← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11790

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط المجمع الثقافي

ابن فضل الله العمري

Полный текст (8 839 стр.). Показаны 8716–8755 · переход к 8721.

стр. 8716

أعين الناس، وهو يخدم خدمة مولى قد تبجست عيونه، وتأسست مبانيه وتيابست ظنونه، وحلت رهونه، وحلت ديونه، وأثمرت غصونه، وزهت أفنانه وفنونه»، ومنها: «وقد سيرنا المجلس السامي (١) جمال الدنيا آقوش الموصلي (٣٥٧) الحاجب (٢)، وأصحبناه [من] (٣) الملبوس الشريف ما يغير به لباس الحزن، ويتجلى في مطالعة ضياء وجهه الحسن، وتنجلي بذلك غيوم تلك الهموم، وأرسلنا أيضا صحبته ما يلبسه هو وذووه كما يبدو البدر بين النجوم»، وآخر الكتاب: «كتب في عشري شوال سنة ثلاث وثمانين وستّ مئة». وكان وقع الاتفاق عند موت الملك المنصور على إرسال علم الدين سنجر أبي خرص الحموي لأجل هذا المهم، فلاقى سنجر المذكور جمال الدين الموصلي بالخلع في أثناء الطريق فاستمر أبو خرص واصلا إلى الأبواب العالية وتلقاه السلطان بالقبول وأعاده بكل ما يجب، وقال: نحن واصلون إلى الشام ونفعل مع الملك المظفر فوق ما في نفسه، فعاد سنجر أبو خرص إلى حماة [ومعه] (٤) هذا الجواب.

стр. 8717

وفي صفر سنة أربع وثمانين وست مئة (١٣) كان ركوب الملك المظفر صاحب حماة بشعار السلطنة بدمشق المحروسة، وذلك أن السلطان الملك المنصور قلاوون وصل في أواخر المحرم إلى دمشق، وسار الملك المظفر صاحب حماة وعمه الأفضل ووصلا إليه إلى دمشق فأكرمهما السلطان إكراما كثيرا، وأرسل إلى الملك المظفر في اليوم الثالث من وصوله التقليد بسلطنة حماة والمعرة وبارين والتشريف وهو أطلس أحمر فوقاني بطراز زركش وسنجاب ودائره قندس، وقباء أطلس أصفر تحتاني وشاش تساعي وكلوتة بزركش وحياصة ذهب وسيف محلى بالذهب وتلكش وعنبريتا وثوب بطرز مذهبة ولباس، وأرسل شعار السلطنة وهو سنجق بعصائب سلطانية (١) وفرس بسرج مذهب ورقبة وكنبوش، وأرسل الغاشية السلطانية، فركب المظفر ولبس شعار السلطنة، وحضرت أم السلطان ومقدمو عساكره، وساروا معه من الموضع الذي (٣٥٨) كان فيه وهو داره المعروفة بالحافظية داخل باب الفراديس بدمشق المحروسة إلى أن وصل إلى قلعة دمشق، ومشت الأمراء في خدمته، ودخل الملك المظفر إلى عند السلطان وأكرمه وأجلسه إلى جانبه على الطراحة (٢) وطيب خاطره، وقال له: أنت ولدي وأعز من الملك الصالح عندي، فتوجه إلى بلادك وتأهب لهذه الغزاة المباركة فأنتم من بيت مبارك ما حضرتم مكانا إلا وكان النصر معكم، فعاد الملك المظفر وعمه الأفضل إلى حماة وعملا أشغالهما وتأهبا للمسير إلى خدمة السلطان ثانيا، ثم سار السلطان بعد وصوله إلى دمشق

стр. 8718

بالعساكر المصرية والشامية، ونازل حصن المرقب في أوائل ربيع الأول هذه السنة (١)، وهو حصن الإسبتار في غاية العلو والحصانة لم يطمع أحد من الملوك الماضين في فتحه، ولما زحف العسكر عليه أخذت الحجارون فيه النقوب، ونصبت عليه عدة مجانيق [كبار وصغار] (٢)، ولما تمكنت النقوب من أسوار القلعة طلب أهلها الأمان، فأجابهم السلطان إلى ذلك رغبة في بقاء عمارته، فإنه لو هدمه وأخذه بالسيف كان حصل التعب في [إعادة] (٣) عمارته، فأعطاهم الأمان على أن يتوجهوا بما يقدرون على حمله غير السلاح، وصعّدت السناجق الصناجق على حصن المرقب المذكور، وتسلمه في الساعة الثامنة من يوم الجمعة تاسع عشر ربيع الأول من سنة أربع وثمانين، وكان يوما مشهودا أخذ فيه الثأر من بيت الإسبتار، ومحيت آية الليل بآية النهار، ومن كتاب كتبه شيخنا أبو الثناء (٤) في فتح المرقب (٥): «وقد علم المجلس أمر هذا الحصن، فإنه [طالما] (٦) بخلت الأحلام أن تخيله

стр. 8719

لمن سلف من الملوك في المنام، فكم قصده ذو جنود ..... (١) وقاتلته دونه الغمائم، فلولا سرعة عوده أدركه الغرق، قد سما في السماء مناكبه (٣٥٩) ونازع فلك علوي الرياح، ولا يخاف الجناح في العجز عن نسيمها ذات الجناح، وحوله من الأودية خنادق لا تعلم منها الشهور إلا بأنصافها، ولا تعرف فيها الأهلة إلاّ بأوصافها، و [هو مع ذلك] (٢) قد تقطر بالنجوم، وتقرطق بالغيوم، وسما فرعه إلى السماء، ورسا أصله في النجوم، يرد عليه الحوجيب غمامه، ويفترّ ثغره كلما جرّد عنه البرق فاضل لثامه، فحين نزلته الجيوش المنصورة [ذللت] (٣) صعابه، وأسهلت عقابه، فتبادرت إليه تختال من دروعها في أبهى الحلل، وتسارعت نحوه تسبق سهامها التي هي أبرى وأسرع من الأجل، ففي الحال ضربت عليه من الخبويات سورا ﴿<لَهُ بابٌ > باطِنُهُ فِيهِ اَلرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ اَلْعَذابُ﴾ (٤)، وتصدت حوله من الأسنة خوذ براقة المنايا، ولكنها غير عذاب، وأرسلت من القلعة من سهامها ما [أربى] (٥) على الغمائم «فكان بها مثل الجنون فأصبحت ومن جثث القتلى عليها تمائم» (٦)، ونصبت عليها المجانيق [المنصورة فلم ترع حتى حبسها، وسطت على نظرائها فصار غدها] (٧) أبعد من أمسها، وواستنهضتها العدا فأعلمتهم أنها لا تطيق الدفاع عن غيرها فكيف عن

стр. 8720

نفسها، وبسطت أكفّها أمارة على الإذعان، ورفعت أصابعها إما إجابة إلى التشهد وإما إنابة إلى طلب الأمان، فخاف الفرنج من ظفر هذا الاستظهار، وعلموا أن المجانيق المنصورة فحول لا تثبت لها الإناث التي [عريت من النفع] (١) بأيديهم، فاستعانوا عليهن مع العدى (٢) بطول الحذار، [فعند ذلك غدت تكمن كمون] (٣) الأراقم [و] (١) وثبت [وثبات] (٤) الضّراغم هذا [و] (٥) النقوب [قد] (١) دبّت في هذا الحصن دبيب السقام، وتمشت في مفاصله كما تتمشى في مفاصل شاربها المدام، وحشت أضالعه نارا تشبه نار النوى تحرق الأحشاء ولا يبدو لها ضرام، وهجمت عليه الجيوش [المنصورة] (١) هجوم الحتوف، وأسرعت المضاء والانتضاء (٣٦٠) فلم [يدر] (٦) العدا أهم أم [الذي] (١) بأيديهم السيوف، [فلجأوا إلى الأمان] (٧)، [وتمسك ذلّ كفرهم بعزّ الإيمان] (١) وتشبثوا بساحل العفو حين ظنوا أنهم أحيط بهم ﴿وَجاءَهُمُ اَلْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ﴾ (٨)، وساعة نظرها علت الأعلام المنصورة على ذلك المرقب الذي لا تتطاول إليه ...... (٩) الله لفتحه الأيام، فنصر أهل الجمعة يوم الجمعة على أهل الأحد».

стр. 8721

وأمر السلطان بحمل أهل المرقب إلى مأمنهم، ثم قرر أموره ورحل عنه إلى الوطاءة بالساحل وأقام بمروج (١) بالقرب من موضع يسمى برج القرفيص (١)، ثم سار السلطان ونزل تحت حصن الأكراد، ثم سار ونزل على بحيرة حمص، وهي بحيرة قدس. وفي نزوله على حمص جاءت البشارة بمولد مولانا السلطان الملك الناصر ناصر الدنيا والدين محمد بن قلاوون (٢) من زوجة السلطان وهي بنت سكاي ابن قراجين بن حيفان (٣)، وسكاي ورد الديار المصرية هو وأخوه قرمشي (٤) سنة خمس وسبعين وست مئة صحبة بيجار الرومي في الدولة الظاهرية (٥) فتزوج الملك المنصور قلاوون ابنة سكاي المذكور سنة ثمانين وست مئة بعد موت أبيها المذكور بولاية عمها القرمشي، وتضاعف السرور بذلك. ثم عاد السلطان إلى الديار المصرية وأعطى للملك المظفر عند رحيله من حمص دستورا فعاد إلى حماة. وفي سنة خمس وثمانين وست مئة (١٣) أرسل السلطان عسكرا كثيفا مع نائب السلطنة حسام الدين طرنطاي

стр. 8722

المنصوري (١)، وأمره بمنازلة الكرك، فسار إليها وحاصرها وتسلمها بالأمان، وأقام فيها نواب السلطنة، وعاد وصحبته أصحاب الكرك نجم الدين خضر وبدر الدين سلامش ولدا الملك الظاهر بيبرس، فأحسن السلطان إليهما ووفّى لهما بأمانه وبقيا على ذلك مدة، ثم بلغه عنهما ما كرهه فاعتقلهما وبقيا في الحبس حتى توفي، فنقل خضر وسلامش إلى قسطنطينيّة (٢). وفي سنة ست (٣٦١) وثمانين وست مئة (١٣) كان السلطان قد جهز عسكرا مع مملوكه حسام الدين طرنطاي، فنزلوا على صهيون فنصب المجانيق وحاصرها، فأجاب صاحبها الأمير شمس الدين سنقر الأشقر إلى تسليمها بالأمان، وحلف له حسام الدين طرنطاي فنزل سنقر الأشقر وسلّم صهيون في ربيع الأول فتسلمها طرنطاي وأكرم سنقر الأشقر غاية الإكرام. ثم سار حسام الدين طرنطاي إلى اللاذقية، وكان فيها برج الإفرنج يحيط به البحر من جميع جهاته، فركب طريقا في البحر بالحجار <ة> إليه، وحاصر البرج

стр. 8723

المذكور وتسلمه بالأمان وهدمه. ثم بعد ذلك توجه إلى الديار المصرية وصحبته سنقر الأشقر، ولما وصلا إلى قرب قلعة الجبل ركب السلطان الملك المنصور قلاوون والتقى مملوكه حسام الدين طرنطاي وسنقر الأشقر وأكرمه ووفى له بالأمان. وبقي سنقر الأشقر مكرما محترما إلى أن توفي السلطان وملك بعده ولده الأشرف. وفيها، نزل تدان منكو بن طغان بن باطو بن دوشي خان بن جنكز خان عن مملكة التتر بالبلاد الشمالية (١)، وأظهر الزهد والانقطاع إلى الصلحاء، وأشار [إلى] (٢) أن يملّكوا ابن أخيه تلابغا بن منكوتمر بن طغان المذكور فملّكوه (٣). وفيها، أرسل السلطان المنصور عسكرا مع علم الدين سنجر المسروري المعروف بالخياط (٤) متولي القاهرة إلى النّوبة، فساروا إليها وغزوا وغنموا وعادوا. وفي سنة سبع وثمانين وست مئة (١٣) توفي الصالح علاء الدين علي بن الملك المنصور (٥)، وهو الذي جعله ولي

стр. 8724

عهده وسلطنه في حياته، فوجد عليه وجدا عظيما، وكان مرضه بالدوسنطارية وخلف ولدا اسمه موسى (١). وفي سنة ثمان وثمانين وست مئة (١٣) خرج السلطان بالعساكر المصرية في المحرم، وسار إلى أن نازل مدينة طرابلس الشام يوم الجمعة مستهل (٣٦٢) ربيع الأول، ويحيط البحر بغالب هذه المدينة، وليس عليها قتال في البر إلا من جهة الشرق وهو مقدار قليل، ولما نازلها السلطان نصب عليها عدة مجانيق [كبار وصغار] (٢) ولازمها بالحصار، واشتد عليها القتال حتى فتحها يوم الثلاثاء رابع ربيع الأول (٣) بالسيف، ودخلها العسكر عنوة، وهرب أهلها إلى الميناء فنجا أقلّهم في [المراكب] (٤)، وقتل غالب رجالها، وسبيت ذراريهم، وغنم منها المسلمون غنيمة عظيمة (٥). ولما فرغ حصار طرابلس المذكور، أمر بها السلطان فهدمت ودكّت إلى الأرض، وكان في البحر قريبا من طرابلس جزيرة وفيها كنيسة تسمى كنيسة

стр. 8725

سنطماس وبينها وبين طرابلس الميناء، فلما أخذت طرابلس هرب إلى الجزيرة المذكورة، وإلى الكنيسة التي بها عالم عظيم من الفرنج، فاقتحم العسكر الإسلامي البحر وعبروا بخيولهم سباحة إلى الجزيرة فقتلوا [جميع] (١) من بها من الرجال وسبوا النساء والصغار وأخذوا المال (٢) ثم عاد السلطان إلى الديار المصرية، وأعطى صاحب حماة دستورا فعاد إلى بلده. وفيها مات قبلاي قان بن طلو بن جنكز خان، وكانت قد طالت مدته، وجلس بعده ولده شرمون (٣) في ملك التتر بالصين. وفي سنة تسع وثمانين وست مئة (١٣) في سادس ذي القعدة [توفي] (٤) السلطان الملك المنصور قلاوون (٥)، وذلك أنه خرج من مصر بالعساكر عازما على فتح عكّا، وبرز إلى مسجد التّبن (٦)، فابتدأ مرضه بالعشر الأخير من شوال بعد نزوله في الدّهليز، وأخذ المرض يتزايد به حتى توفي يوم السبت سادس ذي القعدة بالدّهليز. وكان جلوسه في الملك يوم الأحد ثاني عشري رجب سنة ثمان وسبعين

стр. 8726

وست مئة (١)، فتكون مدة ملكه نحو إحدى عشرة سنة وثلاثة شهور [وأيام] (٢)، وخلف ولدين وهما: الملك الأشرف صلاح الدين خليل، والسلطان الملك الناصر ناصر الدين محمد. وكان الملك المنصور رجلا مهيبا (٣٦٣) حليما، قليل سفك الدماء، كثير العفو، شجاعا، فتح الفتوحات الجليلة مثل المرقب وطرابلس التي لم يجسر أحد من الملوك مثل صلاح الدين وغيره على التعرض إليهما [لحصانتهما] (٣)، وكسر جيش التتر على حمص، وكانوا في ثمانين ألف فارس. ولما توفي السلطان جلس في الملك بعده ولده السلطان الملك الأشرف، وذلك في سابع ذي القعدة صبيحة اليوم الذي توفي فيه والده. ولما استقر الملك الأشرف في المملكة قبض على حسام الدين طرنطاي نائب السلطنة في يوم الجمعة ثاني عشر ذي القعدة فكان آخر العهد به (٤)، وفوض نيابة السلطنة إلى بدر الدين بيدرا (٥) والوزارة إلى شمس الدين بن السلعوس (٦).

стр. 8727

ودخلت سنة تسعين وست مئة (١٣) فسار السلطان الملك الأشرف بالعساكر [المصرية] (١) إلى عكّا، [وأرسل إلى العساكر الشامية وأمرهم بالحضور، وأن يحضروا صحبتهم المجانيق] (١)، فتوجه المظفر صاحب حماة وعمه الأفضل [وسائر عسكر حماة] (١) صحبته إلى حصن الأكراد، وساقوا منها منجنيقا عظيما يسمى المنصوري حمل مئة عجلة، وكان المسير بالعجل في أواخر فصل الشتاء، واتفق وقوع الأمطار والثلوج بين حصن الأكراد ودمشق، فحصل بسبب ذلك شدة عظيمة، والحاصل أنه اجتمع على عكّا من المجانيق الصغار والكبار ما لم يجتمع على غيرها، وكان نزول العساكر الإسلامية عليها في أوائل جماد <ى> الأولى (٢)، واشتد عليها القتال، ولم يغلق الفرنج غالب أبوابها بل كانت مفتوحة وهم يقاتلون فيها، وكانت منزلة الحمويين برأس الميمنة، وكانت على جانب البحر [والبحر] (١) على اليمين إذا واجه الشخص عكّا، فكان تحضر المراكب المقبية بالخشب الملبس جلود الجواميس، والفرنج من تحتها يرمون بالنشاب والجروح، وأحضروا بطسة وفيها منجنيق يرمى به على المسلمين وعلى خيامهم من جهة البحر حتى اتفق في بعض الليالي هبوب رياح قوية، فارتفع المركب وانحط بسبب الموج، فانكسر المنجنيق الذي في المركب فانحطم، وكان المسلمون قد قاسوا منه شدة عظيمة، وخرج الفرنج في

стр. 8728

أثناء (٣٦٤) مدة الحصار بالليل وكبسوا العسكر فهزموا اليزكية واتصلوا إلى الخيام وتعرقلوا بالأطناب، ووقع منهم فارس في جورة مستراح لبعض الأمراء فقتل هناك، وتكاثرت عليهم العساكر، فولى الفرنج منهزمين إلى البلد، وقتل [عسكر حماة عدة منهم] (١)، فلما أصبح الصباح علق الملك المظفر من رؤوس الفرنج في رقاب خيولهم التي كسبها العسكر منهم وأحضر ذلك إلى السلطان الملك الأشرف، واشتدت مضايقة العسكر لعكّا حتى فتحها الله لهم في يوم [الجمعة] (٢) السابع عشر من جمادى الآخرة (٣) بالسيف، ولما هجمها المسلمون هرب من أهلها جماعة في المراكب، وكان بداخل البلد عدة أبرجة عاصية بمنزلة قلاع دخلها عالم عظيم من الفرنج وتحصنوا بها، وقتل المسلمون وغنموا من عكّا [شيئا] (٤) يفوت الحصر من كثرته، ثم استنزل السلطان جميع من عصي بالأبرجة ولم يتأخر منهم أحد، وأمر بهم فضربت أعناقهم عن آخرهم حول عكّا، وأمر بمدينة عكّا فهدمت إلى الأرض، ودكّت دكّا، وفي هذا الفتح يقول شيخنا أبو الثناء يمدح الملك الأشرف (٥): <البسيط> الحمد لله ذلّت دولة الصلب … وعزّ بالنصر دين المصطفى العربي

стр. 8729

هذا الذي كانت الآمال لو طلبت … رؤياه في النوم لاستحيت من الطّلب ما بعد عكّا وقد هدّت قواعدها … في البحر للشرك عند البرّ من أرب عقيلة ذهبت أيدي الخطوب بها … دهرا وشدّت عليها كفّ معتصب لم تبق من بعدها للكفر إذ خربت … في البرّ والبحر ما ينجي سوى الهرب كانت تخيلها آمالنا ونرى … أنّ التفكر فيها غاية العجب أم الحروب فكم قد أنشأت فتنا … شاب الوليد بها هولا ولم تشب سوران برّ وبحر حول ساحتها … دار <ا> وأدناهما أدنى من العطب (٣٦٥) خرقا … (١) سوريها وأحصنه ...... الكماة … على النوب مصفّح بصفاح حولها شرف … من الرماح وأبراج من السلب مثل الغمائم تهدي من صواعقها … بالنّبل أضعاف ما تهدي من السحب كأنما كلّ برج حوله ملك … من المجانيق يرمي الأرض بالشهب ففاجأتها جنود الله يقدمها … غضبان لله لا للملك والنّسب ليث أبى أن يردّ الوجه عن أمم … يدعون ربّ الورى سبحانه بأب تسنموها فلم تترك … ... في ذلك الأفق برجا غير منقلب تسلموها فلم … الرقاب بها … من … مستنم أو كفّ منتهب أمّوا حماها فلم تمنع وقد وثبوا … عنها مجانيقها شيئا ولم تثب يا يوم عكّا [لقد] (٢) أنسيت ما سبقت … به الفتوح وما قد خطّ في الكتب لم يبلغ الحلق حدّ الشكر فيك فما … عقبى ذو الشعر والخطب (٣)

стр. 8730

كانت … بك الأحلام عن أمم … والحمد لله شاهدناك عن كثب أغضبت عبّاد عيسى إذ أبدتهم … وكم له من رضى في ذلك الغضب وأطلع الله جيش النصر فانتدبت … طلائع الفتح بين الشّمس والقضب وأشرف المصطفى الهادي البشير على … ما أسلف الأشرف السلطان من قرب فقرّ عينا بهذا الفتح وابتهجت … ببشره الكعبة الغرّاء في الحجب وسار في الأرض مسرى الريح سمعته … فالبرّ في طرب والبحر في حرب وخاضت البيض في بحر الدماء فما … أبدت من البيض إلا … مختضب وغاص زرق القنا في زرق أعينهم … كأنها منطق تهدي إلى قلب توقدت وهي تروى في نحورهم … فزادها الريّ في الإشراق واللّهب أجرت إلى البحر بحرا من دمائهم … فراح كالراح إذ غرقاه كالحبب (٣٦٦) وذاق من حرّها عنهم حديثهم ......... به ...... الرهب تحكمت فسطت فيهم قواضبها ......... لحاويها عن السلب كم … بطلا كالطّود قد بطلت ...... فغدا كالمنزل الخرب كأنه وسنان الرمح يطلبه … برج هوى ووراه كوكب الذّنب بشراك يا ملك الدنيا لقد شرفت … بك الممالك … على الرتب ما بعد عكّا وقد لانت عريكتها … لديك شيء تلاقيه على تعب فانهض إلى الأرض فالدنيا بأجمعها … مدّت إليك نواصيها بلا نصب كم قد دعت وهي في إثر العدا زمنا … صيد الملوك فلم تسمع ولم تجب أجبتها يا صلاح الدين معتقدا … بأن ظنّ صلاح الدين لم يخب أسلت فيها كما سالت دماؤهم ......... نهرا من الذهب أدركت ثأر صلاح الدين عندهم … منه بشرّ طواه الله في القلب وجئتها بجيوش كالسيول على … أمثالها بين آجام من القضب

стр. 8731

. بالمجانيق التي وقفت … أمام أسوارها في جحفل لجب من نوعه نصبوا صفا فما نصبت … للجزم والكسر منها كل منتصب وبعد صحبتها بالزحف فاضطربت … رعبا … وأبدت … إلى الرتب وغنّت البيض في الأعناق فارتقصت … أبراجها لعبا منها مع اللّعب وجدّثت بالدم الأسوار فابتهجت … طيبا ولولا دماء القوم لم تطب وأبرزت كل خود كاعب بترت … لها الرءوس وقد زفّت بلا طرب ظنوا بيوت البروج الشمّ تعقلهم … فاستعقلتهم فلم تطلق من النّوب فأحرزتهم ولكن للسيوف لكي … لا يلتجي أحد منهم إلى الهرب وجالت … (١) في أبراجها وعلت … فأطفأت ما بصدر الدين من كرب (٣٦٧) أضحت أبا لهب تلك البروج وقد … كانت بقلعتها حمالة الحطب البحر من بحر من … ... يلقاه من قومه بالويل والحرب وتمّت النعمة العظمى وقد ملكت … بفتح صور بلا حصر ولا نصب أختان في أنّ كلا منهما جمعت … أختان بالكفر لا أختان بالنسب لما رأت أختها بالأمس قد خربت … كان الخراب لها أعدى من الجرب إن لم يكن ثمّ لون البحر منصبغا … بها … وإلاّ [ألسن] (٢) اللهب فالله أعطاك ملك البحر وابتدأت … لك السعادة ملك البرّ فارتقب من كان مبدؤه عكّا وصور معا … فالصين أدنى إلى كفّيه من حلب علا بك الملك حتى أن قبته … على الربى <قد> غدت ممدودة الطّنب ولا برحت عزيز النصر مبتهجا … بكلّ فتح قريب المنح مرتقب وكتب ابن عبد الظاهر إلى الملك الأشرف في فتح عكّا من قصيدة (٣):

стр. 8732

<الخفيف> أيها السامعون فتح صلاح الد … ين هذا فتوحه قد أعيدا أهل صور صور كذلك صيدا … قد تهيّت صيدا له موجودا قد رعى في فتوحها لأبيه … ولكلّ من في الأنام عهودا أنجدته ملائك وملوك … كثرت عسكرا له وجنودا تجعل الكفر في النقوب دفينا … وتعيد الإيمان خلقا جديدا كم بها غلاظ شداد (١) … تجعل الناس والحجار وقودا ومجانيق لا تملّ صدورا … ونقوب ما إن تملّ ورودا كم لهم أرسلت وقالت فلبوا … أو فكونوا حجارة أو حديدا (٢) لو يكن للصليب نطق لنادى … أنت يا منجنيق أصلب عودا كل هذا بسعد أشرف ملك … زانه الله بسطة وسعودا (٣٦٨) ولما فتحت عكّا ألقى الله في قلوب الفرنج الذين بساحل الشام رعبا فأخلوا صيدا وبيروت، وتسلمها الشجاعي (٣) في أواخر رجب، وكذلك هرب أهل مدينة صور، فأرسل السلطان وتسلمها، ثم تسلم عثليث في مستهل

стр. 8733

شعبان، ثم تسلم [انطرطوس] (١) في خامس شعبان، واتفق لهذا السلطان من السعادة ما لم يتفق [لغيره] (٢) بفتح هذه البلاد العظيمة بغير قتال ولا تعب، وأمر بها فهدمت عن آخرها، وتكملت بفتح هذه البلاد جميع البلاد الساحلية [للإسلام] (٢)، وكان أمرا عجيبا لا يطمع فيه [ولا يرام] (٣) وتطهر الشام بالسواحل من الفرنج بعد أن كانوا قد أشرفوا على الديار المصرية وعلى ملك دمشق وغيرها من الشام، فلله الحمد والمنّة على ذلك. ثم رحل الملك الأشرف ودخل دمشق وأقام مدة، ثم عاد إلى الديار المصرية ودخلها في هذه السنة، ولما كان الحصار على عكّا سعى علم الدين سنجر الحموي المعروف بأبي خرص بين السلطان وبين حسام الدين لاجين نائب السلطنة بالشام فخاف لاجين وقصد [أن يهرب] (٤) وعلم به السلطان فقبض عليه وعلى أبي خرص وقيّدهما وأرسلهما فحبسا. وفيها، ولى الملك الأشرف علم الدين الشجاعي نيابة السلطنة بالشام موضع حسام الدين لاجين. وفي ربيع الأول، مات أرغون بن أبغا بن هولاكو بن طلو بن جنكز خان ملك التتر وكان مدة ملكه سبع سنين (٥)، ولما مات ملك بعده أخوه كيختو بن أبغا، وخلف أرغون ولدين هما قازان وخربندا وكانا بخراسان، ولما تولى كيختو أفحش في الفسق واللواط بأبناء المغل، فأبغضوه على ذلك وفسدت نياتهم عليه.

стр. 8734

وفيها، قتل تلابغا بن منكوتمر بن طغا <ن> بن باطو بن دوشي خان بن جنكز خان، وقد تقدم ذكر مملكته في سنة ست وثمانين وست مئة (١) (٣٦٩) [قتله] (٢) نغية بن [بوقال] (٣) بن ططر بن [بوال بن] (٤) دوشي خان بن جنكز خان (٥)، ولما قتل تلابغا أقام نغية بعد <هـ> طقطقا بن منكوتمر (٦) أخا تلابغا المذكور ورتب نغية أخوة طقطقا بن منكوتمر معه وهم: [برلك، و] (٧) صراي بغا، وتدان (٨). وفي أوائل سنة تسعين وست مئة، تكملت عمارة قلعة حلب، وكان قد شرع قراسنقر في عمارتها في أيام المنصور (٩)، فتمت في أيام الأشرف، [وكان قد خربها هولاكو لما استولى على حلب سنة ثمان وخمسين وست مئة فكان لها على التخريب نحو ثلاث وثلاثين سنة بالتقريب] (١٠).

стр. 8735

سنة إحدى وتسعين وست مئة إلى سنة سبع مئة وفي سنة إحدى وتسعين وست مئة (١٣) سار الأشرف من مصر إلى الشام (١)، وسار المظفر صاحب حماة وعمه الأفضل إلى خدمته [والتقياه بدمشق وسارا في خدمته] (٢) فسبقاه إلى حماة، واهتم الملك المظفر في أمر الضيافة والإقامة والتقدمة، ووصل إلى حماة وضرب دهليزه بشماليها عند [ساقية] (٣) سلمية، ومد له المظفر سماطا عظيما بالميدان، ونصب خياما تليق بالسلطان، ونزل السلطان بالميدان، وبسط بين يدي فرسه عدة كثيرة من الشقق الفاخرة، ثم دخل السلطان الملك الأشرف إلى دار الملك المظفر بمدينة حماة، فبسط الملك المظفر بين يدي فرسه بسطا ثانيا، وقعد السلطان بالدار ثم دخل الحمام وخرج وجلس على جانب العاصي، ثم راح إلى الطيارة (٤) التي على سور باب النقفي المعروفة بالطيارة الحمراء فقعد فيها، ثم توجه من حماة وصاحب حماة وعمه في خدمته إلى المشهد ثم إلى [الخام] (٥) والزرقاء بالبرية فصاد شيئا كثيرا من الغزلان وحمير الوحش.

стр. 8736

وأما العساكر فسارت على السكة إلى حلب، ثم وصل (١) السلطان إلى حلب وتوجه منها إلى قلعة الروم ونازلها في العشر الأول من جمادى الآخرة من هذه السنة، وهي حصن على جانب الفرات في غاية الحصانة، ونصب عليه المجانيق، [وهذا الحصار أيضا من جملة الحصارات التي كانت منزلة الحمويين على رأس الجبل المطل على القلعة من (٣٧٠) شرقيها] (٢)، واشتدت مضايقتها، ودام حصارها حتى فتحت بالسيف في يوم السبت حادي عشر رجب هذه السنة (٣)، وقتل أهلها ونهبت ذراريهم، واعتصم كيثاغيكوس (٤) خليفة الأرمن المقيم بها في القلّة، وكذلك جميع من هرب من أهل القلعة، فبرز مرسوم السلطان إلى صاحب حماة أن يرمي عليهم بالمنجنيق لإشرافه عليهم،

стр. 8737

فلما وتر المنجنيق ليرمي عليهم طلبوا الأمان من السلطان فلم يؤمنهم إلا على أرواحهم خاصة، وأن يكونوا أسرى فأجابوا إلى ذلك، وأخذ كيثاغيكوس خليفة الأرمن وجميع من كان [بقلة القلعة] (١) أسرى عن آخرهم (٢). ورتب السلطان علم الدين سنجر الشجاعي [لتحصين القلعة وإصلاح ما خرب منها وجرد معه لذلك جماعة وأقام الشجاعي] (١) وعمرها وحصنها إلى الغاية. وفي هذا الفتح يقول شيخنا أبو الثناء الكاتب الحلبي يمدح الملك الأشرف (٣): <الطويل> لك الراية الصفراء (٤) يقدمها النصر … فمن كيقباذ إن رآها وكيخسروا (٥) إذا خفقت في الأفق هدّت بنودها … قوى الشرك واستعلى الهدى وانجلى الكفر وإن نشرت مثل الأصائل في وغى … جلا النقع من لألاء طلعتها البدر وإن يمّمت زرق العدا سار تحتها … كتائب خضر دوحها البيض والسّمر

стр. 8738

كأن مثار النقع ليل وخفقها … بروق وأنت البدر والفلك الجتر لها كل يوم أين سار لواؤها … هدية تأييد يقدمها النصر وفتح أتى في إثر فتح (١) كأنما … سماء بدت تترى كواكبها الزّهر فكم وطئت طوعا وكرها معاقلا … مضى الدهر عنها وهي غانية بكر بذلت لها عزما فلولا مهابة … كستها الحيا جاءتك تسعى ولا مهر فإن رمت حصنا سابقتك كتائب … من الرعب <أ> وجيشا تقدمك النّصر ففي كلّ قطر للعدى وحصونهم … من الخوف أسياف تجرّد أو حصر فلا حصن إلاّ وهو سجن لأهله … ولا جسد إلاّ لأرواحهم قبر (٣٧١) يظنون أنّ الصبح في طرّة الدجى … عجاع تراءت فيه أسيافك الحمر قصدت حمى <من> قلعة الروم لم يتح … لغيرك إذ غرّتهم المغل فاغترّوا ووالوهم سرا ليخفوا أذاهم … وفي آخر الأمر استوى السرّ والجهر وما المغل أكفاء فكيف سواهم … ولكنهم غروا وكلّهم [كفر] (٢) وأيضا لإرغام التتار الذي بهم … تمسكهم إذ قهرهم لهم قهر صرفت إليهم همة لو صرفتها … إلى البحر لاستولى على مدّه الجزر ففروا ومن كانوا يرجّون نصرهم … وألو <وا> لقد غرّوهم ولقد برّوا ومن كان يرجو النصر من عند كافر … لقد خاب في ذاك الرجاء وما النصر وولوا وقد ضاق الفضاء عليهم … إلى أن غدا في الضيق كالخاتم البرّ تخطّفهم أطراف جيشك كلّما … سروا أسروا أو عاينوا علما فرّوا وما قلعة الروم التي حزت فتحها … وإن عظمت إلا إلى غيرها جسر طليعة ما يأتي من الفتح بعدها … كما لاح قبل الشمس في الأفق الفجر

стр. 8739

محجّبة بين الجبال كأنها … إذا ما تبدّت في ضمائرها سرّ تفاوت [وصفاها] (١) فللحوت فيهما … مجال، وللنسرين بينهما [وكر] (٢) فبعض رسا حتى علا الماء فوقه … وبعض سما حتى همى دونه القطر يحيط بها نهران (٣) تبرز فيهما … كما لاح يوما في قلائده النّحر وبعضهما العذب الفرات وإنّه … لتحصينها كالبحر بل دونه البحر سريع يفوت الطرف جريا وحدّة … كريح سليمان التي يومها شهر لها قلّة لم ترض سقيا فراتها … وفي روضها ماء المجرّة ينجرّ تخاض متون السحب فيها كأنّها … إذا ما استدارت حول أبراجها نهر على هضب صمّ يكلم صخرها … الحديد، وفيها من إجابته وقر (٣٧٢) لها طرق كالوهم أعيا سلوكها … على الفكر حتى ما تخيلها الفكر إذا خطرت فيها الرياح تعثّرت … أو الذرّ يوما زلّ عن متنها الذّرّ يضل القطا فيها ويخشى عقابها … العقاب ويهفو في مراقبها [النسر] (٤) فصبّحتها بالجيش كالروض بهجة … صوارمه أنهاره والقنا الزّهر وأبعدت بل كالبحر والبيض موجه … وجرد المذاكي [السفن] (٥) والخوذ الدرّ وأغربت بل كالليل عوج سيوفه … أهلّته، والنبل أنجمه الزّهر وأخطأت لا بل كالنهار، وشمسه … محيّاك، والآصال راياتك الصّفر ليوث من الأتراك آجامها القنا … لها [كل يوم في] (٦) ذرا ظفر ظفر

стр. 8740

فلا الريح تسري بينهم لاشتباكها … عليهم، ولا ينهلّ من فوقهم قطر غيوث إذا الحرب العوان تعرضت … لخاطبها بالنفس لم يغلها مهر ترى الموت معقودا بهدب نبالهم … إذا ما رماها القوس والنظر الشّزر ففي كلّ مرج غصن بان مهفهف … وفي كلّ قوس مدّه ساعد بدر إذا صدموا شمّ الجبال تزلزلت … وأصبح سهلا تحت خيلهم الوعر ولو وردت ماء الفرات خيولهم … لقيل هنا قد كان فيما مضى نهر أداروا بها سورا فأضحت كخنصر … لدى خاتم أو تحت منطقة خصر وأرخوا (١) إليها من بحار أكفّهم … سحاب ردى لم يخل من قطره قطر كأن المجانيق التي قمن حولها … رواعد سخط وبلها النار والصّخر أقامت صلاة الحرب ليلا صخورها … فأكثرها شفع، و [أمثلها] (٢) وتر لهم أسهم مثل الأفاعي طوالها … قواتل إلا أنّ أكرهها البتر سهام حكت سهم اللحاظ لقتلها … وما فارقت جفنا، وهذا هو السّحر تزور كناسا عندهم أو كنيسة … فلا دمية تبدو حذار ولا خدر (٣٧٣) ودارت بها تلك النقوب فأسرفت … وليس عليها في الذي فعلت حجر فأضحت بها كالصبّ يخفي غرامه … حذار أعاديه وفي قلبه جمر وشبت بها النيران حتى تمزقت … وباحت بما أخفته وانهتك السّتر ولاذوا بذيل العفو منك ولم يخب … رجاؤهم، لو لم يكن قصدهم مكر أمرت اقتدارا منك بالكفّ عنهم … لئلا يرى في غدرهم لهم عذر فراموا به أمرين: تستير ما وهى … من السور، أو عود التتار وقد فرّوا لهم ويلهم إن التتار الذي رجوا … إعانتهم لم ..... (٣) فقر

стр. 8741

ألم يسمعوا أو لم يروا حال مغلهم … بحمص (١)، وقد أفناهم القتل والأسر إن اندملت تلك الجراح فإنّهم … متى ذكّروا ما مرّ ينقضها الذّكر وما كره المغل اشتغالك عنهم … بها عندما فرّوا، ولكنهم سرّوا فأحرزتها بالسيف قهرا وهكذا … فتوحك فيما قد مضى كلّه قسر (٢) غدت بشعار الأشرف الملك الذي … له الأرض دار وهي من حسنها قصر فأضحت بحمد الله ثغرا ممنّعا … تبيد الليالي والعدا وهو مفترّ وكانت قذى في ناظر الدين فانجلى … وذخرا لأهل الشرك فانعكس الأمر فيا أشرف الأملاك بشراك غزوة … تحصّل منها الفتح والذكر والأجر ليهنك عند المصطفى أنّ دينه … توالى له في يمن دولتك النّصر وبشراك أرضيت المسيح وأحمدا … وإن غضب التكفور (٣) من ذاك والكفر فسر حيثما تختار فالأرض كلّها … بحكمك، والأمصار أجمعها مصر ودم، وابق للدنيا ليحيا بك الهدى … ويزهى على [ماضي] (٤) العصور بك العصر فللّه في تخليد ملكك نعمة … علينا ولا يضيق بها الشّكر (٥) ورجع الملك الأشرف إلى حلب ثم إلى حماة، وقام الملك المظفر بوظائف (٣٧٤) خدمته، ثم توجه السلطان إلى دمشق، وأعطى الملك المظفر صاحب حماة الدستور فأقام ببلده، ودخل السلطان دمشق وصام بها رمضان، ثم سار بعد العيد إلى الديار المصرية.

стр. 8742

وفيها، هرب حسام الدين لاجين المنصوري الذي كان نائبا بالشام من دمشق لما وصل السلطان من قلعة الروم، وكان السلطان قد اعتقله لما كان نازلا على حصار عكّا (١) ثم أفرج عنه في أوائل هذه السنة، وسار مع السلطان إلى قلعة الروم ثم عاد معه إلى دمشق، فحصلت بينهما وحشة فهرب إلى جهة العرب فقبضوه وأحضروه إلى السلطان، فبعث به إلى قلعة الجبل بديار مصر فحبس بها. وفيها، استناب السلطان بدمشق عز الدين أيبك الحموي (٢) وعزل علم الدين سنجر الشّجاعي. وفيها، عزل <السلطان> قراسنقر المنصوري من نيابة حلب واستصحبه معه عند عوده من قلعة الروم، وولى موضعه على حلب سيف الدين بلبان الطّبّاخي، وكان المذكور نائبا بالفتوحات ومقامه بحصن الأكراد. وولى الفتوحات والحصون لطغريل الإيغاني (٣)، ثم عزله بعد مدة وولى موضعه عز الدين أيبك الخازندار المنصوري (٤). ولما وصل الأشرف إلى مصر قبض على شمس الدين سنقر الأشقر وجرمك، وكان قد قبض على تقصو بدمشق فخنقهم عن آخرهم (٥).

стр. 8743

وفي سنة اثنتين وتسعين وست مئة (١٣) [في جمادى الأولى] (١) [أرسل] (٢) الأشرف أحضر المظفر صاحب حماة وعمه الأفضل على خيل البريد، فتوجها وعندهما خوف عظيم بسبب ذلك، ووصلا إلى قلعة الجبل في اليوم الثامن [من خروجهما من حماة] (١) فشملتهما الصدقات السلطانية، وأمر بهما فأدخلا إلى الحمام بقلعة الجبل، وخلع عليهما ملابس كثيرة غير ثياب الطريق، وأقاما في الخدمة أياما، ثم خرج السلطان على الهجن إلى جهة الكرك وسارت (٣٧٥) العساكر على الطريق إلى دمشق، وأركب صاحب حماة وعمه الهجن ورسم لهما بكفايتهما، وسارا (٣) في خدمته إلى الكرك ولاقتهما تقادمهما إلى بركة زيزاء فقبلها السلطان وأنعم عليهما، ودخل دمشق ثم سار منها على البرية متصيدا، ووصل إلى الفرقلس وهو جفار في طريق حمص من الشرق ونزل عليه وحضر إلى الخدمة هناك مهنّا ابن عيسى (٤) أمير العرب و [أخواه] (٥) محمد وفضل وولده موسى (٦) فقبض السلطان على الجميع وأرسلهم إلى مصر، [فحبسوا] (٧) بقلعة الجبل (٨) ووصل السلطان إلى القصب وأعطى صاحب حماة الدستور فحضر إلى بلده، وأما عمه

стр. 8744

الأفضل فإنه كان قد حصل له تشويش لما كان السلطان بجليجل (١) وما حولها، وأرسل إلى السلطان تقدمة ثانية ولم يقدر على الحضور بسبب مرضه، فأحضرت والسلطان نازل على القصب فقبلها، وارتحل عائدا إلى مصر فوصل إليها في رجب. وفي هذه السنة [بعد وصول السلطان إلى مصر، كان] (٢) قد [أخّر] (٣) بعض العسكر المصري على حمص فتقدم إليهم وإلى صاحب حماة وعمه بالمسير إلى حلب والمقام بها لما في ذلك من إرهاب العدو فسارت إليها، وكان خروج المظفر وعمه من حماة يوم الجمعة خامس عشري شعبان [ودخلوا حلب يوم الثلاثاء التاسع والعشرين من شعبان] (٤) الموافق لرابع شهر آب، وأقاموا بها [إلى أوائل ذي القعدة] (٤) هذه السنة أعني سنة اثنتين وتسعين وست مئة (٥). سنة (٦) ثلاث وتسعين وست مئة (١٣) في ثاني المحرم، فتكوا بالسلطان الملك الأشرف صلاح الدين خليل بن

стр. 8745

قلاون (١) بترّوجة (٢) وهو يتصيد ليس معه سيف ولا معه أحد سوى أمير شكّار فتعامل نائبه بيدرا ولاجين فشد [عليه] (٣) بيدرا وأفصله لاجين ثم سموا بيدرا الملك القاهر، وأقبلوا به ليملّكوه فحمل عليه كتبغا (٤) بالخاصكية فقتلوه من الغد (٥)، واختفى لاجين وقراسنقر وجماعة (٣٧٦)، وحلفوا لمولانا السلطان الملك الناصر ناصر الدين خلد الله <ملكه> وهو ابن تسع سنين، وأهلك الوزير ابن السّلعوس تحت الضرب (٦)، وقتل الشّجاعي وكان قد عزم على أن يتملك فلم يتم له (٧) وعمل نائبه السلطان أيده الله تعالى زين الدين كتبغا، وركب في دست السلطنة، وزينت البلاد، ثم بعد أشهر ظهر حسام الدين لاجين وشفع فيه كتبغا، فأنعم عليه السلطان وأعطاه خبز (٨) بكتوت العلائي (٩). وكانت دولة الأشرف ثلاث سنين وشهرين (١٠)، وعاش أزيد من ثلاثين سنة

стр. 8746

بقليل، وكان بديع الجمال، تام الشكل، ضخما، مهيبا، مستدير اللحية، كامل الشجاعة، عالي الهمة، يملأ العين، ويرجف القلب، خضعت له الملوك، ودانت له الأمم. وكان بيدرا من أكبر دولة السلطان الملك المنصور ومن أعز الناس على أستاذه، ثم اتخذه الأشرف الشهيد نائبه فكافأه، وكان بيدرا يرجع في الجملة إلى دين وعدل، عاش نيفا وثلاثين سنة. وكان الشّجاعي طويلا، تام الهيبة، أبيض، أسود اللحية، مهيبا وقورا، فيه عسف وجبروت، وعنده خبرة بالأمور <و> فطنة، عمل <في> نيابة دمشق، ودخل طلبه [من] (١) غزاة قلعة الروم وهو في تجمل عظيم لا ينبغي أن يكون إلا لسلطان. وفيها مات <كيختو> بن أبغا بن هولاكو طاغية التتار، تسلطن بعد موت أرغون سنة تسعين (٢)، ومالت طائفة إلى [بيدوا] (٣) ابن أخيه ما هو ابن أخيه بل نسيب له بعيد (٤) فملكوه ووقع الخلف بينهم، ثم قوي بايد واوقاد الجيوش، فالتقى الجمعان فقتل كيختو واستقل [بيدوا] (٣) بالممالك، فخرج عليه نائب خراسان غازان بن أرغون وجمع الجيوش فطلب الملك (٥).

стр. 8747

وفيها، مات قاضي القضاة بدمشق شهاب الدين أحد الأعلام محمد بن قاضي القضاة شمس الدين أحمد بن الخليل الخوييّ الشافعيّ (١) وله سبع وستون سنة. سنة أربع وتسعين (٣٧٧) وست مئة (١٣) في المحرم، ذهب مولانا السلطان ناصر الدين إلى الكرك وأعرض عن الملك، فتسلطن زين الدين كتبغا التركي المغلي المنصوري، ولقب بالملك العادل وزينت البلاد وقد جاوز الأربعين (٢) وهو من سبي وقعة حمص الأولى أي في سنة تسع وخمسين (٣)، وكان من أكابر أمراء المنصورية، وصير نائبه حسام الدين لاجين المنصوري. وكسر النيل السنة عن نقص كثير، فخاف الناس، وغلت الأسعار. وفيها، دخل ملك التتار غازان بن أرغون في الإسلام وتلفظ بالشهادتين بإشارة نائبه نوروز، ونثر الذهب واللؤلؤ على الخلق وكان يوما مشهودا، ثم لقنه نوروز شيئا من القرآن، ودخل رمضان فصامه، وفشا الإسلام في التتار. وفيها، توفي خطيب دمشق ومفتيها [شرف الدين] (٤) أحمد بن أحمد [ابن] (٤) المقدسي (٥) وقد نيف عن السبعين.

стр. 8748

وشيخ المشايخ عز الدين أحمد بن إبراهيم الواسطي الفاروثي (١) المقرئ المفسر الواعظ الخطيب في [ذي] (٢) الحجة بواسط وله ثمانون سنة. وشيخ الحرم الفقيه الحافظ محب الدين أحمد بن عبد الله الطبري (٣) مصنف «الأحكام» (٤) عن تسع وسبعين سنة. وسلطان أفريقيّة المستنصر بالله عمر بن يحيى بن عبد الواحد الهنتاتي (٥)، وكان ملكه إحدى عشر سنة. وفيها، توفي صاحب اليمن السلطان الملك المظفّر شمس الدين يوسف بن السلطان عمر بن علي بن رسول التركماني (٦)، وكانت دولته [سبعا وأربعين] (٧) سنة، وعاش أزيد من ثمانين سنة.

стр. 8749

سنة خمس وتسعين وست مئة (١٣) كان القحط المفرط بمصر، وبلغ الإردب مئة و [ستين] (١) درهما، وأكلوا الجيف، وعظم الوباء، ومات الخلق في الطريق جوعا وهلاكا، وبلغ الخبز بمصر كل خمس أواق بالدمشقي بدرهم، وكان الغلاء بدمشق، بلغت الغرارة مئة وخمسين درهما، ويقال: أحصي من مات بمصر والقاهرة في مدة شهر صفر فزادوا (٣٧٨) على مئة ألف، ثم بلغت الغرارة مئة وثلاثين درهما (٢)، وانصلح أمر مصر في جمادى الأولى، وقل الناس وفنوا، وانحطّت الأسعار. وفي ذي القعدة، قدم السلطان الملك العادل زين الدين [كتبغا] (٣) وزينت دمشق وصلى الجمعة بالمقصورة وكان أسمر مغليا وقصيرا في ذقنه شعرات قليلة، وعنقه قصير، وكان يوصف بالشجاعة والإقدام والدين التام وسلامة الباطن، يعوزه رأي وحزم، وخلع على الخطيب بدر الدين بن جماعة (٤)، وزار المصحف العثماني (٥)

стр. 8750

وصلى على يمينه الشيخ حسن بن الحريري (١)، وعن شماله صاحب حماه (٢)، ويلي ابن الحريري نائب المملكة حسام الدين لاجين، ثم نائب دمشق عز الدين الحموي، ثم بدر الدين بيسرى، ثم قراسنقر المنصوري، ثم لعب بالكرة، واستناب على دمشق مملوكه غرلوا (٣). وفيها، مات شيخ الحنابلة بمصر العلامة نجم الدين أحمد بن حمدان الحراني (٤) في صفر، وله اثنتان وتسعون سنة. وقاضي القضاة تقي الدين عبد الرحمن بن قاضي القضاة تاج الدين عبد الوهاب بن بنت الأعز الشافعي (٥) بمصر كهلا.

стр. 8751

وشيخ الحنفية الصاحب العلامة محي الدين محمد بن يعقوب بن النحاس الأسدي الحلبي (١) بالمزّة، وله إحدى و [ثمانون] (٢) سنة. وشيخ الحنابلة العلامة زين الدين المنجا بن [عثمان بن المنجا] (٣) التّنوخي (٤)، وله أربع وستون سنة. سنة ست وتسعين وست مئة (١٣) في أولها، رجع السلطان العادل من حمص وجلس بدار العدل (٥)، وتناول من الناس القصص بيده، وصلى الجمعة وزار قبر هود (٦)، ثم زار مغارة الدم (٧)، ثم سافر، فلما كان آخر المحرم غلقت قلعة دمشق وتهيأ غرلوا، وجمع الأمراء وركبوا من باب النصر فوصل قبل العصر السلطان في خمسة مماليك وقد زالت دولته، فدخل القلعة وضربت البشائر، وصورة الواقعة] (٨) بوادي فحمة أن نائب السلطنة الحسام لاجين ركب وقتل الأميرين بتخاص (٩) وبكتوت (٣٧٩)

стр. 8752

الأزرق وكانا جناحي العادل (١)، فلما سمع [العادل] (٢) بخبطة ركب فرس النّوبة وساق إلى دمشق ومعه خمسة فقط، وساق حسام الدين الخزائن والجيش وركب تحت العصائب في دست السلطنة فبايعوه كلهم، ودخل إلى مصر وزينت البلاد. وأما العادل فإنه أقام ثلاثة عشر يوما، ثم صحّت بدمشق الأخبار بسلطنة حسام الدين، ثم بعد ذلك بعشرة أيام قدم كجكن (٣) فنزل بالقبيبات (٤) وأعلن باسم المولى السلطان حسام الدين، فسارع إليه أمراء دمشق، وأذعن العادل بالطاعة وسلم نفسه، فاعتقلوه في مكان بالقلعة، وضربت البشائر، ثم اجتمعت القضاة والنائب غرلوا وأظهر السرور، و<قال> أنا السلطان حسام الدين هو الذي عيّنني لنيابة دمشق، وإلا فأستاذي استصغرني عن ذلك. وفي تاسع عشر صفر، ركب السلطان بمصر بخلعة الحاكم بأمر الله والتقليد ثم حرك كتبغا إلى صرخد، ثم في ربيع الأول وصل قبجق على نيابة دمشق، وناب بمصر قراسنقر المنصوري، ثم بعد أشهر أمسك، وناب منكوتمر الحسامي (٥)

стр. 8753

وعمل <في> وزارة مصر والشدّ شمس الدين الأعسر (١)، ثم في آخر العام أمسك وصودر. وفيها، مات محدث مصر جمال الدين أحمد بن محمد بن الظاهري (٢) الحافظ وله سبعون سنة والقاضي تاج الدين عبد الخالق بن عبد السلام الشافعي (٣) ببعلبك وله ثلاث وتسعون سنة. سنة سبع وتسعين وست مئة (١٣) فيها، قبض على البيسرى (٤) أكبر أمراء الدولة. وفيها، قدم الدّواداري (٥) بعسكر [مصر] (٦) فسار ببعض الشاميين (٧) فنزلوا

стр. 8754

حصون سيس، فأخذوا قلعة مرعش في رمضان (١)، ودقّت البشائر. وفي شوال، فتحوا قلعة حميص (٢) وقلعة نجيمة. وفيها، قبض بمصر على عز الدين أيبك الحموي الذي كان نائب دمشق. وفيها، مات مسند العراق الكمال عبد الرحمن بن عبد اللطيف المقرئ (٣) المكبّر شيخ (٣٨٠) المستنصرية وله ثمان وتسعون سنة. سنة ثمان وتسعين وست مئة (١٣) توحشت نفوس الدولة مما يفعله منكوتمر من إمساك [الكبار] (٤) وسقي بعضهم، وذهب نائب دمشق قفجق بالعساكر فنزلوا بأرض حمص، وهناك بكتمر السلحدار (٥) بطائفة من المصريين فتكلموا في مصلحتهم، وأن منكوتمر لا يفتر عنهم، فاتفقوا على المسير إلى قازان ملك التتار لعلمهم بإسلامه، فسار

стр. 8755

من حمص المذكوران وألبكي (١) وبزلار (٢) بخواصّهم فأخذوا على ناحية سلمية وعدوا الفرات، فلم يكن بعد عشرة أيام من مسيرتهم إلا وقد جاء البريد بقتلة السلطان الملك المنصور حسام الدين لاجين المنصوري وقتلة منكوتمر، وعلم الأمراء المخامرون بقتلهما وهم بأرض سنجار وفات الأمر. وأحضروا مولانا السلطان من الكرك وله أربع عشرة سنة وتسلم السلطنة وحلفوا له، ثم قتل طغجي وكرجي (٣) و [كانا] (٤) ممن قتل المنصور ونائبه، ثم ناب بمصر سيف الدين سلاّر والأتابك [هو] (٥) حسام الدين أستاذ دار (٦)، وركب السلطان أيده الله في دست المملكة بالخلعة وتقليد الخليفة، وجاء على
следующие страницы →