكي دعوة للسلطان واحتفل فيها فبينما هم في سرورهم إذ جاء إنسان فأسرّ إلى السلطان بموت أخيه بوري فوجد عليه قلبه وجدا عظيما وأمر بتجهيزه سرا، ولم يعلم السلطان في ذلك الوقت أحدا ممن كان في تلك الدعوة كيلا يتنكد عليهم ما هم فيه، وكان السلطان يقول: ما وقعت علينا حلب رخيصة بموت بوري، وكان هذا من السلطان من الصبر العظيم. ولما ملك السلطان حلب أرسل إلى حارم وبها سرخك الذي ولاه الملك الصالح بن نور الدين في تسليم حارم وجرى (٨٢) بينهما مراسلة فلم ينتظم بينهما حال، وكاتب سرخك الفرنج فوثب عليه أهل القلعة وقبضوه وسلموا [حارما] (٤) إلى السلطان فتسلمها وقرر أمر بلاد حلب واقطع أعزاز أميرا يقال له سليمان بن جندر (٥).

стр. 8404

وفيها، قبض عز الدين صاحب الموصل على نائبه مجاهد الدين قيماز. وفيها، لما فرغ السلطان من تقرير أمر حلب جعل فيها ولده الملك [الظاهر] (١) غازي وسار إلى دمشق، وتجهز منها للغزو، وعبر نهر الأردن تاسع جمادى الآخرة من هذه السنة، وأغار على بيسان وأحرقها، وشن الإغارة على تلك النواحي. ثم تجهز السلطان إلى الكرك، وأرسل إلى أخيه الملك العادل أبي بكر بمصر يأمره أن يلاقيه إليها، فسارا واجتمعا عليها، وحصر الكرك وضيق عليها ثم رحل عنها في منتصف شعبان، وسار معه أخوه العادل وأرسل السلطان ابن أخيه الملك المظفر تقي الدين عمر إلى مصر نائبا له موضع العادل، ووصل السلطان إلى دمشق وأعطى [أخاه] (٢) العادل مدينة حلب وقلعتها وأعمالها وسيره إليها في شهر رمضان، وأحضر ولده الظاهر منها إلى دمشق. وفيها، توفي [شاه أرمن سكمان] (٣) بن ظهير الدين إبراهيم بن سكمان القطبي (٤) صاحب خلاط، وكان عمره لما توفي أربعا وستين سنة. ولما توفي شاه

стр. 8405

أرمن كان بكتمر (١) مملوك أبيه بميّافارقين. فلما سمع بكتمر بموته سار من ميّافارقين إلى خلاط، وكان أهلها يريدونه ومماليك شاه أرمن (٨٣) متفقين معه فأول وصوله تملك خلاط وجلس على كرسي شاه أرمن واستقر في مملكة خلاط حتى قتل سنة تسع وثمانين. وفي سنة ثمانين وخمس مئة (١٣) سار أبو يعقوب يوسف بن عبد المؤمن ملك الغرب إلى بلاد الأندلس وعبر البحر في جمع عظيم من عساكره وقصد بلاد الفرنج وحصر شنترين (٢) من غرب الأندلس، وأصابه مرض فمات منه في ربيع الأول وحمل في تابوت إلى مدينة إشبيلية، وكان حسن السيرة واستقامت له المملكة لحسن تدبيره. ولما مات بايع الناس ولده يعقوب بن يوسف وكنيته أبو يوسف وملكوه عليهم في الوقت الذي مات فيه أبوه لئلا يكونوا بغير ملك يجمع كلمتهم لقربهم من العدو، فقام يعقوب بالملك أحسن قيام، وأقام راية الجهاد وأحسن السيرة. وفيها، في ربيع الآخر سار السلطان صلاح الدين من دمشق للغزاة، وكتب إلى مصر فسارت عساكره إليها ونازل الكرك وضيق عليه وملك ربضه، وبقيت

стр. 8406

القلعة وليس بين القلعة والربض إلا خندق خشب (١)، وقصد السلطان أن يطمه فلم يمكنه لكثرة المقاتلة فجمعت الفرنج فارسها وراجلها وقصدوه فلم يمكن السلطان إلا الرحيل، فرحل [عن الكرك وسار] (٢) إليهم وأقاموا في أماكن وعرة، وأقام السلطان قبالتهم وسار من الفرنج جماعة ودخلوا الكرك فعلم بامتناعه عليه، فسار إلى نابلس وأحرقها ونهب ما بتلك النواحي وقتل وسبى فأكثر، فسار إلى صبصطية (٣) (٨٤) وبها مشهد زكريا فاستنفذ من بها من أسرى المسلمين، ثم سار إلى جينين وعاد إلى دمشق. وفيها، مات قطب الدين إلغازي بن نجم الدين ألبي بن حسام الدين تمرتاش ابن إلغازي بن أرتق (٤) صاحب ماردين وقد تقدم في سنة سبع [وأربعين] (٥) وخمس مئة ملك ألبي بن تمرتاش (٦)، وبقى ألبي في ملك ماردين حتى مات وملك ولده قطب الدين إلغازي، ولما مات إلغازي المذكور كان له أولاد أطفال، فأقيم في الملك بعده ولده حسام الدين يولق أرسلان، وقام بتدبير المملكة مملوك والده نظام الدين ألبقش (٧) حتى كبر يولق أرسلان، وكان به هوج وخبط فمات يولق (٨) وأقام [ألبقش] (٥) بعد [٥] (٥) أخاه [الأصغر] (٥) أرتق أرسلان ولقبه

стр. 8407

ناصر الدين (١) ولم يكن له الحكم بل الحكم إلى ألبقش وإلى مملوك لألبقش اسمه لؤلؤ كان قد تغلب على أستاذه ألبقش بحيث كان لا يخرج ألبقش عن رأي لؤلؤ المذكور، وبقي الأمر كذلك إلى سنة إحدى وست مئة (٢) فمرض النظام ألبقش، وأتاه ناصر الدين صاحب ماردين يعوده، فلما خرج من عنده خرج معه لؤلؤ فضربه ناصر الدين بسكين فقتله وعاد إلى ألبقش فضربه بسكين فقتله أيضا، واستقل ناصر الدين أرتق أرسلان بملك ماردين من غير منازع. وفيها، سار شيخ الشيوخ صدر الدين عبد الرحيم (٣) من عند الخليفة إلى صلاح الدين في رسالة ومعه شهاب الدين بشير الخادم (٤) ليصلحا بين السلطان صلاح الدين وبين عز الدين مسعود صاحب الموصل فلم ينتظم (٨٥) حالهما، واتفق أنهما مرضا بدمشق وطلبا المسير إلى العراق وسارا في الحر، فمات بشير بالسّخنة (٥)، ومات صدر الدين شيخ الشيوخ بالرّحبة ودفن بمشهد البوق، وكان أوحد زمانه قد جمع بين رئاسة الدين والدنيا. وفيها في المحرم، أطلق عز الدين مسعود صاحب الموصل مجاهد الدين قيماز

стр. 8408

من الحبس وأحسن إليه. سنة إحدى وثمانين وخمس مئة إلى سنة تسعين وخمس مئة في سنة إحدى وثمانين وخمس مئة (١٣) حصر السلطان صلاح الدين الموصل وهو حصاره الثاني فأرسل إليه عز الدين مسعود والدته [وابنة عمه] (١) وابن عمه (٢) نور الدين محمود بن زنكي وغيرها من النساء يطلبون منه ترك الموصل وما بأيديهم فردهم واستقبح الناس ذلك من صلاح الدين لا سيما والشفعاء بنت نور الدين وأخوها (٢) ووالدة عز الدين، وحاصر الموصل وضايقها، وبلغه وفاة شاه أرمن صاحب خلاط في ربيع الآخر هذه السنة (٣) فسار عن الموصل إلى جهة خلاط وملكها. وفيها، توفي نور الدين محمد بن قرا أرسلان بن داود بن سقمان بن أرتق (٤) صاحب حصن كيفا وآمد وملك بعده ولده قطب الدين سقمان (٥) وكان صغيرا فقام بتدبيره القوام بن سماقا الإسعردي (٦)، وحضر سقمان إلى السلطان صلاح الدين، وهو نازل على ميّافارقين، فأقره على ما كان بيد والده نور الدين

стр. 8409

محمد بن قرا أرسلان (٨٦) وأقام معه أميرا من أصحاب والده. ملك صلاح الدين ميّافارقين لما سار السلطان عن الموصل إلى أخلاط جعل طريقه على ميّافارقين، وكانت لصاحب ماردين الذي توفي وبها من يحفظها من جهة شاه أرمن صاحب خلاط المتوفى، ثم إن السلطان رجع عن قصد أخلاط إلى الموصل فجاءته رسل عز الدين مسعود تسأل الصلح، واتفق أن السلطان مرض ورجع من كفر زمار (١) عائدا إلى حران، فلحقته رسل صاحب الموصل بالإجابة إلى ما طلب، وهو أن يسلم صاحب الموصل إلى السلطان شهرزور وأعمالها وولاية القرابلي وجميع ما وراء الزاب، وأن يخطب للسلطان صلاح الدين على جميع منابر الموصل، وأن يضرب اسمه على الدراهم والدنانير، وتسلم السلطان ذلك، واستقر الصلح وأمنت البلاد. ووصل السلطان إلى حران وأقام بها مريضا، واشتد به المرض حتى إنهم أيسوا منه، ثم إنه عوفي وعاد إلى دمشق في المحرم سنة اثنتين وثمانين وخمس مئة. ولما اشتدّ مرض السلطان سار ابن عمه محمد بن شيركوه صاحب حمص إلى حمص وكاتب بعض أكابر دمشق في أن يسلموا إليه دمشق إذا مات السلطان. وفيها، ليلة عيد الأضحى شرب بحمص صاحبها ناصر الدين (٨٧) محمد ابن شير كوه بن شاذي فأصبح ميتا (٢)، قيل: إن السلطان صلاح الدين دسّ عليه من سقاه سمّا فمات لما بلغه مكاتبة أهل دمشق في مرضه، ولما مات أقر السلطان

стр. 8410

حمص وما كان بيد محمد على ولده شير كوه (١) وعمره اثنتا عشرة سنة، وخلف صاحب حمص شيئا كثيرا من الدوابّ والآلات وغيرها، واستعرضها السلطان عند نزوله بحمص في عوده من حران وأخذ أكثرها ولم يترك إلا ما لا خير فيه. في سنة اثنتين وثمانين وخمس مئة (١٣) أحضر السلطان ولده الملك الأفضل (٢) من مصر وأقطعه دمشق، وسببه أن الملك المظفر تقي الدين عمر ابن أخي السلطان كان نائب عمه بمصر ومعه الملك الأفضل، فأرسل الملك المظفر يشتكي من الأفضل: إنني لا أتمكن من استخراج الخراج لأنني إذا أحضرت من عليه الخراج وأردت عقوبته يطلقه الملك الأفضل، فأخرج ولده من مصر، وأقطعه دمشق، وتغير السلطان على تقي الدين في الباطن لأنه ظنّ أنه إنما أخرج الأفضل من مصر ليتملّكها إذا مات السلطان، ثم أحضر أخاه العادل من حلب، وجعل معه العزيز عثمان (٣) ولده نائبا عنه بمصر،

стр. 8411

واستدعى تقي الدين من مصر فتوقف عن الحضور، وقصد اللحوق بمملوكه قراقوش المستولي على بلاد برقة وأفريقيّة من المغرب، وبلغ السلطان ذلك فساءه، وأرسل يستدعي تقي الدين ويلاطفه فحضر إليه، ولما حضر تقي الدين عند السلطان زاده حماة وعليها منبج والمعرة، (٨٨) وكفر طاب، وميّافارقين، وجبل جور بجميع أعمالها، واستقر العزيز عثمان ولد السلطان بمصر هو والعادل، ولما أخذ السلطان حلب من أخيه العادل عوضه عنها حران والرّها. وفيها، غدر البرنس صاحب الكرك، وأخذ قافلة عظيمة من المسلمين وأسرهم، وأرسل السلطان يطلب منه إطلاقهم بحكم الهدنة التي كانت بينهم على ذلك فلم يفعل، فأنذر السلطان أنه إن ظفره الله به قتله بيده. وفيها، توفي البهلوان محمد بن إلدكز (١) صاحب بلد الجبل همذان والري وأصفهان وأذربيجان وأرانية وغيرها من البلاد، وكان عادلا حسن السيرة، وملك البلاد بعده أخوه قزل أرسلان عثمان، وكان السلطان طغريل [بن أرسلان بن طغريل] (٢) بن محمد بن ملكشاه السّلجوقي مع البهلوان، وله الخطبة في بلاده، وليس له من الأمر شيء، فلما مات البهلوان خرج طغريل عن حكم قزل وكثر جمعه واستولى على بعض البلاد، وجرى بينه وبين قزل أرسلان حروب. وفي سنة ثلاث وثمانين وخمس مئة (١٣) كانت مبادئ غزوات صلاح الدين وفتوحه. ففيها، جمع السلطان العساكر، وسار بفرقة من العسكر وضايق الكرك خوفا على الحجاج من صاحب الكرك، وأرسل فرقة أخرى مع ولده الملك الأفضل

стр. 8412

فأغازوا على بلاد عكّا وتلك الناحية وغنموا شيئا كثيرا، ثم سار السلطان ونزل طبرية وحصر مدينتها، وفتحها عنوة بالسيف (٨٩) وتأخرت القلعة، وكانت طبرية للقومص صاحب طرابلس (١)، وكان قد هادن السلطان ودخل في طاعته، فأرسلت الفرنج إلى القومص القسوس والبطاركة ينهونه عن موافقة السلطان، ويوبخونه فصار معهم، واجتمع الفرنج لملتقى السلطان فكانت وقعة حطين، وهي الوقعة العظيمة التي فتح اللّه بها الساحل وبيت المقدس. لما فتح السلطان طبرية اجتمعت الفرنج بفارسهم وراجلهم، وساروا إلى السلطان، فركب السلطان من طبرية وسار إليهم يوم السبت لخمس بقين من ربيع الآخر، والتقى الجمعان، واشتدّ بينهم القتال، فلما رأى القومص شدة الأمر حمل على من قبله من المسلمين، وكان هناك تقي الدين عمر صاحب حماة فأفرج له ثم عطف عليه فقتل ألف فارس من أصحابه، ونجا القومص من المعركة، ووصل إلى طرابلس وبقي مدة ومات، ونصر اللّه المسلمين وأحدقوا بالفرنج من كلّ جانب وأبادوهم قتلا وأسرا، وكان من جملة من أسر ملك الفرنج الكبير (٢) والبرنس أرناط صاحب الكرك وصاحب جبيل (٣) والهنفري بن هنفري (٤)

стр. 8413

ومقدم الدويّة (١)، وجماعة من الإسبتارية (٢)، وما أصيب الفرنج من حين خرجوا إلى الشام وهي سنة إحدى وتسعين وأربع مئة بمصيبة مثل هذه الواقعة. ولما انقضى المصافّ جلس السلطان في خيمته، وأحضر ملك الفرنج وأجلسه إلى جانبه (٩٠) وكان الحرّ والعطش شديدا فسقاه ماء مثلوجا فسقى ملك الفرنج منه البرنس أرناط صاحب الكرك، فقال له السلطان: إن هذا الملعون لم يشرب الماء بإذني فيكون أمانا له، ثم كلم السلطان البرنس ووبّخه وقرّعه على غدره وقصده الحرمين الشريفين، وقام السلطان بنفسه فضرب عنقه (٣) بيده فارتعدت فرائص ملك الفرنج فسكّنه السلطان. ثم عاد السلطان إلى طبرية، وفتح قلعتها بالإمان، ثم سار إلى عكّا وحاصرها وفتحها بالأمان ثم أرسل أخاه الملك العادل فحاصر مجدل يابا (٤) وفتحه عنوة بالسيف، ثم فرق السلطان عسكره ففتحوا الناصرة وقيساريّة وحيفا وصفّورية ومعليا (٥) والفولة وغيرها من البلاد المجاورة لعكّا بالسف، وغنموا وقتلوا وأسروا

стр. 8414

أهل هذه الأماكن، وأرسل فرقة إلى نابلس ففتحوا قلعتها بالأمان، ثم سار الملك العادل بعد فتح مجدل يابا إلى يافا وفتحها بالسيف، وسار السلطان إلى تبنين وفتحها بالأمان، ثم سار السلطان الملك الناصر صلاح الدين إلى صيدا فأخلاها صاحبها وتسلمها السلطان ساعة وصوله لتسع بقين من جمادى الأولى هذه السنة، ثم سار إلى بيروت وحصرها وتسلمها في التاسع والعشرين من جمادى الأولى بالأمان، وكان حصرها مدة ثمانية أيام، [وكان صاحب جبيل من جملة الأسرى فبذل [جبيلا] (١) في أن يسلمها ويطلق سراحه، فأجيب إلى ذلك] (٢) وكان صاحب جبيل من أعظم الفرنج وأشدهم عداوة للمسلمين ولم تك عاقبة إطاقه (٩١) حميدة، وأرسل السلطان من تسلم [جبيلا] (٣) وأطلقه. وفيها، حضر المركيس (٤) في سفينة إلى عكّا، وهى للمسلمين، ولم يعلم المركيس بذلك، واتفق هجوم الهواء فراسل المركيس الملك الأفضل وهو بعكّا يقترح أمانا فكتب له الملك الأفضل أمانا فرده يشترط فيه شروطا فأجيب إليها، فراسل الملك الأفضل يعمله أن يدوس بساطه في يوم معلوم فصبر عليه الملك الأفضل، فاتفق في ذلك اليوم تحرك الهواء فأقلع المركيس إلى صور واجتمعت عليه الفرنج الذين بها وملك صور.

стр. 8415

وكان وصول المركيس إلى صور وإطلاق الفرنج الذين أخذ السلطان بلادهم بالأمان ويطلقهم [إلى صور] (١) من أعظم أسباب الضرر التي حصلت حتى راحت عكّا وقوي الفرنج بذلك. ثم سار السلطان إلى عسقلان وحاصرها أربعة عشر يوما وتسلمها بالأمان سلخ جمادى الآخرة، ثم بث السلطان عسكره ففتحوا الرملة، والدارون، وغزة، وبيت لحم، وبيت جبريل، والنطرون، وغير ذلك. < فتح بيت المقدس > ثم سار السلطان ونازل القدس وبه من النصارى عدد يفوق الحصر، وضايق السلطان السور بالنقابين واشتد القتال بينهم وغلقوا السور. فطلب الفرنج الأمان فلم يجبهم السلطان إليه، وقال: لا آخذها إلا بالسيف مثل ما أخذها الفرنج من المسلمين فعاودوه بالأمان وعرفوه ما هم عليه من الكثرة وأنهم إن أيسوا من الأمان قاتلوا خلاف ذلك فأجابهم السلطان إليه بشرط أن يؤدي كل من بها (٩٢) من الرجال عشرة دنانير، ومن النساء خمسة، ومن الطفل دينارين، ومن عجز عن الأداء كان أسيرا، فأجيب إلى ذلك، وسلمت إليه المدينة يوم الجمعة سابع وعشري رجب، وكان يوما مشهودا ورفعت الأعلام الإسلامية على أسواره، ورتب السلطان على أبواب البلد من يقبض منهم المال المذكور فخان المرتّبون في ذلك ولم يقبضوا منه إلا القليل، وكان على رأس قبة الصخرة صليب كبير مذهب فتسلق المسلمون وقلعوه، وسمع لذلك ضجة عظيمة لم يعهد مثلها من المسلمين للفرح والسرور ومن الكفار التفجع والتوجع، وكان الفرنج قد عملوا في الجامع الأقصى هريا ومستراحا فأمر السلطان بإزالة ذلك، وإعادة الجامع إلى ما كان

стр. 8416

عليه. وكان نور الدين محمود بن زنكي قد عمل منبرا بحلب وتعب عليه مدة، وقال: هذا لأجل القدس، فأرسل صلاح الدين من أحضره من حلب وجعله في الجامع الأقصى. وأقام السلطان بعد فتوح القدس بظاهره إلى الخامس والعشرين من شعبان يدبر أمور البلد وأحواله، ويقوم بعمل الربط والمدارس للشافعية، ثم رحل إلى عكّا ومنها إلى صور وصاحبها المركيس قد حصنها بالرجال وحفر خنادقها، ونزل السلطان على صور تاسع شهر رمضان وحاصرها وضايقها وطلب الأصطول فوصل إليه في عشر شوان فاتفق أن الفرنج كبسوهم وأخذوا خمس شوان ولم يسلم من المسلمين إلا من سبح ونجا وأخذ (٩٣) الباقون فطال الحصار عليها فرحل السلطان عنها في آخر شوال وكان أول كانون الأول، وأقام بعكّا وأعطى العساكر الدستور فسار كل واحد إلى بلده وبقي السلطان بعكّا في حلقته وأرسل إلى هونين فتحها بالأمان. وفيها سار شمس الدين محمد بن عبد الملك <بن> المقدم حاجا، وكان هو أمير الحاج الشامي ليجمع بين الغزاة وزيارة القدس والخليل والحج في عام واحد، فسار ووقف بعرفات ولما أفاض أرسل إليه مجير الدين طاشنكين أمير الحاج العراقي بمنعه من الإفاضة قبله فلم يلتفت إليه، فسار العراقيون وارتفقوا مع الشاميين فقتل بينهم جماعة، وابن المقدم يمنع أصحابه من القتال ولو مكنهم لانتصفوا من العراقيين، فجرح ابن المقدم ومات شهيدا ودفن بمقبرة المعلى (١). وفيها، قوي أمر السلطان طغريل بن أرسلان شاه بن طغريل بن السلطان

стр. 8417

محمد بن السلطان ملكشاه بن ألب أرسلان بن جقربك بن داود بن ميكائيل بن سلجوق وملك كثيرا من البلاد، وأرسل قزل أرسلان بن إلدكز يستنجد الخليفة ويخوفه عاقبة أمر طغريل. وفيها، سار شهاب الدين الغوري [ملك غزنة] (١) وغزا بلاد الهند. وفيها، قتل الخليفة الناصر أستاذ داره أبا الفضل مجد الدين بن الصاحب (٢) ولم يكن للخليفة معه حكم، وظهر له أموال عظيمة فأخذت جميعها. وفيها استوزر الخليفة الناصر جلال الدين [أبا المظفّر] (٣) عبيد اللّه بن يونس ومشى أرباب (٩٤) الدولة في ركابه حتى قاضي القضاة (٤). وفي سنة أربع وثمانين وخمس مئة (١٣) شتّى السلطان في عكّا، وسار بمن معه إلى كوكب وجعل على حصارها الأمير قيماز النجمي (٥)، وسار منها في ربيع الأول ودخل دمشق وفرح الناس

стр. 8418

بقدومه، وكتب إلى الأطراف باجتماع العساكر، وأقام في دمشق خمسة أيام، وسار منها في ربيع الأول من السنة ونزل على بحيرة قدس غربي حمص وأتته العساكر بها، فأولهم عماد الدين زنكي بن مودود بن زنكي بن أقسنقر صاحب سنجار ونصيبين، ولما تكاملت العساكر رحل ونزل تحت حصن الأكراد وشن الغارات على بلاد الفرنج، وسار من حصن الأكراد فنزل على انطرطوس سادس جمادى الأولى (١) [فوجد الفرنج قد أخلوا انطرطوس، فسار إلى مرقيّة (٢) فوجدهم قد أخلوها أيضا، فسار إلى تحت المرقب (٣) وهو للاسبتار فوجده لا يرام، ولا لأحد فيه مطمع، فسار إلى جبلة ووصل إليها ثامن جمادى الأولى]، وتسلمها ساعة وصوله، فجعل لحفظها الأمير سابق الدين عثمان بن الداية (٤) صاحب شيزز، ثم سار السلطان إلى اللاذقية ووصل إليها رابع عشري جمادى الأولى ولها قلعتان فحصر القلعتين وزحف إليها فطلب أهلها الأمان فأمنهم وتسلم القلعتين، ولما تسلمهما سلمهما إلى ابن أخيه الملك المظفر تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب [فعمرها وحصن قلعتيها] (٥)، وكان تقي الدين عظيم الهمة في تحصين القلاع والغرامة عليها كما فعل بقلعة حماة.

стр. 8419

ثم رحل السلطان عن اللاذقية سابع عشري جمادى الأولى إلى صهيون (١) وحاصرها وضايقها وطلب أهلها الأمان فلم يجبهم إلا على أمان أهل القدس فيما يؤدون، فأجابوا إلى ذلك وتسلم السلطان قلعة صّثيون وسلمها إلى أمير من أصحابه يقال له (٩٥) ناصر الدين منكورس (٢) صاحب قلعة أبي قبيس (٣)، ثم فرق عساكره في تلك الجبال فملكوا حصن بلاطنس (٤)، وكان الفرنج الذين به قد هربوا وأخلوه، وملكوا حصن [العيذو] (٥) وحصن هونين. ثم سار السلطان عن صهيون [ثالث] (٦) جمادى الآخرة، ووصل إلى قلعة بكاس فأخلاها أهلها وتحصنوا بقلعة الشّغر فحاصرها السلطان ووجدها منيعة وضايقها فأرمى اللّه في قلوبهم الرعب وطلبوا الأمان، وتسلمها يوم الجمعة [سادس عشر] (٧) جمادى الآخرة، وأرسل السلطان ولده الملك الظاهر غازي صاحب حلب فحصر [سرمينية] (٨) وضايقها واستنزل أهلها على قطيعة قررها

стр. 8420

عليهم وهدم الحصن وعفى أثره، وكان في هذه وفي جميع الحصون المذكورة من [أسرى] (١) المسلمين الجم الغفير فأطلقوا وأعطوا الكسوة والنفقة. ثم سار السلطان من الشّغر إلى برزية (٢) ورتب عسكره ثلاث فرق وداومها بالزحف وملكها باليف في السابع والعشرين من جمادى الآخرة وسبى وقتل من أهلها غالبهم، قال ابن الأثير في "الكامل": كنت مع السلطان في فتحه لهذه البلاد طلبا للغزاة فنحكي ذلك عن مشاهدة (٣). ثم سار السلطان ونزل على جسر الحديد وهو على العاصي بقرب أنطاكية، فأقام عليه أياما حتى تلاحق به من تأخر من العسكر. ثم سار إلى دربساك ونزل عليها ثامن رجب هذه السنة، وحاصرها وضايقها وتسلمها بالأمان على شرط أن لا يخرج أحد منها إلا بثيابه فقط، وتسلمها تاسع عشر رجب. ثم سار إلى (٩٦) بغراس وحصرها وتسلمها بالأمان على حكم أمان دربساك، وأرسل بينمند صاحب أنطاكية إلى السلطان يطلب منه الهدنة والصلح وبذل إطلاق كل أسير عنده فأجيب إلى ذلك واصطلحوا ثمانية أشهر، وكان صاحب أنطاكية (٤) [حينئذ أعظم ملوك الفرنج في هذه البلاد، فإن أهل

стр. 8421

طرابلس سلموا إليه طرابلس بعد موت القومص صاحبها على ما ذكرناه (١) فجعل بينمد صاحب أنطاكية] ابنه في طرابلس. ولما فرغ السلطان من أمر هذه البلاد والهدنة سار إلى حلب ودخلها ثالث شعبان (٢)، وسار منها إلى دمشق وأعطى عماد الدين زنكي <بن مودود> دستورا وكذلك أعطى غيره من العساكر الشرقية، وجعل طريقه لما رحل من حلب على قبر عمر بن عبد العزيز فزاره (٣)، وزار الشيخ أبا زكريا المغربى (٤) وكان مقيما هناك وكان من عباد اللّه الصلحاء وله كرامات ظاهرة وكان مع السلطان الأمير أبو فليتة قاسم بن مهنا الحسيني (٥) صاحب مدينة الرسول ﷺ وشهد معه مشاهده وفتوحاته، وكان السلطان يتبرك برؤيته ويتيمن بصحبته، ويرجع إلى قوله، ودخل السلطان دمشق في [شهر] (٦) رمضان، فأشير عليه بتفريق العساكر ليريحوا ويستريحوا، فقال السلطان: العمر قصير والأجل غير مأمون، وكان السلطان لما سار إلى البلاد الشمالية قد جعل على الكرك وغيرها من يحصرها وخلى أخاه العادل بتلك الجهات فباشر ذلك، فأرسل أهل الكرك يطلبون الأمان فأمر الملك العادل المباشرين لحصارها بتسليمها فسلّموها وهي: الكرك والشّوبك وما بتلك الجهة من البلاد. ثم سار السلطان (٩٧) من دمشق المحروسة في منتصف رمضان إلى صفد

стр. 8422

وحصرها وتسلمها بالأمان. ثم سار إلى كوكب وعليها قيماز النّجمي يحاصرها (١) فضايقها السلطان وتسلمها بالأمان في منتصف ذي القعدة وسير أهلها إلى صور، وكان اجتماع أهل هذه القلاع في صور من أعظم أسباب الضرر على المسلمين، ظهر ذلك فيما بعد. ثم سار السلطان إلى القدس فعيّد فيه عيد الأضحى، ثم سار إلى عكّا فأقام بها حتى انسلخت السنة. وفيها، أرسل قزل بن إلدكز يستنجد بالخليفة الإمام الناصر على طغريل بن أرسلان بن طغريل بن محمد بن السلطان ملك شاه السّلجوقي ويحذره عاقبة طغريل، فأرسل الخليفة عسكرا إلى طغريل، والتقوا ثامن ربيع الأول هذه السنة قرب همذان، فانهزم عسكر الخليفة فغنم طغريل أموالهم وأسر مقدمهم الوزير جلال الدين (٢). وفي سنة خمس وثمانين وخمس مئة (١٣) سار السلطان صلاح الدين ونزل بمرج عيون، وحضر إليه صاحب شقيف أرنون وبذل له تسليم الشقيف بعد مدة عيّنها خديعة منه، فلما بقي للمدة ثلاثة أيام استحضره السلطان وكان اسمه أرناط، وقال له في التسليم، فقال: لا يوافقني عليه أهلي وأهل الحصن، فأمسكه السلطان وبعث به إلى دمشق فحبس.

стр. 8423

وفيها، كان حصار الفرنج عكّا كان قد اجتمع بصور أهل البلاد التي أخذها السلطان بالأمان فكثر (٩٨) جمعهم حتى صاروا في عدد لا يحصى، وأرسلوا إلى البحر يبكون ويستنجدون، وصوروا المسيح وصوروا [عربيا] (١) يضرب المسيح وقد أدماه، وقالوا: هذا نبي العرب يضرب المسيح فخرجت النساء من بيوتهن، ووصل من البحر عالم لا يحصى كثرة وساروا من صور إلى عكّا ونازلوها في منتصف رجب هذه السنة، وضايقوا عكّا وأحاطوا بسورها من البحر إلى البحر، ولم يبق للمسلمين إليها طريق، فسار السلطان ونزل قريب الفرنج وقاتلهم في مستهل شعبان وباتوا على ذلك وأصبحوا، وحمل تقي الدين عمر صاحب حماة من ميمنة السلطان على الفرنج فأزالهم عن موقعهم والتزق بالسور وانفتح الطريق إلى المدينة فأدخل السلطان إلى عكّا عسكرا نجدة، وكان من جملتهم أبو الهيجاء السّمين، وبقي المسلمون يغادون القتال ويراوحونه إلى عشري شعبان، ثم كان بين المسلمين وبينهم الوقعة العظيمة، فإن الفرنج اجتمعوا وحملوا على السلطان في القلب فأزالوه عن موقفه، وأخذ الفرنج يقتلون المسلمين إلى أن بلغوا خيمة السلطان فانحاز السلطان هو وخاصته إلى جانب وانقطع مدد الفرنج واشتغلوا بقتال الميمنة، فحمل السلطان على الفرنج الذين خرقوا الميمنة وعطف الجيش عليهم وأفنوهم قتلا، فقتل في ذلك الوقت من الفرنج قريب الثلاثين ألفا (٢). ووصل المنهزمون من المسلمين بعضهم إلى طبرية وبعضهم إلى دمشق (٩٩) وجافت الأرض بعد هذه الوقعة، ولحق السلطان مرض القولنج وأشار عليه الأمراء بالانتقال من ذلك الوضع فوافقهم ورحل عن عكّا رابع عشر رمضان هذه السنة

стр. 8424

إلى الخرّوبة، فلما رحل تمكن الفرنج من حصار عكّا وانبسطوا في تلك الأرض، ووصل أسطول المسلمين في البحر مع حسام الدين لؤلؤ الحاجب فظفر بأصطول الفرنج وأخذه وأخذ من الفرنج أموالا عظيمة ودخل بالكل إلى عكّا، فقوى به قلوب المسلمين وكذلك وصل الملك العادل بعسكر مصر بالسلاح إلى أخيه السلطان فقويت قلوب المسلمين بوصوله. وفي سنة ست وثمانين وخمس مئة (١٣) بعد دخول صفر رحل السلطان من الخرّوبة وعاد إلى قتال الفرنج بعكّا، وكان الفرنج قد عملوا قرب سور عكّا ثلاثة أبرجة طول البرج ستون ذراعا جلبوا خشبها من جزائر البحر وعملوها طبقات وشحنوها بالسلاح [والمقاتلة] (١) ولبّسوها جلود البقر والطين بالخل لئلا تعمل فيها النار، فتحيل المسلمون وأحرقوا البرج الأول فاحترق بمن فيه من الرجال والسلاح، ثم أحرقوا الثاني والثالث وانبسطت نفوس المسلمين لذلك بعد الكآبة، ووصلت إلى السلطان عساكر البلاد، وبلغ المسلمين وصول ملك الألمان (٢)، وكان قد سار من بلاد وراء القسطنطينية بمائة ألف مقاتل واغتم المسلمون لذلك وأيسوا من الشام بالكلية،

стр. 8425

فسلط الله على الألمان الغلاء والوباء فهلك أكثرهم في الطريق، ولما وصل ملكهم (١٠٠) إلى بلاد الأرمن نزل في نهر هناك يغتسل فهلك غرقا، وأقاموا ابنه (١) مقامه فرجع من عسكره طائفة إلى بلادهم، وطائفة اختارت أخا ابن الملك المذكور فرجعوا مع ابن الملك (٢)، ووصل مع ابن الملك المتولي أولا إلى فرنج عكّا ألف مقاتل وكفى الله المسلمين شرهم، وبقي السلطان وفرنج عكّا يتناوشون القتال إلى العشرين من جمادى الآخرة فخرجت الفرنج بالفارس والراجل من خنادقهم وأزالوا الملك العادل عن موقفه وكان معه عسكر مصر، فعطف عليهم المسلمون وقتلوا من الفرنج قريب عشرة آلاف فارس فرجعوا إلى خنادقهم، وحصل للسلطان مغص فانقطع في خيمة صغيرة ولولا ذلك كانت الفيصلة، ولكن إذا أراد الله أمرا فلا مرد له. وفيها، لما قوي الشتاء واشتدت الرياح، أرسل الفرنج [المحاصرون عكّا] (٣) مراكبهم إلى صور خوفا أن تنكسر فانفتحت الطريق إلى عكّا في البحر، وأرسل السلطان إليها البذل فكان العسكر الذين خرجوا منها أضعاف الواصلين إليها فحصل التفريط لذلك. وفيها، [في] (٤) ثامن شوال، توفي زين الدين يوسف بن زين الدين علي كوجك (٥) صاحب إربل، وكان مع السلطان بعسكره، ولما مات أقطع السلطان

стр. 8426

إربل أخاه مظفر الدين كوكبوري بن زين الدين علي كوجك، وأضاف إليه شهرزور وأعمالها، وارتجع ما كان بيد المظفر وهو حران والرّها، وسار مظفر الدين إلى إربل وملكها. (١٠١) وفيها، استولى الخليفة الناصر على حديثة عانة (١) بعد أن حصرها مدة. وفيها، [أقطع] (٢) السلطان ما كان بيد مظفر الدين وهو حران والرّها وسميساط (٣) [والموزر] (٤) الملك المظفر تقي الدين عمر زيادة على ما بيده وهو: ميّافارقين ومن الشام حماة والمعرة وسلمية ومنبج وقلعة نجم (٥) وجبلة واللاذقية وبلاطنس ومكرابيك. وفي سنة سبع وثمانين وخمس مئة (١٣) كان استيلاء الفرنج على عكّا واستمر حصار الفرنج لعكّا إلى هذه السنة وكانوا قد أحاطوا بها من البحر إلى البحر، وحفروا عليهم خندقا فلم يتمكن السلطان من الوصول إليهم وكانوا محاصرين لعكّا وهم كالمحصورين من خارج بالسلطان، واشتد حصارهم لعكّا وطال، وضعف من بها عن حفظ البلد، وعجز السلطان صلاح الدين عن دفع

стр. 8427

العدو عنهم، فخرج الأمير سيف الدين علي بن أحمد المشطوب وطلب الأمان من الفرنج على مال وأسرى يقومون به للفرنج فأجابوهم إلى ذلك، وصعدت أعلام الفرنج على عكّا يوم الجمعة سابع عشر جمادى الآخرة وقت الظهر، واستولوا على البلد بما فيه، وحبسوا المسلمين في أماكن من البلد، وقالوا إنما نحبسهم ليقوموا بالمال والأسرى وصليب الصلبوت، وكتبوا إلى السلطان صلاح الدين بذلك فحصل ما أمكن تحصيله من ذلك، وطلب إطلاق المسلمين، فلم يجيبوا إلى ذلك (١٠٢) فعلم منهم الغدر واستمر أسرى المسلمين بها، ثم قتل الفرنج من المسلمين جماعة كثيرة واستمروا بالباقين في الأسر، وبعد استيلاء الفرنج على عكّا وتقرير أمرها رحلوا عنها مستهل شعبان نحو قيساريّة والمسلمون يسايرونهم ويتحفظون منهم، ثم ساروا من قيساريّة إلى أرسوف (١) ووقع بينهم وبين المسلمين مصاف أزالوا المسلمين عن مواقفهم، ووصلوا إلى سوق المسلمين فقتلوا خلقا كثيرا أكثرهم من السّوقة، ثم سار الفرنج إلى يافا وقد أخلاها المسلمون فملكوها، ثم رأى السلطان تخريب عسقلان مصلحة لئلا يحصل لها ما حصل لعكّا، فسار إليها وأخلاها ورتب الحجارين في تفليق أسوارها وتخريبها، فدكّها إلى الأرض، فلما فرغ من تخريب عسقلان رحل عنها ثاني شهر رمضان إلى الرملة فخرب حصنها وخرب كنيسة لد، ثم سار إلى القدس وقرر أموره وعاد إلى مخيمه بالنطرون ثامن رمضان. ثم تراسل الفرنج والسلطان في الصلح على أن يتزوج الملك العادل أخو السلطان بأخت ملك الانكتار (٢)، ويكون للملك العادل القدس ولامرأته عكّا،

стр. 8428

فحضر القسيسون وأنكروا عليها ذلك إلا أن ينتصر الملك العادل فلم يتفق بينهم حال، ثم رحل الفرنج من يافا إلى الرملة ثامن ذي القعدة، وبقي كل يوم يقع بينهم وبين المسلمين مناوشات، ولقوا من ذلك شدة شديدة (١٠٣)، وأقبل الشتاء وحالت الأوحال بينهم. ولما رأى السلطان ذلك وقد ضجرت العساكر أعطاهم الدستور وسار إلى القدس لتسع بقين من ذي القعدة، ونزل داخل البلد واستراحوا مما كانوا فيه، وأخذ السلطان في تعمير القدس وتحصينه وأمر العسكر بنقل الحجارة وكان السلطان ينقل الحجارة بنفسه على فرسه ليقتدي به العسكر فكان يجتمع عند العمالين في اليوم الواحد ما يكفيهم [لعدة] (١) أيام. وفيها، كانت وفاة الملك المظفر تقي الدين عمر (٢). كان تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب قد سار إلى البلاد المرتجعة من كوكبوري التي زاده إياها عمه السلطان من وراء الفرات، وهي حران وغيرها، فامتدت عين الملك المظفر إلى بلاد مجاورة، واستولى على السويداء (٣) وحاني (٤) واتقع مع بكتمر صاحب أخلاط فكسره وحصره في أخلاط وتملك معظم البلاد، ثم رحل عنها ونازل ملازكرد وهي لبكتمر وضايقها، وكان في صحبته ولده الملك المنصور محمد (٥) فعرض للملك المظفر مرض شديد وتزايد

стр. 8429

به حتى توفي يوم الجمعة لإحدى عشرة ليلة بقيت من رمضان هذه السنة، فأخفى ولده المنصور وفاته، ورحل عن ملازكرد، ووصل به إلى حماة ودفنه بظاهرها، وبنى إلى جانب التربة مدرسة وهو مشهور هناك. وكان المظفر شجاعا شديد البأس، ركنا (١٠٤) عظيما من أركان بيت أيوب، وكان عنده فضل وأدب وله شعر حسن، واتفق أن في ليلة الجمعة التي توفي فيها الملك المظفر توفي حسام الدين محمد بن عمر بن لاجين (١) وأمه ست الشام بنت أيوب (٢) أخت السلطان فأصيب السلطان في تاريخ واحد بابن أخيه وابن أخته. ولما مات الملك المظفر راسل ابنه الملك المنصور السلطان صلاح الدين واشترط شروطا نسبه السلطان فيها إلى العصيان فكاد أمره أن يضطرب بالكلية، فراسل الملك المنصور الملك العادل [أخا] (٣) السلطان في استعطاف خاطر السلطان، فما برح الملك العادل بأخيه السلطان يراجعه ويشفع في الملك المنصور حتى أجابه وقرر للملك المنصور حماة وسلمية والمعرة وقلعة نجم ومنبج، واسترجع منه البلاد الشرقية وأقطعها أخاه الملك العادل بعد أن شرط السلطان على الملك العادل أن ينزل عن كل ما له من الإقطاع بالشام خلا الكرك والشّوبك والصّلت والبلقاء ونصف خاصّه، بمصر وأن يكون عليه في كل سنة خمسة آلاف (٤)

стр. 8430

غرارة تحمل من الصّلت والبلقاء إلى القدس، ولما استقر ذلك سار الملك العادل إلى البلاد الشرقية وقرر أمورها، وعاد إلى خدمة السلطان في آخر جمادى الآخرة من السنة القابلة أعني سنة ثمان وثمانين. ولما قدم الملك العادل (١٠٥) على السلطان كان الملك المنصور صاحب حماة صحبته، فلما رأى السلطان الملك المنصور بن تقي الدين نهض واعتنقه وغشيه البكاء [وأكرمه] (١) وأنزله في مقدمة عسكره. وفيها، في شعبان قتل قزل أرسلان عثمان بن إلدكز (٢)، ملك أذربيجان وهمذان والري وأصفهان بعد أخيه محمد البهلوان، وكان قد قوي عليه السلطان طغريل السلجوقي وهزم عسكر بغداد كما تقدم ذكره (٣)، ثم إن قزل أرسلان تغلب واعتقل طغريل بن أرسلان شاه في بعض البلاد، وسار قزل أرسلان بعد ذلك إلى أصبهان وتعصب على الشفعوية وأخذ جماعة من أعيانهم فصلبهم وعاد إلى همذان، وخطب لنفسه بالسلطنة، ودخل لينام على فراشه وتفرق عنه أصحابه، فدخل عليه من قتله على فراشه، ولم يعرف من قتله. وفيها قدم معز الدين قيصر شاه بن قليج أرسلان (٤) صاحب بلاد الروم إلى السلطان صلاح الدين، وسببه أن والده فرق مملكته على أولاده، وأعطى ولده هذا ملطية ثم تغلب بعض إخوته على أبيه قليج أرسلان وألزمه بأخذ ملطية من أخيه المذكور (٥) فخاف من ذلك، وسار إلى السلطان مستجيرا فأكرمه السلطان

стр. 8431

وزوجه بابنة أخيه الملك العادل وعاد معز الدين إلى ملطية في ذي القعدة وقد انقطعت أطماع أخيه منه. قال ابن الأثير: لما ركب السلطان صلاح الدين ليودع (١٠٦) معز الدين قيصر شاه المذكور ترجل معز الدين له فترجل السلطان، فلما ركب السلطان عضده معز الدولة وركّبه، وكان علاء الدين بن عز الدين مسعود (١) صاحب الموصل مع السلطان إذ ذاك فسوى ثياب السلطان، فقال بعض الحاضرين: أما بقيت تبالي يا ابن أيوب بأي موتة تموت، يركبك ملك سلجوقي، ويصلح ثيابك ابن أتابك زنكي (٢)! وفي سنة ثمان وثمانين وخمس مئة (١٣) سار الفرنج إلى عسقلان وشرعوا في عمارتها والسلطان في القدس. وفيها، قتل المركيس (٣) صاحب صور قتله الباطنية، وكان قد دخلوا في زيّ الرهبان إلى صور. وفيها، عقدت الهدنة مع الفرنج، وعاد السلطان إلى دمشق، وكان سبب ذلك أن ملك الانكتار مرض فطال عليه البيكار (٤) فكاتب الملك العادل يسأله الدخول على السلطان في الصلح، فلم يجب السلطان إلى الصلح، ثم اتفق

стр. 8432

الأمراء عليه لطول البيكار وضجر العسكر فأجاب السلطان واستقر أمر الهدنة يوم السبت ثامن عشر شعبان، وتحالفوا على ذلك يوم الأربعاء الثاني والعشرين من شعبان، ولم يحلف ملك الانكتار بل أخذوا يده وعاهدوه واعتذر بأن الملوك لا يحلفون، وقنع بذلك السلطان، وحلف الكندهري (١) ابن أخيه وخليفته في الساحل، وكذلك حلف غيره من عظماء الفرنج (١٠٧) ووصل ابن الهنفري وباليان (٢) إلى خدمة السلطان ومعهما جماعة من مقدمي الفرنج فأخذوا يد السلطان على الصلح واستحلفوا الملك العادل أخا السلطان، والأفضل والظاهر ابني السلطان، والملك المنصور محمد بن تقي الدين عمر صاحب حماة، والملك المجاهد شير كوه صاحب حمص، والأمجد بهرام شاه ابن فرّخشاه صاحب بعلبك، والأمير بدر الدين دلدرم (٣) الياروقي صاحب تل باشر، والأمير سابق الدين عثمان بن الداية صاحب شيزر، والأمير سيف الدين علي بن أحمد المشطوب وغيرهم من المقدمين الكبار، وعقدت هدنة عامة في البر والبحر وجعلت مدتها ثلاث سنين وثلاثة أشهر (٤) أولها [يوافق أول] (٥) أيلول الموافق لحادي عشري شعبان وكانت الهدنة على أن تستقر بيد الفرنج يافا وعملها وقيساريّة وأرسوف وحيفا وعكّا بأعمالهم، وأن تكون عسقلان خرابا، وشرط السلطان دخول

стр. 8433

صاحب أنطاكية وطرابلس في عقد هدنتهم وأن تكون لد والرّملة مناصفة بينهم وبين المسلمين، فاستقرت القاعدة على ذلك. ورحل السلطان إلى القدس في رابع شهر رمضان، وتفقد أحواله، وأمر بتشييد أسواره، وزاد في وقف المدرسة التي عملها بالقدس، وهذه المدرسة كانت قبل الإسلام تعرف بصندحنة يذكرون أن فيها قبر حنة أم مريم، ثم صارت في الإسلام دار علم قبل أن يملك الفرنج القدس (١٠٨)، ثم لما ملك الفرنج القدس سنة اثنتين وتسعين وأربع مئة أعادوها كنيسة كما كانت قبل الإسلام، فلما فتح السلطان القدس أعادها مدرسة وفوض تدريسها إلى القاضي بهاء الدين بن شداد (١). ولما استقر أمر الهدنة أرسل السلطان مئة حجار لتخريب عسقلان، وأن يخرج من بها من الفرنج، وعزم على الحج والإحرام من القدس، وكتب إلى أخيه سيف الإسلام صاحب اليمن بذلك. ثم فنده الأمراء، وقالوا: لا نعتمد على هدنة الفرنج خوفا من غدرهم، فانتقض عزمه، ورحل عن القدس لخمس مضين من شوال إلى نابلس، ثم إلى بيسان، ثم إلى كوكب وبات بقلعتها، ثم رحل إلى طبرية، ولقيه بهاء الدين قراقوش الأسدي، وقد خلص من الأسر، وكان قد أسر بعكّا لما أخذها الفرنج مع من أسر (٢) فسار قراقوش مع السلطان إلى دمشق ثم [سار منها قراقوش] (٣) إلى مصر، ثم سار [السلطان] (٣) إلى بيروت، ووصل إلى خدمته بيمند صاحب أنطاكية يوم السبت حادي عشري شوال، فأكرمه السلطان وفارقه غد ذلك اليوم،

стр. 8434

وسار السلطان إلى دمشق، ودخلها يوم الأربعاء لخمس بقين من شوال، وفرح الناس به لأن غيبته عنهم كانت أربع سنين، وأقام العدل والإحسان بدمشق، وأعطى العساكر دستورا فودعه الملك الظاهر وداعا لا لقاء بعده، وسار إلى حلب وبقي مع السلطان (١٠٩) بدمشق ولده الملك الأفضل والقاضي الفاضل، وكان الملك العادل قد استأذن السلطان، وسار من القدس إلى الكرك لينظر في مصالحه، ثم عاد الملك العادل إلى دمشق طالبا الديار الشرقية التي صارت له بعد تقي الدين عمر، فوصل إلى دمشق حادي عشري [ذي] (١) القعدة، وخرج السلطان إلى لقائه. وفيها، وقف السلطان ثلث نابلس على مصالح القدس، وأقطع الباقي الأمير عماد الدين أحمد بن سيف الدين علي بن المشطوب (٢) [وأميرين معه] (١). وفيها، توفي السلطان عز الدين قليج أرسلان بن مسعود بن قليج أرسلان بن سليمان بن قطلومش بن أرسلان يبغو بن سلجوق (٣)، وكان ملكه في سنة إحدى وخمسين وخمس مئة، وكان ذا سياسة حسنة وهيبة عظيمة وعدل وافر وغزوات كثيرة، وكان له عشرة بنين قد ولى كل واحد منهم قطرا من بلاد الروم، وأكبرهم قطب الدين ملكشاه (٤)، وكان أعطاه أبوه سيواس، فسولت له نفسه القبض على أبيه وإخوته والانفراد بالسلطنة، وساعده على ذلك صاحب أرزنكان، فسار قطب الدين ملكشاه وهجم على والده قليج أرسلان بمدينة

стр. 8435

قونية وقبض عليه، وقال لوالده وهو في قبضته أنا بين يديك أنفذ أوامرك، ثم إنه أشهد على والده أنه قد جعله ولي عهده، ثم مضى ملكشاه إلى حرب أخيه (١١٠) نور الدين سلطان شاه (١) صاحب قيساريّة ووالده في القبضة معه وهو يظهر أن ما يفعله إنما هو بأمر والده، فخرج عسكر قيساريّة لقتاله، فوجد أبوه عز الدين قليج أرسلان عند اشتغال العسكر بالقتال فرصة فهرب إلى ابنه سلطان شاه صاحب قيساريّة فأكرمه وعظمه كما يجب عليه فرجع قطب الدين ملكشاه إلى قونية، وخطب لنفسه بالسلطنة، وبقي أبوه قليج أرسلان يتردد في بلاده بين أولاده كلما ضجر منه واحد منهم تنقل إلى آخر حتى حصل عند ولده غياث الدين كيخسرو (٢) صاحب برجلو فقوى أباه قليج أرسلان وأعطاه وجمع له وجيّشه وسار [معه] (٣) إلى قونيه وملكها وأخذها من ابنه ملكشاه، ثم سار إلى أقصرا فاتفق أن عز الدين قليج أرسلان مات في التاريخ المذكور فأخذه ولده كيخسرو وعاد به إلى قونية فدفنه بها، [واتفق موت ملكشاه بعد موت أبيه قليج أرسلان بقليل فاستقر كيخسرو في ملك قونية] (٣) وأثبت أنه ولي عهد أبيه قليج أرسلان. ثم إن ركن الدين سليمان (٤) أخا غياث الدين كيخسرو قوي على أخيه كيخسرو وأخذ منه قونية فهرب كيخسرو إلى الشام مستجيرا بالملك الظاهر صاحب حلب، ثم مات ركن الدين سليمان سنة ست مئة وملك بعده ولده

стр. 8436

قليج أرسلان (١) فرجع غياث الدين كيخسرو إلى بلاد الروم، وأزال ملك قليج أرسلان بن سليمان، وملك بلاد الروم جميعها واستقرت سلطته ببلاد الروم، وبقي كذلك إلى أن قتل وملك بعده ابنه عز الدين كيكاوس (٢) ثم توفي كيكاوس (١١١) وملك بعده أخوه علاء الدين كيقباذ، وتوفي علاء الدين كيقباذ سنة أربع وثلاثين وست مئة (٣)، وملك بعده ولده غياث الدين كيخسرو بن كيقباذ (٤)، وكسره التتر سنة أربع وأربعين وست مئة، وتضعضع حينئذ ملك السلاجقة ببلاد الروم، ثم مات كيخسرو بن كيقباذ بن كيخسرو بن قليج أرسلان بن مسعود بن قليج أرسلان بن سليمان بن قطلومش بن أرسلان سلجوق، وانقضى بموت كيخسرو المذكور ملك سلاطين بلاد الروم في الحقيقة لأن من صار بعده لم يكن له في السلطنة غير مجرد الاسم، وخلف كيخسرو المذكور صبيين (٥) هما ركن الدين (٦) وعز الدين (٧) فملكا بعده معا

стр. 8437

[مدة] (١) مديدة، ثم انفرد ركن الدين بالسلطنة وهرب أخوه عز الدين إلى قسطنطينية، وتغلب على ركن الدين معين الدولة البرواناه (٢) والبلاد في الحقيقة للتتر ثم إن البرواناه قتل ركن الدين، وأقام ابنا لركن الدين (٣) يخطب له بالسلطنة والحكم للبرواناه وهو نائب التتر على ما سنذكره (٤) إن شاء الله تعالى. وفيها، غزا شهاب الدين الغوري الهند، فغنم وقتل ما لا يحصى. وفيها، خرج السلطان طغريل بن أرسلان بن طغريل من الحبس بعد قتل قزل أرسلان بن إلدكز، وكان قزل قد اعتقله حسبما تقدم ذكره في سنة سبع وثمانين وخمس مئة (٥). وفي سنة تسع وثمانين وخمس مئة (١٣) كانت وفاة السلطان الملك الناصر صلاح الدين أبو المظفر يوسف بن نجم الدين أيوب تغمده اللّه برحمته. (١١٢) دخلت هذه السنة والسلطان بدمشق على أكمل [ما يكون

стр. 8438

من] (١) المسرّة، وخرج إلى شرقي دمشق متصيدا، وغاب خمسة عشر يوما، وصحبته أخوه الملك العادل، ثم عاد إلى دمشق، وودعه أخوه الملك العادل وداعا لا لقاء بعده، وسار إلى الكرك، وأقام فيه حتى بلغه وفاة السلطان وأقام السلطان بدمشق، وركب يوم الجمعة خامس عشر صفر وتلقى الحجاج، وكانت عادته [أن] (١) لا يركب إلا وعليه الكزاغند، فركب ذلك اليوم وقد اجتمع بسبب اجتماع الحجاج وركوبه عالم كثير، ولم يلبس الكزاغند ثم ذكره وهو راكب فطلبه فلم يجده لأنه لم يحمل معه (٢)، ولما التقى الحجاج استعبرت عيناه كيف فاته الحج، ووصل إليه مع الحجاج ولد أخيه سيف الإسلام صاحب اليمن، ثم عاد السلطان بين البساتين على جهة المنيبع (٣)، ودخل إلى القلعة على الجسر، وكانت هذه آخر ركباته، فلحقه ليلة السبت سادس عشر صفر كسل عظيم وغشيه نصف الليل حمى صفراوية، وأخذ المرض في التزايد، وفصده الأطباء في الرابع (٤) فاشتد مرضه، وحدث به في التاسع رعشة وغاب ذهنه، وامتنع من تناول المشروب، واشتد الإرجاف في البلد، وغشي الناس من الحزن والبكاء عليه ما لا يمكن حكايته، وحقن في العاشر حقنتين فاستراح بدنه، وتناول من ماء الشعير مقدارا صالحا ثم لحقه عرق عظيم حتى نفذ من الفراش، واشتد المرض ليلة ثاني عشر مرضه وهي ليلة السابع والعشرين من صفر، وحضر عنده الشيخ أبو جعفر (٥) إمام الكلاّسة ليبيت عنده في القلعة (١١٣) بحيث إن

стр. 8439

احتضر بالليل لقنه الشهادة، وتوفي السلطان في الليلة المذكورة وهي المسفرة عن نهار الأربعاء ثامن عشري صفر (١) بعد صلاة الصبح سنة تشع وثمانين، وبادر القاضي الفاضل بعد صلاة الصبح فحضر وفاته، ووصل القاضي بهاء الدين بن شداد بعد موته، وغسله الخطيب الدولعي (٢) بدمشق وأخرج بعد صلاة الظهر من نهار الأربعاء المذكور في تابوت مسجى بثوب [فوط] (٣) وجميع ما احتاجه من ثياب تكفينه أحضرها القاضي الفاضل من جهات حلّ عرفها. وصلى عليه الناس ودفن بقلعة دمشق في الدار التي كان مريضا فيها وكان نزوله إلى قبره بعد صلاة العصر من النهار المذكور. وكان الملك الأفضل ابنه قد حلف الناس له عندما اشتد بوالده المرض، وجلس للعزاء في القلعة، وأرسل الملك الأفضل الكتب بوفاة والده إلى أخيه الملك العزيز عثمان بمصر، وإلى أخيه الملك الظاهر بحلب، وإلى عمه الملك العادل بالكرك، ثم إن الأفضل عمل لوالده تربة قرب الجامع وكانت دارا لرجل صالح، ونقل إليها السلطان يوم عاشوراء سنة اثنتين وتسعين وخمس مئة ومشى الأفضل بين يدي تابوته، وأخرج من باب القلعة على دار الحديث (٤) إلى باب البريد،

стр. 8440

وأدخل الجامع ووضع قدام النسر (١) وصلى عليه القاضي محيي الدين بن الزكي ثم دفن، وجلس ابنه الأفضل في الجامع ثلاثة أيام للعزاء، وانفقت ست الشام بنت أيوب أخت السلطان في هذه النّوبة أموالا عظيمة. (١١٤) وكان مولد السلطان بتكريت في شهور سنة اثنتين وثلاثين وخمس مئة فكان عمره سبعا وخمسين سنة، وكانت مدة ملكه بالديار المصرية نحو أربع وعشرين سنة، وملكه للشام قريبا من تسع عشرة سنة، وخلف سبعة عشر ولدا ذكرا وبنتا واحدة، وكان أكبر أولاده الملك الأفضل نور الدين علي، ولد بمصر سنة خمس وستين وخمسة مئة، وكان العزيز عثمان أصغر منه نحو سنتين، وكان الظاهر صاحب حلب أصغر منهما، وبقيت البنت (٢) حتى تزوجها ابن عمها الملك الكامل (٣) صاحب مصر، ولم يخلف السلطان صلاح الدين في خزانته غير سبعة وأربعين درهما وجرم واحد صوريّ، وهذا من رجل له البلاد المصرية والشام واليمن والشرق دليل قاطع على فرط كرمه، ولم يخلف دارا ولا عقارا، قال العماد الكاتب (٤): حسبت ما أطلقه السلطان في مدة مقامه بمرج عكا من خيل عراب وأكاديش
следующие страницы →