← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11790

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط المجمع الثقافي

ابن فضل الله العمري

Полный текст (8 839 стр.). Показаны 8471–8510 · переход к 8476.

стр. 8471

وفي سنة تسع وتسعين وخمس مئة (١٣) في المحرم توفي فلك الدين [سليمان] (١) أخو الملك العادل لأمه وهو الذي تنسب إليه المدرسة الفلكية بدمشق. ذكر الحوادث باليمن كان قد تملك اليمن الملك المعز إسماعيل بن سيف الإسلام طغتكين بن أيوب (٢)، وكان فيه هوج وخبط فادعى أنه قرشي، وأنه من بني أمية، ولبس الخضرة، وخطب لنفسه [ولبس ثياب الخلافة في ذلك الزمان] (٣)، وكان طول الكم [نحو عشرين] (٤) ذراعا، وخرج عن طاعته جماعة من مماليك أبيه، واقتتلوا معه، وانتصر عليهم، ثم اتفق معهم جماعة من الأمراء الأكراد وقتلوا المعز إسماعيل (٥)، وأقاموا في مملكة اليمن أخا له صغيرا وسموه الناصر (٦)، وبقي مدة وأقام بأتابكيته مملوك والده وهو سيف الدين سنقر ثم مات سنقر بعد أربع سنين (٧)، وتزوج أم الناصر أمير من أمراء الدولة يقال له غازي بن

стр. 8472

جبريل (١) وقام بأتابكية الناصر ثم سم الناصر في كوز فقاع على ما قيل، وبقي غازي متملكا للبلاد، ثم قتله جماعة من العرب (١٤٢) بسبب قتله للناصر بن طغتكين، وبقيت اليمن خالية بغير سلطان فتغلبت أم الناصر على زبيد وأحرزت عندها الأموال، وكانت تنتظر وصول أحد من بني أيوب لتتزوج به وتملكه البلاد، وكان للملك المظفر تقي الدين عمر بن شاهنشاه ولد اسمه سعد الدين شاهنشاه (٢) وكان له ابن اسمه سليمان (٣) فخرج بن شاهنشاه بن تقي الدين عمر فقيرا يحمل الركوة على كتفه ويتنقل مع الفقراء من مكان إلى مكان، وكان قد أرسلت أم الناصر بعض غلمانها إلى مكة حرسها الله تعالى في موسم الحجاج ليأتيها بأخبار مصر والشام، فوجد غلمانها سليمان المذكور فأحضروه إلى اليمن فاستحضرته أم الناصر وخلعت عليه وملكته اليمن، فملأ الأرض ظلما وجورا واطّرح زوجته التي ملكته اليمن، وأرسل إلى السلطان الملك العادل وهو عم جده كتابا جعل [في أوله] (٤) ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اَللّهِ اَلرَّحْمنِ اَلرَّحِيمِ﴾ (٥) فاستقل العادل عقله، ثم كان من سليمان المذكور ما نذكره (٦) إن شاء الله

стр. 8473

تعالى. وفيها، أرسل العادل إلى ولده الأشرف وأمره بحصار ماردين فحصرها وضايقها، ثم سعى الملك الظاهر إلى العادل في الصلح فأجاب على أن يحمل صاحب ماردين مئة ألف وخمسين ألف دينار، ويخطب له ببلاده، ويضرب السّكّة باسمه، ويكون بخدمته متى طلبه، فأجيب إلى ذلك واستقر الصلح عليه. وفيها، أخرج الملك العادل الملك المنصور محمد بن (١٤٣) الملك العزيز من مصر إلى الشام، فسار بوالدته وأقام بحلب عند عمه الملك الظاهر. وفيها، سار الملك المنصور صاحب حماة إلى بعرين مرابطا للفرنج وأقام بها، وكتب الملك العادل إلى صاحب بعلبك وإلى صاحب حمص بإنجاده، واجتمعت الفرنج من حصن الأكراد وطرابلس وغيرها وقصدوا الملك المنصور ببعرين، واتقعوا معه في ثالث شهر رمضان هذه السنة واقتتلوا فانهزم الفرنج، وقتل وأسر من خيالتهم جماعة، وكان يوما مشهودا، وفي ذلك يقول بهاء الدين أسعد بن يحيى السّنجاري (١) قصيدة منها: <البسيط> ما لذة العيش إلاّ صوت معمعة … تنال فيها المنى بالبيض والأسل يأيها الملك المنصور نصح فتى … لم يلوه عن وفاء كثرة العذل اعزم ولا تترك الدنيا بلا ملك … وجدّ والملك محتاج إلى رجل يا أوحد العصر يا خير الملوك ومن … فاق البرية من حاف ومنتعل ثم خرج من حصن الأكراد والمرقب الإسبتار، وانضم إليهم جموع من

стр. 8474

السواحل، واتقعوا مع الملك المنصور صاحب حماة وهو نازل ببارين حادي وعشري شهر رمضان هذه السنة بعد الوقعة الأولى بثمانية عشر يوما فانتصر ثانيا، وانهزمت الفرنج هزيمة قبيحة وأسر الملك المنصور وقتل منهم عدة كثيرة، ومدح الملك المنصور بسبب هذه الوقعة سالم بن سعاد (١) الحمصي بقصيدة منها: <الكامل> أمر اللواحظ أن تفوق الأسهما (٢) … ريم برامة مارنا حتى رمى (١٤٤) ومنها: فتّانة بالسّحر بل فتّاكة … ما جار قاضيهن حتى حكّما (٣) أصبحت فيها مغرما كمحمد … لما غدا بالأريحيّة مغرما وشننت منتقما بساحل بحرها … جيشا حكى البحر الخضمّ عرمرما أسدلت في الآفاق من هبواته … ليلا وأطلقت الأسنة أنجما وفيها، ولد الملك المظفر تقي الدين محمود بن المنصور محمد (٤) صاحب حماة من ملكة خاتون بنت السلطان الملك العادل (٥) وسمي عمر، وإنما سمي [محمودا] (٦) بعد ذلك، وكانت ولادته بقلعة حماة ظهر يوم الأربعاء (٧) رابع عشر رمضان هذه السنة.

стр. 8475

وفيها، أرسل الملك العادل وانتزع ما كان بيد الملك الأفضل وهي رأس عين (١) وسروج وقلعة نجم (٢)، ولم يترك بيده غير سميساط فقط، فأرسل الملك الأفضل والدته، ودخلت على الملك المنصور صاحب حماة ليرسل معها من يشفع في الملك الأفضل عند الملك العادل في إبقاء ما كان بيده وتوجهت أم الأفضل وتوجه معها من حماة القاضي زين الدين بن هندي (٣) إلى الملك فلم يجبها ورجعت خائبة، قال عز الدين بن الأثير في «الكامل»: وقد عوقب البيت الصلاحي بمثل ما فعله والدهم صلاح الدين لما خرجت إليه نساء بيت الأتابك ومن جملتهن بنت نور الدين الشهيد يتشفعن في إبقاء الموصل على عز الدين مسعود فردهن ولم يجب سؤالهن، ثم ندم ﵀ على ردهن، فجرى للملك الأفضل بن السلطان صلاح الدين (١٤٥) مع عمه مثل ذلك (٤). ولما جرى ذلك أقام الملك الأفضل بسميساط وقطع خطبة الملك العادل، وخطب للسلطان ركن الدين سليمان بن قليج أرسلان بن مسعود السلجوقي صاحب بلاد الروم.

стр. 8476

وفيها، في جمادى الأولى، توفي غياث الدين محمد بن سام بن [الحسين] (١) الغوري صاحب غزنة وبعض خراسان وغيرها، وكان أخوه شهاب الدين بطوس عازما على قصد خوارزم، وخلف غياث الدين من الأولاد ولدا اسمه محمود (٢) ولقبه غياث الدين بلقب والده، ولم يحسن شهاب الدين الخلافة على ابن أخيه ولا على غيره من أهله، وكان لغياث الدين زوجة يحبها وكانت مغنية فقبض عليها شهاب الدين بعد موت أخيه غياث الدين وضربها ضربا مبرحا وأخذ أموالها. وكان غياث الدين مظفرا منصورا لم تنهزم له راية قط، وكان له دهاء ومكر، وكان حسن الاعتقاد، كثير الصدقات، وكان له فضل غزير، وأدب مع حسن حظ، وكان ينسخ المصاحف بخطه، ويوقفها على المدارس التي بناها، وكان على مذهب الكرامية ثم تركه وصار شافعيا. وفيها، استولى الكرج على مدينة دوين من أذربيجان ونهبوها وقتلوا أهلها، وكانت هي وجميع أذربيجان للأمير أبي بكر بن البهلوان (٣)، وكان مشغولا بشرب الخمر ليلا ونهارا لا يلتفت إلى تدبير مملكته، ووبخه أمراؤه ونوابه على ذلك فلم يلتفت. وفي سنة ست مئة (١٣) (١٤٦) كانت الهدنة بين الملك المنصور صاحب حماة وبين الفرنج.

стр. 8477

وفيها، نازل ابن لاون ملك الأرمن أنطاكية، فتحرك الملك الظاهر صاحب حلب ووصل إلى حارم، فرحل ابن لاون عن أنطاكية على عقبه. وفيها، خطب قطب الدين محمد بن عماد الدين زنكي بن مودود صاحب سنجار للملك العادل ببلاده وانتمى إليه، فصعب على ابن عمه نور الدين أرسلان شاه بن مسعود بن مودود وقصد نصيبين، وهي لقطب الدين محمد واستولى على مدينتها، واستنجد قطب الدين بالملك الأشرف بن العادل، فسار إليه واجتمع معه أخوه الملك الأوحد صاحب ميّافارقين، والتقى الفريقان بقرية يقال لها بوشرة فانهزم نور الدين صاحب الموصل هزيمة قبيحة ودخل الموصل وليس معه غير أربعة أنفس فكانت هذه الوقعة أول ما عرفت من سعادة الأشرف ابن العادل فإنه لم تنهزم له راية بعد ذلك، واستقرت بلاد قطب الدين محمد بن زنكي عليه، ووقع الصلح بينهم بعد ذلك. وفيها، اجتمع الفرنج لقصد بيت المقدس (١)، فخرج الملك العادل من دمشق وجمع العساكر، ونزل على الطور (٢) في قبالة الفرنج ودام ذلك إلى آخر السنة. وفيها، استولت الفرنج على قسطنطينية وكانت قسطنطينية بيد الروم من قديم الزمان، فلما كانت هذه السنة اجتمعت الفرنج وقصدتها في جمع عظيم وحاصروها (١٤٧) وملكوها وأزالوا الروم (٣)، ولم تزل بيد الفرنج إلى سنة ستين

стр. 8478

وست مئة فقصدتها الروم واستعادوها من الفرنج (١). وفيها، توفي السلطان ركن الدين سليمان بن قليج أرسلان بن مسعود بن قليج أرسلان بن سليمان بن قطلومش بن يبغو أرسلان بن سلجوق (٢) ملك بلاد الروم في سادس ذي القعدة حسبما قدمنا ذكره في سنة ثمان وثمانين وخمس مئة (٣)، وكان مرضه القولنج، وكان قبل موته بخمسة أيام قد غدر بأخيه صاحب أنكورية وهي أنقرة، وكان ركن الدين المذكور يميل إلى مذهب الفلاسفة، ويحسن إلى طائفتهم ويقدمهم، ولما مات ملك بعده ولده قليج أرسلان وكان صغيرا فلم يثبت أمره، وكان ما سنذكره (٤) إن شاء الله تعالى. وفيها، كان بين خوارزم شاه محمد بن تكش وبين شهاب الدين الغوري قتال فانتصر فيه ملك الغورية، واستنجد خوارزم شاه بالخطا فساروا واتقعوا مع شهاب الدين ملك الغورية فهزموه، وشاع ببلاده أن شهاب الدين قتل فاختلفت مملكته وكثر المفسدون، ثم إنه ظهر ورجع إلى غزنة واستقر في مملكته. وفيها، قتل ككجا (٥) مملوك البهلوان وكان قد ملك الري وهمذان وبلاد

стр. 8479

الجبل قتله أيدغمش البهلواني (١) وتملك موضعه، وأقام أيدغمش ابن أستاذه أزبك البهلوان في الملك، وليس لأزبك غير الاسم والحكم لأيدغمش. وفيها، استولى إنسان (١٤٨) اسمه محمود بن [محمد] (٢) الحميري على ظفار ومرباط (٣) وغيرهما من حضرموت. وفيها، خرج أسطول الفرنج واستولى على مدينة فوّة (٤) من الديار المصرية ونهبوها خمسة أيام. وفيها، كانت زلزلة عامة في أقطار الأرض خربت من المدن شيئا كثيرا. سنة إحدى وست مئة إلى سنة عشر وست مئة ف ي سنة إحدى وست مئة (١٣) كانت الهدنة بين الملك العادل والفرنج، وسلم إلى الفرنج يافا، ونزل عن مضافات لد والرملة، ولما استقرت الهدنة أعطى العساكر دستورا، وسار إلى مصر، وأقام بدار الوزارة. وفيها، أغارت الفرنج على حماة حتى قاربوها إلى قرية الرّقيطاء، وامتلأت أيديهم من المكاسب، وأسروا من أهل حماة شهاب الدين بن البلاغي (٥) وكان فقيها شجاعا تولى بر حماة مرة وسلمية مرة أخرى، وحمله الفرنج أسيرا إلى

стр. 8480

طرابلس، فهرب وتعلق بجبال بعلبك، ووصل إلى أهله بحماة سالما، ثم وقعت الهدنة بين الملك المنصور صاحب حماة وبين الفرنج. وفيها، بعد الهدنة توجه الملك المنصور صاحب حماة إلى مصر، وكان عنده استشعار من الملك العادل، فما وصل إليه بالقاهرة أحسن إليه إحسانا كثيرا، وأقام في خدمته شهورا، ثم خلع عليه وعلى أصحابه وعاد إلى حماة. وفيها ملك السلطان غياث الدين كيخسرو بن (١٤٩) قليج أرسلان بلاد الروم، وكان لما تغلب أخوه ركن الدين سليمان على البلاد قد هرب كيخسروا إلى الملك الظاهر صاحب حلب، ثم تركه وسار إلى القسطنطينيّة فأحسن إليه صاحبها، وأقام بالقسطنطينيّة إلى أن مات أخوه ركن الدين سليمان وتولى ابنه قليج أرسلان، فسار كيخسرو [من] (١) القسطنطينيّة، وأزال أمر ابن أخيه، وملك بلاد الروم واستقر أمره (٢). وفيها كانت الحرب بين الأمير قتادة الحسني (٣) أمير مكة وبين الأمير سالم بن قاسم الحسيني (٤) أمير المدينة، وكانت الحرب بينهما سجالا.

стр. 8481

وفي سنة اثنتين وست مئة (١٣) في أول ليلة من شعبان قتل شهاب الدين أبو المظفر محمد بن سام بن الحسين الغوري (١) ملك غزنة وبعض خراسان بعد عوده من لهاوور، فوثب عليه قبل صلاة العشاء جماعة بخركاته (٢) وقد تفرق الناس عنه لأماكنهم فقتلوه بالسكاكين، قيل إنهم من الكوكير وهم طائفة مفسدون من أهل الجبال كان شهاب الدين قد فتك فيهم، وقيل: إنهم من الإسماعيلية وأن شهاب الدين أيضا كان كثير الفتك فيهم، واجتمع حرس شهاب الدين فقتلوا قتلته عن آخرهم. وكان شهاب الدين شجاعا كثير الغزو، عادلا في الرعية، كان الإمام فخر الدين يعظه في داره فحضر يوما ووعظه، وقال: يا سلطان! لا سلطانك يبقى ولا تلبيس الرازي، فبكى شهاب الدين حتى رحمه الناس. ولما قتل (١٥٠) شهاب الدين كان صاحب باميان بهاء الدين سام بن شمس الدين محمد بن مسعود ابن عم غياث الدين وشهاب الدين فسار [بهاء الدين] (٣) ليتملك غزنة ومعه [ولداه] (٤) علاء الدين محمد وجلال الدين فأدركت بهاء الدين [ساما] (٥) الوفاة قبل أن يصل إلى غزنة، وعهد بالملك إلى

стр. 8482

ابنه علاء الدين محمد، وأتم علاء الدين وأخوه جلال الدين السير إلى غزنة ودخلاها فتملكها علاء الدين فكان لغياث الدين مملوك اسمه يلدز (١)، وكانت كرمان إقطاعه، وهو كبير في الدولة ويرجع الأتراك إليه، فسار تاج الدين يلدز إلى غزنة وهزم عنها علاء الدين محمد بن بهاء الدين سام و [أخاه] (٢) جلال الدين واستولى يلدز على غزنة، ثم إن علاء الدين وجلال الدين ابني بهاء الدين سام سارا إلى باميان وجمعا العساكر وعادا إلى غزنة فقاتلهما [يلدز] (٣) فانتصرا عليه وانهزم يلدز إلى كرمان، واستقر علاء الدين محمد بن بهاء الدين سام ومعه بعض العسكر في ملك غزنة، وعاد أخوه جلال الدين في باقي العسكر إلى باميان، ثم إن يلدز لما بلغه مسير جلال [الدين] (٣) في باقي العسكر إلى باميان، وتأخر علاء الدين بغزنة جمع يلدز عساكر كرمان وغيرها وسار إلى غزنة، وبلغ علاء الدين محمد بن بهاء الدين سام ذلك، فأرسل إلى أخيه جلال الدين وهو بباميان يستنجده، وسار يلدز وحصر علاء الدين بغزنة وسار جلال الدين فلما قارب غزنة رحل يلدز إلى طريقه (١٥١) واقتتلا فانهزم عسكر جلال الدين وأخذه يلدز أسيرا فأكرمه يلدز واحترمه وعاد إلى غزنة فحصر علاء الدين بها وكان عنده بغزنة هندوخان بن ملكشاه بن تكش فاستنزلهما يلدز بالأمان وقبض على علاء الدين وعلى هندوخان (٤) وتسلم غزنة. وأما غياث الدين محمود بن غياث الدين محمد ملك الغورية فإنه لما قتل عمه شهاب الدين وكان ببست فسار إلى فيروز كوه وملكها وجلس في دست

стр. 8483

أبيه غياث الدين وتلقب ألقابه، وفرح به أهل فيروز كوه وسلك طريقة أبيه في الإحسان والعدل، ولما استقر يلدز بغزنة وأسر علاء الدين وجلال الدين كتب إلى غياث الدين محمود بن غياث الدين محمد بن سيف الدين سام بن الحسين بالفتح، وأرسل إليه الأعلام وبعض الأسرى. وفيها، تزوج أبو بكر بن البهلوان بابنة ملك الكرج، وذلك لاشتغاله بالشرب عن تدبير المملكة فعدل إلى المصاهرة والهدنة فكفوا الكرج عنه لذلك. وفي سنة ثلاث وست مئة (١٣) سار الملك العادل من مصر الشام ونازل في طريقه عكّا فصالحه أهلها على إطلاق جميع الأسارى، ووصل إلى دمشق ثم سار إلى بحيرة قدس واستدعى بالعسكر فأتته من كل جهة، وأقام على البحيرة حتى خرج رمضان، ثم سار ونازل حصن الأكراد، وفتح برج أعناز (١) وأخذ منه سلاحا ومالا وخمس مئة رجل، ثم سار ونازل طرابلس (١٥٢) ونصب عليها المناجيق وعاث العسكر في بلادها، وقطع قناتها، ثم عاد في أواخر ذي الحجة إلى بحيرة قدس بظاهر حمص. وفيها، أرسل غياث الدين محمود بن غياث الدين محمد ملك الغورية يستميل يلدز مملوك أبيه المستولى على غزنة فلم يجبه يلدز إلى ذلك فطلب يلدز من غياث الدين أن يعتقه فأحضر الشهود وعتقه وأرسل مع عتقه هدية عظيمة وكذلك عتق أيبك المستولي على الهند، وأرسل نحو ذلك فقبل كل منهما ذلك، وخطب أيبك لغياث الدين، [وأما يلدز فلم يخطب له] (٢) وخرج غالب العسكر عن طاعة يلدز لعدم طاعته لغياث الدين.

стр. 8484

وفيها، [في] (١) ثالث شعبان ملك غياث الدين كيخسرو صاحب الروم أنطالية (باللام) (٢)، وهي مدينة للروم على ساحل البحر. وفيها، قبض عسكر خلاط على صاحبها ابن بكتمر، وكان أتابكه قتلغ مملوك شاه أرمن فقبض عليه ابن بكتمر، فثارت [عليه] (٣) أرباب الدولة وقبضوه، وملكوا بلبان مملوك شاه أرمن بن سكمان صاحب خلاط حسبما ذكرناه سنة أربع وتسعين وخمس مئة (٤). وفي سنة أربع وست مئة (١٣) كان الملك العادل نازلا ببحيرة قدس في أوائلها، ثم وقعت الهدنة بينه وبين صاحب طرابلس، وعاد الملك العادل إلى دمشق وأقام بها. وفيها ملك الملك الأوحد نجم الدين أيوب بن الملك العادل خلاط، وكان صاحب خلاط بلبان حسبما قدمنا ذكره في سنة أربع وتسعين (١٥٣) وخمس مئة (٤)، فسار الملك الأوحد من ميّافارقين وملك مدينة موش ثم اقتتل هو وبلبان صاحب خلاط فانهزم بلبان واستنجد بصاحب أرزن وهو مغيث الدين طغريل شاه بن قليج أرسلان السلجوقي، فسار طغريل شاه واجتمع به بلبان وهزما الملك الأوحد، ثم غدر طغريل شاه ببلبان وقتله ليملك بلاده، وقصد خلاط فلم

стр. 8485

يسلموها له وقصد منازكرد فلم تسلم إليه فرجع طغريل إلى بلاده، وكاتب أهل خلاط الملك الأوحد فسار إليهم وتسلم خلاط وبلادها بعد إياسه منها، واستقر ملكه بها. وفيها، وصل التشريف من الخليفة الناصر للسلطان الملك العادل بدمشق صحبة الشيخ شهاب الدين السّهروردي (١)، فبالغ الملك العادل في إكرام الشيخ والتقاه إلى القصير (٢)، ووصل من صاحب حلب وحماة ذهب لينثر على الملك العادل إذا لبس الخلعة، فلبسها الملك العادل ونثر ذلك الذهب وكان يوما مشهودا، وكانت الخلعة جبة أطلس أسود بطراز ذهب (٣) وعمامة سوداء بطراز ذهب ١ وطوق ذهب مجوهر، وسيف جميع قرابه ملبّس بالذهب تقلد به الملك العادل وتطوق بالطوق وحصان أشهب بمركب ذهب، و [نثر] (٤) على رأسه علم أسود مكتوب فيه بالبياض اسم الخليفة الناصر وألقابه، ثم خلع رسول الخليفة على كل واحد من الملكين الأشرف والمعظم ابني العادل عمامة سوداء و [ثوبا] (٥) أسود (١٥٤) واسع الكم، وكذلك على الوزير صفي الدين بن شكر (٦)، وركب العادل وولداه ووزيره بالخلع، ودخل القلعة، وكذلك وصل إلى الملك

стр. 8486

العادل مع الخلع تقليد بالبلاد التي تحت حكمه، وخوطب الملك العادل فيه بشاهنشاه ملك الملوك خليل أمير المؤمنين. ثم توجه الشيخ شهاب الدين إلى مصر فخلع على الملك الكامل بها، وجرى بها نظير ما جرى في دمشق من الاحتفال، ثم عاد السّهروردي إلى بغداد مكرما معظما. وفيها، اهتم الملك العادل بعمارة قلعة دمشق، وألزم كل واحد من ملوك أهل بيته بعمارة برج من أبراجها. وفي هذه السنة كاتبت ملوك ما وراء النهر مثل ملك سمرقند وملك بخارى يشكون ما يلاقونه من الخطا إلى خوارزم شاه ويبذلون له الطاعة والخطبة والسكة ببلادهم إن دفع الخطا عنهم، فعبر علاء الدين [محمد] (١) خوارزم شاه بن تكش نهر جيجون واقتتل مع الخطا وكانت بينهم عدة وقائع والحرب بينهم سجال، واتفق في بعض الوقعات أن عسكر خوارزم انهزم وأخذ خوارزم شاه [أسيرا] (٢) وأخذ معه آخر اسمه فلان بن شهاب الدين مسعود (٣) ولم يعرفهما الخطائي الذي أسرهما، فقال ابن مسعود لخوارزم شاه، دع عنك المملكة وأدع أنك غلامي وأخدمني لعلّي احتال في خلاصك، فشرع خوارزم شاه يخدم ابن مسعود ويقلعه قماشه وخفه [ويلبسه] (٢) ويخدمه فسأل الخطائي ابن مسعود من أنت، فقال: أنا فلان، فقال له الخطائي: لولا أخاف من الخطا (١٥٥) أطلقتك، فقال له ابن مسعود: إني أخشى أن ينقطع خبري عن أهلي فلا [يعلموا] (٤) بحالي وأشتهي [أن] (٢) أعلمهم بحياتي لئلا يظنوا موتي

стр. 8487

ويتقاسموا مالي، فأجابه الخطائي إلى ذلك، فقال له ابن مسعود: اشتهي أن تبعث غلامي هذا مع رسولك ليصدقوه فأجابه إلى ذلك، وراح خوارزم شاه مع ذلك الشخص حتى قرب من خوارزم فرجع الخطائي واستقر خوارزم شاه في ملكه، وتراجع إليه عسكره. وكان لخوارزم شاه أخ يقال له علي شاه بن تكش (١) وكان نائب أخيه بخراسان فلما بلغه عدم أخيه في الوقعة مع الخطا دعا إلى نفسه بالسلطنة، واختلف الناس بخراسان وجرى فيها فتن كثيرة. فلما عاد خوارزم شاه محمد إلى ملكه خاف أخوه علي شاه، فسار إلى غياث الدين محمود بن غياث الدين محمد ملك الغورية فأكرمه غياث الدين وأقام علي شاه عنده بفيروز كوه، ولما استقر خوارزم شاه في ملكه وبلغه ما فعله أخوه علي شاه جهز عسكرا لقتال غياث الدين محمود الغوري، فسار العسكر إلى فيروز كوه مع مقدم اسمه أمير ملك وبلغ ذلك محمودا، فأرسل يبذل الطاعة ويطلب الأمان فأعطاه أمير ملك الأمان، وخرج محمود وعلي شاه من فيروز كوه إلى أمير ملك فقبض عليهما، وأرسل يعلم خوارزم شاه بالحال، فأمره بقتلهما فقتلهما في يوم واحد، واستقامت خراسان كلها لخوارزم شاه بن تكش، وذلك سنة خمس وست مئة. وهذا غياث الدين محمود بن (١٥٦) غياث الدين محمد بن سام بن الحسين هو آخر الملوك الغورية (٢)، وكانت دولتهم من أحسن الدول، وكان هذا محمود كريما عادلا، رحمه الله تعالى.

стр. 8488

ثم إن خوارزم شاه محمد <ا> لما خلا شره من [جهة] (١) خراسان عبر النهر إلى الخطا، وكان وراء الخطا في حدود الصين التتر (٢)، وكان ملكهم حينئذ اسمه كشلي خان (٣)، وكان بينه وبين الخطا عداوة مستحكمة، فأرسل كشلي خان إلى خوارزم شاه أن يكون معه على الخطا، وأرسل ملك الخطا يسأل خوارزم شاه أن يكون معه على التتر، فأجابهما خوارزم شاه بالمغلظة وانتظر ما يكون منهما، فاتقع كشلي خان والخطا فانهزمت الخطا، فمال عليهم خوارزم شاه وفتك فيهم، وكذلك فعل كشلي خان بهم، وانقرضت الخطا، ولم يبق منهم إلا من اعتصم بالجبال، أو استسلم وصار في عسكر خوارزم شاه. وفي سنة خمس وست مئة (١٣) توجه الملك الأشرف موسى بن العادل من دمشق راجعا إلى بلاده الشرقية، ولما وصل إلى حلب تلقاه صاحبها الملك الظاهر وأنزله بالقلعة، وبالغ في إكرامه، وقام للأشرف ولجميع عساكره بجميع ما يحتاجون إليه من الطعام والشراب والعلوفات، وكان يحمل إليه في كل يوم خلعة كاملة، وهي غلالة وقباء

стр. 8489

وسراويل وكمة وفروة وسيف وحصان ومنطقة ومنديل وسكين ودلكش وخمس خلع لأصحابه، وأقام على ذلك خمسة و [عشرين] (١) يوما، وقدم له (١٥٧) مئة ألف درهم، ومئة بقجة مع مئة مملوك. منها عشر بقج في كل واحدة منها ثلاثة أثواب أطلس و [ثوبان] (٢) خطائي (٣) وعلى كل بقجة جلد قندس كبير (٤). ومنها عشر في كل بقجة منها عشرة ثياب عتّابي (٥) خوارزمي وعلى [كل] (١) بقجة جلد قندس كبير. ومنها عشر في كل بقجة منها خمسة ثياب عتّابي [بغدادي] (١) وموصلي وعليها [عشرة] (٦) جلود قندس صغار. ومنها عشرون في كل بقجة خمس قطع من دبيقي (٧) وسوسي (٨).

стр. 8490

ومنها أربعون في كل بقجة منها خمسة أقبية وخمسة كمام. وحمل إليه خمسة حصن عربية بعدتها وعشرين إكديشا، وأربعة قطر بغال، وخمس بغلات فائقات بالسروج واللّجم المكفتة [وقطارين من الجمال] (١)، وخلع على أصحابه مئة وخمسين خلعة وقاد [إلى] (١) أكثرهم بغلات وأكاديش، ثم سار الملك الأشرف إلى بلاده. وفيها، أمر الملك الظاهر صاحب حلب بإجراء القناة من حيلان (٢) إلى حلب، وغرم على ذلك أموالا كثيرة، وبقي الماء يجري في البلد. وفيها، وصل غياث الدين كيخسرو بن قليج أرسلان السلجوقي صاحب بلاد الروم إلى مرعش لقصد بلاد ابن لاون الأرمني، فأرسل إليه الملك الظاهر نجدة، فدخل كيخسرو إلى بلاد ابن لاون وعاث فيها ونهب وفتح حصنا يعرف بفرقوس. وفيها قتل معز الدين سنجرشاه (٣) بن سيف الدين غازي بن مودود بن عماد الدين زنكي بن آقسنقر صاحب جزيرة ابن عمر (١٥٨)، وقد تقدم ذكر ولايته سنة ست وسبعين وخمس مئة (٤)، قتله ابنه غازي (٥). وكان سنجر شاه ظالما قبيح السيرة جدا، لا يمتنع من قبيح يفعله من القتل وقطع الألسنة والأنوف وحلق اللحى، وتعدى ظلمه إلى أولاده وحريمه، فبعث

стр. 8491

ابنيه محمودا (١) ومودودا (٢) إلى قلعة فحبسهما فيها، وبعث ابنه غازي المذكور فحبسه في دار المدينة وضيق عليه وكان بتلك الدار هوام كثيرة، فاصطاد غازي [منها] (٣) حيّة وأرسلها إلى أبيه في منديل لعله يرق عليه، فلم يزده ذلك إلا قسوة فأعمل غازي الحيلة حتى يهرب، وكان واحد يخدمه فقرر معه أن يسافر ويظهر أنه غازي بن معز الدين سنجر شاه ليأمنه أبوه، فمضى ذلك الإنسان إلى الموصل فأعطي شيئا وسافر منها، فاتصل ذلك بسنجر شاه فاطمأن، وتوصل ابنه غازي حتى دخل دار أبيه واختفى عند بعض سراري أبيه، وعلم به جماعة منهم، وكتموا ذلك عن سنجر شاه لبغضهم فيه، واتفق أن سنجر شاه شرب يوما بظاهر البلد، وشرع يقترح على المغنين الأشعار الفائقة الفراقية وهو يبكي، ودخل داره سكران إلى عند الحظية التي ابنه مختبئ عندها، ثم قام سنجر شاه ودخل الخلاء، فهجم عليه ابنه غازي فضربه أربع عشرة ضربة بالسكين، ثم ذبحه وتركه ملقى، ودخل غازي الحمام وقعد يلعب مع الجواري، فلو أحضر الجند واستحلفهم في (١٥٩) ذلك الوقت لتمّ أمره وملك البلاد، ولكنه سكر (٤) واطمأن، فخرج بعض الخدم وأعلم أستاذ داره، فجمع الناس وهجم على غازي وقتله، وحلف العسكر لأخيه محمود بن سنجر شاه ولقب معز الدين بلقب أبيه [ووصل معز الدين محمود بن سنجر شاه بن زنكي] (٥) فاستقر ملكه بالجزيرة وقبض على جواري أبيه فأغرقهن في دجلة، ثم قبض على أخيه مودود.

стр. 8492

وفي سنة ست وست مئة (١٣) سار الملك العادل من دمشق وقطع الفرات وجمع الملوك من أولاده ونزل حران، ووصل إليه وبها الملك الصالح [محمود] (١) بن محمد بن قرا أرسلان الأرتقي صاحب آمد وحصن كيفا، وسار الملك العادل من حران، ونازل سنجار وبها صاحبها قطب الدين محمد بن عماد الدين زنكي بن مودود بن زنكي فحاصره فطال الأمر في ذلك، ثم خامرت عساكر الملك العادل ونقض الملك الظاهر صاحب حلب الصلح معه، فرحل [عن سنجار] (٢) وعاد إلى حران، واستولى الملك العادل على نصيبين، وكانت لقطب الدين محمد المذكور، وكذلك استولى على الخابور. وفي سنة سبع وست مئة (١٤) عاد السلطان الملك العادل من البلاد الشرقية إلى دمشق. وفيها، قصدت الكرج خلاط، وحصروا الأوحد بن الملك العادل بها، واتفق أن ملك الكرج (٣) شرب وسكر فحسن له السكر أن يقدم إلى خلاط في عشرين فارسا، وخرجت له المسلمون فأخذوه أسيرا وحملوه إلى الملك الأوحد فرد على الملك الأوحد عدة قلاع (١٦٠) وبذل إطلاق خمسة آلاف أسير، ومئة ألف دينار، وعقد الهدنة مع المسلمين ثلاثين سنة، وشرط أن يزوج ابنته للملك

стр. 8493

الأوحد (١) فتسلم ذلك منه وتحالفا وأطلق. وفيها، توفي نور الدين أرسلان شاه بن عز الدين مسعود بن مودود بن زنكي ابن آقسنقر (٢) صاحب الموصل في آخر رجب، وكان مرضه قد طال، وملك الموصل سبع عشرة سنة وأحد عشر شهرا، ولما اشتد به مرضه انحدر إلى العين القيارة (٣) ليستحم بها، وعاد إلى الموصل في شبّارة (٤) فتوفي في الطريق ليلا، وكان أسمر، حسن الوجه، قد أسرع إليه الشيب، وكان شديد الهيبة على أصحابه، وكان عنده قلة صبر في أموره، واستقر في ملكه بعده ولده الملك [القاهر] (٥) عز الدين مسعود بن أرسلان شاه (٦)، وكان عمر القاهر عشر سنين وقام بتدبير مملكته بدر الدين لؤلؤ (٧)، وكان لؤلؤ مملوك والده أرسلان شاه

стр. 8494

وأستاذ داره، وهذا لؤلؤ هو الذي ملك الموصل على ما سنذكره (١) إن شاء الله تعالى. وكان لأرسلان شاه ولد آخر أصغر من القاهر اسمه [عماد الدين] (٢) زنكي ملّكه أبوه قلعتي العقر وشوش (٣) وهما بالقرب من الموصل. وفيها، وردت رسل الخليفة الإمام الناصر إلى ملوك الأطراف أن يشربوا له كأس الفتوة، ويلبسوا سراويلها، وأن ينتسبوا إليه في رمي البندق ففعلوا ذلك. وفيها، سار الملك العادل بعد وصوله إلى دمشق إلى الديار المصرية، وأقام بدار الوزارة. وفيها، توفي (١٦١) الملك الأوحد عز الدين أيوب بن الملك العادل (٤) صاحب خلاط، فسار أخوه الأشرف وملك خلاط واستقل بملكها مضافا إلى ما بيده من البلاد الشرقية، فعظم شأنه ولقب بشاه أرمن. وفيها، قتل غياث الدين كيخسرو صاحب الروم، قتله ملك الأشكري (٥) وملك بعده ابنه كيكاوس حسبما تقدم ذكره سنة ثمان وثمانين وخمس مئة.

стр. 8495

وفي سنة ثمان وست مئة (١٣) قبض الملك المعظم عيسى بن العادل على عز الدين أسامة صاحب قلعتي كوكب وعجلون بأمر أبيه العادل وحبسه بالكرك إلى أن مات (١)، وحاصر الحصنين المذكورين وتسلمهما من غلمان أسامة، وأمر الملك العادل بتخريب كوكب وبقية أثرها [فخربت] (٢) وبقيت خرابا، وأبقى عجلون وانقرضت الصلاحية بهذا أسامة. وملك الملك المعظم بلاد جهاركس (٣) وهي بانياس وما معها لأخيه الملك العزيز عماد الدين عثمان بن العادل (٤) وأعطى صرخد لمملوكه عز الدين أيبك المعظمي (٥). وفيها، عاد الملك العادل إلى الشام، وأعطى ولده الملك المظفر غازي (٦) الرّها مع ميّافارقين.

стр. 8496

وفيها، أرسل الملك الظاهر صاحب حلب القاضي بهاء الدين بن شداد إلى الملك العادل فاستعطف خاطره وخطب ابنته ضيفة خاتون (١)، فزوجه الملك العادل بها، وزال ما كان بينهما من الوحشة. وفيها، أظهر الكيا جلال الدين حسن صاحب الألموت وهو من ولد [ابن] (٢) الصبّاح شعائر الإسلام، وكتب به (١٦٢) إلى جميع قلاع الإسماعيلية بالعجم والشام، وأقيمت فيها شعائر الإسلام. وفي سنة تسع وست مئة (١٣) عقد الملك الظاهر على ضيفة خاتون بنت الملك العادل، وكان المهر خمسين ألف دينار، وتوجهت من دمشق في المحرم إلى حلب فاحتفل الملك الظاهر بها وأهدى لها أشياء نفيسة. وفيها، عمّر الملك العادل قلعة الطور (٣)، وجمع لها الصنّاع من البلاد والعسكر حتى تمت. وفيها، سار طغريل شاه بن قليج أرسلان (٤) صاحب أرزن الروم، وحاصر ابن أخيه [سلطان الروم] (٥) كيكاوس بن كيخسرو بسيواس فاستنجد كيكاوس بالأشرف بن العادل فخاف طغريل من الأشرف ورحل عن ابن أخيه كيكاوس،

стр. 8497

وكان لكيكاوس أخ اسمه كيقباذ، فلما جرى ما ذكرنا سار كيقباذ واستولى على أنكورية من بلاد أخيه كيكاوس، فسار كيكاوس وحصره وفتح أنكورية وقبض على أخيه كيقباذ وحبسه، وقبض على أمرائه وحلق لحاهم ورؤوسهم، وأركب كل واحد منهم فرسا وأركب قدامه وخلفه قحبتين وبيد كل واحدة منهن خف تصفعه به، وبين كل واحد منهم [مناد] (١) ينادي: هذا جزاء من خان سلطانه. وفي سنة عشر وست مئة (١٣) ظفر عز الدين كيكاوس بعمه طغريل شاه فأخذ بلاده وقتله (٢) وذبح أكثر أمرائه، وقصد قتل أخيه علاء الدين كيقباذ فشفع فيه بعض أصحابه فعفا عنه. وفيها، ولد للملك الظاهر من ضيفة خاتون (١٦٣) بنت الملك العادل ولده الملك العزيز غياث الدين محمد (٣). وفيها، قتل أيدغمش مملوك البهلوان (٤)، وكان قد غلب على المملكة، وهي همذان والجبال، قتله خشداش [له] (٥) من البهلوانية اسمه منكلي (٦)، وكان

стр. 8498

أيدغمش قد هرب منه والتجأ إلى الخليفة في سنة ثمان وست مئة، ثم رجع أيدغمش في هذه السنة إلى جهة همذان فقتل واستقل منكلي بالملك. وفيها في شعبان، توفي ملك الغرب محمد الناصر بن يعقوب المنصور بن يوسف بن عبد المؤمن، وكانت مدة مملكته ستّ عشرة سنة، وكان أشقر أسيل الخد، دائم الإطراق، كثير الصمت للثغة كانت في لسانه، وقد تقدم ذكر ولايته سنة خمس وتسعين وخمس مئة (١). ولما مات محمد الناصر ملك بعده ولده يوسف، وتلقب بالمستنصر أمير المؤمنين، وكنيته أبو يعقوب (٢). سنة إحدى عشرة وست مئة إلى سنة عشرين وست مئة في سنة إحدى عشرة وست مئة (١٣) أسرت التركمان ملك الأشكري، وهو قاتل غياث الدين كيخسرو (٣) فحمل إلى ابنه كيكاوس بن كيخسرو فأراد قتله فبذل له في نفسه أموالا عظيمة، وسلم إلى كيكاوس بلادا وقلاعا لم يملكها المسلمون قط. وفيها، عاد الملك العادل من الشام إلى مصر.

стр. 8499

وفي سنة اثنتي عشرة وست مئة (١٣) كان استيلاء الملك المسعود بن الملك الكامل (١) على اليمن. وقد تقدم ذكر استيلاء سليمان بن سعد الدين شاهنشاه بن تقي الدين (١٦٤) عمر بن شاهنشاه بن أيوب في سنة تسع وتسعين وخمس مئة على اليمن وأنه ملأها ظلما وجورا وانه اطّرح زوجته التي ملّكته (٢)، فلما كان هذه السنة بعث الملك الكامل ابنه الملك المسعود يوسف المعروف بأقسيس إلى اليمن ومعه جيش فاستولى الملك المسعود عليها، وظفر بسليمان صاحب اليمن وبعثه مقيدا إلى مصر، فأجرى له الملك الكامل ما يقوم به، ولم يزل سليمان مقيما بالقاهرة إلى سنة سبع وأربعين وست مئة، فخرج إلى المنصورة غازيا فقتل شهيدا. وفيها، تجمعت عساكر بغداد وغيرها وقصدوا منكلي الهمذاني صاحب همذان وأصفهان والري وما بينهما من البلاد فهزمه عساكر الخليفة وقتلوه في ساوة (٣)، وولوا مكانة أغلمش (٤) أحد المماليك البهلوانية. وفيها، في شعبان ملك خوارزم شاه علاء الدين محمد بن تكش مدينة غزنة

стр. 8500

وأعمالها وأخذها من يلدز مملوك شهاب الدين الغوري، فهرب يلدز إلى لهاوور من الهند واستولى عليها، ثم سار يلدز من لهاوور ليستولي على بلاد الهند الداخلة تحت حكم قطب الدين أيبك خشداش يلدز المذكور، فجرى بينه وبين مملوك قطب الدين مصافّ (١)، فقتل فيه يلدز (٢)، وكان يلدز حسن السيرة في الرعية، كثير الإحسان [إليهم] (٣). وفي سنة ثلاث عشرة وست مئة (١٣) صبيحة يوم السبت خامس عشري جمادى [الأولى] (٤) ابتدأ بالملك الظاهر غازي بن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب صاحب حلب حمى حادة، ولما (١٦٥) اشتد مرضه أحضر القضاة والأكابر وكتب نسخة اليمين أن يكون الملك بعده لولده الصغير الملك العزيز ثم بعده لولده الكبير الملك الصالح (٥) صلاح الدين أحمد (٦) وبعدهما لابن عمهما الملك المنصور محمد بن العزيز عثمان بن السلطان صلاح الدين يوسف (٧) وحلّف الأمراء والأكابر على ذلك، وجعل

стр. 8501

الحكم في الأموال والقلاع إلى شهاب الدين طغريل الخادم (١) و [أعذق] (٢) به جميع أمور الدولة. وفي ثالث عشر جمادى الآخرة أقطع [أخاه] (٣) الملك الظافر خضر [المعروف ب] (٤) المستمر كفرسودا، وأخرج من حلب في ليلته بالتوكيل، وأخرج علم الدين قيصر (٥) مملوك الملك الظاهر إلى حارم نائبا. وفي خامس عشر جمادى الآخرة اشتد مرض الملك الظاهر ومنع الناس الدخول، وتوفي ليلة الثلاثاء العشرين من جمادى الآخرة (٦)، وكان مولده بمصر في نصف رمضان سنة ثمان وستين وخمس مئة، وكان عمره أربعا وأربعين سنة وشهورا، وكان مدة ملكه لحلب من حين وهبها له أبوه إحدى و [ثلاثين] (٧) سنة، وكان فيه بطش وإقدام على سفك الدماء ثم أقصر عنه، وهو الذي جمع شمل البيت الناصري الصلاحي، وكان ذكيا فطنا. وترتب الملك العزيز في المملكة و [أرجع] (٨) الأمور كلها إلى شهاب الدين طغريل الخادم، فدبر الأمور وأحسن السياسة، وكان عمر الملك العزيز لما قرّر في المملكة سنتين وأشهرا، وعمر أخيه الملك الصالح اثنتي عشرة سنة.

стр. 8502

وفي سنة أربع عشرة وست مئة (١٣) والملك العادل بالديار المصرية، وقد اجتمعت (١٦٦) الفرنج من داخل البحر، ووصلوا إلى عكّا في جمع عظيم، ولما بلغ العادل ذلك خرج بعساكر مصر، وسار حتى نزل نابلس فسارت الفرنج إليه ولم يكن معه من العساكر ما يقدر [به] (١) على مقاتلتهم فاندفع قدامهم إلى عقبة فيق (٢). فأغاروا على بلاد المسلمين، وأغاروا على نوى من بلد السواد ونهبوا ما بين بيسان ونابلس ما يفوت الحصر، وعادوا إلى مرج عكّا وكان قوة هذا النهب ما بين منتصف رمضان وعيد الفطر من هذه السنة، وأقام الملك العادل بمرج الصّفّر وسارت الفرنج وحصروا حصن الطور، وهو الذي بناه الملك العادل على ما تقدم ذكره (٣)، ثم رحلوا عنه وانقضت السنة والفرنج بجموعهم في عكّا. وفيها، سار خوارزم شاه علاء الدين محمد بن تكش إلى بلاد الجبل وغيرها فملكها، فمنها ساوة، وقزوين، وأبهر، وزنجان، وهمذان، وأصفهان، وقم، وقاشان ودخل أزبك بن البهلوان صاحب أران وأذربيجان في طاعة خوارزم شاه وخطب له ببلاده. ثم عزم خوارزم شاه على المسير إلى بغداد للاستيلاء عليها، وقدم بعض العسكر بين يديه، وسار خوارزم شاه في أثرهم عن همذان يومين أو ثلاثة، فسقط عليهم من الثلج ما لم يسمع بمثله، فهلكت دوابّهم. وخاف من حركة

стр. 8503

التتر على بلاده فولى على البلاد التي استولى عليها وسار إلى خراسان، وقطع خطبة (١٦٧) الخليفة الإمام الناصر من خراسان في سنة خمس عشرة وستّ مئة، وكذلك قطعت خطبة الخليفة من بلاد ما وراء النهر، وبقيت خوارزم، وسمرقند وهراة لم تقطع بهم خطبة الخليفة، فإن أهل هذه البلاد كانوا لا يلزمون بمثل هذا، بل يخطبون لمن يختارون ويفعلون نحو ذلك. وفي سنة خمس عشرة وست مئة (١٣) كان الملك العادل بمرج الصّفّر في أوائلها وجموع الفرنج بمرج عكّا، ثم ساروا منها إلى الديار المصرية، ونزلوا على دمياط (١) فسار الملك الكامل بن العادل بمصر، ونزل قبالتهم واستمر الحال كذلك أربعة أشهر (٢)، وأرسل الملك العادل العسكر الذي عنده إلى عند ابنه الكامل، فوصلت إليه أولا فأولا، ولما اجتمعت العساكر عند الكامل أخذ في قتال الفرنج ودفعهم عن دمياط. وفي هذه السنة، توفي الملك القاهر عز الدين مسعود بن أرسلان شاه بن مسعود بن مودود بن عماد الدين زنكي بن آقسنقر (٣) صاحب الموصل، وكانت

стр. 8504

وفاته لثلاث بقين من ربيع الأول، وكانت مدة ملكه سبع سنين وسبعة أشهر، وانقرض بموته ملك البيت الأتابكي، وخلف ولدين أكبرهما اسمه أرسلان شاه (١)، وكان حينئذ عمره نحو عشر سنين فأوصى بالملك له وأن يقوم بتدبيره بدر الدين لؤلؤ فنصّبه بدر الدين لؤلؤ في المملكة وجعل الخطبة (١٦٨) والسكة باسمه، وقام لؤلؤ بتدبير المملكة أحسن قيام. وفيها، كانت قضية كيكاوس بن كيخسر <و> ملك الروم. لما مات الملك الظاهر صاحب حلب، وجلس مكانه ولده العزيز في المملكة، وكان طفلا فطمع صاحب بلاد الروم كيكاوس في الاستيلاء على حلب، فدعا الملك الأفضل صاحب سميساط واتفق معه أن يفتح حلب وبلادها ويسلمها إلى الملك الأفضل، ثم يفتح البلاد الشرقية التي بيد الأشرف بن العادل ويتسلمها كيكاوس، وتحالفا على ذلك، وسار كيكاوس إلى جهة حلب ومعه الملك الأفضل، ووصلا إلى رعبان واستولى عليها كيكاوس وسلمها إلى الأفضل فمالت إليه قلوب أهل البلاد لذلك، ثم سار كيكاوس إلى تل باشر وبها [ابن دلدرم] (٢) ففتحها ولم يسلمها للأفضل فتغير خاطر الأفضل وخواطر أهل البلاد لذلك، ووصل الملك الأشرف بن العادل إلى حلب لدفع كيكاوس عن البلاد، ووصل إليه بها الأمير مانع بن حديثة أمير العرب في جمع عظيم، وكان قد سار كيكاوس إلى منبج وتسلمها لنفسه أيضا، وسار الملك الأشرف بالجموع التي معه ونزل وادي بزاعا، واتقع بعض العسكر مع مقدمة عسكر كيكاوس فانهزمت مقدمة

стр. 8505

عسكر كيكاوس، وأخذ منهم عدة أسارى، فأرسلوا إلى حلب ودقت البشائر بها، ولما بلغ [ذلك] (١) كيكاوس وهو بمنبج ولى منهزما (١٦٩) وتبعه الملك الأشرف يتخطف أطراف عسكره، ثم حاصر الملك الأشرف تل باشر واسترجعها واسترجع رعبان وغيرها، وتوجه الملك الأفضل إلى سميساط ولم يتحرك بعدها في طلب ملك إلى أن مات سنة اثنتين وعشرين وست مئة على ما سنذكره (٢) إن شاء الله تعالى. وعاد الملك الأشرف إلى حلب، وقد بلغه وفاة أبيه، وكانت وفاته أنه كان نازلا بمرج الصّفّر إلى عالقين، وهي عند عقبة فيق، فنزل بها ومرض واشتد مرضه، ثم توفي هناك رحمه الله تعالى في سابع جمادى الآخرة من هذه السنة أعني سنة خمس عشرة وست مئة (٣)، وكان مولده سنة أربعين وخمس مئة، وكان عمره خمسا وسبعين سنة، وكانت مدة ملكه لدمشق ثلاثا وعشرين سنة، ولمصر نحو تسع عشرة سنة، وكان العادل حازما متيقظا غزير العقل سديد الآراء، ذا مكر وخديعة، صبورا، حليما، يسمع ما يكره ويغضي عنه، وأتته السعادة واتسع ملكه وكثرت أولاده، ورأى فيهم ما يحب، ولم ير أحد من الملوك الذين اشتهرت أخبارهم في أولاده من الملك والظفر ما رآه العادل، ولقد أجاد شرف الدين [بن] (١) عنين في قصيدة مدح بها الملك العادل مطلعها (٤): <الكامل> ما ذا على طيف الأحبة لو سرى … وعليهم لو سامحوني بالكرى العادل الملك الذي أسماؤه … في كلّ ناحية تشرّف منبرا

стр. 8506

(١٧٠) ما في أبي بكر لمعتقد الهدى … شكّ يريب بأنه خير الورى بين الملوك الغابرين وبينه … في الفضل ما بين الثّريّا والثّرى نسخت خلائقه الحميدة ما أتى … في الكتب عن كسرى الملوك وقيصرا لا تسمعنّ حديث ملك غيره … يروى فكلّ الصيد في جوف الفرا (١) وله الملوك بكلّ أرض منهم … ملك يجرّ إلى الأعادي عسكرا من كلّ وضّاح الجبين تخاله … بدرا فإن شهد الوغى فغضنفرا وخلف الملك العادل ستة عشر ولدا ذكرا غير البنات، ولما توفي الملك العادل لم يكن عنده أحد من أولاده حاضرا، فحضر إليه ابنه الملك المعظّم عيسى، وكان بنابلس بعد وفاته، فكتم موته، وأخذه ميتا في محفة وعاد به إلى دمشق، واحتوى الملك المعظم على جميع ما كان مع أبيه من الجواهر والسلاح والخيول وغير ذلك، ولما وصل إلى دمشق حلف الناس له وأظهر موت أبيه، وجلس للعزاء، وكتب إلى الملوك من إخوته وغيرهم بخبره، وكان في خزانة العادل لما توفي سبع مئة ألف دينار عينا. ولما بلغ الكامل موت أبيه وهو في قتال الفرنج عظم عليه جدا، واختلفت العساكر عليه، فتأخر عن منزلته، وطمعت الفرنج ونهبت بعض أثقال المسلمين، وكان في العسكر عماد الدين أحمد بن سيف الدين علي بن أحمد المشطوب، وكان مقدما عظيما في الأكراد الهكّارية (١٧١) فعزم على خلع الملك الكامل من السلطنة، وحصل في العسكر اختلاف كبير حتى عزم الملك الكامل على مفارقة البلاد واللحوق باليمن، وبلغ الملك المعظم عيسى بن العادل ذلك، فرحل عن الشام ووصل إلى أخيه الملك الكامل وأخرج عماد الدين بن المشطوب ونفاه

стр. 8507

إلى الشام، فانتظم أمر الملك الكامل، وقويت مضايقة الفرنج لدمياط وضعف أهلها بسبب ما ذكرناه من الفتن التي حصلت في عسكر الكامل من ابن المشطوب. وفيها، استولى عماد الدين زنكي بن أرسلان شاه بن مسعود بن مودود بن زنكي بن آقسنقر على بعض قلاع الموصل. <و> قد تقدم في سنة سبع وست مئة أن أرسلان شاه عند وفاته جعل مملكة الموصل لولده المسعود القاهر، وأعطى ولده الأصغر عماد الدين زنكي المذكور قلعتي العقر وشوش (١)، فلما مات أخوه القاهر وجلس ولده أرسلان شاه بن القاهر في المملكة وكان به قروح وأمراض فتحرك عمه عماد الدين زنكي وقصد العمادية (٢) واستولى عليها، ثم استولى على قلاع الهكّارية والزّوران (٣)، فاستنجد بدر الدين لؤلؤ المتولي على تدبير صاحب الموصل بالملك الأشرف بن العادل، ودخل في طاعته فأنجده الأشرف بعسكر، وساروا إلى زنكي بن أرسلان شاه فهزموه، وكان زنكي مزوجا ببنت مظفر الدين كوكبوري صاحب إربل وأم البنت ربيعة خاتون بنت أيوب (٤) أخت الملك العادل (١٧٢) زوجة مظفر الدين، وكان مظفر الدين لا يترك ممكنا في نصرة صهره زنكي المذكور، وبالغ في عداوة بدر الدين لؤلؤ لأجل صهره.

стр. 8508

[ثم دخلت] (١) سنة ست عشرة وست مئة (١٣) والملك الأشرف مقيم بظاهر حلب يدبر أحوالها، والملك الكامل بمصر في مقابلة الفرنج وهم محاصرون لثغور دمياط، وكتب الملك الكامل متواصلة إلى إخوته في طلب النجدة. وفيها، توفي نور الدين أرسلان شاه بن القاهر مسعود بن أرسلان شاه بن مسعود بن مودود بن زنكي بن آقسنقر (٢) صاحب الموصل وكان لا يزال مريضا، فأقام بدر الدين لؤلؤ في الملك بعده أخاه ناصر الدين محمود بن الملك القاهر (٣) وعمره حينئذ نحو ثلاث سنين، وهو آخر من خطب له بالسلطنة من بيت أتابك زنكي بن آقسنقر، وكان أبوه القاهر آخر من كان له استقلال بالملك منهم ثم [إن] (٤) هذا الصبي مات بعد مدة، واستقل بدر الدين لؤلؤ بالموصل وأتته السعادة وطالت مدة ملكه إلى أن توفي بالموصل بعد أخذ التتر بغداد على ما سنذكره (٥). وفي هذه السنة، توفي قطب الدين محمد بن عماد الدين زنكي بن مودود ابن الأتابك زنكي بن آقسنقر صاحب سنجار، فملك سنجار بعده ولده عماد الدين شاهنشاه بن محمد، وكان قطب الدين حسن السيرة في رعيته، وبقي عماد الدين شاهنشاه في الملك شهورا، ثم وثب عليه أخوه محمود فذبحه وملك سنجار، وهذا محمود هو آخر (١٧٣) من ملك سنجار من البيت

стр. 8509

الأتابكي (١). وفيها، أرسل الملك المعظم عيسى بن العادل صاحب دمشق الحجارين والنقابين إلى القدس [فخرب أسوارها] (٢)، وكانت قد حصّنت إلى الغاية، وانتقل منه عالم عظيم، وكان سبب ذلك أن الملك المعظم لما رأى قوة الفرنج وتغلبهم على دمياط خشي أن يقصدوا القدس فخربه لذلك لعلمه أنه لا يقدر على منعهم. وفيها، هجم الفرنج على دمياط بالسيف بعد مضايقة الفرنج لها مضايقة عظيمة، وقتلوا وأسروا من بها وجعلوا الجامع كنيسة، واشتد طمع الفرنج في الديار المصرية، وحين أخذت دمياط ابتنى الملك الكامل مدينة وسماها المنصورة عند مفرق البحرين [الآخذ] أحدهما إلى دمياط، والآخر إلى أشموم طنّاح، ونزل فيها عسكره. وفيها، كان ظهور التتر وقتلهم في المسلمين، ولم ينكب المسلمون أعظم ما نكبوا هذه السنة، فمن ذلك ما كان من تملك الفرنج دمياط وقتل أهلها وأسرهم، ومنه المصيبة الكبرى وهي ظهور التتر وتملكهم في المدة القريبة أكثر بلاد الإسلام، وسفك دمائهم وسبي حريمهم وذراريهم، ولم يفجع المسلمون منذ ظهر دين الإسلام كهذه الفجيعة. وفيها، خرجوا على خوارزم شاه علاء الدين محمد بن تكش وعبروا نهر

стр. 8510

جيحون (١)، ومعهم ملكهم جنكز خان، فاستولوا على بخارى رابع ذي الحجة من هذه السنة بالأمان، وعصت عليهم القلعة فحاصروها وملكوها وقتلوا من كان بها (١٧٤)، ثم قتلوا أهل البلد عن آخرهم. قال محمد بن أحمد بن علي [المنشئ] (٢) النسوي كاتب إنشاء جلال الدين: إن مملكة الصين مملكة متسعة دورها ستة أشهر، وقد انقسمت من قديم الزمان ستة أجزاء كل جزء منها مسيرة شهر يتولى أمره خان وهو الملك بلغتهم نيابة عن خانهم الأعظم، وكان خانهم الكبير الذي عاصر خوارزم شاه علاء الدين محمد بن تكش يقال له الطرخان (٣) قد توارث الخانية كابرا عن كابر بل كافرا عن كافر، ومن عادة خانهم الأعظم الإقامة بطرغاج (٤) وهي واسطة الصين، وكان من زمرتهم في عصر المذكور شخص يسمى دوشي خان، وكان أحد الخانات المتولي أحد الأجزاء الستة، وكان مزوجا بعمة جنكز خان، وقبيلة جنكز خان هي المعروفة بقبيلة التمرجي سكان البراري، ومشتاهم موضع يسمى أرغون، وهم المشهورون بين الترك بالغدر والشر <و> لم ير ملوك الصين إرخاء عنانهم لطغيانهم، فاتفق أن دوشي خان مات فحضر جنكز خان إلى عمته زائرا ومعزيا، وكان الخانان المجاوران لعمل دوشي خان المذكور يقال لأحدهما كشلو خان (٥) وللآخر فلان خان وكانا يليان ما يتاخم من أعمال دوشي خان المذكور من الجهتين، فأرسلت امرأة دوشي خان إلى كشلو خان وإلى الآخر تنعى إليهما
следующие страницы →