← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11790

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط المجمع الثقافي

ابن فضل الله العمري

Полный текст (8 839 стр.). Показаны 8436–8475 · переход к 8441.

стр. 8436

قليج أرسلان (١) فرجع غياث الدين كيخسرو إلى بلاد الروم، وأزال ملك قليج أرسلان بن سليمان، وملك بلاد الروم جميعها واستقرت سلطته ببلاد الروم، وبقي كذلك إلى أن قتل وملك بعده ابنه عز الدين كيكاوس (٢) ثم توفي كيكاوس (١١١) وملك بعده أخوه علاء الدين كيقباذ، وتوفي علاء الدين كيقباذ سنة أربع وثلاثين وست مئة (٣)، وملك بعده ولده غياث الدين كيخسرو بن كيقباذ (٤)، وكسره التتر سنة أربع وأربعين وست مئة، وتضعضع حينئذ ملك السلاجقة ببلاد الروم، ثم مات كيخسرو بن كيقباذ بن كيخسرو بن قليج أرسلان بن مسعود بن قليج أرسلان بن سليمان بن قطلومش بن أرسلان سلجوق، وانقضى بموت كيخسرو المذكور ملك سلاطين بلاد الروم في الحقيقة لأن من صار بعده لم يكن له في السلطنة غير مجرد الاسم، وخلف كيخسرو المذكور صبيين (٥) هما ركن الدين (٦) وعز الدين (٧) فملكا بعده معا

стр. 8437

[مدة] (١) مديدة، ثم انفرد ركن الدين بالسلطنة وهرب أخوه عز الدين إلى قسطنطينية، وتغلب على ركن الدين معين الدولة البرواناه (٢) والبلاد في الحقيقة للتتر ثم إن البرواناه قتل ركن الدين، وأقام ابنا لركن الدين (٣) يخطب له بالسلطنة والحكم للبرواناه وهو نائب التتر على ما سنذكره (٤) إن شاء الله تعالى. وفيها، غزا شهاب الدين الغوري الهند، فغنم وقتل ما لا يحصى. وفيها، خرج السلطان طغريل بن أرسلان بن طغريل من الحبس بعد قتل قزل أرسلان بن إلدكز، وكان قزل قد اعتقله حسبما تقدم ذكره في سنة سبع وثمانين وخمس مئة (٥). وفي سنة تسع وثمانين وخمس مئة (١٣) كانت وفاة السلطان الملك الناصر صلاح الدين أبو المظفر يوسف بن نجم الدين أيوب تغمده اللّه برحمته. (١١٢) دخلت هذه السنة والسلطان بدمشق على أكمل [ما يكون

стр. 8438

من] (١) المسرّة، وخرج إلى شرقي دمشق متصيدا، وغاب خمسة عشر يوما، وصحبته أخوه الملك العادل، ثم عاد إلى دمشق، وودعه أخوه الملك العادل وداعا لا لقاء بعده، وسار إلى الكرك، وأقام فيه حتى بلغه وفاة السلطان وأقام السلطان بدمشق، وركب يوم الجمعة خامس عشر صفر وتلقى الحجاج، وكانت عادته [أن] (١) لا يركب إلا وعليه الكزاغند، فركب ذلك اليوم وقد اجتمع بسبب اجتماع الحجاج وركوبه عالم كثير، ولم يلبس الكزاغند ثم ذكره وهو راكب فطلبه فلم يجده لأنه لم يحمل معه (٢)، ولما التقى الحجاج استعبرت عيناه كيف فاته الحج، ووصل إليه مع الحجاج ولد أخيه سيف الإسلام صاحب اليمن، ثم عاد السلطان بين البساتين على جهة المنيبع (٣)، ودخل إلى القلعة على الجسر، وكانت هذه آخر ركباته، فلحقه ليلة السبت سادس عشر صفر كسل عظيم وغشيه نصف الليل حمى صفراوية، وأخذ المرض في التزايد، وفصده الأطباء في الرابع (٤) فاشتد مرضه، وحدث به في التاسع رعشة وغاب ذهنه، وامتنع من تناول المشروب، واشتد الإرجاف في البلد، وغشي الناس من الحزن والبكاء عليه ما لا يمكن حكايته، وحقن في العاشر حقنتين فاستراح بدنه، وتناول من ماء الشعير مقدارا صالحا ثم لحقه عرق عظيم حتى نفذ من الفراش، واشتد المرض ليلة ثاني عشر مرضه وهي ليلة السابع والعشرين من صفر، وحضر عنده الشيخ أبو جعفر (٥) إمام الكلاّسة ليبيت عنده في القلعة (١١٣) بحيث إن

стр. 8439

احتضر بالليل لقنه الشهادة، وتوفي السلطان في الليلة المذكورة وهي المسفرة عن نهار الأربعاء ثامن عشري صفر (١) بعد صلاة الصبح سنة تشع وثمانين، وبادر القاضي الفاضل بعد صلاة الصبح فحضر وفاته، ووصل القاضي بهاء الدين بن شداد بعد موته، وغسله الخطيب الدولعي (٢) بدمشق وأخرج بعد صلاة الظهر من نهار الأربعاء المذكور في تابوت مسجى بثوب [فوط] (٣) وجميع ما احتاجه من ثياب تكفينه أحضرها القاضي الفاضل من جهات حلّ عرفها. وصلى عليه الناس ودفن بقلعة دمشق في الدار التي كان مريضا فيها وكان نزوله إلى قبره بعد صلاة العصر من النهار المذكور. وكان الملك الأفضل ابنه قد حلف الناس له عندما اشتد بوالده المرض، وجلس للعزاء في القلعة، وأرسل الملك الأفضل الكتب بوفاة والده إلى أخيه الملك العزيز عثمان بمصر، وإلى أخيه الملك الظاهر بحلب، وإلى عمه الملك العادل بالكرك، ثم إن الأفضل عمل لوالده تربة قرب الجامع وكانت دارا لرجل صالح، ونقل إليها السلطان يوم عاشوراء سنة اثنتين وتسعين وخمس مئة ومشى الأفضل بين يدي تابوته، وأخرج من باب القلعة على دار الحديث (٤) إلى باب البريد،

стр. 8440

وأدخل الجامع ووضع قدام النسر (١) وصلى عليه القاضي محيي الدين بن الزكي ثم دفن، وجلس ابنه الأفضل في الجامع ثلاثة أيام للعزاء، وانفقت ست الشام بنت أيوب أخت السلطان في هذه النّوبة أموالا عظيمة. (١١٤) وكان مولد السلطان بتكريت في شهور سنة اثنتين وثلاثين وخمس مئة فكان عمره سبعا وخمسين سنة، وكانت مدة ملكه بالديار المصرية نحو أربع وعشرين سنة، وملكه للشام قريبا من تسع عشرة سنة، وخلف سبعة عشر ولدا ذكرا وبنتا واحدة، وكان أكبر أولاده الملك الأفضل نور الدين علي، ولد بمصر سنة خمس وستين وخمسة مئة، وكان العزيز عثمان أصغر منه نحو سنتين، وكان الظاهر صاحب حلب أصغر منهما، وبقيت البنت (٢) حتى تزوجها ابن عمها الملك الكامل (٣) صاحب مصر، ولم يخلف السلطان صلاح الدين في خزانته غير سبعة وأربعين درهما وجرم واحد صوريّ، وهذا من رجل له البلاد المصرية والشام واليمن والشرق دليل قاطع على فرط كرمه، ولم يخلف دارا ولا عقارا، قال العماد الكاتب (٤): حسبت ما أطلقه السلطان في مدة مقامه بمرج عكا من خيل عراب وأكاديش

стр. 8441

فكان اثني عشر ألف رأس، وذلك غير ما أطلقه من أثمان الخيل المصابة في القتال، ولم يكن له فرس يركبه إلا وهو موهوب أو موعود به، ولم يؤخر صلاة عن وقتها، ولا صلى إلا في جماعة، وكان إذا عزم على أمر توكل على اللّه ولا يفضل [يوما] (١) على يوم، وكان كثير سماع الحديث النبوي، قرأ مختصرا في الفقه تصنيف سليم الرازي (٢)، وكان حسن الخلق، صبورا على المكاره، كثير التغافل عن ذنوب أصحابه، يسمع من أحدهم ما يكره ولا يعلمه بذلك ولا (١١٥) يتغير عليه، وكان يوما جالسا فرمى بعض المماليك بسر موجه فأخطأ به ووصلت إلى السلطان فأخطأته ووقعت قريبا منه، فالتفت إلى الجهة الأخرى ليتغافل عنها. وكان طاهر المجلس لا يذكر أحدا في مجلسه إلا بخير، وطاهر اللسان فلا يولغ بشتم أحد قط. قال العماد الكاتب: مات بموت السلطان الرجال، وفات بفواته الأفضال، وغاضت الأيادي، وفاضت الأعادي، وانقطعت الأرزاق، وادلهمت الآفاق، وفجع الزمان بواحده وسلطانه، ورزئ الإسلام بمشيد أركانه. ولما توفي السلطان الملك الناصر استقر في الملك بدمشق وبلادها المنسوبة إليها ولده الأفضل نور الدين علي. وبالديار المصرية الملك العزيز عماد الدين عثمان.

стр. 8442

وبحلب الملك الظاهر [غياث الدين] (١) غازي. وبالكرك والشّوبك والبلاد الشرقية الملك العادل سيف الدين أبو بكر بن أيوب. وحماة وسلمية والمعرة ومنبج وقلعة نجم الملك المنصور ناصر الدين محمد ابن الملك المظفر تقي الدين عمر. وببعلبك الملك الأمجد مجد الدين بهرام شاه بن فرّخشاه بن شاهنشاه بن أيوب. وبحمص والرّحبة وتدمر الملك المجاهد أسد الدين شيركوه بن محمد بن شير كوه شاذي. وبيد الملك الظافر خضر (٢) بن السلطان صلاح الدين بصرى، وهو في خدمة أخيه الملك الأفضل. وبيد جماعة من أمراء الدولة بلاد وحصون منهم: سابق الدين عثمان بن الداية (١١٦) بيده شيزر وأبو قبيس. وناصر الدين منكورس بن خماردكين بيده صهيون وحصن برزية. وبدر الدين دلدرم بن بهاء الدين ياروق بيده تل باشر. وعز الدين [سامة] (٣) بيده كوكب وعجلون.

стр. 8443

وعز الدين إبراهيم بن شمس الدين بن المقدم (١) بيده بعرين وكفرطاب وفامية. والملك الأفضل هو الأكبر من أولاد السلطان والمعهود إليه بالسلطنة. واستوزر الملك الأفضل ضياء الدين نصر اللّه بن محمد بن الأثير (٢) مصنف "المثل السائر" (٣) وهو أخو عز الدين بن الأثير مصنف "الكامل" فحسن للملك الأفضل طرد أمراء أبيه ففارقوه إلى أخويه العزيز والظاهر. قال العماد الكاتب: وتفرد الوزير بوزره، ومد الجزري في جزره، ولما اجتمعت الأمراء بمصر حسنوا للملك العزيز الانفراد بالسلطنة ووقعوا في أخيه الأفضل فمال إلى ذلك، وحصلت الوحشة بين الأخوين الأفضل والعزيز. وفيها، وبعد موت السلطان قدم الملك العادل من الكرك إلى دمشق وأقام فيها وظيفة العزاء على أخيه، ثم توجه إلى بلاده التي هي وراء الفرات. وفي هذه السنة لما مات صلاح الدين كاتب عز الدين مسعود بن مودود ابن زنكي صاحب الموصل ملوك البلاد المجاورة للموصل يستنجدهم، واتفق مع أخيه عماد الدين زنكي بن مودود صاحب سنجار، وسار إلى حران وغيرها فلحق عز

стр. 8444

الدين مسعود إسهال قوي، وضعف (١١٧) فترك العسكر مع أخيه عماد الدين وعاد إلى الموصل وصحبته مجاهد الدين قيماز فحلف العساكر عز الدين لابنه أرسلان شاه بن مسعود (١) وقوي بعز الدين مسعود المرض وتوفي في السابع والعشرين من شعبان هذه السنة (٢)، وكانت مدة ما بين وفاته ووفاة صلاح الدين نصف سنة، ومدة ملك عز الدين الموصل ثلاث عشرة سنة وتسعة أشهر، وكان دينا خيرا عادلا كثير الإحسان، أسمر، ميلح الوجه، خفيف العارضين، يشبه جده عماد الدين زنكي بن آقسنقر، واستقر في ملك الموصل بعده ولده أرسلان شاه، وكان القائم بأمره مجاهد الدين قيماز. وفي هذه السنة أول جمادى الأولى، قتل سيف الدين بكتمر (٣) صاحب خلاط، وبين قتله وموت السلطان شهران، ولما بلغ بكتمر موت السلطان صلاح الدين أسرف في إظهار الشماتة بموت السلطان، وضرب البشائر ببلاده، وعمل تختا وجلس عليه، [ولقب] (٤) نفسه السلطان المعظم [صلاح الدين] (٥)، وكان اسمه بكتمر فسمى نفسه عبد العزيز (٦) وكأنه قد فعل ذلك، فلم يمهله اللّه تعالى. وكان هذا بكتمر من مماليك ظهير الدين شاه أرمن. وكان له

стр. 8445

خشداش (١) اسمه هزار ديناري (٢)، واسم هزار ديناري آق سنقر ولقبه بدر الدين، جلبه تاجر جرجاني اسمه علي إلى خلاط فاشتراه منه شاه أرمن بن سكمان بن إبراهيم، وأعجب به شاه (١١٨) أرمن فجعله ساقيا له ولقب هزار ديناري وبقي على ذلك برهة من الزمان، فلما تولى بكتمر وخلّف بكتمر ولدا (٣) وأخذ هزار ديناري ولد بكتمر وأمه واعتقلهما بقلعة أرزاس بموش، وعمر ابن بكتمر سبع سنين، واستقرّ بدر الدين آق سنقر هزار ديناري في مملكة خلاط حتى توفي سنة أربع وتسعين وخمس مئة على ما سنذكره (٤) إن شاء اللّه تعالى. وفيها، شتى شهاب الدين الغوري في برشاوور وجهز مملوكه أيبك في عساكر كثيرة إلى بلاد الهند، ففتح وغنم وعاد منصورا. وفيها، توفي سلطان شاه بن أرسلان بن خوارزم شاه أطسز بن محمد بن أنوش تكين (٥)، وكان قد ملك خراسان، ولما مات انفرد أخوه تكش بالمملكة، وقد تقدم ذكرهما في سنة ثمان وستين وخمس مئة (٦).

стр. 8446

وفيها، مات الأمير داود بن عيسى بن محمد بن أبي هاشم (١) أمير مكة، وما زالت إمارة مكة له تارة ولأخيه مكثر تارة حتى مات. وفي سنة تسعين وخمس مئة (١٣) قتل طغريل بن أرسلان بن طغريل بن السلطان محمد بن ملك شاه بن ألب أرسلان بن جقربك داود بن ميكائيل بن سلجوق (٢)، وكان قد حبسه قزل أرسلان بن إلدكز، وخرج طغريل من الحبس سنة ثمان وثمانين وخمس مئة، وملك همذان وغيرها، وجرى بينه وبين مظفر الدين أزبك بن محمد البهلوان (١١٩) بن إلدكز (٣) حرب، وقيل: بل هو قطلغ إينانج (٤) أخو أزبك المذكور، فانهزم ابن البهلوان، ثم إن ابن البهلوان بعد هزيمته استنجد بخوارزم شاه علاء الدين تكش وخاف منه فلم يجتمع بخوارزم شاه تكش، وملك الري وذلك سنة ثمان وثمانين، وبلغ تكش أن أخاه سلطان شاه قصد خوارزم فصالح طغريل السلجوقي وعاد تكش إلى خوارزم وبقي الأمر كذلك حتى مات سلطان شاه سنة تسع وثمانين، وتسلم تكش مملكة أخيه سلطان شاه وخزانته، وولى ابنه محمد ابن تكش نيسابور، وولى ابنه الأكبر ملكشاه (٥) مرو.

стр. 8447

ولما دخلت سنة تسعين سار تكش ليحارب طغريل السلجوقي فسار طغريل إلى لقائه قبل اجتماع عسكره، والتقى العسكران بالقرب من الري وحمل طغريل بنفسه فقتل، وكان قتله في رابع وعشري ربيع الأول هذه السنة، وحمل رأس طغريل إلى تكش فأرسل إلى بغداد فنصب بهاد عدة أيام، وسار تكش فملك همذان وتلك البلاد جميعها، وسلم بعضها إلى ابن البهلوان واقطتع الباقي لمماليكه، ورجع تكش إلى خوارزم. وهذا طغريل هو آخر من ملك بلاد العجم من السلاطين السلجوقية، وقد تقدم ذكر ابتداء دولة السلجوقية في سنة اثنتين وثلاثين وأربع مئة (١) وأول من ملك منهم العراق وأزال دولة بني بويه طغرلبك بن ميكائيل بن سلجوق (٢)، ثم ملك بعده ألب أرسلان (١٢٠) بن جقربك داود بن ميكائيل (٣)، ثم ابنه ملكشاه بن ألب أرسلان (٤)، ثم ابنه محمود بن ملكشاه (٥)، وكان طفلا، فقام بتدبير الدولة والدته تركان خاتون، ومات محمود وهو ابن سبع سنين، وملك أخوه بركيارق بن ملكشاه (٦)، ثم أخوه محمد بن ملكشاه (٧)، ثم ابنه

стр. 8448

محمود بن محمد (١)، ثم ابنه داود [بن محمود] (٢) بن محمد مدة يسيرة (٣)، ثم عمه طغرلبك بن محمد، ثم أخوه مسعود بن محمد، ثم ابن أخيه ملكشاه ابن محمود بن محمد أياما يسيرة، ثم أخوه محمد بن محمود، ثم بعد محمد المذكور اختلفت العساكر، وقام من بني سلجوق ثلاثة أحدهم ملكشاه بن محمود أخو محمد المذكور والثاني سليمان شاه بن محمد بن السلطان ملكشاه الأكبر وهو عم محمد المذكور والثالث أرسلان شاه بن طغريل بن محمد بن السلطان ملكشاه، وكان إلدكز مزوجا بأم أرسلان شاه المذكور فقوي عليهما سليمان شاه واستقر في همذان سنة خمس وخمسين وخمس مئة، ثم قبض سليمان شاه وقتل، وسم ملكشاه بن محمود ومات بأصفهان في سنة خمس وخمسين وخمس مئة، وانفرد أرسلان شاه بن طغريل ربيب إلدكز على السلطنة، ثم ملك [بعده] (٢) ابنه طغريل بن أرسلان شاه بن طغريل في سنة [ثلاث وسبعين] (٤) وخمس مئة، وجرى له ما ذكرناه حتى قتله تكش في هذه السنة أعني سنة تسعين وخمس مئة، وانقرضت به دولة السلجوقية من تلك البلاد. وفيها، أرسل الخليفة الناصر عسكرا مع وزيره مؤيد الدين محمد بن علي المعروف بابن القصاب (٥) (١٢١) إلى خوزستان وهي بلاد شملة وأولاده من

стр. 8449

بعده، وكان قد مات صاحبها ابن شملة واختلفت أولاده، فوصل عسكر الخليفة إلى خوزستان وملك مدينة تستر في محرم سنة إحدى وتسعين وغيرها من البلاد، وملكوا قلعة الناظر وقلعة كاكرد وقلعة لا موج وغيرها من البلاد والحصون وأنفذوا بني شملة أصحاب خوزستان إلى بغداد. وفيها، أعني سنة تسعين استحكمت الوحشة بين الأخوين العزيز والأفضل ابني السلطان صلاح الدين، وسار العزيز في عسكر مصر وحصر أخاه الأفضل بدمشق وأرسل الأفضل إلى عمه العادل وأخيه الظاهر وابن عمه المنصور صاحب حماة يستنجدهم، فساروا إلى دمشق وأصلحوا بين الأخوين، ورجع العزيز إلى مصر ورجع كل ملك إلى بلده، وأقبل الأفضل بدمشق على الشرب وسماع الأغاني ليلا ونهارا وأشاع ندماؤه أن عمه العادل حسن له ذلك فكان يعمل بالخفية، فأفسده العادل! «فلا خير في اللذّات ما دونها ستر» فقبل وصية عمه وتظاهر بذلك، وفوض أمر المملكة إلى وزيره ضياء الدين ابن الأثير الجزري يديرها برأيه الفاسد، ثم إن الملك الأفضل أظهر التوبة عن ذلك، وأزال المنكر، وواظب على الصلوات، وشرع في نسخ مصحف بيده.

стр. 8450

سنة إحدى وتسعين وخمس مئة إلى سنة ست مئة (١٢٢) في سنة إحدى وتسعين وخمس مئة (١٣) سار ابن القصاب وزير الخليفة بعد مملكة خوزستان إلى همذان، وملكها وأخذ يستولي على تلك البلاد للخليفة فتوفي مؤيد الدين بن القصاب في أوائل شعبان سنة اثنتين وتسعين. وفيها، غزا يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن ملك الغرب بالأندلس الفرنج وجرى بينهم مصاف عظيم انتصر فيه المسلمون، وقتل من الفرنج ما لا يحصى وولوا منهزمين، وغنم المسلمون ما لا يحصى (١). وفيها، جهز الخليفة الإمام الناصر عسكرا مع مملوك له اسمه سيف الدين طغريل (٢) فاستولى على أصبهان. وفيها، قدّم مماليك البهلوان عليهم مملوكا من البهلوانية اسمه ككجا (٣)، فعظم أمره، واستولى على الري وهمذان.

стр. 8451

وفيها، عاود الملك العزيز عثمان قصد الشام ومنازلة أخيه الملك الأفضل، وسار ونزل الفوّار من أرض السواد من بلاد دمشق، واضطرب بعض أمرائه عليه وهم طائفة من الأسدية وفارقوه، فبادر العزيز إلى مصر بمن بقي معه من العسكر، وكان الأفضل قد استنجد بعمه العادل لما قصده أخوه العزيز، فلما رحل العزيز إلى مصر رحل العادل والأفضل ومن انضم إليهما من الأسدية في أثر العزيز طالبين مصر، وساروا حتى نزلوا على بلبيس، وقد ترك العزيز فيها جماعة من الصلاحية، وقصد الأفضل مناجزتهم بالقتال فمنعه عمه العادل، فقصد الأفضل المسير إلى مصر والاستيلاء عليها، فمنعه عمه العادل أيضا، وقال: مصر (١٢٣) لك متى شئت، وكان العادل مع العزيز في الباطن، وقال: أرسل لي القاضي الفاضل ليصلح بين الأخوين، وكان القاضي الفاضل قد اعتزل عن ملابستهما لما رأى من فساد أحوالهما، فدخل عليه الملك العزيز وسأله فتوجه من القاهرة إلى الملك العادل واجتمع به واتفقا على أن يصلحا بين الأخوين فأصلحا بينهما، وأقام العادل بمصر عند العزيز على حسب تقرير أمور المملكة، وعاد الأفضل إلى دمشق. وفيها، كان بين يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن وبين الفرنج بالأندلس شمالي قرطبة حروب عظيمة انتصر فيها يعقوب وانهزم الفرنج. وفي سنة اثنتين وتسعين وخمس مئة (١٣) سار شهاب الدين الغوري صاحب غزنة إلى بلاد الهند وفتح قلعة عظيمة تسمى بهنكر بالأمان، ثم سار إلى قلعة كواكير (١) بينهما نحو خمسة أيام

стр. 8452

فصالحه أصحابها على مال حملوه إليه، ثم سار في بلاد الهند فغنم وأسر وعاد إلى غزنة. وفيها، سلّم صدر الدين محمد بن عبد اللطيف الخجندي (١)، رئيس الشافعية أصفهان إلى عسكر الخليفة فقتله سنقر الطويل (٢) شحنة الخليفة بأصبهان بسبب منافرة جرت بينهما. وفيها، نقل الملك الأفضل أباه صلاح الدين من قلعة دمشق إلى التربة بالمدينة، وكان مدة لبثه في القلعة ثلاث سنين، ولزم الملك الأفضل الزهد والقناعة وأموره مسلّمة إلى وزيره (١٢٤) ضياء الدين بن الأثير الجزري، وقد اختلفت الأحوال به وكثر شاكوه وقل شاكروه، فلما بلغ العادل والعزيز بمصر اضطراب الأمور على الأفضل اتفق العادل والعزيز على أن يأخذا دمشق [وأن يسلمها العزيز] (٣) إلى العادل، وتكون السكة والخطبة للعزيز بسائر البلاد كما كانت لأبيه، فخرجا وسارا من مصر، فأرسل الملك الأفضل إليهما فلك الدين (٤) أحد أمرائه، وكان فلك الدين أخا الملك العادل لأمه (٥)، واجتمع فلك الدين بالملك العادل فأكرمه، وأظهر الإجابة لما طلبه، وأتم العادل والعزيز السير حتى نازلا دمشق، وقد حصنها الملك الأفضل فكاتب بعض الأمراء من داخل [البلد] (٦) الملك العادل وصاروا معه أنهم يسلمون المدينة إليه، فزحف الملك

стр. 8453

العادل والعزيز ضحى يوم الأربعاء سادس عشري رجب هذه السنة، فدخل الملك العزيز من باب الفرج (١). والعادل من باب توما، فأجاب الملك الأفضل إلى تسليم القلعة وانتقل منها بأهله وأصحابه وأخرج وزيره ضياء الدين بن الأثير [مختفيا] (٢) في صندوق خوفا عليه من القتل، وكان الملك الظافر خضر بن السلطان صلاح الدين صاحب بصرى مع أخيه الملك الأفضل ومعاضدا له، فأخذت منه بصرى أيضا فلحق بأخيه الملك الظاهر فأقام عنده بحلب، وأعطى الملك الأفضل صرخد فسار إليها بأهله واستوطنها، ودخل الملك العزيز إلى دمشق (١٢٥) يوم الأربعاء رابع شعبان ثم سلم دمشق إلى عمه الملك العادل على حكم ما كان وقع عليه اتفاقهما، وتسلمها الملك العادل ورحل الملك العزيز من دمشق عشية يوم الاثنين تاسع شعبان، وكانت مدة ملك الأفضل لدمشق ثلاث سنين وشهرا، وأبقى الملك العادل السكة والخطبة بدمشق للملك العزيز. ولما استقر الملك الأفضل بصرخد كتب إلى الخليفة الإمام الناصر يشكو من عمه أبي بكر وأخيه العزيز عثمان، وأول الكتاب (٣): <البسيط>

стр. 8454

مولاي إنّ أبا بكر وصاحبه … عثمان قد غصبا بالسيف حقّ علي فانظر إلى حظّ هذا الاسم كيف لقى … من الأواخر ما لاقى من الأول فكتب الملك الناصر جوابه: <الكامل> وافى كتابك يا ابن يوسف معلنا … بالصدق يخبر أنّ أصلك طاهر غصبوا عليا حقّه إذ لم يكن … بعد النبيّ له بيثرب ناصر فاصبر فإنّ غدا عليه حسابهم … وابشر فناصرك الإمام الناصر وفي سنة ثلاث وتسعين وخمس مئة (١٣) توفي في نيسابور ملكشاه بن تكش (١)، وكان أبوه خوارزم شاه تكش قد جعله فيها، وجعل له الحكم على تلك البلاد (٢) وجعله ولي عهده، وخلف ملكشاه ولدا اسمه هندوخان (٣)، فلما مات ملكشاه جعل تكش بنيسابور ولده الآخر قطب الدين محمد <ا> وهو الذي ملك بعد أبيه تكش، وجعل لقبه علاء الدين، وكان بين الأخوين ملكشاه ومحمد عداوة مستحكمة. (١٢٦) وفيها، توفي في شوال سيف الإسلام ظهير الدين طغتكين بن أيوب (٤) صاحب اليمن، ولما مات سيف الإسلام كان ولده الملك المعز (٥)

стр. 8455

إسماعيل بالسمرين فبعث إليه جمال الدولة كافور جماعة من الجند فعرفوه بوفاة والده، ومضوا به إلى ممالك أبيه فسلموها إليه. وكانت وفاة سيف الإسلام [بالمنصورة] (١)، وكان شديد السيرة مضيقا على رعيته، يشتري أموال التجار لنفسه، ويبيعها كيف شاء، وجمع من الأموال ما لا يحصى حتى إنه [من كثرته] (٢) كان يسبك الذهب ويجعله كالطاحون ويدخره. وفي سنة أربع وتسعين وخمس مئة (١٣) في المحرم، توفي عماد الدين زنكي بن مودود بن زنكي بن آقسنقر (٣) صاحب سنجار والخابور والرقة، وكان حسن السيرة، متواضعا يحب العلم وأهله إلا أنه كان شديد البخل، وملك بعده ولده قطب الدين محمد (٤)، وتولى تدبير دولته مجاهد الدين [يرنقش] (٥) مملوك أبيه. وفيها، في جمادى الأولى، سار نور الدين أرسلان شاه بن مسعود بن مودود

стр. 8456

ابن زنكي صاحب الموصل إلى نصيبين فأخذها من ابن عمه قطب الدين محمد ابن زنكي، فأرسل قطب الدين واستنجد الملك العادل فسار الملك العادل إلى البلاد الجزرية ففارق نور الدين أرسلان نصيبين وعاد إلى الموصل، فعاد قطب الدين محمد بن زنكي وملك نصيبين. وفيها، سار خوارزم شاه تكش إلى بخارى وهي للخطا وحاصرها وملكها وكان تكش (١٢٧) أعور فأخذ أهل بخارى في مدة الحصار كلبا أعور وألبسوه قباء [وقلنسوة] (١)، وقالوا للخوارزمية: هذا سلطانكم ورموه في المنجنيق إليهم، فلما ملكها تكش أحسن إلى أهل بخارى، وفرق فيهم أموالا ولم يؤاخذهم بما فعلوه في حقه. وفيها، وصل جمع عظيم من الفرنج إلى الساحل واستولوا على قلعة بيروت، فسار الملك العادل ونزل على تل العجول (٢) وأتته النجدة، ووصل إليه سنقر الكبير (٣) صاحب القدس، وميمون القصري (٤) صاحب نابلس، وسار الملك العادل إلى يافا وفتحها بالسيف وقتل مقاتلتها وسبى نساءها وصبيانها، وكان هذا الفتح ثالث فتح لها، ونازلت الفرنج تبنين، فأرسل الملك العادل إلى الملك العزيز صاحب مصر، وسار الملك العزيز بعساكره واجتمع بعمه الملك العادل على تبنين فرحل الفرنج على أعقابهم إلى صور، ثم رحل الملك العزيز إلى مصر وترك غالب العسكر مع عمه وجعل إليه أمر الحرب والصلح. ومات في هذه المدة سنقر الكبير، فجعل الملك العادل أمر القدس إلى صارم

стр. 8457

الدين قطلق (١) مملوك عز الدين فرّخشاه بن شاهنشاه بن أيوب. ولما عاد الملك العزيز إلى مصر في هذه المرة مدحه القاضي ابن سناء الملك بقصيدة منها (٢): <السريع> قدمت بالسّعد وبالمغنم … كذا قدوم الملك المقدم (٣) أغثت تبنين وخلّصتها … فريسة من ماضغي ضيغم (١٢٨) شنشنة تعرف من يوسف … في النصر لا تعرف من أخزم مقدّم (٤) صار جمادى به … كمثل ذي الحجة في الموسم (٥) ثم طاول الملك العادل الفرنج فطلبوا الهدنة واستقرت بينهم ثلاث سنين، ورجع الملك العادل إلى دمشق. ثم سار الملك العادل من دمشق إلى ماردين وحصرها، وصاحبها حينئذ حسام الدين يولق أرسلان بن ألبي بن تمرتاش بن إلغازي بن أرتق، وليس ليولق من الحكم شيء وإنما الحكم إلى مملوك اسمه ألبقش (٦). وفيها، توفي بدر الدين هزار ديناري صاحب خلاط آقسنقر (٧)، وقد تقدم ذكر تملكه لخلاط سنة تسع وثمانين وخمس مئة (٨).

стр. 8458

ولما توفي هزار ديناري استولى على خلاط خشداشه قتلغ (١)، وكان مملوكا أرمني الأصل من سناسنة فملك خلاط سبعة أيام ثم اجتمع عليه الناس وأنزلوه من القلعة وقتلوه واتفق كبراء الدولة وأحضروا محمد بن بكتمر من القلعة التي كان معتقلا فيها واسمها [أرزاس] (٢) وأقاموه في مملكة خلاط [ولقبوه] (٣) الملك المنصور وقام بتدبيره شجاع الدين قتلغ الدوادار، وكان قتلغ المذكور قفجاقي الجنس دوادار <ا> لشاه أرمن سكمان بن إبراهيم، واستقر محمد بن بكتمر كذلك إلى سنة اثنتين وست مئة، فقبض على أتابكه قتلغ الدوادار، وحبسه ثم قتله، فخرج عليه مملوك لشاه أرمن يقال له عز الدين بلبان، واتفق العسكر مع بلبان المذكور وقبضوا (١٢٩) على محمد بن بكتمر وحبسوه ثم خنقوه ورموه من سور القلعة إلى أسفل، وقالوا: وقع، واستمر بلبان في مملكة خلاط دون سنة، وقتله بعض أصحاب طغريل بن قليج أرسلان صاحب أرزن (٤)، وقصد طغريل أن يتسلم خلاط، فلم يجبه أهلها وعصوا عليه فعاد إلى أرزن، ثم وصل الملك الأوحد أيوب بن الملك العادل أبي بكر بن أيوب (٥) وتسلم خلاط وملكها [قريب] (٦) [ثماني] (٧) سنين (٨).

стр. 8459

وفي سنة خمس وتسعين وخمس مئة (١٣) منتصف ليلة السابع والعشرين من المحرم توفي الملك العزيز عماد الدين عثمان بن الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب (١)، وكان قد طلع إلى الصيد، فركض خلف ذئب، وتقنطر وحمّ في سابع المحرم بجهة الفيوم، فعاد إلى الأهرام وقد اشتدت حمّاه، ودخل القاهرة يوم عاشوراء، وحدث به يرقان وقرحة في الأمعاء، واحتبس طبعه فمات في التاريخ المذكور، وكانت مدة ملكه ست سنين إلا شهرا، [وكان] (٢) عمره سبعا وعشرين سنة وأشهرا، وكان في غاية السماحة والكرم والعدل والرفق بالرعية والإحسان إليهم ففجعت الرعية بموته فجعة عظيمة، وكان الغالب على دولة الملك العزيز فخر الدين جهاركس (٣) فأقام في الملك الملك المنصور محمد بن الملك العزيز واتفقت الأمراء على إحضار أحد من بني أيوب وعملوا مشورة بحضور القاضي الفاضل فأشار بالملك الأفضل، وهو حينئذ بصرخد فأرسلوا إليه، فسار (١٣٠) محثا ووصل القاهرة على أنه أتابك الملك المنصور بن الملك العزيز، وكان عمر الملك المنصور حينئذ تسع سنين وشهورا، وكان مسير الملك الأفضل من صرخد لليلتين بقيتا من صفر في تسعة

стр. 8460

عشر نفرا متنكرا خوفا من أصحاب عمه العادل فإن غالب تلك البلاد كانت له، فوصل بلبيس خامس ربيع الآخر، ثم سار الملك الأفضل إلى القاهرة فخرج الملك المنصور بن العزيز للقائه فترجل عمه الملك الأفضل ودخل بين يديه إلى دار الوزارة وهي كانت مقر السلطنة، ولما وصل الملك الأفضل إلى بلبيس التقاه العسكر فتنكر منه فخر الدين جهاركس وفارقه فتبعه عدة من العسكر وساروا إلى الشام وكاتبوا الملك العادل وهو محاصر ماردين، وأرسل الملك الظاهر إلى أخيه الملك الأفضل يشير [عليه] (١) بقصد دمشق وأخذها من عمه الملك العادل وأن ينتهز الفرصة لاشتغال العادل بحصار ماردين، فبرز الملك الأفضل من مصر وسار إلى دمشق، وبلغ الملك العادل [مسيره] (٢) إلى دمشق فترك على ماردين ولده الملك الكامل (٣)، وسار الملك العادل وسبق الأفضل إلى دمشق فدخلها قبل نزول الأفضل على دمشق ثالث عشر شعبان هذه السنة، وزحف من الغد على البلد، وجرى بينهم قتال، وهجم بعض عسكره إلى المدينة حتى وصلوا إلى باب البريد ولم يمدهم العسكر، فتكاثر أصحاب الملك العادل وأخرجوهم من البلد ثم (١٣١) تخاذل العسكر فتأخر الأفضل إلى ذيل عقبة الكسوة، ثم وصل إلى الملك الأفضل أخوه الظاهر صاحب حلب، فعاد إلى مضايقة دمشق ودام الحصار عليها وقلت الأقوات عند الملك العادل وعلى أهل دمشق وأشرف الأفضل والظاهر على أخذ دمشق وعزم العادل على تسليم البلد لولا ما حصل بين الأخوين الأفضل والظاهر من الخلف، وخرجت السنة وهم على ذلك، وكان منهم ما سنذكره (٤) إن شاء الله تعالى.

стр. 8461

وفيها، قصد الملك المنصور محمد بن الملك المظفر تقي الدين عمر صاحب حماة بارين، وبها نواب عز الدين إبراهيم بن شمس الدين محمد بن المقدم وحاصرها، وكان الأمير عز الدين مع الملك العادل محصورا بدمشق، ونصب الملك المنصور عليها المناجيق وجرح حال الزحف، ثم فتحها تاسع عشري ذي القعدة، وأقام ببارين مدة حتى أصلح أمورها. وفيها، في جمادى الآخرة (١)، توفي أبو يوسف يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن صاحب المغرب والأندلس بمدينة سلا، وكانت ولايته خمس عشرة سنة (٢)، وكان يتظاهر بمذهب الظاهرية، وأعرض عن مذهب مالك، وعمره ثمان وأربعون سنة، وتلقب بالمنصور، ولما مات يعقوب ملك ابنه محمد (٣)، وتلقب بالناصر، ومولد محمد سنة ست وسبعين وخمس مئة، وعبد المؤمن وبنوه جميعهم كانوا يسمون بأمير المؤمنين. وفيها، رحل عسكر (١٣٢) الملك العادل مع ابنه الملك الكامل عن حصار ماردين. وفيها، كانت فتنة عظيمة في عسكر غياث الدين محمد ملك الغورية وهو بفيروز كوه، وسببها أن الإمام فخر الدين الرازي محمد بن عمر (٤) كان قد قدم

стр. 8462

إلى غياث الدين فبالغ غياث الدين في إكرامه، وبنى له مدرسة بغرب جامع هراة فعظم ذلك على الكرامية وهم كثيرون بهراة ومذهبهم التجسيم والتشبيه وكان الغورية كلهم كرامية، فكرهوا الإمام فخر الدين لكونه [شافعيا] (١) وهو يناقض مذهبهم، فاتفق أن فقهاء الكرامية والحنفية والشفعوية حضروا بفيروز كوه عند غياث الدين للمناظرة، وحضر الإمام فخر الدين الرازي والقاضي عبد المجيد بن عمر المعروف بابن القدوة (٢) وهو من الكرامية الهيصمية وله عندهم محل كبير لزهده وعلمه، فتكلم الرازي فاعترض عليه ابن القدوة وطال الكلام فقام غياث الدين فاستطال فخر الدين الرازي على ابن القدوة وشتمه وبالغ في أذاه وابن القدوة لا يزيده على أن يقول: لا يفعل مولانا [إلا] (٣) وأخذك الله، فصعب على الملك ضياء الدين (٢) وهو ابن عم غياث الدين وزوج ابنته، وشكا إلى غياث الدين فخر الدين الرازي ونسبه إلى الزندقة ومذهب الفلاسفة فلم يصغ إليه غياث الدين، فلما كان الغد وعظ الناس [ابن عم المجد] (٤) بن القدوة بالجامع، وقال بعد (١٣٣) حمد الله والصلاة على نبيه محمد ﷺ : ﴿رَبَّنا آمَنّا بِما أَنْزَلْتَ وَاِتَّبَعْنَا اَلرَّسُولَ فَاكْتُبْنا مَعَ اَلشّاهِدِينَ﴾ (٥). أيها الناس: إننا لا نقول إلا ما صحّ عندنا عن رسول اللّه ﷺ ، وأما علم أرسطو وكفريات ابن سينا وفلسفة الفارابي فلا نعلمها فلأيّ حال يشتم بالأمس شيخ من شيوخ الإسلام يذبّ عن دين الله وسنة نبيه، وبكى وبكى الكرامية معه واستغاثوا وثار الناس من كل جانب، وامتلأ البلد فتنة وبلغ

стр. 8463

ذلك السلطان غياث الدين فبعث جماعة سكّنوا الناس، ووعدهم بإخراج فخر الدين الرازي من عندهم، وتقدم إلى فخر الدين بالعود إلى هراة، فعاد إليها. وفيها، في ربيع الأول توفي مجاهد الدين قيماز (١) بقلعة الموصل وهو الحاكم بدولة نور الدين أرسلان صاحب الموصل، وقيماز المذكور هو الذي كان حاكما على عز الدين مسعود والد نور الدين أرسلان حتى قبض عليه مسعود ثم أخرجه بعد مدة، وكان قيماز عاقلا أديبا فاضلا في الفقه على مذهب الإمام أبي حنيفة وبنى عدة جوامع وربط ومدارس. وفيها، فارق غياث الدين ملك الغورية مذهب الكرامية، وصار شافعيّ المذهب. وفي سنة ست وتسعين وخمس مئة (١٣) كان في أوائلها الملكان الأفضل والظاهر على دمشق محاصريها، واتفق وقوع الخلف بين الأخوين (١٣٤) الأفضل والظاهر وسببه أنه كان للملك الظاهر مملوك يحبه اسمه أيبك ففقد، ووجد عليه الملك الظاهر وجدا عظيما وتوهم أنه دخل دمشق، فأرسل يكشف خبره، واطلع الملك العادل وهو محصور على القضية، فأرسل إلى الظاهر يقول: إن محمود بن السّكّري (؟) أفسد مملوكك وحمله إلى الأفضل أخيك، فقبض الظاهر على ابن السّكّري فظهر المملوك عنده، فتغير على أخيه الأفضل وترك قتال الملك العادل، وظهر الفشل في العسكر فتأخر الأفضل والظاهر عن دمشق وأقاما بمرج الصّفّر (٢) إلى أواخر صفر، ثم سارا إلى رأس الماء

стр. 8464

ليقيما به إلى أن ينسلخ الشتاء، ثم انثنى عزمهما، وسار الأفضل إلى مصر، والظاهر إلى حلب على القريتين ولما تفرقا خرج الملك العادل من دمشق وسار في أثر الأفضل إلى مصر، فلما وصل العسكر إلى مصر تفرقت عساكره لأجل الربيع وأدركه عمه العادل فخرج الأفضل وضرب معه مصافا، فانكسر الأفضل وانهزم إلى القاهرة ونازل العادل القاهرة ثمانية أيام فأجاب الأفضل إلى تسليمها على أن يعوض عنها ميّافارقين وحاني وسميساط فأجابه العادل إلى ذلك ولم يف له به، وكان دخول العادل إلى القاهرة في حادي عشري ربيع الآخر هذه السنة. قال ابن الأثير: كان دخول العادل إلى القاهرة يوم السبت [ثامن عشر] (١) ربيع الآخر، وتوفي القاضي الفاضل (١٣٥) [ليلة سابع ربيع الآخر] (٢)، ثم سافر الملك الأفضل إلى صرخد وأقام العادل بمصر على أنه أتابك الملك المنصور محمد ابن العزيز عثمان مدة يسيرة، ثم أزال الملك المنصور محمد <ا> واستقل العادل بالسلطنة. (٣) ولما استقرت المملكة للملك العادل أرسل إليه الملك المنصور صاحب حماة يعتذر إليه مما وقع منه بسبب أخذه بارين من ابن المقدم، فقبل الملك العادل عذره وأمره برد بارين إلى ابن المقدم فاعتذر الملك المنصور عنها بقربها من حماة، ونزل عن منبج وقلعة نجم لابن المقدم عوضا عن بارين فرضي ابن المقدم بذلك لأنهما خير من بارين بكثير، وتسلمهما عز الدين إبراهيم بن شمس الدين

стр. 8465

محمد بن عبد الملك [بن] (١) المقدم، وكان له أيضا فامية وكفرطاب وخمس [وعشرون] (٢) ضيعة من المعرة، وكذلك كاتب الملك الظاهر صاحب حلب عمه الملك العادل وصالحه وخطب له بحلب وبلادها وضرب السّكّة باسمه، واشترط الملك العادل على صاحب حلب أن يكون خمس مئة فارس من خيار عسكر حلب في خدمة الملك العادل كلما خرج إلى البيكار، والتزم الملك الظاهر صاحب حلب بذلك. وقصر النيل في هذه السنة تقصيرا عظيما حتى إنه لم يبلغ أربعة عشر ذراعا. وفيها في العشرين من رمضان توفي خوارزم شاه تكش بن أرسلان بن أطسز ابن محمد بن أنوشتكين (٣) صاحب خوارزم وبعض خراسان والري وغيرها [من البلاد] (٤) الجبلية بشهرستانة (١٣٦) وولي الملك بعده ابنه محمد بن تكش وكان لقبه قطب الدين محمد فغيره إلى علاء الدين، وكان تكش عادلا حسن السيرة ويعرف الفقه على مذهب أبي حنيفة والأصول، ولما بلغ غياث الدين ملك الغورية موت خوارزم شاه تكش ضربت نوبتشيته ثلاثة أيام، وجلس للعزاء مع ما كان بينهما من العداوة المستحكمة، وهذا خلاف ما فعله بكتمر بعد موت السلطان صلاح الدين (٥). فلما استقر في المملكة محمد بن تكش هرب ابن أخيه هندوخان بن

стр. 8466

ملكشاه بن تكش إلى غياث الدين ملك الغورية يستنصره على عمه، فأكرمه غياث الدين ووعده القيام معه. وفي سنة سبع وتسعين وخمس مئة (١٣) توفي عز الدين إبراهيم بن محمد بن عبد الملك [بن] (١) المقدم (٢) وصارت بلاده بعده وهي منبج وقلعة نجم، وفامية، وكفرطاب لأخيه شمس الدين عبد الملك بن محمد بن عبد الملك [بن] (١) المقدم (٣)، ولما استقر الشمس عبد الملك بمنبج سار إليها الملك الظاهر [صاحب حلب] (١) وحصرها وملك منبج وعصى عبد الملك بن المقدم بالقلعة فحصره ونزل عبد الملك بالأمان فاعتقله الملك الظاهر وملك قلعة منبج، وبعد أن فرغ من منبج سار إلى قلعة نجم وفيها نائب ابن المقدم فحصرها وملكها في آخر رجب هذه السنة، وأرسل الملك الظاهر إلى الملك المنصور صاحب حماة يبذل له منبج وقلعة نجم على أن يصير معه على الملك العادل فاعتذر الملك المنصور باليمين (١٣٧) التي في عنقه للملك العادل فلما أيس الملك الظاهر منه سار إلى المعرة وأقطع بلادها، واستولى على كفرطاب وكانت لابن المقدم، ثم سار إلى فامية وبها قراقوش نائب ابن المقدم، وأرسل الملك الظاهر أحضر ابن المقدم من حلب، وكان معتقلا بها، وأحضر معه أصحابه الذين اعتقلهم وضربهم قدام قراقوش ليسلم فامية فامتنع فأمر الملك الظاهر بضرب عبد الملك بن المقدم فضرب ضربا عظيما وبقي يستغيث فأمر قراقوش فضربت النعّارات (٤) على قلعة فامية لئلا يسمع أهل البلد صراخه، ولم يسلّم

стр. 8467

القلعة، فرحل عنها الملك الظاهر وتوجه إلى حماة وحاصرها لثلاث بقين من شعبان هذه السنة، ونزل شمالي البلد وشعّث التربة للتقوية وبعض البساتين، وزحف من جهة الباب الغربي وقاتل قتالا شديدا، ثم زحف في آخر شعبان من الباب الغربي والباب القبلي وباب العميان وجرى بينهم قتال شديد وجرح الملك الظاهر بسهم في ساقه، واستمر الحرب إلى أيام من رمضان، فلما لم يحصل على غرض صالح الملك المنصور على مال حمله إليه فقيل إنه ثلاثون ألف دينار صورية، ثم رحل الملك الظاهر إلى دمشق وبها الملك المعظم بن الملك العادل (١) فنازلها الملك الظاهر هو وأخوه الملك الأفضل، وانضم [إليهما] (٢) فارس الدين ميمون القصري صاحب نابلس ومن وافقه من الأمراء الصلاحية، واستقرت القاعدة بين الأخوين (١٣٨) الأفضل والظاهر أنهما متى تملكا دمشق يتسلمها الملك الأفضل ثم يسيران إلى الملك العادل بمصر فيأخذاها منه ويتسلمها الأفضل، وتسلم دمشق حينئذ إلى الملك الظاهر صاحب حلب بحيث تبقى مصر للملك الأفضل ويصير الشام جميعه للظاهر، وكان قد تخلف من الأمراء الصلاحية عنهما فخر الدين جهاركس وزين الدين قراجا (٣)، فأرسل الملك الأفضل وسلم صرخد إلى زين الدين قراجا، ونقل الأفضل والدته وأهله إلى عند

стр. 8468

الملك المجاهد (١) بحمص، وبلغ الملك العادل حصار الأخوين لدمشق فخرج بعساكر مصر، وأقام بنابلس ولم يجسر على قتالهما، واشتدت مضايقة الملكين الأفضل والظاهر لدمشق وتعلق النقابون بسورها، فلما شاهد الملك الظاهر صاحب حلب ذلك حسد أخاه الأفضل على دمشق، وقال له: أريد أن تسلم دمشق إلي الآن، فقال له الأفضل: إن حريمي [حريمك] (٢) وهم على الأرض [وليس لنا موضع نقيم فيه] (٣) وهب هذه المملكة لك فاجعلها لي إلى حين تملك مصر وتأخذها فامتنع الظاهر من قبول ذلك، وكان قتال العسكر والأمراء الصلاحية إنما هو لأجل الأفضل، فقال لهم الأفضل: إن كان قتالكم لأجلي فاتركوا القتال وصالحوا الملك العادل، وإن كان قتالكم لأجل أخي الملك الظاهر [فأنتم وإياه] (٤)، فقالوا: إنما قتالنا لأجلك، وتخلوا عن القتال وأرسلوا صالحوا الملك العادل، وخرجت السنة وقد تفرقت العساكر (١٣٩) فرحل الظاهر عن دمشق في أول المحرم سنة ثمان وتسعين، وسار الأفضل إلى حمص. وفيها، توفي العماد الكاتب. وفيها، سار الملك غياث الدين ملك الغورية بعساكره واستدعى أخاه شهاب الدين من غزنة فسار إليه بعساكره أيضا، وسار غياث الدين إلى خراسان واستولى على ما كان لخوارزم شاه بخراسان، ولما ملك غياث الدين مرو سلمها إلى هندوخان بن ملكشاه بن خوارزم شاه تكش الذي هرب من عمه محمد إلى غياث الدين (٥)، ثم استولى غياث الدين على سرخس وطوس ونيسابور وغيرها،

стр. 8469

ولما استقرت هذه البلاد لغياث الدين عاد إلى بلاده، وتوجه أخوه شهاب الدين إلى بلاد الهند، فغنم وفتح نهر والة [وهي] (١) من أعظم بلاد الهند. وفيها، في رمضان ملك ركن الدين سليمان بن قليج أرسلان مدينة ملطية، وكانت لأخيه معز الدين قيصر شاه بن قليج أرسلان، ثم سار سليمان إلى أرزن الروم وكانت لمحمد بن صليق وهو من بيت قديم ملكوا أرزن الروم، فخرج صاحب أرزن ليصالح سليمان فقبض عليه، وأخذ البلد منه، وهذا محمد آخر الملوك من أهل بيته. وفيها، توفي سقمان بن محمد بن قرا أرسلان بن داود بن سقمان بن أرتق (٢). وفي سنة ثمان وتسعين وخمس مئة (١٣) بعد رحيل الملكين الأفضل والظاهر عن دمشق قدم الملك العادل، وكان قد سار ميمون القصري مع الملك الظاهر فأقطعه أعزاز. وفيها، خرب الملك الظاهر (١٤٠) قلعة منبج خوفا أن تؤخذ منه، وأقطع منبج بعد ذلك لعماد الدين أحمد بن سيف الدين علي بن المشطوب. وفيها، أرسل قراقوش نائب عبد الملك بن محمد بن عبد الملك بن المقدّم بفامية إلى الملك الظاهر يبذل له تسلم فامية بشرط أن يعطى شمس الدين عبد الملك بن المقدم إقطاعا برضاه فأقطعه الملك الظاهر الرّاوندان وكفرطاب ومفردة

стр. 8470

المعرة، وهو عشرون ضيعة معينة من بلاد المعرة وتسلم فامية، ثم إن عبد الملك بن المقدم عصى بالرّاوندان، فسار إليه الملك الظاهر وانزله منها وأبعده، فلحق ابن المقدم بالملك العادل فأحسن إليه. وفيها، سار الملك العادل من دمشق ووصل حماة، ونزل على تل صفرون، وقام الملك المنصور صاحب حماة بجميع وظائفه وكلفه، وبلغ الظاهر صاحب حلب وصول عمه إلى حماة بنية قصده ومحاصرته بحلب فاستعد للحصار، وراسل عمه ولاطفه واستعد للصلح فوقع الصلح، وانتزعت [منه] (١) مفردة المعرة، واستقرت للملك المنصور صاحب حماة، وأخذت من الملك الظاهر أيضا قلعة نجم، وسلمت إلى الملك الأفضل، وكان له سروج وسميساط وسلّم الملك العادل حران وما معها لولده الملك الأشرف مظفر الدين موسى (٢) وسيّره إلى الشرق، وكان الملك الأوحد بن الملك العادل بميّافارقين والملك الحافظ نور الدين أرسلان شاه بن الملك العادل (٣) بقلعة جعبر، ولما استقر الصلح بين العادل والظاهر (١٤١) رجع العادل إلى دمشق، وأقام بها، وقد انتظمت الممالك الشامية والشرقية والديار المصرية كلها في سلك ملكه، وخطب له على منابرها، [وضربت له السكة] (٤) فيها باسمه. وفيها، عاد خوارزم شاه محمد بن تكش واسترجع البلاد التي أخذها الغور من خراسان إلى ملكه.

стр. 8471

وفي سنة تسع وتسعين وخمس مئة (١٣) في المحرم توفي فلك الدين [سليمان] (١) أخو الملك العادل لأمه وهو الذي تنسب إليه المدرسة الفلكية بدمشق. ذكر الحوادث باليمن كان قد تملك اليمن الملك المعز إسماعيل بن سيف الإسلام طغتكين بن أيوب (٢)، وكان فيه هوج وخبط فادعى أنه قرشي، وأنه من بني أمية، ولبس الخضرة، وخطب لنفسه [ولبس ثياب الخلافة في ذلك الزمان] (٣)، وكان طول الكم [نحو عشرين] (٤) ذراعا، وخرج عن طاعته جماعة من مماليك أبيه، واقتتلوا معه، وانتصر عليهم، ثم اتفق معهم جماعة من الأمراء الأكراد وقتلوا المعز إسماعيل (٥)، وأقاموا في مملكة اليمن أخا له صغيرا وسموه الناصر (٦)، وبقي مدة وأقام بأتابكيته مملوك والده وهو سيف الدين سنقر ثم مات سنقر بعد أربع سنين (٧)، وتزوج أم الناصر أمير من أمراء الدولة يقال له غازي بن

стр. 8472

جبريل (١) وقام بأتابكية الناصر ثم سم الناصر في كوز فقاع على ما قيل، وبقي غازي متملكا للبلاد، ثم قتله جماعة من العرب (١٤٢) بسبب قتله للناصر بن طغتكين، وبقيت اليمن خالية بغير سلطان فتغلبت أم الناصر على زبيد وأحرزت عندها الأموال، وكانت تنتظر وصول أحد من بني أيوب لتتزوج به وتملكه البلاد، وكان للملك المظفر تقي الدين عمر بن شاهنشاه ولد اسمه سعد الدين شاهنشاه (٢) وكان له ابن اسمه سليمان (٣) فخرج بن شاهنشاه بن تقي الدين عمر فقيرا يحمل الركوة على كتفه ويتنقل مع الفقراء من مكان إلى مكان، وكان قد أرسلت أم الناصر بعض غلمانها إلى مكة حرسها الله تعالى في موسم الحجاج ليأتيها بأخبار مصر والشام، فوجد غلمانها سليمان المذكور فأحضروه إلى اليمن فاستحضرته أم الناصر وخلعت عليه وملكته اليمن، فملأ الأرض ظلما وجورا واطّرح زوجته التي ملكته اليمن، وأرسل إلى السلطان الملك العادل وهو عم جده كتابا جعل [في أوله] (٤) ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اَللّهِ اَلرَّحْمنِ اَلرَّحِيمِ﴾ (٥) فاستقل العادل عقله، ثم كان من سليمان المذكور ما نذكره (٦) إن شاء الله

стр. 8473

تعالى. وفيها، أرسل العادل إلى ولده الأشرف وأمره بحصار ماردين فحصرها وضايقها، ثم سعى الملك الظاهر إلى العادل في الصلح فأجاب على أن يحمل صاحب ماردين مئة ألف وخمسين ألف دينار، ويخطب له ببلاده، ويضرب السّكّة باسمه، ويكون بخدمته متى طلبه، فأجيب إلى ذلك واستقر الصلح عليه. وفيها، أخرج الملك العادل الملك المنصور محمد بن (١٤٣) الملك العزيز من مصر إلى الشام، فسار بوالدته وأقام بحلب عند عمه الملك الظاهر. وفيها، سار الملك المنصور صاحب حماة إلى بعرين مرابطا للفرنج وأقام بها، وكتب الملك العادل إلى صاحب بعلبك وإلى صاحب حمص بإنجاده، واجتمعت الفرنج من حصن الأكراد وطرابلس وغيرها وقصدوا الملك المنصور ببعرين، واتقعوا معه في ثالث شهر رمضان هذه السنة واقتتلوا فانهزم الفرنج، وقتل وأسر من خيالتهم جماعة، وكان يوما مشهودا، وفي ذلك يقول بهاء الدين أسعد بن يحيى السّنجاري (١) قصيدة منها: <البسيط> ما لذة العيش إلاّ صوت معمعة … تنال فيها المنى بالبيض والأسل يأيها الملك المنصور نصح فتى … لم يلوه عن وفاء كثرة العذل اعزم ولا تترك الدنيا بلا ملك … وجدّ والملك محتاج إلى رجل يا أوحد العصر يا خير الملوك ومن … فاق البرية من حاف ومنتعل ثم خرج من حصن الأكراد والمرقب الإسبتار، وانضم إليهم جموع من

стр. 8474

السواحل، واتقعوا مع الملك المنصور صاحب حماة وهو نازل ببارين حادي وعشري شهر رمضان هذه السنة بعد الوقعة الأولى بثمانية عشر يوما فانتصر ثانيا، وانهزمت الفرنج هزيمة قبيحة وأسر الملك المنصور وقتل منهم عدة كثيرة، ومدح الملك المنصور بسبب هذه الوقعة سالم بن سعاد (١) الحمصي بقصيدة منها: <الكامل> أمر اللواحظ أن تفوق الأسهما (٢) … ريم برامة مارنا حتى رمى (١٤٤) ومنها: فتّانة بالسّحر بل فتّاكة … ما جار قاضيهن حتى حكّما (٣) أصبحت فيها مغرما كمحمد … لما غدا بالأريحيّة مغرما وشننت منتقما بساحل بحرها … جيشا حكى البحر الخضمّ عرمرما أسدلت في الآفاق من هبواته … ليلا وأطلقت الأسنة أنجما وفيها، ولد الملك المظفر تقي الدين محمود بن المنصور محمد (٤) صاحب حماة من ملكة خاتون بنت السلطان الملك العادل (٥) وسمي عمر، وإنما سمي [محمودا] (٦) بعد ذلك، وكانت ولادته بقلعة حماة ظهر يوم الأربعاء (٧) رابع عشر رمضان هذه السنة.

стр. 8475

وفيها، أرسل الملك العادل وانتزع ما كان بيد الملك الأفضل وهي رأس عين (١) وسروج وقلعة نجم (٢)، ولم يترك بيده غير سميساط فقط، فأرسل الملك الأفضل والدته، ودخلت على الملك المنصور صاحب حماة ليرسل معها من يشفع في الملك الأفضل عند الملك العادل في إبقاء ما كان بيده وتوجهت أم الأفضل وتوجه معها من حماة القاضي زين الدين بن هندي (٣) إلى الملك فلم يجبها ورجعت خائبة، قال عز الدين بن الأثير في «الكامل»: وقد عوقب البيت الصلاحي بمثل ما فعله والدهم صلاح الدين لما خرجت إليه نساء بيت الأتابك ومن جملتهن بنت نور الدين الشهيد يتشفعن في إبقاء الموصل على عز الدين مسعود فردهن ولم يجب سؤالهن، ثم ندم ﵀ على ردهن، فجرى للملك الأفضل بن السلطان صلاح الدين (١٤٥) مع عمه مثل ذلك (٤). ولما جرى ذلك أقام الملك الأفضل بسميساط وقطع خطبة الملك العادل، وخطب للسلطان ركن الدين سليمان بن قليج أرسلان بن مسعود السلجوقي صاحب بلاد الروم.
следующие страницы →