← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11790

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط المجمع الثقافي

ابن فضل الله العمري

Полный текст (8 839 стр.). Показаны 8681–8720 · переход к 8686.

стр. 8681

إن الفتوحات لما رثّ ملبسها ...... من برّ قيساريّة القشبا في كل أرض جيوش قد بعثت بها … حتى لقد أصبحت آياتها عجبا أمطيتها .... تزهو السروج بها … لا كل مستهجن يسهجن … كم قد قذفت شياطين العدو بها … حتى أبصروا من شهبها شهبا سبى أعنتها ملك … ... قد أصبحت في الوغى راحاتها التعبا لا يحسب الناس قيساريّة ضعفت … أو أسلمت نفسها … لكنها بذيول النصر قد علقت … وقد أتته لعكّا تطلب الحسبا وارسوف جاءته لما حاز … ما جاء محتطبا بل جاء محتطبا ما كان من جرم رأي أن يرهما … لا تقطع الرأس حتى تقطع الذنبا فقل لحسّاده هذي صنائعه … فمن يرى غيره يوما لها خطبا (٣٣١) وفي تاسع عشر جمادى الآخرة، مات هولاكو ملك التتر، وهو هولاكو بن طلو بن جنكز خان، وكان موته بالقرب من كور <ة> مراغة، وكان مدة ملكه البلاد التي سنصفها نحو عشر سنين، وخلف خمسة عشر ولدا ذكرا، ولما مات جلس في الملك بعده ولده أبغا واستقرت له البلاد التي كانت بيد والده حال وفاته، وهي: إقليم خراسان وكرسيّه نيسابور، وإقليم عراق العجم وهو الذي يعرف ببلاد الجبل وكرسيّه أصفهان، وإقليم عراق العرب وكرسيّه بغداد، وإقليم أذربيجان وكرسيّه تبريز، وإقليم خورستان وكرسيّه تستر التي يسميها العامة تشتر، وإقليم فارس وكرسيّه شيراز، وإقليم ديار بكر وكرسيّه الموصل، وإقليم الروم وكرسيّه قونية وغير ذلك من البلاد التي ليست في الشهرة مثل هذه الأقاليم العظيمة. وفيها، أو التي بعدها، أمسك الظاهر بيبرس زامل بن علي (١) أمير العرب

стр. 8682

بمكاتبة عيسى بن مهنّا في حقه. وفيها، في رمضان استولى نائب الرحبة على قرقيسياء، وهي حصن الزباء (١)، وفيه خلاف. وفيها، قبض الظاهر على سنقر الرومي (٢). وفي سنة أربع وستين وست مئة (١٣) خرج الظاهر إلى الشام وجهز عسكرا إلى ساحل البحر ففتحوا القليعات (٣) وحلبا وعرقا (٤)، ونزل الظاهر على صفد ثامن شعبان وضايقها بالزحف وآلات الحصار، وقدم إليه وهو على صفد المنصور صاحب حماة، ولاصق الجند القلعة (٣٣٢)، وكثر القتل والجراح في المسلمين، وفتحها في تاسع عشر شعبان بالأمان، ثم قتل أهلها عن آخرهم. ثم سار بعد ذلك إلى دمشق، فلما استقر فيها جرّد عسكرا ضخما وقدم عليهم المنصور صاحب حماة، وأمرهم بالمسير إلى بلاد الأرمن فسارت العساكر صحبة المنصور، ووصلوا إلى بلاد سيس في ذي القعدة من هذه السنة، وكان صاحب سيس إذ ذاك هيثوم [بن] (٥) قسطنطين بن باسيل (٦) قد حصن

стр. 8683

الدربندات بالرجالة والمناجيق وجعل عسكره مع ولديه على الدربندات لقتال العسكر الإسلامي فداستهم العساكر الإسلامية وأفنوهم قتلا وأسرا وقتل ابن صاحب سيس الواحد وأسر الآخر، وهو ليفون بن هيثوم (١)، وانتشرت العساكر الإسلامية في بلاد سيس وفتحوا قلعة العامودين وقتلوا أهلها، ثم عادت العساكر وقد امتلأت أيديهم من الغنائم، ولما وصل خبر هذا الفتح إلى الظاهر رحل من دمشق إلى حماة ثم إلى فامية والتقى عساكره وقد عادت منصورة، وأمر بتسليم الأسرى وفيهم ليفون بن هيثوم صاحب سيس، وكان المذكور لما أسر سلمه المنصور إلى أخيه الأفضل فاحترز عليه وحفظه حتى أحضره بين يدي السلطان، ثم عاد إلى الديار المصرية على طريق الكرك، فتقنطر بالملك الظاهر فرسه عند بركة زيزاء وانكسرت فخذه وحمل في محفة إلى قلعة الجبل. وفي هذه السنة، نزل الظاهر على قارا [بين دمشق وحمص] (٢) لما خرج يلتقي عساكره [العائدة من غزوة بلاد سيس] (٣)، <و> أمر بنهب أهلها وقتل (٣٣٣) كبارهم، فنهبوا وقتل منهم جماعة لأنهم كانوا نصارى يسرقون أولاد المسلمين ويبيعونهم خفية للفرنج وأخذوا صبيانهم مماليك فتربوا بين الترك بالبلاد المصرية وصار منهم أجناد وأمراء. وفي سنة خمس وستين وست مئة (١٣) وصل المنصور صاحب حماة إلى خدمة الظاهر بالديار المصرية فاجتمعا بالغرابي (٣)، وفي اجتماع الملك الظاهر وصاحب حماة بالغرابي قال ابن عبد

стр. 8684

الظاهر: <الخفيف> بالغرابيّ إن تجمّع شملي … ببواقي قفولكم وإيابي فلكم بالغراب فرّق شمل … وأرى جمع شملنا بالغرابي ثم طلب دستورا بالتوجه إلى الإسكندرية ليراها فرسم له بذلك، وأمرت أهل الإسكندرية بإكرامه واحترامه وفرش الشقق بين يدي فرسه، فتوجه المنصور إلى الإسكندرية وعاد إلى الديار المصرية مكرما، وخلع عليه الظاهر على جاري عادته، وأعطاه دستورا فتوجه إلى بلده. وفيها، توجه الظاهر إلى الشام فنظر في مصالح صفد، ووصل إلى دمشق وأقام بها خمسة أيام، وقوي الإرجاف بوصول التتر إلى الشام، ثم ورد الخبر بعودهم على عقبهم فعاد الظاهر إلى ديار مصر. وفي هذه السنة، مات [بركة خان بن دوشي خان بن جنكز خان] (١) أعظم ملوك التتر، وكرسي مملكته مدينة صراي، وكان قد مال إلى دين الإسلام، ولما مات جلس في الملك بعده [ابن أخيه] (٢) منكوتمر (٣٣٤) بن طغان بن باطو ابن دوشي خان بن جنكز خان.

стр. 8685

وفي سنة ست وستين وست مئة (١٣) في مستهل جمادى الآخرة، توجه الظاهر بيبرس بالعساكر المتوافرة إلى الشام، وفتح يافا في العشر الأوسط من الشهر وأخذها من الفرنج. وفي أيام المقام بها يقول الفاضل أبو الفضل بن عبد الظاهر (١): <الطويل> حلى الله يافا أنها شرّ منزل … بعيد عن الراحات والخبر نفعه عقاربه من كثرة كذبابه … وذبانه مثل العقارب لسعه وسار إلى أنطاكية ونازلها في مستهل رمضان، ورجعت العساكر الإسلامية على أنطاكية فملكوها بالسيف في يوم السبت رابع رمضان هذه السنة وقتلوا أهلها وسبوا ذراريهم وغنموا منها أموالا جليلة، وكانت أنطاكية للبرنس بيمند ابن بيمند وله معها طرابلس وكان مقيما بها لما فتحت أنطاكية. وفي حادي عشر رمضان (٢)، استولى الظاهر على بغراس، وسبب ذلك أنه لما فتح أنطاكية هرب أهل بغراس منها وتركوا الحصن خاليا فأرسل الظاهر من استولى عليها في التاريخ المذكور وشحنه بالرجال والعدد، وقد تقدم ذكر فتح صلاح الدين الحصن المذكور (٣) وتخريبه ثم عمارة الفرنج له بعد صلاح الدين، ثم حصار عسكر حلب له ورحيلهم عنه بعد أن أشرفوا على أخذه. وفيها في شوال، وقع الصلح بين الظاهر وبين هيثوم صاحب سيس على أنه إذا أحضر صاحب سيس سنقر الأشقر من التتر وكانوا (٣٣٥) أخذوه من قلعة

стр. 8686

حلب لما أخذها هولاكو كما تقدم (١)، وسلّم مع ذلك بهسنا ودربساك ومرزبان ورعبان وشيح الحديد (٢) [يطلق] (٣) له ابنه ليفون فدخل صاحب سيس على أبغا ملك التتر وطلب منه سنقر الأشقر فأعطاه إياه، ووصل سنقر الأشقر إلى خدمة الظاهر وتسلم المسلمون البلاد المذكورة سوى بهسنا، وأطلق الظاهر ليفون ابن صاحب سيس فتوجه إلى والده، وعاد الظاهر إلى الديار المصرية ووصل إليها في ذي الحجة هذه السنة. وفيها، اتفق معين الدين سليمان البرواناه مع التتر المقيمين ببلاد الروم على قتل ركن الدين قليج أرسلان بن كيخسرو بن كيقباذ بن كيخسرو بن قليج أرسلان بن مسعود بن قليج أرسلان بن سليمان بن قطلوش بن أرسلان يبغو بن سلجوق سلطان الروم، فخنق التتر ركن الدين المذكور (٤)، وأقام البرواناه مقامه ولده غياث الدين بن ركن الدين (٥) وعمره أربع سنين. وفي سنة سبع وستين وست مئة (١٣) خرج الظاهر إلى الشام وخيّم على خربة اللصوص، وتوجه إلى مصر في الخفية، ووصل إليها بغتة [وأهل مصر] (٦) والنائب لا يعلمون ذلك إلاّ بعد أن صار بينهم، ثم عاد إلى الشام.

стр. 8687

وفيها، تسلم الظاهر بلاطنس من عز الدين عثمان صاحب صهيون. وفيها، توجه الظاهر بيبرس إلى الحجاز الشريف وكان رحيله من الفوّار خامس عشري شوال، ووصل الكرك وأقام به أياما، وتوجه من الكرك في سادس ذي القعدة إلى الشّوبك، ورحل من الشّوبك في حادي عشر الشهر (٣٣٦) فوصل إلى المدينة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة والسلام في خامس عشريه، ووصل إلى مكة في خامس ذي الحجة وقضى مناسك الحج، ورحل من مكة في ثالث عشر ذي الحجة، ووصل الكرك في سلخ ذي الحجة. وفي سنة ثمان وستين وست مئة (١٣) توجه الظاهر بيبرس من الكرك مستهل المحرم عند عوده من الحج، فوصل إلى دمشق بغتة، وتوجه من يومه إلى حماة في خامس المحرم، وتوجه لساعته إلى حلب، ولم يعلم به العسكر إلا وهو معهم في الموكب، وعاد إلى دمشق في ثالث عشر المحرم، وتوجه إلى القدس ثم إلى القاهرة فوصل إليها ثالث صفر هذه السنة. وفيها، عاد أيضا إلى الشام، وأغار على عكّا، وتوجه إلى دمشق ثم إلى حماة. وفيها، جهز الظاهر عسكرا إلى بلاد الإسماعيلية فتسلموا مصياف في العشر الأول من رجب هذه السنة، وعاد الظاهر من جهة حماة إلى دمشق فدخلها في ثامن عشري رجب، ثم عاد إلى مصر. وفيها، حصل بين منكوتمر بن طغان ملك التتر بالبلاد الشمالية وبين الأشكري صاحب قسطنطينيّة وحشة، فجهز منكوتمر إلى قسطنطينيّة جيشا من التتر وعاثوا في بلادها، ومروا بالقلعة التي فيها عز الدين كيكاوس بن

стр. 8688

كيخسرو ملك الروم محبوسا كما قدمنا في سنة اثنتين وستين وست مئة (١)، فحمله التتر بأهله إلى منكوتمر فأحسن إليه منكوتمر، وأقام معه إلى أن توفي عز الدين المذكور في سنة سبع وسبعين وست مئة (٢)، فسار ابنه مسعود (٣) إلى بلاد الروم وصار سلطانا. وفيها، قتل أبو دبّوس (٣٣٧) آخر ملوك بني عبد المؤمن، وانقرضت بموته دولتهم، وقد تقدم ذلك (٤)، وملكت بلادهم بعدهم بنو مرين على ما يذكر. وفي سنة تسع وستين وست مئة (١٣) توجه الظاهر من مصر إلى الشام ونازل حصن الأكراد في تاسع شعبان هذه السنة، وجدّ في حصاره، واشتد القتال عليه، وملكه بالأمان في رابع عشري شعبان، ثم رحل إلى حصن عكّار (٥) ونازله في سابع عشر رمضان، وجدّ في قتاله وملكه بالأمان سلخ رمضان، وعيد الظاهر عليه عيد الفطر، وقال محيي الدين بن عبد الظاهر مهنئا بفتح عكّار: <مجزوء الرمل> يا مليك الأرض بشرا … ك فقد نلت الإراده إن عكّار يقينا … هي عكّا وزياده

стр. 8689

وفي شوال منها، تسلم الظاهر حصن العلّبقة (١) وبلادها من الإسماعيلية. وفي آخر شوال (٢)، سار إلى حصن القرين (٣) ونازله في ثاني ذي القعدة (٤) وزحف عليه وتسلمه بالأمان وأمر به فهدم، ثم عاد إلى مصر. وفيها، جهز الظاهر شواني لغزو قبرس فتكسرت في مرسى اليميسوس، وأسر الفرنج من كان بتلك الشواني من المسلمين، واهتم الظاهر بعمارة شوان أخر، فعمل في المدة اليسيرة ضعف ما تهدم. وفيها، توفي هيثوم بن قسطنطين (٥) صاحب سيس، وملك بعده ابنه ليفون الذي كان أسره المسلمون حسبما ذكرناه (٦). وفيها، قبض الظاهر على عز الدين بغان المعروف بسمّ الموت (٧) وعلى المحمدي (٨) وغيرهما (٩).

стр. 8690

وفي سنة سبعين وست مئة (١٣) (٣٣٨) توجه الظاهر إلى الشام وعزل جمال الدين آقوش النجيبي عن نيابة السلطنة بدمشق، وولى فيها عز الدين أيدمر الظاهري (١)، وولى عوضه في الكرك علاء الدين أيدكين الفخري الأستاذ دار (٢) في مستهل ربيع الأول، ثم توجه الظاهر إلى حمص، ثم إلى حصن الأكراد، ثم عاد إلى دمشق. وفيها والظاهر في دمشق، أغارت التتر على عين تاب وعلى الرّوج وقسطون (٣) إلى قرب فامية ثم عاد <وا>، واستدعى الظاهر من مصر عسكرا فوصل إليه [صحبة] (٤) بدر الدين البيسرى فتوجه الظاهر [بهم] (٤) إلى حلب ثم عاد إلى الديار المصرية [فوصل إليها] (٤) في [ال] (٤) ثالث [والعشرين من] (٤) جمادى الأولى. وفي شوال، عاد الظاهر بيبرس من مصر إلى الشام (٥).

стр. 8691

سنة إحدى وسبعين وست مئة إلى سنة ثمانين وست مئة <سنة إحدى وسبعين وست مئة> (١٣) ثم عاد <الظاهر> في مستهل سنة إحدى وسبعين إلى مصر جريدة، وأقام بقلعة الجبل خمسة عشر يوما، ثم عاد إلى دمشق فوصل إليها في ثامن صفر. وفيها، توفي [سيف الدين] (١) بن مظفر الدين عثمان بن [منكورس] (٢) صاحب صهيون، فسلّم ولداه سابق الدين وفخر الدين صهيون إلى الظاهر وقدما إلى خدمته فأحسن إليهما، وأعطى سابق الدين [إمرة] (٣) طبلخاناة. وفيها، نازل التتر البيرة ونصبوا عليها المناجيق وضايقوها، فسار إليهم الظاهر وأراد عبور الفرات إلى بر البيرة، فقابله التتر على المخاضة، فاقتحم الفرات وهزم التتر فرحلوا عن البيرة وتركوا آلات الحصار بحالها فصارت للمسلمين، ثم عاد (٣٣٩) الظاهر إلى الديار المصرية في الخامس والعشرين من جمادى الآخرة. وفيها، أفرج عن الدّمياطي من (٤) الاعتقال (٥). وفيها، تسلمت نواب الظاهر ما تأخر من حصون الإسماعيلية وهي الكهف والمينقة والقدموس.

стр. 8692

وفيها، اعتقل الظاهر الشيخ خضر (١)، وكان قد بلغ عند الظاهر أرفع منزلة، وانبسطت يده ونفذ أمره في الشام ومصر، فاعتقله في قاعة بمصر مكرما إلى أن مات. وفي سنة اثنتين وسبعين وست مئة (١٣) ملك يعقوب المريني سبتة، وهو يعقوب بن عبد الحق بن محيو بن حمامة المريني (٢)، وبنو مرين ملكوا الغرب بعد بني عبد المؤمن وكان آخر من ملك من بني عبد المؤمن أبو دبّوس، وهذه القبيلة أعني بني مرين يقال لها حمامة من بين قبائل العرب بالمغرب، وكان مقامهم بالريف القبلي من تازة، وأول أمرهم أنهم خرجوا عن طاعة بني عبد المؤمن المعروفين بالموحدين لما اختل أمرهم، وتابعوا الغارات عليهم حتى ملكوا مدينة فاس واقتلعوها من الموحدين، في سنة بضع وثلاثين وست مئة، واستمرت فاس وغيرها في أيديهم أيام الموحدين. وأول من اشتهر من بني مرين أبو بكر بن عبد الحق بن محيو بن حمامة المريني (٣)، وبعد ملكه [فاسا] (٤) سار إلى جهة مراكش وضايق بني عبد المؤمن، وبقي كذلك حتى توفي المذكور سنة [ست] (٥) وخمسين وست مئة.

стр. 8693

وملك بعده يعقوب بن عبد الحق وقوي أمره وحاصر أبا دبّوس في مراكش وملكها يعقوب المذكور وأزال ملك بني عبد المؤمن (٣٤٠) حينئذ، واستقرت قدمه في الملك، وبقي مستقرا حتى ملك سبتة في هذه السنة. ثم توفي، وملك بعده ولده يوسف بن يعقوب (١) وكنية يوسف المذكور أبو يعقوب، واستمر يوسف المذكور في الملك حتى قتل سنة ست وسبع مئة. وفيها، وصل الظاهر بعساكره إلى دمشق، وكان الظاهر حبس [عمر] (٢) بن مخلول أحد أمراء العربان بحبس عجلون فقيّد هناك وهرب من الحبس المذكور إلى بلاد التتر ثم أرسل يطلب الأمان، فقال الظاهر: ما أؤمنه حتى يعود إلى عجلون ويضع القيد في رجليه كما كان، فعاد [عمر] (٢) المذكور إلى عجلون، ووضع القيد في رجليه، فعفى عنه الظاهر حينئذ. وفيها، قويت أخبار التتر لقصد الشام وجفل الناس. وفي سنة ثلاث وسبعين وست مئة (١٣) توجه الظاهر إلى بلاد سيس بعساكره فغنم وعاد إلى دمشق حتى خرجت السنة، (٣) وفي دخول الملك الظاهر سيس والشمع بأيدي الجند موقود قدامه، قال ابن عبد الظاهر: <السريع>

стр. 8694

ملك ترى عسكره موقدا … شمعا به يرهج أو يبهج قد ألجم الكفر بغاراته … إذ أدهم الليل بها تسرج وفي سنة أربع وسبعين وست مئة (١٣) نازلت التتر البيرة، وكان اسم مقدمهم آقطاي، وكان الظاهر بدمشق فتوجه إلى البيرة فرحلت التتر عنها، ولاقى الظاهر الخبر برحيلهم وهو بالقطيفة (١) فأتم السير إلى حلب، ثم عاد إلى (٣٤١) مصر، وبعد وصوله جهز جيشا مع آق سنقر الفارقاني (٢) وعز الدين أيبك الأفرم إلى النّوبة، فساروا إليها ونهبوا وقتلوا وعادوا بالغنائم (٣). وفيها، كان زواج الملك السعيد بركة بن الظاهر بيبرس (٤) بابنة الأمير سيف الدين قلاوون الصالحي (٥) غازية خاتون. [وفيها] (٦) في أواخر السنة، عاد الظاهر إلى الشام.

стр. 8695

[ثم دخلت سنة خمس وسبعين وست مئة (١٣)] فيها في المحرم، [وصل الملك الظاهر بيبرس إلى دمشق] (١)، وكان بلغه ورود الأمراء الروميين الوافدين وهم بيجار الرومي (٢) وبهادر (٣) ولده وأحمد بن بهادر (٤) وغيرهم، فسار الظاهر إلى جهة حلب والتقاهم وأكرمهم ثم عاد إلى الديار المصرية. ولما كان يوم الخميس خامس عشر رمضان (٥) من هذه السنة، خرج الظاهر من الديار المصرية، ووصل إلى حلب ثم إلى النهر الأزرق، ثم سار إلى البلستين فوصل إليها في ذي القعدة، والتقى بها جمعا من التتر مقدمهم تناون (٦)، فالتقى الفريقان في أرض البلستين يوم الجمعة عاشر ذي القعدة فانهزم التتر، وأخذتهم سيوف المسلمين وقتل مقدمهم تناون وغالب كبرائهم، وأسر منهم جماعة كثيرة صاروا أمراء، وكان من جملة المأسورين في هذه الوقعة سيف الدين قبجق (٧)

стр. 8696

وسيف الدين سلاّر (١). ثم سار الظاهر بعد فراغه من هذه الوقعة إلى قيساريّة واستولى عليها، وكان الحاكم بالروم يومئذ معين الدين سليمان البرواناه، وكان يكاتب الظاهر في الباطن، وكان يظن الظاهر أنه إذا وصل إلى قيساريّة يصل إليه البرواناه (٣٤٢) على ما كان اتفق معه في الباطن، فلم يحضر البرواناه لما أراده الله تعالى من هلاكه، وأقام الظاهر على قيساريّة سبعة أيام في انتظار البرواناه وخطب له على منابرها، ثم رحل عنها في ثاني عشري ذي الحجة (٢)، وحصل للعسكر شدة عظيمة من نفاد القوت والعليق وعدمت غالب خيولهم ووصلوا إلى عمق حارم وأقاموا به شهرا. ولما بلغ أبغا بن هولاكو ذلك ساق في جموع المغل حتى وصل إلى البلستين، ووجد عسكره صرعى ولم يجد أحدا من عسكر الروم مقتولا، فاستشاط غيظا وأمر بنهب الروم وقتل من به من المسلمين، فنهب وقتل منهم جماعة. ثم سار أبغا إلى الأردو وصحبته معين الدين البرواناه، فلما استقر بالأردو أمر بقتل البرواناه فقتل (٣) وقتل معه نيفا وثلاثين نفسا من مماليكه. والبرواناه: لقب وهو الحاجب بالعجمي، وكان مقتله صبرا، وكان البرواناه

стр. 8697

المذكور عارفا بأمور المملكة ذا مكر ودهاء. وفيها، توجه الظاهر من عمق حارم إلى دمشق. وفي خامس المحرم من سنة ست وسبعين وست مئة (١٣) وصل إلى دمشق ونزل بالقصر الأبلق، فلما كان يوم الخميس السابع والعشرين من المحرم توفي الظاهر بدمشق وقت الزوال إلى رحمة الله تعالى عقيب وصوله من جهة بلاد الروم إلى دمشق، واختلف في سبب موته، قيل: إنه انكسف القمر كسوفا كليا، وشاع بين الناس أن ذلك لموت رجل جليل القدر، فأراد الظاهر أن يصرف التأويل إلى غيره، فاستدعى (٣٤٣) بشخص من أولاد الملوك الأيوبية يقال له الملك القاهر من أولاد الناصر داود بن المعظم عيسى (١)، وأحضر قمزا (٢) مسموما وأمر السقاة بسقي الملك القاهر المذكور، وشرب الظاهر ناسيا بذلك الهناب (٣) على إثر شرب القاهر، فمات القاهر عقيب ذلك. وأما الظاهر فحصلت له حمّى محرقة وتوفي، وكتم مملوكه ونائبه بدر الدين بيليك (٤) المعروف بالخزندار موته وصبّره وتركه بقلعة دمشق إلى أن استوت تربته (٥) بدمشق فدفن فيها، وارتحل بدر الدين بيليك بالعساكر ومعهم المحفّة

стр. 8698

مظهرا أن الظاهر فيها، وأنه مريض، وكان الظاهر قد حلّف العسكر لولده بركة ولقبه الملك السعيد، وجعله ولي عهده، فوصل بيليك الخزندار بالعساكر والخزائن إلى الملك السعيد بقلعة الجبل، وعند ذلك أظهر موت الظاهر، وجلس ابنه الملك السعيد للعزاء واستقر في السلطنة. ومدة ملك الظاهر نحو سبع عشر سنة وشهرين وعشرة أيام لأنه ملك في سابع عشر ذي القعدة سنة ثمان وخمسين وست مئة، وتوفي في سابع عشري المحرم سنة ست وسبعين، وكان ملكا جليلا شجاعا عاقلا مهيبا ملك الديار المصرية والشام وأرسل جيشا فاستولى على النّوبة، وفتح الفتوحات الجليلة مثل صفد وحصن الأكراد وأنطاكية وغيرها، وأصله مملوك قفجاقي الجنس سمعت أنه برجعلي وكان أسمر، أزرق العينين، جهوريّ الصوت، حضر هو ومملوك آخر مع تاجر إلى حماة، فاستحضرهما (٣٤٤) المنصور محمد صاحب حماة ليشتريهما فلم يعجبه واحد منهما، وكان أيدكين البندقدار مملوك الصالح أيوب صاحب مصر قد غضب عليه الصالح أيوب فتوجه أيدكين إلى جهة حماة، فأرسل الصالح فقبض عليه واعتقله بقلعة حماة، فتركه المنصور صاحب حماة في جامع قلعة حماة، واتفق ذلك عند حضور الظاهر صحبة التاجر، فلما قلبه المنصور ولم يشتره أرسل أيدكين الصالحي وهو معتقل فاشتراه وبقي عنده، وأرسل الصالح وأفرج عن أيدكين من حماة وصحبته مملوكه الظاهر، وبقي مع أستاذه البندقدار مدة، ثم أحضره الصالح من البندقدار فانتسب الظاهر إلى الملك الصالح دون أستاذه، وكان يخطب له، وينقش على الدرهم والدينار بيبرس الصالحي. وكان استقرار السعيد بركة في مملكة مصر والشام في أوائل ربيع الأول من

стр. 8699

هذه السنة، واستقل بيليك الخزندار في النيابة على ما كان عليه [مع والده] (١)، واستمرت الأمور ولم تطل مدة السعيد ولا بيليك، فإن بيليك مات بعد ذلك بمدة يسيرة (٢) قيل: حتف أنفه، وقيل: سمّ، والله أعلم، وتولى نيابة السلطنة بعده شمس الدين الفارقاني. ثم إن السعيد خبط وأراد تقديم الأصاغر، وأبعد الأمراء الأكابر، وقبض على سنقر الأشقر والبيسرى، ثم أفرج عنهما بعد أيام يسيرة، ففسدت نيّات الأمراء الأكابر عليه. وبقي الأمر كذلك حتى دخلت سنة سبع وسبعين وست مئة (١٣) (٣٤٥) فسار الملك السعيد إلى الشام وصحبته العساكر، فوصل إلى دمشق وجرّد منها العسكر صحبة قلاوون الصالحي، وجرّد أيضا صاحب حماة، فساروا ودخلوا إلى سيس وشنوا الغارة عليها وغنموا، ثم عادوا إلى جهة دمشق واتفقوا على خلع الملك السعيد من السلطنة لسوء تدبيره، وعبروا إلى دمشق ولم يدخلوها، فأرسل إليهم السعيد واستعطفهم ودخل عليهم بوالدته فلم يلتفتوا وأتموا السير، فركب السعيد وساق فسبقهم إلى مصر وطلع إلى قلعة الجبل، وسارت العساكر في أثره، وخرجت السنة والأمر على ذلك. وفيها، توفي عز الدين كيكاوس بن كيخسرو بن كيقباذ بن كيخسرو بن قليج أرسلان بن مسعود بن قليج أرسلان بن سليمان بن قطلومش بن أرسلان بن سلجوق (٣) عند منكوتمر ملك التتر بمدينة صراي، وكيكاوس المذكور هو الذي

стр. 8700

كان محبوسا بقسطنطينية [حسبما تقدم ذكر القبض عليه في سنة اثنتين وستين] (١) وذكر خلاصه واتصاله بملك التتر في سنة ثمان وستين (٢). وخلف عز الدين المذكور ولدا اسمه مسعود، وقصد منكوتمر أن يزوجه بزوجة ابيه (٣) كيكاوس، فهرب مسعود واتصل ببلاد الروم فحمل إلى أبغا فأحسن إليه وأعطاه سيواس وأرزن الروم وأرزنكان، واستقرت هذه البلاد لمسعود ابن عز الدين، ثم بعد ذلك جعلت سلطنة الروم باسم مسعود وافتقر جدا (٣٤٦) وانكشف حاله، وهو آخر من سمي سلطانا من الملوك السلجوقية بالروم. وفي سنة ثمان وسبعين وست مئة (١٣) وصلت العساكر الخارجة عن طاعة بركة إلى الديار المصرية في ربيع الأول وحصروه بقلعة الجبل، وخامر عليه غالب من كان معه من الأمراء مثل لاجين الزبني (٤) وغيره، وبقي يهرب [واحد] (٥) بعد واحد من القلعة وينضم إلى العسكر المحاصر، فلما رأى السعيد ذلك أجابهم إلى الخلع من السلطنة، وأن يعطى الكرك فأجابوه إلى ذلك وأنزلوه من القلعة وخلعوه في ربيع الأول وسفروه من وقته إلى الكرك صحبة بيدغان الركني (٤) وجماعة، فوصل إليها وتسلمها بما فيها من الأموال وكانت شيئا كثيرا.

стр. 8701

ولما جرى ذلك اتفق أكابر الأمراء مثل بدر الدين بيسرى الشمسي وبكتاش الفخري (١) وغيرهم على إقامة بدر الدين سلامش بن بيبرس (٢) في المملكة ولقبوه العادل وعمره سبع سنين وسبعة شهور، وخطب له وضربت السكّة باسمه، وصار الأمير سيف الدين قلاوون الصالحي أتابك العسكر. ولما استقر ذلك جهز أتابك العسكر سنقر الأشقر وجعله نائب السلطنة بالشام، وكان العسكر لما خالفوا السعيد قبضوا على عز الدين أيدمر الظاهري نائب السلطنة بدمشق، وتولى تدبير أمور دمشق بعد أيدمر آقوش الشّمسي، فلما قدم سنقر الأشقر إلى دمشق فوض إلى آقوش الشّمسي نيابة (٣٤٧) حلب، فسار وتولاها، واستمر الحال على ذلك مدة يسيرة. فلما كان يوم الأحد الثاني والعشرون من رجب كان جلوس السلطان الملك المنصور قلاوون الصالحي في السلطنة بعد خلع سلامش وعزله. ولما تولى المنصور أقام منار العدل، وأحسن سياسة الملك، وقام بتدبير السلطنة أحسن قيام. فلما كان رابع عشري ذي القعدة جلس سنقر الأشقر بدمشق في السلطنة، وحلف له العسكر الذي بدمشق وتلقب بالكامل شمس الدين سنقر.

стр. 8702

وفيها، توفي السعيد بركة بن الظاهر (١) بالكرك بعد وصوله إليها بمدة يسيرة، وكان سبب موته أنه لعب بالكرة في ميدان الكرك فتقنطر به الفرس وحصل له بسبب ذلك حمّى شديدة، وبقي كذلك أياما يسيرة وتوفي وحمل إلى دمشق ودفن في تربة أبيه (٢). ولما توفي السعيد اتفق من بالكرك وأقاموا موضعه أخاه نجم الدين خضر <ا> (٣)، واستقر بالكرك ولقبوه الملك المسعود. وفي سنة تسع وسبعين وست مئة (١٣) كانت كسرة سنقر الأشقر المستولي على الشام، وكان المنصور قلاوون قد جهز عساكر مصر مع علم الدين سنجر الحلبي، ومعه بدر الدين بكتاش أمير سلاح، وبدر الدين الأيدمري. فسارت العساكر إلى الشام، وبرز سنقر بعساكر الشام إلى ظاهر دمشق، والتقى الفريقان في تاسع عشر صفر فولى الشاميون وسنقر [منهزمين] (٤) ونهبت (٣٤٨) العساكر المصرية أثقالهم، وكان المنصور قلاوون قد جعل غلامه لاجين السلحدار (٥) نائبا بقلعة دمشق، فلما جلس سنقر في دست المملكة قبض

стр. 8703

على لاجين فلما هرب سنقر أفرج عنه، وكذلك سنقر اعتقل بيبرس الحلبي المعروف بالجالق (١) لأنه لم يحلف فأفرج عنه أيضا، وكتب الحلبي إلى المنصور، بالفتح واستقر حسام الدين المنصوري نائب السلطنة بالشام. وأما سنقر الأشقر فإنه هرب إلى الرحبة وكاتب أبغا بن هولاكو ملك التتر وأطمعه في البلاد، وكان عيسى بن مهنّا ملك العرب مع سنقر وقاتل معه وكتب بذلك [إلى] (٢) أبغا أيضا موافقته له، ثم سار سنقر من الرحبة إلى صهيون في جمادى الأولى واستولى عليها وعلى برزية وبلاطنس والشّغر وبكاس وعكّار وشيزر وفامية، وصارت هذه البلاد لسنقر الأشقر. وفيها، جعل السلطان الملك المنصور قلاوون ولده الصالح علاء الدين [عليا] (٣) ولي عهده، وسلطنه وركب بشعار السلطنة.

стр. 8704

وفيها، سار المنصور من الديار المصرية إلى غزّة، وكان التتر قد وصلوا إلى حلب فعاثوا ثم عادوا، فعاد السلطان إلى مصر في جمادى الآخرة. وفيها، استأذن بلبان الطّبّاخي (١) أحد مماليك المنصور وكان نائبا بحصن الأكراد في الإغارة على بلد المرقب لما كان اعتمده أهلها من الفساد عند وصول التتر إلى حلب فأذن له في ذلك، فجمع الطّبّاخي عساكر الحصون وسار (٣٤٩) إلى المرقب فاتفق هروب المسلمين ونزول الفرنج من المرقب، فقتلوا وأسروا من المسلمين جماعة. وفي مستهل ذي الحجة خرج المنصور من مصر إلى الشام. ودخلت سنة ثمانين وست مئة (١٣) والسلطان بالروحاء (٢) وأقام هناك مدة، وسار إلى بيسان فقبض على جماعة من الظاهرية وأعدم منهم جماعة، ثم سار السلطان ودخل إلى دمشق وأرسل عسكرا إلى شيزر وهي لسنقر الأشقر وجرى بينهم مناوشة، ثم ترددت الرسل بين السلطان وبين سنقر، واحتاج السلطان إلى مصالحته لقوة أخبار التتر ووقع بينهما الصلح على أن يسلّم شيزر إلى السلطان ويتسلم سنقر الشّغر وبكاس وكانتا قد ارتجعتا منه، فتسلم نواب السلطان شيزر وتسلم سنقر الشّغر وبكاس وحلفا على

стр. 8705

ذلك. وفيها، استقر الصلح بين المنصور وبين خضر بن الظاهر [بيبرس صاحب الكرك] (١). وفي هذه السنة في شهر رجب، كانت الوقعة العظيمة بين المسلمين وبين التتر بظاهر حمص، وذلك أن أبغا بن هولاكو حشد وجمع وسار طالب الشام، ثم انفرد أبغا المذكور عنهم وسار إلى الرحبة وسير جيوشه [وجموعه] (١) إلى الشام، وقدم [عليها] (٢) أخاه منكوتمر (٣) فسار إلى حمص، وسار المنصور بالجيوش الإسلامية من دمشق إلى جهة حمص، وأرسل إلى سنقر يستدعيه بمن عنده من الأمراء والعسكر بحكم ما استقر بينهما من الصلح واليمين، فسار سنقر من صهيون (٣٥٠)، فلما وصل السلطان إلى ظاهر حمص [وصل] (٤) إليه المنصور صاحب حماة بعسكره، ثم وصل سنقر بعسكره، ورتب السلطان العساكر ميمنة وميسرة، والتقى الفريقان بظاهر حمص في الساعة الرابعة من يوم الخميس رابع عشر رجب الفرد، وأنزل الله نصره على القلب والميمنة فهزموا من كان قبالتهم من التتر، وركبوا أقفيتهم يقتلون ويأسرون، وكان منكوتمر قبالة القلب فانهزم، وأما ميسرة المسلمين فإنهم انكشفوا عن مواقعهم وتم ببعضهم الهزيمة إلى دمشق، وساق التتر إثر المنهزمين حتى وصلوا إلى تحت حمص ووقعوا في السوقية وغلمان العسكر والعوام وقتلوا منهم خلقا كثيرا، ثم علموا بنصرة

стр. 8706

المسلمين وهزيمة جيشهم فولوا منهزمين على أعقابهم، وتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون، وكانت عدة التتر نحو ثمانين [ألفا] (١) منهم خمسون ألفا من المغل والباقي مجمعة من أجناس مختلفة. ولما وصل خبر هذه الكسرة إلى أبغا وهو على الرحبة يحاصرها رحل عنها على عقبه منهزما. وكتب بهذا الفتح العظيم إلى البلاد الإسلامية فزينت لذلك، ثم إن المنصور أعطى الدستور للعساكر الشمالية فرجع المنصور محمد صاحب حماة إلى بلده، وسنقر إلى صهيون، وسار عسكر حلب إليها، وعاد السلطان إلى دمشق والأسرى والرءوس بين يديه، وسار إلى الديار المصرية كذلك مؤيدا منصورا. فلما استقر بالديار المصرية (٣٥١) قدمت إليه هدية صاحب اليمن الملك المظفر شمس الدين يوسف بن عمر بن علي بن رسول، وطلب أمانا من السلطان، فقبل السلطان هديته وكانت من طرائف اليمن، وكتب السلطان له أمانا وأرسله وهدية من أسلاب التتر وخيلهم، وعادت رسله بذلك مكرمين. وفيها، مات منكوتمر بجزيرة ابن عمر مكمودا عقب كسرته على حمص، وكان موته من يمنة هذا الفتح العظيم.

стр. 8707

(٣٥٢) (١) بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم سنة إحدى وثمانين وست مئة إلى سنة [تسعين] (٢) وست مئة في أوائل سنة إحدى وثمانين وست مئة (١٣) ولى السلطان مملوكه شمس الدين قراسنقر نيابة السلطنة بحلب، فسار إليها واستقر بها. وفي المحرم منها، مات أبغا بن هولاكو بن طلو بن جنكز خان ملك التتر، قيل: إنه مات مسموما ببلاد همذان، ومدة ملكه نحو سبع عشرة سنة [وكسر] (٣)، وخلف من الولد أرغون وكيختو [ابني] (٤) أبغا. ولما مات أبغا ملك بعده أخوه أحمد بن هولاكو واسم أحمد المذكور تكدار، فلما جلس في الملك أظهر دين الإسلام، وتسمى بأحمد. وفيها، وصلت رسل أحمد بن هولاكو ملك التتر المذكور إلى السلطان الملك المنصور قلاوون، وكان كبير الرسل المذكورين الشيخ قطب الدين محمود

стр. 8708

الشّيرازي (١)، وكان إذ ذاك قاضي سيواس [فاحترز عليهم] (٢) السلطان ولم يمكن أحدا من الاجتماع بهم، وكان مضمون رسالتهم إعلام السلطان بإسلام أحمد المذكور، وطلب الصلح بين المسلمين والتتر فلم ينتظم ذلك، وعادت رسله بالجواب (٣). وفيها، مات منكوتمر بن طغان بن باطو بن دوشي خان بن جنكز خان (٤) ملك التتر بالبلاد الشمالية، وملك بعده أخوه تدان منكو بن طغان وجلس على كرسي الملك بمدينة صراي. وفيها، عقد للملك الصالح علاء الدين علي بن الملك المنصور على بنت سيف الدين نكيه (٥)، وتزوج أخوه الملك الأشرف (٦) بأختها، وكان نكيه

стр. 8709

معتقلا بالإسكندرية، فلما عزم السلطان على ذلك أخرجه من الحبس وفعل ذلك. وفي سنة اثنتين وثمانين وست مئة (١٣) في أوائلها، قدم الملك المنصور صاحب حماة وصحبته أخوه الأفضل علي إلى الديار المصرية، فبالغ السلطان الملك المنصور في إكرامه والإحسان إليه، وأنزله بالكبش، وأركبه بالصناجق السلطانية والجفتا (١) والغاشية وسأله عن حوائجه، فقال صاحب حماة: حاجتي أن أعفى من هذا اللقب فإنه [ما بقي] (٢) يصلح لي أن ألقب بالملك المنصور، وقد صار هذا لقب مولانا السلطان [الأعظم، فأجابه السلطان بأني ما تلقبت بهذا الاسم] (٢) إلا لمحبتي فيك (٣٥٣) ولو كان لقبك غير ذلك كنت تلقبت به، فشيء قد فعلته محبة لاسمك كيف أمكن من تغييره. ثم طلع السلطان بالعسكر المصري لحفر الخليج الذي بجهة البحيرة (٣)، وسار

стр. 8710

صاحب حماة في خدمته إلى الحفير، ثم أعطاه الدستور بعد ذلك فعاد مكرما مغمورا بالصدقات السلطانية. وفيها، رمى السلطان الملك الصالح علاء الدين علي بن الملك المنصور قلاوون بجعا بجهة [العباسة] (١) بالبندق، و [أرسله] (٢) للملك المنصور صاحب حماة فقبله وبالغ في إظهار الفرح والسرور بذلك، وأرسل إليه تقدمة جليلة. وفيها، خرج أرغون بن أبغا بخراسان على عمه تكدار المسمى بأحمد سلطان، وسار إليه واقتتلا، فانهزم أرغون وأخذه أحمد أسيرا، وسأل الخواتين في إطلاق أرغون وإقراره على خراسان فلم يجب أحمد إلى ذلك [وكانت] (٣) خواطر المغل قد تغيرت على أحمد بسبب إسلامه وإلزامه لهم بالإسلام فاتفقوا على قتله، وقصدوا أرغون بالموضع الذي هو معتقل فيه وأطلقوه، وكبسوا الناق نائب أحمد فقتلوه، ثم قصدوا الأردو فأحس بهم السلطان أحمد فركب وهرب [فتبعوه] (٤) وقتلوه، وملكوا أرغون بن أبغا بن هولاكو وذلك في جمادى الأولى من هذه السنة. وفيها، قتل أرغون الصبيّ سلطان الروم الذي اقامه البرواناه بعد قتله أباه حسبما تقدم ذكره في سنة ست وستين وست مئة (٥)، وكان اسم الصبي المذكور غياث الدين كيخسرو بن ركن الدين قليج أرسلان بن كيخسرو بن كيقباذ، وفوض اسم سلطنة الروم إلى مسعود بن عز الدين كيكاوس، [وهذا

стр. 8711

مسعود هو الذي هرب من منكوتمر ملك التتر بصراي، وأبوه عز الدين] (١) هو الذي جرى له مع الأشكري صاحب قسطنطينية ما قدمنا ذكره في سنة اثنتين وستين (٢)، واستمر اسم سلطنة الروم باسم مسعود المذكور إلى قريب سنة ثمان وسبع مئة، وهو مسعود بن كيكاوس بن كيخسرو بن كيقباذ بن كيخسرو بن قليج أرسلان بن مسعود بن قليج أرسلان بن سليمان بن قطلومش بن أرسلان يبغو بن سلجوق، وهو آخر من سمي بالسلطنة من السلجوقية ببلاد الروم (٣)، وافتقر مسعود المذكور وانكشف حاله جدا حتى قيل إنه تناول سما فمات (٣٥٤) لكثرة المطالبات من أرباب الديون والتتر. وفيها، ولى أرغون سعد الدولة اليهودي وعظمه ومكنه، وكان سعد الدولة في [مبدأ] (٤) أمره دلالا بسوق الصاغة بالموصل فحكم بسائر بلاد التتر. وفيها، قرر أرغون ولديه قازان (٥) وخربندا (٦) بخراسان، وجعل أتابكهما أميرا من أصحابه اسمه نوروز (٧). وفيها، مات الأشكري صاحب قسطنطينية واسمه ميخائيل (٨)، وملك بعده

стр. 8712

[ابنه] (١) [أندرو نيكوس] (٢) وتلقب بالدوكس. وفيها، كاتب الحكام بقلعة الكختا قراسنقر نائب السلطنة بحلب، وسلموا الكختا إليه، فجهز قراسنقر عسكرا وتسلموها، وقرر فيها نواب السلطنة وحصنها وصارت من أعظم الثغور الإسلامية نفعا. وفي رجب، قدم السلطان إلى دمشق، وكان السيل العظيم في العشر الأول من شعبان والسلطان قلاوون بدمشق، فأخذ السيل ما مرّ به من العمارات والآلات ما لا يحصى، فتوجه السلطان بعد ذلك إلى الديار المصرية وذهب للعسكر النازلين على جوانب بردى من الخيل والخيم والجمال والرجال ما لا يحصى. وفي سنة ثلاث وثمانين وست مئة (١٣) [سار السلطان الملك المنصور قلاوون إلى دمشق وحضر الملك المنصور صاحب حماة إلى خدمته إلى دمشق ثم عاد كل منهما إلى مقر ملكه] (٣). <و> [في هذه السنة في شوال] (٣) توفي الملك المنصور أبو المعالي محمد (٤) ابن الملك المظفر محمود بن الملك المنصور محمد بن الملك المظفر تقي الدين عمر ابن شاهنشاه بن أيوب (٥) صاحب حماة، رحمه الله تعالى.

стр. 8713

ابتدأ به المرض في أوائل شعبان بعد عوده من خدمة السلطان من دمشق، وكان مرضه حمّى صفراوية داخل العروق، ثم صلح مزاجه بعض الصلاح، فأشار الأطباء بدخول الحمام فدخلها فعاوده المرض، فأحضر الأطباء من دمشق واشتد به ذات الجنب وعالجه الأطباء فلم يفد شيئا، وفي مدة مرضه عتق مماليكه وتاب توبة نصوحة (كذا)، وكتب إلى السلطان الملك المنصور في إقرار ابنه الملك المظفر محمود (١) في مملكته على قاعدته، واشتدّ مرضه حتى توفي بكرة حادي عشر شوال من هذه السنة. وكانت ولادته في الساعة الخامسة من يوم الخميس لليلتين بقيتا من ربيع الأول سنة اثنتين وثلاثين وست مئة (٣٥٥) فيكون عمره إحدى وخمسين سنة وستة أشهر و [أربعة عشر يوما] (٢)، وملك حماة يوم السبت ثامن جمادى الأولى سنة اثنتين وأربعين وست مئة، وهو <اليوم> الذي توفي فيه والده الملك المظفر محمود فتكون مدة ملكه إحدى وأربعين سنة وخمسة أشهر وأربعة أيام، وكان أكبر أمانيه أن يعيش حتى يسمع جوابه من السلطان فيما سأله من إقرار حماة على ولده الملك المظفر محمود، فاتفق وفاته قبل وصول الجواب، وكان قد أرسل في ذلك على البريد مملوكه سنقر (٣) أمير آخور، فوصل بالجواب بعد موت الملك المنصور بستة أيام، ونسخة الجواب من السلطان بعد البسملة: «المملوك قلاوون أعزّ الله أنصار المقام العالي المولوي السلطاني الملكي

стр. 8714

المنصوري الناصري ولا عدمه الأنام، ولا فقدته السيوف والأقلام، وحماه من ذي داء وعود عواد وإلمام [آلام] (١)، المملوك يجدد الخدمة التي كان يود تجديدها شفاها، ويصف ما عنده من الآلام ولما ألم بمزاجه حتى أنه لم يكد يفتح بحديث فاها، ولما وقفت على كتاب المولى المتضمن مرض الجسد المحروس وما انتهى إليه الحال كادت القلوب تنشق والنفوس تذوب حزنا والرجاء من الله <أن> يتداركه بلطفه وأن يمنّ بعافيته التي رفع [في مسألتها] (٢) يديه، وبسط بها [كفيه] (٣)، وهو يرجو من كرم الله تعالى معاجلة الشفاء، ومداركة العافية الموردة بعد الكدّ مورد الصفاء، والله تعالى يفسح في عمر المولى ويهبه العمر الطويل. وأما الإشارة الكريمة إلى ما ذكره من الحقوق التي يوجبها الإقرار، والعهود التي أمنت بدورها من الأسرار، نحن بحمد الله فعندنا تلك العهود ملحوظة، وتلك المودات محفوظة، فالمولى يعيش قرير العين فما تمّ إلا ما يسرّه من إقامة ولده مقامه ولا يحول ولا يزول، ولا يرى على ذلك ذلة ولا ذهول، ويكون المولى طيب النفس، مستديم الأنس، بصدق العهد القديم، وبكل ما يؤثر من خير مقيم». ولما وصل الكتاب اجتمع لقراءته الملك الأفضل والملك المظفر وعلم الدين سنجر المعروف بأبي خرص (٤) (٣٥٦) وقرئ عليهم، فتضاعف سرورهم بذلك. وكان الملك المنصور صاحب حماة المذكور ذكيا فطنا محبوب الصورة، وكان

стр. 8715

له قبول عظيم عند ملوك الترك، وكان حليما إلى الغاية، يتجاوز عما يكره [ويكتمه] (١) ولا يفضح قائله، من ذلك أن الظاهر بيبرس قدم مرة إلى حماة ونزل بالدار المعروفة الآن بدار المبارز، فرفع إليه أهل حماة عدة قصص يشكون على الملك المنصور، فأمر الملك الظاهر دواداره سيف الدين بلبان الرومي (٢) أن يجمع القصص فلا يقرأها، ويضعها في منديل ويحملها إلى الملك المنصور صاحب حماة، فحملها الدّوادار المذكور وأعطاها للملك المنصور، وقال إنه والله لم يطلع السلطان الملك الظاهر على قصة منها، وقد حملتها إليك، فتضاعف دعاء الملك المنصور لصدقات الملك الظاهر وأخذ القصص، فقال بعض الجماعة: سوف نرى من تكلم ما لا ينبغي ما يلقى، وتكلموا بمثل ذلك، فأمر الملك المنصور بإحضار نار، وحرق جميع تلك القصص، ولم يقف على شيء منها لئلا يتغير خاطره على رافعيها، وله مثل ذلك كثير، ﵀. ولما بلغ السلطان الملك المنصور قلاوون وفاة الملك المنصور صاحب حماة قرر ابنه الملك المظفر محمود [ا في] (٣) ملك حماة على قاعدة والده، وأرسل إلى عمه الأفضل وإلى أولاده التشاريف ومكاتبة إلى الملك المظفر بذلك، ووصلت التشاريف ولبست في العشر الأخير من شوال في هذه السنة، وكانت نسخة الكتاب بعد البسملة: «المملوك قلاوون الصالحي أعزّ الله نصرة المقام العالي المولوي السلطاني الملكي المظفري التّقوي ونزع عنه لباس اليأس، وألبسه حلل السعد المجلوّة على

стр. 8716

أعين الناس، وهو يخدم خدمة مولى قد تبجست عيونه، وتأسست مبانيه وتيابست ظنونه، وحلت رهونه، وحلت ديونه، وأثمرت غصونه، وزهت أفنانه وفنونه»، ومنها: «وقد سيرنا المجلس السامي (١) جمال الدنيا آقوش الموصلي (٣٥٧) الحاجب (٢)، وأصحبناه [من] (٣) الملبوس الشريف ما يغير به لباس الحزن، ويتجلى في مطالعة ضياء وجهه الحسن، وتنجلي بذلك غيوم تلك الهموم، وأرسلنا أيضا صحبته ما يلبسه هو وذووه كما يبدو البدر بين النجوم»، وآخر الكتاب: «كتب في عشري شوال سنة ثلاث وثمانين وستّ مئة». وكان وقع الاتفاق عند موت الملك المنصور على إرسال علم الدين سنجر أبي خرص الحموي لأجل هذا المهم، فلاقى سنجر المذكور جمال الدين الموصلي بالخلع في أثناء الطريق فاستمر أبو خرص واصلا إلى الأبواب العالية وتلقاه السلطان بالقبول وأعاده بكل ما يجب، وقال: نحن واصلون إلى الشام ونفعل مع الملك المظفر فوق ما في نفسه، فعاد سنجر أبو خرص إلى حماة [ومعه] (٤) هذا الجواب.

стр. 8717

وفي صفر سنة أربع وثمانين وست مئة (١٣) كان ركوب الملك المظفر صاحب حماة بشعار السلطنة بدمشق المحروسة، وذلك أن السلطان الملك المنصور قلاوون وصل في أواخر المحرم إلى دمشق، وسار الملك المظفر صاحب حماة وعمه الأفضل ووصلا إليه إلى دمشق فأكرمهما السلطان إكراما كثيرا، وأرسل إلى الملك المظفر في اليوم الثالث من وصوله التقليد بسلطنة حماة والمعرة وبارين والتشريف وهو أطلس أحمر فوقاني بطراز زركش وسنجاب ودائره قندس، وقباء أطلس أصفر تحتاني وشاش تساعي وكلوتة بزركش وحياصة ذهب وسيف محلى بالذهب وتلكش وعنبريتا وثوب بطرز مذهبة ولباس، وأرسل شعار السلطنة وهو سنجق بعصائب سلطانية (١) وفرس بسرج مذهب ورقبة وكنبوش، وأرسل الغاشية السلطانية، فركب المظفر ولبس شعار السلطنة، وحضرت أم السلطان ومقدمو عساكره، وساروا معه من الموضع الذي (٣٥٨) كان فيه وهو داره المعروفة بالحافظية داخل باب الفراديس بدمشق المحروسة إلى أن وصل إلى قلعة دمشق، ومشت الأمراء في خدمته، ودخل الملك المظفر إلى عند السلطان وأكرمه وأجلسه إلى جانبه على الطراحة (٢) وطيب خاطره، وقال له: أنت ولدي وأعز من الملك الصالح عندي، فتوجه إلى بلادك وتأهب لهذه الغزاة المباركة فأنتم من بيت مبارك ما حضرتم مكانا إلا وكان النصر معكم، فعاد الملك المظفر وعمه الأفضل إلى حماة وعملا أشغالهما وتأهبا للمسير إلى خدمة السلطان ثانيا، ثم سار السلطان بعد وصوله إلى دمشق

стр. 8718

بالعساكر المصرية والشامية، ونازل حصن المرقب في أوائل ربيع الأول هذه السنة (١)، وهو حصن الإسبتار في غاية العلو والحصانة لم يطمع أحد من الملوك الماضين في فتحه، ولما زحف العسكر عليه أخذت الحجارون فيه النقوب، ونصبت عليه عدة مجانيق [كبار وصغار] (٢)، ولما تمكنت النقوب من أسوار القلعة طلب أهلها الأمان، فأجابهم السلطان إلى ذلك رغبة في بقاء عمارته، فإنه لو هدمه وأخذه بالسيف كان حصل التعب في [إعادة] (٣) عمارته، فأعطاهم الأمان على أن يتوجهوا بما يقدرون على حمله غير السلاح، وصعّدت السناجق الصناجق على حصن المرقب المذكور، وتسلمه في الساعة الثامنة من يوم الجمعة تاسع عشر ربيع الأول من سنة أربع وثمانين، وكان يوما مشهودا أخذ فيه الثأر من بيت الإسبتار، ومحيت آية الليل بآية النهار، ومن كتاب كتبه شيخنا أبو الثناء (٤) في فتح المرقب (٥): «وقد علم المجلس أمر هذا الحصن، فإنه [طالما] (٦) بخلت الأحلام أن تخيله

стр. 8719

لمن سلف من الملوك في المنام، فكم قصده ذو جنود ..... (١) وقاتلته دونه الغمائم، فلولا سرعة عوده أدركه الغرق، قد سما في السماء مناكبه (٣٥٩) ونازع فلك علوي الرياح، ولا يخاف الجناح في العجز عن نسيمها ذات الجناح، وحوله من الأودية خنادق لا تعلم منها الشهور إلا بأنصافها، ولا تعرف فيها الأهلة إلاّ بأوصافها، و [هو مع ذلك] (٢) قد تقطر بالنجوم، وتقرطق بالغيوم، وسما فرعه إلى السماء، ورسا أصله في النجوم، يرد عليه الحوجيب غمامه، ويفترّ ثغره كلما جرّد عنه البرق فاضل لثامه، فحين نزلته الجيوش المنصورة [ذللت] (٣) صعابه، وأسهلت عقابه، فتبادرت إليه تختال من دروعها في أبهى الحلل، وتسارعت نحوه تسبق سهامها التي هي أبرى وأسرع من الأجل، ففي الحال ضربت عليه من الخبويات سورا ﴿<لَهُ بابٌ > باطِنُهُ فِيهِ اَلرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ اَلْعَذابُ﴾ (٤)، وتصدت حوله من الأسنة خوذ براقة المنايا، ولكنها غير عذاب، وأرسلت من القلعة من سهامها ما [أربى] (٥) على الغمائم «فكان بها مثل الجنون فأصبحت ومن جثث القتلى عليها تمائم» (٦)، ونصبت عليها المجانيق [المنصورة فلم ترع حتى حبسها، وسطت على نظرائها فصار غدها] (٧) أبعد من أمسها، وواستنهضتها العدا فأعلمتهم أنها لا تطيق الدفاع عن غيرها فكيف عن

стр. 8720

نفسها، وبسطت أكفّها أمارة على الإذعان، ورفعت أصابعها إما إجابة إلى التشهد وإما إنابة إلى طلب الأمان، فخاف الفرنج من ظفر هذا الاستظهار، وعلموا أن المجانيق المنصورة فحول لا تثبت لها الإناث التي [عريت من النفع] (١) بأيديهم، فاستعانوا عليهن مع العدى (٢) بطول الحذار، [فعند ذلك غدت تكمن كمون] (٣) الأراقم [و] (١) وثبت [وثبات] (٤) الضّراغم هذا [و] (٥) النقوب [قد] (١) دبّت في هذا الحصن دبيب السقام، وتمشت في مفاصله كما تتمشى في مفاصل شاربها المدام، وحشت أضالعه نارا تشبه نار النوى تحرق الأحشاء ولا يبدو لها ضرام، وهجمت عليه الجيوش [المنصورة] (١) هجوم الحتوف، وأسرعت المضاء والانتضاء (٣٦٠) فلم [يدر] (٦) العدا أهم أم [الذي] (١) بأيديهم السيوف، [فلجأوا إلى الأمان] (٧)، [وتمسك ذلّ كفرهم بعزّ الإيمان] (١) وتشبثوا بساحل العفو حين ظنوا أنهم أحيط بهم ﴿وَجاءَهُمُ اَلْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ﴾ (٨)، وساعة نظرها علت الأعلام المنصورة على ذلك المرقب الذي لا تتطاول إليه ...... (٩) الله لفتحه الأيام، فنصر أهل الجمعة يوم الجمعة على أهل الأحد».
следующие страницы →